العرب تتقي الهجاء ٩٦
الهجاء يضع من النمرقة الوسطى ٩٧
متوسطو الشرف في القبائل ٩٩
من سلم من الهجاء بالخمول ١٠٠
أهجى بيت ١٠٢
شعر في الهجاء للأخطل وجرير ١٠٢
امرأة عروة وابن عمها ١٠٤
أشعار في الهجاء ١٠٥
أقوال نثرية في الذم ١١٠
عود إلى الاشعار ١١٠
أخبار للفرزدق ١١٣
حكايات عن بعض الهجائين ١١٤
عود إلى الشعر ١١٧
قصة دعبل وأهاجيه ١٢٦
حظ أبي تمام والبحتري في الهجاء ١٤٥
أهاجي ابن الرومي ١٤٥
أشعار في الهجاء لغير ابن الرومي ١٥٤
وصف رجل بالعي ١٥٧
رجل يذكر امرأته ١٥٧
اشعار وأقوال نثرية في الهجاء ١٥٨
رسالة أبي العيناء إلى عيسى بن فرخانشاه ١٦١
رسالة لابن سيابة ١٦١
اقوال الاعراب في الذم ١٦١
جرير والفرزدق يأتيان في لباس آبائهما ١٦٢
عود إلى إيراد أشعار الهجاء ١٦٣
стр. 2207
ذم القصار ١٦٤
ذم النساء ١٦٥
مقطعات من أهاجي شعراء العصر ١٦٩
فصل في نوادر الهجاء والذم ١٧٠
الباب الرابع والعشرون في الاغراء والتحريض ١٧٩
خطبة الباب ١٨١
خطبة مروان بن الحكم يوم الجمل ١٨٣
تحريض الزرقاء في صفين ١٨٥
كلام أم الخير البارقية يوم قتل عمار ١٨٦
تحريض النساء يوم ذي قار ١٨٩
عبد الملك وزفر وتحريض الأخطل ١٩٠
ابن الزبير ومعاوية والحسن ١٩١
أشعار في الاغراء والتحريض ١٩٢
كيف كان سببا في قتل جعفر البرمكي ١٩٤
شظاظ يسرق ناقة لشيخ بصري ١٩٥
هدبة بن الخشرم يقدم للقتل ١٩٦
تزوج خالد بن يزيد نساء شريفات ١٩٦
سديف يحرض السفاح ١٩٨
بعض شيعة العباسيين يحرض على بني أمية ١٩٩
الوليد بن عقبة يحرض معاوية ٢٠٠
لقيط وتحريضه لاياد ٢٠٠
ابراهيم بن المهدي وعبد الملك الزيات ٢٠١
نوادر من الباب ٢٠٣
стр. 2208
الباب الخامس والعشرون في التقريع والتوبيخ ٢٠٥
خطبة الباب ٢٠٧
بعض ما في القرآن والحديث من التوبيخ ٢٠٨
سميع يقرّع أهل اليمامة بعد ايقاع خالد بهم ٢٠٩
علي يوبخ أهل العراق ٢١٠
الحسين بن علي يوبخ ٢١١
اشعار في التوبيخ ٢١٢
عتبة بن أبي سفيان يقرع أهل مصر ٢١٣
رجل من تميم يردّ على تقريع شبيب ٢١٤
توقيع لعبد الله بن طاهر يقرع كاتبا ٢١٤
قطعتان في التوبيخ ٢١٤
الأعرابي وامرأته ودحية ٢١٥
عود إلى المقطعات الشعرية ٢١٦
نوادر من هذا الباب ٢١٨
عبد الله بن الزبير يقرع أهل مكة ٢١٨
الباب السادس والعشرون في الوعيد والتحذير ٢١٩
خطبة الباب ٢٢١
ما جاء من الوعيد والتحذير في القرآن ٢٢٢
خطبة لعتبة في أهل مصر ٢٢٣
أقوال نثرية في التحذير ٢٢٣
قتيبة وسليمان بن عبد الملك ٢٢٤
كتاب ابراهيم بن العباس إلى أهل حمص ٢٢٤
стр. 2209
مقطعات لابراهيم بن العباس ٢٢٤
الفرزدق ومعاوية وميراث الحتات ٢٢٥
خطبة عبد الملك بعد قتل مصعب ٢٢٦
أبو علي البصير وابن الجهم ٢٢٧
ابن الزبير ومعاوية ٢٢٧
من كلام ابن نصير في التحذير ٢٢٧
كتاب علي إلى أهل البصرة ٢٢٩
كتاب الحجاج إلى بني عمرو بن حنظلة ٢٢٩
داود بن علي يتوعد أهل المدينة ٢٢٩
اربع مقطعات في التحذير ٢٣٠
بدويان يتسابان ٢٣١
شريح حين وقع الطاعون بالكوفة ٢٣٢
قولة أعرابي لوال ٢٣٣
أشعار في التحذير ٢٣٣
نوادر من هذا الباب ٢٣٥
الباب السابع والعشرون في الأوصاف والنعوت ٢٣٧
خطبة الباب ٢٣٩
١- وصف الخيل ٢٤١
٢- وصف البغال والحمير ٢٥٤
٣- صفات الابل ٢٥٥
٤- وصف الفيل ٢٦٤
٥- نعت الأسد ٢٦٦
٦- نعت وحش الفلاة وسباعها ٢٦٩
стр. 2210
٧- نعت القنص وآلاته وأماكنه ٢٧٣
رسالة للصابي في رمي البندق ٢٧٨
رسالة للصابي في صفة متصيد ٢٨١
طرديات ٢٨٢
٨- نعت الطير ٢٨٨
٩- نعت أنواع من الحيوان (قنفذ- حرباء ... ) ٢٩١
١٠- نعت الحية ٢٩٥
١١- نعت الهوام والحشرات ٢٩٨
١٢- نعت النساء جملة وتفصيلا ٣٠٢
صفة جارية للصابي ٣٠٧
صفة جارية أهداها المنذر إلى كسرى ٣٠٩
١٢ ب- نعت لباسهن وزينتهن ٣١٦
١٣- نعت الغلمان ٣١٧
١٤- نعت السودان ٣١٩
١٥- نعت السماء والنجوم وما يتعلق بها ٣٢٢
١٦- نعت الليل والصبح وما جاء في طوله وقصره ٣٢٩
١٧- نعت السحاب والغيث وما كان منها ٣٣٦
١٨- نعت الأرواح ٣٤٦
١٩- نعت الخصب والمحل ٣٤٨
