هو الجلاء الذي تبقى مذلّته ... إن طار طائركم يوما وإن وقعا
هو الفناء الذي يجتثّ أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... إني أرى الرأي إن لم أقص قد نصعا
وقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقنوا إنّ خير العلم ما نفعا
وجعل عنوان الكتاب: [من الوافر]
كتاب في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ الليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد
والأبيات العينيّة هي من محاسن أشعار العرب ومشاهيرها، وفيها حكمة مستفادة، وقد ذكرت شطرها ومختارها في مكان آخر من هذا الكتاب.
«٥٥٨» - لما وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا، وأخذ من عبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار وقال له: أنا أردّها عليك إذا جاءني مال؛ ولم يتمّ أمره فاستخفى ثم ظهر ورضي عنه المأمون. فطالبه الناس بأموالهم فقال: إنّما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر فيها الآن [١] إلى غيري، فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها [٢] المأمون، ومضى إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون. فخاف أن يقرأ القصيدة المأمون فيتدبر ما قاله فيوقع به، فقال: خذ مني بعض المال ونجّم بعضه عليّ، ففعل ذلك، بعد أن أحلفه إبراهيم بآكد الأيمان ألّا يظهر القصيدة في حياة
стр. 1962
المأمون، فوفى له محمد بذلك، ووفى إبراهيم بأداء الأموال [١] . والقصيدة طويلة ومنها ما هو تحريض بابراهيم من جملة أبيات كثيرة ألغيتها [٢] : [من الطويل]
ألم تر أنّ الشيء للشيء علة ... تكون له كالنار تقدح بالزند
كذلك جرّبت الأمور وإنّما ... يدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّي بابراهيم أنّ مكانه ... سيبعث يوما مثل أيامه النكد
وكيف بمن قد بايع الناس والتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد
وأيّ امرىء سمّى [٣] بها قطّ نفسه ... ففارقها حتى يغيّب في اللحد
وليس سواء خارجيّ رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردي
ومن هو في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جنده [٤] ... وهل يجمع القين الحسامين في غمد
وقد رابني من أهل بيتك أنني ... رأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّة ... صبور عليها النفس ذي مرّة جلد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيره ... كريم كفى ما في القبول وفي الردّ
وجرّد إبراهيم للموت نفسه ... وأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد
وأبلى ولم يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم وإن لم يكن يجدي
فهذي أمور قد يخاف ذوو النّهى ... مغبّتها والله يهديك للرشد
стр. 1963
نوادر من الباب
٥٥٩- تزوج عبد الملك بن مروان لبابة بنت عبد الله بن جعفر فقالت له يوما: لو استكت فقال: أمّا منك فأستاك، وطلقها فتزوجها علي بن عبد الله بن عباس وكان أقرع لا تفارقه قلنسوته، فبعث إليه عبد الملك جارية وهو جالس مع لبابة، فكشفت رأسه على غفلة لتري ما به، فقالت للجارية: قولي له: هاشميّ أصلع أحبّ إلينا من أمويّ أبخر.
«٥٦٠» - كان أعشى همدان شديد التحريض على الحجاج في حرب ابن الأشعث، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه، ونزع درعه فوضعها فوق السرج ثم جلس عليها وأحدث والناس يرونه ثم قال:
لعلّكم أنكرتم ما صنعت. قالوا: أو ليس هذا بمنكر؟ قال: لا، كلكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفا وفرقا، ولكنكم سترتموه وأظهرته، فحمي القوم وقاتلوا أشدّ قتال يومهم إلى الليل، وشاع فيهم الجراح [١] والقتلى، وانهزم أهل الشام يومئذ ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب، وجاء مدد من الشام، فباكروهم القتال وهم مستريحون فهرب ابن الأشعث.
ومما حرضهم به أبو جلدة في ذلك اليوم أبيات منها: [من الطويل]
وناديننا أين الفرار وكنتم ... تغارون أن تبدو البرى والوشائح
стр. 1964
أأسلمتمونا للعدوّ وطرتم ... شلالا وقد طاحت بهنّ الطوائح
فما غار منهم غائر لحليلة ... ولا عزب عزّت عليه المناكح
«٥٦١» - أبو نواس في معلّم بعض أولاد الأكابر: [من البسيط]
قل للأمير جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السّخل والذيب
السخل يعلم أنّ الذئب آكله ... والذئب يعلم ما في السّخل من طيب
٥٦٢- البسّامي: [من الوافر المجزوء]
ألا يا دولة السّفل ... أطلت المكث فانتقلي
ويا هذا الزمان أفق ... نقضت الشّرط في الدول [١]
стр. 1965
الباب الخامس والعشرون التقريع والتّوبيخ
стр. 1966
خطبة الباب
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي [١] الحمد لله الواهب سجحا بلا تعقيب، والعفوّ صفحا فلا [٢] تثريب، مسبل ستر التجاوز عن المسيء فلا [٣] تقريع، ومسيم المحسن في مرعى من سعة رحمته مريع، باسط الرزق لعباده ما بسطوا، ومنزل الغيث من بعد ما قنطوا. أحمده حمدا يكون للمقصّر بلاغا وللمشمر زادا، ومن المكاره حمى وللنجاة عتادا، وأعود على نفسي بالتوبيخ والتعنيف، لما اطمأنت إليه من التعليل والتسويف، وأسأله توفيقا للتنبّه من سنة الغفلة، والتيقّظ لاغتنام أيام المهلة. والصلاة على رسوله الكريم المسامح، وعلى آله البهاليل الجحاجح.
стр. 1967
(الباب الخامس والعشرون في ما جاء في التقريع والتوبيخ) ٥٦٣- في الكتاب العزيز مواضع تتضمّن التوبيخ على سوء الفعل، فمن ذلك قوله حكاية عن أهل الجنة إذ يقولون لأهل النار: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
(الأعراف: ٤٤) وقوله : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
(الأعراف: ٥٠) [١] وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
(آل عمران: ١٠٦) وقوله تعالى:
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ
(غافر: ٧٥) .
