فاليوم أعذرهم وأعلم إنّما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
[٤٣٤ ج]- ومنها: [من الكامل]
أسلام هل لمتيّم تنويل ... أم هل صرمت وغال ودّك غول
لا تصرفي عني دلالك إنه ... حسن إليّ وإن بخلت جميل
[٤٣٤ د]- ومنها: [من الكامل]
أسلام إنك قد ملكت فاسجحي ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
[٤٣٥]- وقال أبو السائب المخزومي لجرير المغني: ما معك من مرقصات «١» ابن سريج؟ فغنّاه شعر عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى
وكم من قتيل لا ينال به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمّه منى
وكم مالىء من عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
يسحبن أذيال المروط بأسوق ... خدال وأعجاز مآكمها روى
أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى
قال أبو السائب: كما أنت حتى أتحرم لهذا بركعتين.
[٤٣٦]- وحدث بعضهم قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس بن
стр. 2347
ذريح، هكذا وفي الخبر الصحيح أن الأبيات لعبيد الله بن عتبة بن مسعود: [من الوافر]
صدعت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
فصاح بجارية له سندية تسمى زبدة: أي زبدة عجلي، فقالت: إني أعجن، فقال لها: ويحك تعالي ودعي العجين، فجاءت، فقال لها أنشدي بيتي قيس، فأعادتهما، فقال لها: يا زبدة أحسن قيس، وإلا فأنت حرة، ارجعي الآن إلى عجينك، أدركيه لا يبرد.
[٤٣٧]- وكان عبيد الله هذا فقيها عالما ورعا، وهو أحد الفقهاء المشهورين، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز ﵁: وددت أنّ لي ليلة من عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقيل له يا أمير المؤمنين: مثلك يقول هذا مع تخوفك! فقال: إنكم لا تدرون، إني أرجع منه بأضعاف ذلك فيما أنتفع به منه، أو نحو هذا الكلام.
[٤٣٧ ب]- وكان عبيد الله مع هذا غزلا وله أشعار معروفة رقيقة في النسيب، فمن ذلك قوله: [من الطويل]
ألا من لنفس ما تموت فينقضي ... عناها ولا تحيا حياة لها طعم
أأترك إتيان الحبيب تأثّما ... ألا إنّ هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم
[٤٣٧ ج]- ومنه قوله: [من الطويل]
стр. 2348
لعمري لئن شطّت بعثمة دارها ... لقد كدت من وشك الفراق أليح
أروح بهمّ ثم أغدو بمثله ... وتحسب أني في الثياب صحيح
[٤٣٧ د]- وقال أبو الزناد: قدمت المدينة امرأة من هذيل، وكانت جميلة فرغب الناس فيها، فخطبوها وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال فيها عبيد الله ابن عبد الله: [من الطويل]
أحبّك حبّا لا يحبّك مثله ... قريب ولا في العاشقين بعيد
أحبّك حبّا لو شعرت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبّك يا أمّ الصبيّ مدلّهي ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد
ويعرف وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد
أبو بكر: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسابعهم عبيد الله قائل الأبيات، هم الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة الذين أخذ عنهم الرأي والسنن.
[٤٣٨]- قال الخليل بن سعيد: مررت بسوق الطير فإذا الناس يركب بعضهم بعضا، فإذا أبو السائب المخزومي قائم على غراب يباع وهو آخذ طرف ردائه، وهو يقول للغراب: أيقول لك قيس بن ذريح: [من الطويل]
ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع
ثم لا تقع؟! ثم يضربه بردائه والغراب يصيح، قال: فقال له قائل: يا أبا
стр. 2349
السائب ليس هذا ذاك الغراب، فقال: قد علمت، ولكني آخذ البريء حتى يقع النطف «١» .
[٤٣٩]- وكان أبو السائب هذا مع زهده وعفافه مشغوفا بالغزل والغناء، وكذلك كان ابن أبي عتيق؛ أنشد كثير ابن أبي عتيق كلمته التي يقول فيها:
[من الطويل]
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا أرضى له بقليل
فقال له هذا كلام مكافىء ليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق وأقنع منك، ابن أبي ربيعة حيث يقول: [من الخفيف]
ليت حظّي كطرفة العين منها ... وكثير منها القليل المهنّا
وقوله: [من الخفيف]
فعدي نائلا وإن لم تنيلي ... إنه ينفع المحبّ الرجاء
وابن قيس الرقيّات حيث يقول: [من الوافر]
رقيّ بعيشكم لا تصرمينا ... ومنّينا المنى ثم امطلينا
عدينا من غد ما شئت إنّا ... نحبّ وإن مطلت الواعدينا
وذكر ذلك لأبي السائب المخزومي ومعه ابن المولى فقال: صدق ابن أبي عتيق وفقه الله، ألا قال المديون كثّير كما قال هذا حين يقول: [من الطويل]
وأبكي فلا ليلى بكت من صبابة ... لباك ولا ليلى لذي الودّ تبذل
стр. 2350
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا ... وإن أذنبت كنت الذي أتنصل
[٤٤٠]- نظر أبو حازم المدايني «١» ، وكان من أعبد الناس وأزهدهم، إلى امرأة تطوف بالبيت مسفرة أحسن خلق الله تعالى وجها، فقال: أيتها المرأة اتقي الله، لقد شغلت الناس عن الطواف، فقالت: أما تعرفني؟ قال: من أنت؟ فقالت:
[من الطويل]
من اللائي لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
فقال: إني أسأل الله أن لا يعذّب هذا الوجه الحسن بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال ﵀: أما لو كان بعض عبّاد العراق لقال: اغربي يا عدوة الله، ولكنه ظرف عبّاد أهل الحجاز.
[٤٤١]- قال سائب راوية كثير: قال لي كثير يوما ونحن بالمدينة: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث معه، فذهبت إليه معه، فاستنشده ابن أبي عتيق فأنشد قوله: [من الطويل]
أبائنة سعدى نعم ستبين
حتى بلغ إلى قوله:
وأخلفن ميعادي وخنّ أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دين
قال ابن أبي عتيق: أعلى الأمانة تبعتها؟ فانكف واستغضب نفسه وصاح وقال:
стр. 2351
كذبن صفاء الودّ يوم محلّه ... وأدركني من عهدهنّ رهون «١»
فقال ابن أبي عتيق: ويحك فذاك أملح لهنّ وأدعى للقلوب إليهنّ؛ سيدك ابن قيس الرقيّات كان أعلم منك وأوضع للصواب موضعه فيهنّ، أما سمعت قوله:
[من المديد]
حبّ ذاك الدلّ والغنج ... والتي في طرفها دعج
والتي إن حدّثت كذبت ... والتي في وعدها خلج
وترى في البيت صورتها ... مثل ما في البيعة السّرج
خبروني هل على رجل ... عاشق في قبلة حرج
فسكن كثير واستحلى ذلك وقال: لا إن شاء الله، فضحك ابن أبي عتيق حتى ذهب به. ولأبي السائب في ابن أبي عتيق في هذا الفن أخبار كثيرة كرهت الإطالة في إيرادها.