٢٠- نعت المياه والأنهار والغدران ٣٥٠
٢١- وصف السفن ٣٥٤
٢٢- نعت الرياض والأزهار ٣٥٥
٢٣- نعت النخل والشجر ٣٦٣
٢٤- نعت الحرب والجيش ٣٦٥
٢٥- نعت السلاح والجن ٣٧٢
стр. 2211
٢٦- نعت أنواع القتل والجراح ٣٨١
٢٧- نعت المعاقل والأبنية ٣٨٥
٢٨- نعت الدار والرسوم ٣٨٨
٢٩- وصف الفلاة والآل ٣٩١
٣٠- وصف السير والسرى ٣٩٥
٣١- نعت البيان والمحاورة ٣٩٨
٣٢- نعت القوافي ٤٠٢
٣٣- وصف الكتاب والقلم وما يجانسهما ٤٠٨
٣٤- نعت النار والحر وما يتعلق بهما ويتبعهما ٤١٣
٣٥- نعت البرد والصلاء ٤١٧
٣٦- نعت الاكل والمأكول ٤١٩
٣٧- نعت القدور ٤٢٣
٣٨- نعت الملاهي ٤٢٦
٣٩- نعت الشواذ (دعوة مظلوم- العمائم- الحبس ... ) ٤٢٧
٤٠- النوادر من هذا الباب ٤٣٤
ملحق: قصيدة في تحريض اللخميين على قتل أسرى الغسانيين ٤٤٧.
стр. 2212
الجزء السادس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله محيي الأموات، وجامع الرّفات، مقدّر الآجال، ومقرّب الآمال، خالق الموت والحياة ليبلو أحسن الأعمال، وجاعل الشّيب نذيرا بالزّوال، نقل الإنسان في عمره أطوارا، وجعل حالتيه من قوّة وضعف ذكرى له واعتبارا، فكان الشباب ليلا يغطي على جهله واستتارا، والشّيب نهارا يستضيء به «١» ووقارا. أحمده على ما أسبغ من إنعامه فغمر، وأسأله توفيق من عمّر فتذكّر، وأن يعفو عمّا جنته سكرات الصّبا وغرّاته، وجرّته حوادث الهوى ونزعاته، وأن ينبهنا لبوادر الشّيب وفجآته، ويوقظنا لنوازله وفجعاته، ويلهمنا استعدادا يقضي بحسن الخاتمة، ويفضي إلى كرم رحمته الواسعة، وصلواته على محمد سيّد البشر، المكرّم بالشّفاعة في المحشر، الذي سبقت بمبعثه النّذر والآيات، ودلّت عليه قبل وجوده المعجزات، وامتدّت الأعناق وهو في المهد لنبوّته، وبشّر شيبة الحمد أنه من ولده وذرّيّته، وعلى آله الأكرمين وصحابته.
стр. 2213
الباب الثامن والعشرون باب الشيّب
ويشتمل على خمسة فصول:
١- الفجيعة بالشيّب وحلوله.
٢- والرضى به والتسلّي عن نزوله.
٣- الخضاب.
٤- أخبار المعمّرين.
٥- النوادر.
стр. 2214
الفصل الأول الفجيعة بالشيّب وحلوله
[١]- يقال: إنّ أوّل من شاب إبراهيم الخليل ﵇ ليتميّز به عن إسحاق فإنه كان شديد الشّبه به، فلما وخطه الشيّب قال: يا ربّ ما هذا؟! قال: هو الوقار، قال: يا ربّ زدني وقارا، ولم يكن أحد رأى الشيّب قبله.
[٢]- والشّيب رائد الموت، قال الله : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
(فاطر: ٣٧) . جاء في التفسير: أنه الشيّب.
[٣]- وقال النبي ﷺ : لو لم يوكل بابن آدم إلّا الصحة والسلامة لأوشك أن يردّاه إلى أرذل العمر.
[٤]- وقال ﷺ : كفى بالسّلامة داء.
[٥]- وقال النمر بن تولب: [من الطويل]
يسرّ الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
[٦]- ومثله لحميد بن ثور: [من الطويل]
стр. 2215
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
[٧]- وقال عبد الرحمن بن سويد المرّي: [من الكامل]
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء
[٨]- كعب بن زهير: [من البسيط]
كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
[٩]- بعض المعمّرين: [من الكامل]
وإذا رأيت عجيبة فاصبر لها ... فالدهر قد يأتي بما هو أعجب
ولقد أراني والأسود تخافني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلب
[١٠]- قال ابن عباس: ما آتى الله عبده علما إلا شابّا، والخير كلّه في الشباب، ثم تلا قوله تعالى: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
(الأنبياء: ٦٠) وقوله : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
(الكهف: ١٣) وقوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
(مريم: ١٢) .
١١- وكان أنس يقول: قبض رسول الله ﷺ وفي رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، فقيل له: يا أبا حمزة وقد أسنّ؟ فقال: لم يشنه الله تعالى بالشيّب، فقيل: أوشين هو؟ قال: كلّكم يكرهه.
