← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

«٤٧٧» - وقال أبو نواس: [من المنسرح] بدت لنا في ثياب لعبتها ... تجرّ أثوابها لقلّتها «٤٧٨» - وقال ابن الرومي: [من السريع] قميئة الخلقة دحداحة ... تطرحها القلّة في المنسى نكهتها تقتل جلّاسها ... لقرب محشاها من المفسى «٤٧٩» - وقال: [من السريع] قصيرة القامة دحداحة ... قامتها قامة فقّاعه تضلّ في السربال من قلّة ... كصعوة في جوف قفّاعه «٤٨٠» - وقال الناجم: [من الخفيف المجزوء] وقصير لا تعمل الش ... شمس ظلّا لقامته يعثر الناس في الطري ... ق به من دمامته «٤٨١» - وقال آخر: [من الطويل] أظنّ خليلي من تقارب شخصه ... يعضّ القراد باسته وهو قائم «٤٨٢» - وقال آخر: [من الطويل] وأقسم لو خرّت من استك بيضة ... لما انكسرت لقرب بعضك من بعض ومما قيل في ذمّ النساء.

стр. 1927

«٤٨٣» - قول الشاعر: [من الطويل] أتوني بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشهر أما لك عمر إنما أنت حيّة ... إذا هي لم تقتل تعش آخر الدهر ثلاثين حولا لا أرى منك راحة ... لهنّك في الدنيا لباقية العمر شربت دما إن لم أرعك بضرّة ... بعيدة مهوى القرط طيّبة النشر ٤٨» - وقال آخر: [من الكامل المجزوء] رحلت أنيسة بالطلاق ... وعتقت من رقّ الوثاق بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآقي ودواء ما لا تشتهي ... هـ النفس تعجيل الفراق لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق وخصيت نفسي لا أري ... د حليلة حتى التلاقي «٤٨٥» - وقال آخر: [من الطويل] لا تنكحنّ الدهر ما عشت أيما ... مجرّبة قد ملّ منها وملّت تجود برجليها وتمنع درّها ... وإن طلبت منها المودة هرّت «٤٨٦» - وقال المتوكل الليثي: [من الطويل] ولا تنكحنّ الدهر إن كنت ناكحا ... عشوزنة لم يبق إلّا هريرها تجود برجليها وتمنع مالها ... وإن غضبت راع الأسود زئيرها

стр. 1928

إذا فرغت من أهل دار تبيرهم ... سمت سموة أخرى لدار تبيرها «٤٨٧» - وقال أعرابيّ: [من الرجز] يا ربّ صبرني على أمّ اللهم ... على جزور ذات سلح للّقم وهي إذا قلت كلي قالت نعم ... كأنما تقذف في بحر خضمّ سريعة السّرط لحوس للبرم ... قد هرّمتني قبل أيام الهرم من عالها فهو حريّ بالعدم «٤٨٨» - وقال الرحّال: [من الطويل] فلا بارك الرحمن في عود أهلها ... عشيّة زفّوها ولا فيك من بكر ولا فرش ظوهرن من كلّ جانب ... كأني ألوّى فوقهنّ على الجمر ولا الزعفران حين مسّحنها به ... ولا الحلي منها حين نيط إلى النحر فيا ليت أنّ الذئب كان مكانها ... وإن كان ذا ناب حديد وذا ظفر «٤٨٩» - وقال آخر: [من السريع] جارية في جلدها سهكة ... كأنها ملبسة جلد حوت تحسبها للضعف من صوتها ... ذبابة في قبضة العنكبوت «٤٩٠» - وقال ابن المعتز يهجو زامرة: [من المنسرح] قابلكم دهركم بزامرة ... تقدح في وجه كلّ سرّاء فزبطروا شدقها إذا نفخت ... فذاك أولى بها من النّاء

стр. 1929

«٤٩١» - وقال دعبل: [من السريع] إنّ ابن زبّان له قينة ... أربت على الشيطان في القبح سوداء فوهاء لها شعرة ... كأنها نمل على مسح فلو بدت حاسرة في الضحى ... لاسودّ منها فلق الصبح «٤٩٢» - وقال أيضا: [من البسيط] لا بارك الله في ليل يقرّبني ... إلى مضاجعة كالدلك بالمسد لقد لمست معرّاها فما وقعت ... مما لمست يدي إلّا على وتد في كلّ عضو لها عظم تصكّ به ... جسم الضجيع فيضحي واهي الجسد «٤٩٣» - وقال أيضا: [من الكامل] صدغاك قد شمطا ونحرك يابس ... والصدر منك كجؤجؤ الطنبور يا من معانقها يبيت كأنه ... في محبس قمل وفي ساجور قبّلتها فوجدت لذعة ريقها ... فوق اللسان كلدغة الزنبور «٤٩٤» - وقال آخر: [من البسيط] الاست رسحاء مشلول مناكبها ... كأن معلف شاة في تراقيها والثدي منها على الفخذين منسدل ... كأنه قربة قد سال ما فيها «٤٩٥» - وقال آخر: [من البسيط] أعوذ بالله من زلّاء فاحشة ... كأنما نيط ثوباها على عود

стр. 1930

لا يمسك الحبل حقواها إذا انتطقت ... وفي الذنابى وفي العرقوب تحديد وفي ضد ذلك: «٤٩٦» - قول امرأة تزوجت بشيخ قصير: [من الطويل] أيا عجبا للخود يجري وشاحها ... تزفّ إلى شيخ من القوم تنبال دعاها إليه أنه ذو قرابة ... فويل الغواني من بني العمّ والخال ٤٩٧- ولأخرى: [من الطويل] ومن صولة الأيام والدهر أن يرى ... غزال النّقا في ذمّة الظّربان «٤٩٨» - وقالت حميدة بنت النعمان بن بشير: [من الطويل] وهل أنا إلّا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحلّلها بغل فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى ... وإن يك إقراف فما أنجب الفحل كذا يرويه من تجنّب الاقواء، والرواية في قولها: فمن قبل الفحل. وقد ذكرنا كلام امرأة عروة بن الورد في زوجها بعده فيما تقدم. وهذه مقطعات من أهاجي شعراء عصرنا. ٤٩٩- قال أبو منصور ابن الأصباغي: [من الكامل المرفل] قل للمغرّب عن مواطنه ... إيّاك أن تأتي بني عوف قوم يموت الجار بينهم ... بالأنكدين الجوع والخوف ٥٠٠- أبو تمام الدبّاس: [من الخفيف] مات أبو حامد ومات جلال الد ... دين فاستحضر الهجا والمديح كنت أهجو هذا وأمدح هذا ... فأنا اليوم خاطري مستريح