[٤٤٢]- وروي أنّ سعيد بن المسيب، وهو من العلم بالمكان المشهور، مرّ في بعض أزقّة مكة، فسمع الأخضر الحربيّ يتغّنى في دار العاص بن وائل، والشعر لمحمد بن عبد الله النميري: [من الطويل]
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات
فضرب برجله فقال: هذا والله مما يلذّ استماعه ثم قال:
وليست كأخرى وسّعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكفّ للجمرات
وعلّت بنان المسك وحفا مرجّلا ... على مثل بدر لاح في الظلمات
وقامت تراءى يوم جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات
стр. 2352
فكانوا يرون أنّ هذا الشعر لسعيد بن المسيب.
[٤٤٣]- أنشد إنسان قول الأحوص: [من البسيط]
سقيا لربعك من ربع بذي سلم ... وللزمان به إذ ذاك من زمن
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجرّ إليكم سادرا رسني
فوثب أبو عبيدة بن عمّار بن ياسر قائما ثم أرخى رداءه ومضى يمشي على تلك الحال ويجرّه حتى بلغ العرض ثم رجع، وكان ذلك بمحضر إبراهيم بن هشام المخزومي، وهو والي المدينة، فقال إبراهيم حين جلس أبو عبيدة: ما شأنك؟ فقال: أيها الأمير: إني سمعت هذا البيت مرة فأعجبني، فحلفت ألا أسمعه إلّا جررت رسني.
[٤٤٤]- قال عبد الملك بن عبد العزيز: أنشدت أبا السائب المخزومي شعر الأحوص: [من الطويل]
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... [وإني إلى معروفها لفقير]
حتى انتهيت إلى قوله:
[أزور على أن لست أنفك] كلما ... أتيت عدوا بالبنان يشير
فأعجبه ذلك وطرب وقال: أتدري يا ابن أخي كيف كانوا يقولون؟ قلت: لا، قال: كانوا يقولون: الساعة دخل، الساعة خرج، [الساعة] مرّ، الساعة رجع، وجعل يومىء بإبهامه إلى وراء منكبيه، وسبابته إلى حيال وجهه، ويقلبها، يحكي ذهابه ورجوعه.
стр. 2353
[٤٤٥]- وسمع أبو السائب رجلا ينشد قول أبي دهبل: [من الطويل]
أليس عظيما أن نكون ببلدة ... كلانا بها ثاو ولا نتكلم
فقال له: قف يا حبيبي، فوقف، فصاح بجارية له: [يا سلامة] اخرجي، فخرجت، فقال له: أعد بأبي أنت البيت، فأعاده، فقال: بلى والله إنه لعجيب عظيم وإلا فسلامة حرة لوجه الله، اذهب فديتك مصاحبا، ثم دخل وجعلت الجارية تقول: ما لقيت منك، لا تزال تقطعني عن شغلي فيما لا ينفعك ولا ينفعني.
[٤٤٦]- قال عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير: جاءني أبو السائب المخزومي يوما فسلم وجلس إليّ، فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة يا أبا السائب؟ قال: وكما تكون الحاجة، أبيات لعروة بن أذينة، بلغني أنك سمعتها منه، قلت: أيّ أبيات، قال: وهل يخفى القمر؟ [قوله] : [من الكامل]
إن التي زعمت فؤادك ملّها
فأنشدته إياها [فلما بلغت إلى قوله: فقلت لعلها قال: أحسن والله] ، ما يروم هذا إلا أهل المعرفة والفضل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد، لا الهذلي الذي يقول: [من الكامل]
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضنّ وأرغب
لقد عدا الأعرابيّ طوره، وإني لأرجو أن يغفر الله لابن أذينة في طلب العذر لها، وحسن الظنّ بها، فدعوت له بطعام فقال: لا والله حتى أروي هذه الأبيات، فلما رواها وثب، فقلت له: كما أنت يغفر الله لك حتى تأكل، فقال: والله ما
стр. 2354
كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها، وانصرف.
[٤٤٧]- وكان أبو السائب واقفا على رأس بئر فأنشده ابن جندب:
[من الكامل]
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فرمى بنفسه في البئر بثيابه فبعد لأي ما أخرجوه «١» .
стр. 2355
النوع العشرون في أخبار من قتله الكمد
[٤٤٨]- ممّن ادعي له ذلك الصمة بن عبد الله القشيري وكان يهوى ابنة عمّ له فخطبها إلى عمه، فاشتطّ عليه في المهر، فسأل أباه أن يعاونه، وكان كثير المال، فلم يعنه بشيء، فسأل عشيرته فأطاعوه «١» ، فأتى عمه بالإبل، فقال له: لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فسل أباك أن يبدلها لك، فسأل أباه فأبى عليه، فلما رأى فعلهما قطع عقلها وخلّاها، فعاد كلّ بعير منها إلى ألّافه، وتحمل الصمة [راحلا] ، فقالت له ابنة عمه حين رأته: تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة، ومضى لوجهه حتى لحق بثغر الديلم «٢» ، فمات به كمدا وقال:
[من الطويل]
أتبكي على ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباكما معا
وحدّث رجل من أهل طبرستان قال: بينا أنا أمشي في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة والزعفران وغير ذلك من الأشجار إذا أنا بإنسان في البستان مطروح عليه أثواب خلقان، فدنوت منه فإذا هو يتحرك ولا يتكلم، فأصغيت إليه فإذا هو يقول بصوت خفيّ: [من الطويل]
стр. 2356
تعزّ بصبر لا وجدّك لا ترى ... بشام الحمى إحدى الليالي الغوابر
كأن فؤادي من تذكّره الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر
فما زال يردّد هذين البيتين حتى فاضت نفسه، فسألت عنه، فقيل لي: هذا الصمّة بن عبد الله القشيري.
[٤٤٩]- وقال بعض بني عقيل: مررت بالصمة يوما وهو وحده جالس يبكي ويخاطب نفسه ويقول: لا والله ما صدقتك فيما قالت، قلت: من تعني بهذا ويحك؛ أجننت؟ قال [أعني] التي أقول فيها: [من الطويل]
أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكراك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت:
بلى وجلال الله ذكرا لو انّه ... يصبّ على صمّ الصّفا لتصدّعا
أسلي نفسي وأخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي.
[٤٥٠]- وقال محمد بن معن الغفاري: أقحمت السنة ناسا من الأعراب، فخلّوا المذار وأبرقوا، وإذا غلام منهم قد صار جلدا وعظما، فرفع عقيرته يتغنى بأبيات وهي: [من الطويل]
ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنّك من برق عليّ كريم
لمعت اقتداء الطير والقوم هجّع ... فهيّجت أحزانا وأنت سليم
فبتّ بحدّ المرفقين أشيمه ... كأني لبرق بالنسار رحيم
فهل من معير طرف عين خليّة ... فإنسان طرف العامريّ كليم
رمى قلبه البرق اليمانيّ رمية ... بذكر الحمى وهنا فكاد يهيم
стр. 2357
فقلت: يا غلام، دون ما بك ما يفحم عن الشعر، قال: أجل، ولكن البرق أنطقني، فما مكث يومه حتى مات.