١٢- قال بعض الزهّاد: الشيّب للجاهل نذير، وللعاقل بشير.
стр. 2216
[١٣]- وقال آخر: الشيّب تبسّم المنايا.
[١٤]- كان عيسى ﵇ إذا مرّ على الشباب قال لهم: كم من زرع لم يدرك الحصاد، وإذا مرّ على الشيوخ قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا أن يحصد.
[١٥]- وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.
١٦- أنس رفعه: من أتى عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار.
[١٧]- محمد بن علي بن الحسين ﵉: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فاتخذ زادا.
[١٨]- قال النخعي: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
[١٩]- وقال الشّعبيّ: الشّيب علّة لا يعاد عنها، ومصيبة لا يعزّى عليها.
[٢٠]- وقال عمرو بن قميئة: [من الطويل]
كأني وقد جاوزت تسعين حجّة ... خلعت بها عنّي عذار لجامي
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لاتّقيتها ... ولكنّني أرمى بغير سهام
إذا ما رآني الناس قالوا ألم يكن ... حديثا حديد الطرف غير كهام
وأفنى وما أفني من الدهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام
стр. 2217
وأهلكني تأميل يوم وليلة وتأميل عام بعد ذاك وعام [٢١]- وأنشد الفرّاء: [من الوافر]
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأنّي حابل يدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيّدا أنّي بقيد
[٢٢]- الأخطل: [من البسيط]
وقد لبست لهذا الدهر أعصره ... حتى تجلّل رأسي الشّيب واشتعلا
فبان مني شبابي بعد لذّته ... كأنما كان ضيفا طارقا نزلا
وبينما المرء مغبوط بعيشته «١» ... إذ خانه الدهر عما كان فانتقلا
[٢٣]- وقال أيضا: [من البسيط]
أعرضن عن شمط في الرأس لاح به ... منهنّ منه إذا أبصرنني «٢» حيد
يا قلّ خير الغواني كيف رعن به ... فشربه وشل منهنّ تصريد
قد كنّ يعهدن مني منظرا «٣» حسنا ... ومفرقا حسرت عنه العناقيد
إنّ الشباب لمحمود لذاذته «٤» ... والشّيب منصرف عنه ومصدود
стр. 2218
[٢٤]- وقال بعض العرب، بل هي للتيمي: [من الطويل]
إذا كانت السبعون سنّك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرءا قد عاش سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
[٢٥]- رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فجآت الأمور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي، ولزم بيته، فقال أهله: تموت هزلا، قال: لأن أموت مهزولا مؤمنا أحبّ إليّ من أن أموت منافقا سمينا.
[٢٦]- وقال غسان خال الفرّار: [من الكامل]
ابيضّ مني الرأس بعد سواد ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستحصد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصاد
[٢٧]- وقال نافع بن لقيط الفقعسي: [من الكامل]
فلئن بليت لقد عمرت كأنني ... غصن تثنّيه الرياح رطيب
وكذاك حقّا من يعمّر يبله ... كرّ الزمان عليه والتقليب
حتى يعود من البلى وكأنّه ... في الكفّ أفوق ناصل معصوب
مرط القذاذ فليس فيه مصنع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيب
стр. 2219
[٢٨]- وقال النابغة الجعدي: [من المتقارب]
وما البغي إلا على أهله ... وما الناس إلا كهذي الشّجر
ترى المرء في عنفوان الشّباب ... يهتزّ في بهجات خضر
زمانا من الدهر ثم التوى ... وعاد إلى صفرة فانكسر
٢٩- وقال آخر: [من الرجز]
من عاش دهرا فسيأتيه الأجل ... والمرء توّاق إلى ما لم ينل
والمرء يبلوه ويلهيه الأمل
[٣٠]- وقال لبيد: [من الطويل]
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
نظر ابن الرومي إلى المعنى فقال: [من الطويل]
محار الفتى شيخوخة أو منيّة ... ومرجوع وهّاج المصابيح رمدد
[٣١]- آخر: [من الطويل]
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّادا لمشربه العذب
ليالي أغدو بين برديّ لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرىء لم تبق منه بقيّة ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
стр. 2220
[٣٢]- ابن مقبل: [من البسيط]
يا حرّ إن سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر
يا حرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب الزمان فإني غير معتذر
[٣٣]- وقال منصور النمري: [من البسيط]
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني بشرّته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنه غرّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
أبكي شبابا رزيناه وكان ولا ... توفي بقيمته الدنيا ولا تسع
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
[٣٤]- محمد بن خازم: [من البسيط]
لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشّيب ذنبا عند غايته ... وبالشباب شفيعا أيّها الرجل
٣٥- وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل] ... إذا المرء قاسى الدهر وابيضّ رأسه
وثلّم تثليم الإناء جوانبه ... فليس له في العيش خير وإن بكى
على العيش أو رجّى الذي هو كاذبه
стр. 2221
[٣٦]- وقال أبو دلف العجلي: [من البسيط]
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما نبتت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... لما قصصتك عن همّي ولا فكري
[٣٧]- وقال يحيى بن خالد بن برمك: [من الكامل]
[الليل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما]
