أن تشرب أقداحا من النبيذ تشدّ قلبك عليك، وتسكّن ما بك، والثالثة أن تحدّثني بقصّتك، فقال: أفعل ما تريد، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذّر، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنّيته بشعر غيره في نحو معناه، وهو يشرب ويبكي، ثم قال: الشرط أعزّك الله، فغنّيته صوته فجعل يبكي أحرّ بكاء، وينشج أشدّ نشيج وينتحب، فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه، ورأيت النبيذ قد شدّ من قلبه، كرّرت عليه صوته مرارا، ثم قلت له: حدّثني حديثك. فقال: أنا رجل من أهل المدينة، خرجت متنزّها في ظاهرها، وقد سال العقيق، في فتية من أقراني وأخداني، فبصرنا بفتيات «١» قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة منّا، وبصرت فيهنّ بفتاة كأنها قضيب قد طلّه الندى، تنظر بعينين ما ارتدّ طرفها إلا بنفس من يلاحظها، فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس وانصرفنا، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ، وخرجت من غد إلى العقيق وليس به أحد، فلم أر لها ولا لصواحباتها أثرا «٢» ، ثم جعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فكأنّ الأرض أضمرتها، وسقمت حتى أيس مني أهلي، وخلت بي ظئر لي فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي في ما أحبه منها، فأخبرتها بقصتي، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر، ثم غدا العقيق «٣» فتخرج حينئذ وأخرج معك، فإنّ النسوة يجئن، فإذا فعلن ورأيتها اتبعتها حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها. فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطمعت، وتراجعت نفسي. وجاء المطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة
стр. 2417
إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى ظئري، فجلست حجرة منها ومنهنّ، وأقبلت على إخواني وقلت: لقد أحسن القائل: [من الطويل]
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا
فأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول: [من الطويل]
بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا ... نرى فرجا يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر مني ما يفضحني وإيّاها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرّق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إليّ. فأخذت بيدي ومضينا إليها، فلم تزل تتلطّف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة، حتى شاع حديثي وحديثها، وظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها، وتشدّد عليها أبوها، فما زلت أجتهد في لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت إلى أبي حالي لشدّة ما نالني فيها، وسألته خطبتها لي، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها فقال: لو كان ذلك قبل أن يفضحها ويشهّر بها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها، فلم أكن لأحقّق قول الناس فيها بتزويجه إيّاها، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد:
فسألته أين تنزل؟ فخبرني، وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فكان أوّل صوت غنّيته صوتي في شعر هذا الفتى، فطرب طربا شديدا وقال: ويحك إنّ لهذا الصوت حديثا، فما هو؟ فحدثته خبر الصوت فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده عليه، فقال له: هي في ذمتي حتى أزوّجك إيّاها، فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح؛ وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدّثه الحديث فتعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا، وأمر بأن أغنّيه الصوت فغنّيته، فشرب عليه وسمع حديث الفتى،
стр. 2418
وأمر من وقته بكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق حتى أحضر، فأمر الرشيد بإيصاله اليه فأوصل، وخطب إليه الجارية للفتى، وأقسم عليه ألا يخالف أمره، فأجابه، وزوّجه إيّاها، وحمل الرشيد إليه ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة الطريق، وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله، وكان المدني بعد ذلك في جملة ندماء جعفر.
[٥٥٢]- قال عصمة بن مالك: جمعني وذا الرمّة مربع مرة، فقال: هيا عصمة إنّ ميّة من منقر، ومنقر أخبث حيّ وأقفى للأثر، وأثبته في نظر، وأعلمه بشرّ، وقد عرفوا آثار إبلي، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ قلت: أي والله عندي الجؤذر، فقال: فعليّ بها، فأتيته بها فركب وردفته، فأتينا محلة ميّة والقوم خلوف، والنساء في الرحال، فلما رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ، وأنخنا قريبا وأتيناهنّ وجلسنا إليهنّ، فقالت ظريفة منهن: أنشدنا يا ذا الرمّة، فقال:
أنشدهنّ يا عصمة، فأنشدتهنّ قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل]
نظرت إلى أظعان ميّ كأنها ... ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتم ... بمغرورق نمّت عليه سواكبه
بكاء فتى جاء الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومعاتبه
فقالت الظريفة: فالآن فلتجل ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
وقد حلفت بالله ميّة ما الذي ... أحدّثها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فقالت ميّة: ويحك يا ذا الرمّة، خف عواقب الله، ثم أنشدت حتى أتيت
стр. 2419
على قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح ... على القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة: قتلته قتلك الله، فقالت ميّة: ما أصحّه وهنيئا له، فتنفّس ذو الرمّة تنفسة كاد حرّها يطير بلحيتي، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
إذا نازعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فما شئت من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه
فقالت الظريفة: قد بدا لك الوجه وتنوزع القول، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه، فقالت لها ميّة: قاتلك الله، ماذا تأتين به، فتضاحكت الظريفة وقالت:
إنّ لهذين لشأنا، فقوموا عنهما، فقمنا معها، فخرجت فكنت قريبا حيث أراهما، وأسمع ما ارتفع من كلامهما، فو الله ما رأيته تحرّك من مكانه الذي خلّفته فيه، حتى ثاب أوائل الرجال، فأتيته، فقلت له: انهض بنا فقد ثاب القوم، فقام فودعها وولّت، وردفته وانصرفنا.
قد أتيت من هذه الأخبار والأشعار في هذا الباب وغيره بآخر قبل أول، وبأول بعد آخر، ولم ألزم الترتيب في الشعراء وغيرهم، على قدر منازلهم وأعصارهم، لأني تبعت الخاطر فيما أملّ، وأصبحت عندما تذكرت أو نقلت لأبرأ من كدر الكلفة وظلامها، وليس في ذلك خلل يلحق الغرض الذي أممته. فلا يظنّه المتصفح وصما، ولا يعده غباوة ونقصا، فالله تعالى يحرسنا من جهل يطلق ألسنة الزّارين، ويوقظنا من غفلة تنبّه علّنا لا نتبع الغاوين، بمنّه وسعة فضله.