٥٦»
- ولما قتل أهل بدر وقف رسول الله ﷺ على أهل القليب فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا فإني وجدت ما وعدني ربي
стр. 1968
حقّا. فقال له أصحابه: يا رسول الله أتكلّم قوما موتى؟ فقال: لقد علموا أنّ ما وعدتهم حق.
قالت عائشة رحمها الله: والناس [١] يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال ﷺ لقد علموا [٢] . قالوا: معناه إنهم الآن ليعلمون أنّ الذي كنت أقول لهم هو الحق.
«٥٦٥» - وقال ﷺ يومئذ: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيّكم، كذبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
٥٦٦- قال سميع لأهل اليمامة بعد إيقاع خالد بهم: يا بني حنيفة، بعدا [٣] كما بعدت عاد وثمود، قد والله أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه وكأني أسمع جرسه وأبصر غبّه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة، وإنني لما رأيتكم تتّهمون النصيح، وتسفّهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم الله التوبة ولا أخذكم على غرّة، ولقد أمهلكم حتّى ملّ الواعظ وهزىء الموعوظ به. وكنتم كأنّما يعنى بما أنتم فيه غيركم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق، ومن نصيحتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء، ومن ذلّكم الجزع، وأصبح [٤] ما مضى غير مردود، وما بقي غير مأمون.
стр. 1969
«٥٦٧» - ومن كلام عليّ ﵇ يوبّخ أهل العراق على تخاذلهم عن حرب أهل الشام: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصمّ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء. تقولون في المجالس:
كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد. ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، دفاع ذي الدين المطول، لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك الحقّ إلّا بالجد. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أيّ إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، ومن رمى منكم فقد رمى بأفوق ناصل. أصبحت والله لا أصدّق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدوّ بكم. ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم. أقولا بغير علم، وغفلة من غير ورع، وطمعا في غير حق؟
«٥٦٨» - خطب الحجاج بعد دير الجماجم فقال: يا أهل العراق، إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والشغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشّش، ثم باض وفرّخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، فاتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤامرا تشاورونه. فكيف تنفعكم تجربة، وتعظكم نصيحة، أو يحجزكم إسلام أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، وأجمعتم على الكفر، وظننتم أنّ الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرمقكم بطرفي: تتسللون لواذا، وتنهزمون سراعا. ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية، بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليّكم عنكم، إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع
стр. 1970
إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، وقصمكم الرماح. ثم يوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم؟ بها كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق، الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوة بعد النزوات. إن بعثتم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم. لا تتذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفا. هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنفركم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع إلّا لبّيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافا وفرسانا ورجلانا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر، إلّا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع، ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذيقكم حرّ سيفه وأليم بأسه ومثلاته.
٥٦٩- لما استكفّ الناس بالحسين بن علي ﵇ استنصت [١] الناس وحمد الله ﵎، وصلّى على النبي ﷺ ثم قال: تبّا لكم أيها الجماعة وترحا، أحين استصرختمونا ولهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفا كان بأيماننا [٢] وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم، ويدا عليهم مع أعدائكم، لغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ومن غير حدث كان فينا، ولا رأي تفيّل منا؟ فهلّا لكم الويلات أذكيتموها وتركتموها والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف؟ ولكن استسرعتم إليها كطيرة الذّباب، وتداعيتم عليها كتداعي الفراش؛ فشجا وبهلة لطواغيت الأمة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكلم، ومطفئي السنن، وملحقي العهر بالنسب، واسف المؤمنين، ومراجي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن
стр. 1971
عضين. لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. أفهؤلاء تعضدون، وعنّا تتخاذلون؟ أجل والله. خذل فيكم معروف وشجت عليه عروقكم، وتأزّرت عليه أصولكم فأفرعتم، فكنتم أخبث ثمر: شجى للناظر، وأكلة للغاصب. ألا فلعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلا. ألا وإنّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين الشدة والذلة، وهيهات منا الدنية، يأبى الله ورسوله ذلك والمؤمنون، وحجور طابت، وحجز طهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة، أن تؤثر مقام اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلة الناصر: [من الوافر]
فإن نهزم فهزّامون قدما ... وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة [١] آخرينا
ألا ثمّ لا تلبثون بعدها إلّا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور. عهد عهده إليّ أبي عليّ، فأجمعوا أمركم وشركاء كم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم أفضوا إليّ ولا تنظرون.
«٥٧٠» - علقمة بن عبدة: [من الطويل]
ومولى كمولى الزبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض بها وقر
إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... إلى الحول لا يرؤ جميل ولا كسر
نراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر
ترى الشرّ قد أفنى دوائر وجهه ... كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر
стр. 1972
«٥٧١» - ابن نباتة: [من الطويل]
ولكنّما سامرت أحلام باطل ... وحاورت وسنانا ينام وأسهر
تفكر لما جئت مستصرخا به ... ولا يصرخ المحروب من يتفكّر
رأى المجد بين الجحفلين غنيمة ... تكون لمن يغشى الطعان ويصبر
فلم يركب التغرير في طلب العلا ... تسربل ثوب الذلّ من لا يغرر
لحا الله ملآن الفؤاد من المنى ... إذا أمكنته فرصة لا يشمّر
يلاحظها حتى يفوت طلابها ... ويصبح في أدبارها يتدبّر
دعوتكم للخيل وهي تلفّني ... فكنتم إماء للقوابل تزجر
ومن حذر البلوى فررت إليكم ... فلاقيت منكم فوق ما كنت أحذر
ولم أدر أنّ الذلّ يوم لقيتكم ... تخيّرته في بعض ما أتخيّر
وقلت لكم ردّوا وسيقة جاركم ... فلم تقدروا أنتم على الذلّ أقدر
«٥٧٢» - مسلم بن الوليد يوبّخ نفسه: [من الطويل]
وإني لأستحيي القنوع ومذهبي ... عريض وآبى الشحّ إلّا على عرضي
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت شيمة من فتى محض
وإني وإشرافي عليك بهمّتي ... لكالمبتغي زبدا من الماء بالمخض
«٥٧٣» - خطب عتبة بن أبي سفيان أهل مصر فقال: يا أهل مصر قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبا السيوف؛ أفحين استرخت عقد الباطل عنكم حلّا واشتدّت عقد الحقّ عليكم عقدا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم توهين الخلافة، وخضتم الحقّ إلى الباطل، وأبعد عهدكم به قريب؟! فاربحوا أنفسكم إذ
стр. 1973
خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السارّ عنه والعهد القريب منه.
