← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

صارت عظاما بالية، قالت: أقسمت عليك إلّا فعلت، فأنشدها قوله، وهي أبيات ذكرت هاهنا مختارها: [من الطويل] تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة عطرات فأصبح ما بين الهماء وجدوة «١» ... إلى الماء ماء الجزع ذي العشرات له أرج من مجمر الهند ساطع ... تظلع ريّاه من الكفرات «٢» تهادين ما بين المحصّب من منى ... وأقبلن لا شعثا ولا غبرات مررن بفخّ رائحات عشيّة ... يلبّين للرحمن معتمرات يخمّرن «٣» أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن جنح الليل معتجرات تقسم لبّي يوم نعمان إنني ... رأيت فؤادي عارم النظرات جلون وجوها لم تلحها سمائم ... حرور ولم يسفعن بالسّبرات «٤» قالت: والله ما قلت إلّا جميلا، ولا ذكرت إلا كرما وطيبا، ولا وصفت إلا دينا وتقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها، فقالت: عليّ به، فجاءها فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب، فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد فيك، فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه، فإنه أراد أن يستقيد لبنت عمه، هات ممّا قال الحارث، فأنشدها: [من الكامل المرفل] ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدوا بلبك مطلع الشرق في البيت ذي الحسب الرفيع ومن ... أهل التقى والبرّ والصدق

стр. 2382

أترجّة عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحقّ ما صبّحت أحدا برؤيتها ... إلا غدا بكواكب الطلق فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبّحت زوجا غدا بوجهي، غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوّجني إلى المشرق، وأني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع، أعطوه ألف درهم واكسوه حلّتين، ولا تعد تأتينا يا نميري. [٤٨٩]- وكان الحارث بن خالد المخزومي مع منصبه وشرفه وفضله شديد الغزل، خالعا فيه العذار، ولّاه عبد الملك بن مروان مكة، فأذّن له المؤذّن وخرج إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة بنت طلحة أن بقي من طوافي شيء لم أتمّه، فأمر المؤذنين فكفّوا عن الإقامة حتى فرغت من طوافها، والناس يصيحون به ويضجّون، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فعزله، وكتب إليه يؤنّبه فيما فعل، فقال: ما أهون والله غضبه عليّ إذا رضيت عائشة، والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل. [٤٩٠]- وكانت العرب في جاهليتها وإسلامها مع شدة بأسها وغلظ أكبادها ترقّ عند الغزل وتلين، حتى مات كثير منهم كمدا وشغفا، وكانت تستحسن منه ما هو مستهجن عند غيرها من طوائف الأمم، ألا ترى أن الشاعر منهم كان ينسب بالمرأة الجليلة ذات الحسب والعشيرة المنيعة، فلا ينكرون ذلك ولا يغيرونه حتى كانوا ينسبون بنساء الملوك، فلا يكون منهم له نكير. ذكر النابغة الذبياني المتجردة زوجة النعمان بن المنذر في شعره، فقال قصيدة أولها: [من الكامل] أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد

стр. 2383

ووصف أعضاءها وأفحش حتى قال: وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد وهي أبيات قد كتبتها في مكان آخر من هذا الكتاب، وأنشدها النعمان غير مراقب، فقال بعض أعدائه: ما يستطيع أن يقول ذلك إلا من جرّب، فأغراه به. [٤٩١]- وتنسّب أبو دهبل الجمحي بعاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فاحتمله معاوية ووصله وزوّجه ليكفّ ويقطع القالة عن ابنته. روي أن عاتكة بنت معاوية حجّت فنزلت بذي طوى، فمرّ بها أبو دهبل الجمحي في وقت الهاجرة وهي غافلة عنه، فوقف ينظر إليها، فلما تنبّهت له شتمته فانصرف، وقال فيها الشعر، فبلغها فضحكت وبعثت إليه بكسوة، وجرت الرسل بينهما، وكان أبو دهبل من أجمل الناس، فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشام، فنزل قريبا منها، وكانت تعاهده بالبرّ والألطاف، حتى دخلت دمشق وورد معها، فانقطعت عن لقائه، وبعد من أن يراها، ومرض بدمشق مرضا طويلا وقال في ذلك: [من الخفيف] طال ليلي وبتّ كالمحزون ... ومللت المقام في جيرون «١» وأطلت المقام بالشام حتى ... ظنّ أهلي مرجّمات الظنون فبكت خشية التفرّق جمل ... كبكاء القرين إثر القرين وهي زهراء مثل لؤلؤة الغو ... واص ميزت من جوهر مكنون وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون تجعل المسك واليلنجوج والند ... د صلاء لها على الكانون

стр. 2384

ثم خاصرتها إلى القبّة البي ... ضاء تمشي في مرمر مسنون قبّة من مراجل ضربوها ... عند برد الشتاء في قيطون عن يساري إذا دخلت من البا ... ب وإن كنت خارجا فيميني «١» ثم فارقتها على خير ما كا ... ن قرين مقارنا لقرين ولقد قلت إذ تطاول ليلي ... وتقلّبت ليلتي في فنون ليت شعري أمن هوى طار نومي ... أم براني الباري قصير الجفون وشاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه، حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل، فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه واردده إليّ، وجعل الناس يسلّمون وينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف، فناداه معاوية: يا أبا دهبل هلمّ إليّ، فلما دنا أجلسه حتى خلا به، ثم قال: ما ظننت في قريش أشعر منك حيث تقول: ولقد قلت إذ تطاول ليلي وذكر بعض الأبيات، وو الله إنّ فتاة أبوها معاوية، وجدّها أبو سفيان، وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت، فأيّ شيء زدت في قدرها، ولقد أسأت والله في قولك: «ثم خاصرتها إلى القبّة الخضراء» . فقال له يا أمير المؤمنين: والله ما قلت هذا، وإنما قيل على لساني، فقال له معاوية: أما من جهتي فلا خوف عليك لأني أعلم صيانة ابنتي نفسها، وأعلم أن فتيان الشعراء لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه، وكل من لم يجز، وإنما أكره لك جوار يزيد، وأخاف عليك وثباته، فإنّ له سورة الشباب وأنفة الملوك. وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل وتنقضي القالة عن ابنته. فحذر أبو دهبل وخرج إلى مكة هاربا على وجهه، وكان يكاتب عاتكة، فبينما معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاء

стр. 2385

خصيّ فقال له: يا أمير المؤمنين والله لقد سقط اليوم إلى عاتكة كتاب، فلما قرأته بكت ثم أخذته فجعلته تحت مصلاها، وما زالت خاثرة النفس منذ اليوم، فقال له: اذهب والطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به، فانطلق الخصيّ فلم يزل حتى أصاب منها غرّة، فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية وإذا فيه: [من الطويل] أعاتك هلّا إذ بخلت فلم تري ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقّا رددت فؤادا قد تولّى به الهوى ... وسكّنت عينا لا تملّ ولا ترقا ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوما منك جودا ولا صدقا أتنسين أيامي بربعك مدنفا ... صريعا بأرض الشام ذا جسد «١» ملقى وليس صديق يرتضى لوصيّة ... وأدعو لأوتى بالشراب فما أسقى وأكبر همي أن أرى لك مرسلا ... وطول نهاري جالس أرقب الطرقا فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى رأيتك تزدادين للصبّ غلظة ... ويزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا فلما قرأ معاوية هذا الشعر، بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه، فوجده مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الإطراق الذي شجاك؟ فقال: أمر أرمضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما أنتم «٢» في شأنه، قال: وما هو؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب هذه الأبيات لأختك عاتكة، ولم تزل باكية منذ اليوم، وقد أفسدها فما ترى فيه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنّ الشأن في أمره لهيّن، قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه، فقال له معاوية: أفّ لك، والله إنّ امرءا يريد بك ما يريد، ويسمو بك إلى ما

