(الباب السابع والعشرون في الأوصاف والنعوت) ٦٣٣- في الكتاب العزيز روائع من التشبيهات، وبدائع من الأوصاف، وأنا ألمّ بذكر شيء منها ثم أعود إلى أنواع ما جاء في هذا المعنى مضيفا كل معنى إلى جنسه. فمن ذلك قوله تعالى في صفة الأفعال: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
(ابراهيم: ١٨) . وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
(النور: ٣٩) وقوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
(يس: ٣٩) وقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
(النور: ٣٥) .
٦٣٤- ويشتمل هذا الباب على أربعين نوعا: الخيل وما يتبعها. وصف البغال والحمير. الإبل. الفيل. الأسد. وحش الفلاة وسباعها. القنص وآلاته وأماكنه من الحيوان. الطير. أنواع شتى من الحيوان. الحية. الهوام والحشرات.
النساء: لباسهن وزينتهنّ. الغلمان السودان. السماء والنجوم وما يتعلق بها.
الليل والصبح وما جاء في طول الليل وقصره. السحاب والغيث وما كان منهما.
الرياح. الخصب والمحل. المياه والغدران والأنهار. السفن والبحر. الرياض
стр. 1997
والأزهار. النخل والشجر. الحرب والجيش. السلاح والجنن. أنواع القتل والجراح. الأبنية والمعاقل. الديار والرسوم. الفلاة. السير والسرى. البيان والمحاورة. القوافي. الكتاب والقلم وآلاتهما. النار والحر وما يتنوع منهما. القر والصلا. المآكل والأكول. القدر. الملاهي. الشواذ. النوادر.
وصف الخيل
«٦٣٥» - قال رسول الله ﷺ : الخيل معقود في نواصيها الخير. وخصّ الناصية من بين سائر الأعضاء لأنّ العرب تقول: فلان مغضور الناصية أي مباركها.
«٦٣٦» - وقال ﷺ ، وذكر الخيل: بطونها كنز وظهورها حرز [١] .
«٦٣٧» - وروي عن مكحول قال: سبق رسول الله ﷺ على فرس فجثا على ركبتيه وقال: إنه لبحر. فقال عمر، ﵁: كذب الحطيئة حيث يقول: [من الطويل]
وإنّ جياد الخيل لا تستفزنا ... ولا جاعلات الرّيط فوق المعاصم
٦٣٨- وقد أمر الله بإعدادها إرهابا لأعدائه. وكانت العرب تفتخر بارتباطها وتراه من أسرى مآثرها وتجيع لها العيال. والأخبار في ذلك تجيء في أماكنها. وهذا موضع إثبات ما جاء في أوصافها من معنى بديع ولفظ بليغ.
стр. 1998
«٦٣٩» - والمقدم في ذلك قول امرىء القيس، وليس إخلاقه بتداول الألسن بمانعه من هذه الرتبة: [من الطويل]
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل
له أبطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
«٦٤٠» - وقال بشر بن أبي خازم الأسديّ يصف جملة خيل: [من الوافر]
متى ما أدع في أسد تجبني ... على خيل مسوّمة صيام
تراها نحو داعيها سراعا ... كما انسلّ الفريد من النظام
«٦٤١» - وقال الأسعر بن أبي حمران الجعفيّ: [من الكامل]
باعوا جوادهم لتسمن أمهم ... ولكي يعود على فراشهم فتى
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة ... باد جناجن صدرها ولها غنى [١]
تقفى بغيبة أهلها وثابة ... أو جرشع عبل المحازم والشّوى [٢]
ولقد علمت على تجشّمي الرّدى ... أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأى [٣]
стр. 1999
نهد المراكل مدمج أرساغه ... عبل المعاقم لا يبالي ما أتى
إني وجدت الخيل عزّا ظاهرا ... تنجي من الغمّى ويكشفن الدجى
ويبتن بالثغر المخوف طليعة ... ويبتن للصعلوك جمّة ذي الغنى
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلى
«٦٤٢» - وقال مزرّد بن ضرار أخو الشمّاخ: [من الطويل]
وعندي إذا الحرب العوان تلقّحت ... وأبدت هواديها الخطوب الزلازل
أجشّ صريحيّ كأنّ صهيله ... مزامير شرب جاوبتها جلاجل [١]
متى ير مركوبا تقل باز قانص ... وفي مشيه عند القياد تساتل [٢]
تقول إذا أبصرته وهو صائم ... خباء على نشز أو السّيد ماثل
خروج أضاميم وأحصن معقل ... إذا لم يكن إلا الجياد معاقل [٣]
يرى طامح العينين يرنو كأنه ... مؤانس ذعر فهو بالأنس خاتل
وصمّ الحوامي ما يبالي إذا عدا ... أوعث نقا عنّت له أم جنادل [٤]
«٦٤٣» - وقال جرير يصف حالا منها: [من الكامل]
وطوى الطراد مع القياد بطونها ... طيّ التّجار بحضرموت برودا
«٦٤٤» - وقيل لأعرابي: كيف عدو فرسك؟ فقال: يعدو ما وجد أرضا.
стр. 2000
«٦٤٥» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
صبحت بمشتدّ النواشر سابح ... ممرّ أسيل الخدّ نهد مراكله
أمين شظاه لم يخرّق صفاقه ... بمنقبة ولم تقطّع أباجله
إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرّة ... متى نره فإننا لا نخاتله
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله
فنضربه حتى اطمأنّ قذاله ... ولم يطمئنّ قلبه وخصائله
النواشر: عروق الذراع، واحدها ناشرة، والنهد: الضخم، والممر:
المفتول، والشظا: عظم ملصق بالذراع، وبعضهم يقول: الشظا: انشقاق العصب. والصفاق: الجلدة السفلى تحت الجلد الذي عليه الشعر. المنقب:
حيث ينقب البيطار من البطن، والمنقبة حديدة ينقب بها البيطار، وتقال منقبة بكسر الميم، والخصائل جمع خصيلة وكلّ لحمة في عصبة خصيلة.
«٦٤٦» - وقال زهير أيضا: [من الكامل المرفل]
ولقد غدوت على القنيص بسابح ... مثل الوذيلة جرشع لأم
قيد الأوابد ما يغيّبها ... كالسّيد لا ضرع ولا قحم
صعل كسافلة القناة من ال ... مرّان ينفي الخيل بالعذم
الوذيلة: الفضة شبّه بريقه وصفاءه بها، والجرشع: الضخم الجنبين [واللأم: الملتئم الشديد] والسيد: الذئب، والضّرع: الصغير السنّ.
القحم: الكبير. والصّعل: الدقيق العنق الصغير الرأس. والمران: شجر تتّخذ منه الرماح. والعذم: العض.
стр. 2001
«٦٤٧» - وقال آخر: [من الرجز]
جاء كلمع البرق جاش ماطره ... تسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
«٦٤٨» - وصف عبد الحميد فرسا ركبها فقال: همّها أمامها، وسوطها عنانها، وما ضربت قطّ إلّا ظلما.
«٦٤٩» - وصف ابن القرّيّة فرسا أهداه الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فقال: قد وجّهت إليك بفرس أسيل الخدّ، حسن القدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.
«٦٥٠» - وقال عبد العزيز الحمصي [في] وصف فرس [١] : كأنه إذا علا دعاء، وإذا هبط قضاء.
«٦٥١» - وقال النجاشي الحارثي: [من الطويل]
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني
من الأعوجيّات الطوال كأنّه ... على شرف التقريب شاة إران
شديد على فأس اللجام شكيمه ... يفرّج عنه الرّبو بالعسلان
كأنّ عقابا كاسرا تحت سرجه ... يحاول قرب الوكر بالطّيران
إذا قلت أطراف العوالي ينلنه ... مرته به السّاقان والقدمان
стр. 2002
إذا ابتلّ بالماء الحميم رأيته ... كقادمة الشّؤبوب ذي النفيان
كأنّ جنابي سرجه ولجامه ... من الماء ثوبا ماتح خضلان
جزاه بنعمى كان قدّمها له ... بما كان قبل الحرب غير مهان
«٦٥٢» - وقال أبو تمام في وصف فرس أصفر: [من المنسرح]
يكاد يجري الجاديّ من ماء عطفي ... هـ ويجنى من متنه الورس
هذّب في جنسه ونال المدى ... بنفسه فهو وحده جنس
ضمّخ من لونه فجاء كأن ... قد كشّفت في أديمه الشمس
«٦٥٣» - وقال البحتريّ في مثله: [من الخفيف]
شية تخدع العيون ترى أن ... ن عليه منها سحالة تبر
صبغة الأفق بين آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر
«٦٥٤» - وقال أبو تمام: [من السريع]
ترى رزان القوم قد أسمحت ... عيونهم في حسنه فهي شوس
كأنما لاح لهم بارق ... في المحل أو زفّت إليهم عروس
سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيس
كأنما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريس
عوّذه الحاسد بخلا به ... ورفرفت خوفا عليه النفوس
«٦٥٥» - وقال البحتري وكان وصّافا للخيل: [من الكامل]
стр. 2003
أمّا الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيوم مخبرا عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه جوانب غرّة ... جاءت مجيء البدر عند تمامه
واسودّ ثم صفت لعيني ناظر ... جنباته فأضاء في إظلامه
مالت نواحي عرفه فكأنّها ... عذبات أثل مال تحت حمامه
وكأنّ فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدّامه
لانت معاطفه فخيّل أنه ... للخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب مرّ بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه
وكأنّ صهلته إذا استعلى بها ... رعد يقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب مشى يباري صحبه ... بسواد صبغته وحسن قوامه
والطّرف أجلب زائر لمؤونة ... ما لم تزره بسرجه ولجامه
«٦٥٦» - وقال يستهدي ابن حميد فرسا: [من الكامل]
فأعن على غزو العدوّ بمنطو ... أحشاؤه طيّ الكتاب المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجّج
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما يلقاك غير مضرّج
أو أدهم صافي السواد كأنه ... تحت الكميّ مظهّر بيرندج
ضرم يهيج السّوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج
خفّت مواقع وطئه فلو آنه ... يجري برملة عالج لم يرهج
أو أشهب يقق يضيء وراءه ... متن كمتن اللجة المترجرج
يخفي الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبلق متألق كالدّملج
أوفى بعرف أسود متغرّب ... فيما يليه وحافر فيروزجي
стр. 2004
أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كلّ لون معجب بنموذج
أرمي به شوك القنا وأردّه ... كالسّمع أثّر فيه شوك العوسج
«٦٥٧» - وقال: [من الكامل]
وأغرّ في الزمن القديم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجل
كالهيكل المبنيّ إلّا أنّه ... للحسن جاء كصورة في هيكل
ذنب كما سحب الرداء فذبّ عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
تتوهّم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرّة وجهه المتهلّل
صافي الأديم كأنما عنيت به ... لصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان أو قطربّل
وتخاله كسي الخدود نواعما ... مهما تواصلها بلحظ تخجل
ملك العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
هزج الصهيل كأنّ في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأوّل
«٦٥٨» - وقال ابن المعتز: [من الرجز]
أسرع من ماء إلى تصويب ... ومن وقوع لحظة المريب
ومن نفوذ الفكر في القلوب
«٦٥٩» - وقال: [من الرجز المجزوء]
قد ضحكت غرّته ... في موضع التقطيب
стр. 2005
«٦٦٠» - وقال أبو الفرج الببغا: [من الكامل]
إن لاح قلت أدمية أم هيكل ... أو عنّ قلت أسابح أم أجدل
تتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمّل
فكأنه في اللطف فهم ثاقب ... وكأنه في الحسن حظّ مقبل
«٦٦١» - وقال محمد بن هانىء وأغرق في المبالغة: [من الكامل]
عرفت بساحة سبقها لا أنها ... علقت بها يوم الرهان عيون
فأجلّ علم البرق فيها أنها ... مرّت بجانحتيه وهي ظنون
«٦٦٢» - ويستحبّ العرب في الخيل أن يطول بطنه، ويقصر ظهره، ويشرف منسجه، وتعرض أوظفة رجليه، وتحدب أوظفة يديه، ويدقّ زوره وهو الصدر، وتعظم بركته، والبركة عظم الصدر وما عليه من اللحم، فإذا أسقطوا الهاء فتحوا الباء فقالوا بركا، وكان يقال لزياد أشعر بركا، وكان كثير شعر الصدر، وأن يرهل منكباه، ويتسع جلده، ويرق أديمه، وتقصر شعرته، ويطول عنقه، ويعرض منخره، ويدق مذبحه، ويلهز ماضغه، أي يغلظ فيكثر عصبه؛ وأن يعرض خدّاه، ويرقّ مستطعمه أي جحافله، ويتسع منخره، ويرحب شدقاه، ويجشع حجاجه، ويحد كعبه وطرفه وعرقوبه، وتؤلّل أذنه، وتتسع ضلوعه، وتقصر طفطفته، ويعرض كتفه ووركه وجبهته، ويلحب متنه فيقلّ لحمه وتظمأ فصوصه، وتتمحص قوائمه، وتمكن أرساغه،
стр. 2006
ويشتد صهيله، ويضحى عجانه، أي يظهر؛ وتحبط قصيراه، وهي آخر الأضلاع أي ينتفج جنباه، ويشرف عنقه، والتحنيب في الرجلين شبه الرّوح، وهو أن يكون فيهما ميل إلى وحشيّهما. ويستحب طول الوظيفين في الرجلين، وقصر الوظيفين في اليدين. ويكره في الخيل الهضم وهو اضطمار الجنبين، والقنا وهو احديداب الأنف، وعظم الزور، وقصر العصبة، وغلظ العنق، واضطراب الأذن، وطول الشعر، وكثرة لحم المتن، وقصر الضلع، وطول العسيب، وضيق الجلد على الكتف، وضيقه على العضد، وغلظ الذّفرى والجحفلة، وكثرة لحم الوجه، واستدارة القوائم، واصطراب الحوافر ورححها، واستواء مقدّمه ومؤخره، وظهور النسور، وقلة الدماع، وضعف الضرس، واصطرار المتن، ودنوّ الصدر من الأرض، ونكس الجاعرة، وطمأنينة القطاة، وضيق الشدق، وانمساخ الحماة [١] ، أي اضطمارها؛ وموج الرّبلة، وطول النّسا، والفحج الفاحش، والبدد في اليدين، وهو تباعد ما بين الركبتين والاقعاد في الرجلين، وهو أن تفرش جدا فلا ينتصب، ويقال مفروش الرجلين، والعزل وهو ميل في الذنب في أحد الشقّين. وهذا القدر كاف ليعرف المحمود منها فتصفه والمذموم فتجتنبه، ولا نتعداه إلى ذكر أنساب الخيل، وأسماء المشهورة منها، وأنواع مشيها وجريها، والعيوب في كل عضو من أعضائها، وأصناف ألوانها وشياتها وأسنانها، فنخرج عن فنّ الكتاب ومقصده.
ونعود إلى ما قيل في وصفها:
«٦٦٣» - قال ابن نباتة السعدي: [من الكامل]
стр. 2007
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رائه
قد جاءنا الطّرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية أوليتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه
تختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
متهللا متمهلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرّها ... لو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
فهناك تنتهب العيون كأنما ... وقف الوجيه عليه من آبائه
لا يكمل الطّرف المحاسن كلّها ... حتى يكون الطّرف من أسرائه
٦٦٤- اشترى شاب من العرب فرسا فجاء إلى أمه وقد كفّ بصرها فقال: يا أماه، قد ابتعت فرسا. قالت: صفه لي، قال: إذا استقبل فظبي ناصب، وإذا استدبر فهقل خاضب، وإذا استعرض فسيّد قارب، مؤلّل المسمعين، طامح الناظرين، مذعلق الصّبيين. قالت: أجودت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواه الصّهيل، قالت:
أكرمت فارتبط.
الهقل: الذكر من النعام، والأنثى هقلة. والخاضب: الذي أكل الربيع فاحمرت ظنبوباه وأطراف ريشه. والسيد: الذئب، ومؤلل: محدّد، وطامح:
مشرف، والذعلوق: نبت يشبه الكراث يلتوي وهو طيب للأكل. والصبيان:
مجتمع لحييه من مقدميهما. قال أبو عبيدة: الصبيان العظمان المنحنيان من حرفي وسط اللحيين من ظاهرهما عليهما لحم، والحصيل: كلّ ما انماز من لحم الفخذ بعضه من بعض، والوهوهة: صوت تقطعه.
стр. 2008
«٦٦٥» - وقال شاعر: [من الخفيف]
فوق طرف كالطّرف في سرعة الشّد ... د وكالقلب قلبه في الذكاء
ما تراه العيون إلا خيالا ... وهو مثل الخيال في الإنطواء
«٦٦٦» - وقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي: [من الطويل]
بيوم تسامى فيه ورد مسوّم ... وأشقر يعبوب وسابحة حجر
ودهم كأنّ الليل ألقى رداءه ... عليها فمرفوع النواحي ومنجرّ
وقبّلها ضوء الصباح كرامة ... فهنّ إلى التحجيل مرثومة غرّ
وبلق تقاسمن الدجنّة والضّحى ... فمن هذه شطر ومن هذه شطر
ولاحقة الأقراب لو جازت الصّبا ... كبت خلفها واعتاق ريح الصّبا حسر
كرائم مكتوم أبوها ومذهب ... يلوح عليهنّ المشابه والنجر
مجزّعة غرّ كأنّ جلودها ... تجزّع فيها اللؤلؤ الرطب والشذر
وصفر كأنّ الزعفران خضابها ... وإلا فمن ماء العقيق لها قشر
وشهب من اللجّ استعيرت متونها ... ومن طرر الأقمار أوجهها القمر
إذا هزّها مشي العرضنة عارضت ... قدود العذارى هزّ أعطافها السكر
سوابق بشّرن الربيع منوّرا ... عليك يباهيه ربيعك والنشر
«٦٦٧» - وقال ابن ميخائيل المغربي: [من الكامل]
ولقد ذعرت الوحش وهي كوانس ... بوثيق أوظفة اليدين إذا ارتمى
من نسل أعوج هجته فكأنما ... حاولت برقا لاح أو غيثا همى
ذي غرّة محفوفة بسواده ... كالنجم أشرق في ظلام أدهما
стр. 2009
يجري لغاية ما أريد كأنه ... علم المراد فما يريد معلّما
٦٦٨- وقال غيلان بن الحريث: [من الرجز]
قد أغتدي والليل داج ستره ... والصبح قد كادت تضيء طرره
بأعوجيّ حسن معذّرة ... مرتفع الحارك وحف عذره [١]
يكاد مما يزدهيه أشره ... يطير لولا أننا نوقّره
«٦٦٩» - جاءت فرس لهشام سابقة، فأمر الشعراء أن يقولوا فيها، فاستمهلوا، فقال أبو النجم: هل لك في من ينقدك إذا استنسأوك؟ قال: هات، فقال: [من الرجز]
أشاع للغرّاء فينا ذكرها ... قوائم عوج أطعن أمرها
ملبوّة [٢] شدّ المليك أسرها ... أسفلها وبطنها وظهرها
يكاد هاديها يكون شطرها
«٦٧٠» - وقال محمد بن هانىء: [من الكامل]
إن شيم أقبل عارضا متهللا ... أو ريع أقبل خاضبا إجفيلا
صلتان يعنف بالبروق لوامعا ... ولقد يكون لأمّهنّ سليلا
يستغرق الشأو البعيد معنّقا ... ويجيء سابق حلبة مشكولا
ونتبع هذا الفصل ما جاء في:
стр. 2010
٢- وصف البغال والحمير
«٦٧١» - قال البحتري يذكر بغلا: [من الكامل]
وأقبّ نهد للصواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشحّج
خرق يتيه على أبيه ويدّعي ... عصبيّة لبني الضّبيب وأعوج
مثل المذرّع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤولة في الخزرج
«٦٧٢» - وقال الحطيئة في حمار: [من الطويل]
رباع أبوه أخدريّ وأمّه ... من الحقب فحّاش على العرس باسل
«٦٧٣» - عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي يصف حمار الوحش:
[من الطويل]
وأخرج صلصال لأخدر ينتمي ... أمين الفصوص لم يدمّث [١] له ظهر
كأنّ العيون النّجل صيغت بجلده ... رأت رقباء فهي مشطورة خزر
تولّع منها الجلد حتى كأنما ... صباح وليل فيه حطّهما قدر
تعاطى لباس الخيل فاختال راكضا ... له حلّة لا تدّعي لبسها الحمر
كأنّ الحجار الصلّبيّة قدّرت ... فجاءت لها وفقا حوافره الحفر
إذا اختال واستولى به رديانه ... توالى صفير منه ترجيعه نبر
«٦٧٤» - وقال بعضهم: إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق- تجده
стр. 2011
في نجائها، مشرفة الهادي- تجده في طاعتها، مجفرة الجوف- تجده في صبرها.
«٦٧٥» - كان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا سيّارة الذي يضرب المثل بحماره فيقال: أصحّ من عير أبي سيارة قدوة لهما وحجة.
وقيل للفضل لم تركبه؟ فقال: لأنه أقلّ الدوابّ مؤونة، وأكثرها معونة، وأسلمها جماحا، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويدعى مقتصدا وقد أسرف في ثمنه، ولو شاء أبو سيارة لركب جملا مهريّا أو فرسا عربيّا ولكنه امتطى عيرا أربعين سنة.
وقال خالد بن صفوان: عير من نسل الكداد، أصحر السّربال، محملج القوائم، مفتول الأجلاد، ويحمل الرحلة، ويبلّغ العقبة، ويقلّ داؤه، ويخفّ دواؤه، ويمنعني أن أكون جبارا عنيدا، ولولا ما في الحمار من المنافع ما امتطاه أبو سيارة أربعين سنة.
فعارضهما أعرابي فقال: الحمار إن ركبته أدلى، وإن تركته ولّى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى الغرارة، بطيء في الغارة، لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الإناء.
٣- صفات الإبل
٦٧٦- قال عبدة بن الطبيب: [من الطويل]
وقام إلى وجناء كالفحل حرّة ... بثني زمام بعد ما كاد يشرق
стр. 2012
رجيع براها الكور إلا جناجنا ... فقد جعلت في صفرة النّسع تقلق
لها عجز كالباب سدّ رتاجه ... يطوف به بوّابه وهو مغلق
وزور كطيّ البئر جأب ضلوعه ... وإبط ودفّ كالخليط ومرفق
ومستنتل كالكور فعم يزينه ... دسيع بصفقيه ودأي موثّق
المستنتل: المتقدم، يعني متقدّم سنامها وفعم ممتلىء، والدسيع: مغرز العنق في الزور، وصفقاه: جانباه.
وأتلع فيه بالزمام نحيله ... يضايقه منها إذا شاء مصدق
وساجيتان يطحران قذاهما ... ووجه عليه نقبة العنق تبرق
النقبة: ها هنا الأثر، وهي في غير هذا اللون، وهي الجرب أيضا.
نجاة إذا كلّت كأنّ صريفها ... وقد قلقت أنساعها فهي محنق
ترنّم خطّاف بحبلي محالة ... له محور يجري بدلوين أخلق
شبه صرير أنيابها بصوت خطّاف البكرة، وأخلق: أملس، يعني المحور.
وعوج تحاسي بالحصى كلّ وجهة ... ولاء كما ارفضّ الزجاج المفلّق
تحاسي: أي ترمي به حسا، أي فردا، في كلّ ناحية.
تردّ يداها خلفها ما أصابتا ... وتنجرّ رجلاها نفيّا فيلحق
وتعطيه منها كلما جدّ جدّها ... هويّا كتخليط المؤارب أدفق
النفيّ: ما تطاير منه، والمؤارب: الضارب بالقداح؛ ورفع «أدفق» على الاستئناف.
٦٧٧- وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
مذكرة الثنيا مساندة القرا ... جماليّة تجتبّ ثم تنيب
مخيّسة ذلّا وتحسب أنها ... إذا ما بدت للناظرين قضيب
стр. 2013
كمثل أتان الوحش أما فؤادها ... فصعب وأمّا ظهرها فركوب
ترى ظلّها عند الرواح كأنّها ... إلى جنبها رأل يخبّ جنيب
يشجّ بها الموماة مستحكم القوى ... له من أخلّاء الصفاء حبيب
متين حبال الودّ مطّلع العدا ... أكول على غيظ الرجال شروب
«٦٧٨» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
ثنت أربعا منها على ثني أربع ... فهنّ بمثنيّاتهنّ ثماني
إليك من الغور اليماني تدافعت ... يداها ونسعا غرضها قلقان
تظلّ تمطّى في الزمام كأنها ... إذا بركت قوس من الشرّيان
نهوز بلحييها أمام سفارها ... ومعتلّة إن شئت في الجمزان
الغرض: حزام الرحل، والشّريان: شجر تتّخذ منه القسيّ، وحرّك الراء.
والنهوز: التي تمدّ عنقها تنهز به الزمام من نشاطها. والسفار: حديدة تجعل على أنف البعير مثل الحكمة، وجماعها سفر.
«٦٧٩» - وقال ذو الرمة: [من البسيط]
كأنّ راكبها يهوي بمنخرق ... من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا
تشكو الخشاش ومجرى النّسعتين كما ... أنّ الجريح إلى عوّاده الوصب
لا تشتكى سقطة منها وقد سقطت ... بها المفاوز حتى ظهرها حدب
تخدي بمنخرق السربال منصلت ... مثل الحسام إذا أصحابه شحبوا
تصغي إذا شدّها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
«٦٨٠» - وقال: [من الطويل]
стр. 2014
سرى ثم أغفى عند روعاء حرّة ... ترى خدّها في ظلمة الليل يبرق
رجيعة أسفار كأنّ زمامها ... شجاع لدى يسرى الذراعين مطرق
«٦٨١» - وقال أيضا: [من الطويل]
ألمّت بشعث كالسيوف وأينق ... حراجيج من نسل الجديل وداعر
جذبن البرى حتى شدقن وأصعرت ... أنوف المهارى لقوة في المناخر
شدقن: ملن؛ يقول مال عنقها حتى كأنّ به لقوة، والحراجيج: الطوال واحدها حرجوج.