الشّيب إحدى الميتتين تقدّمت ... أولاهما وتأخّرت أخراهما
[٣٨]- أبو تمّام: [من الطويل]
غدا الشّيب مختطّا بفوديّ خطة ... طريق الرّدى منها إلى النفس مهيع
هو الزّور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
ونحن نرجّيه على الكره والرّضى ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
[٣٩]- وقال: [من الخفيف]
لو رأى الله أنّ في الشّيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
[٤٠]- وقال: [من الخفيف]
стр. 2222
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... راس إلا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عم ... مرت شيئا أنكرت لون السّواد
[٤١]- البحتري: [من الطويل]
وكنت أرجّي في الشباب شفاعة ... فكيف لباغي حاجة بشفيعه
مشيب كبثّ السّرّ عيّ بحمله ... محدّثه أو ضاق صدر مذيعه
تلا حق حتى كاد يأتي بطيئه ... بحثّ الليالي قبل أتي سريعه
[٤٢]- وقال: [من البسيط]
جاوزت حدّ الشباب النّضر ملتفتا ... إلى بنات الصّبا يركضن في طلبي
والشيب مهرب من جارى منيّته ... ولا نجاء له من ذلك الهرب
والمرء لو كانت الشّعرى له وطنا ... صبّت عليه صروف الدهر من كثب
[٤٣]- وقال: [من الخفيف]
خلّياه وجدّة اللهو ما دا ... م رداء الشباب غضّا جديدا
إنّ أيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السّود سودا
[٤٤]- ابن الرومي: [من الخفيف]
لو يدوم الشباب مدّة عمري ... لم تدم لي بشاشة الأوطار
كلّ شيء له تناه وحدّ ... كلّ شيء يجري إلى مقدار
стр. 2223
[٤٥]- أبو العتاهية: [من الوافر]
ألا يا موت لم أر منك بدّا ... أتيت فما تحيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
[٤٦]- دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد وقد أسنّ، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسود إنك لجميل فلو علّقت تميمة، فقال أبو الأسود:
[من البسيط]
أفنى الشباب الذي أفنيت جدّته ... كرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذعة الحدق
٤٧- قيل لشيخ: ما صنع الدهر بك؟ فقال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكنّ الشفاء، فنومي سبات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
[٤٨]- وسئل آخر فقال: ضعضع قناتي، وأوهن شهواتي، وجرأ عليّ عداتي.
[٤٩]- ابن الرومي: [من الطويل]
كفى بسراج الشّيب في الرأس هاديا ... إلى من أضلّته المنايا لياليا
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي ... لرامي المنايا تحسبيني ناجيا
وكان كرامي الليل يرمي ولا يرى ... فلما أضاء الشّيب شخصي رمانيا
стр. 2224
[٥٠]- عبد العزيز الطارقي المغربي: [من الطويل]
سقى الله أيام الصّبا كلّ ريّق ... إذا جادها صوب البشاشة أرزما
فلا زال يرتاد الزّمان لرجعها ... رقيب متى غمّت عن اللحظ رجّما
فما هي إلا بهجة العيش قوّضت ... هناك وإلا نور عيني أظلما
[٥١]- ضرار بن عمرو، وتروى للعتبي: [من البسيط]
من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه الثقتان السمع والبصر
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
[٥٢]- المخارق اليشكري: [من الطويل]
وكنت أباهي الرائحين بلمّتي ... فأصبح باقي نبتها قد تقصّبا
فقد ذهبت إلا شكيرا كأنه ... على ناهض لم يبرح العشّ أزغبا
[٥٣]- أبو حيّة النميري: [من الوافر]
ترحّل بالشباب الشّيب عنّا ... فليت الشّيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلا ... فقد قضّى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولّى ... حميدا ما يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة علينا ... وظلّ أراكة الدنيا ظليل
[٥٤]- ابن الرومي: [من الطويل]
أعر طرفك المرآة فانظر فإن نبا ... بعينيك عنك الشّيب فالبيض أعذر
стр. 2225
إذا شنئت وجه الفتى عين نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر
[٥٥]- وقال العتبي: [من الطويل]
رأين الغواني الشّيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر
فصرن إذا أبصرنني أو سمعنني ... نهضن فرقّعن الكوى بالمعاجر
[٥٦]- الحماني: [من الوافر]
لعمرك للمشيب أشدّ مما ... فقدت من الشباب أشدّ فوتا
تملّيت الشباب فصار شيبا ... وأبليت المشيب فصار موتا
[٥٧]- أبو العتاهية: [من الوافر]
عريت من الشباب وكان غضّا ... كما يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
[٥٨]- الحماني: [من الكامل المجزوء]
واها لمنزلة وطيب ... بين الأجارع والكثيب
واها لأيام الشبا ... ب وعيشه الغضّ الرطيب
واها لأيام الشبا ... ب بعدن عن عهد قريب
أيام كنت من الغوا ... ني في السواد من القلوب
стр. 2226
لو يستطعن خبأنني ... بين المخانق والجيوب
[٥٩]- مزرّد: [الطويل]
فلا مرحبا بالشّيب من وفد زائر ... متى يأت لا تحجب عليه المداخل
وسقيا لريعان الشباب فإنه ... أخو ثقة في الدهر إذ أنا جاهل
[٦٠]- أبو نواس: [الكامل المرفل]
كان الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل
كان الجميل إذا ارتديت به ... ومشيت أخطر صيّت النعل
كان الفصيح إذا نطقت به ... وأصاخت الآذان للمملي
كان المشفّع في مآربه ... عند الفتاة ومدرك التّبل
والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أبيت خليفة البعل
والآمري حتى إذا عزفت ... نفسي أعان يديّ بالبخل «١»
فالآن صرت إلى مقاربة ... وحططت عن ظهر الصبا رحلي