стр. 2386

يسمو لغير ذي رأي، وأنت قد ضاق ذرعك بكلمة، وقصر فيها باعك، حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش، أوما تعلم أنك إن فعلت ذلك صدّقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبدا! قال: يا أمير المؤمنين إنه قد قال قصيدة أخرى، فأنشدها أهل مكة، وسارت حتى بلغتني وأوجعتني، وحملتني على ما أشرت فيه، قال: وما هي؟ قال: قال: [من الطويل] ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل ... وما كلّ من يلحى محبّا له عقل لقد كان في حالين «١» حالا ولم أزر ... هواي وإن خوّفت عن حبها شغل حمى الملك الجبار عني لقاءها ... فمن دونها تخشى المتالف والقتل فلا خير في حبّ نخاف وباله ... ولا في حبيب لا يكون له وصل فواكبدي إني شهرت بحبها ... ولم يك فيما بيننا ساعة بذل ويا عجبا إني أكاتم حبّها ... وقد شاع حتى قطّعت دونها السبل قال له: قد والله رفّهت عني، والله ما كنت آمن أن يكون قد وصل إليها، أما الآن، وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل، فالخطب فيه يسير، قم عني وانصرف. وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وشعرائهم، وكتب فيهم اسم أبي دهبل، ثم دعا بهم، ففرّق في جميعهم صلات سنيّة، وأجازهم جوائز كثيرة، فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف دعا به معاوية، فرجع إليه، فقال: يا أبا دهبل، ما لي أرى أبا خالد يزيد بن معاوية ابن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص تأتيه عنك، وشعر لا تزال قد نطقت به وأنفذته «٢» إلى خصياننا وموالينا؟ لا تعترض لأبي خالد. فجعل

стр. 2387

يعتذر إليه، ويحلف أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليك، وما يضرك هذا عندنا، هل تأهّلت؟ قال: لا، قال: فأيّ بنات عمك أحبّ إليك؟ قال: فلانة، قال: قد زوجكها أمير المؤمنين وأصدقها ألفي دينار، فلما قبضها قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عما مضى، فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق فقد أبحت دمي، وفلانة التي زوجتنيها طالق البتة، فسرّ بذلك معاوية، وضمن له رضى يزيد عنه، ووعده بإدرار ما وصله به في كلّ سنة، فانصرف إلى دمشق، ولم يحجّ معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل. [٤٩٢]- ومن حلاوة الهوى والغزل عندهم وضعوا أخبارا وأشعارا نسبوها إلى المجنون وغيره، وممّا نسب إلى المجنون: أنه لما اختلط في حب ليلى، قيل لأبيه احجج إلى مكة وادع الله ، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة، واسأل الله أن يعافيه ممّا به، ويبغض ليلى إليه، فلعل الله أن يخلصه من هذا البلاء، فحج به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخة ظنوا أنّ نفسه قد تلفت، وسقط مغشيّا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح، وقال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة، واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى، فتعلق بالأستار وقال: اللهم زدني لليلى حبّا وبها كلفا، ولا تنسني ذكرها أبدا، فهام حينئذ واختلط ولم يضبط، فكان يهيم في البرية مع الوحش. [٤٩٣]- وروي أنه مرّ بزوج ليلى وهو جالس يصلي في يوم شات، فوقف عليه ثم قال: [من الوافر] بربّك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبّلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في نداها

стр. 2388

فقال له: اللهم إذ حلّفتني فنعم؛ فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من نار فما فارقهما حتى سقط مغشيّا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجّبا. والأخبار المنسوبة إلى المجنون كثيرة، وهي تخرج عن المعنى الذي قصدت. [٤٩٤]- وأعود إلى مستحسن الأشعار في المعنى، فمن ذلك قول جرير: [من الطويل] كأنّ عيون المجتلين تعرّضت ... لشمس تجلّى يوم دجن سحابها إذا ذكرت للقلب كاد لذكرها ... يطير إليها واعتراه عذابها حمى أهلها ما كان منّا وأصبحت ... سواء علينا نأيها واقترابها [٤٩٥]- وقال ذو الرمة: [من الطويل] عدتني العوادي عنك يا ميّ برهة ... وقد يلتوى دون الحبيب فيهجر على أنني في كلّ سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور فإن تحدث الأيام يا ميّ بيننا ... فلا ناشر سرّا ولا متغيّر أقول لنفسي كلما خفت هفوة ... من القلب في آثار ميّ فأكثر ألا إنما ميّ فصبرا بليّة ... وقد يبتلى المرء الكريم فيصبر [٤٩٦]- وقال أيضا: [من الطويل] وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم ... وما بال تكليم الديار البلاقع فما كلّمتنا دارها غير أنّها ... ثنت هاجسات من خبال مراجع

стр. 2389

عفت غير آجال الصّريم «١» وقد يرى ... بها وضّح اللبّات حور المدامع إذا الفاحش المغيار لم يرتقبنه ... مددن حبال المطمعات الموانع فما القرب يشفي من هوى أم سالم ... وما البعد منها من دواء بنافع من البيض مبهاج عليها ملاحة ... نضار وروعات الحسان الروائع هي الشمس إشراقا إذا ما تزيّنت ... وشبه النّقا مغترّة في الموادع «٢» ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا فيضها بالأصابع ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع «٣» [٤٩٧]- وقال أبو ذؤيب الهذلي: [من الطويل] أبى القلب إلا أمّ عمرو فأصبحت ... تحرّق ناري بالشّكاة ونارها وعيّرها الواشون أني أحبّها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها فإن أعتذر منها فإني مكذّب ... وإن تعتذر يردد عليها اعتذارها فلا يهنأ الواشين أن قد هجرتها ... وأظلم دوني ليلها ونهارها فما أمّ خشف بالعلاية مشدن «٤» ... تنوش البرير حيث نال اهتصارها بأحسن منها يوم قامت فأعرضت ... تواري الدموع حيث جدّ انحدارها [٤٩٨]- ومما ينسب إلى قيس بن الملوّح المجنون: [من الطويل] دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة يوما كي تمحّى ذنوبها

стр. 2390

وناديت يا مولاي أوّل حاجة ... بنفسي ليلى ثم أنت حسيبها تمرّ الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها [٤٩٩]- وقال رجل من بني الحارث: [من الطويل] منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا أمانيّ من سلمى حسان كأنما ... سقتك بها سلمى على ظمإ بردا ٥٠٠- وقال ابن ياسين: [من الطويل] إلهي منحت الودّ مني بخيلة ... وأنت على تغيير ذاك قدير شفاء الجوى بثّ الهوى واشتكاؤه ... وإنّ امرءا أخفى الهوى لصبور [٥٠١]- وينشد للصمّة: [من البسيط] تختال عيني في يوميك واجدة ... تبكي لفرط صدود أو نوى دار ٥٠٢- وقال آخر: [من الطويل] إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما أفي الله أن أنسى ولا تذكرينني ... وعيناي من ذكراك قد ذرفت دما أبيت فما تنفكّ لي منك حاجة ... رمى الله بالحبّ الذي كان أظلما [٥٠٣]- عبد العزيز بن [خلوف] النحوي المغربي: [من الكامل] إنّ التي فتنته ودّ حماتها ... لو تستعير سيوفهم لحظاتها

стр. 2391

الجانيات هوى أمرّ مذاقة ... من صدّها وألذّ من رشفاتها الواقعات بنا نوافذ تلتقي ... في القلب أكلمها وحبّ رماتها إني لأرضى أن أبيع بلحظة ... منها مدامع مقلتي وسناتها إنّ الأمرّ من الحمام مذاقة ... لفراق دنيا تلك من لذاتها بيني وبين سلوّها ما بينها ... في حسن صورتها وحسن لداتها [٥٠٤]- وقال الأحوص بن محمد: [من الطويل] لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإني إلى معروفها لفقير وقد أنكرت بعد اعتراف زيارتي ... وقد وغرت فيها عليّ صدور أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور أزور البيوت اللاصقات بأرضها «١» ... وقلبي إلى البيت الذي لا أزور «٢» وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور [٥٠٥]- وقال أبو اسحاق الحصري الأنصاري المغربي: [من الكامل المجزوء] هتفت سحيرا والربى ... للقطر رافعة العيون يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون ذكّرنني عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين فكأنما صاغت على ... شجوي شجى تلك اللحون وتصرّمت أيامه ... فكأنها رجع الجفون

стр. 2392

[٥٠٦]- وقال آخر: [من الطويل] وددتك لما كان حبّك خالصا ... وأعرضت لما صار نهبا مقسّما ولا يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كثرة الورّاد أن يتهدّما ٥٠٧- قال بعض العرب لبنيه: صفوا لي شهواتكم من النساء، فقال الأكبر: تعجبني القدود والخدود والنهود، وقال الأوسط: تعجبني الأطراف والأعطاف والأرداف، وقال الأصغر: تعجبني الثغور والنحور والشعور. [٥٠٨]- روي أنّ سكينة بنت الحسين مرّت بعروة بن أذينة، فقالت: يا أبا عامر أنت الذي تقول: [من البسيط] إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني تبرّدت برد «١» الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد وأنت القائل: [من البسيط] قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّى هواك وما ألقى على بصري قال: نعم، قالت: هن حرائر- وأشارت إلى جواريها- إن كان هذا خرج من قلب سليم. [٥٠٩]- أنشد الجاحظ: [من الكامل المرفل]

стр. 2393

قامت تخاصرني لقبّتها ... خود تأطّر غادة بكر كلّ يرى أنّ الشباب له ... في كلّ مبلغ لذّة عذر [٥١٠]- وقال الحسن بن هانىء: [من المديد] ظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّنن نام لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن كلّ يوم يسترقّ له ... حسنه عبدا بلا ثمن [٥١١]- وقال أبو الطيب: [من الطويل] لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحبّ ما لم يبق مني وما بقي وبين الرضى والسّخط والقرب والنّوى ... مجال لدمع المقلة المترقرق وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي [٥١٢]- وقال البحتري: [من الكامل] أرسوم دار أم سطور كتاب ... ذهبت بشاشتها مع الأحقاب يجتاز زائرها بغير لبانة ... ويردّ سائلها بغير جواب ولربّما كان المكان محبّبا ... فينا بمن فيه من الأحباب ترنو فتنقلب القلوب للحظها ... مرضى السلوّ صحائح الأوصاب رفعت من السجف المنيف وسلّمت ... بأنامل فيهنّ درس خضاب وتعجّبت من لوعتي فتبسّمت ... عن واضحات لو لثمن عذاب

стр. 2394

لو تسعفين وما سألت مشقة ... لعدلت حرّ جوى ببرد رضاب ولئن شكوت ظماي إنك للّتي ... قدما جعلت من السّراب شرابي [٥١٣]- وقال أيضا: [من الطويل] تمادى بها وجدي وملّك وصلها ... خلي الحشا في وصلها جدّ زاهد وما الناس إلا واجد غير مالك ... لما يبتغي أو مالك غير واجد [٥١٤]- وقال أيضا: [من الكامل] لغريرة أدنو وتبعد في الهوى ... وأجود بالوصل «١» المصون وتبخل وعليلة الألحاظ ناعمة الصبا ... غري الوشاة بها ولجّ العذّل لا تكذبنّ فأنت ألطف في الحشا ... عهدا وأحسن في الضمير وأجمل لو شئت عدت إلى التناصف في الهوى ... وبذلت من مكنونه ما أبذل أحنو عليك وفي فؤادي لوعة ... وأصدّ عنك ووجه ودّي مقبل وإذا هممت بوصل غيرك ردّني ... ولهي عليك وشافع لك أوّل وأعزّ ثم أذلّ ذلّة عاشق ... والحبّ فيه تعزّز وتذلّل [٥١٥]- وقال أيضا: [من المتقارب] أحبّ على أيّ «٢» ما حالة ... إساءة ليلى وإحسانها أراك وإن كنت ظلّامة ... صفيّة نفسي وخلّانها «٣»

стр. 2395

ويعجبني فيك أن أستديم ... صبابات نفسي وأشجانها وما سرّني أنّ قلبي أعير ... عزاء القلوب وسلوانها [٥١٦]- وقال أبو تمام: [من البسيط] ما أقبلت أوجه اللذّات سافرة ... مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر ... فانظر على أيّ حال أصبح الطلل كأنما جاد مغناه فغيّره ... دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل [٥١٧]- وقال أيضا: [من الوافر] أرامة كنت مألف كلّ ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم أدار البؤس غيرّك التصابي ... إليّ فصرت جنّات النعيم لئن أصبحت ميدان السّوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم ومما ضرّم البرحاء أنّي ... شكوت فما شكوت إلى رحيم أظنّ الدمع في خدّي سيبقى ... رسوما من بكائي في الرسوم وليل بتّ أكلأه كأني ... سليم أو سهرت على سليم فأقسم لو سألت دجاه عنّي ... لقد أنباك عن وجد عظيم «١» [٥١٨]- وقال ابن الرومي: [من الطويل] ثنى شوقه والمرء يصحو ويسكر ... رسوم كأخلاق الصحائف دثّر لأيدي البلى فيها سطور مبينة ... عبارتها أن كلّ بيت سيهجر

стр. 2396

وقفت بها صحبي فظلّت عراصهم ... بدمعي وأنفاسي تراح وتمطر [٥١٩]- وقال أيضا: [من المنسرح] مذ صرت همّي في النوم واليقظه ... أتعبت مما أهذي بك الحفظه كم واعظ فيك لي وواعظة ... لو كنت ممّن تنهاه فيك عظه وكيف بالصبر عنك يا حسنا ... يأمر بالسيّئات من لحظه يا من حلا في الفؤاد منظره الحلو ... فما مجّه ولا لفظه ويحي إلى كم تصيد رقته ... قلبي وقلب كم أشتكي غلظه [٥٢٠]- وقال أيضا: [من الطويل] جعلت لها صدري مرادا تروده ... وبوّأتها من حبّة القلب منزلا فما علقت من قبلها النفس معلقا ... ولا اتخذت من بعدها متعلّلا [٥٢١]- وقال: [من الكامل] نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عني «١» فكدت أهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم [٥٢٢]- وقال أبو عثمان الخالدي: [من البسيط] أنباك شاهد أمري عن مغيّبه ... وجدّ جدّ الهوى بي في تلعّبه

стр. 2397

يا نازحا نزحت دمعي قطيعته ... هب لي من الدمع ما أبكي عليك به ولي فؤاد إذا لجّ الغرام به ... هام اشتياقا إلى ذكرى معذّبه ٥٢٣- وقال أبو بكر اليوسفي: [من الطويل] سقى البارق العلويّ عذبا من الحيا ... محلّتنا بين العذيب وبارق وأغنى مغانيها وأرضى رياضها ... وشقّ بلطم القطر خدّ الشقائق محلّة إيناس ومغنى أوانس ... ومركز رايات ومرعى أيانق فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق ومنها: فلم أنتبه إلا وذكراك صاحبي ... ولم أغتمض إلا وطيفك طارقي أغار على رياك من كلّ ناشق ... لها وعلى ذكراك من كلّ ناطق [٥٢٤]- وقال ابن نباتة: [من الكامل المجزوء] كيف السلوّ وأين بابه ... والحيّ قد خطفت ركابه زعم المخبر أنه ... ضربت على سلع قبابه فطلبتهم كالأيم أو ... كالسيل في الليل انسيابه فإذا أحمّ المقلتين ... يشين أنمله خضابه يهتزّ مثل السمهريّ ... تدافعت فيه كعابه وقف الولائد دونه ... كالقلب يستره حجابه أقبلت أسأله وأعلم ... أنّ حرماني جوابه ويلي على متلوّن الأخلاق ... يعجبه شبابه لا رسله تترى إلينا ... بالسلام ولا كتابه

стр. 2398

[٥٢٥]- وقال أيضا: [من الطويل] وبدر تمام بتّ ألثم رجله ... وأكبره عن أن أقبّل خدّه تعشّقت فيه كلّ شيء يحبّه ... من الجور حتى صرت «١» أعشق صدّه ولا بدّ لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخلّ أودع الحلم عنده [٥٢٦]- وقال أبو الحسن السلامي: [من الكامل] أنسيم هل الصلح عندك موضع ... فيزور طيف أو يهبّ نسيم والشيب دونك وهو موت مضمر ... والهجر وهو تفرّق مكتوم ٥٢٧- وقال من أبيات: [من الوافر] وسمّوه مع القربى غريبا ... كنور العين سمّوه سوادا [٥٢٨]- كان سعيد بن حميد الكاتب يتعشق فضل الشاعرة مولاة المتوكل وتهواه، فكتبت إليه تعاتبه على حضوره مع مغنية وتجميشه إياها، وكتبت في آخرها: [من الخفيف] خنت عهدي وليس ذاك جزائي ... يا صناع اللسان مرّ الفعال وتبدّلت بي بديلا فلا يهنك ... ما اخترته من الأبدال فأجابها يعتذر بجواب طويل، وكتب في آخره: [من الطويل]

стр. 2399

تظنّون أني قد تبدّلت بعدكم ... بديلا وبعض الظنّ إثم ومنكر إذا كان قلبي في يديك رهينة ... فكيف بلا قلب أصافي وأهجر [٥٢٩]- وقال أبو الفرج الدمشقي المعروف بالوأواء: [من الطويل] رعى الله من لم يرع لي ما رعيته ... وإن كان في كفّ المنيّة مودعي فيا أسفي زدني جوى كلّ ليلة «١» ... ويا كبدي وجدا عليه تقطّعي [٥٣٠]- وقال أيضا: [من البسيط] هبني أخادع طرفي في تأمّله ... فكيف أخدع قلبا ليس ينخدع يا من إذا رمت عنه الصبر يمنعني ... شوق مجيب وصبر عنه ممتنع «٢» [٥٣١]- وقال العباس بن الأحنف: [من المنسرح] أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق [٥٣٢]- وقال المرتضى أبو القاسم الموسوي: [من الطويل] فيا ربّ إن لقّيت وجها تحية ... فحيّ وجوها بالمدينة سهّما تجافين عن مسّ الدهان وطالما ... عصمن عن الحنّاء كفّا ومعصما وكم من جليد لا يخامره الهوى ... شننّ عليه الوجد حتى تتيّما

стр. 2400

أهان لهنّ النفس وهي كريمة ... وألقى إليهنّ الحديث المكتّما ٥٣٣- وقال أبو عبد الله ابن الحجاج: [من السريع] يا ظالما قلبي إلى جوره ... يحنّ مشتاق ويرتاح أفسدتني بعد صلاحي وهل ... يرجى لإفسادك إصلاح ٥٣٤- وقال أيضا: [من الوافر] بنفسي من أحبّ العيش فيه ... وأكره ما يشير به النصيح يطيب لي الكريه به ويحلو ... ويحسن منه في عيني القبيح ولم أر كالمليح الوجه مهما ... أتاه فإنه حسن مليح ٥٣٥- وقال [من الطويل] تأوّبه هذا الهوى فهو قاتله ... وعاوده جهل التصابي وباطله وأخلق بأمر لم تؤدّ فروضه ... إلى أهله ألا تؤدّى نوافله فقد أنبأتني في هواك بما جنت ... أواخره حتما عليّ أوائله وإنّ أخا التحصيل من بات قبلنا ... ينبهه عن آجل الأمر عاجله ٥٣٦- وقال: [من الطويل] إلى الله أشكو مقلة لا دموعها ... تجفّ ولا تقري كراها جفونها ونفسا إلى أحبابها مذ تحملوا ... يطول على بعد المزار حنينها وكانت تمنّيها الشكوك سفاهة ... وتوطئها بسط الغرور ظنونها مواعيد قد ملّ التقاضي غريمها ... وشدّت بأمراس المطال ديونها ٥٣٧- وقال أيضا: [من المنسرح] أفدي بنفسي من لا أسميّه ... أكتم وجدي به وأخفيه أستره بين أضلعي شفقا ... والدمع بين الوشاة يبديه

стр. 2401

ظبي سقاني المدام من يده ... ممزوجة بالرحيق من فيه قد ملك الحسن لا ينافسه ... يوسف فيه ولا يباريه فالبدر في التمّ من صنائعه ... والشمس في الدّجن من جواريه يمنع ماعونه ويسألني ... سواد عيني اليمنى فأعطيه قد عيل صبري ممّا أعاتبه ... وضاق صدري ممّا أداريه يحسن لي وجهه الجميل كما ... يسيء لي في الهوى تجنّيه وكلما رمت أن أعاتبه ... على تماديه في تعدّيه جاءت على غفلة محاسنه ... تسألني الصفح عن مساويه ٥٣٨- وقال مقداد بن المطاميري، وهو ممّن عاصرناه، وكان قليل البضاعة في الأدب على حلاوة ألفاظه ورشاقة معانيه: [من البسيط] إن حال في الحبّ عما كنت أعهده ... وبات يرقد ليلا لست أرقده فلا طويت الحشا إلا على حرق ... يبلي من الصبر عنه ما أجدّده يا عاذلي إنّ يوم البين ضلّ هوى ... قلبي المعنّى فقل لي أين أنشده زار الخيال طليحا قلّما أنست ... جفونه بالكرى أو لان مرقده أهلا به زائرا تدنيه من جسدي ... ضمائري وخفوق القلب يبعده ٥٣٩- وقال أيضا: [من المتقارب] ومجدولة مثل جدل العنان ... صبوت إليها فأصبيتها إذا لام في حبّها العاذلات ... أسخطتهنّ وأرضيتها كأني إذا ما نهيت العيون ... عن الدمع بالدمع أغريتها [٥٤٠]- لما صرمت الثريا عمر بن أبي ربيعة قال فيها: [من الخفيف]

стр. 2402

من رسولي إلى الثريّا فإني ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب سلبتني مجّاجة المسك عقلي ... فسلوها ماذا أحلّ اغتصابي وهي مكنونة تحيّر منها ... في أديم الخدّين ماء الشباب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب فلما سمع ابن أبي عتيق قوله قال: إيّاي أراد وبي نوّه، لا جرم، والله لا أذوق أكلا حتى أشخص وأصلح بينهما، ونهض. قال بلال مولاه: ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فره يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم، فقلت له: استوضعهم أو دعني أماكسهم فقد اشتطوا عليك، فقال: ويحك، أما علمت أنّ المكاس ليس من أخلاق الكرام، ثم ركب إحداهما، وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت: أبق على نفسك، فإنّ ما تريد ليس يفوت، فقال: ويحك [من الطويل] أبادر حبل الودّ أن يتقضّبا وما حلاوة الدنيا إن تمّ الصدع بين عمر والثريّا؟! فقدمنا مكة [ليلا] غير محرمين، فدقّ على عمر بابه، فخرج إليه فسلم عليه ولم ينزل عن راحلته، وقال: اركب أصلح بينك وبين الثريّا فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركبا معا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر أوصى أم نوفل، فكانت تطلب له الحيلة لإصلاحها فلا يمكنها. فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشّمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفا بذنب لم يجنه، معتذرا إليك من إساءتك إليه، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون. فصالحته أتمّ صلح وأحسنه وأجمله، وكررنا إلى المدينة. [٥٤١]- تزوّج زيد بن عمرو بن عثمان سكينة بنت الحسين، فعتب عليها

стр. 2403

يوما، فخرج إلى مال له، فذكر أشعب أنّ سكينة دعته فقالت: إنّ ابن عثمان خرج عاتبا عليّ فاعلم لي حاله، قلت: لا أستطيع أن أذهب إليه الساعة، قالت: فأنا أعطيك ثلاثين دينارا، قال: فأعطتني إيّاها، فأتيته ليلا فدخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا أشعب، فنزل عن فرشه وصار في الأرض وقال: شعيب؟ قلت: نعم، قال: ما جاء بك؟ قلت: أرسلتني سكينة بنت الحسين لأعلم خبرك، أتذكرت منها ما تذكّرت منك؟ وأنا أعلم أنك قد وجلت «١» حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض، فقال: دعني من هذا وغنّني: [من السريع] عوجا به فاستنطقاه فقد ... ذكّرني ما كنت لم أذكر فغنّيته فلم يطرب، ثم قال: غنّني ويلك غير هذا، فإن أصبت ما في نفسي فلك حلّتي هذه، وقد اشتريتها آنفا بثلاثمائة دينار، فغنّيته: [من الخفيف] علق القلب بعض ما قد شجاه ... من حبيب أمسى هوانا هواه ما ضراري نفسي بهجران من ليس ... مسيئا ولا بعيدا نواه واجتنابي بيت الحبيب وما الخلد ... بأهوى إليّ من أن أراه قال: ما عدوت والله ما في نفسي، خذ الحلّة، فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصة فقالت: أين الحلّة؟ قلت: معي، فقالت: أفأنت الآن تريد أن تلبس حلّة ابن عثمان، لا والله ولا كرامة، فاشترتها مني بثلاثمائة دينار. [٥٤٢]- وروي أنّ رجلا كان له جارية يهواها وتهواه، فغاضبها يوما وتمادى الهجر بينهما، واتفق أن دخلت إليها مغنيّة فغنّتها:

стр. 2404

ما ضراري نفسي [بهجران من ليس ... ] البيت المتقدّم ذكره، فقالت الجارية: لا شيء والله إلا الحمق، وقامت إلى مولاها وقبّلت رأسه واصطلحا. [٥٤٣]- أحبّ المتوكل أن ينادم الحسين بن الضحاك، وأن يرى ما بقي من ظرفه وشهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، وسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه حتى سكر، وحيّاه بوردة، وكان على شفيع ثياب موردة، فمدّ الحسين يده إلى ذراع شفيع، فقال له المتوكل: ويحك يا حسين أتجمّش أخصّ خدمي عندي بحضرتي؟ فكيف لو خلوت؟ ما أحوجك إلى أدب، وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال الحسين بن الضحاك: يا سيدي أريد دواة وقرطاسا، فأمر له بذلك، فكتب بخطه: [من الطويل] وكالوردة الحمراء حيّا بوردة ... من الوشي «١» يمشي في قراطق كالورد له عبثات عند كلّ تحيّة ... بعينيه يستدعي الحليم إلى الوجد تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة ... تذكّرني ما قد نسيت من العهد سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلة ... من الدهر إلا «٢» من حبيب على وعد ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له: ادفعها إلى مولاك، فلما قرأها استملحها وقال له: أحسنت والله يا حسين، لو كان شفيع ممّن تجوز هبته لوهبته لك، ولكن بحياتي يا شفيع إلا كنت ساقيه بقيّة يومه هذا واخدمه كما تخدمني، وأمر له بمال، فحمل معه لما انصرف.

стр. 2405

[٥٤٤]- ومن شعر الحسين بن الضحاك: [من مجزوء الخفيف] لا وحبّيك لا أصا ... فح للدمع مدمعا من بكى شجوه استراح ... وإن كان موجعا كبدي من هواك أسقم ... من أن تقطعا لم تدع سورة الضنى ... فيّ للسقم موضعا [٥٤٥]- سعت أمة لبثينة بها إلى أخيها وأبيها، وقالت لهما: إنّ جميلا عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدّثها ويشكو إليها بثّه، ثم قال لها: يا بثينة أرأيت ودّي إيّاك وشغفي بك؟ ألا تجرّبينه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون من المتحابّين، فقالت له: يا جميل: أهذا تبغي؟ والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا، فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني إليه، لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو علمت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك قائمه في يدي، ولو أطاعني قلبي لهجرتك هجرا للأبد، أوما سمعت قولي؟ [من الطويل] وإني لراض من بثينة بالذي ... لو استيقن الواشي لقرّت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله فقال أبوها لأخيها: قم فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.

стр. 2406

[٥٤٦]- قال إسحاق الموصلي: صرت إلى الواثق فقال: بأيّ شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت يا أمير المؤمنين: جلس إليّ فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وظرفا وأدبا، فاستنشدته فأنشدني: [من الطويل] سقى العلم الفرد الذي في ظلاله ... غزالان مكحولان مؤتلفان إذا أمنا التفّا بجيدي تواصل ... فطرفاهما للرّيب يسترقان أرغتهما ختلا فلم أستطعهما ... ورميا ففاتاني وقد قتلاني ثم تنفّس نفسا ظننت أنّ حيازيمه قد تقطّعت، فقلت: ما لك بأبي أنت؟ فقال: وراء هذين الجبلين لي شجن، وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد، وقد نذر دمي، وأنا أتمتع بالنظر إلى هذين الجبلين تعلّلا بهما إذا قدم الحجاج، ثم يحال بيني وبين ذلك، فقلت له: زدني مما قلت في ذلك فأنشدني: [من الطويل] إذا ما وردت الماء في بعض أهله ... حضور فعرّض بي كأنّك مازح فإن سألت عنّي حضور فقل لها ... به غبّر من دائه وهو صالح فأمرني الواثق فكتبت الشعرين وغنّي الواثق بهما بعد أيام، ووصلني بصلتين، وذكر خبرا طويلا ليس هذا موضعه. [٥٤٧]- قال حمّاد الراوية: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فتذاكروا العذريين، فقال عمر بن أبي ربيعة: كان لي صديق من بني عذرة يقال له الجعد بن مهجع، وكان أحد بني سلامان، وكان يلقى مثل الذي ألقى من الصبابة بالنساء والوجد بهنّ، على أنه كان لا

стр. 2407

عاهر الخلوة، ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم في كلّ سنة، فإذا راث «١» عن وقته رجّمت «٢» عنه الأخبار، وتوكّفت الأسفار حتى يقدم، فغمّني ذات سنة إبطاؤه حتى قدم حجّاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا غلام قد تنفّس الصّعداء ثم قال: عن أبي المسهر تسأل؟ قلت: نعم وإياه أردت، قال: هيهات أصبح والله أبو المسهر لا مؤيسا فيهمل، ولا مرجوّا فيعلّل، أصبح والله كما قال القائل: [من الطويل] لعمرك ما حبّي لأسماء تاركي ... أعيش ولا أقضي به فأموت قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهوّركما «٣» في الضلال وجرّكما أذيال الخسار، فكأنما «٤» لم تسمعا بجنة ولا نار! قلت: من أنت منه يا ابن أخي؟ قال: أخوه، قلت: أما والله يا ابن أخي ما يمنعك أن تسلك مسلك أخيك من الأدب، وأن تركب مراكبه «٥» ، إلا أنك وأخاك كالبرد والبجاد لا يرفعك ولا ترفعه، ثم صرفت وجه ناقتي وأنا أقول: [من الطويل] أرائحة حجّاج عذرة وجهة ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع ألا ليت شعري أيّ شيء أصابه ... فلي زفرات هجن ما بين أضلعي فلا يبعدنك الله خلّا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي «٦» ثم انطلقت حتى وقفت موقفي من عرفات، فبينا أنا كذلك إذا أنا بإنسان قد

стр. 2408

تغيّر لونه وساءت هيئته، فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما ثم عانقني وبكى حتى اشتدّ بكاؤه، فقلت: ما وراءك؟ فقال: برّح العذل وطول المطل، ثم أنشأ يقول: [من الوافر] لئن كانت عديّة ذات لبّ ... لقد علمت بأنّ الحبّ داء ألم تنظر إلى تغيير جسمي ... وأني لا يفارقني البكاء وأني لو تكلّفت الذي بي ... لقفّ الكلم وانكشف الغطاء وإنّ معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصبابة واللقاء إذا العذريّ مات خليّ بال ... فذاك العبد يبكيه الرشاء فقلت: يا أبا المسهر: إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت وأنت بمنى كنت قمينا أن تظفر بحاجتك، وأن تنصر على عدوّك، قال: فتركني وأقبل على الدعاء؛ فلما تدلت «١» الشمس للغروب، وهمّ الناس أن يفيضوا، سمعته يتكلّم بشيء، فأصغيت إليه فإذا هو يقول: [من الرجز] يا ربّ كلّ غدوة وروحه ... من محرم يشكو الضّحى ولوحه أنت حسيب الخلق يوم الدوحه فقلت: وما يوم الدوحة؟ فقال: والله لأخبرنّك وإن لم تسألني، فيمّمنا نحو مزدلفة، فأقبل عليّ وقال: إني رجل ذو مال كثير من نعم وشاء، وذو المال لا يسعه «٢» القلّ، ولا يرويه الثماد، وإني خشيت عاما أوّل على مالي التلف، وقطر الغيث أرض كلب، فانتجعت أخوالي منهم، فأوسعوا لي عند صدر المجلس، وسقوني جمّة الماء، وكنت فيهم في خير حال، ثم إني عزمت على موافقة إبلي

стр. 2409

بماء لهم يقال له الحوذان، فركبت فرسي، وسمطت خلفي شرابا كان أهداه إليّ بعضهم، ثم مضيت حتى إذا كنت بين الحيّ ومرعى الغنم، رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها، وجلست في ظلّها، فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحيّ، ثم رفعت لي شخوص ثلاثة، ثم تبيّنت فإذا فارس يطرد مسحلا «١» وأتانا، فتأمّلته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزّ سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصره، فقلت: غلام حديث عهد بعرس أعجلته لذّة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته، فما جاز عني إلّا قليلا حتى طعن المسحل وثّنى طعنة للأتان، فصرعهما وأقبل راجعا نحوي وهو يقول: [من السريع] نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت فلو نزلت، فثنى رجله ونزل، وشدّ فرسه بغصن من أغصان الشجرة، وألقى رمحه وأقبل حتى جلس، فجعل يحدّثني حديثا ذكرت فيه قول أبي ذؤيب: [من الطويل] وإنّ حديثا منك لو تعلمينه «٢» ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره، ثم رجعت وقد حسر العمامة عن رأسه، فإذا غلام كأنّ وجهه الدينار المنقوش، فقلت: سبحانك اللهم ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك! فقال لي: ممّ ذاك؟ قلت: ممّا راعني من جمالك وبهرني من نورك، قال: وما الذي روّعك من حبيس التراب وأكيل الدوابّ؟ ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أم يبأس؟ قلت: لا يصنع الله بك إلا خيرا؛ ثم تحدّثنا ساعة، فأقبل عليّ فقال: ما هذا أراه قد سمطته خلفك في سرجك؟ قلت: شراب

стр. 2410

أهداه إليّ بعض أهلك، فهل لك فيه من أرب؟ قال: أنت وذاك، فأتيته به فشرب منه وجعل ينكت أحيانا بالسوط على ثناياه، فكان والله يتبيّن لي ظلّ السوط فيهنّ، فقلت: مهلا فإني خائف أن تكسرهنّ، فقال: ولم؟ قلت: لأنهنّ رقاق عذاب، قال: ثم رفع عقيرته يتغنّى: [من الطويل] إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يحرج «١» وكان له أجرا فإن زاد زاد الله في حسناته ... مثاقيل يمحو الله عنه بها الوزرا ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره، ثم رجع إليّ فبرقت لي بارقة من تحت الدرع فإذا ثدي كأنه حقّ عاج فقلت: ناشدتك الله امرأة أنت؟ قالت: إي والله إلا أنها تكره العهر «٢» وتحبّ الغزل، ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفتقد من أنسها شيئا، حتى نظرت إلى عينيها كأنهما عينا مهاة مذعورة، فو الله ما راعني إلا ميلها على الدوحة سكرى، فزيّن والله لي الغدر وحسن في عيني، ثم إنّ الله عصمني، فجلست منها حجرة، فما لبثت إلا يسيرا حتى انتبهت فزعة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها وقالت: جزاك الله عن الصحبة خيرا، قلت: ولم لا تزوّديني منك زادا، فناولتني يدها فقبّلتها، فشممت والله منها ريح المسك المفتوت، فذكرت قول الشاعر: [من البسيط] كأنها إذ تقضّى النوم وانتبهت ... وسنانة ما بها عين ولا أثر فقلت: أين الموعد؟ قالت: إنّ لي إخوة شرسا وأبا غيورا، والله لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك، ثم انصرفت فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي والله يا ابن أبي ربيعة أحلّتني هذا المحلّ وأبلغتني هذا المبلغ. فقلت: يا أبا المسهر إنّ الغدر بك مع ما تذكر لمليح، فبكى واشتدّ بكاؤه. فقلت له: لا تبك، ما قلت

стр. 2411

لك إلا مازحا، ولو لم أبلغ حاجتك إلا بمالي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه، فقال لي خيرا. فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي، وشدّ على ناقته، ودعوت غلامي فشدّ على بعير له، وحملت عليه قبّة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة المخزومي، وحملت معي ألف دينار ومطرف خزّ، وانطلقنا حتى أتينا بلاد كلب، فنشدنا عن أبي الجارية فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيّد الحيّ، وإذا الناس حوله، فوقفت على القوم فسلّمت، فردّ الشيخ السلام، ثم قال: ممّن الرجل؟ قلت: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاءك؟ فقلت: خاطبا، قال: الكفاء والرغبة، قلت: إني لم آت ذلك لنفسي عن غير زهادة فيك ولا جهالة بشرفك، ولكني أتيتك في حاجة ابن أختكم العذري، وها هو ذاك، فقال: إنه والله لكفيء الحسب رفيع البيت، غير أنّ بناتي لم يقعن إلا في هذا الحيّ من قريش، فوجمت لذلك، وعرف التغيّر في وجهي فقال: أما إني سأصنع بك ما لم أصنع بغيرك، قلت: فما ذاك؟ فقال: أخيّرها، فهي وما اختارت، قلت: ما أنصفتني أو تختار لغيري وتولي الخيار غيرك، فأشار إليّ العذري: أن دعه يخيّرها، فأرسل إليها أنّ من الأمر كذا وكذا، فأرسلت إليه ما كنت أستبد برأي دون القرشي، والخيار في قوله وحكمه، فقال لي: إنها قد ولّتك أمرها، فاقض ما أنت قاض. فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: أشهد أني قد زوّجتها من الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذه الألف دينار، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبة، وكسوت الشيخ المطرف؛ وسألته أن يبتني بها من ليلته، فأرسل إلى أمها فأتته فقالت: تخرج ابنتي كما تخرج الأمة؟ فقال الشيخ: جهّزي «١» في جهازها، فما برحت حتى ضربت قبّة في وسط الحريم، ثم أهديت إليه ليلا، وبتّ أنا عند الشيخ، فلما أصبحت أتيت القبة، فصحت بصاحبي فخرج إليّ، وقد أثّر السرور في وجهه، فقلت: كيف

стр. 2412

كنت بعدي؟ وكيف هي بعدك؟ فقال: أبدت والله لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم لقيتها، فسألتها عن ذلك فأنشأت تقول: [من الطويل] كتمت الهوى لما رأيتك جازعا ... وقلت فتى بعض الصديق يريد وأن تطّرحني أو تقول فتيّة ... يضرّ بها برح الهوى فتعود فورّيت عما بي وفي داخل الحشا ... من الوجد برح فاعلمنّ شديد فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك فيهم، وانطلقت وأنا أقول: [من الطويل] كفيت أخا العذريّ ما كان نابه ... وإني لأعباء النوائب حمّال وقال العذريّ: [من الطويل] إذا ما أبو الخطّاب خلّى مكانه ... فأفّ لدنيا ليس من أهلها عمر فلا حيّ فتيان الحجازين بعده ... ولا سقيت أرض الحجازين بالمطر [٥٤٨]- كان الرشيد يجد بماردة أمّ المعتصم وجدا شديدا، فغضبت عليه وغضب عليها، وتمادى بهما الهجر، فأمر جعفر بن يحيى العباس بن الأحنف فقال: [من الكامل] راجع أحبّتك الذين هجرتهم ... إن المتيّم قلّ ما يتجنّب إنّ التجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السلوّ له فعزّ المطلب وأمر ابراهيم الموصلي فغنّى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فقالت: من السبب في ذلك؟ فعرفته فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم «١» .

стр. 2413

[٥٤٩]- هوي ديك الجنّ، وهو عبد السلام بن رغبان، امرأة نصرانية واستهيم بها ودعاها إلى الإسلام ليتزوّجها، ففعلت وفعل، ثم إنه سافر عنها إلى دمشق وخلّفها بحمص، وكان له ابن عمّ يعاديه، فسعى بها إليه ليكدّر حاله، وادّعى عليها الفساد، ووضع من أشاع عنها الفساد، حتى عاد ديك الجنّ إلى حمص، ورصده ابن عمّه وقت وصوله، ووضع الرجل الذي أشير بالتهمة إليه، فدقّ الباب عليها وديك الجنّ يسائلها عما قرفت به وهي تنكر، فحين طرق الباب فقال: أنا فلان، فقال لها ديك الجنّ: يا زانية زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئا، ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها، وقال في ذلك أشعارا كثيرة، فمن قوله فيها: [من مجزوء الخفيف] لك نفس مواتيه ... والمنايا معاديه أيها القلب لا تعد ... لهوى البيض ثانيه ليس برق يكون أخلب ... من برق غانيه خنت سرا من لم يخنك ... فموتي علانيه ثم إنه عرف الخبر على حقيقته وتيقّنه فندم، ومكث شهورا لا يستفيق من البكاء ولا يطعم إلا ما يقيم رمقه من بلغة يسيرة، وقال في ندمه على قتلها: [من الكامل] يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الرّدى بيديها روّيت من دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها قد بات سيفي في مجال وشاحها ... ومدامعي تجري على خدّيها فوحقّ نعليها فما وطىء الحصى ... شيء أعزّ عليّ من نعليها ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها

стр. 2414

لكن ضننت على العيون بحسنها ... وأنفت من نظر العيون «١» إليها وقد رويت هذه الأبيات لفتى من غطفان يقال له: السليك بن مجمع، وكان من الفرسان، وكان مطلوبا بدماء، وكان يخطب بنت عمّ له يهواها، فيمنعها أبوها ثم زوّجها خوفا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلّهم يطالبه بذحل، فحلّقوا عليه، وقاتلهم فقتل منهم عددا، وأثخن بالجراح حتى أيقن بالموت، فعاد إليها وقال: ما أسمح بك نفسا لهؤلاء، وإني أحبّ أن أقدمك قبلي، قالت: افعل، فلو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك، فضربها بسيفه حتى قتلها، وقال هذه الأبيات، ثم عمد إليها وتمرّغ في دمها، ثم تقدّم فقاتل حتى قتل، وحفظت فزارة الأبيات فنقلوها؛ وقيل: بل أدركه قومه وبه رمق، فسمعوه يردّد هذه الأبيات، فحفظوها عنه، وبقي عندهم يوما ومات. [٥٥٠]- ومن شعر ديك الجن في المقتولة: [من الكامل] أشفقت أن يرد الزّمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره قمر أنا استخرجته من دجنة ... لبليّتي وجلوته من خدره فقتلته وله عليّ كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والحزن يسفح عبرتي في نحره لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحيّ منه بكى له في قبره غصص تكاد تفيض منها نفسه ... وتكاد تخرج قلبه من صدره

стр. 2415

[٥٥١]- قال معبد اليقطيني المغني: كنت منقطعا إلى البرامكة أخدمهم «١» وألازمهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدقّ، فخرج غلامي ثم رجع إلي، فقال: على الباب رجل ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل عليّ شاب قلّما رأيت أحسن وجها، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل زيّا منه، من رجل دنف عليه أثر السقم، فقال لي: إني أحاول لقاءك منذ مدة، فلا أجد إليه سبيلا، وإنّ لي حاجة، قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يديّ ثم قال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنّيني به، قلت: هاتهما، فأنشدني: [من البسيط] والله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئنّ بدمعي لوعة الحزن أو لأبوحنّ حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني قال: فصنعت فيهما لحنا ثم غنّيته إياه، فأغمي عليه حتى ظننت أنه قد مات، ثم أفاق فقال: أعد، فديتك! فناشدته الله في نفسه، وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات، أنا أشقى من ذلك، وما زال يخضع ويتضرّع حتى أعدته، فصعق صعقة أشدّ من الأولى، حتى ظننت نفسه قد فاضت، فلما أفاق رددت الدنانير عليه، فوضعتها بين يديه، وقلت: يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك، وبلغت وطرك فيما أردت، ولست أحبّ أن أشرك في دمك، فقال: يا هذا لا حاجة لي في الدنانير وهذا مثلها لك، ثم أخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يديّ وقال: أعد الصوت عليّ مرّة أخرى وحلال دمي، فشرهت نفسي إلى الدنانير، ثم قلت له: ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط، قال: وما هنّ؟ قلت: أولهنّ أن تقيم عندي وتتحرّم بطعامي، والثانية

стр. 2416

أن تشرب أقداحا من النبيذ تشدّ قلبك عليك، وتسكّن ما بك، والثالثة أن تحدّثني بقصّتك، فقال: أفعل ما تريد، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذّر، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنّيته بشعر غيره في نحو معناه، وهو يشرب ويبكي، ثم قال: الشرط أعزّك الله، فغنّيته صوته فجعل يبكي أحرّ بكاء، وينشج أشدّ نشيج وينتحب، فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه، ورأيت النبيذ قد شدّ من قلبه، كرّرت عليه صوته مرارا، ثم قلت له: حدّثني حديثك. فقال: أنا رجل من أهل المدينة، خرجت متنزّها في ظاهرها، وقد سال العقيق، في فتية من أقراني وأخداني، فبصرنا بفتيات «١» قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة منّا، وبصرت فيهنّ بفتاة كأنها قضيب قد طلّه الندى، تنظر بعينين ما ارتدّ طرفها إلا بنفس من يلاحظها، فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس وانصرفنا، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ، وخرجت من غد إلى العقيق وليس به أحد، فلم أر لها ولا لصواحباتها أثرا «٢» ، ثم جعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فكأنّ الأرض أضمرتها، وسقمت حتى أيس مني أهلي، وخلت بي ظئر لي فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي في ما أحبه منها، فأخبرتها بقصتي، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر، ثم غدا العقيق «٣» فتخرج حينئذ وأخرج معك، فإنّ النسوة يجئن، فإذا فعلن ورأيتها اتبعتها حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها. فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطمعت، وتراجعت نفسي. وجاء المطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة

стр. 2417

إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى ظئري، فجلست حجرة منها ومنهنّ، وأقبلت على إخواني وقلت: لقد أحسن القائل: [من الطويل] رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا فأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول: [من الطويل] بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا ... نرى فرجا يشفي السقام قريبا فأمسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر مني ما يفضحني وإيّاها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرّق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إليّ. فأخذت بيدي ومضينا إليها، فلم تزل تتلطّف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة، حتى شاع حديثي وحديثها، وظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها، وتشدّد عليها أبوها، فما زلت أجتهد في لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت إلى أبي حالي لشدّة ما نالني فيها، وسألته خطبتها لي، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها فقال: لو كان ذلك قبل أن يفضحها ويشهّر بها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها، فلم أكن لأحقّق قول الناس فيها بتزويجه إيّاها، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد: فسألته أين تنزل؟ فخبرني، وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فكان أوّل صوت غنّيته صوتي في شعر هذا الفتى، فطرب طربا شديدا وقال: ويحك إنّ لهذا الصوت حديثا، فما هو؟ فحدثته خبر الصوت فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده عليه، فقال له: هي في ذمتي حتى أزوّجك إيّاها، فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح؛ وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدّثه الحديث فتعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا، وأمر بأن أغنّيه الصوت فغنّيته، فشرب عليه وسمع حديث الفتى،

стр. 2418

وأمر من وقته بكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق حتى أحضر، فأمر الرشيد بإيصاله اليه فأوصل، وخطب إليه الجارية للفتى، وأقسم عليه ألا يخالف أمره، فأجابه، وزوّجه إيّاها، وحمل الرشيد إليه ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة الطريق، وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله، وكان المدني بعد ذلك في جملة ندماء جعفر. [٥٥٢]- قال عصمة بن مالك: جمعني وذا الرمّة مربع مرة، فقال: هيا عصمة إنّ ميّة من منقر، ومنقر أخبث حيّ وأقفى للأثر، وأثبته في نظر، وأعلمه بشرّ، وقد عرفوا آثار إبلي، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ قلت: أي والله عندي الجؤذر، فقال: فعليّ بها، فأتيته بها فركب وردفته، فأتينا محلة ميّة والقوم خلوف، والنساء في الرحال، فلما رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ، وأنخنا قريبا وأتيناهنّ وجلسنا إليهنّ، فقالت ظريفة منهن: أنشدنا يا ذا الرمّة، فقال: أنشدهنّ يا عصمة، فأنشدتهنّ قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل] نظرت إلى أظعان ميّ كأنها ... ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه فأسبلت العينان والقلب كاتم ... بمغرورق نمّت عليه سواكبه بكاء فتى جاء الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومعاتبه فقالت الظريفة: فالآن فلتجل ثم أنشدت حتى أتيت على قوله: وقد حلفت بالله ميّة ما الذي ... أحدّثها إلا الذي أنا كاذبه إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه فقالت ميّة: ويحك يا ذا الرمّة، خف عواقب الله، ثم أنشدت حتى أتيت

стр. 2419

على قوله: إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح ... على القلب آبته جميعا عوازبه فقالت الظريفة: قتلته قتلك الله، فقالت ميّة: ما أصحّه وهنيئا له، فتنفّس ذو الرمّة تنفسة كاد حرّها يطير بلحيتي، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله: إذا نازعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه فما شئت من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه فقالت الظريفة: قد بدا لك الوجه وتنوزع القول، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه، فقالت لها ميّة: قاتلك الله، ماذا تأتين به، فتضاحكت الظريفة وقالت: إنّ لهذين لشأنا، فقوموا عنهما، فقمنا معها، فخرجت فكنت قريبا حيث أراهما، وأسمع ما ارتفع من كلامهما، فو الله ما رأيته تحرّك من مكانه الذي خلّفته فيه، حتى ثاب أوائل الرجال، فأتيته، فقلت له: انهض بنا فقد ثاب القوم، فقام فودعها وولّت، وردفته وانصرفنا. قد أتيت من هذه الأخبار والأشعار في هذا الباب وغيره بآخر قبل أول، وبأول بعد آخر، ولم ألزم الترتيب في الشعراء وغيرهم، على قدر منازلهم وأعصارهم، لأني تبعت الخاطر فيما أملّ، وأصبحت عندما تذكرت أو نقلت لأبرأ من كدر الكلفة وظلامها، وليس في ذلك خلل يلحق الغرض الذي أممته. فلا يظنّه المتصفح وصما، ولا يعده غباوة ونقصا، فالله تعالى يحرسنا من جهل يطلق ألسنة الزّارين، ويوقظنا من غفلة تنبّه علّنا لا نتبع الغاوين، بمنّه وسعة فضله.

стр. 2420

نوادر من هذا الباب ٥٥٣- ممّن أحسن في نوادره، ولطف في بدائعه أبو عبد الله ابن الحجاج، فمن شعره: [من الهزج] بنفسي الفارغ القلب ... وقلبي منه ملآن غزال ناعس الطّرف ... ولا يقال نعسان أراه فرّ من رضوا ... ن لما نام رضوان ٥٥٤- وقوله: [من المنسرح] إن غدرت بي فلست أجحدها ... إني أهل لذلك الغدر شيب وفقر والغدر أحسن ما ... يكون بين المشيب والفقر والله يا سادتي يمين فتى ... تعلّم الصدق من أبي ذرّ لو أنّ لي ما لزوجها لرأت ... بحر ندى فوق بيتها يجري لو أنّ لابن الجصّاص فيشلتي ... لصيّرت عنده على الجحر قد بقيت بيننا مدهدهة ... في المدّ من فكرها وفي الجزر ثمّ غنيّ بغير فيشلة ... وها هنا أيّر بلا الدرّ ٥٥٥- وله في السخف غزل كثير حلو عجيب الفتنة لافراط فيه، فمنه قوله: [من الكامل المجزوء] ووصيفة مثل الغلام ... نصيحة فيها عياره لما انتبهت أثرتها ... والصيد في يد من أثاره
следующие страницы →