стр. 1931

فصل في نوادر الهجاء والذم «٥٠١» - الأهاجي في معانيها تقارب النوادر، وأسيرها ما كان خفيفا سهلا، إلّا أني لما شرطته في الكتاب أخرجت في هذا الفصل ما قصد به القائل قصد الهزل. فمن ذلك ما رواه صاعد بن ثابت قال: بلغ أبا الحسين [١] البريدي خبر قصيدة أبي الفرج الأصفهاني فيه، وسمع استحسان قوم لها فقال لجلسائه: من يحفظها؟ فقالوا: ليس فينا من يحفظها. فقال: دعوا هذا عنكم، ومن أنشدنيها فهو آمن، وله ألف درهم. وكان أبو القاسم ابن أبي موّاس [٢] أبسط الجماعة عليه، فقال: لست أحفظها ولكنّي أحضرك نسختها ولي الأمان والصلة. قال: افعل. قال: آلله؛ قال: آلله. ثم صافحه أنه لا يبقى في نفسه شيء إذا هو فعل ذاك. فأحضره نسختها وقرأها عليه وهو يفرك يديه ويزداد غيظا حتى انتهى إلى قوله: [من الخفيف] هو أزنى ممّن نقدّر أمّا ... ليس ممّن يصاد بالتقليد قال: فضحك حتى قهقه ثم قال: صدق العاضّ بظر أمّه، لست ممّن يصاد

стр. 1932

بالتقليد، وقطع أبو القاسم الإنشاد ولم يستعده، ووقّع له بألف درهم تسلّم إليه من الخزانة. ومعنى هذا البيت أنّ الراضي كان قلّده الوزارة، ليحتال عليه ويحصّله؛ وكان البريديّ أخبث من ذلك، فاستناب في الوزارة وهو بالبصرة ولم يدخل بغداد إلّا مالكها. وأول قصيدة أبي الفرج: [من الخفيف] يا سماء اقلعي ويا أرض ميدي ... قد تولّى الوزارة ابن البريدي «٥٠٢» - وقال أبو الفرج الأصفهاني: سكر المهلبيّ ليلة وأنا عنده، ولم يبق من ندمائه [١] غيري، فقال لي: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرّا، فاهجني الساعة ظاهرا. فقلت: الله الله، أطال الله بقاء الوزير، إن كنت قد مللتني حتى أنقطع، وإن كنت تؤثر قتلي فمتى شئت فبالسيف صبرا، قال: دع هذا، لا بدّ من أن تهجوني قال: وكنت سكران، فقلت: أير بغل بلولب فسبقني هو وقال: في حر امّ المهلّبي هات مصراعا آخر فقلت: الطلاق لازم للأصفهاني إن زاد على هذا أو كانت عنده زيادة. «٥٠٣» - وقال السري الرفّاء في أحد الخالديان: [من السريع] يا سارق الأغفال ما حبّروا ... من الخوافي والمشاهير

стр. 1933

أعط قفا نبك أمانا فقد ... أمست بقلب منك مذعور «٥٠٤» - قال المبّرد بلغني أنّ أعرابيّا لقي رجلا من الحاجّ فقال له: ممّن الرجل؟ قال: من باهلة، قال: أعيذك بالله من هذا، قال: أي والله، وأنا مع ذاك مولى لهم. فأقبل الأعرابيّ يقبّل يديه ويتمسّح به، فقال له الرجل: لم تفعل ذلك؟ قال: لأني أثق بأنّ الله تعالى لم يبتلك بهذا في الدنيا إلّا وأنت في الجنة. ٥٠٥- وقال أبو الشمقمق لبشّار بن برد: أنت ثقيل عليّ وأنا ثقيل عليك، فتعال حتى يصف كلّ واحد منّا صاحبه، فقال بشّار: أنت عندي أثقل من الكرب في آب، والصدام في كانون، والرقيب على العاشق، والغريم على المفلس، ومن عسر الولادة، ومن شماتة الأعداء. قال أبو الشمقمق: أما أنا فأختصر: أنت عندي أثقل من موت الفجأة وزوال النعمة. «٥٠٦» - وقال شاعر: [من الطويل] إلى الله أشكو أنني بتّ طاهرا ... فجاء سلوليّ فبال على رجلي فقلت اقطعوها لا أبا لأبيكم ... فإني كريم غير مدخلها رحلي «٥٠٧» - دخل أبو دلامة على المهديّ وعنده إسماعيل بن عليّ [١] وعيسى بن موسى والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وغيرهم من بني هاشم، فقال له المهدي: أنا أعطي الله عهدا لئن لم تهج واحدا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك. فنظر إليه القوم وغمزه كلّ واحد منهم بأنّ عليّ رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أنّي قد وقعت، وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء

стр. 1934

مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجائي نفسي، فقلت: [من الوافر] ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلّا أجازه. ٥٠٨- رؤي أعرابيّ يبول في المسجد فصاحوا عليه فقال: أنا والله أفقه منكم، إنه مسجد باهلة. «٥٠٩» - وقيل لأعرابيّ: أيسرّك أن تدخل الجنة وأنت باهليّ؟ قال: على أن لا يعرف فيها نسبي. «٥١٠» - وقال أحمد بن سعيد الباهلي لأبي العيناء: إني أصبت لباهلة فضيلة لا توجد في سائر العرب، قال: وما هي؟ قال: لا يصاب فيهم دعيّ، قال: لأنه ليس فوقهم من يقبلهم، ولا دونهم أحد فينزلون إليه. «٥١١» - وقيل له: ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر وإثمهما أكبر من نفعهما. «٥١٢» - وسقط نجاح بن سلمة عن دابته، فوثب إليه إبراهيم بن عتاب فأخذه من الأرض، فقال أبو العيناء: يا أبا الفضل لميتة مجهزة أصلح من عافية على يد ابن عتاب. «٥١٣» - واعترضه يوما أحمد بن سعيد فسلّم عليه، فقال أبو العيناء: من