стр. 2227
الفصل الثاني الرضى بالشّيب والتسلّي عن جدّته
[٦١]- جاء في الأثر أنّ الشّيب وقار، ومنه قول الشاعر: [من الخفيف]
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد ال ... لّه فالشّيب حلية ووقار
إنّما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
[٦٢]- وقال طريح بن إسماعيل الثقفي: [من الكامل]
والشّيب للحكماء من سفه الصّبا ... بدل تكون له الفضيلة مقنع
والشّيب غاية من تأخّر حينه ... لا يستطيع دفاعه من يجزع
إنّ الشّباب له لذاذة جدّة ... والشّيب منه في المغبّة أنفع
لا يبعد الله الشباب ومرحبا ... بالشّيب حين أرى إليه المرجع
[٦٣]- وقال بشّار، ويروى لمسلم: [من البسيط]
الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود
стр. 2228
يمضي الشباب ويأتي بعده خلف ... والشّيب يذهب مفقودا بمفقود
[٦٤]- بعض العرب: [من الطويل]
ألا قالت الحسناء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلّما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا
[٦٥]- دعبل: [من الكامل]
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج
وكأن شيبي نظم درّ زاهر ... في تاج ذي ملك أغرّ متوّج
[٦٦]- والجيّد في ذلك قول الآخر: [من الكامل]
والشّيب إن يحلل فإنّ وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألبّ وأكيس
[٦٧]- أبو تمام: [من البسيط]
فلا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
[٦٨]- وقد اعتذر البحتري للشّيب وكرّر ذلك في مواضع من شعره فقال:
стр. 2229
[من الخفيف]
عيّرتني المشيب وهي بدته ... في عذاري بالصدّ والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشّي ... ب ولكنّه جلاء الشّباب
وبياض البازيّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب
[٦٩]- وقال: [من الخفيف]
ورأت لمّة ألمّ بها الشي ... ب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يحسّن ... ببياض ما كان بالموموق
ومزاج الصهباء بالماء أملى ... بصبوح مستحسن وغبوق
أيّ ليل يبهى بغير نجوم ... أو سحاب يبدى بغير بروق
وهذا من قول الآخر: [من الطويل]
تفاريق شيب في الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
[٧٠]- البحتري أيضا: [من الخفيف]
طبت نفسا عن الشباب وما سو ... ود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يا ابن عويف ... تاركاتي ولبس هذا البياض
[٧١]- وقال: [من الطويل]
стр. 2230
رأت فلتات الشّيب فابتسمت لها ... وقالت نجوم لو طلعن بأسعد
أعاذل ما كان الشباب مقرّبي ... إليك فألحى الشّيب إذ كان مبعدي
[٧٢]- فأما ما ورد في الأثر من رأفة الله بالشيخ، وما أعدّ له من صنوف الرحمة والعفو، فتلك حال مقترنة بالطاعات، ويوجبها التقلّب في العبادات، وإلا فهو كلّما أسنّ في المعاصي كان أبعد له عن الله، وأنأى مما أمّله ورجاه، وليس هذا موضع ذكرها، ولا يليق بإيرادها؛ وقد روي أن النبي ﷺ قال: إنّ الله تعالى عزّ ذكره يقول: «وعزّتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذّبهما» . ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي ممّن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله.
٧٣- وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهمذاني: [من الطويل]
تعيّرني وخط المشيب بعارضي ... ولولا الحجول البيض لم تحسن الدّهم
حتى الدهر قوسي فاستمرّت عزيمتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم
٧٤- وقال النمر بن تولب: [من الطويل]
فإنّ تك أثوابي تمزّق عن بلىّ ... فإني كنصل السّيف في خلق الغمد
[٧٥]- لبيد: [من الطويل]
فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع
٧٦- ومثله للعجير السّلولي: [من الطويل]
لقد آذنت بالهجر هيفاء ليتها ... به آذنتنا والفؤاد جميع
وإنّي وإن واجهن شيئا كرهنه ... لكالسيف يبلى الجفن وهو قطوع
стр. 2231
[٧٧]- المتنبي: [من الطويل]
وشى بالمشيب الشّيب عند الكواعب ... فهنّ وإن واصلن ميل الحواجب
رأين بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
هو الليل لا يزري عليه بأن ترى ... جوانبه محفوفة بالكواكب
٧٨- بلغ أبو بكر هبة الله بن الحسن الشيرازي تسعين سنة ولم تبيضّ له شعرة فقال يتبرّم بالشباب من قصيدة: [من الوافر]
إلام وفيم يظلمني شبابي ... وتلبس لمّتي حلك الغراب
وآمل شعرة بيضاء تبدو ... بدوّ البدر من خلل السحاب
وأدعى الشّيخ ممتلئا شبابا ... كذي ظمإ يعلّل بالشراب
وكافور المشيب أجلّ عندي ... وفي فوديّ من مسك الشباب
وأين من الصباح ظلام ليل ... وأين من الرّباب دجى ضباب
٧٩- قال أفلاطون: هرم النفس شباب العقل؛ أخذ ذلك ابن المعتز ونظمه فقال: [من المتقارب]
وما ينتقص من شباب الرجال ... يزد في نهاها وألبابها
٨٠- قال أبو مجيب الأعرابي، وقد رأى قوما يعذلون شابّا: لا تعذلوه فقد رأيتني وأنا شاب أعضّ على الملام عضّ الجموح على اللّجام، حتى أخذ الشّيب بعنان شبابي.
[٨١]- روي عن النبي ﷺ أنه قال: الا أنبئكم بخياركم، قالوا: بلى يا
стр. 2232
رسول الله، قال: أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سددوا.
[٨٢]- وقال الحسن: أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر.
[٨٣]- رأى حكيم طارىء شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة، وجنى التجربة، ولباس التقوى.