стр. 2420
نوادر من هذا الباب
٥٥٣- ممّن أحسن في نوادره، ولطف في بدائعه أبو عبد الله ابن الحجاج، فمن شعره: [من الهزج]
بنفسي الفارغ القلب ... وقلبي منه ملآن
غزال ناعس الطّرف ... ولا يقال نعسان
أراه فرّ من رضوا ... ن لما نام رضوان
٥٥٤- وقوله: [من المنسرح]
إن غدرت بي فلست أجحدها ... إني أهل لذلك الغدر
شيب وفقر والغدر أحسن ما ... يكون بين المشيب والفقر
والله يا سادتي يمين فتى ... تعلّم الصدق من أبي ذرّ
لو أنّ لي ما لزوجها لرأت ... بحر ندى فوق بيتها يجري
لو أنّ لابن الجصّاص فيشلتي ... لصيّرت عنده على الجحر
قد بقيت بيننا مدهدهة ... في المدّ من فكرها وفي الجزر
ثمّ غنيّ بغير فيشلة ... وها هنا أيّر بلا الدرّ
٥٥٥- وله في السخف غزل كثير حلو عجيب الفتنة لافراط فيه، فمنه قوله: [من الكامل المجزوء]
ووصيفة مثل الغلام ... نصيحة فيها عياره
لما انتبهت أثرتها ... والصيد في يد من أثاره
стр. 2421
يحيي القلوب وصالها ... وتشقّ جفوتها المراره
٥٥٦- وقوله: [من الكامل]
أعرضت عن سهري بطرف نائم ... ولهوت عن ولهي بقلب سالم
وزعمت أني قد سلوتك صارما ... حبلي وخنت بعهدك المتقادم
هيهات ألهاني جماعك فاعلمي ... مذ ذقت شربك عن جميع العالم
٥٥٧- وقوله: [من مجزوء الرجز]
قد انزعجت فاسكني ... وقد جسرت فاجبني
لا تقدمي على دم ... لكافر أو مؤمن
نحن عبيد فهبي ... مسيئنا للمحسن
ولا تضنّي في الهوى ... على محبّ قد ضني
على سقيم ميّت ... محنّط مكفّن
لو اشترى منك الرضى ... بروحه لم يغبن
ويح الضّنى إلى متى ... لا يشتفي من بدني
عجبت ممّن عزمها ... في السرّ أن تقتلني
ترى بلائي ثم لا ... أطمع أن ترحمني
وقد رثى لي من رأى ... ما بي ومن لم يرني
جارية حبّي لها ... يطوى معي في كفني
كالبدر حين ينجلي ... والغصن حين ينثني
٥٥٨- وقال ابن سكرة الهاشمي في عشق أعرج: [من الكامل]
قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... العيب يحدث في قضيب البان
ماذا عليّ إذا استجدت شمائلا ... وروادفا تغني عن الكثبان
стр. 2422
إني أحبّ جلوسه وأريده ... للنوم لا للجري في الميدان
في كلّ عضو منه حسن كامل ... ما ضرّني أن زلّت القدمان
[٥٥٩]- قال حسين بن الضحاك الخليع: كان صالح بن الرشيد يتعشّق يسرا خادم أخيه أبي عيسى، وكان يراوده عن نفسه، فيعده ولا يفي له، فأرسله أبو عيسى يوما إلى صالح أخيه في السحر يقول: يا أخي إني قد اشتهيت اليوم أن اصطبح، فبحياتي إلا ما ساعدتني، وصرت إليّ حتى نصطبح اليوم جميعا.
فصار يسر إلى صالح وهو منتش قد شرب في السحر، فأبلغه الرسالة، قال: نعم وكرامة، اجلس أولا، فجلس، فقال: يا غلام احضرني عشرة آلاف درهم، فأحضرها، فقال له: يا يسر دعني من مواعيدك ومطلك هذه عشرة آلاف درهم، فاقض حاجتي وخذها، وإلّا فليس ها هنا إلا الغصب، فقال: يا سيدي أنا أقضي الحاجة ولا آخذ المال، ثم فعل ما أراده فطاوعه فقضى حاجته، وأمر صالح بحمل العشرة آلاف درهم معه. قال حسين: ثم خرج إليّ صالح من خلوته، فقال: يا حسين قد رأيت ما كنا فيه، فإن حضرك شيء فقل، فقلت:
[من الهزج]
أيا من طرفه سحر ... ويا من ريقه خمر
تجاسرت فكاشفتك ... لما غلب الصبر
وما أحسن في أمرك ... أن ينهتك الستر
وإما لامني الناس ... ففي وجهك لي عذر
فدعني من مواعيدك ... إذ حيّنك الدهر
فلا والله لا نبرح ... أو ينفصل الأمر
فإما الغصب والذم ... وإما البذل والشكر
стр. 2423
فلو شئت تيسرت ... كما سميت يا يسر
فكن كاسمك لا تمن ... عك النخوة والكبر
فلا فزت بحظي منك ... إن ذاع له ذكر
قال الحسين: فضحك ثم قال: لعمري لقد تيسّر يسر كما قلت، فقلت:
نعم، ومن لا يتيسّر بعد أخذ الدية، فلو أردتني بهذا أيضا لتيسّرت، فضحك ثم قال: نعطيك يا حسين الدية لحضورك ومساعدتك، ولا نريدك لما أردنا له يسرا، فبئست المطية أنت.
[٥٦٠]- وقال حسين بن الضحاك: كان يألفني إنسان من جند الشام عجيب الخلقة والزيّ والشكل، غليظ جلف، فكنت أحتمل ذلك منه، ويكون حظّي التعجّب منه، وكان يأتيني بكتب من عشيقة له، ما رأيت أحلى ولا أظرف منها، ولا أبلغ ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجواب، وأصرف عنايتي إليه على علمي بأنّ الشامي لا يميّز بين الخطأ والصواب لجهله، ولا يفرّق بين الابتداء والجواب. فلما طال ذلك عليّ حسدته، وتنبّهت على إفساد حاله عندها، فسألته عن اسمها، فقال: بصبص، فكتبت إليها في جواب كتاب منها كان جاءني به: [من السريع]
أرقصني حبّك يا بصبص ... والحبّ يا سيدتي يرقص
أرمصت أجفاني بطول البكا ... فما لأجفانك لا ترمص
وابأبي وجهك ذاك الذي ... كأنه من حسنه عصعص
فجاءني بعد ذلك فقال: يا أبا عليّ، ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ قال: ما هو والله إلا أن وصل إليها ذلك
стр. 2424
الكتاب حتى بعثت إليّ إني مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا، قف بحياله حتى أراك، فتزيّنت بأحسن ما قدرت عليه، وصرت إلى الموضع، فبينا أنا واقف أنتظر مكلّما لي أو مشيرا إليّ، إذا أنا بشيء قد صبّ عليّ فملأني من مفرقي «١» إلى قدميّ، وأفسد ثيابي وسرجي، وصيّرني وجميع ما عليّ ودابتي في نهاية السواد والقذر، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، فانصرفت بخزي، وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الضحك والطنز والصياح بي أغلظ مما جرى عليّ، ولحقني من أهلي ومن في منزلي شرّ من ذلك، وأعظم من ذلك أنّ رسلها انقطعت عنّي جملة. فجعلت أعتذر إليه وأقول له: إنّ الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته وفصاحته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسرّ الشماتة به.