стр. 1935

أنت؟ قال: أحمد بن سعيد، فقال: إني بك لعارف، ولكن عهدي بصوتك مرتفع إليّ من أسفل، فما له منحدر عليّ من علو؟ قال: لأني راكب قال: لا إله إلّا الله، لعهدي بك وأنت في طمرين لو أقسمت على الله تعالى في رغيف لأعضّك بما تكره. «٥١٤» - وقال له رجل: ما أنتن إبطك!! قال: نلقاك أعزّك الله بما يشبهك. «٥١٥» - وقال لرجل: والله ما فيك من العقل شيء إلّا مقدار ما تجب الحجّة به عليك، والنار لك. «٥١٦» - تغدّى الجماز عند إنسان هاشميّ، ومرّ الغلام بصحفة فقطر منها شيء على ثوب الجمّاز، فقال الهاشميّ: يا غلام اغسل ثوبه، فقال الجمّاز: دعه فمرقتكم لا تدسّم الثوب. «٥١٧» - وقف رجل على بهلول فقال له: تعرفني؟ قال بهلول: اي والله وأنسبك نسب الكمأة: لا أصل ثابت، ولا فرع نابت. «٥١٨» - شاعر: [من السريع] أمّ زياد لم ولدتيه ... ملتحفا بالكبر والتيه ليتك إذ جئت به هكذا ... أكلته لما خريتيه «٥١٩» - عليّ بن خليل في دعيّ: [من السريع] متى تعرّبت وكنت امرءا ... من الموالي صالح الدين

стр. 1936

لو كنت إذ صرت إلى دعوة ... فزت من القوم بتمكين لكفّ من وجدي ولكنني ... أراك بين الضبّ والنون فلو تراه صارفا أنفه ... عن ريح خيريّ ونسرين لقلت جلف من بني دارم ... حنّ إلى الشيح بيبرين دعموص رمل زلّ عن صخرة ... فعاف أرواح البساتين تنبو عن القاقم أعطافه ... والخزّ والسنجاب واللين «٥٢٠» - كان لهشام النحويّ جارية يقال لها خنساء، وكانت تقول الشعر، فعبث بها يوما أبو الشبل فأغضبها، فقالت له: ليت شعري بأيّ شيء تدلّ؟ أنا والله أشعر منك، ولئن شئت لأهجونّك حتى أفضحك، فأقبل عليها وقال: [من مخلع البسيط] خنساء قد أفرطت علينا ... فليس منها لنا مجير تاهت بأشعارها علينا ... كأنما ناكها جرير فخجلت حتى بان ذلك فيها وأمسكت عن جوابه. ٥٢» - قال ابن قتيبة: مكثت ميّة زمانا لا ترى ذا الرمّة، وهي تسمع مع ذلك شعره، فجعلت لله عليها أن تنحر بدنة يوم تراه. فلما رأته رجلا أسود دميما قالت: واسوأتاه وابؤساه، واضيعة بدنتاه، فقال ذو الرّمة: [من الطويل] على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا قال فكشفت ثوبها عن جسدها ثم قالت: أشينا ترى لا أمّ لك؟ فقال: ألم تر أنّ الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا

стр. 1937

فقالت: أمّا ما تحت الثياب فقد رأيته وعلمت ألّا شين فيه، ولم يبق إلّا أن أقول لك: هلمّ حتى تذوق ما وراءه، والله لا ذقت ذلك أبدا. فقال: فيا ضيعة الشّعر الذي لجّ فانقضى ... بميّ ولم أملك ضلال فؤاديا «٥٢٢» - خالد الكاتب: [من السريع] وقائل إنّ حماري له ... مشي إذا صوّب أو صعّدا فقلت لكنّ حماري إذا ... حثثته لا يلحق المقعدا يستعذب الضرب فإن زدته ... كاد من اللذة أن يرقدا ٥٢٣- ومثله لابن الحجّاج يذكر فرسه: [من السريع] حاشاه أن يعدو ولكنني ... أمشي فلا يلحقني إن عدا إذا البراذين غلا سعرها ... فسعره في السوق سعر الجدا ٥٢٤- وتبعهما مرجّى بن نبيه فقال: [من الخفيف] هي تعدو والخيل تمشي فما تل ... حق إلّا غبارها بعد حين «٥٢٥» - أبو الأسد: [من البسيط] صنع من الله أني كنت أعرفكم ... قبل اليسار وأنتم [١] في التبايين فما مضت سنة إلّا رأيتكم ... تمشون في الخزّ والقوهيّ واللين وفي المشارق [٢] ما زالت نساؤكم ... يصحن تحت الدوالي بالوراشين

стр. 1938

فصرن يرفلن في وشي العراق وفي ... طرائف الخزّ من دكن وطاروني أنسين قطع الحلافي من منابتها ... وحملهنّ كشوثا في الشقابين حتى إذا أيسروا قالوا وقد كذبوا ... نحن الشّهاريج [١] أبناء الدهاقين في است امّ كسرى عمود إن أقرّ بكم ... وأير بغل مشظّ في است شيرين من ذا يخبّر كسرى وهو في سقر ... دعوى النبيط وهم بيض الشياطين وأنهم زعموا أن قد ولدتهم ... كما ادّعى الضبّ أني نطفة النّون فكان ينحز جوف النار واحدة ... تفري وتصدع خوفا قلب قارون أما تراهم وقد حطّوا براذعهم ... عن أتنهم واستبدوا بالبراذين فأفرجوا عن مشارات البقول إلى ... دور الملوك وأبواب السلاطين «٥٢٦» - عبد الصمد بن المعذل في ابن أخيه: [من البسيط] لو كان يعطى المنى الأعمام في ابن أخ ... أصبحت في جوف قرقور إلى الصّين يا أبغض الناس في فقر وميسرة ... وأقذر الناس في دنيا وفي دين تيه الملوك إذا فلس ظفرت به ... وحين تفقده ذلّ المساكين لو شاء ربي لأضحى واهبا لأخي ... من مرّ ثكلك أجرا غير ممنون وكان أحظى له لو كان متّزرا ... في السالفات على غرمول عنّين إنّ القلوب لتطوى منك يا ابن أخي ... إذا رأتك على مثل السكاكين «٥٢٧» - أعرابيّ يهجو أمه: [من الرجز] شائلة أصداغها لا تختمر ... تعدو على الضيف بعود منكسر