٥٧٤- قال شبيب بن شيبة: كثر قطع بني تميم الطريق بين مكة والبصرة، فبعثني المنصور أقوم في المناهل، وأتكلّم فأذمّ أهل البادية وأوبّخهم بما يردعهم، فلم أرد ماء إلّا تكلمت بما حضرني فما أحد ينطق، حتى قمت على ماء لبني تميم، فلما انقضى كلامي قام رجل منهم دميم فقال: الحمد لله أفضل ما [١] حمدته وحمده الحامدون قبلك وبعدك، وصلّى الله على محمد نبيّه ونجيّه أفضل صلاة وأتمّها، وأخصّها وأعمّها. ثم إني قد سمعت ما تقول في مدح الحضارة وأهلها، وذمّ البداوة وأهلها، ومهما كان منا أهل البادية من شرّ فليس فينا نقب الدور، ولا شهادة الزور، ولا نبش القبور، ولا نيك الذكور. قال: فأفحمني، فتمنيت أني لم أخرج لذلك الوجه.
«٥٧٥» - عتب عبد الله بن طاهر على كاتب له فنحّاه فرفع إليه رقعة يعتذر فيها، فوقّع عبد الله بين سطورها: قلة نظرك لنفسك حرمك سنيّ المنزلة، وغفلتك عن حظّك حطّتك عن أعلى الدرجة، وجهلك موضع النعمة، أحلّ بك الغير والنّقمة، وعماك عن سبيل الدّعة، أسلكك طريق المشقة، حتى صرت من قوة الأمل معتاضا شدّة الوجل، ومن رخاء العيش معتقبا يأس الأبد، وحتى ركبت مطية المخافة بعد مجلس الأمن والكرامة، وصرت موضعا للرحمة بعد أن كنت موضع الغبطة. على أني أرى أملك أمريك بك أدعاهما إلى المكروه إليك، وأوسع حاليك لديك أضعفهما متنفّسا عليك، كقول القائل: [من المتقارب]
إذا ما بدأت امرءا جاهلا ... ببرّ فقصّر عن حمله
ولم تلقه قابلا للجميل ... ولا عرف العزّ من ذلّه
стр. 1974
فسمه الهوان فإنّ الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله
٥٧٦- نفيع بن صفّار الكوفيّ يقوله للأخطل: [من الطويل]
أبا مالك لا يدرك الوتر بالخنا ... ولكن بأطراف المثقّفة السمر
قتلتم عميرا لا تعدّون غيره ... وكم قد قتلنا من عمير ومن عمرو
«٥٧٧» - القاسم بن طوق بن مالك التغلبي يقوله شامتا بموت الفضل بن مروان، وهي في معنى التقريع: [من الوافر]
أبا العباس صبرا واعترافا ... بما يلقى من الظّلم الظّلوم
رزقت سلامة فبطرت فيها ... وكنت تخالها أبدا تدوم
لقد ولّت بدولتك الليالي ... وأنت ملعّن فيها ذميم
وزالت لم يعش فيها كريم ... ولا استغنى بثروتها عديم
فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابك الحدث العظيم
«٥٧٨» - يقال إنّ النعامة إذا انكسرت إحدى رجليها بقيت جاثمة لا تمشي خلاف كلّ ذي رجلين، وكان لبعض الأعراب أخ اسمه دحية، وكانت امرأته تطرده فقال: [من الطويل]
أدحية عنّي تطردين تبدّدت ... بلحمك طير طرن كلّ مطير
فإني وإياه كرجلي نعامة ... على كلّ حال من غنى وفقير
٥٧٩- لما قبض المعتصم على الفضل بن مروان قعد للعامة فوجد قصة فيها:
[من البسيط]
стр. 1975
يا فضل لا تجزعن ممّا بليت به ... من خاصم الدهر جاثاه على الركب
خنت الإمام وهذا الناس قاطبة ... وجرت حتى أتى المقدار في الكتب
جمعت شتى وقد أدّيتها جملا ... لأنت أخسر من حمّالة الحطب
٥٨٠- دخل أبو العيناء إلى أحمد بن أبي دواد لما فلج فقال له: ما جئتك مسلّيا ولا معزّيا، ولكن جئت لأحمد الله فيك إذ حبسك في جلدك، وأبقى لك عينا تنظر بها إلى زوال النعمة عنك.
«٥٨١» - إبراهيم بن العباس: [من الطويل]
تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا ... نبال العدى عنّي فكنتم نصالها
«٥٨٢» - ابن الزيات: [من الخفيف]
خلتكم عدّة لصرف زماني ... فإذا أنتم صروف الزّمان
٥٨٣- قال حفص بن غياث: مررت بعليّان فسمعته يقول: من أراد سرور الدنيا وخزي الآخرة فليتمنّ ما هذا فيه. قال: فو الله لتمنيت أني متّ قبل أن ألي القضاء.
«٥٨٤» - قال الرضيّ: [من الكامل]
للذلّ بين الأقربين مضاضة ... والذلّ ما بين الأباعد أروح
وإذا رمتك من الرجال قوارص ... فسهام ذي القربى القريبة أجرح
البس نسيج الذلّ إن ألبسته ... متململا وإناء قلبك يطفح
ما دمت تنتظر العواقب لابدا ... لا تغتدي لعلا ولا تتروّح
стр. 1976
وضجيعك العضب الذي لا ينتضى ... وخليطك الزّور الذي لا يبرح
واعلم بأنّ البيت إن أوطنته ... سجن وطول الهمّ غلّ يجرح
أأخيّ لا تك مضغة مزؤودة [١] ... تنساغ ليّنة القياد وتسرح
ألّا أبيت وأنت من جمراتها ... ومن العجائب جمرة لا تلفح
كن شوكة يعيي انتفاش شباتها ... أو حمضة يشجى بها المتملّح
وانفض يديك من الثراء فكم مضى ... من دون ثروته البخيل المصلح
يبقى لوارثه كرائم ماله ... ولقد يرقّع عيشه ويرقّح
قد ينتج المرء العشار بجدّه ... وسواه يعتام الفحول ويلقح
стр. 1977
نوادر من هذا الباب
«٥٨٥» - قال الشعبي: حضرت عبد الله بن الزبير وهو يخطب بمكة، فقال في آخر خطبته: أما والله لو كانت الرجال تصرف لصرّفتكم تصريف الذهب والفضة. أما والله لوددت أنّ لي بكلّ رجلين منكم رجلا من أهل الشام، بل بكلّ خمسة، بل بكلّ عشرة، فما بكم يدرك الثار، ولا بكم يمنع الجار. فقام إليه رجل من أهل البصرة فقال: ما نجد لنا ولك مثلا إلا قول الأعشى: [من البسيط]
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى ذلك الرجل
علقناك وعلقت أهل الشام، وعلق أهل الشام بني مروان، فما عسينا أن نصنع [١] ؟!
стр. 1978
الباب السّادس والعشرون الوعيد والتّحذير
стр. 1979
خطبة الباب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المطلوب ثوابه، المرهوب عذابه، الذي لا يفوت طلابه، ولا يؤمن عقابه، قرن الوعد بالوعيد ترغيبا وتحذيرا، وخوّف من النار موئلا ومصيرا، وبعث إلينا رسوله مبشّرا ونذيرا، فدعا إلى معالم الإيمان، وهدم دعائم الشرك والطغيان، وأمر بطاعة الرحمن، ونهى عن متابعة الشيطان، وقمع عبدة الطاغوت والأوثان، وأوجب به الحجة على الجاحدين، وأيقظ بدعوته قلوب الغافلين، حتى استقام عمود الإسلام وارتفع، ووضحت سبل الهدى واستبانت لمن اتبع. وصلّى الله عليه وعلى آله ما نجم نجم وطلع، وأضاء بارق [١] ولمع.
стр. 1980
(الباب السادس والعشرون ما جاء في الوعيد والتحذير) ٥٨٦- في كتاب الله تعالى من آيات [١] الوعيد والتحذير الكثير الجم، ومخرجها الوعظ والزجر، ونقتصر هنا على ما يحصل [٢] معه الوفاء بقاعدة هذا المجموع: قال الله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
(آل عمران: ٢٨، ٣٠) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
(ق: ٤٥) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ
(الطور: ٧- ٨) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ
(الطور: ٤٥) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ. وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
(هود: ١٢٢) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً. وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً
(المزمل: ١٢- ١٣) .
«٥٨٧» - قال الأصمعي في قول الشاعر: [من البسيط]
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
стр. 1981
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
كأنه مأخوذ من قول الله : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
(الأنعام: ٤٤) .
«٥٨٨» - خطب عتبة بن أبي سفيان بمصر فقال: يا حاملي ألأم آناف ركّبت بين عرانين، إنّما قلّمت أظفاري عنكم ليلين مسّي إياكم، وسألتكم صلاح أمركم إذ كان فساده راجعا عليكم، فإن أبيتم إلّا الطّعن على الولاة والتعرّض للسيف فو الله لأقطعنّ على ظهوركم بطون السّياط، فإن حسمت داءكم وإلّا فالسيف من ورائكم. فكم من موعظة منّا لكم مجّتها قلوبكم، وزجرة صمّت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم لنا بالمعصية، ولا أويسكم من مراجعة الحقّ إن صرتم إلى التي هي أبرّ وأتقى.
«٥٨٩» - قال أعرابي لرجل: ويحك إنّ فلانا وإن ضحك إليك فإنّ قلبه يضحك منك، وإن أظهر الشفقة عليك فإنّ عقاربه لتسري إليك. فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك، فلا تجعله صديقا في سريرتك.
«٥٩٠» - وحذر آخر رجلا فقال: احذر فلانا فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، وباثّه مباثّة الآمن، وتحفّظ منه تحفّظ الخائف. واعلم أنّ من يقظة المرء إظهار الغفلة مع الحذر.
«٥٩١» - قطع ناس من بني مخزوم الطريق فكتب إليهم الحجاج: أما بعد فقد استخفتكم الفتنة، فلا عن حقّ تقاتلون، ولا عن منكر تنتهون.
стр. 1982
«٥٩٢» - بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان بن عبد الملك يريد عزله واستعمال يزيد بن المهلّب، فكتب إليه ثلاث صحائف وقال للرسول: ادفع كتابي الأول إلى سليمان، فإن دفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، فإن شتمني عند الثاني فادفع إليه الثالث. فدفع إليه الكتاب الأوّل فإذا فيه: إنّ بلائي في طاعة أبيك وأخيك كذا. قال: فرمى بالكتاب إلى يزيد، فأعطاه الثاني فإذا فيه: كيف تأمن يزيد على أسرارك وكان أبوه لا يأمنه على أمهات أولاده؟! قال: فشتمه فدفع إليه الكتاب الثالث، فإذا فيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد: فلأوثقنّ لك آخيّة لا ينزعها المهر الأرن. فقال سليمان: ما أرانا إلّا قد عجلنا على قتيبة. يا غلام، جدّد له عهده على خراسان.