[٤٥١]- وممّن روي أنه مات كمدا كعب بن مالك المعروف بالمخبّل، وهو من بني لأي بن شمّاس، وكان عنده ابنة عمّ له يقال لها: أم عمرو، وكان إليها مائلا، وبها معجبا، فنظر إليها متجردة من ثيابها، فقال لها: يا أم عمرو هل تعرفين أجمل منك وأكمل؟ قالت: نعم أختي ميلاء، قال لها: فإني أشتهي أن أراها، فقالت: إن علمت بمكانك لم تجىء، ولكني أحتال وأحضرها، ففعلت ذلك، فلما حضرت ورآها علقها وغلبت على قلبه، ووجدت هي به كوجده بها، فأخبرت أم عمرو بشأنهما، وصادفتهما وهما يتحدثان، فانصرفت إلى إخوتها، وهم سبعة، فقالت: إما أن تزوّجوا هذا الرجل من ميلاء وتفرقوا بيني وبينه، وإما أن تغيبوها عني، فلما وقف على ذلك هرب إلى الشام وأنشأ يقول: [من الطويل]
أفي كلّ يوم أنت من بارح الهوى ... إلى الشمّ من أعلام ميلاء ناظر
وكان مقيما بالحجاز، فروى هذا البيت رجل من أهل الشام ثم خرج [الشامي] إلى الحجاز لحاجة له فاجتاز بأم عمرو وميلاء، فاستدل أمّ عمرو على الطريق فقالت: يا ميلاء صفي له [الطريق] ، فلما سمع ذكر ميلاء ذكر الأعرابي، وأنشد البيت الذي أخذه عنه، فارتاحت ميلاء ورحّبت بالرجل، وقالت له:
اجلس حتى يجيء إخوتي فيكرموك ويقفوك على الطريق، فلما جاءوا وأخبرتهم ميلاء بما سمعت منه، وقد كانوا يحبون أن يعرفوا خبر كعب، فعرّفهم أنه نزل عليه وسمع هذا الشعر منه وشعرا آخر، فقالوا أنشدناه، فأنشدهم: [من الطويل]
стр. 2358
خليليّ قد رضت الأمور وقستها ... بنفسي وبالفتيان كلّ مكان «١»
فلم أخف لوما للصديق ولم أجد ... خليّا ولا ذا البثّ يستويان
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليّان لولا الناس قد قضياني
منوعان ظلامان لا ينصفانني ... بدلّهما والحسن قد خلباني
خليليّ أما أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني
بلينا بهجران ولم نر مثلنا ... من الناس إنسانين يهتجران
أشدّ مصافاة وأبعد عن قلىّ ... وأعصى لواش حين يكتنفان
يبيّن طرفانا الذي في ضميرنا ... إذا استعجمت بالمنطق الشفتان
فو الله ما أدري، أكلّ ذوي الهوى ... على ما بنا أم نحن مبتليان
وكنّا كريمي معشر حمّ بيننا ... هوى فحفظناه بكلّ صيان
نذود النفوس الحائمات عن الهوى ... وهنّ بأعناق إليه ثوان
فأكرموا الرجل، ووقفوه على الطريق، وخرجوا إلى الشام إلى كعب بن مالك فأقدموه، فلما دخل الحيّ جلس ناحية فرأى مجمعا للحي وغليما، فدعا الغليم فقال له: من أبوك؟ فقال كعب بن مالك، وقد كان خلّف ابنه صغيرا فعرفه، فقال: ما هذا الجمع؟ فقال: لخالتي ميلاء ماتت الساعة، فراعه ذلك وقام منه وقعد، وشهق شهقة مات، فدفنت ميلاء ثم دفن إلى جانب قبرها.
[٤٥٢]- وممّن نسب إلى العشق ومات كمدا محمد بن داود الأصفهاني صاحب المذهب. روي عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه، قال: دخلت على محمد بن داود في مرضه الذي مات فيه، فقلت له:
стр. 2359
كيف تجدك؟ قال: حبّ من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين، أحدهما النظر المباح، والثاني اللذة المحظورة، أمّا النظر المباح فأورثني ما ترى، وأمّا اللذة المحظورة فإنه منعني عنها ما حدّثني أبي قال، حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتّات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: من عشق وكتم وعفّ وصبر غفر الله له وأدخله الجنة. ثم أنشد لنفسه: [من البسيط]
انظر إلى السحر يجري من لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهنّ نمال دبّ في عاج
وأنشد لنفسه: [من الخفيف]
ما لهم أنكروا سوادا بخدي ... - هـ ولا ينكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خده بدء ذا الشع ... ر فعيب العيون شعر الجفون
فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر، فقال: غلبة الهوى وملكة النفوس دعوا إليه، قال: ومات من ليلته، أو في اليوم الثاني.
[٤٥٣]- ومنهم حبيشة بنت حبيش إحدى بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، كانت تهوى ابن عمها عبد الله بن علقمة ويهواها، تواردا في الهوى وهما طفلان، وبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوه وإلا قاتلهم، فصبّحهم خالد بالغميصاء وقد سمعوا به فخافوه، وكانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد، وعمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، وكانوا من أشد حيّ في كنانة بأسا، كانوا يسمّون لعقة الدم، فلما
стр. 2360
صبّحهم خالد ومعه بنو سليم، وكانت بنو سليم تطلبهم بمالك بن خالد بن صخر الشريد وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم في موطن واحد، فلما صبّحهم خالد في ذلك اليوم، ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا، فقال لهم خالد: أسلموا، فقالوا: نحن قوم مسلمون، قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله ما نلقي سلاحنا، ولا نحن لك ولا لمن معك آمنين، قال خالد: فلا أمان لكم إلا أن تنزلوا، فنزلت فرقة [منهم فأسرهم، وتفرق بقية القوم فرقتين، فأصعدت فرقة] وسفلت أخرى، فبعث خالد جندا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهنّ فتية، فقال: أدركوا أولئك؛ فخرجوا في أثرهم، فلما أدركوهم وقف لهم غلام شابّ على الطريق، فجعل يقاتلهم ويرتجز ويقول: [من الرجز]
أرخين أذيال المروط وارتعن ... مشي حييّات كأن لم يفزعن
إن يمنع اليوم نساء تمنعن
فقاتلهم قليلا فقتلوه ومضوا حتى لحقوا الظعن، فخرج إليهم غلام كأنّه الأول فجعل يقاتلهم ويقول: [من الرجز]
أقسم ما إن خادر ذو لبده ... يدرم «١» بين أيكة ووهده
يفرس ثنيان «٢» الرجال وحده ... بأصدق الغداة منّا نجده
فقتلوه وأدركوا الظعن فأخذوهن، فإذا فيهن غلام وضيء به صفرة في لونه كالمنهوك، ربطوه بحبل وقدموه ليقتلوه، فقال لهم: هل لكم في خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلوني، فلما كان بحيث يسمعهنّ الصوت نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش عند نفاد العيش، فأقبلت عليه جارية حسناء بيضاء وقالت: وأنت فاسلم على كثرة الأعداء وشدة البلاء،
стр. 2361
قال: سلام عليك دهرا، وإن بنت «١» عصرا، قالت: وأنت سلام عليك عشرا وشفعا تترى، وثلاثا وترا فقال: [من الطويل]
إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلّة الصدر
فقالت: [من الطويل]
وأنت فلا تبعد فنعم أخو الهوى ... جميل العفاف والمودة في ستر
وقال لها: [من الطويل]
ألم يك حقا أن ينوّل عاشق ... تكلّف أدلاج السّرى والودائق
فقالت: بلى والله فقال:
فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبي بودّ قبل إحدى الصفائق «٢»
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النوى ... وينأى الخليط بالحبيب المفارق
قال: فضربوا عنقه، فتقتحم الجارية من خدرها حتى أهوت «٣» نحوه فالتقمت فاه، فنزعوا منها رأسه، وإنها لتنشع «٤» بنفسها حتى ماتت مكانها.
وروي أن رسول الله ﷺ ودى القتلى، بعث عليا ﵇ فوداهم، قال علي ﵇: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا «٥» بما أصيب منكم من القتلى والجرحى، وتحلّلوا رسول الله قالوا: نعم، فقلت لهم: هل لكم في أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الروع والفزع؟ قالوا: نعم، فقلت لهم: فهل لكم في أن تقبلوا الثالث وتحللوا رسول الله ﷺ مما علم ومما لم يعلم؟ قالوا: نعم،
стр. 2362
فدفعته إليهم، وجعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغ الكلب، وفضلت فضلة فدفعتها إليهم، فقال رسول الله ﷺ : أقبلوها؟ قال: نعم، قال: فو الذي أنا عبده لهي أحبّ إليّ من حمر النّعم.
[٤٥٤]- روي أنّ رجلا من بني تميم يقال له الخضر، أبق له غلامان، قال: فخرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أريد اليمامة، فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصّرصران، ارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم، وسألت القرى فأجابوا. فدخلت دارا لهم، وأنخت الناقة وجلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، وفي الدار جويرية لهم سوداء، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة، وكأن عينيها كوكبان دريّان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء؟ تعني ناقتي، فقيل: لضيفكم هذا، فعدلت إليّ وقالت: السلام عليكم، فرددت ﵍، فقالت لي: ممن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت: من أيّهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسمت وقالت: أنت إذن ممن عناه الفرزدق بقوله: [من الكامل]
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
بيتا بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء فإنه لا ينقل
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
قال فقلت: نعم جعلت فداك، وأعجبني ما سمعت منها، فضحكت وقالت:
فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول:
[من الكامل]
أخزى الذي رفع السماء مجاشعا ... وبنى بناء بالحضيض الأسفل
стр. 2363
بيتا يحمّم قينكم بفنائه ... دنسا مقاعده خبيث المدخل
قال: فوجمت، فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك، فإن الناس يقال فيهم ويقولون، ثم قالت: أين تؤمّ؟ قلت: اليمامة، فتنفست الصعداء ثم قالت: ها هي تلك أمامك ثم أنشأت تقول: [من الوافر]
تذكرني بلادا خير أهلي ... بها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقى الإله أجشّ صوبا ... يسحّ بدرّه بلد اليمامه
وحيّا بالسلام أبا نجيد ... فأهل للتحيّة والسلامه
قال: فأنست بها وقلت: أذات خدن أم ذات بعل؟ فأنشأت تقول:
[من الوافر]
إذا رقد النيام فإن عمرا ... تؤرّقه الهموم إلى الصباح
تقطّع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخليّ ولا بصاح
سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحنّ إلى الرواح
فقلت لها: من عمرو هذا؟ فأنشأت تقول: [من الوافر]
سألت ولو علمت كففت عنه ... ومن لك بالجواب سوى الخبير
فإن تك ذا قبول إنّ عمرا ... هو القمر المضيء المستنير
وما لي بالتبعّل مستراح ... ولو ردّ التبعل لي أسيري
قال: ثم سكتت سكتة كأنها تسمع إلى كلام، ثم تهافتت وأنشأت تقول:
يخيّل لي هيا عمرو بن كعب ... بأنك قد حملت على سرير
يسير بك الهوينا القوم لما ... رماك الحبّ بالغلق العسير
فإن تك هكذا يا عمرو إني ... مبكرة عليك إلى القبور
стр. 2364
ثم شهقت شهقة خرّت ميتة، فقلت لهم: من هذه؟ فقالوا: عقيلة بنت الضحاك بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر، فقلت لهم: فمن عمرو هذا؟
قالوا: ابن عمها عمرو بن كعب بن محرق بن النعمان بن المنذر، فارتحلت من عندهم، فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا، فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت.
[٤٥٥]- قال عكرمة: إني لمع ابن عباس بعرفة إذا فتية أدمان يحملون فتى في كساء معروق الوجه ناحل البدن أحلى من رأيت من الفتيان، حتى وضعوه بين يدي ابن عباس وقالوا له: استشف له يا ابن عمّ رسول الله، فقال ابن عباس:
وما به؟ فأنشأ الفتى يقول: [من الطويل]
بنا من جوى الأحزان والحبّ لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معول ... على ما به عود هناك صليب
قال وأنشأ الفتى يقول: [من الطويل]
وبي لوعة لو تشتكي الصمّ مثلها ... تفطرت الصمّ الصلاد فخّرت
ولو قسم الله الذي لي من الجوى ... على كلّ نفس حظّها لألّمت
ولكنما أبقى حشاشة معول ... على ما به صلب النجار فمدت
قال: فأقبل ابن عباس على عبيد الله بن حميد بن زهير بن سهيل بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، فقال: أخذ هذا البدوي العود علي وعليه، قال: ثم حملوه، فخفت في أيديهم فمات، فقال ابن عباس: هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود.
قال عكرمة: فما رأيت ابن عباس يسأل الله تلك العشية حتى أمسى إلا العافية مما ابتلي به ذلك الفتى.
стр. 2365
[٤٥٦]- وممّن قيل إنه مات كمدا: عبد الله بن عجلان النهدي، روي أنه رأى أثر كفّ محبوبته في ثوب زوجها فمات.
وهذا الفصل نذكر فيه جملة الأخبار والأشعار في الغزل، ونقتصر على ما يؤمن معه الملل، ونعدل عن الإكثار، فإن استقصاءه غير ممكن، وهو فنّ يلهج به الناس، وقد أكثروا منه واختلفوا فيه .
٤٥٧- قيل: الهوى جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مهلك، ومالك قاهر، مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطي خزام طاعتها، وقود تصرّفها، توارى عن الأبصار مدخله، وغيّض في القلوب مسلكه، وقد رأينا الهوى يشجع قلب الجبان، ويسخي كفّ البخيل، ويصفّي ذهن الغبي، ويبعث حزم العاجز، ويخضع له عزة كل متجبّر.
[٤٥٨]- فمن مختار الشعر فيه قول الشنفرى: [من الطويل]
فواكبدا على أميمة بعد ما ... طمعت فهبها نعمة العيش ولّت «١»
لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفّت
تحلّ بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالمذمّة حلّت
أميمة لا يخزي نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفّت وجلّت
إذا هو أمسى آب قرّة عينه ... مآب السعيد لم يقل أين ظلّت
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
فبتنا كأنّ البيت حجّر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وطلّت
стр. 2366
[٤٥٩]- وقال جميل: [من الطويل]
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكلّ حديث بينهن بشاشة ... وكلّ قتيل بينهنّ شهيد
علقت الهوى منها وليدا ولم يزل ... إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري نوالها ... وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
وقد تلتقي الأشتات بعد شتاتها ... وقد تدرك الحاجات وهي بعيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحبّ قالت ثابت ويزيد
[٤٦٠]- وقال ذو الرمة: [من الطويل]
ألا لا أبالي الموت إن كان دونه ... لقاء لميّ وارتجاع من الوصل
أناة كأنّ المرط حين تلوثه ... على دعصة غرّاء من عجم الرمل
أسيلة مستنّ الوشاحين قانىء ... بأطرافها الحناء في سبط طفل
من المشرقات البيض في غير مرهة ... ذوات الشّفاه الحوّ والأعين النجل
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسّمن عن نور الأقاحيّ في الثرى ... وفتّرن من أبصار مضروجة كحل «١»
وإنا لنرضى حين نشكو بخلوة ... إليهنّ حاجات النفوس بلا بذل
وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلنا ... ولكن جرت أخلاقهنّ على البخل
[٤٦١]- وقال قيس بن ذريح: [من الطويل]
стр. 2367
سلي هل قلاني من عشير صحبته ... وهل ذمّ «١» رحلي في الرفاق رفيق
وهل يجتوي القوم الكرام صحابتي ... إذا اغبرّ مخشيّ الفجاج عميق
ولو تعلمين الغيب أيقنت أنني ... لكم والهدايا المشعرات صديق
صبوحي إذا ما ذرّت الشمس ذكركم ... ولي ذكركم عند المساء غبوق
تتوق إليك النفس ثم أردّها ... حياء ومثلي بالحياء حقيق
وإني وإن حاولت صرمي وهجرتي ... عليك من احداث الردى لشفيق
تكاد بلاد الله يا أمّ معمر ... بما رحبت يوما عليّ تضيق
أذود سوام الطرف عنك وهل له ... على أحد إلا عليك طريق
وحدثتني يا قلب أنك صابر ... على البعد من لبنى فسوف تذوق
فمت كمدا أو عش سقيما فإنما ... تكلّفني ما لا أراك تطيق
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهنّ صديق
وهذه الأبيات متنازعة، وقد أنشد أبو هلال العسكري الرابع منها، والسادس والثامن لمضرّس بن الحارث المرّي، والبيت الآخر هو لجرير في ديوانه.
[٤٦٢]- قال عبيد الله بن سليمان الوزير: دعاني المعتضد يوما، فقال لي: ألا تعاتب بدرا على ما لا يزال يستعمله من التخرّق في النفقات والإثابات والزيادات والصلات، وجعل يؤكد القول عليّ في ذلك، فلم أخرج من حضرته حتى دخل عليه بدر، فجعل يستأمره في إطلاقات مسرفة، ونفقات واسعة، وصلات سنيّة، وهو يأذن فيها، فلما خرج رأى في وجهي إنكارا لما فعله بعد ما جرى
стр. 2368
بيني وبينه، فقال: يا عبيد الله: قد عرفت ما في نفسك، وإني وإياه لكما قال الشاعر: [من البسيط]
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب مطاع حيثما شفعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الإساءة معذور بما «١» صنعا
وهذه أبيات يقولها الحكم بن قنبر البصري أولها:
ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا
كأنما الشمس في أعطافه «٢» لمعت ... حسنا أو البدر من أزراره طلعا
[٤٦٣]- وقال أبو صخر الهذلي: [من الطويل]
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
فيا حبّها زدني جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
[٤٦٤]- وقال آخر: [من الطويل]
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
стр. 2369
[٤٦٥]- وقال الحسين بن مطير: [من الطويل]
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو اننا ... وجدنا لأيام الصبا من يعيدها «١»
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
هل الله عاف عن ذنوب تكشّفت ... أم الله إن لم يعف عنها يعيدها
إذا جئتها بين النساء منحتها ... صدودا كأن النفس ليست تريدها
[٤٦٦]- وقال آخر: [من الطويل]
لعمرك ما ميعاد عينك والبكا ... بداراء إلا أن تهبّ جنوب
أعاشر في داراء من لا أودّه ... وبالرمل مهجور إليّ حبيب
[٤٦٧]- وقال بعض الأعراب: [من البسيط]
لا خير في الحبّ وقفا لا تحرّكه ... عوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أملك ما آتي وما أدع
لا أحمل اللوم فيها والغرام بها ... ما حمّل الله نفسا فوق ما تسع
٤٦٨- وقال آخر: [من الطويل]
لقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكفّ مرتاد وللعين منظر
وللحائم العطشان ريّ بريقها ... وللمرح الذيال ملهى ومسكر
أقلّب طرفي في السماء لعله ... يصادف طرفي طرفها حين أنظر
стр. 2370
[٤٦٩]- وقال الأحوص: [من الطويل]
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
فما العيش إلا ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
[٤٧٠]- وقال ذو الرمة: [من الطويل]
ألمّا على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشا مقيلها
ولو لم يكن إلا تعلّل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها
[٤٧١]- وقال أبو حيّة النميري: [من الطويل]
وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم
ولكن لعمر الله ما طلّ مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «١»
إذا هنّ ساقطن الحديث كأنه ... سقاط حصى المرجان من سلك ناظم
رمين فأقصدن القلوب فلم نجد ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم
وخبّرك الواشون أن لن أحبكم ... بلى وستور الله ذات المحارم
стр. 2371
أصدّ وما الصدّ الذي تعلمينه ... عزاء بنا إلّا اجتراع العلاقم
حياء وبقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم أفّ لأهل النمائم
[٤٧٢]- ويروى للمجنون: [من الطويل]
شفيعي إليها قلبها إن تعتّبت ... وقلبي لها فيما تروم شفيع
لقد ظفرت مني بسمع وطاعة ... وكلّ محبّ سامع ومطيع
٤٧٣- وقال أبو العميثل: [من الطويل]
سلام على الوصل الذي كان بيننا ... تداعت به أركانه فتضعضعا
تمنّى رجال ما أحبوا وإنما ... تمنّيت أن أشكو إليها فتسمعا
وإني لأنهى النفس عنها ولم يكن ... بشيء من الدنيا سواها لتقنعا
أرى كلّ معشوقين غيري وغيرها ... قد استعذبا طعم الهوى وتمتعا
كأني وإياها على حال رقبة ... وتفريق شمل لم نبت ليلة معا
[٤٧٤]- وقال أبو عبد الله بن الدمينة الخثعمي، وهذه الأبيات من قصيدة مشهورة، وقد تنوزع أكثرها، ونسبت أبيات منها إلى عدد من الشعراء، والمقصود الشعر لا شاعره، فلذلك جمعت المختار منها في مكان واحد:
[من الطويل]
أحقا عباد الله أن لست واردا ... ولا صادرا إلا عليّ رقيب
ولا زائرا فردا ولا في جماعة ... من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحنّ نجيبة ... إلى إلفها أو أن يحنّ نجيب
وإنّ الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إليّ وإن لم آته لحبيب
أميم لقد عذّبتني وأريتني ... بدائع أخلاق لهنّ ضروب
стр. 2372
صدودا وإعراضا كأنّي مذنب ... ألا ليس لي إلا هواك ذنوب
تضنّين حتى يذهب البخل بالمنى ... وحتى تكاد النفس عنك تطيب
فيا حسرات القلب من غربة النوى ... إذا اقتسمتها نية وشعوب
ومن خطرات تعتريني وزفرة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها ... من الوجد قد كادت عليك تذوب
أحبّك أطراف النهار بشاشة ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
ولما رأيت الهجر أبقى مودّة ... وطارت بأضغان عليّ قلوب
هجرت اجتنابا غير بغض ولا قلى ... أميمة مهجورا إليّ حبيب
لك الله إني واصل ما وصلتني ... ومثن بما أوليتني ومثيب
وآخذ ما أعطيت عفوا وإنني ... لأزورّ عما تكرهين هيوب
وإني لأستحييك حتى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب
ولو أنني أستغفر الله كلّما ... ذكرتك لم تكتب عليّ ذنوب
تلجين حتى يزري الهجر بالهوى ... وحتى تكاد النفس عنك تطيب
أميم احذري نقض الهوى لم يزل لنا ... على النأي والهجران منك نصيب
وكوني على الواشين لدّاء شغبة ... كما أنا للواشي ألدّ شغوب
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... بذكر الهوى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب
ألا لا أبالي ما أجنّت صدورهم ... إذا نصحت ممّن أودّ جيوب
ألا ليت شعري عنك هل تذكرينني ... فذكرك في الدنيا إليّ حبيب
وهل لي نصيب من فؤادك ثابت ... كما لك عندي في الفؤاد نصيب
[٤٧٥]- ومما يروى للمجنون: [من الطويل]
стр. 2373
ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وإن حلّه شخص إليّ حبيب
هجرتك إشفاقا وزرتك خائفا ... وفيك عليّ الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلّها ... بيوم سرور في الزمان تؤوب
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنه ... يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب
أظلّ غريب الدار في أرض عامر ... ألا كلّ مهجور هناك غريب
[٤٧٦]- وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
ألا حبذا ريح الغضا حين زعزعت ... بقضبانه بعد الضلال جنوب
تجيء بريا من عثيمة طلّة ... يعيش لها القلب الدوي فيثيب
لقد طرقتنا أمّ عثمان بعد ما ... هوى النجم والساري إليّ حبيب
كأني وإن كانت شهودا عشيرتي ... إذا بنت عني يا عثيم غريب
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبا ولم يطرب اليك حبيب
وأكببت إكباب الدنيّ وباعدت ... لك النفس حاجات وهنّ قريب
فلا تعديني الفقر يا أم خالد ... فإنّ الغنى للمنفقين قريب
[٤٧٧]- وقال ابن الدمينة: [من الطويل]
قفي يا أميم القلب نقض لبانة ... ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك
سلي البانة الغيناء بالأبطح الذي ... به البان هل حيّيت أطلال دارك
وهل قمت في أطلالهنّ عشية ... مقام أخي البأساء واخترت ذلك
стр. 2374
وهل كفكفت عيناي في الدار عبرة ... فرادى كنظم اللؤلؤ المتدارك
فيا بانة الوادي أليست مصيبة ... من الله أن تحمي علينا ظلالك
ويا بانة الوادي أثيبي متيما ... أخا سقم أنشبته في حبالك
عدمتك من نفس وأنت سقيتني ... بكأس الردى في وصل من لم يوالك
ومنيتني لقيان من لست لاقيا ... نهاري ولا ليلي ولا بين ذلك
فما بك من صبر ولا من جلادة ... ولا من عزاء فاهلكي في الهوالك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراق دمعي رهبة من زيالك
ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... هدى منك أو مدن لنا في وصالك
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو غبّة في ضلالك
[٤٧٨]- وقال أيضا: [من الطويل]
خليليّ إني اليوم شاك إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها
تفرّق ألّاف وإسبال عبرة ... أظلّ بأطراف البنان أذودها
وكائن ترى من ذي هوى حيل دونه ... ومتبع إلف نظرة لا يعيدها
نظرت بمغضى سيل تربان نظرة ... هل الله لي قبل الممات معيدها
إلى رجّح الأكفال غيد كأنّها ... ظباء الفلا أعناقها وخدودها
خليليّ شدا بالعصائب فانظرا ... إلى كبدي هل بتّ صدعا عهودها
وكنا إذا تدنو بعصماء نية ... رضينا بدنيانا فلا نستزيدها
[٤٧٩]- وقال أيضا: [من الطويل]
ولما لحقنا بالحمول انبرى لنا ... خفيف الحشا توهي القميص عواتقه
стр. 2375
قليل قذى العينين يعلم أنّه ... هو الموت إن لم تصرعنّا بوائقه
وقفنا فسلّمنا فسلّم كارها ... علينا وتبريح من الوجد خانقه
فساءلته حتى اطمأنّ وقد بدا ... لنا برد منه تطير صواعقه
فسايرته ميلين يا ليت أنني ... على سخطه حتى الممات أرافقه
فلما رأت أن لا جواب وأنه ... مدى الصّرم مضروب علينا سرادقه
رمتني بطرف لو كميّا رمت به ... لبلّ نجيعا نحره وبنائقه
[٤٨٠]- ومن طوال قصائد الغزل ومختارها قول كثير، وقد اقتصرت على بعضها: [من الطويل]
خليليّ هذا ربع «١» عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا «٢» حيث حلّت
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا ... ولا موجعات الحزن «٣» حتى تولّت
فقد حلفت جهدا بما نحرت له ... قريش غداة المأزمين وصلّت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعة ... تعمّ ولا غمّاء إلا تجلّت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصمّ لو تمشي بها العصم زلّت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
стр. 2376
فما أنصفت أما النساء فبغّضت ... إلينا وأما بالنوال فضنّت
يكلّفها الخنزير شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلّت
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقّت لها العتبى إلينا وقلّت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... مناديح لو سارت بها العيس كلّت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلّت
وإني وإن صدّت لمثن وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلّت
فما أنا بالداعي لعزّة بالردى ... ولا شامت ان نعل عزّة زلّت
فلا يحسب الواشون أنّ صبابتي ... بعزّة كانت غمرة فتجلّت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإني وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلّت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلّت
[٤٨١]- قال عبد الله بن أبي عبيد: قلت لأبي السائب المخزومي: ما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول: [من الكامل]
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض هنالك ما هم
متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والركن يعرفهنّ لو يتكلم
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
стр. 2377
وكأنهنّ وقد حسرن لواغبا ... بيض بأكناف الحطيم مركّم
قال: فقال: لا والله ما أحسن ولا أجمل، ولكنه أهجر وأخطل في صفتهنّ بهذه الصفة، ثم لا يندم على رحيلهنّ، أهكذا قال كثير حيث يقول: [من الطويل]
تفرّق أهواء الحجيج على منى ... وصدّعهم شعب النوى صبح أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك بطن تضرع
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمقامه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
انظر إليه كيف تقدّمت شهادته علمه، وكفى لسانه ببيانه، وهل يغتبط عاقل بمقام لا يرضى به، ولكن مكره أخوك لا بطل؛ والعرجيّ كان بالعهد أوفى منهما، وأولى بالصواب حين تعرّض لها نافرة من منى، فقال لها عاتبا مستكينا:
[من الكامل المرفل]
عوجي عليّ فسلّمي جبر ... ماذا الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرّق بيننا النّفر
[٤٨٢]- قال المدائني: انتجع أهل جنوب ناحية حسي والحمى، وقد أصابها الغيث وأمرعت، فلما أرادوا الرحيل وقف لهم مالك بن الصمصامة (وجنوب هي بنت محصن الجعدية بنت عم مالك) حتى إذا بلغته أخذ بخطام بعيرها ثم قال: [من الطويل]
أريتك إذ أزمعتم اليوم نية ... وغالك مصطاف الحمى ومرابعه
стр. 2378
أترعين ما استودعت أم أنت كالذي ... إذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت وقالت: بل أرعى والله ما استودعت، ولا أكون كمن هانت عليه ودائعه، فأرسل بعيرها وبكى حتى سقط مغشيّا عليه، وهي واقفة، ثم أفاق وهو يقول:
ألا إن حسيا دونه قلّة الحمى ... منى النفس لو كانت تنال شرائعه
وكيف ومن دون الورود عوائق ... وأصبغ حامي ما أحبّ ومانعه
فلا أنا فيما صدّني عنه طامع ... ولا أرتجي وصل الذي هو قاطعه
٤٨٣- قال بعضهم: رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضرّ والنحافة، رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ قالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي: [من الطويل]
تزوّد كلّ الناس زادا يقيمهم ... وما لي زاد والسلام على نفسي
ففعلت، فإذا أنا بفتى منهوك فقال: أما الزاد فمضيت به إليها، فما زادت على النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف مصاحبا، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك، أما علمت أنّ ركوب العار ودخول النار شديد؟! [٤٨٤]- وقال الناجم: [من الرجز]
طالبت من شرّد نومي وذعر ... بقبلة تحسن في القلب الأثر
فقال لي مستعجلا وما انتظر: ... ليس لغير العين حظّ في القمر
أخذه من قول علي بن الجهم: [من الطويل]
وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقري
стр. 2379
فلا نيل إلا ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
[٤٨٥]- وقال سليمان بن أبي دباكل الخزاعي: وقد وجدت بعض هذه الأبيات في ديوان أبي ذؤيب: [من الكامل]
يا بيت خنساء «١» الذي أتجنّب ... ذهب الشباب وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك على الصدود لأجنب
ما لي أحنّ إذا جمالك قرّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقرب
تبكي «٢» الحمامة شجوها فتهيجني ... ويروح عازب همّي المتأوّب
وتهبّ سارية الرياح من ارضكم ... فأرى الرياح لها تطلّ وتجنب «٣»
وأرى الصديق «٤» يودّكم فأودّه ... إن كان ينسب منك أو لا ينسب
وأخالف الواشين فيك تجمّلا ... وهم عليّ أولو ضغائن ذرّب
ثم اتخذتهم عليّ وليجة ... حتى غضبت ومثل ذلك يغضب
وأرى السّميّة باسمكم فيزيدني ... شوقا إليك حنانك المتنسّب
[٤٨٦]- وقال يزيد بن الطّثريّة: [من الطويل]
بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله
стр. 2380
ومن هابني في كلّ أمر وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
[٤٨٧]- وقال أيضا: [من الطويل]
عقيلية أمّا ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
تقيظ بأكناف الحمى ويظلّها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل
فيا خلّة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلّاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبّه لم يطع به ... عدوّ ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النوى ... وخوف العدا فيه إليك سبيل
فديتك أعدائي كثير وشقّتي ... بعيد وأنصاري لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة ... فأفنيت علّاتي فكيف أقول
فما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كلّ وقت لي إليك رسول
صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب يطول
فلا تحملي إثمي وأنت ضعيفة ... فحمل دمي يوم الحساب ثقيل
[٤٨٨]- قيل لما تأيمت عائشة بنت طلحة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال عظيم لها بالطائف، وقصر كان لها هناك تتنزّه فيه، وتجلس فيه بالعشيات تناضل بين الرماة، فمرّ بها النميريّ الشاعر، فسألت عنه فنسب لها، فقالت ائتوني به، فأتوا به، فقالت له: أنشدني ممّا قلت في زينب، تعني زينب بنت يوسف أخت الحجاج بن يوسف، وكان النميريّ يتعشّقها، وهو محمد بن عبد الله بن نمير من ثقيف، فامتنع عليها، وقال: بنت عمي وقد
стр. 2381
صارت عظاما بالية، قالت: أقسمت عليك إلّا فعلت، فأنشدها قوله، وهي أبيات ذكرت هاهنا مختارها: [من الطويل]
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة عطرات
فأصبح ما بين الهماء وجدوة «١» ... إلى الماء ماء الجزع ذي العشرات
له أرج من مجمر الهند ساطع ... تظلع ريّاه من الكفرات «٢»
تهادين ما بين المحصّب من منى ... وأقبلن لا شعثا ولا غبرات
مررن بفخّ رائحات عشيّة ... يلبّين للرحمن معتمرات
يخمّرن «٣» أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن جنح الليل معتجرات
تقسم لبّي يوم نعمان إنني ... رأيت فؤادي عارم النظرات
جلون وجوها لم تلحها سمائم ... حرور ولم يسفعن بالسّبرات «٤»
قالت: والله ما قلت إلّا جميلا، ولا ذكرت إلا كرما وطيبا، ولا وصفت إلا دينا وتقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها، فقالت: عليّ به، فجاءها فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب، فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد فيك، فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه، فإنه أراد أن يستقيد لبنت عمه، هات ممّا قال الحارث، فأنشدها: [من الكامل المرفل]
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدوا بلبك مطلع الشرق
في البيت ذي الحسب الرفيع ومن ... أهل التقى والبرّ والصدق
стр. 2382
أترجّة عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحقّ
ما صبّحت أحدا برؤيتها ... إلا غدا بكواكب الطلق
فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبّحت زوجا غدا بوجهي، غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوّجني إلى المشرق، وأني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع، أعطوه ألف درهم واكسوه حلّتين، ولا تعد تأتينا يا نميري.
[٤٨٩]- وكان الحارث بن خالد المخزومي مع منصبه وشرفه وفضله شديد الغزل، خالعا فيه العذار، ولّاه عبد الملك بن مروان مكة، فأذّن له المؤذّن وخرج إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة بنت طلحة أن بقي من طوافي شيء لم أتمّه، فأمر المؤذنين فكفّوا عن الإقامة حتى فرغت من طوافها، والناس يصيحون به ويضجّون، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فعزله، وكتب إليه يؤنّبه فيما فعل، فقال: ما أهون والله غضبه عليّ إذا رضيت عائشة، والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل.
[٤٩٠]- وكانت العرب في جاهليتها وإسلامها مع شدة بأسها وغلظ أكبادها ترقّ عند الغزل وتلين، حتى مات كثير منهم كمدا وشغفا، وكانت تستحسن منه ما هو مستهجن عند غيرها من طوائف الأمم، ألا ترى أن الشاعر منهم كان ينسب بالمرأة الجليلة ذات الحسب والعشيرة المنيعة، فلا ينكرون ذلك ولا يغيرونه حتى كانوا ينسبون بنساء الملوك، فلا يكون منهم له نكير. ذكر النابغة الذبياني المتجردة زوجة النعمان بن المنذر في شعره، فقال قصيدة أولها: [من الكامل]
أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
стр. 2383
ووصف أعضاءها وأفحش حتى قال:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد
وهي أبيات قد كتبتها في مكان آخر من هذا الكتاب، وأنشدها النعمان غير مراقب، فقال بعض أعدائه: ما يستطيع أن يقول ذلك إلا من جرّب، فأغراه به.
[٤٩١]- وتنسّب أبو دهبل الجمحي بعاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فاحتمله معاوية ووصله وزوّجه ليكفّ ويقطع القالة عن ابنته.
روي أن عاتكة بنت معاوية حجّت فنزلت بذي طوى، فمرّ بها أبو دهبل الجمحي في وقت الهاجرة وهي غافلة عنه، فوقف ينظر إليها، فلما تنبّهت له شتمته فانصرف، وقال فيها الشعر، فبلغها فضحكت وبعثت إليه بكسوة، وجرت الرسل بينهما، وكان أبو دهبل من أجمل الناس، فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشام، فنزل قريبا منها، وكانت تعاهده بالبرّ والألطاف، حتى دخلت دمشق وورد معها، فانقطعت عن لقائه، وبعد من أن يراها، ومرض بدمشق مرضا طويلا وقال في ذلك: [من الخفيف]
طال ليلي وبتّ كالمحزون ... ومللت المقام في جيرون «١»
وأطلت المقام بالشام حتى ... ظنّ أهلي مرجّمات الظنون
فبكت خشية التفرّق جمل ... كبكاء القرين إثر القرين
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغو ... واص ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون
تجعل المسك واليلنجوج والند ... د صلاء لها على الكانون
стр. 2384
ثم خاصرتها إلى القبّة البي ... ضاء تمشي في مرمر مسنون
قبّة من مراجل ضربوها ... عند برد الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من البا ... ب وإن كنت خارجا فيميني «١»
ثم فارقتها على خير ما كا ... ن قرين مقارنا لقرين
ولقد قلت إذ تطاول ليلي ... وتقلّبت ليلتي في فنون
ليت شعري أمن هوى طار نومي ... أم براني الباري قصير الجفون
وشاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه، حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل، فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه واردده إليّ، وجعل الناس يسلّمون وينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف، فناداه معاوية: يا أبا دهبل هلمّ إليّ، فلما دنا أجلسه حتى خلا به، ثم قال: ما ظننت في قريش أشعر منك حيث تقول:
ولقد قلت إذ تطاول ليلي
وذكر بعض الأبيات، وو الله إنّ فتاة أبوها معاوية، وجدّها أبو سفيان، وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت، فأيّ شيء زدت في قدرها، ولقد أسأت والله في قولك: «ثم خاصرتها إلى القبّة الخضراء» . فقال له يا أمير المؤمنين: والله ما قلت هذا، وإنما قيل على لساني، فقال له معاوية: أما من جهتي فلا خوف عليك لأني أعلم صيانة ابنتي نفسها، وأعلم أن فتيان الشعراء لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه، وكل من لم يجز، وإنما أكره لك جوار يزيد، وأخاف عليك وثباته، فإنّ له سورة الشباب وأنفة الملوك. وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل وتنقضي القالة عن ابنته. فحذر أبو دهبل وخرج إلى مكة هاربا على وجهه، وكان يكاتب عاتكة، فبينما معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاء
стр. 2385
خصيّ فقال له: يا أمير المؤمنين والله لقد سقط اليوم إلى عاتكة كتاب، فلما قرأته بكت ثم أخذته فجعلته تحت مصلاها، وما زالت خاثرة النفس منذ اليوم، فقال له: اذهب والطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به، فانطلق الخصيّ فلم يزل حتى أصاب منها غرّة، فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية وإذا فيه:
[من الطويل]
أعاتك هلّا إذ بخلت فلم تري ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقّا
رددت فؤادا قد تولّى به الهوى ... وسكّنت عينا لا تملّ ولا ترقا
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوما منك جودا ولا صدقا
أتنسين أيامي بربعك مدنفا ... صريعا بأرض الشام ذا جسد «١» ملقى
وليس صديق يرتضى لوصيّة ... وأدعو لأوتى بالشراب فما أسقى
وأكبر همي أن أرى لك مرسلا ... وطول نهاري جالس أرقب الطرقا
فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
رأيتك تزدادين للصبّ غلظة ... ويزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا
فلما قرأ معاوية هذا الشعر، بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه، فوجده مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الإطراق الذي شجاك؟ فقال: أمر أرمضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما أنتم «٢» في شأنه، قال: وما هو؟ قال:
هذا الفاسق أبو دهبل كتب هذه الأبيات لأختك عاتكة، ولم تزل باكية منذ اليوم، وقد أفسدها فما ترى فيه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنّ الشأن في أمره لهيّن، قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه، فقال له معاوية: أفّ لك، والله إنّ امرءا يريد بك ما يريد، ويسمو بك إلى ما