стр. 1939

حتى يفرّ أهلها كلّ مفرّ ... لو نحرت في بيتها عشر جزر لأصبحت من لحمهنّ تعتذر ... بحلف مين ودمع منهمر شائلة أصداغها: يريد أنّ شعرها قد قام من الخصومة، لا تختمر: من مبادرتها إلى الشرّ، وبعود منكسر: أي عصا قد انكسرت مما تضرب بها. ٥٢٨- ابن الحجاج: [من السريع] أعيذكم بالله من عصبة ... تباع مجّانا ولا تشترى فإنكم من حيث ما استنشقت ... روائح الآمال فيكم خرا [١]

стр. 1940

الباب الرّابع والعشرون الإغراء والتّحريض

стр. 1941

خطبة الباب بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله الحمد لله باعث النّذر بالآيات والبراهين، ومرسلهم بالنور المبين، وجاعل متبعهم متمسكا بالحبل المتين، لاجئا منه إلى ظلّ ظليل مديد، وائلا إلى معقل منيع شديد؛ حثّ على الجهاد وحرّض، وعنّف من اثّاقل عنه وأعرض، ووعد من سارع إليه أفضل الجزاء، وأغرى القلوب بطلب منازل الشهداء، وأعلى مراتبهم حتى طمحت إليها النواظر، وتعلّقت بها الهمم والخواطر. فله الحمد على تكرمته بإضعاف الثواب لمن أطاعه وعمل بأمره، وله الشكر لما أسبغ علينا من مواهبه وظاهر من برّه؛ والصلاة على رسوله المجاهد في سبيله المحامي عن دينه، محاماة القسورة عن عرينه، محرض المؤمنين على القتال، ودامغ جبابرة الأقيال، وعلى آله وأصحابه الأعلام الأبطال.

стр. 1942

(الباب الرابع والعشرون في ما جاء في الإغراء والتحريض) ٥٢٩- مما يدخل في هذا المعنى من الكتاب العزيز حكاية عن قول نوح ﵇: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (نوح: ٢٦- ٢٧) وعن قول موسى ﵇: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (يونس: ٨٨) . وكان رسول الله ﷺ يحرّض أصحابه على الجهاد وفي الحرب. وقد قال الله له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ (الأنفال: ٦٥) وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (التوبة: ٣٨) . «٥٣٠» - من كلام عليّ ﵇ يحرّض على حرب أهل الشام: أفّ لكم قد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، وبالذلّ من العزّ خلفا؟! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة، ما أنتم إلّا كإبل ضلّ رعاتها، وكلّما جمعت من جانب

стр. 1943

انتشرت من آخر. لبئس لعمر الله سعر [١] نار الحرب أنتم. تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تمتعضون، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. غلب والله المتخاذلون. وايم الله إني لأظنّ بكم أن لو حمس الوغى واستحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس. والله إنّ امرءا يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه، ويفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره. أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فو الله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية يطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. «٥٣١» - ومن كلامه كرّم الله وجهه [٢] : وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة. أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم. إنّ في الفرار لموجدة الله، والذلّ اللازم، والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره، ولا محجوز بينه وبين يومه. من رائح إلى الله كالظمآن يرد الماء؟ الجنة تحت أطراف العوالي. اليوم تبلى الأخبار. ٥٣٢- قام مروان بن الحكم يوم الجمل يحرّض الناس فقال بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيّه ﵇: إنّ الله بعث محمدا ﷺ رسولا ختم به الرسل، ونسخ بدينه الأديان، ثم لم يقبضه حتى استوسق الإسلام وثبتت أركانه، وأنارت أحكامه، وعرف كلّ وارد مشربه، وكلّ سار مصدره، فجعل الحقّ أبين من المجرّة لا يجهلها الدليل ولا يضلّ عنها الساري. فلما قبض ﷺ ولي الأمر أبو بكر رحمة الله عليه فتألّب عليه الأعداء، وناصبته

стр. 1944

العرب الحرب، فاستنفر كالفحل بذنبه [١] وتحرّك لأمر ربّه، وضرب بمن أطاع من عصى حتى أعاد الدين جديدا، وأبرم ما انتقض منه، ورأب ما انصدع، وردّ الأمور إلى حقائقها، ثم مضى على صراط سويّ [٢] مستقيم، وأحكام عادلة وسنن هادية. واجتهد لما ذنت منيّته، وناصح نفسه والمسلمين نظرا منه لهم، فبايع عمر [٣] بن الخطاب رحمة الله عليه واستخلفه، فألفيناه والله ماضي العزيمة، صادق النيّة، غير خوّار القناة، ولا قلق الوضين، ولا رخو اللّبب. وكره ذلك رجال شمخوا بأنوفهم، وصغوا بأعناقهم إلى أمر قصروا [٤] عنه وناله، فأرغم معاطسهم، وكعمهم وقمعهم، ووسمهم بالحقّ سمة الرعاء آذان الغنم، فتفاجّت عن خبيئها تفجّي الناقة لدرّة الحلب، حتى إذا نالته يد القضاء وخبطته يد المنية لانقضاء المدة المعلومة والأنفاس المعدودة، أشفق من الاختلاف والفرقة، فجعل الأمر شورى لا يعقد إلّا على إجماع، فمخضوا الآراء مخض الزبدة بالوطاب، وامتطوا [٥] رواحل الفكر خوف الهلكة، وأجالوا الرأي لئلّا يهلك مشاور عن مشورته [٦] ، فلم يروا أحدا أحقّ بالخلافة ولا أقوم بها [٧] من ابن عفان، فقلدوها أسمحهم نفسا، وأفسحهم صدرا، وأطولهم باعا، فمضى يقفو الأثر ويتبع المنهاج على سنة من تقدم [٨] كقدّ الشراك، فلما طال به العمر ونزحت الدار بأنصاره، بادر الأشقياء إلى قتله وقالوا: خصّ أهله، وآثر أصحابه، وزاغ عن الحق إذ لم يكونوا لما أرادوا منه أهلا، بعد اجتماعهم عليه، ومسارعتهم إليه،