[٥٦١]- قال المدائني: دخل أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك، وقد أتت له سبعون سنة، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إني لأنظر إليهنّ شزرا، وينظرن إليّ خزرا، فوهب له جارية، وقال له: اغد عليّ فأعلمني ما كان منك، فلما أصبح غدا عليه فقال: ما صنعت شيئا وما قدرت عليه، وقد قلت في ذلك: [من الكامل]
نظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنها ونظرت في سرباليا
فرأت لها كفلا ينوء بخصرها ... وعثا روادفه وأخثم رابيا
ورأيت منتشر العجان مقلّصا ... رخوا مفاصله وجلدا باليا
أدني له الرّكب الحليق كأنما ... أدني إليه عقاربا وأفاعيا
стр. 2425
ما بال رأسك من ورائي طالعا ... أظننت أن حر الفتاة ورائيا
فاذهب فإنك ميّت لا ترتجى ... أبد الأبيد ولو عمرت لياليا
أنت الغرور إذا خبرت وربما ... كان الغرور لمن رجاه شافيا
لكنّ أيري لا يرجّى نفعه ... حتى أعود أخا فتاء ناشيا
٥٦٢- مرض علي بن عبيدة، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: عيون الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحسّاد.
٥٦٣- قال علي بن عبد العزيز يعرّض بالتحاء معشوق: [من السريع]
قد برّح الحبّ بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقّه ... فإنه آخر عشّاقك
٥٦٤- وقال آخر: [من المديد]
بأبي من عينه أبدا ... في عدات وهي لا تعد
٥٦٥- ولآخر في معشوق أحول: [من الطويل]
ونجمين في برجين هاد وحائر ... إذا طلعا حلّ الكسوف بواحد
لهذا على التمثيل قوة زهرة ... وهذا على التشبيه طرف عطارد
[٥٦٦]- وقال آخر: [من السريع]
كأنما الخيلان في خدّه ... كواكب أحدقن بالبدر
٥٦٧- وقال آخر: [من البسيط]
رحمت أسود هذا الخال حين بدا ... في لجّة الخد مرموقا بأبصار
стр. 2426
كأنه بعض عبّاد الهنود وقد ... ألقى بمهجته في لجّة النار
٥٦٨- ذكر أن أبا القمقام بن بحر السقا عشق مدنية، فبعث إليها إنّ إخوانا لي زاروني فابعثي لي برؤوس حتى نتغدى ونصطبح على ذكرك، ففعلت، فلما كان اليوم الثاني، بعث إليها: إننا لم نفترق فابعثي لي بسنبوسك حتى نصطبح على ذكرك، ففعلت، فلما كان في اليوم الثالث بعث إليها: أصحابي مقيمون فابعثي إليّ ببقرية منقورية وجزورية شهيّة حتى نأكلها ونصطبح على ذكرك، فقالت لرسوله: إني رأيت الحبّ إذا حلّ بالقلب يفيض على الكبد والأحشاء ويمنع من شهوة الطعام، وإنّ حبّ صاحبنا هذا ليس يجاوز معدته.
[٥٦٩]- ودعت أبا الحارث جمينا واحدة كان يحبها، فجعلت تحادثه ولا تذكر الطعام، فلما طال ذاك به، قال: لا أسمع للغداء ذكرا، قالت: أما تستحي؟
أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال: جعلني الله فداك، لو أنّ جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان شيئا لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا.
[٥٧٠]- وأنشد الأعرابي في ضده: [من الطويل]
فلو كنت عذريّ العلاقة لم تكن ... سمينا وأنساك الهوى كثرة الأكل
[٥٧١]- وواعد العرجيّ امرأة شعثاء من الطائف، فجاء على حمار ومعه غلام، وجاءت على أتان ومعها جارية، فوثب العرجيّ على المرأة، ووثب الغلام على الجارية، ووثب الحمار على الأتان، فقال العرجيّ: هذا يوم غائب رقباؤه عنا «١» .
стр. 2427
[٥٧٢]- وحدّث أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: كنا نختلف إلى المجالس ونحن أحداث نكتب عن الرواة ما يروونه من الآداب والأخبار، وكان يصحبنا فتى من أحسن الناس وجها، وأنظفهم ثوبا، وأجملهم زيّا، ولا نعرف باطن أمره. فانصرفنا يوما من مجلس المبرّد، وجلسنا في مجلس نتقابل بما كتبنا، ونصحّح المجلس الذي شهدنا، فإذا بجارية قد طلعت وطرحت في حجر الفتى رقعة ما رأيت أحسن من شكلها، مختومة بعنبر، فقرأها منفردا ثم أجاب عنها، ورمى بها إلى الجارية، فلم يلبث أن خرج خادم من الدار في يده كرسيّ «١» ، فدخل إلينا فصفع الفتى به حتى رحمناه، وخلّصناه من يده، وقمنا أسوأ الناس حالا. فلما تباعدنا سألناه عن الرقعة، فإذا فيها مكتوب: [من الطويل]
كفى حزنا أنّا جميعا ببلدة ... كلانا بها ثاو ولا نتكلم
فقلنا له: هذا ابتداء طريف، فأيّ شيء أجبت؟ فقال: هذا صوت سمعته يغنّى به، فلما قرأته في الرقعة، أجبت عنه بصوت مثله، فسألناه ما هو؟ فقال: كتبت في الجواب:
أراعك بالخابور نوق وأجمال
فقلنا له: ويلك، ما وفّاك القوم حقّك، قد كان ينبغي أن يدخلونا معك في القصة بدخولك معنا، ولكن نحن نوفّيك حقّك، ثم تناولناه فصفعناه حتى لم يدر أين يأخذ، وكان آخر عهده بالاجتماع معنا.