[٨٤]- وكان المأمون يتمثل: [من الطويل]
رأت وضحا في الرأس منّي فراعها ... فريقان مبيضّ به وبهيم
تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
[٨٥]- العكوّك: [من الكامل]
وأرى الليالي ما طوت من قوتي ... ردّته في عظتي «١» وفي افهامي
وعلمت أنّ المرء من سنن الرّدى ... حيث الرميّة من سهام الرّامي
٨٦- عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطار المغربي: [الكامل]
سلني بوقعات الزمان فإنما ... هذا القتير غبار ذاك الموكب
ولقد عذلت الدهر ثم عذرته ... ورأيت ظلما عذل من لم يذنب
وحمدته لمّا علمت بأنه ... يسم المجرّب بالعذار الأشيب
وعجبت أن طلع المشيب بلمّتي ... فنكرته والليل ثوب الكوكب
стр. 2233
الفصل الثالث ما جاء في الخضاب
[٨٧]- أول من خضب من أهل مكة بالسواد عبد المطلب بن هاشم، خضبه بذلك ملك من ملوك حمير وزوّده، وأقبل عبد المطلب من عنده، فلما قرب من مكة اختضب ودخلها فقالت نثيلة بنت جناب بن كلب أمّ العباس بن عبد المطّلب: يا شيبة الحمد ما أحسن هذا الخضاب لو دام، فقال لها عبد المطّلب:
[من الطويل]
فلو دام هذا يا نثيل حمدته ... ولكن بديل من شباب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرة ... ولا بدّ من موت نثيلة أو هرم
وماذا الذي يجدي على المرء خفضه ... ونعمته يوما إذا عرشه انهدم
فموت جهيز عاجل لا شوى له ... أحبّ إلينا من مقالكم حطم «١»
٨٨- وقد قال رسول الله ﷺ : غيّروا الشّيب ولا تشبّهوا باليهود.
٨٩- وكان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يخضبون، وسئل عليّ ﵇ عن خبر النبي ﷺ هذا فقال: إنما قال ﷺ ذلك والدين قلّ، فأمّا
стр. 2234
الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار.
[٩٠]- وقد أحسن ابن الرومي في قوله: [من الطويل]
إذا دام للمرء الشباب ولم تدم ... غضارته ظنّ الشّباب خضابا
فكيف يظنّ المرء أنّ خضابه ... يخال سوادا أو يظنّ شبابا
[٩١]- الخضاب بالسواد مكروه، قال رسول الله ﷺ : خير شبابكم من تشّبه بشيوخكم، وشرّ شيوخكم من تشبّه بشبابكم، ونهى عن الخضاب بالسواد وقال: هو خضاب أهل النار، وفي لفظ آخر: الخضاب بالسواد خضاب الكفّار، والخضاب بالحمرة والصفرة جائز تلبيسا للشّيب على الكفار في الغزو والجهاد. وقال ﷺ : الصّفرة خضاب المؤمنين، وكانوا يخضبون بالحنّاء للحمرة، وبالخلوق والكتم للصّفرة، وخضب بعض العلماء بالسّواد، وذلك لا بأس به إذا صحّت النيّة، ولم يكن فيه هوى وشهرة.
[٩٢]- قال محمود الوراق في إنكار الخضاب: [من مجزوء الكامل]
يا خاضب الشّيب الذي ... في كلّ ثالثة يعود
إنّ النّصول إذا بدا ... فكأنه شيب جديد
فدع المشيب لما تري ... د فلن يعود كما تريد
[٩٣]- ولابن المعتز يعتذر عن ذلك: [من المتقارب]
стр. 2235
وقالوا النصول مشيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
٩٤- وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهمذاني: [من الطويل]
وأنكر جاراتي خضاب ذوائبي ... وهنّ به سوّدن بيض الأنامل
فواعجبا منهنّ ينكرن باطلا ... عليّ ولم يجلبن قلبي بباطل
فسلّ مشيبي من خضابي كأنما ... تسلّ من الأغماد بيض المناصل
وكنت متى أبدى النصول بياضها ... رأيت نصولا ركّبت في مقاتلي
[٩٥]- حدّث بعضهم قال: خرجت إلى ناحية الطفاوة فإذا أنا بامرأة لم أر أحسن منها فقلت: أيتها المرأة إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلميني، قال فقالت: وما تصنع بي وفيّ شيء لا أراك ترتضيه، قلت: وما هو؟ قالت: مشيب في رأسي، قال: فثنيت عنان دابّتي راجعا، فصاحت بي:
على رسلك أخبرك بشيء، فوقفت وقلت: ما هو يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد وهذا رأسي (وكشفت عن عناقيد كالحمم) وما رأيت في رأسي بياضا قط، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منكم ما تكرهون منا وأنشدت: [من الوافر]
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموضع شيبهنّ من الرجال
قال: فرجعت خجلا كاسف البال.
[٩٦]- قال الأصمعي: بلغني عن بعض العرب فصاحة، فأتيته لأسمع من
стр. 2236
كلامه، فصادفته وهو يخضب، فلما رآني قال: إنّ الخضاب لمن مقدّمات الضعف، ولئن كنت قد ضعفت فطالما مشيت أمام الجيوش، وعدوت على الوحوش، ولهوت بالنساء، واختلت في الرّداء، وأرويت السيف، وقريت الضّيف، وأبيت العار، وحميت الجار، وغلبت القروم، وعاركت الخصوم، وشربت الرّاح، ونادمت الجحجاح، فاليوم قد حناني الكبر، وضعف البصر، وجاءني بعد الصفو الكدر، ثم أنشد: [من البسيط]
شيب نعلّله كيما ندلّسه ... كهيئة الثوب مطويّا على حرق
قد كنت كالغصن ترتاح الرياح له ... فصرت عودا بلا ماء ولا ورق
صبرا على الدهر إنّ الدهر ذو غير ... وأهله فيه بين الصّفو والرّنق
٩٧- يقال: إنّ أول من خضب بالسواد فرعون؛ وتزوّج رجل على عهد عمر ﵁ فكان يخضب بالسواد، فنصل خضابه وظهرت شيبته، فرفعه أهل المرأة إلى عمر فردّ نكاحه وأوجعه ضربا، وقال غررت القوم بالشباب، ولبّست عليهم بشيبتك.