стр. 1945

واختيارهم له، فوثبوا فنحروه نحر البدنة، فخار في دمه مفرى [١] الأوداج قد خضب مصحفه بدمه، رحمة الله عليه؛ وكان صائما تاليا للقرآن مكبّا على المصحف، فيا عظم مصيبة أثكلت المسلمين إمامهم؛ عظم والله الخطب بأمير المؤمنين وصهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، ومجهّز جيش العسرة، وموسّع المسجد، من غير جرم قتلوه بعد أن اختاروه، فسارعوا رحمكم الله إلى الطّلب بدمه، وقتال قاتله، إذ فاتكم نصره، فإنّ ذلك أفضل من جهاد المشركين. نسأل الله حسن المعونة على الطلب بدمه، والنّصرة على من ظلمه، وأستغفر الله لي ولكم. «٥٣٣» - أوفد معاوية الزرقاء بنت عديّ بن غالب [٢] فقال لها: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين، توقدين الحرب، وتحضّين على القتال، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إنّه [٣] قد مات الرأس وبقي [٤] الذنب، والدهر ذو غير، ومن تفكر [٥] أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها: صدقت، فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: ما أحفظه، قال: لكني والله أحفظه، لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيّها الناس، إنكم في فتنة غشيتكم جلابيب الظلم، وجارت [٦] بكم عن قصد المحجّة، فيا لها من فتنة عمياء صمّاء، لا يسمع لقائلها، ولا ينقاد لسائقها. أيها الناس، إنّ المصباح لا يضيء في

стр. 1946

الشمس، وإنّ الكواكب لا تقد [١] في القمر، وإنّ البغل لا يسبق الفرس، ولا يقطع الحديد إلّا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن استخبرنا أخبرناه، إنّ الحقّ يطلب ضالّته، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت [٢] كلمة العدل، وغلب الحقّ باطله، فلا يعجلنّ أحد فيقول: كيف وأنّى، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ألا إنّ خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في الأمور وأحمد في عواقبها. إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده. ثم قال معاوية: والله يا زرقاء لقد شركت [٣] عليّا في كلّ دم سفكه، فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشّر بخير وسرّ جليسه. قال لها: وقد سرّك ذلك؟ قالت: نعم والله سرّني قولك فأنّى بتصديق الفعل، فقال: معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليّ من حبّكم له في حياته. «٥٣٤» - وأوفد معاوية أمّ الخير بنت الحريش البارقية فقال لها: كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله رويته [٤] قبل ولا دوّنته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهنّ لساني حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث [٥] لك مقالا غير ذلك فعلت، قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيّكم حفظ كلام أمّ الخير؟ قال رجل من القوم: أنا أحفظه، قال: هاته، قال:

стр. 1947

نعم، كأني بها في ذلك اليوم وعليها برد زبيديّ كثيف الحاشية [١] ، وهي على جمل أورق أربد، وقد أحيط حولها حواء، وبيدها سوط منتشر الضّفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: يا أيّها الناس، اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم. إنّ الله تعالى قد أوضح الحقّ، وأبان الدليل [٢] ، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء [٣] مدلهمّة، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ أفرارا عن [أمير] المؤمنين أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ (البقرة: ١٥٥) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (محمد: ٣١) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرعية [٤] ، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب، فاجمع اللهمّ الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحقّ إلى أهله. هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفيّ، والصدّيق الأكبر. إنها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (التوبة: ١٢) صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربّكم وثبات من دينكم، وكأنّي بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (المؤمنون: ٤٠) حين تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة؛ إنه والله من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار. أيّها

стр. 1948

الناس إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطأوا [١] مدّة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عمّ رسول الله ﷺ وزوج ابنته وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرّع من نبعته، وخصّه بسرّه، وجعله باب مدينة علمه وعلم المسلمين [٢] ، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيّده الله تعالى بمعونته، ويمضي على سنن استقامته. هو مفلّق الهام، ومكسّر الأصنام، صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردّة وشقاقا. قد أجهدت [٣] في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال معاوية: والله يا أمّ الخير ما أردت بهذا الكلام [٤] إلّا قتلي، وو الله لو قتلتك ما حرجت في ذلك، قالت: والله ما يسوءني [٥] يا ابن هند أن يجري الله تعالى ذلك على يدي من يسعدني الله تعالى بشقائه. قال: هيهات يا كثيرة الفضول. ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون [٦] ، فقال معاوية: إيها أمّ الخير، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه. قالت لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (النساء: ١٦٦) ما

стр. 1949

أردت لعثمان نقصا، ولقد كان سبّاقا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لا [١] يحذر. وقد وعده رسول الله ﷺ الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير؟ ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريّه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، لقد كان سبّاقا إلى كلّ مكرمة من الإسلام. وإني أسألك بحقّ الله يا معاوية فإنّ قريشا تحدث بأنك من أحلمها [٢] فأنا أسألك بأن تسعني بفضلك وحلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض لما شئت من غيرها. قال: نعم وكرامة، وقد أعفيتك؛ وردّها مكرّمة إلى بلدها [٣] . «٥٣٥» - وفي يوم ذي قار برز نساء بكر بن وائل يحرّضن رجالهنّ ويقلن: [من الرجز] نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق الدرّ في المخانق ... والمسك في المفارق إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وفي ذلك اليوم يقول لهم هانىء بن مسعود: يا قوم مهلك معذور، خير من

стр. 1950

منجى فرور [١] ، وإنّ الحذر لا ينفع من القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنيّة ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثّغر، أكرم منه في الدبر. يال بكر شدّوا واستعدوا، وإلّا تشدّوا [٢] تردّوا. «٥٣٦» - لمّا استنزل عبد الملك بن مروان زفر بن الحارث من قرقيسيا أقعده معه على سريره، فدخل عليه [٣] ابن ذي الكلاع، فلمّا نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى، فقال له: ما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين كيف لا أبكي وسيف هذا يقطر دما من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافهم عليه، ثم هو معك على السرير، وأنا على الأرض. قال: إني لم أجلسه معي لأن يكون أكرم عليّ منك، ولكن لسانه لساني وحديثه [٤] يعجبني، فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال: أم [٥] والله لأقومنّ في ذلك مقاما لم يقم به ابن ذي الكلاع؛ ثم خرج حتى دخل على عبد الملك فلما ملأ عينيه منه قال: [من الوافر] وكأس مثل عين الديك صرف ... تنسّي الشاربين لها العقولا إذا شرب الفتى منها ثلاثا ... بغير الماء حاول أن يطولا [٦] مشى قرشية لا شكّ فيها ... وأرخى من مآزره الفضولا فقال له عبد الملك: ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلّا خطة في رأسك،

стр. 1951

قال: أجل والله يا أمير المؤمنين، حين يجلس [١] هذا عدوّ الله معك على سريرك [٢] وهو القائل بالأمس: [من الطويل] وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات الصدور [٣] كما هيا قال: فقبض عبد الملك رجله، ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير، وقال: لا أذهب الله حزازات تلك الصدور. فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعهد الذي أعطيتني؟ فكان زفر يقول: ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال. «٥٣٧» - ومثل بيت زفر قول الأخطل يغري به: [من البسيط] إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر بني أمية إني ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر واتخذوه عدوا إن شاهده ... وما تغيّب من أخلاقه دعر «٥٣٨» - قال معاوية لعبد الله بن الزبير، وهو عنده بالمدينة: يا ابن الزبير ألا تعذرني من حسن، ما رأيته منذ قدمت إلا مرّة واحدة. قال: دع عنك حسنا، فأنت والله وهو كما قال الشمّاخ: [من الطويل] أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم تغلي عليّ مراضها

стр. 1952

والله لو يشاء حسن أن يضربك بمائة ألف سيف ضربك. والله لأهل العراق به أرأف من أمّ الحوار بحوارها. قال معاوية: أردت أن تغريني به، والله لأصلنّ رحمه ولأقبلنّ عليه: [من الطويل] ألا أيها المرء المحرّش بيننا ... ألا اقتل أخاك لست قاتل أربد أبى قربه مني وحسن بلائه ... وعلمي بما يأتي به الدهر في غد والشعر لعروة بن قيس. «٥٣٩» - جرير: [من البسيط] بني عديّ ألا فانهوا سفيهكم ... إنّ السّفيه إذا لم ينه مأمور «٥٤٠» - أنشد الأصمعي: [من الرجز] يا ربّ إن كان يزيد قد أكل ... لحم الصديق عللا بعد نهل ودبّ بالسوء دبيبا [١] ونسل ... فاقدر له أصلة من الأصل [٢] كبساء كالقرصة أو خفّ الجمل ... لها سحيف وفحيح وزجل [٣] لو نفحت غصنا رطيبا لذبل ... أو نكزت فيلا مسنّا لانجدل وازّيلت أوصاله أو اقفعلّ ... أو حاريا من القتيرات الأول يموت بالهجر ويحيا بالطّفل ... تنغّش الدّعموص في الرّنق السمل

стр. 1953

وإن تأذّى بمكان فارتحل ... لآخر قفّز قفزا فحجل تزلّف الأعرج ريع فقزل «٥٤١» - المتلمس: [من البسيط] يا آل بكر ألا لله أمكم ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في مراس [١] الحرب أو كيسوا «٥٤٢» - وقال أيضا: [من البسيط] سيروا كما سارت الأملاك قبلكم ... نحو الحجاز وعزّ الناس مضطهد إلى ملوك عطاء الله شيّبهم ... والمنشدون إذا جيرانهم نشدوا ولن يقيم على خسف يسام به ... إلا الأذلّان عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يضام ولا يأوي له أحد كونوا كمن نازل الأملاك قبلكم ... بالعزّ إن كنتم بكرا وما ولدوا ٥٤٣- قال المأمون لأبي دلف: هلّا [٢] كان منك في استصغار الحسن بن رجاء بك ما يوازي شرفك ويشاكل منصبك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنك أحللته محلّا أوجب التطاطي له، ومكّنته تمكينا تضاءل الشرف عنده، وكانت الطاعة تعارض الانتصار منه. قال: لله أبوك. «٥٤٤» - القعقاع بن توبة العقيلي: [من البسيط]

стр. 1954

لا أصلح الله حالي إن أمرتكم ... بالصّلح حتى تصيبوا آل شداد حتى يقال لواد كان مسكنهم ... قد كنت تعمر يوما أيّها الوادي «٥٤٥» - وقال المتنبي: [من الوافر] فلا تغررك ألسنة موال ... تقلّبهنّ أفئدة أعاد وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروي وهو صاد فإنّ الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد وإنّ الماء يجري من جماد ... وإنّ النار تخرج من زناد وكيف يبيت مضطجعا جبان ... فرشت لجنبه شوك القتاد ٥٤٦- قال بعض جلساء الرشيد: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذاك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفّس تنفّسا منكرا، فأنشدت في أثره: [من الرمل] واستبدّت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدّ فأصغى إليه واستعاده، وقتل جعفرا بعد ذلك عن كثب. وقد روي أنّ عليّ بن يقطين طالبه البرامكة بخراج كان عليه، ووكلوا به في الديوان، فدخل على الرشيد وأنشده هذا البيت وقبله: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا ممّا تجد والبيتان لعمر بن أبي ربيعة، فكان ذلك مما أغرى الرشيد بالبرامكة. «٥٤٧» - بعض الغسانيين يحرّض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه: [من البسيط]

стр. 1955

ما كلّ يوم ينال المرء فرصته [١] ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا فأحزم الناس من إن نال فرصته ... لم يجعل السبب الموصول منقضبا لا تقطعن ذنب الأفعى فترسلها [٢] ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا «٥٤٨» - الجعدي: [من الطويل] ألا إنّ قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا «٥٤٩» - سرق شظاظ الضبّي ناقة لشيخ من أهل البصرة من أصحاب الأكفان كان يصدرها من الحج إلى الحج، وكانت ترعى في عرق ناهق، وهو حمى لأهل البصرة، فقال شظاظ يغري اللصوص بالسّرق، وتروى الأبيات لرئاب [٣] بن عقبة العبشمي: [من الطويل] من مبلغ الفتيان عني رسالة ... فلا تهلكوا فقرا على عرق ناهق فإنّ به صيدا غزيرا وهجمة ... نجائب لم ينتجن [٤] فتل المرافق نجيبة ضيّاط يكون بغاؤه ... دعاء وقد جاوزن عرض الشقائق الضياط والضيطان الذي يطيل الجلوس في المكان يلزمه فلا يبرح منه حتى يسمن ويكثر لحمه. وبلغ الشيخ الشعر فقال: اللهمّ صدق ليس بغائي إلّا الدعاء لأنّها لو كانت

стр. 1956

لرجل قويّ لركب حتى يأخذها، فأدركه لي يا ربّ. فأخذه الحجاج بالكوفة في سرقة أخرى فأقرّ أنه سرق هذه الناقة بالبصرة، فقطع يديه ورجليه وصلبه، وبعث بالناقة إلى البصرة إلى الحكم بن أيوب فعرّفها، فردّت إلى الشيخ فقال: ربي كان خيرا لي من سرقته. ٥٥٠- قدّم هدبة بن الخشرم ليقاد بابن عمه زيادة، وأخذ ابن زيادة السيف وقد ضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف درهم، فخافت أمّ الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله، فقالت: أعطي الله عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنّه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك، فقتله. «٥٥١» - تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هنّ أشرف منه، منهن [١] أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي، ورملة بنت الزبير بن العوام، ففي ذلك يقول بعض الشعراء يحرّض عليه عبد الملك بن مروان: [من الطويل] عليك أمير المؤمنين بخالد ... ففي خالد عمّا تحبّ صدود إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد فطلّق آمنة بنت سعيد فتزوجها الوليد بن عبد الملك. «٥٥٢» - دخل سديف مولى آل أبي لهب على أبي العباس السفاح بالحيرة، وهو جالس في مجلسه على سرير، وبنو هاشم دونه على الكراسيّ، وبنو أميّة على

стр. 1957

الوسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هم والخليفة [١] منهم على السرير، وبنو هاشم على الكراسيّ. فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازيّ أسود راكب على نجيب متلثم يستأذن ولا يخبر باسمه ويحلف ألّا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك، فقال: هذا مولاي سديف يدخل، فدخل فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حواليه حدر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول: [من الخفيف] أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العبّاس بالصدور المقدّمين قديما ... والرؤوس القماقم الروّاس يا أمير المطهرين من الذم ... م ويا رأس منتهى كلّ راس أنت مهديّ هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس [٢] لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس [٣] أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس خوفهم أظهر التودّد منهم ... وبهم منكم كحزّ المواسي أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس واذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس [٤] والإمام الذي بحرّان أمسى ... رهن قبر في غربة وتناس [٥] فلقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي

стр. 1958

نعم كبش [١] الهراش مولاك لولا ... أود من حبائل الإفلاس فتغير وجه [٢] أبي العباس وأخذه الزّمع [٣] والرعدة، فالتفت بعض ولد سليمان ابن عبد الملك إلى رجل منهم فقال: قتلنا والله العبد. وكان إلى جنب أبي العباس أبو الغمر سليمان بن هشام، وكان صديق أبي العباس قديما وحديثا، يقضي حوائجه في أيامهم ويبرّه، فأقبل أبو العباس عليهم وقال: يا بني الفواعل ألا أرى أهلي من قتلاكم قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا!! خذوهم، فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي وقال: إنّ أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت صنيعه إليكم، فأجاره واستوهبه من السفّاح وقال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنيع أبيه إلينا. فوهبه له وقال: لا يريّني وجهه، وليكن بحيث يأمن. وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية، وأقبل [٤] السفّاح على سليمان بن هشام فقال له: يا أبا الغمر ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا، قال: لا والله، فقال: اقتلوه، وكان إلى جنبه، فقتل [٥] . وصلبوا في بستانه حتى تأذى جلساؤه بروائحهم [٦] ، وكلّموه في ذلك فقال: والله لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك والعنبر غيظا عليهم. «٥٥٣» - وقد جاء في رواية أخرى أنّ سديفا دخل على السفاح وعنده رجال

стр. 1959

بني أمية متوافرون فأنشده: [من الخفيف] يا ابن عمّ النبيّ أنت ضياء ... استبنّا بك اليقين الجليّا جرّد السيف وارفع السوط [١] حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا لا يغرّنك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضلوع داء دويّا قطن البغض في القديم وأضحى ... ثابتا [٢] في قلوبهم مطويّا وهي طويلة. فقال: يا سديف خلق الإنسان من عجل، ثم قال السفاح متمثلا: [من البسيط] أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء ثم أمر بهم فقتلوا. «٥٥٤» - وقال بعض شيعة بني العباس يحرّضهم [٣] على بني أمية: [من البسيط] إياكم أن تلينوا لاعتذارهم [٤] ... فليس ذلك إلّا الخوف والطمع لو أنهم أمنوا أبدوا عداوتهم ... لكنّهم قمعوا بالذلّ فانقمعوا أليس في ألف شهر قد مضت لكم ... سقوكم جرعا من بعدها جرع حتى إذا ما انقضت أيام دولتهم ... متّوا إليكم بالارحام التي قطعوا هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهم ... ريّا وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا

стр. 1960

«٥٥٥» - وقال عبد الرحمن بن دارة الفزاري: [من الطويل] يا راكبا إمّا عرضت فبلغن ... مغلغلة عني القبائل من عكل لئن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا نساء [١] للخلوق وللكحل وبيعوا الرّدينيّات بالحلي واقعدوا ... عن الحرب وابتاعوا المغازل بالنبل «٥٥٦» - وقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط: [من الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنّك من أخي ثقة مليم قطعت الدهر كالسّدم المعنّى ... تهدّر في دمشق ولا تريم فإنك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم لك الويلات أوردنا عليه ... وخير الطالبي الترة الغشوم فلو كنت القتيل وكان حيّا ... لشمّر لا ألفّ ولا سؤوم «٥٥٧» - لما انحازت إياد إلى الفرات مجفلين من كسرى بعث إليهم جيشا فبيّتت إياد ذلك الجمع حين عبروا شطّ الفرات الغربي، فلم يفلت منهم إلّا القليل، وجمعوا جماجمهم وأجسامهم فكانت كالتلّ العظيم، وكان إلى جانبهم دير فسمّي دير الجماجم. وبلغ كسرى الخبر فبعث مالك بن حارثة أحد بني كعب بن زهير بن جشم في أربعين ألفا من الأساورة، فكتب إليهم لقيط بن يعمر الإيادي ينذرهم ويحرضهم: [من البسيط] يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا

стр. 1961

هو الجلاء الذي تبقى مذلّته ... إن طار طائركم يوما وإن وقعا هو الفناء الذي يجتثّ أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... إني أرى الرأي إن لم أقص قد نصعا وقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقنوا إنّ خير العلم ما نفعا وجعل عنوان الكتاب: [من الوافر] كتاب في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد بأنّ الليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد والأبيات العينيّة هي من محاسن أشعار العرب ومشاهيرها، وفيها حكمة مستفادة، وقد ذكرت شطرها ومختارها في مكان آخر من هذا الكتاب. «٥٥٨» - لما وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا، وأخذ من عبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار وقال له: أنا أردّها عليك إذا جاءني مال؛ ولم يتمّ أمره فاستخفى ثم ظهر ورضي عنه المأمون. فطالبه الناس بأموالهم فقال: إنّما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر فيها الآن [١] إلى غيري، فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها [٢] المأمون، ومضى إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون. فخاف أن يقرأ القصيدة المأمون فيتدبر ما قاله فيوقع به، فقال: خذ مني بعض المال ونجّم بعضه عليّ، ففعل ذلك، بعد أن أحلفه إبراهيم بآكد الأيمان ألّا يظهر القصيدة في حياة

стр. 1962

المأمون، فوفى له محمد بذلك، ووفى إبراهيم بأداء الأموال [١] . والقصيدة طويلة ومنها ما هو تحريض بابراهيم من جملة أبيات كثيرة ألغيتها [٢] : [من الطويل] ألم تر أنّ الشيء للشيء علة ... تكون له كالنار تقدح بالزند كذلك جرّبت الأمور وإنّما ... يدلّك ما قد كان قبل على البعد وظنّي بابراهيم أنّ مكانه ... سيبعث يوما مثل أيامه النكد وكيف بمن قد بايع الناس والتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد وأيّ امرىء سمّى [٣] بها قطّ نفسه ... ففارقها حتى يغيّب في اللحد وليس سواء خارجيّ رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردي ومن هو في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد فمولاك مولاه وجندك جنده [٤] ... وهل يجمع القين الحسامين في غمد وقد رابني من أهل بيتك أنني ... رأيت لهم وجدا به أيّما وجد يقولون لا تبعد من ابن ملمّة ... صبور عليها النفس ذي مرّة جلد فما كان فينا من أبى الضّيم غيره ... كريم كفى ما في القبول وفي الردّ وجرّد إبراهيم للموت نفسه ... وأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد وأبلى ولم يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم وإن لم يكن يجدي فهذي أمور قد يخاف ذوو النّهى ... مغبّتها والله يهديك للرشد

стр. 1963

نوادر من الباب ٥٥٩- تزوج عبد الملك بن مروان لبابة بنت عبد الله بن جعفر فقالت له يوما: لو استكت فقال: أمّا منك فأستاك، وطلقها فتزوجها علي بن عبد الله بن عباس وكان أقرع لا تفارقه قلنسوته، فبعث إليه عبد الملك جارية وهو جالس مع لبابة، فكشفت رأسه على غفلة لتري ما به، فقالت للجارية: قولي له: هاشميّ أصلع أحبّ إلينا من أمويّ أبخر. «٥٦٠» - كان أعشى همدان شديد التحريض على الحجاج في حرب ابن الأشعث، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه، ونزع درعه فوضعها فوق السرج ثم جلس عليها وأحدث والناس يرونه ثم قال: لعلّكم أنكرتم ما صنعت. قالوا: أو ليس هذا بمنكر؟ قال: لا، كلكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفا وفرقا، ولكنكم سترتموه وأظهرته، فحمي القوم وقاتلوا أشدّ قتال يومهم إلى الليل، وشاع فيهم الجراح [١] والقتلى، وانهزم أهل الشام يومئذ ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب، وجاء مدد من الشام، فباكروهم القتال وهم مستريحون فهرب ابن الأشعث. ومما حرضهم به أبو جلدة في ذلك اليوم أبيات منها: [من الطويل] وناديننا أين الفرار وكنتم ... تغارون أن تبدو البرى والوشائح

стр. 1964

أأسلمتمونا للعدوّ وطرتم ... شلالا وقد طاحت بهنّ الطوائح فما غار منهم غائر لحليلة ... ولا عزب عزّت عليه المناكح «٥٦١» - أبو نواس في معلّم بعض أولاد الأكابر: [من البسيط] قل للأمير جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السّخل والذيب السخل يعلم أنّ الذئب آكله ... والذئب يعلم ما في السّخل من طيب ٥٦٢- البسّامي: [من الوافر المجزوء] ألا يا دولة السّفل ... أطلت المكث فانتقلي ويا هذا الزمان أفق ... نقضت الشّرط في الدول [١]

стр. 1965

الباب الخامس والعشرون التقريع والتّوبيخ
следующие страницы →