«٦٨٢» - وقال الشماخ: [من الطويل]
كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّة ... بعيد السّباب حاولت أن تعذّرا
كأنّ بذفراها مناديل فارقت ... أكفّ رجال يعصرون الصّنوبرا
كأنّ ابن آوى موثق تحت غرضها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفّرا
شبه يديها بيدي مدلّة بجمال ومنصب قد سابّت وأقبلت تعتذر، ووصفها بسواد الذفرى وهي أعلى القفا، ووصفها بأنها ليست تستقرّ فكأنّ ابن آوى يعضّها بنابيه.
ومثل البيت الأول قول الآخر: [من الطويل]
كأنّ ذراعيها ذراعا بذية ... مفجّعة لاقت ضرائر عن عفر
«٦٨٣» - وقال بشامة بن الغدير: [من المتقارب]
стр. 2015
كأنّ يديها إذا أرقلت ... وقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يدا سابح خرّ في غمرة ... وقد شارف الموت إلّا قليلا
إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الريح قلعا جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورة ... من الرّبد تتبع هيقا ذمولا [١]
«٦٨٤» - وقال الأخطل: [من البسيط]
ومهمه طامس تخشى غوائله ... قطعته بكلوء العين مسفار [٢]
بحرّة كأتان الضّحل أضمرها ... بعد الرّبالة ترحالي وتسياري
الضحل: الماء القليل. والربالة: السّمن.
أخت الفلاة إذا شدّت معاقدها ... زلّت قوى النّسع عن كبداء ميهار [٣]
كأنها برج روميّ يشيّده ... لزّ بجصّ وآجرّ وأحجار
«٦٨٥» - وقال في ذلك أيضا: [من الطويل]
ومحبوسة في الحيّ ضامنة القرى ... إذا الليل وافاها بأشعث ساغب [٤]
معقّرة لا يدرك السيف [٥] وسطها ... إذا لم يكن فيها معسّ لحالب
مرازيح في المأوى إذا هبّت الصّبا ... تطيف أوابيها بأكلف ثالب [٦]
стр. 2016
إذا ما الدم المهراق خودر عزمه [١] ... وناب رهنّاها بأعلى النوائب
«٦٨٦» - وقال كثير: [من الطويل]
ألمّت بنا والعيس تسري كأنها ... أهلّة محل زلّ عنها قتامها
«٦٨٧» - وقال القطامي: [من البسيط]
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظلّ معتدل
«٦٨٨» - وقال أيضا: [من الطويل]
إذا بركت خرّت على ثفناتها ... مجافية صلبا كقنطرة الجسر
كأنّ يديها حين تجري ضفورها ... طريدان والرجلان طالبتا وتر
٦٨٩- وقال عنترة بن عبفس النميري من أبيات: [من الطويل]
فراحت ترامى في الزمام كأنها ... سحابة صيف آخر الليل أمطرا
«٦٩٠» - وقال الفرزدق: [من البسيط]
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف
«٦٩١» - وقال آخر ويروى للقصافي، وهو عمرو بن نصر التميمي:
стр. 2017
قال دعبل: إنّ القصافيّ قال الشعر ستين سنة، فلم يعرف له إلّا هذا البيت: [من البسيط]
خمص نواج إذا حثّ الحداة بها ... حسبت أرجلها قدّام أيديها
«٦٩٢» - وقال الغطمش الضبي: [من الطويل]
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح في غمرة يتبوّع
«٦٩٣» - وقال رؤبة: [من الرجز]
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق
«٦٩٤» - وقال مروان بن أبي حفصة: [من الكامل]
يتبعن جاهلة الزّمام كأنّها ... إحدى القناطر وهي حرف ضامر
«٦٩٥» - وقال بشّار: [من الكامل]
وإذا المطيّ متحن في أعطافه ... فات المطيّ بكاهل وتليل
وكأنه والناعجات يردنه ... قدح تطلّع من قداح مجيل
«٦٩٦» - وقال سالم بن عمرو الخاسر: [من الكامل]
وكأنّهنّ من الكلال أهلّة ... أو مثلهنّ عواطف الأقواس
стр. 2018
قود طواها ما طوت من مهمه ... نابي الصّوى ومناهج أدراس
«٦٩٧» - وقال العتّابي يصف كلالها: [من البسيط]
إذ الركائب مخسوف نواظرها ... كما تضمنت الدّهن القوارير
«٦٩٨» - وقال أبو نواس: [من الطويل]
ألا حبّذا عيش الوحاد وضجعة ... إلى جنب مقلاق الوضين سعوم
الوضين للبعير مثل الحزام للدابة. والسّعوم: الواسعة الخطو.
ترامت بها الأهوال حتى كأنما ... تحيّف من أقطارها بقدوم
«٦٩٩» - وقال في سرعتها: [من الكامل]
وتجشّمت بي هول كلّ تنوفة ... هو جاء فيها جرأة إقدام
تذر المطيّ وراءها وكأنها ... صفّ تقدّمهنّ وهي إمام
«٧٠٠» - وقال الرضي: [من الكامل]
قعدت بها الأخفاف من طول السّرى ... محسورة ومشت بها الأعراق
«٧٠١» - وقال أبو تمام: [من الوافر]
أتينا القادسية وهي ترنو ... إليّ بعين شيطان رجيم
فما بلغت بنا عسفان حتى ... رنت بلحاظ لقمان الحكيم
стр. 2019
وبدّلها السّرى بالجهل حلما ... وقدّ أديمها قدّ الأديم
بدت كالبدر وافى ليل سعد ... وآبت مثل عرجون قديم
«٧٠٢» - وقال البحتري: [من الخفيف]
يترقرقن كالسّراب وقد خض ... ن غمارا من السحاب الجاري
كالقسيّ المعطّلات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار
«٧٠٣» - وقال أيضا: [من الخفيف]
كالربى في الربى ويحسبن أحيا ... نا نسوعا مجدولة في نسوع
«٧٠٤» - وقال ابن المعتز: [من الكامل]
ترنو بناظرة كأنّ حجاجها ... وقب [١] أناف بشاهق لم يحلل
وكأنّ مسقطها إذا ما عرّست ... آثار مسقط ساجد متبتّل
وكأنّ آثار النسوع بدفّها ... مسرى الأساود في هيام أهيل
٧٠٥- قال الأصمعي: وصف أعرابيّ ناقة فقال: تقطع الأرض عرضا، وترضّ الحجارة رضّا، وتنهض في الزمام نهضا، سريعة الوثوب، بطيئة النكوب، مدلاج سروب.
٧٠٦- وقال أعرابيّ آخر: إذا اكحالّت عينها، وألّلت أذنها، وسجح خدّها، وهدل مشفرها، واستدارت جمجمتها، فهي الكريمة.
стр. 2020
٧٠٧- وقال أعرابيّ: [من الرجز]
انزع بدلويك لحمر كالضّرب ... فهي صواف لونها من الرتب
كالفضة البيضاء حيصت بالذهب ... بنات ذيّال صهابيّ أقبّ
حناجر يوعبن أحرار القلب ... كالوحد الأحقب أو ثور العرب
أو كأديم الصّرف أو عرق النّجب
٤- وصف الفيل
«٧٠٨» - قال عبد الصمد بن بابك: [من الكامل المجزوء]
وممسّك البردين في ... شبه النّقا شية وقدّا
فكأنما نسجت علي ... هـ يد السحاب الجون جلدا
وإذا لوتك صفاته ... أعطتك متن الدرع نقدا
فكأنّ معصم غادة ... في ماضغيه إذا تصدّى
وكأنّ عودا عاطلا ... في صفحتيه إذا تبدّى
جأب المطوّق قد تفر ... رد بالكرامة [١] واستبدّا
فإذا تجلّل [٢] هضبة ... فكأنّ جنح الليل مدّا
وإذا هوى فكأنّ رك ... نا من عماية قد تردّى
وإذا استقل رأيت في ... أعطافه هزلا وجدّا
«٧٠٩» - أبو محمد الخازن: [من الكامل المجزوء]
стр. 2021
من كلّ جهم خلته ... يوم الوغى غولا تصدى
وعليه طارونيّة ... يزهى بها حرّا وبردا
وكأنما خرطومه ... راووق خمر مدّ مدّا
وكأنما انقلبت عصا ... موسى غداة بها تحدّى
يكسى الحداد وتارة ... يكسى نسيج الدرع سردا
كفل تموّج كالكثي ... ب يميله [١] صوبا وصعدا
وكأنّه يوم الوغى ... يكسى من الخيلاء بردا
«٧١٠» - وما وجدت للعرب شعرا في صفة الفيل إلا ما لا طائل فيه مثل قول رؤبة: [من الرجز]
أجرد كالحصن طويل النابين ... مشرّف اللّحي صغير الفقمين
عليه أذنان كفضل البردين
وكقول أبي الحلال الهدادي: [من الطويل]
وما كنت يوم الفيل فوق مطيّة ... ولكن على وطفاء جون ربابها
وقد واقعه قوم منهم في الإسلام، وذكروا شجاعتهم في قتاله، لكنهم لم يصفوه؛ وهاتان القطعتان من الشعر فيه سببهما أنّ الصاحب أبا القاسم ابن عباد حصل على الفيل في وقعة كانت بجرجان، فأمر الشعراء أن يصفوه، وكان أبو القاسم عبد الصمد بن بابك عنده وهو يتهمه بالانتحال، وقد انتدب له عدوّ
стр. 2022
ينسبه إلى انتحال شعر ابن نباتة، فأمره الصاحب أن يصف الفيل في شعر على وزن قول عمرو بن معد يكرب: [من الكامل المجزوء]
أعددت للحدثان سا ... بغة وعدّاء علندا
فقال، وقالت الشعراء، فكانت قصيدته مفضّلة على غيرها، فحينئذ عرف الصاحب موضعه من الفضل، وزالت الشبهة في حقّه. فقال عدوّه: أيها الصاحب هذا معه ستون قصيدة لابن نباتة في نعت الفيل على هذا الوزن.
«٧١١» - وقال عبد الكريم النهشلي المغربي: [من الطويل]
وأضخم هنديّ النّجار تعدّه ... ملوك بني ساسان إن رابها دهر
من الرّوق لا من ضربة الورق يرتعي ... أضاخ ولا من ورده الخمس والعشر
يجيء كطود جائل فوق أربع ... مضبّرة لمّت كما لمّت الصّخر
له فخذان كالكثيبين لبّدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر
ووجه به أنف كراووق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر
وجنبان لا يروي القليب صداهما ... ولو أنه بالقاع منهرت جفر
وأذن كنصف البرد تسمعه النّدا ... خفيّا وطرف ينفض الغيب مزورّ
ونابان شقّا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نتر
له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو غرّد الصقر
٥- نعت الأسد
«٧١٢» - قال زهير بن أبي سلمى: [من الكامل المرفل]
ورد عراض الساعدين حدي ... د الناب بين ضراغم غثر
стр. 2023
يصطاد إحدان الرجال فما ... تنفكّ أجريه على ذخر
«٧١٣» - وقال مالك بن خالد الهذلي: [من البسيط]
ليث هزبر مدلّ عند خيسته ... بالرّقمتين له أجر وأعراس
أحمى الصريمة إحدان الرجال له ... صيد ومستمع بالليل هجّاس
صعب البديهة مشبوب أظافره ... مواثب أهرت الشدقين هرّاس [١]
«٧١٤» - دخل أبو زبيد الطائي على عثمان ﵀ فاستنشده فأنشده قوله:
[من البسيط]
من مبلغ قومي النائين إذ شحطوا ... أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
ووصف الأسد فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني لأحسبك جبانا هدانا، فقال: كلّا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت [٢] منه منظرا، وشهدت مشهدا [٣] ، لا يبرح ذكره يتردّد ويتجدّد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان: وأنّى كان ذلك؟ قال: خرجت [٤] في صيّابة
стр. 2024
أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة [١] ، ترتمي بنا المهارى ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط بنا السير في حمارّة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشوّلت [٢] المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصيّهد، وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضبّ وجاوره في جحره [٣] ، وقال قائل: أيها الركب غوّروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدّغل، دائم الغلل، شجراؤه مغنّة، وأطياره مرنّة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات متهدّلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء السلس البارد، فإنّا لنصف حرّ يومنا ومماطلته، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فو الله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، وعلمنا أنه السبع، ففزع كلّ رجل منا إلى سيفه فاستلّه من جربّانه، ووقفنا رزدقا، فأقبل يتظالع كأنه مجنوب أو في هجار، لصدره نحيط، ولبلاعمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما، ويطأ صريما، وإذا هامة كالمجن، وخدّ كالمسنّ، وعينان سجراوان، وكأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة، وكتد معبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكفّ شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيده فأرهج، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق، كالغار الأخرق، ثم تمطّى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه، حتى صار ظلّه مثليه، ثم أقعى فاقشعرّ، ثم مثل فاكفهرّ، ثم تجهّم فازبأرّ، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلّا بأخ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة
стр. 2025
فقضقض متنيه، وجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به فكرّ مقشعرّا كأنّ به شيهما حوليّا، فاختلج رجلا أعجز ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكّت الأرجل، وأطّت الأضلاع، وارتجّت الأسماع، وشخصت العيون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون. فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المؤمنين.
٧١٥- قال شعبة، قلت للطرماح بن حكيم: ما شأن أبي زبيد وشأن الأسد؟ فقال: إنه لقيه بالنّجف، فلما رآه سلح من فرقه، فكان بعد ذلك يصفه كما رأيت.
٦- نعت وحش الفلاة وسباعها
«٧١٦» - قال الأخطل يذكر الثور الوحشيّ: [من البسيط]
فما به غير موشيّ أكارعه ... إذا أحسّ بشخص نابىء مثلا
كأنّ عطّارة باتت تطيف به ... حتى تسربل ماء الورس وانتعلا
من خضب نور خزامى قد أطاع له ... أصاب بالقفر من وسميّه خضلا
بات إلى حقف أرطاة يلوذ بها ... إذا أحسّ بسيل تحته انتقلا
كأنه ساجد من نضخ ديمته ... مقدّس [١] قام تحت الليل فابتهلا
ينفي التراب بروقيه وكلكله ... كما استماز رئيس المقنب النّفلا
стр. 2026
«٧١٧» - وله في مثله: [من البسيط]
أو مقفر خاضب الأظلاف جاد له ... غيث [١] تظاهر من ميثاء مبكار
بات إلى جنب أرطاة تكفّئه ... ريح شآميّة هبّت بأمطار
إذا أراد بها التغميض أرّقه ... سيل يدبّ بهدم الترب موّار
حتى إذا انجاب عنه الليل وانكشفت ... سماؤه عن أديم مصحر عار
آنس صوت قنيص أو أحسّ بهم ... كالجنّ يهفون من جرم وأنمار
فانصاع كالكوكب الدريّ ميعته ... غضبان يخلط من معج وإحضار [٢]
فأرسلوهنّ يذرين التراب كما ... يذري سبائخ قطن ندف أوتار
حتى إذا قلت نالته سوابقها ... وأرهقته بأنياب وأظفار
أنحى إليهنّ عينا غير غافلة ... وطعن محتقر الأقران كرّار
تضمّه الضاريات اللاحقات به ... ضمّ الغريب قداحا بين أيسار
«٧١٨» - وقال ذو الرمّة يصف عدو ثورين: [من البسيط]
لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفرّى عنهما الأهب
«٧١٩» - وقال أيضا، ويروى لعديّ بن الرقاع في مثله: [من الكامل]
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها
стр. 2027
تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
«٧٢٠» - خلف الأحمر في مثله: [من الكامل المرفل]
كالكوكب الدريّ مبتذلا ... شدّا يفوت الطّرف أسرعه
فكأنما جهدت أليّته ... أن لا تمسّ الأرض أكرعه
«٧٢١» - وقال الطرماح في مسافر: [من الكامل]
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
«٧٢٢» - وقال النابغة الذبياني: [من البسيط]
كأنها ذو وشوم بات منكرسا ... في ليلة من جمادى أخضلت ديما
منكرس: منقبض.
بات بحقف من البقّار يهدمه ... إذا استكفّ قليلا تربه انهدما
البقار: أرض ذات رمال، والحقف من الرمل ما استدار.
تقابل الريح روقيه وكلكله ... كالهبرقيّ تنحّى ينفخ الفحما
«٧٢٣» - وقال أوس بن حجر يذكر الثور والكلاب تتبعه: [من البسيط]
ففاتهنّ وأزمعن اللحاق به ... كأنهنّ بجنبيه الزنابير
стр. 2028
حتى إذا قلت نالته أوائلها ... ولو يشاء لنجّته المثابير [١]
كرّ عليها ولم يفشل يمارسها ... كأنّه بتواليهنّ مسرور
يشكّها بذليق حدّه سلب [٢] ... كأنه حين يعلوهنّ موتور
ثم استمر يباري ظلّه جذلا ... كأنه مرزبان [٣] فاز محبور
«٧٢٤» - وقال الشماخ يصف فحل العانة: [من الوافر]
فوجّهها قوارب فاتلأبّت ... له مثل القنا المتأوّدات
يعضّ على ذوات الضغن منها ... كما عضّ الثقاف على القناة
وهنّ يثرن بالمعزاء نقعا ... نرى منه لهنّ سرادقات
«٧٢٥» - وقال أبو ذؤيب يذكره والأتن تتبعه: [من الكامل]
فكأنهنّ ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
وكأنما هو مدوس متقلّب ... بالكفّ إلّا أنه هو أضلع
المدوس: حجر تسنّ به السيوف. والأضلع والضليع: الغليظ الشديد.
«٧٢٦» - وقال الشماخ في الأروى: [من الوافر]
وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون
تطيف بها الرماة وتتّفيهم ... بأوعال معطّفة القرون
стр. 2029
«٧٢٧» - وقال تميم بن أبي بن مقبل يصف الثور: [من الطويل]
يظلّ بها ذبّ الرّياد [١] كأنّه ... سرادق أغراب [٢] بحبلين مطنب
تحدّر صبيان الصّبا [٣] فوق متنه ... كما لاح في سلك جمان مثقّب
لياح تظلّ الآبدات يسفنه ... كسوف العذارى ذا القرابة منجب
الذبّ: الذي لا يستقر، والأغراب: جمع غرب أي قوم غربوا، صبيان الصّبا: صغار القطر، ولياح: أبيض، أراد لياح منجب.
«٧٢٨» - وقال حميد بن ثور: [من الطويل]
ترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اهتزّ عود السّاسم المتتابع [٤]
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
٧- نعت القنص وآلاته وأماكنه
«٧٢٩» - قال ابن أبي كريمة في الفهد: [من الطويل]
مدّنرة [٥] ورق كأنّ عيونها ... حواجل تستذري متون الرواكب [٦]
стр. 2030
إذا قلّبتها في العجاج حسبتها ... سنا ضرم في ظلمة الليل ثاقب
مولعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب
ذوات أشاف [١] ركّبت في أكفّها ... نوافذ في صمّ الصخور نواشب
معقفة الترهيف عوج [٢] كأنها ... تعقرب أصداغ الملاح الكواعب
توسّد أجياد الفرائس أذرعا ... مرمّلة تحكي عناق الحبائب
«٧٣٠» - وقال عبد الصمد في مثله: [من الرجز]
كأنّها والخزر من أحداقها ... والخطط السود على أشداقها
ترك جرى الإثمد في آماقها
«٧٣١» - وقال ابن طاهر فيه: [من الرجز]
وليس للطراد إلّا فهد ... كأنما ألقت عليه الكرد
من خلقها أو ولدته الأسد ... وهو كفيل النجح حين يعدو
«٧٣٢» - وقال ذو الرمة وذكر كلبا: [من البسيط]
كأنه كوكب في إثر عفرية ... مسوّم في سواد الليل منقضب
«٧٣٣» - وقال آخر فيه: [من الطويل]
تفوت خطاها الطرف سبقا كأنها ... سهام مغال [٣] أو رجوم الكواكب
стр. 2031
كأنّ بنات القفر حين تفرقت ... غدون عليها بالمنايا الشواعب
«٧٣٤» - وقال أبو نواس فيه: [من الرجز]
كأنّ متنيه لدى انسلابه ... متنا شجاع لجّ في انسيابه
كأنما الأظفار في قنابه ... موسى صناع ردّ في نصابه
تراه في الحضر إذا هاها به ... يكاد أن يخرج من إهابه [١]
«٧٣٥» - وقال أيضا: [من الرجز]
أرسله كالسهم إذ غالى به ... يسبق طرف العين في التهابه
كلمعان البرق في سحابه
«٧٣٦» - وقال ابن المعتز: [من الرجز]
وكلبة يغدو بها فتيان ... أطلقهم من يده الزمان
كأنها إذا تمطّت جان ... أو صعدة وخطمها السنان
ونجمت [٢] للحظها الغزلان ... فلحقت ما لحق العيان
стр. 2032
«٧٣٧» - وقال أيضا: [من الرجز]
وأبصرت سربا من الظباء ... فغادرتهنّ بلا إعياء
ترضى من اللحوم بالدماء
«٧٣٨» - وقال أبو نواس: [من الرجز]
تحمل حملاقا سريع الطّحر ... كأنه مكتحل بتبر
في هامة لمّت كلمّ الفهر ... وجؤجؤ كالحجر القهقر
القهقر: الصلب. وعين طحور: إذا كانت تخرج القذى.
«٧٣٩» - وقال: [من السريع]
ومنسر أكلف [١] فيه شغا ... كأنه عقد ثمانينا
«٧٤٠» - وقال ابن المعتز: [من الرجز]
ونذعر الصّيد بباز أقمر ... كأنه في جوشن مزرّر
وجؤجؤ منمنم محبّر ... كأنه رقّ خفيّ الأسطر
«٧٤١» - وقال أيضا: [من الرجز]
غدوت في ثوب من الليل خلق ... بطارح النظرة في كلّ أفق
ومقلة تصدقه إذا رمق ... مبارك إذا رأى فقد رزق
стр. 2033
«٧٤٢» - وقال أيضا: [من الرجز]
قد أغتدي في نفس الصباح ... بقرم للصيد ذي ارتياح
معلّق الألحاظ بالأشباح ... عليه منه كحباب الرّاح
«٧٤٣» - وقال أيضا: [من الرجز]
وزرّق ريّان من شبابه ... كأنّ سلخ الأيم من أثوابه
«٧٤٤» - وقال أيضا: [من الوافر]
وفتيان غدوا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطلوع
كأنّ بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع
«٧٤٥» - وقال أبو ذؤيب الهذلي في تشبيه الصائد: [من البسيط]
حتى استبانت مع الإصباح صائدها ... كأنه في حواشي ثوبه صرد [١]
«٧٤٦» - وقال ابن الرومي في قوس البندق: [من الطويل]
متاح لراميها المنايا [٢] كأنما ... دعاها له داعي المنايا فأسمعا
تقلّب نحو الجوّ [٣] عينا بصيرة ... كعينك بل أذكى ذكاء وأسرعا
стр. 2034
يحاذرها العفريت عند انصلاتها ... فيعجله الإشفاق أن يتسمّعا
لها عولة أولى بها من تصيبه ... وأجدر بالاعوال من كان موجعا
وهذا المعنى ينظر إلى قوله أيضا وذكر امرأة: [من البسيط]
يشكو المحبّ وتشكو [١] وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
٧٤٧- وقال آخر: [من الكامل]
قد أغتدي ملث الظلام بفتية ... للرمي قد حسروا له عن أذرع
متنكّبين خرائطا لبنادق ... من بين مضفور وبين مرصّع
بأكفّهم قضبان روض قد غدوا ... للطير قبل نهوضها للمرتع
تقذي منيات الطيور عيونها ... يوما إذا رمدت بأيدي النزّع
صفر البطون كأنّ ليط ظهورها ... سرق الحرير نواظر لم تسمع
«٧٤٨» - وكتب أبو اسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسانجس في صفة رمي البندق وآلاته: مآرب الناس- أطال الله بقاء سيدنا الوزير- منزّلة بحسب قربها من هزل أو جدّ، ومرتّبة على قدر استحقاقها من ذمّ أو حمد. فإذا وقع المتأمّل عليها وجد أولاها بأن تعتدّه الخاصّة نشوة وملعبا، والعامّة حرفة ومكسبا، الصيد الذي فاتحته طلاب لذّة ووطر، وخاتمته حصول مغنم وظفر.
وقد اشتركت الملوك والسوقة في استجماله، واتفقت الشرائع المختلفة على استحلاله، ونطقت الكتب المنزّلة بالرخصة فيه، وبعثت المروءات على مزاولته وتعاطيه. وهو رائض للأبدان، وجامع لشمل الإخوان، وداع إلى اتّصال العشرة
стр. 2035
منهم والصحبة، وموجب لاستكمال الالفة بينهم والمحبة.
ولما كانت الجوارح المثمنة لكلّ الناس غير ممكنة، بل لمن جلّ منهم قدره، وعلا فيهم خطره، وعظم شأنه وحاله، وجمّ وفره وماله، جعلت القول مقصورا على قسيّ البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق، ولا تضيق على اتّخاذها يد موسر ولا معسر، ولو لم أفعل ذلك لبلغ الأسف من العادم الفاقد، أكثر من الجذل من القادر الواجد. لكنني اعتمدت الذي يتوافق في استطاعته الأدنى والأشرف، ويتلاحق في التمكن منه الأقوى والأضعف، فأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا، وتثبيت من كان إليه متشوّفا، بوصف موقف منه شهدته، ومنظر استحسنته، في بعض ظواهر مدينة السلام:
هناك غيضة ذات ماء صاف أزرق، وشجر مرجحنّ مورق، فبينا أنا ماثل فيها، متنزّه في نواحيها، وقد تضوّعت بالأرج أرجاؤها، وتأوّدت في حلل الورد شجراؤها، وتفاوحت بفوائح [١] المسك أنوارها، وتفاوضت بغرائب النطق أطيارها، إذ أقبلت رفقة من الرماة قد برزت قبل الذّرور للشروق، وشمّرت عن الأذرع والسّوق، متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها، وناسبتها في آثارها ونكاياتها، تحمل من البندق الملموم، ما هو في الصحّة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجهر، فجاء كبنات الفهر، قد اختير طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور المصّاعد [٢] في الملمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر إلا في المشمّ والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بمطاعم حامليه، محقّق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام، يعوج [٣] إليها وهو سمّ ناقع، ويهبط بها وهي رزق نافع. وبأيديهم قسيّ مكسوّة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في