[٥٧٣]- روى مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه قال: أتاني أبو السائب ليلة بعدما رقد النيام، فأشرفت عليه فقال: سهرت وذكرت أخا لي أستمتع به،
стр. 2428
فلم أجد سواك، فلو مضينا إلى العقيق وتناشدنا وتحادثنا، فمضينا وأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجيّ: [من الكامل]
باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح تلوّح كالأغرّ الأشقر
فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب الأعسر
فقال: أعده عليّ، فأعدته، فقال: أحسن والله، امرأته طالق إن نطق بحرف غيره حتى يرجع إلى بيته، قال: فلقينا عبد الله بن الحسن، فلما صرنا إليه وقف بنا وهو منصرف من ماله يريد المدينة، فقال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال له:
فتلازما عند الفراق، فالتفت إليّ وقال: متى أنكرت صاحبك؟ فقلت: منذ الليلة، فقال: إنّا لله، وأيّ كهل أصيبت به قريش. ثم مضينا فلقينا محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة يريد مالا له على بغلة، ومعه غلام على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة، فسلّم وقال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال: فتلازما عند الفراق، فالتفت إليّ فقال: متى أنكرت صاحبك؟ قلت: آنفا، فلما أراد المضيّ قال: أتدعه هكذا، والله ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق، فقال: يا غلام قيد البغلة، فوضعه في رجله وهو ينشد البيت ويشير بيده إليه، يري أنه يفهم عنه قصته، ثم نزل الشيخ وقال لغلامه: احمله على بغلتي، وألحقه بأهله، فلما كان بحيث علمت أنه قد فاته أخبرته بخبره، فقال: قبحك الله ماجنا، فضحت شيخا من قريش وغررتني.
[٥٧٤]- قال اسحاق الموصلي: كنت يوما بحضرة الرشيد أغنّيه، وهو يشرب، فدخل الفضل بن الربيع، فقال له: ما وراءك؟ قال: خرج إليّ يا أمير المؤمنين ثلاث جوار لي، مكية ومدينية وعراقية، فقبضت المدينية على هني، فلما أنعظ وثبت العراقية عليه، فقالت لها: ما هذا التعدي؟ ألم تعلمي أنّ مالكا حدثنا
стр. 2429
عن الزهري عن عبد الله بن ظالم «١» عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ :
من أحيا أرضا ميتة فهي له؟ فقالت الأخرى: وقد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الصيد لمن صاده، لا لمن أثاره، فدفعتهما الأخرى «٢» عنه، وقالت: هذا لي وفي يدي حتى تصطلحا على شيء. فلما سمع الرشيد ضحك، وأمر بحملهنّ إليه، فحظين عنده، وفيهنّ يقول الشاعر: [من الكامل]
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان
ما لي تطاوعني البرية كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى ... وبه عززن أعزّ من سلطاني
٥٧٥- قال: طلب أشعب من عشيقته خاتما كان معها، فقالت: يا سيدي هذا ذهب وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود حتى تعود.
٥٧٦- وكتب رجل إلى عشيقته: ايذني لخيالك أن يلمّ بي، فكتبت إليه:
ابعث بدينارين حتى أجيئك أنا بنفسي.
٥٧٧- قال بعضهم: رأيت أم جعفر سكرى في إيوان كسرى، بيدها مذرى، عليها قباء خزّ طاروني، وهي تكتب على الحائط: [من المتقارب]
فلا تأسفنّ على ناسك ... وإن مات ذو طرب فابكه
ونك من لقيت من العالمين ... فإنّ الندامة في تركه
قال: فقلت لها: يا سيدة عبد مناف ما هذا الشعر؟ فقالت: اسكت هذا الذي بلغنا عن آدم لما جامع حواء فقالت له: يا أبا محمد ما هذا؟ فقال: هذا يقال له:
النيك فقالت: زدني منه فإنه طيب.
стр. 2430
٥٧٨- قال: وكان رجل يتعشّق امرأة ويتبعها في الطرقات دهرا، إلى أن أمكنته من نفسها، فلما أفضى إليها لم ينتشر عليه، فقالت له: أيرك هذا أير لئيم، فقال: بل هو من الذين قال فيهم الشاعر: [من البسيط]
وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
٥٧٩- نظر مغيرة بن المهلب يوما إلى يزيد أخيه وهو يطالع امرأته ويقول لها: اكشفي ساقك ولك خمسون ألف درهم، فقال: ويلك يا فاسق، هات نصفها وهي طالق.
٥٨٠- ومثل هذه الحكاية ما سمعته من شرف الدين علي بن طراد الزينبي الوزير، وإن لم يكن من فن الغزل، قال: كان ينادمني البارع أبو عبد الله الحسين الدباس، وهو من أعيان أهل الأدب والرواية، وكان حديدا، فيولع به أبدا فتجيء منه نوادر تضحك، قال: فولع به أحمد الحاجب، وأخرجه من الاعتدال، فقال أبو عبد الله البارع: والله لقد وزنت خمسة الدنانير لمن حمل إليّ امرأتك، فقال أحمد ولم يتحرك ولم يضجر: أضعت مالك، كنت تعطيني خمسة قراريط حتى أحملها إليك طوعا.
٥٨٠ ب وقال: [من الرجز]
لا ينفع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الحقاب
من دون أن تصطفق الأركاب ... وتلتقي الأسباب والأسباب
٥٨١- وقال آخر: [من الطويل]
وإني أشدّ القوم وجدا وناقتي ... أشدّ ركاب القوم رجع حنين
يشوق الحمى أهل الحمى ويشوقني ... حمى بين أفخاذ وبين بطون
[٥٨٢]- وقال آخر: [من الرجز]
стр. 2431
والله لا تمسكني بضمّ ... ولا بتقبيل ولا بشمّ
إلا بزعزاع يسلّي همي ... يسقط منه فتخي في كمي
[٥٨٣]- وقال آخر: [من الطويل]
جزى الله خيرا ذات بعل تصدّقت ... على عزب كيما يكون له أهل
فإنّا سنجزيها بما صنعت بنا ... إذا ما تزوّجنا وليس لها بعل
أفيضوا على عزّابكم من نسائكم ... فما في كتاب الله أن يحرم الفضل
٥٨٤- ومرّ أبو نواس بغلام حسن الوجه خفيف العجز، فسئل عنه فقال:
[من السريع]
ماشئت من دنيا ولكنه ... منافق ليست له آخره
٥٨٥- ورأى المأمون القاضي يحيى بن أكتم يحدّ النظر إلى الواثق بالله فقال: يا أبا محمد حوالينا ولا علينا.
٥٨٦- وسمع مخنث رجلا يغني: [من مجزوء الرمل]
واقف في الماء عطشان ... ولكن ليس يسقى
فقال له: زن دينارا وغرقه.
٥٨٧- قال رجل لامرأة: أنا أحبك، قالت: وما الدليل على ذلك؟ قال:
تعطيني قفيز دقيق حتى أعجنه بدموع عينيّ، قالت: على أن تجيء بخبزه إلينا، قال: يا سيدتي، أنت تريدين خبّازا لا تريدين عاشقا.
٥٨٨- كتب رجل إلى غلام كان يعشقه: وضعت خدّي على الثرى إرضاء لك، فقال الغلام: هات عشرة دراهم وضع خدّك على خدي.
стр. 2432
[٥٨٩]- أنشد المأمون قول العباس بن الأحنف: [من الطويل]
هم كتموني سيرهم ثم أزمعوا ... وقالوا اتّعدنا للرواح وبكروا
فقال: سخروا من أبي الفضل أعزّه الله.
٥٩٠- قال أبو العيناء: أنشد أبو الهذيل شعرا: [من الكامل]
وإذا توهّم أن يراها ناظر ... ترك التوهّم وجهها مكلوما
فقال: كان ينبغي أن تناك هذه بأير من خاطر.
وأنشد النظام: [من الوافر]
إذا همّ النديم له بلحظ ... تمشّت في مفاصله الكلوم
قال: ما ينبغي أن ينادم هذا إلا أعمى.
[٥٩١]- كتب عليّ بن الجهم إلى جارية يهواها شعرا: [من الطويل]
خفي الله في من قد سلبت فؤاده ... وتيّمته حتى كأنّ به سحرا «١»
دعي البخل لا أسمع به منك إنما ... سألناكم ما ليس يعري لكم ظهرا
[٥٩٢]- قال ميمون بن هارون: كنا عند الحسن بن وهب، فقال لبنات غنّي: [من البسيط]
أتأذنون لصبّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يفعل السوء إن طال المقام به ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
стр. 2433
والشعر للعباس بن الأحنف، فضحكت ثم قالت: فأيّ خير فيه إن كان كذا وأيّ معنى؟ فخجل الحسن من نادرتها عليه، وعجبنا من حدّة جوابها وفطنتها.
٥٩٣- اغتسلت نعم التي يقول فيها عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
في غدير، فأقام عليه عمر يشرب منه حتى جفّ.
[٥٩٤]- رؤي علي بن عبيدة الريحاني مع جارية له كان يهواها عند إخوانه، فحان وقت الظهر فبادروا الصلاة، وهما يتحدثان فأطالا حتى كادت الصلاة تفوت، فقيل يا أبا الحسن: الصلاة فقال: رويدك حتى تزول الشمس، أي حتى تقوم الجارية.
٥٩٥- أبو نواس شعر: [من مجزوء الرمل]
وغزال تشره النفس إلى حلّ إزاره ... بسطته بدوة الكاس لنا بعد ازوراره
فأطفنا بنواحيه ولم نلمم بداره
[٥٩٦]- وقال: [من المنسرح]
مرّ بنا والعيون تأخذه ... تجرح منه مواضع القبل
أفرغ في قالب الجمال فلا ... يصلح إلا لذلك العمل
٥٩٧- ومرّت به جارية للقاسم بن الرشيد في يديها نرجس، فلم تكلّمه، فقال لها: ما أقبح هجرك، فقالت: أقبح منه إفلاسك، فقال: [من السريع]
قلت وقد مرّت بنا ظبية ... رعبوبة في كفّها نرجس
стр. 2434
ما أقبح الهجر فقالت لنا ... أقبح منه عاشق مفلس
٥٩٨- ومن شعره: [من الوافر]
وناظرة إليّ من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب
كشفت قناعها فإذا عجوز ... مسوّدة المفارق بالخضاب
فما زالت تجمشني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التصابي
تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب
متى تشفى العجوز إذا استكانت ... بأير لا يقوم على الشباب
٥٩٩- آخر: [من مخلع البسيط]
أشكو إلى الله من عجوز ... تأخذها هبة الغيور
ولا زوردية الثنايا ... قد خضبت كفّها بقير
كأنما وجهها قميص ... قد فركوه على الحصير
стр. 2435
الباب الثّلاثون فى أنواع شتّى من الخطب
стр. 2436
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله الحمد لله مسدي الإحسان وموليه، وفاتق اللسان بالبيان «١» ومؤتيه، يمنح الحكمة أهل الاجتباء والإيثار، ويختصّ برحمته من يشاء ويختار، جعل النطق ترجمان الضمير، وله ولاية الإخبار «٢» والتّعبير، وفضّل بعضا على بعض في الرّصف والتحبير، فكان القاصر عن إبداء ما أجنّه الآخر حسيرا ملوما، والزائد على ما تضمّنه هذرا مذموما، وكانت الخطابة في ذكر مواهب الله وآلائه، ونشر ما خصّنا به من صنوف نعمائه، والإبانة من وحدانيته وأوّليّته، والدلالة على ربوبيته وأزليّته، وجدال أهل الباطل حتى يفيئوا، ونضال المعاندين ليرجعوا وينيبوا، أولي الخصيم الأدره، والخطيب الأفوه، وأجدر أن نقابل نعمة الله بشكرها، ونستعمل آلة الفضيلة المعطاها في حقها وقدرها؛ والصلاة على رسوله النبي الأمّي، المرسل باللسان المبين العربي، الذي سلّم له الفصاحة المقرّ والجاحد، وشهد ببلاغته الغائب والشاهد، وعلى آله أولي المواقف المشهورة والمشاهد.
стр. 2437
الباب الثلاثون في الخطب
٦٠٠- من شواهد الخطابة في الكتاب العزيز قوله سبحانه في حقّ داود ﵇: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
(ص: ٢٠) .
٦٠١- قال بعضهم: تتبّعت خطب رسول الله ﷺ ، فوجدت أوائل أكثرها: الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكّل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
[٦٠٢]- خطبته ﵇ في حجة الوداع:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله.
стр. 2438
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على العمل بطاعته «١» ، وأستفتح الله بالذي هو خير.
أما بعد، أيّها الناس «٢» إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها. وإنّ ربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب. وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسقاية. والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية.
أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنّه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس، إنما النسيء زيادة في الكفر، يضلّ به الذين كفروا، يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله. وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب الذي بين جمادى وشعبان. ألا هل بلغت؟
اللهم اشهد.
أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا، [ولكم عليهن حق] ، فعليهنّ أن لا يوطئن فرشكم ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإنّ الله تعالى قد أذن لكم أن تعضلوهنّ، وتهجروهنّ في
стр. 2439
المضاجع، وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، فإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، أخذتموهنّ بأمانة الله تعالى، واستحللتم فروجهنّ بكتاب الله، فاتّقوا الله في النساء واستوصوا بهنّ خيرا.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرىء من مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
ولا ترجعنّ كفارا بعدي يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله. ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس، إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، [كلكم] لآدم وآدم من تراب؛ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربيّ على عجميّ فضل إلّا بالتقوى.
ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب.
أيها الناس إنّ الله تعالى قسم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث وصيّة في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادّعى إلى غير أبيه، ومن تولّى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[٦٠٣]- لما قبض رسول الله ﷺ خطب سهيل بن عمرو فقال: والله إنّ هذا الدين الذي أصبحنا فيه سيمتدّ كامتداد الشمس في طلوعها. فقيل له: وأنّى علمت ذلك؟ قال: رأيت رجلا وحيدا فريدا لا مال له ولا عزّ ولا عدد، قام في ظلّ الكعبة فقال: أنا رسول الله إليكم؛ فكنّا من بين ضاحك وهازل، ومستجهل وراحم؛ فلم يزل أمره ينمي حتى دنّا طوعا وكرها، ولو كان ذلك من عند غير الله تعالى ما كان إلا كالكرة في يد بعض سفهاء قريش. فلا يغرّنكم
стр. 2440
هذا- يعني أبا سفيان- من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد جثم على صدره وتمكّن في حشاه.
[٦٠٤]- خطب سعد بن أبي وقاص في يوم الشورى فقال: الحمد لله بديّا كان وآخرا يعود، أحمده كما أنجاني من الضلالة، وبصّرني من العماية؛ فبرحمة الله فاز من نجا، وبهدي الله أفلح من وعى، وبمحمد بن عبد الله ﷺ استقامت الطرق واستبانت «١» السبل، فظهر كلّ حقّ ومات كلّ باطل، إياكم أيها النفر وقول أهل الزور وأمنيّة الغرور، فقد سكنت «٢» الأمانيّ قبلكم قوما ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذهم الله أعداء ولعنهم لعنا كثيرا، قال الله :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
(المائدة: ٧٨- ٧٩) .
وإني نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج، وأخذت لطلحة بن عبيد الله في غيبته ما ارتضيت لنفسي في حضوري، فأنا به زعيم، وبما أعطيت عنه كفيل، والأمر إليك يا ابن عوف بصدق النفس وجهد النصح، وعلى الله قصد السبيل وإليه المصير.
[٦٠٥]- وقال لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم، وكانوا كلّموه في الرضا عنه قال: هذا الذي أغضبني عليه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس البقر الأرض بألسنتها.
стр. 2441
[٦٠٦]- ومن خطبة لعلي بن أبي طالب ﵇ في التوحيد:
[الحمد لله] المعروف من غير رؤية، الخالق من غير رويّة، الذي لم يزل قائما دائما إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فجّ ذو اعوجاج، ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد؛ ذلك مبتدع الخلق [ووارثه، وإله الخلق] ورازقه، ومسخّر الشمس والقمر دائبين في مرضاته، يبليان كلّ جديد، ويقرّبان كل بعيد، قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفاسهم وخائنة أعينهم وما تخفي صدورهم من الضمير، ومستقرّهم ومستودعهم من الأرحام والظهور، إلى أن تتناهى بهم الغايات؛ هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، [واتسعت رحمته] لأوليائه في شدة نقمته، قاهر من عازّه، ومدمّر من شاقّه، ومذلّ من ناواه، وغالب من عاداه؛ من توكّل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن اقترضه قضاه، ومن شكره جزاه.
عباد الله، زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا، ونفّسوا قبل ضيق الخناق، وانقادوا قبل عنف السياق، واعلموا أنه من لم يعن [على] نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ.
[٦٠٧]- ومن خطبة له ﵇ في المعنى:
الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، لا تشمله «١» المشاعر، ولا تحجبه السواتر، لافتراق
стр. 2442
الصانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والربّ والمربوب، الأحد بلا تأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي مسافة، والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة، بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء بالخضوع له والرجوع إليه؛ من وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزليّته «١» ، ومن قال «كيف» فقد استوصفه، ومن قال «أين» فقد حيّزه، عالم إذ لا معلوم، وربّ إذ لا مربوب، وقادر إذ لا مقدور.
٦٠٨- ومن خطبة له في ذكر النبي ﷺ : اختاره من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسرّة البطحاء، ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة.
[٦٠٩]- وفي مثل ذلك والصلاة عليه:
اللهم داحي المدحوّات، وداعم المسموكات، وجابل القلوب على فطرتها، شقيّها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحقّ بالحقّ، والدافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل، كما حمّل فاضطلع، قائما بأمرك، مستوفزا في مرضاتك، غير ناكل عن قدم ولا واه في عزم، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على إنفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن والآثام، [وأقام] موضحات الأعلام ونيرات الأحكام؛ فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك بالحق، ورسولك إلى الخلق.
стр. 2443
اللهم افسح لهم مفسحا في ظلّك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك منزله، وأتمم له نوره، واجزه على ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضي المقالة، ذا منطق عدل «١» وخطة فصل؛ اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النعمة، وأمن الشهوات ولهو اللّذات، ورخاء الدّعة ومنتهى الطمأنينة وتحف الكرامة.
[٦١٠]- ومن خطبة له ﵇: أين من سعى واجتهد، وجمع وعدّد، وبنى وشيّد، وزخرف ونجّد، وفرش ومهّد.
قال جعفر بن يحيى وقد ذكر هذا الكلام: هكذا تكون البلاغة: أن يقرن بكلّ كلمة أختها، فتلوّح الأولى بالثانية قبل انقضائها، وتزيد كلّ واحدة في نور الأخرى وضيائها.
[٦١١]- ومن خطبة له ﵇:
نحمده على ما أخذ وأعطى، وعلى ما أبلى وابتلى، الباطن بكلّ خفيّة، الحافظ «٢» لكل سريرة، العالم بما تكنّ الصدور وما تخون العيون. ونشهد أن لا إله غيره، وأنّ محمدا نجيّه «٣» وبعيثه، شهادة يوافق فيها السرّ الإعلان «٤» والقلب اللسان.
[٦١٢]- قال نوف البكالي: خطبنا أمير المؤمنين ﵇ بالكوفة وهو
стр. 2444
قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه من ليف، وفي رجليه نعلان من ليف وكأنّ جبينه ثفنة بعير، فقال:
الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر، نحمده على عظيم إحسانه، ونيّر برهانه، ونوامي فضله وامتنانه، حمدا يكون لحقّه قضاء، ولشكره أداء، وإلى ثوابه مقرّبا، ولحسن مزيده «١» موجبا، ونستعين به استعانة راج لفضله، مؤمّل لنفعه، واثق بدفعه، معترف له بالطّول، مذعن له بالعمل والقول، ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا، وأناب إليه مؤمنا، وخضع «٢» له مذعنا، وأخلص له موحّدا، وعظّمه ممجّدا، ولاذ به راغبا مجتهدا، لم يولد «٣» سبحانه فيكون في العزّ مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدّمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم، فمن شواهد خلقه خلق السموات موطّدات بلا «٤» عمد، وقائمات بلا سند، دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات.
ومنها: أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش، وأسبغ عليكم المعاش، فلو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما أو لدفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود، ﵉، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوة وعظيم الزّلفة، فلما استوفى طعمته، واستكمل مدّته «٥» ، رمته قسيّ الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطّلة، ورثها قوم آخرون. وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة: أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين، وأطفأوا سنن المرسلين،
стр. 2445
وأحيوا سنن الجبّارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش، وهزموا الألوف، وعسكروا العساكر، ومدّنوا المدائن.
[٦١٣]- ومن خطبة له ﵇:
أحمده «١» شكرا لإنعامه، وأستعينه على وظائف حقوقه، عزيز الجند عظيم المجد، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، دعا إلى طاعته وقهر «٢» أعداءه جهادا عن دينه، لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه، والتماس لإطفاء نوره. فاعتصموا بتقوى الله، فإنّ لها حبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وبادروا الموت وغمراته، وأمهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله، فإنّ الغاية القيامة، وكفى بذلك واعظا لمن عقل، ومعتبرا لمن جهل. وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس، وشدة الإبلاس، وهول المطّلع، وروعات الفزع، واختلاف الأضلاع، واستكاك الأسماع، وظلمة اللحد، وخيفة الوعد، وغمّ الضريح، وردم الصّفيح. فالله الله عباد الله، فإنّ الدنيا ماضية بكم على سنن، وأنتم والساعة في قرن، وكأنها قد جاءت بأشراطها، وأزفت بأفراطها، ووقفت [بكم] على صراطها؛ وكأنها قد أشرفت بزلازلها، وأناخت بكلاكلها، وانصرمت الدنيا بأهلها، وأخرجتهم من حضنها، وكانت كيوم مضى وشهر انقضى، وصار جديدها رثّا، وسمينها غثّا، في موقف ضنك المقام، وأمور مشتبهة «٣» عظام، ونار شديد كلبها، عال لجبها، ساطع لهبها، مغيظ «٤» زفيرها،
стр. 2446
متأجّج سعيرها، بعيد خمودها، ذاك وقودها، مخوف وعيدها، عميق «١» قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
(الزمر: ٧٣) قد أمن العذاب، وانقطع العتاب، وزحزحوا عن النّار واطمأنّت بهم الدار، ورضوا المثوى والقرار، الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية، وأعينهم باكية، وكان ليلهم في دنياهم نهارا تخشّعا واستغفارا، وكان نهارهم ليلا توحّشا وانقطاعا، جعل «٢» الله لهم الجنّة ثوابا، وكانوا أحقّ بها وأهلها في ملك دائم ونعيم قائم. فارعوا عباد الله ما برعايته يفوز فائزكم، وبإضاعته يخسر مبطلكم، وبادروا آجالكم بأعمالكم، فإنكم مرتهنون بما أسلفتم، ومدينون بما قدمتم، وكأن قد نزل بكم المخوف فلا رجعة تنالون، ولا عثرة تقالون، استعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة رسوله، وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته. الزموا الأرض واصبروا على البلاء، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجّله الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيدا، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما يؤتى «٣» من صالح عمله، وقامت النيّة مقام إصلاته لسيفه، فإنّ لكلّ شيء مدة وأجلا.
[٦١٤]- وخطب لما ورد عليه مقتل محمد بن أبي بكر وغلبة أصحاب معاوية
стр. 2447
على مصر، فقال بعد أن حمد الله تعالى:
ألا إن مصر أصبحت قد فتحت «١» ، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد أصيب «٢» ، ﵀ وعند الله نحتسبه، أما والله إن كان لمن ينتظر «٣» القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدي المؤمن. إني والله لا ألوم نفسي في تقصير ولا عجز؛ إني بمقاساة الحرب جدّ عالم خبير، وإنّي لأتقدّم «٤» في الأمر فأعرف وجه الحزم، وأقوم فيه بالرأي المصيب معلنا، وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تصير الأمور إلى عواقب الفساد «٥» ، وأنتم لا تدرك بكم الأوتار، ولا يشفى بكم الغليل. دعوتكم إلى غياث إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ «٦» ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نيّة في جهاد عدوّ ولا احتساب أجر «٧» ، وخرج جيل «٨» ضعيف كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.
٦١٥- خطب الحسن بن علي ﵉ بعد وفاة أبيه فقال:
أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام شدة ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسبقت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع. وكنتم في مبتداكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم ودنياكم أمام دينكم، وكنا لكم وكنتم لنا، فصرتم الآن كأنكم علينا، ثم أصبحتم بعد ذلك تعدون قتيلين: قتيلا بصفّين تبكون عليه وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأره. فأما الباكي فخاذل، وأما
стр. 2448
الطالب فثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه إليه، وحاكمناه إلى الله تعالى، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا بالرضى. فناداه القوم البقية البقية.
[٦١٦]- خطب معاوية بالمدينة فقال:
أما بعد، فإنّا قدمنا على صديق مستبشر، وعلى عدوّ مستبسر «١» ، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون «٢» ، ولست أسع «٣» الناس كلّهم، فإن تكن محمدة فلا بدّ من لائمة، ليكن لوما هونا إذا ذكر غفر، وإياكم والعظمى التي إن ظهرت أوبقت، وإن خفيت أوتغت «٤» .
[٦١٧]- خطب معاوية «٥» بالمدينة فقال، وكان رقي المنبر فأرتج عليه، فاستأنف فأرتج عليه، فقطع الخطبة، وقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوّال. فبلغ كلامه عمرو بن العاص فقال: هن مخرجاتي من الشام، استحسانا لكلامه.
стр. 2449
[٦١٨]- وصعد زياد المنبر فلما حمد الله وأثنى عليه أراد الخطبة فأرتج عليه فقال: معاشر الناس إنّ الكلام يجيء أحيانا وربما كوبر «١» فعسا، وتكلّف فأبى، والتعمل لأتيّه خير من التعاطي لأبيّه «٢» ، وسأعود فأقول؛ ثم نزل.
[٦١٩]- وقدم زياد البصرة واليا لمعاوية والفسق فيها ظاهر فاش، فخطب خطبة قال فيها: الحمد لله على إفضاله، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا.
أما بعد فإن الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء، والغيّ الموفي بأهله على النار، ما أصبح فيه «٣» سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله ، ولم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمديّ الذي لا يزول.
أتكونون كمن طرفت الدنيا عينه وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تدركون «٤» أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر،
стр. 2450
والعدد غير قليل؟ ألم يكن فيكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟
قرّبتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون عن المختلس. كلّ امرىء منكم يذبّ عن سفيهه، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء «١» ، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الرّيب. حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.
وإني أقسم بالله لأخذنّ الوليّ بالمولى، والمقيم بالظّاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر تلقى منشورة «٢» ، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتي: من نقب عليه فأنا ضامن له ما ذهب منه «٣» ؛ فإيّاي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر من الكوفة ويرجع إليكم؛ وإيّاي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها «٤» إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة: من غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق على قوم «٥» أحرقناه، ومن نقب على قوم بيتا نقبنا عليه قلبه «٦» ، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيا. كفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفّ عنكم يدي ولساني. ولا يظهر من أحدكم خلاف «٧» ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام
стр. 2451
إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السّلّ من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره «١» . فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطاناه «٢» ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا «٣» . فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا؛ فاستوجبوا عدلنا وفيأنا بمناصحتكم إيّانا. واعلموا [أني] مهما قصّرت عنه فلن أقّصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه، ولا مجمّرا «٤» لكم بعثا. فادعوا الله تعالى بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا؛ ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم «٥» ، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم كان شرّا لكم. أسأل الله تعالى أن يعين كلّا على كلّ. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله. وايم الله، إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي.
فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: كذبت ذاك نبيّ الله داود.
فقام الأحنف فقال: إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء؛ وإنّا لا نثني
стр. 2452
حتى نبتلي، ولا نحمد حتى نعطى.
قال له زياد: صدقت.
فقام أبو بلال يهمس وهو يقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
(النجم:
٣٧- ٤١) . فسمعها زياد فقال: إنّا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك «١» حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.
٦٢٠- قيل لبعض الخطباء: لقد جوّدت في خطبتك. فقال: إنني عرفت هذا الأمر وعودي قريب من العلوق، وطينتي قابلة للطبع، لم يعترضني شاغل الأزمان، ولم يعتلقني طارق الحدثان، فأنا كما قال مهديّ ابن الملوّح: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكّنا
[٦٢١]- خطبة قس بن ساعدة الإيادي «٢» :
أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا: إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، أقسم قسّ قسما لا كذب فيه ولا إثم: إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، وبحر مسجور، ونجوم تسير ولا تغور. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ أقسم بالله قسما: إنّ لله دينا هو أرضى من دين نحن
стр. 2453
عليه؛ وأراكم قد تفرقتم بآلهة شتّى. وان كان الله ربّ هذه الآلهة، إنه ليجب أن يعبد وحده. كلّا إنه الله الواحد الصمد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المعاد «١» غدا.
وقال «٢» : [من الكامل المجزوء]
في الذاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
٦٢٢- خطبة لجبلة بن حريث العبدي:
أيها الناس، إنّما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيّا، وسنعود إلى مبدانا فإما رشدا وإما غيّا. إنّ العواري اليوم والهبات غدا، لا بدّ من رحيل عن محل نازل؛ ألا وقد تقارب سلب فاحش وعطاء جزل، وقد أصبحتم في محلّ منزل لا يثبت فيه سرور يسر، ولا أصابه حضور عسر، ولا تطول فيه حياة مرجوّة إلا اخترمها موت مخوف، ولا يوثق فيها بحلف ماض، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، تسوقكم إلى الفناء، فلم تطلبون البقاء؟.
٦٢٣- خطبة للعملّس:
هل لكم في الكلمات: مطر ونبات، وبنون وبنات، وآباء وأمهات، وآيات في إثر آيات: سماء مبنية، وأرض مدحيّة، ضوء وظلام، وليال وأيام، وسعيد وشقيّ، ومحسن ومسي، وفقير وغني. أين الأرباب الفعلة، ليجدنّ كلّ
стр. 2454
عامل عمله؟ أين ثمود وعاد؛ أين الآباء والأجداد؟ أين الخيل التي تشكم، وأين الظلم الذي لم ينقم؟.
الأصل مدحوّة ولكنه زاوج بينها وبين مبنية وتكون مبنية من دحيت، والعرب تفعل ذلك وتقول: مجفو ومجفيّ وهو مبني من جفي.
[٦٢٤]- خطبة لهاشم «١» بن عبد مناف:
خطب فقال: أيها الناس، الحلم شرف والصبر ظفر، والجود سؤدد والمعروف كنز، والجهل سفه، والعجز ذلّة، والحرب خدعة، والظفر دول، والأيام غير، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، واستشعروا الجدّ تفوزوا به، ودعوا الفضول يجانبكم «٢» السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا عن الحقيقة يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق «٣» بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيّة فإنّها تضع الشرف وتهدم المجد، والسلام.
[٦٢٥]- خطب أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب عند تزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂:
الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنّ محمّدا بن عبد الله ابن أخي من لا
стр. 2455
يوازن به فتى من قريش إلا رجح به برّا وفضلا، وكرما وعقلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة ابنة خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصّداق فعليّ.
«٦٢٦» - خطبة النبي ﷺ وخبر تزويج فاطمة ﵍:
روي عن أنس أنه «١» قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ إذ غشيه الوحي، فمكث «٢» هنيهة ثم أفاق فقال لي: يا أنس أتدري ما جاءني به جبريل من عند صاحب العرش ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ ربي تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ بن أبي طالب ﵉. انطلق ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعدّتهم من الأنصار، فانطلقت فدعوتهم، فلما أخذوا مقاعدهم قال النبي ﷺ :
الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب من عذابه، المرغوب في ما عنده، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه ﷺ . ثم إن الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لا حقا وأمرا مفترضا، وشّج به الأرحام، وألزمه الأنام، قال الله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
(الفرقان: ٥٤) . فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكلّ قضاء قدر، ولكلّ قدر أجل يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
(الرعد ٣٩) ثم إنّ ربّي تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ بن أبي طالب، وقد زوجتها إياه على أربعمائة مثقال من فضة إن رضي بذلك عليّ.