«٥٩٣» - كتب إبراهيم بن العباس إلى أهل حمص: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يرى من حقّ الله عليه استعمال ثلاث يقدّم بعضهنّ على بعض:
الأولى تقديم تنبيه وتوقيف، ثم ما يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التي لا ينفع لحسم الداء غيرها: [من الطويل]
أناة فإن لم تغن أعقب بعدها ... وعيدا فإن لم يجد أغنت عزائمه
ويقال: إن هذا أول كتاب صدر عن خليفة من بني العباس وفيه شعر. وقيل إنّ ابراهيم لم يعتمد أن يقول شعرا، ولكنه لما رآه موزونا تركه.
٥٩٤- ولإبراهيم: [من السريع]
يا أيها السادر في بغيه ... لم تخف الله وإرصاده
إنّي من الله على موعد ... فيك ولن يخلف ميعاده
стр. 1983
«٥٩٥» - وقال أيضا: [من المنسرح]
إيها أبا جعفر فللدهر كر ... رات وعما يريب متّسع
بعثت ليثا على فرائسه ... وأنت منها فانظر متى تقع
لمّظته قوته وفيك له ... لو قد تقضّت أقواته شبع
«٥٩٦» - وقال: [من الطويل]
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وعرّج قليلا عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يوما حويته ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا
«٥٩٧» - النجاشي الحارثي: [من البسيط]
أبلغ شهابا أخا [١] خولان مألكة ... أنّ الكتائب لا يهزمن بالكتب
تهدي الوعيد برأس السرو متكئا ... فإن أردت مصاع القوم فاقترب
وإن تغب في جمادى عن وقائعنا ... فسوف نلقاك في شعبان أو رجب
«٥٩٨» - وفد الحتات المجاشعيّ عمّ الفرزدق على معاوية في وفد قومه، فخرجت جوائزهم، فانصرفوا، ومرض الحتات فأقام عند معاوية حتى مات، وأمر معاوية بماله فأدخل في [٢] بيت المال، فخرج الفرزدق إلى معاوية وهو غلام،
стр. 1984
فلما أذن للناس مثل ما بين السّماطين فقال: [من الطويل]
أبوك وعمّي يا معاوي أورثا ... تراثا ويحتاز التراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات أكلته ... وميراث حرب جامد لك ذائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهليّة ... علمت من المولى القليل [١] حلائبه
ولو كان هذا الأمر في ملك غيركم ... لأدّيته أو غصّ بالماء شاربه
فقال له معاوية: من أنت؟ قال: أنا الفرزدق بن غالب، قال: ادفعوا إليه ميراث عمّه [٢] الحتات، وكان ألف دينار، فدفع إليه.
٥٩٩- قبيصة بن ذؤيب يقوله لامرىء القيس: [من الطويل]
لعلّك أن تستوخم الورد أن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر
٦٠٠- لما قتل عبد الملك بن مروان مصعبا دخل الكوفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي ﷺ ، ثم قال: أيها الناس إنّ الحرب صعبة مرّة، وإنّ السلم أمن ومسرّة، وقد زبنتنا [٣] الحرب وزبنّاها، فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهي أمنا. أيها الناس فاستقيموا على سبل [٤] الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنّبوا فراق جماعة المسلمين، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلّا شرّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة: [من البسيط]
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريم غير غدّار
стр. 1985
وهي أبيات مختارة قد وردت في باب الفخر [١] .
٦٠١- لقي أبو عليّ البصير عليّ بن الجهم في بعض ما جرى بينهما، فقال له أبو علي: يا أبا الحسن لا تزد في أعدائك، فلعله أن يقع عليك مطبوع من الشعراء يسهل عليه من حوك القريض ما يعسر [٢] على غيره. واعلم أنّ مع الملوك ملالة، فلا تأتهم من حيث لا يحبّون فينبو بك منهم المطمئن، فقال ابن الجهم:
نصيحة، وإن كان مخرج الكلام مخرج تهدّد.
«٦٠٢» - نازع عبد الله بن الزبير مروان بن الحكم عند معاوية، فقال ابن الزبير: يا معاوية لا تدع مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه، ويضرب صفاتهم بمعوله، فإنه لولا مكانك لكان أخفّ على رقابنا من فراشة وريشة [٣] نعامة، وأقلّ في نفوسنا من خشاشة؛ ولئن ملك أعنّة خيل تنقاد له ليركبنّ منك طبقا تخافه. فقال له معاوية: إن يطلب هذا الأمر فقد طمع فيه من هو دونه، وإن تركه تركه لمن هو فوقه؛ وما أراكم منتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يذكر كم عند ملمّة، ويسومكم خسفا، ويوردكم حتفا [٤] . قال ابن الزبير: إذن والله نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد حافتاه الأسل، لها دويّ كدويّ الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمّه براعية ثلّة.
فقال معاوية: أنا ابن هند أطلقت عقال الحرب، فأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع، وليس للآكل إلّا الفلذة، ولا للشارب إلّا الرّنق.
٦٠٣- من كلام ابن نصر الكاتب في التحذير: فكن- حرسك الله- لابسا
стр. 1986
جنّة التوقي والاحتراس، راصدا فرصة الوثبة والافتراس، غير مهوّن الأمر وإن دقّ خطبه، ولا مسترسل فيه وإن تضاءل خطره؛ فان الهفوات تهتدي جهة القارّ [١] الغافل، وتسري في محجّة الغارّ [٢] الذاهل، فتتنكّب طريق العالم المستبصر، وتتجنّب سبيل الحازم المستظهر.
«٦٠٤» - المتنبي: [من البسيط]
توهّم القوم أنّ العجز قرّبنا ... وفي التقرّب [٣] ما يدعو إلى التّهم
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته ... أجاب كلّ سؤال عن هل بلم
هوّن على بصر ما شقّ منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
ولا تشكّ إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرّك منهم ثغر مبتسم
«٦٠٥» - أنشد الجاحظ: [من الرجز]
القوم أمثال السّباع فانشمر ... فمنهم الذئب ومنهم النّمر
والضبع الغثراء والليث الهمر [٤]
٦٠٦- آخر: [من الكامل]
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير
стр. 1987
«٦٠٧» - أوس بن حجر: [من الطويل]
رأيت بريدا يدّريني بعينه ... تشاوس رويدا إنني من تأمّل
«٦٠٨» - كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ إلى أهل البصرة: فإن خطت بكم الأهواء المردية والآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أناذا قد قرّبت جيادي، ورحلت ركابي؛ ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم [١] الجمل إليها إلّا كلعقة لاعق، مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله، ولذي النّصيحة حقّه، غير متجاوز متّهما إلى بريّ، ولا ناكثا إلى وفيّ.
«٦٠٩» - قطع على قوم بالبادية فكتب الحجاج إلى عمرو بن حنظلة: أما بعد فإنكم أقوام قد استخفتكم هذه الفتنة فلا على حقّ تقيمون، ولا عن [٢] باطل تمسكون، وإني أقسم بالله لتأتينكم مني خيل تدع أبناءكم يتامى، ونساءكم أيامى، ألا وأيما رفقة مرّت بأهل ماء [٣] فأهل الماء ضامنون لها حتى تأتي الماء الآخر. فكانت الرفقة إذا وردت أهل الماء أخذوها حتى يوردوها الماء الآخر.
«٦١٠» - بلغ داود بن علي أنّ أهل المدينة ينقمون عليه قتله من قتل من بني
стр. 1988
أمية، وبسط ألسنتهم بما يكره من ذكره، فنادى في أهله: الصلاة جامعة.
فاجتمعوا وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ ثم قال: يا أيها الناس النوّام، حتى متى يهتف بكم صريخكم؟ أما آن لراقدكم أن يهبّ من رقدته؟ بل هم كما قال الله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
(المطففين: ١٤) . أغرّكم [١] الإمهال حتى خلتموه الإهمال، أيهات منكم وكيف بكم والسوط لفا [٢] والسيف مشيم؟ لا والله لا تنفرون من سنتكم حتى يجوس أولياب الله بسيوفهم خلال دياركم: [من الكامل]
حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعضّ كلّ مذكّر بالهام
يخرجن ربّات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
معاشر السبابة [٣] ، فاقبلوا العافية قبل نزول البلايا بسيوف المنايا. ثم نزل.
٦١١- معاذ بن كليب الخويلدي: [من الطويل]
فلا تحسبنّ الدّين يا غلب منسيا ... ولا الثائر الحران [٤] ينسى التقاضيا
«٦١٢» - الأخطل: [من البسيط]
حتى استكانوا وهم مني على مضض ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
٦١٣- مالك بن الرّيب: [من الطويل]
فشأنكم بي يا آل مروان فاطلبوا ... سقاطي فما فيه لباغيه مطمع
стр. 1989
وما أنا كالعير المقيم لأهله ... على القيد في بحبوحة الضيم يرتع
فلولا رسول الله إذ كان منكم ... تبيّن من بالنّصف يرضى ويقنع
«٦١٤» - بعض العلوية: [من الوافر]
أرى نارا تشبّ بكلّ واد ... لها في كلّ ناحية شعاع
وقد رقدت بنو العبّاس عنها ... وباتت وهي آمنة رتاع
كما رقدت أميّة ثم هبّت ... لتدفع حين ليس بها دفاع
٦١٥- تسابّ بدويّان فقال أحدهما لصاحبه: أراك والله تعطس عن أنف طالما جدع على الهوان، فقال صاحبه: والله لئن لم تكفّ عني شرّ [١] لسانك، ولم تستر دوني عورة سبّك، لأصدعن صفاتك بمعول لا ينبو عن مضربه، ولأحصدنّ رأسك بمنجل لا ينثني عن مأخذه. فقال له الأول: لا تسعّر نارنا، ولا تطلب عوارنا [٢] ، فإنّ سفه الجاهل بلسانه، وسفه النّسيب في يده، وكأني بك وقد وعيت منّي كلاما يمنعك الشراب البارد، ويشمت بك الصادر والوارد، وقلّ من تمرّد على العافية إلّا تمرد عليه [٣] البلاء. فانقلب عنه مغيظا يهمهم.
٦١٦- سوّار بن مضرّب: [من الطويل]
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
стр. 1990
٦١٧- أبو نهشل ابن حميد الطائي: [من الوافر]
أما والراقصات بذات عرق ... وربّ الركن والبيت العتيق
لقد أطلعت لي تهما أراها ... ستحملني على مضض العقوق
٦١٨- سويد بن منجوف: [من الوافر]
فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل يلفى النصيح بكلّ واد
تعلّم أنّ أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
٦١٩- وقع الطاعون بالكوفة فخرج في من خرج صديق لشريح فكتب إليه: أما بعد فإنك والمكان الذي أنت به بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب، وإنّ المكان الذي خلّفته لا يعجل أحدا إلى حمامه، ولا يظلمه شيئا من أيامه. وأنا وإياكم لعلى بساط واحد، وإنّ النجف من ذي قدرة لقريب.
٦٢٠- ابن ميمون الأنباري الكاتب: [من السريع]
يا وزراء الملك لا تفرحوا ... أيامكم أقصر أيّام
وزارة مختصر عمرها ... أطولها يقصر عن عام
٦٢١- نظر الفضل بن مروان في رقاع الناس فإذا رقعة فيها:
[من الطويل]
تعزّزت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك مات الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادتهم الأقياد والحبس والقتل
وإنك قد أصبحت للناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
يعني الفضل بن يحيى والفضل بن الربيع والفضل بن سهل.
стр. 1991
٦٢٢- أعرابي يقوله لوال: ما أطول سكر كأس شربها، ولما يخاف من عاقبتها أشدّ سكرا، ولئن كانت الدنيا مشغولة به ليوشك أن تكون فارغة منه حيث لا ترجى له أوبة، ولا تقبل منه توبة.
«٦٢٣» - ابن نباتة: [من المتقارب]
فلا تحقرنّ عدوّا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإنّ السيوف تجذّ الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر
٦٢٤- آخر: [من المنسرح]
لا تحقرنّي فربما نفذت ... في ردم يأجوج حيلة الجرذ
«٦٢٥» - الرضيّ: [من الطويل]
حذار فإنّ الليث قد فرّ نابه ... وقد أوتر الرامي المصيب فأنبضا
«٦٢٦» - وقال: [من المتقارب]
وصلعاء من مظلمات الخطو ... ب عمياء ليس لها مطلع
يكاد وجيب قلوب الرجا ... ل من خوف مكروهها يسمع
«٦٢٧» - وقال: [من السريع]
هيهات لا يرجو لها رقعة ... أثأى عليك الخرق يا راقع
«٦٢٨» - وقال: [من الطويل]
стр. 1992
حذار بني العنقاء من متطاول ... إلى الحرب لا يخشى جناية جان
فهذا وعيد سطوتي من ورائه ... وعنوان ناري أن يبين دخاني
فلا تحسب الأعداء كيدي غنيمة ... ولا أنني في الشرّ غير معان
فإني بحمد الله أقوى على الأذى ... وأنمي على البغضاء والشنآن
«٦٢٩» - وقال أيضا: [من الكامل]
لا تدنينّ مواربين دعوتهم ... يوم الطعان فسوّفوك إلى الغد
تركوا القنا تهفو إليك صدوره ... والقوم بين مهلّل ومعرّد
حتى اتّقّوا بك ثمّ فاغرة الردى ... فنجوا وأنت على طريق المزرد
قذفوك في غمّائها وتباعدوا ... عنها وقالوا قم لنفسك واقعد
قطع الزمان قبال نعلك فانتعل ... أخرى تقيك من العثار وجدّد
«٦٣٠» - وقال: [من الخفيف]
ربّ قول نمى إليّ وعزمي ... غافل والهموم عنّي نيام
وتعرّفت قائليه ولكن ... آه لو كان في يميني حسام
стр. 1993
نوادر من هذا الباب
٦٣١- أغارت عكل على إبل لبني حنظلة، فاستغاثوا باسحاق بن إبراهيم، فكتب إلى عامله كتابا فخرج الحنظليّ وخرّق الكتاب وقال: [من الطويل]
جعلتم قراطيس العراق سيوفكم ... ولن يقطع القرطاس رأس المكابر
وقلتم خذوا البرّ التقيّ فإنه ... أقلّ امتناعا واتركوا كلّ فاجر
فرحنا بقرطاس طويل وطينة ... وراحت بنو أعمامنا بالأباعر
٦٣٢- تزوج سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بنت سفيان بن معاوية ابن يزيد بن المهلب، وكان قد تزوّجها قبله رجلان فدفنتهما فكتب إليه أبو عيينة المهلبي: [من الوافر]
رأيت أثاثها فرغبت فيه ... فكم نصبت لغيرك بالأثاث
إلى دار المنون فجهّزتهم ... تحثهم بأربعة حثاث
فصيّر أمرها بيدي بنيها ... وعيشك من حبالك بالثلاث
وإلا فالسلام عليك مني ... سأبدأ من غد لك بالمراثي
م: آخر باب الوعيد والتحذير ويتلوه إن شاء الله تعالى باب النعوت والصفات، والحمد الله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي [وآله الطاهرين] وسلم [تسليما كثيرا إلى يوم الدين] .
стр. 1994
الباب السّابع والعشرون في الأوصاف والنعوت
стр. 1995
خطبة الباب
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر وأعن الحمد لله المستعلي عن الشبيه والنظير، المستغني عن المشير والظهير، البعيد بجلاله وكبريائه، القريب بعطفه على أوليائه، السميع بلا جارحة واعية، البصير الذي لا تخفى عنه خافية. أحمده على صدق اليقين، وأسأله شكر الموحدين المتقين، وأستمده الرشاد والهداية، وأومن بالإعادة كما كانت منه البداية، وأعوذ به أن أتّخذ الهوى إلها، وأن أجعل له أندادا وأشباها. والصلاة على نبينا المصطفى، ورسوله المجتبي، المبعوث جلاء للأفهام من صدأ الارتياب، وشفاء للأوهام من علل الشبهات والأوصاب، وعلى آله مصابيح كلّ ليل داج مظلم، ومفاتيح كلّ مشكل مستبهم.
стр. 1996
(الباب السابع والعشرون في الأوصاف والنعوت) ٦٣٣- في الكتاب العزيز روائع من التشبيهات، وبدائع من الأوصاف، وأنا ألمّ بذكر شيء منها ثم أعود إلى أنواع ما جاء في هذا المعنى مضيفا كل معنى إلى جنسه. فمن ذلك قوله تعالى في صفة الأفعال: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
(ابراهيم: ١٨) . وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
(النور: ٣٩) وقوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
(يس: ٣٩) وقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
(النور: ٣٥) .
٦٣٤- ويشتمل هذا الباب على أربعين نوعا: الخيل وما يتبعها. وصف البغال والحمير. الإبل. الفيل. الأسد. وحش الفلاة وسباعها. القنص وآلاته وأماكنه من الحيوان. الطير. أنواع شتى من الحيوان. الحية. الهوام والحشرات.
النساء: لباسهن وزينتهنّ. الغلمان السودان. السماء والنجوم وما يتعلق بها.
الليل والصبح وما جاء في طول الليل وقصره. السحاب والغيث وما كان منهما.
الرياح. الخصب والمحل. المياه والغدران والأنهار. السفن والبحر. الرياض
стр. 1997
والأزهار. النخل والشجر. الحرب والجيش. السلاح والجنن. أنواع القتل والجراح. الأبنية والمعاقل. الديار والرسوم. الفلاة. السير والسرى. البيان والمحاورة. القوافي. الكتاب والقلم وآلاتهما. النار والحر وما يتنوع منهما. القر والصلا. المآكل والأكول. القدر. الملاهي. الشواذ. النوادر.
وصف الخيل
«٦٣٥» - قال رسول الله ﷺ : الخيل معقود في نواصيها الخير. وخصّ الناصية من بين سائر الأعضاء لأنّ العرب تقول: فلان مغضور الناصية أي مباركها.
«٦٣٦» - وقال ﷺ ، وذكر الخيل: بطونها كنز وظهورها حرز [١] .
«٦٣٧» - وروي عن مكحول قال: سبق رسول الله ﷺ على فرس فجثا على ركبتيه وقال: إنه لبحر. فقال عمر، ﵁: كذب الحطيئة حيث يقول: [من الطويل]
وإنّ جياد الخيل لا تستفزنا ... ولا جاعلات الرّيط فوق المعاصم
٦٣٨- وقد أمر الله بإعدادها إرهابا لأعدائه. وكانت العرب تفتخر بارتباطها وتراه من أسرى مآثرها وتجيع لها العيال. والأخبار في ذلك تجيء في أماكنها. وهذا موضع إثبات ما جاء في أوصافها من معنى بديع ولفظ بليغ.
стр. 1998
«٦٣٩» - والمقدم في ذلك قول امرىء القيس، وليس إخلاقه بتداول الألسن بمانعه من هذه الرتبة: [من الطويل]
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل
له أبطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
«٦٤٠» - وقال بشر بن أبي خازم الأسديّ يصف جملة خيل: [من الوافر]
متى ما أدع في أسد تجبني ... على خيل مسوّمة صيام
تراها نحو داعيها سراعا ... كما انسلّ الفريد من النظام
«٦٤١» - وقال الأسعر بن أبي حمران الجعفيّ: [من الكامل]
باعوا جوادهم لتسمن أمهم ... ولكي يعود على فراشهم فتى
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة ... باد جناجن صدرها ولها غنى [١]
تقفى بغيبة أهلها وثابة ... أو جرشع عبل المحازم والشّوى [٢]
ولقد علمت على تجشّمي الرّدى ... أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأى [٣]
стр. 1999
نهد المراكل مدمج أرساغه ... عبل المعاقم لا يبالي ما أتى
إني وجدت الخيل عزّا ظاهرا ... تنجي من الغمّى ويكشفن الدجى
ويبتن بالثغر المخوف طليعة ... ويبتن للصعلوك جمّة ذي الغنى
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلى
«٦٤٢» - وقال مزرّد بن ضرار أخو الشمّاخ: [من الطويل]
وعندي إذا الحرب العوان تلقّحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل
أجشّ صريحيّ كأنّ صهيله ... مزامير شرب جاوبتها جلاجل [١]
متى ير مركوبا تقل باز قانص ... وفي مشيه عند القياد تساتل [٢]
تقول إذا أبصرته وهو صائم ... خباء على نشز أو السّيد ماثل
خروج أضاميم وأحصن معقل ... إذا لم يكن إلا الجياد معاقل [٣]
يرى طامح العينين يرنو كأنه ... مؤانس ذعر فهو بالأنس خاتل
وصمّ الحوامي ما يبالي إذا عدا ... أوعث نقا عنّت له أم جنادل [٤]
«٦٤٣» - وقال جرير يصف حالا منها: [من الكامل]
وطوى الطراد مع القياد بطونها ... طيّ التّجار بحضرموت برودا
«٦٤٤» - وقيل لأعرابي: كيف عدو فرسك؟ فقال: يعدو ما وجد أرضا.
стр. 2000
«٦٤٥» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
صبحت بمشتدّ النواشر سابح ... ممرّ أسيل الخدّ نهد مراكله
أمين شظاه لم يخرّق صفاقه ... بمنقبة ولم تقطّع أباجله
إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرّة ... متى نره فإننا لا نخاتله
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله
فنضربه حتى اطمأنّ قذاله ... ولم يطمئنّ قلبه وخصائله
النواشر: عروق الذراع، واحدها ناشرة، والنهد: الضخم، والممر:
المفتول، والشظا: عظم ملصق بالذراع، وبعضهم يقول: الشظا: انشقاق العصب. والصفاق: الجلدة السفلى تحت الجلد الذي عليه الشعر. المنقب:
حيث ينقب البيطار من البطن، والمنقبة حديدة ينقب بها البيطار، وتقال منقبة بكسر الميم، والخصائل جمع خصيلة وكلّ لحمة في عصبة خصيلة.
«٦٤٦» - وقال زهير أيضا: [من الكامل المرفل]
ولقد غدوت على القنيص بسابح ... مثل الوذيلة جرشع لأم
قيد الأوابد ما يغيّبها ... كالسّيد لا ضرع ولا قحم
صعل كسافلة القناة من ال ... مرّان ينفي الخيل بالعذم
الوذيلة: الفضة شبّه بريقه وصفاءه بها، والجرشع: الضخم الجنبين [واللأم: الملتئم الشديد] والسيد: الذئب، والضّرع: الصغير السنّ.
القحم: الكبير. والصّعل: الدقيق العنق الصغير الرأس. والمران: شجر تتّخذ منه الرماح. والعذم: العض.