٩٨- سئل الحسن عن الخضاب فقال: هو جزع قبيح.
٩٩- قال أسماء بن خارجة لجاريته اخضبيني، قالت: حتى متى أرقّعك، فقال: [من البسيط]
عيّرتني خلقا أبليت جدّته ... وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
[١٠٠]- المتنبي: [من الطويل]
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشّعر فاحمه
مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه
стр. 2237
الفصل الرابع أخبار المعمّرين
[١٠١]- زعموا أنّ الربيع بن ضبع الفزاري كان من المعمّرين، وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال له: وأبيك يا ربيع لقد طلبك جدّ غير عاثر، ثم قال: فصّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في الفترة، فترة عيسى بن مريم، وعشرين ومائة سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام، فقال: أخبرني عن الفتية من قريش المتواطئي الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرني عن عبد الله بن عباس، قال: فهم وعلم وعطاء جذم، ومقرىء ضخم، قال:
فأخبرني عن عبد الله بن عمر، قال: حلم وعلم وطول كظم وبعد عن الظلم، قال: فأخبرني عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها، قال: فأخبرني عن عبد الله بن الزبير، قال: جبل وعر ينحدر منه الصخر، قال: لله درّك يا ربيع ما أخبرك بهم! قال: يا أمير المؤمنين قرب جواري وكثر استخباري.
١٠٢- أتي معاوية برجل من جرهم قد أتت عليه الدهور، فقال له:
أخبرني عمّا رأيت في سالف عمرك، قال: رأيت مثل ما رأيت، رأيت الدنيا ليلة في إثر ليلة، ويوما في إثر يوم، ورأيت الناس بين جامع مالا مفرّقا، ومفرّق مالا مجموعا، وبين قويّ يظلم، وضعيف يظلم، وصغير يكبر، وكبير يهرم، وحيّ يموت، وجنين يولد، وكلّهم بين مسرور بموجود، ومحزون بمفقود.
والعرب لا تعدّ معمّرا إلا من بلغ مائة وعشرين سنة فصاعدا.
стр. 2238
[١٠٣]- ومن المعمّرين المستوغر بن ربيعة، وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مرّ، قيل إنه أدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله، ونسبه إلى تميم، وبقاؤه إلى الإسلام أو قبله يدلّ على طول بقائه، قيل إنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة حتى قال: [من الكامل]
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي ... وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يكرّ وليلة تحدونا
وإنما سمّي المستوغر لبيت قاله وهو: [من الوافر]
ينشّ الماء في الرّبلات منها ... نشيش الرضف في اللبن الوغير
الربلات: واحدها ربلة بفتح الباء وإسكانها، وهي لحمة غليظة، والرّضف: الحجارة المحماة، والوغير: لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغيرة الظهيرة، وهي أشدّ ما يكون من الحرّ، ومنه وغر صدر فلان يغر وغرا إذا التهب من الغيظ من غضب أو حقد.
[١٠٤]- ومنهم دويد «١» بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة: قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة.
وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة قال لبنيه: أوصيكم بالناس شرّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة، قصّروا الأعنّة، وطوّلوا الأسنّة،
стр. 2239
واطعنوا شزرا، واضربوا هبرا، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة؛ والمرء يعجز لا المحالة، بالجدّ لا بالكدّ، التجلّد ولا التبلّد، المنيّة ولا الدنيّة، لا تأسوا على فائت وإن عزّ فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا، ولا تهنوا فتجزعوا، ولا يكون لكم المثل السوء، إن الموصّين بنو سهوان، إذا متّ فأرحبوا حطّ مضجعي ولا تصبوا عليّ برحب الأرض، وما ذاك بمؤدّ إليّ نفعا، ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق. ثم مات؛ وهو القائل عند موته:
[من الرجز]
اليوم يبنى لدويد بيته ... يا ربّ نهب صالح حويته
وربّ قرن بطل أرديته ... ومعصم مخضّب ثنيته
لو كان للدهر بلى أبليته
ومن قوله أيضا: [من الرجز]
ألقى عليّ الدهر رجلا ويدا ... والدهر ما أصلح يوما أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
قوله: الموصون بنو سهوان مثل، أي لا تكونوا كمن تقدم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصيّة.
[١٠٥]- ومن المعمّرين عبيد بن شرية، أتى عليه مائتان وعشرون سنة، سأله معاوية عمّن رأى من القرون، فقال: أدركت الناس يقولون: ذهب الناس.
[١٠٦]- وممّن عمّر عديّ بن حاتم الطائي، ولما غلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة وقع بينهما، فهمّ عديّ بالخروج عليه، ثم عجز لكبر سنّه، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وقال: [من المنسرح]
стр. 2240
أصبحت لا أنفع الصديق ولا ... أملك ضرّا للشانىء الشّرس
وإن جرى بي الجواد منطلقا ... لم تملك الكفّ رجعة الفرس
[١٠٧]- وعمّر زهير بن أبي سلمى المزني مائة وثماني سنين فقال:
[من الطويل]
بدا لي أني عشت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا
وما إن أرى نفسي تقيها كريمتي ... وما إن تقي نفسي كريمة ماليا
١٠٨- وروي أن أكثم بن صيفيّ طال عمره فقال: [من الطويل]
وإن امرءا قد عاش تسعين حجة ... إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
مضت مائتان غير ستّ وأربع ... وذلك من عدّ الليالي قلائل
[١٠٩]- وقيل إن رجلا من جرهم وفد على معاوية بن أبي سفيان وقد أتت عليه مائتان وأربعون سنة، فقال له معاوية: ممّن الرجل؟ قال: من جرهم، قال: وهل بقي من جرهم باق؟! قال: بقيت ولو لم أبق لم ترني، فقال له معاوية: صف لي الدنيا وأوجز، قال: نعم سنيّات رخاء وسنيّات بلاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض بأهلها، ثم أنشأ يقول: [من الطويل]
وما الدهر إلّا صدر يوم وليلة ... ويولد مولود ويفقد فاقد
وساع لرزق ليس يدرك رزقه ... ومهدى إليه رزقه وهو قاعد
стр. 2241
[١١٠]- ومنهم زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن عمرو بن زيد بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتي وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه، ويقال: كان فيه عشر خصال لم تجتمع في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه وشريفهم وخطيبهم وشاعرهم وقائدهم إلى الملوك وطبيبهم، والطبّ في ذلك الزمان شرف، وحازي قومه: أي كاهنهم، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم. وأوصى بنيه فقال:
يا بني إني قد كبرت سنّي، وبلغت حرسا من دهري، فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبارا، فاحفظوا عني ما أقول وعوا، وإياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإن ذلك داعية للغمّ وشماتة العدوّ وسوء الظنّ بالربّ. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقّعوها، فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بدّ أنه مصيبه.
وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة. وسمع زهير بعض نسائه تتكلّم بما لا ينبغي أن تتكلّم به امرأة عند زوجها فنهاها، فقالت: اسكت عنّي وإلّا ضربتك بهذا العمود، فو الله ما كنت أراك تسمع شيئا وتعقله فقال: [من الطويل]
стр. 2242
ألا يا لقومي لا أرى النجم طالعا ... ولا الشمس إلا حاجتي بيميني
معزبتي عند القفا بعمودها ... يكون نكيري أن أقول ذريني
أمين على سرّ النساء وربما ... أكون على الأسرار غير أمين
فللموت خير من حداج موطّإ ... مع الظّعن لا يأتي المحلّ لحين
وهو القائل: [من الكامل المجزوء]
أبنيّ إن أهلك فقد ... أورثتكم مجدا بنيّه
وتركتكم أبناء سا ... دات زنادكم وريّه
من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
فالموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشيخ البجا ... ل وقد تهادى بالعشيه
وقال، وقد مضت له مائتا سنة من عمره: [من الوافر]
ولقد عمّرت حتّى ما أبالي ... أحتفي في صباحي أم مسائي
وحقّ لمن أتت مائتان عاما ... عليه أن يملّ من الثّواء
[١١١]- ومن المعمّرين ذو الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتّاب بن يشكر بن عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وإنما سمي الحارث عدوان: لأنه عدا على أخيه فهمّ بقتله، وقيل بل فقأ عينيه، وقيل إن اسم ذي الإصبع حرثان بن حويرث، وقيل: ابن حرثان بن حارثة، ويكنّى: أبا عدوان، وسبب لقبه بذي الإصبع: أن حيّة نهسته على إصبعه فشلّت فسمّي بذلك، ويقال: إنه عاش مائة وتسعين سنة.
стр. 2243
وقال أبو حاتم: عاش ثلاثمائة سنة. وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وروي أنه كان أثرم، وروي عنه: [من الكامل المرفل]
لا يبعدن عصر الشباب ولا ... لذّاته ونباته النضر
لولا أولئك ما حفلت متى ... عوليت في حرجي إلى قبري
هزئت أثيلة أن رأت هرمي ... وأن انحنى لتقادم ظهري
وخبر بناته اللواتي زوّجهنّ مشهور يرد في موضعه. وهو القائل: [من الوافر]
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
[١١٢]- ومن المعمّرين معدي كرب من آل ذي رعين، وهو القائل وقد طال عمره: [من الوافر]
أراني كلّما أفنيت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود ضياؤه في كلّ فجر ... ويأبى من شبابي لا يعود
[١١٣]- ومن المعمّرين أبو الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين.
قال أبو حاتم: عاش أبو الطمحان القيني مائتي سنة، وقال في ذلك:
[من الوافر]
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيّدا أمشي بقيد
стр. 2244
[١١٤]- ومن المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل: الحارث، وإنما سمّي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة فسمّي بذلك. وذكر ابن الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانيّا.
وروي أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة وتحصّن أهلها منه، أرسل إليهم: ابعثوا لي رجلا من عقلائكم وذوي أسنانكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحا أيها الشيخ، قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال:
فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: أي والله وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، إني أسأله عن الشيء وينحو بي في غيره، قال: ما أنبأتك إلا عمّا سألت، فسل ما بدا لك، قال: أعرب أنتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا، قال:
فحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلا رغيفا واحدا حتى ترد الشام، ثم قد أصبحت اليوم خرابا، وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد. قال: وبيده سم ساعة يقلبه في كفه، فقال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال: السمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أوّل من ساق إليهم ذلّا، أشربه وأستريح من الحياة، فإن ما بقي من عمري ليسير، قال خالد:
стр. 2245
هاته، فأخذه وقال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسماء الذي لا يضرّ مع اسمه شيء ثم أكله، فتجللّته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا، ثم عرق وأفاق فكأنما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سمّ ساعة فلم يضرّه، صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم.
وقال عبد المسيح: لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقيلة: [من الوافر]
لقد بنّيت للحدثان حصنا ... لو انّ المرء تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخرّا ... لأنواع الرياح به حنين
وذكر أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها فخطّ ديرا، فلما حفر موضع الأساس وأمعن في الاحتفار، أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من زجاج، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة: [من الوافر]
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى بلغ المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أحفل بمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريّا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
[١١٥]- ومن المعمّرين: النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن ربيعة ابن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى: أبا ليلى.
وروى أبو حاتم السجستاني قال: كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة