عليه مجلسه، ففعل ذلك الغسّاني وعند ملك الروم بطارقته، فوثبوا عليه ليقتلوه، وثاروا إلى وجهه بالسيوف فنهاهم ملكهم وقال: كنت أظنّ أنّ لكم عقولا، إنما أراد معاوية أن أقتل هذا غدرا وهو رسول، فيفعل ذلك بكل مستأمن منا ويهدم كلّ كنيسة في مملكته، فجهّزه وأكرمه وردّه. فلما رآه معاوية قال: أفلت وانحصّ الذنب، فقال: كلا إنه لبهلبه، وحدثه الحديث، فقال معاوية: لقد أصاب ما أردت.
«٤٥٩» - ومن أمثالهم: «أفلت وله حصاص» .
«٤٦٠» - «أفلتني جريعة الذقن» ، إذا كان منه قريبا.
«٤٦١» - ويقال للخائف: «أفرخ روعك» ، والمثل لمعاوية، قاله لزياد.
٣٩- الجهل والحمق
«٤٦٢» - ومن أمثالهم: «لا يدري ما هرّ من برّ» .
«٤٦٣» - و «لا يدري أي طرفيه أطول» ، معناه أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه؟
«٤٦٤» - ومنها: «لا يدري أسعد الله أكثر أم جذام» وهما حيان بينهما من التفاوت ما لا يخفى على جاهل، قاله حمزة بن الضليل البلوي لروح بن زنباع الجذامي.
стр. 2732
وقال الشاعر: [من الوافر]
لقد أفحمت حتى لست تدري ... أسعد الله أكثر أم جذام
«٤٦٥» - ويقولون: «ضلّ الدّريص نفقه» ، وهو تصغير الدّرص، والدّرص ولد اليربوع، يضرب في الحجة إذا أضلّها الباغي.
«٤٦٦» - «قد يضرط العير والمكواة في النار» ، كأنه جاهل بما يراد به.
ويروى هذا المثل عن عمرو بن العاص.
«٤٦٧» - ويقولون: «حدّث حديثين امرأة فإن أبت فأربعة» .
ويروى «حدّث حديثين امرأة فإن لم تفهم فأربع» ، أي كفّ عنها واسكت.
«٤٦٨» - ومن أمثالهم: «ربما كان السكوت جوابا» .
«٤٦٩» - ويقولون: «كالممهورة من مال أبيها» .
«٤٧٠» - و «كالممهورة إحدى خدمتيها» .
«٤٧١» - ويقولون: «خرقاء عيّابة» .
«٤٧٢» - ومن أمثالهم: «من كل شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه» .
«٤٧٣» - «سفه بالناب الرغاء» ، أي سفه بالشيخ التصابي.
стр. 2733
٤٠- البلية على البلية
«٤٧٤» - من أمثالهم في هذا: «أغيرة وجبنا» ، قالته امرأة من العرب لزوجها، وقال أبو عبيدة: هذه امرأة المثنى بن حارثة، قالته يوم القادسية لسعد ابن أبي وقاص، كان قد تزوجها بعد قتل المثنى.
«٤٧٥» - ومن أمثالهم: «هو بين حاذف وقاذف» ، والحاذف بالعصا والقاذف بالحجر.
«٤٧٦» - ويقولون: «ضغث على إبالة» ، الإبّالة الحزمة من الحطب، والضغث الجرزة التي فوقها.
«٤٧٧» - ويقولون: «أحشفا وسوء كيلة» .
«٤٧٨» - ومن قول عامر بن الطفيل: «أغدّة كغدة البعير وموتا في بيت سلولية» . قال الشاعر [١] : [من الكامل]
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعقبوا بالصّيلم
«٤٧٩»
- ومن أمثالهم: «كالمستغيث من الرّمضاء بالنار» . أخذ العسس
стр. 2734
المستهلّ بن الكميت بن زيد في أيام المنصور فحبس، فكتب يشكو حاله وكتب في آخر الرقعة [١] : [من الطويل]
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم ... وخفناكم إن البلاء لراكد
فقال المنصور: صدق المستهلّ وأمر بتخلية سبيله.
«٤٨٠»
- ومن أمثالهم: «إن جرجر العود فزده ثقلا» .
«٤٨١»
- ومنها: «هل بعد السلب إلا الإسار» .
٤١- خيبة الأمل والسعي
«٤٨٢»
- ومن أمثالهم في نحو هذا: «كطالب القرن جدعت أذنه» .
«٤٨٣»
- ومنها: «كالباحث عن الشفرة» .
«٤٨٤»
- «كالشاة تبحث عن سكين جزار» .
«٤٨٥»
- «سقط العشاء به على سرحان» .
стр. 2735
«٤٨٦»
- «كمبتغي الصيد في عرّيسة الأسد» .
وقال جرير [١] : [من الطويل]
يشقّ على ذي الحلم أن يتبع الهوى ... ويرجو من الأمر الذي ليس لاقيا
وإني لمغرور أعلّل بالمنى ... ليالي أرجو أنّ مالك ماليا
وقال الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد الظّنّة المتنصّح
وقال عديّ بن زيد [٢] : [من الرمل]
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
«٤٨٧»
- ومن أمثال أكثم بن صيفي: «من فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء» .
«٤٨٨»
- ومن أمثالهم: «رجع فلان من حاجته بخفّي حنين» ، وحنين إسكاف بالحيرة، ساومه أعرابي بخفّين فاختلفا حتى أغضبه الأعرابي، فلما ارتحل ألقى أحد خفّيه في طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر، فلما مرّ الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين، لو كان معه الآخر أخذته؛ ومضى فلما
стр. 2736
انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، فلما مضى الأعرابي عمد حنين إلى راحلته وما عليها وذهب بها، وأقبل الأعرابي ليس معه غير الخفّين، فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: قد جئتكم بخفّي حنين، فصار مثلا.
«٤٨٩»
- ويقال للرجل إذا جاء من حاجته فارغا: «جاء يضرب أصدريه» ، أي عطفيه، ويقرب من هذا المعنى قول الشاعر: [من الطويل]
يقولون إن العام أخلف نوؤه ... وما كلّ عام روضة وغدير
«٤٩٠»
- ويقرب من ذلك قولهم: «أسمن كلبك يأكلك» ، ويقال سمّن.
قال المفضل: كان لرجل من طسم كلب يسقيه اللبن ويطعمه اللحم، وكان يأمل فيه أن يصيد، فضري الكلب على ذلك، فجاع يوما وفقد اللحم، فجاء ربّه فوثب عليه وأكل من لحمه.
٤٢- ما جاء في العدة بارتحالها فيجدها
«٤٩١»
- من الأمثال في ذلك قولهم: «إلى أمه يلهف اللهفان» .
«٤٩٢»
- و «لمثله كنت أحسيك الحسى» ، وأصله الرجل يغذو فرسه بالألبان فيقول ذلك عند الهرب والنجاة. ومثله قول القطامي [١] : [من الكامل]
стр. 2737
وإذا يصيبك والحوادث جمّة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق
«٤٩٣»
- ويتصل بهذا المعنى من وجه آخر قولهم: «كلّ ضبّ عنده مرداته» ، والمرداة الحجر الذي يرمى به، ويقال: إن الضب قليل الهداية فلا يتخذ جحره إلا عند حجر يكون علامة له، فبه يرميه الطالب له، فهو كالعدة له.
٤٣- ألزم الأمور بصاحبها
«٤٩٤»
- من أمثالهم في هذا: «ابنك ابن بوحك» .
«٤٩٥»
- «ابنك من دمّى عقبيك» . ويروى: ولدك. وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن امرأة لطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهي امرأة من بلقين، فولدت له عقيل بن الطفيل فتبنّته كبشة بنت عروة بن جعفر بن كلاب، فقدم عقيل على أبيه يوما فضربه، فجاءته كبشة فمنعته وقالت: ابني، فقالت القينية: ابنك من أدمى عقبيك.
«٤٩٦»
- ومن أمثالهم من ذلك: «منك الحيض فاغسليه» .
«٤٩٧»
- ومن أمثالهم في تقارب هذا المعنى: «الحريص يصيدك لا الجواد» .
«٤٩٨»
- وقال المساور بن هند: «إن الشقي بكل حبل يخنق» .
стр. 2738
«٤٩٩»
- ومثله: «إن الشقاء على الأشقين مصبوب» .
«٥٠٠»
- ومن أمثالهم: «شنشنة أعرفها من أخزم» .
«٥٠١»
- «لا يدعى للجلّى إلا أخوها» .
«٥٠٢»
- «ربّ مملول لا يستطاع فراقه» .
٥٠٣- «ربّ مخالفة لا يمكن طلاقها» .
«٥٠٤»
- «لا يعجز مسك السّوء عن عرف السوء» .
«٥٠٥»
- ويقرب من هذا المعنى قولهم: «أينما أذهب ألق سعدا» ، قاله الأضبط ابن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، آذته عشيرته من بني سعد، فخرج عنهم فجعل لا يجاور قوما إلا آذوه، أي أفرّ من الأذى إلى مثله.
٤٤- الجاني على نفسه
«٥٠٦»
- من أمثالهم في هذا: «أتتك بحائن رجلاه» .
«٥٠٧»
- «يداك أوكتا وفوك نفخ» ، الأول قاله عمرو بن هند وكان آلى
стр. 2739
ليقتلنّ من تميم مائة رجل- في خبر طويل- وليحرقنّهم، فأحرق تسعة وتسعين وأعوزه الرجل، فإذا براكب يخبّ وقد رأى القتار فظنّه الطعام يصنع، فلما أشرف على عمرو وقال له من أنت؟ قال: من البراجم.
٥٠٨- فقال له عمرو: «إن الشقيّ راكب البراجم» ، فأرسلها مثلا، ثم أحرقه؛ والمثل الثاني أصله أن رجلا كان في بعض جزائر العرب، فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل فقال له هذه المقالة.
٥٠٩- ومن أمثالهم: «لا يضرّ الشرّ إلا من جناه» .
«٥١٠»
- «لا يحزنك دم ضيّعه أهله» .
«٥١١»
- «على أهلها دلّت براقش» . الأول قاله جذيمة الأبرش لما قطعت الزبّاء رواهشه فقال قائل: احفظوا دم الملك لا يقطر منه إلى الأرض شيء فقال جذيمة عند ذلك هذا المثل. وأما براقش فهي كلبة نبحت على جيش مرّوا ولم يشعروا بالحي الذي فيه الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أن أهلها هناك، فعطفوا عليهم فاستباحوهم.
«٥١٢» - ومن أمثالهم مما يقارب هذا: «كانت عليهم كراغية البكر» وهو بكر ثمود، وخبره سائر.
«٥١٣» - ويقولون: «نزت به البطنة» .
стр. 2740
«٥١٤» - ومن أمثالهم: «كالنازي بين القرينين» ، وأصله في الإبل أن يترك الذكر فيأخذ في النزوان حتى يوثق في القران، ويقرب من هذه المعاني قول ابن هرمة [١] : [من الوافر]
وحسبك تهمة ببريء قوم ... يضمّ على أخي سقم جناحا
«٥١٥» - ومن أمثالهم: «كمجير أمّ عامر» .
«٥١٦» - ومنها: «ما لاقى يسار الكواعب» ، وكان من حديثه أن عبدا لبعض العرب ولمولاه بنات فجعل يتعرّض لهنّ ويراودهنّ عن أنفسهنّ، فقلن له: يا يسار اشرب ألبان هذه اللقاح ونم في ظلال هذه الخيام، ولا تتعرّض لبنات الكرام، فأبى؛ فلما أكثر عليهنّ واعدنه ليلا فأتاهنّ وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهنّ قبضن عليه فجببن مذاكيره، فصار مثلا لكلّ جان على نفسه متعدّ لطوره.
«٥١٧» - ومن أمثالهم: «كالكبش يحمل شفرة وزنادا» .
٥١٨- «أحسن فوق» . وقال نصيب [٢] : [من الطويل]
وإني وإياهم كساع لقاعد ... مقيم وأشقى الناس بالشعر قائله
стр. 2741
٤٥- الإحالة بالذنب على من لم يجنه
من ذلك قول النابغة [١] : [من الطويل]
وحمّلتني دنب امرىء وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
والعرّ داء يأخذ الإبل في مشافرها وقوائمها، تزعم العرب أنهم إذا كووا الصحيح برىء السقيم، والعرّ بالفتح الجرب.
«٥١٩» - ومن أمثالهم: «كالثور يضرب لما عافت البقر» ، من شرب الماء ضربوا الثور يزعمون أن الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب. قال الحارث بن حلزة [٢] : [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظباء
كان الرجل ينذر إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا ما ذبح عنها كذا، فإذا بلغت ضربها وعمد إلى الظباء يصطادها ويذبحها وفاء بالنذر. وقال الفرزدق [٣] :
[من الطويل]
وشيّبني أن لا يزال مرجّم ... من القول مأثور خفيف محامله
تقوّله غيري لآخر مثله ... ويرمى به رأسي ويترك قائله
وقال نهشل بن حري: [من الطويل]
стр. 2742
تخلّيت من داء امرىء لم يكن له ... شريكا وألقى رحله في الحبائل
فإن تغرموني داء غيري أحتمل ... ذنوب ذئاب القريتين العواسل
«٥٢٠» - ومن أمثالهم: «ما لي ذنب إلا ذنب صحر» .
«٥٢١» - «جزاني جزاء سنمار» ، وخبرهما، قال المفضل: هي صحر بنت لقمان العادي، وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم، فخرجا مغيرين فأصابا إبلا كثيرة، فسبق لقيم إلى منزله، فعمدت أخته صحر إلى جزور منها مما قدم به لقيم فنحرتها وصنعت منها طعاما يكون معدا لأبيها لقمان إذا جاء تتحفه به، وكان لقمان حسد ابنه لقيما لتبريزه- كان- عليه، فلما قدم لقمان قدّمت صحر إليه الطعام وعلم أنه من غنيمة لقيم لطمها لطمة فقأت عينها، فصارت عقوبتها مثلا لكل من لا ذنب له يعاقب.
وكان من حديث سنمار أنه كان بناء وكان مجيدا، وهو من الروم، فبنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرىء القيس، فلما نظر إليه النعمان كره أن يعمل مثله لغيره فألقاه من أعلى الخورنق فخرّ ميتا. وفيه يقول القائل [١] : [من الطويل]
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
«٥٢٢» - ومثله: «إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا» .
стр. 2743
«٥٢٣» - «الحديد بالحديد يفلح» .
«٥٢٤» - «النبع يقرع بعضه بعضا» .
«٥٢٥» - «رمي فلان بحجره» .
٥٢٦- ويقولون: «ليس هو حقيقة ولكنه قريب منه» .
«٥٢٧» - «لئن التقى روعي وروعك لتندمنّ» .
«٥٢٨» - ويقولون: «ادفع الشر بمثله إذا أعياك غيره» .
وقال الفند الزّمّاني [١] : [من الهزج]
وفي الشرّ نجاة حي ... ث لا ينجيك إحسان
٤٦- دواء الشيء بمثله أو أشد
«٥٢٩» - «إن على أختك تطردين» ، وذلك أن فرسا نفرت فطلبت أختها، يضرب للرجل يلقى مثله في الدهاء والشجاعة أو غير ذلك.
«٥٣٠» - ومثله: «إن تك ضبّا فإني حسله» .
стр. 2744
«٥٣١» - ويقولون: «باءت عرار بكحل» ، وهما ثور وبقرة كانا لسبطين من بني إسرائيل، فقتل أحد السبطين الثور، فكادوا يتفانون بينهم حتى أباءوا به البقرة.
٥٣٢- ويقولون: «قد بل بعير أعزل» أي يمر بين يدي عدة. «إن يكن بطريرا فإني صهصلق» ، كلاهما بمعنى صخوب.
٤٧- تنافي الحالات
من شواهد الكتاب العزيز في ذلك قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
(الزمر: ٩) . وقوله : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
(التوبة: ١٠٩) . قيل نزلت في شأن مسجد قباء ومسجد الضّرار الذي بناه أبو عامر الراهب، أحد المنافقين، بناه ليقطع به النبيّ ﷺ والمؤمنين عن مسجد قباء. قوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
(السجدة: ١٨) . قيل نزلت في علي بن أبي طالب ﵇ وعقبة بن أبي معيط، وكان عقبة فخر على عليّ ﵇ فقال له عليّ ﵇: اسكت إنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، وشهد ما بعدها لعلي ﵇ بالجنة ولعقبة بالنار بقوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
(السجدة ١٩، ٢٠) . ذكره الزجاج وغيره.
«٥٣٣» - ومن أمثال العرب: «ماء ولا كصدّاء» ، وصدّاء بئر؛ وأصل هذا المثل أن ابنة هانىء بن قبيصة لما قتل عنها زوجها لقيط بن زرارة تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا، فقال لها ذات يوم: ما استحسنت من
стр. 2745
لقيط؟ فقالت: كل أموره كانت حسنة، ولكني أحدّثك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشى، فركب ورجع وبقميصه نضح من صيده، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمّني ضمّة وشمّني شمّة فيا ليتني متّ ثمّة، قال: ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمّها إليه وقال: أين أنا من لقيط؟
فقالت: ماء ولا كصدّاء.
«٥٣٤» - ومثله: «رجل ولا كمالك» ، يعنون مالك بن نويرة.
«٥٣٥» - و «مرعى ولا كالسّعدان» ، قالته امرأة من طيء لامرىء القيس، وكان مفرّكا، فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان. وأنشدوا للأسعر بن أبي حمران الجعفي: [من المتقارب]
أريد دماء بني مازن ... وراق المعلّى بياض اللبن
خليلان مختلف بالنا ... أريد العلاء ويبغي الثمن
يريد المعلّى فرسه، وكانت بنو مازن قتلت أباه وكانت خالته ناكحا في بني مازن؛ فكان الأسعر إذا وجد غفلة أغار على بني مازن فقتل فيهم؛ فقالت لهم خالته:
بوّلوا الودق على حافة الطريق وضعوا لبنا فلعل الفرس إذا وجد ريح ذلك احتبس فأصبتموه؛ ففعلوا ذلك وأغار عليهم وانصرف كعادته يحمي أصحابه حتى إذا أراد أن تسرح الفرس طفق الفرس إلى ريح اللبن والأبوال، وكثروه حتى اكتنفوه، فلما رأى ذلك قال: واثكل أماه وخالتاه! فلما سمعت ذلك خالته قالت: لا أراني إلا إحدى الثاكلتين، فنادت به أن اضرب فيه، ففعل فانسرح الفرس وذهب، وإنما أمرتهم بذلك لأن الفرس كان غذاؤه اللبن. وقال الأعشى
стр. 2746
وبيته هذا مثل سائر: [من السريع]
شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر
«٥٣٦» - ومن أمثال العرب: «أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق» ؟ ويروى: فمتى نتفق. التئق السريع إلى الشرّ، والمئق السريع البكاء. ويقال الممتلىء من الغضب.
«٥٣٧» - ومن أمثالهم: «ما يجمع بين الأروى وبين النعام» ، يقولون: تلك في رؤوس الجبال وهذه في السهولة.
«٥٣٨» - ومنها: «لا يجتمع السيفان في غمد» . ومنه قول أبي ذؤيب [١] :
[من الطويل]
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
ولهذا الشعر خبر قد ذكر في موضعه.
«٥٣٩» - ومنها: «ما يلقى الشجيّ من الخليّ» .
«٥٤٠» - ويقولون: «هان على الأملس ما لاقى الدّبر» .
стр. 2747
«٥٤١» - ومن أمثالهم: «حنّ قدح ليس منها» ، وأصله أن رجلا مدح قوما وأطراهم وليس منهم. ولما أمر رسول الله ﷺ يوم بدر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بالسيف صبرا قال: أقتل من بين قريش صبرا؟ فقال عمر ابن الخطاب ﵁: حنّ قدح ليس منها، أي أنك لست من قريش، وكان عمر قائفا. ويروى أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا في صفورية وكان أمية قد عمي فكان يقوده، فغناه ببيت جرير يقوله لعديّ بن الرقاع: [من البسيط]
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال عدي بن الرقاع [١] : [من الكامل]
والقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء
كالبرق منه وابل متتابع ... جود وآخر ما يجود بماء
والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء
«٥٤٢» - ويقولون في تنافي الحال بين الشبيبة والهرم: «كنت وما أخشّى بالذئب» ؛ ويقال: «كنت وما أخشى من الذئب» .
«٥٤٣» - «كنت وما يقاد بي البعير» ، والمثل لسعد بن زيد مناة بن تميم.
«٥٤٤» - ومن أمثالهم: «أريها السهى وتريني القمر» .
стр. 2748
«٥٤٥» - «تفرق من صوت الغراب وتفرس الأسد المشتّم» .
«٥٤٦» - «بئس العوض من جمل قيده» .
«٥٤٧» - «رأس في السماء واست في الماء» .
«٥٤٨» - «أضرطا وأنت الأعلى» .
«٥٤٩» - ويقولون: «سلكى ومخلوجة» ، يريدون الاختلاف. ويقولون إنما السلكى المستقيمة والمخلوجة المعوجة.
«٥٥٠» - ويقولون: «لا تجعل قدّك إلى أديمك» . القدّ مسك السخلة، وجمعه قداد، والأديم الجلد العظيم.
«٥٥١» - ومن أمثالهم: «مرة جيش ومرّة عيش» .
«٥٥٢» - «اليوم خمر وغدا أمر» ، قاله امرؤ القيس لما ورد عليه خبر قتل أبيه، وكان يشرب فذهبت مثلا.
«٥٥٣» - ومن أمثالهم: «شخب في الإناء وشخب في الأرض» ، وقد يضرب مثلا للرجل يخطىء ويصيب.
стр. 2749
«٥٥٤» - ومثله: «يشج مرة ويأسو أخرى» .
«٥٥٥» - ومثله: «أطرقي وميشي» ، وأصله خلط الصوف بالشعر، وقد يضرب للرجل يخلط كلامه بين صواب وخطأ.
«٥٥٦» - ومما يناسب هذا المعنى المثل السائر: «شبّ عمرو عن الطوق» ، معناه كبر عن سن الصغير الذي يلبس الطوق.
«٥٥٧» - وكذلك قولهم: «جلّت الهاجن عن الولد» ، قال أبو عبيد: الهاجن هي الصغيرة، ومنه يقال: اهتجنت الجارية إذا افترعت قبل الأوان، وإنما أرادوا صغرت. قال: وأنا أحسب هذا من الأضداد لأنهم يقولون للعظيم جلل.
ويقال أيضا في الحقير جلل؛ قال امرؤ القيس [١] : [من المتقارب]
لقتل بني أسد ربّهم ... ألا كل شيء سواه جلل
وقال لبيد في العظيم [٢] : [من الرمل]
ومن الأرزاء رزء ذو جلل
ومما يليق بهذا المعنى قول الشاعر: [من الوافر]
ألم تر أنّ سير الخير ريث ... وأن الشرّ سائره يطير
стр. 2750
وقال آخر: [من الطويل]
إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض الدّواهي المفظعات فأسرعا
فإن كان شرّا سار يوما وليلة ... وإن كان خيرا أبطأ السير أربعا
وتمثل بهذا البيت الثاني معاوية لما بلغه وفاة الحسن بن علي ﵉.
وقال أبو ذؤيب [١] : [من المتقارب]
فيا بعد داري من داركم ... كبعد سهيل من الفرقد
وقال المؤمّل: [من الكامل]
والقوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا
٥٥٨- ومن أمثالهم: «إن كنت ذوّاقا فإني نشبة» ، يقول: إن كنت لا وفاء لك، فإني دائم العهد، والنشبة الذي إذا عبث بالشيء لم يفارقه.
«٥٥٩» - ومنها: «جلّ الرّفد عن الهاجن» . الرفد: العسّ، والهاجن البكرة تنتج قبل أن يخرج لها سنّ.
٤٨- الرضا بالميسور إذا تعذر المنشود
«٥٦٠» - من أمثالهم في هذا النحو: «إذا عزّ أخوك فهن» ، قاله الهذيل بن هبيرة الثعلبي، وكان أغار على بني ضبّة فغنم وأقبل بالغنائم، فقال أصحابه:
اقسمها بيننا، قال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فلما
стр. 2751
لم يقبلوا قال المثل حينئذ، ثم نزل فقسم بينهم الغنائم.
«٥٦١» - ويقارب ذلك قولهم: «إن لم تغلب فاخلب» .
«٥٦٢» - «سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة» .
«٥٦٣» - ويناسبه: «كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع» . وأصله الرجل يمشي في الوقع- وهي الحجارة- حافيا فيصيبه الوجى.
«٥٦٤» - ومنه: «ولكن من يمشي سيرضى بما ركب» .
«٥٦٥» - ومثله: «ركب الصعب من لا ذلول له» .
«٥٦٦» - ومنه: «رضي من الوفاء باللفاء» ، واللفاء دون حق الرجل.
«٥٦٧» - ومنه: «إن تسلم الجلة فالسخل هدر» .
«٥٦٨» - ويقولون: «ارض من المركب بالتعليق» .
«٥٦٩» - ويقولون: «الثيّب عجالة الراكب» .
«٥٧٠» - ويقولون: «من حقر حرم» ، يحضون على المعروف ولا يحقر
стр. 2752
قليله. وقال الشاعر: [من البسيط]
وكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
[من الرجز]
يكفيك ما بلّغك المحلّا
وقال امرؤ القيس بن حجر [١] : [من الوافر]
إذا ما لم تجد إبلا فمعزى ... كأن قرون جلّتها العصيّ
إذا ما قام حالبها أرنّت ... كأنّ القوم صبّحهم نعيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ
قاله امرؤ القيس بن حجر، وقد نزل على المعلّى بن تيم الطائي حين طردته العرب، واتخذ هناك إبلا فغدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الإبل، وكانت لامرىء القيس رواحل مقيّدة خوفا من أن يدهمهم أمر ليسبق عليهنّ، فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا الإبل، فأخذتهم جديلة، فرجعوا إليه بلا شيء، فذلك قوله [٢] : [من الطويل]
فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل
ففرقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحتلبها. ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب [٣] : [من الوافر]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
يقول ذلك من أبيات أولها:
стр. 2753
أمن ريحانة الدّاعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع
وريحانة أخته سباها الصّمّة الجشميّ أبو دريد، فلم يقدر عمرو على استنقاذها، ثم تزوجها الصّمّة فأولدها دريدا وعبد الله وقيسا وخالدا وعبد يغوث.
«٥٧١» - ومنه قولهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
قال زياد بن منقذ: [من الطويل]
إذا سدّ باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
وقال يحيى بن زياد: [من الكامل]
وإذا توعّر بعض ما تسعى له ... فاركب من الأمر الذي هو أسهل
وقال أيضا: [من الوافر]
إذا كدرت عليك أمور ورد ... فجزه إلى موارد صافيات
«٥٧٢» - ويقولون: «إن الرشف أنقع» .
«٥٧٣» - و «قبح الله معزى خيرها خطّة» .
«٥٧٤» - ويقولون: «كل فضل من أبي كعب درك» ، لمن يطلب المعروف من بخيل فينيل يسيرا فيرضى به.
стр. 2754
٤٩- الأمر المضاع المهمل
«٥٧٥» - من أمثالهم في ذلك: «صفقة لم يشهدها حاطب» ، أصله أن بعض أهل حاطب باع بيعة غبن فيها، فقيل ذلك.
«٥٧٦» - ويقارب ذلك قولهم: «يخبط خبط عشواء» .
«٥٧٧» - ومن أمثالهم: «لا أبوك نشر ولا التراب نفد» .
«٥٧٨» - ومنها: «لا ماءك أبقيت ولا إناءك أنقيت» . قال الأحمر في المثل الأول: أصل هذا أن رجلا قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي، فقيل له ذلك، أي لا تدرك بهذا آثار أبيك ولا ينفد التراب. وأما المثل الثاني فأصله أن رجلا كان في السفر ومعه امرأته، وكانت عاركا، فحضرها طهرها ومعها ماء يسير فاغتسلت به، فلم يكفها لغسلها وقد أنفدت الماء، فبقيت هي وزوجها عطشانين.
«٥٧٩» - ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁: «النساء لحم على وضم إلا ما ذبّ عنه» .
«٥٨٠» - وقول كعب بن زهير: «أوسعتهم سبّا وراحوا [١] بالإبل» ، وكانت
стр. 2755
بنو أسد أغارت على إبلهم فهجاهم.
«٥٨١» - ويقرب من هذه المعاني قولهم: «إن الموصّين بنو سهوان» ، يراد أنهم يغفلون ويسهون عما يوصون به.
«٥٨٢» - ويقرب منه قولهم: «كفّ مطلقة تفتّ اليرمع» ، كأنها تفعل فعلا لا يفيدها.
«٥٨٣» - ويقولون: «بعد خيرتها يحتفظ» أي راعي الغنم، يضرب في الحذر بعد الإضاعة.
«٥٨٤» - «كثرت الحلبة وقلّ الرعاء» ، يضرب في ضياع الأمر مع كثرة الولاة.
٥٠- ارتفاع الخامل
«٥٨٥» - «إن البغاث بأرضنا يستنسر» ، وقد يريدون بذلك وصف بلادهم وأن الضعيف بها الجبان يصير شجاعا.
«٥٨٦» - ومن أمثالهم في هذا المعنى: «كان كراعا فصار ذراعا» ، وهذا يروى عن أبي موسى الأشعري.
«٥٨٧» - ومنها: «لكن بشعفين أنت جدود» ، وأصله أن امرأة أخصبت بعد هزل فذكرت درة لبتها ففرحت بها فقيل لها: لكن بشعفين أنت جدود،
стр. 2756
لم تكوني كذلك، وهو اسم موضع كانت تنزله.
«٥٨٨» - ومن أمثالهم: «استنّت الفصال حتى القرعى» .
«٥٨٩» - ويقولون: «الذئب يكنى أبا جعدة» ، وربما يريدون به إكرام من لا يراد إكرامه.
«٥٩٠» - ويقرب من هذا في طلب الزيادة ممن ليس لها بأهل: «أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا» ، وأصله أن جارية يقال لها أم عمرو، وكانت لمالك وعقيل ندماني جذيمة، فجلس إليهما رجل طويل الشعر والأظافير هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة فناولاه شيئا من الطعام فطلب أكثر منه، فعندها قالت أم عمرو: أعطي العبد ذراعا. ثم صاروا إلى الشراب فجعلت أمّ عمرو تسقي صاحبيها وتدع عمرا، ففيها يقول عمرو بن كلثوم [١] : [من الوافر]
صددت الكأس عنا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
فذهب كلامه وكلامها مثلين، وكان هذا كله قبل أن يعرفوه، فلما انتسب إلى مالك وعقيل فرحا وقدما به على خاله جذيمة، فكان من أمره وأمرهما ما ذكرت في موضعه.
وما أحسن ما قال البحتري في هذا المعنى [٢] : [من الطويل]
стр. 2757
متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا تنتظر إلا خمول نبيه
٥١- خمول النبيه
مما يقارب ذلك قول النبي ﷺ في استعاذته: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» ، أي من النقصان بعد الزيادة.
«٥٩١» - ومن أمثال العرب: «غلبت جلّتها حواشيها» ، الجلّة مسانّ الإبل وحواشيها صغارها ورذالها.
«٥٩٢» - ويقولون: «كان حمارا فاستأتن» .
«٥٩٣» - ويقولون في قريب منه: «أودى العير إلا ضرطا» .
«٥٩٤» - ومن أمثالهم: «استنوق الجمل» ، وهذا المثل لطرفة بن العبد، وكان عند بعض الملوك وشاعر ينشده شعرا، فوصف جملا ثم حوّله إلى نعت ناقة، فقال ذلك عندها، وقد يضرب هذا المثل في التخليط.
«٥٩٥» - ومن أمثالهم: «الحمّى أضرعتني لك» .
«٥٩٦» - ويقولون: «لم يبق منه إلا قدر ظمء حمار» ، يقال: إن الحمار أقل الدواب ظمئا.
«٥٩٧» - ويقولون: «كان جوادا فخصي» .
стр. 2758
٥٢- ما جاء في الشرّ وراءه الخير
من ذلك قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
(الشرح: ٥) . وقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً
(النساء: ١٩) .
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
(البقرة: ٢١٦) .
وقيل لبعض الصالحين وقد أجهد نفسه في العبادة: أتعبت نفسك قال:
راحتها طلبت.
وقال يزيد بن محمد المهلبي: [من الرجز]
ربّ زمان ذلّه أرفق بك ... لا عار إن ضامك دهر أو ملك
وقال آخر: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
«٥٩٨» - ومن أمثال العرب: «لا يضرّ الحوار ما وطئته أمّه» .
«٥٩٩» - ومن أمثالهم: «لم يذهب من مالك ما وعظك» ، يقول: إذا ذهب من مالك شيء فحذّرك أن يحلّ بك مثله، فتأديبه إياك عوض من ذهابه.
«٦٠٠» - ومن أمثالهم: «الغمرات ثم ينجلين» .
«٦٠١» - «عند الصباح يحمد القوم السّرى» ، المثلان للأغلب العجلي.
стр. 2759
«٦٠٢» - ومنها: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» ، قاله النعمان بن المنذر للصقعب بن عمرو النهدي. هذا قول ابن الكلبي، وزعم أن قضاعة ابن معدّ، ونهد بطن من قضاعة؛ وأما المفضل فقال: إنّ المثل للمنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة النهشليّ، فقال له شقة: أبيت اللّعن إن الرجال ليسوا بجزر يراد منهم الأجسام، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ذهبت مثلا، وأعجب المنذر ما رأى من بيانه وعقله، فسماه باسم أبيه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة.
٥٣- ما جاء في ضد ذلك
من شواهد الكتاب العزيز في هذا المعنى قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
(الأحقاف: ٢٤) . وقوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
(الأنبياء: ١١١) .
«٦٠٣» - ومن أمثال العرب: «ربّ صلف تحت الراعدة» ، والصلف قلّة الخير، والراعدة السحابة ذات الرعد. وقال أعرابي: ربّ مونق موبق. ومثله لشاعر ينهى عن تزوّج الحسناوات: [من البسيط]
ولن تمرّ بمرعى مونق أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
وقد تقدّم ذكر قوله ﷺ : «إياكم وخضراء الدمن» .
وقال رجل من عبد القيس: [من الرمل]
جامل الناس إذا ما جئتهم ... إنما الناس كأمثال الشّجر
منهم المذموم في منظره ... وهو صلب عوده حلو الثّمر
стр. 2760
وترى منه أثيثا نبته ... طعمه مرّ وفي العود خور
وقال آخر: [من البسيط]
ألح جودا ولم تضرر سحائبه ... وربما ضرّه في الحاجة المطر
وقال أبو نواس: [من البسيط]
بل استترت بإظهار البشاشة لي ... بالبشر مثل استتار النار بالعود
«٦٠٤» - ومن أمثالهم: «يا حبذا الميراث لولا الذلة» ، قاله نعامة حين قتل إخوته.
«٦٠٥» - «نعم كلب في بؤس أهله» ، يقول: إذا وقع الموت في مواشي القوم نعم كلبهم.
«٦٠٦» - ومثله: «سمن كلب ببؤس أهله» . وقال زهير [١] : [من الكامل المرفل]
والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
«٦٠٧» - ويقارب هذه المعاني قولهم: «ربّ عجلة تهب ريثا» .
«٦٠٨» - «من سرّه بنوه ساءته نفسه» ، هذا المثل لضرار بن عدي الضبي،
стр. 2761
وكان طعنه عامر بن مالك فأرداه عن فرسه، فأشبل عليه بنوه حتى استشالوه.
ودخل ضرار على المنذر فقال له: ما الذي نجاك يومئذ؟ قال: تأخير الأجل وإكراهي نفسي على المقّ الطّوال.
«٦٠٩» - ومن أمثالهم: «ربّ أمنيّة قادت إلى منية» .
«٦١٠» - ويقولون: «شرّ يوميها وأغواه لها» ، أصله أن امرأة من طسم يقال لها عنز سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت هذه المقالة.
ولها يقول الشاعر [١] : [من الرمل]
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا
«٦١١» - ويقولون: «تجنّب روضة وأحال يعدو» ، أي ترك الخصب واختار الشقاء.
٦١٢- ويقولون: «تبرد هذا الضبّ فذنّب» ، أي أخرج ذنبه فحان، أراد أن يقع في الخير فوقع في الشر.
٥٤- الخطأ والاختلاط
«٦١٣» - «إن أخا الظلماء أعشى بالليل» ، يضرب لمن يخطئ حجته ولا يبصر المخرج منها.
«٦١٤» - ومن أمثالهم: «أساء رعيا فسقى» ، وأصله أن يسيء الراعي رعي
стр. 2762
الإبل نهاره، حتى إذا أراد أن يريحها إلى أهلها كره أن يظهر سوء أثره فيسقيها الماء فتمتلئ أجوافها.
«٦١٥» - ويقولون في الاختلاط: «اختلط الحابل بالنابل» .
«٦١٦» - ويقولون: «اختلفت رؤوسها فرتعت» ، يضرب مثلا في الاختلاط واختلاف الكلمة.
٥٥- الجميل يكدّر بالمنّ
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
(البقرة: ٢٦٤) .
«٦١٧» - ومن أمثال العرب: «شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد» ، وينسب إلى عمر بن الخطاب ﵁. وقال الحطيئة: [من الطويل]
«وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا»
[١] «٦١٨» - ومن أمثالهم: «ما ضفا ولا صفا عطاؤك، كدّره ما قال أحباؤك» ، أي يمنّون علي والمنّة تكدّر المعروف.
стр. 2763
٥٦- ما جاء في اغتنام الفرصة
«٦١٩» - من أمثالهم في ذلك: «خذ من جذع ما أعطاك» . قال المفضل:
كان من حديثه أن غسان كانت تؤدي إلى ملوك سليح دينارين كلّ سنة عن كلّ رجل، فكان الذي يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي. فجاء سبطة بن المنذر إلى جذع بن عمرو الغساني يسأله الدينارين، [فقال: أعجل لك أحدهما وأخر عليّ الآخر حتى أوسر، فقال سبطة: ما كنت لأؤخّر عليك شيئا] ، فدخل جذع إلى منزله ثم خرج مشتملا على سيفه، فضرب سبطة حتى سكت ثم قال: خذ من جذع ما أعطاك. فذهب مثلا، وامتنعت غسان من الدينارين بعد ذلك.
«٦٢٠» - ومنه قولهم: «أسر وقمر بدر» .
ويقاربه قولهم: «إذا أصبت إبلا فاذهب بها وأبعدن مراحها من ريّها» ، يقال هذا للرجل بين القوم فيؤمر أن ينأى عنهم كيلا يصيبوه بمثل ما أصابهم.
٥٧- ومن أمثالهم في اللقاء
«٦٢١» - يقولون في اللقاء عن قرب: «لقيته أدنى ظلم» .
«٦٢٢» - و «لقيته أول عين» ، أي أول شيء.
«٦٢٣» - و «لقيته أول ذات يدين» .
стр. 2764
«٦٢٤» - و «لقيته شدّ النهار ومدّه» ، ومدّه ارتفاعه.
«٦٢٥» - و «لقيته سراة اليوم» ، أي أوله.
«٦٢٦» - و «لقيته أديم الضحى» ، أي أوسطه وأوله [ولقيته] التقاطا. قال الشاعر: [من الرجز]
«ومنهل وردته التقاطا»
«٦٢٧» - ويقال في المواجهة: «لقيته كفاحا» .
«٦٢٨» - و «لقيته صراحا» .
«٦٢٩» - و «لقيته كفّة» .
«٦٣٠» - وإذا لقيته في اليومين أو الثلاثة قلت: «لقيته في الفرط» . قال الأحمر: ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة.
«٦٣١» - فإن لقيته بعد شهر أو نحوه قلت: «لقيته عن عفر» .
«٦٣٢» - فإن لقيته بعد الحول قلت: «لقيته عن هجر» .
«٦٣٣» - ويقولون: «لقيته بين سمع الأرض وبصرها» ، إذا كان يأتيه ثم يمسك
стр. 2765
ثم يأتيه، والاعتمار الزيارة متى كانت، قال أعشى باهلة: [من البسيط]
وراكب جاء من تثليث معتمرا
وقال أبو عبيدة: هو المعتمّ بالعمامة، وكل شيء جعلته على رأسك من عمامة أو قلنسوة أو تاج أو إكليل فهو عمار.
٥٨- تعذّر الأمر وما يعرض دونه
«٦٣٤» - من أمثالهم في ذلك: «من لي بالسانح بعد البارح» ؛ وأصله أن رجلا مرّت به ظباء بارحة فكره ذلك، فقيل إنها ستمر بك سانحة، فعندها قال ذلك.
«٦٣٥» - ومنها: «لا تك كالمختنقة على آخر مدّها» ، وذلك أنها طحنت طحينها فلما بقي مدّ انكسر قطب الرحى.
«٦٣٦» - ومن أمثالهم: «حيل بين العير والنّزوان» . قال الشاعر [١] :
[من الطويل]
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
«٦٣٧» - ويقولون: «قد علقت دلوك دلوا أخرى» ، يريدون أنها تعلق بها فتمنعها من الصعود، وقد يقال ذلك في الاشتراك. قال الشاعر: [من الطويل]
وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد
стр. 2766
«٦٣٨» - ومن أمثالهم: «حال الجريض دون القريض» ، والمثل لعبيد بن الأبرص في قصته مع النعمان.
«٦٣٩» - ومنها: «سدّ ابن بيض الطريق» . أصله أن رجلا في الزمن الأول يقال له «ابن بيض» عقر ناقة على ثنيّة فسدّ بها الطريق، فمنع الناس من سلوكها. وقال المفضل: كان ابن بيض رجلا من عاد وكان تاجرا مكثرا، وكان لقمان بن عاد يخفره في تجارته، ويجيره على خرج يعطيه ابن بيض يضعه له على ثنية إلى أن يأتي لقمان فيأخذه، فإذا أبصره لقمان قد فعل ذلك قال: قد سدّ ابن بيض السبيل. يقول: إنه لم يجعل لي سبيلا على أهله وماله حتى وفى لي بالجعل الذي سمّاه.
«٦٤٠» - ويقرب من ذلك قولهم: «من لك بذناب «لو» ؛ أي من لك بأن يكون «لو» حقا.
٥٩- ما جاء في طلب الحاجة وما يليق بذلك
«٦٤١» - ومن أمثالهم: «أتبع الفرس لجامها» ، يضرب للحاجة يطلب تمامها. المثل لعمرو بن ثعلبة الكلبي أخي عدي بن جناب، وكان ضرار بن عمرو الضبي قد أغار عليهم فسبى يومئذ سلمى بنت وائل الصائغ، وكانت يومئذ أمة لعمرو بن ثعلبة وكان له صديقا، فقال له: أنشدك بالإخاء والمودة إلا رددت عليّ أهلي، فجعل يردّ شيئا بعد شيء حتى بقيت سلمى، وكانت قد
стр. 2767
أعجبت ضرارا فأبى أن يردّها، فقال عمرو: يا ضرار أتبع الفرس لجامها، فأرسلها مثلا. وردّها عليه ضرار.
«٦٤٢» - ومن أمثالهم: «تمام الربيع الصيف» ، وأصله في المطر، فأوّله الربيع والصيف الذي يليه.
«٦٤٣» - ومنها: «السّراح مع النجاح» .
«٦٤٤» - ومنها: «ألق دلوك في الدلاء» . قال الشاعر [١] : [من الوافر]
وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء مليئة طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء
«٦٤٥» - ويقولون: «لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا» ، يضربونه مثلا لمن يسأل حاجة بعد حاجة قضيت له.
٦٠- ومن أمثالهم في الطلب
«٦٤٦» - «من أجدب انتجع» .
«٦٤٧» - «إن جانب أعياك فالحق بجانب» .
стр. 2768
«٦٤٨» - ومثله: «وفي الأرض للحرّ الكريم منادح» . والندحة السّعة.
«٦٤٩» - ويقولون: «النفس تعرف من أخوها النافع» .
«٦٥٠» - ومن كلامهم: «أدرّها وإن أبت» .
«٦٥١» - «سبق سيله مطره» .
«٦٥٢» - ويقولون إذا اهتمّ بها: «جعلها نصب عينيه» .
«٦٥٣» - وفي ضدّه: «جعلها بظهره» .
٦١- ما جاء في التعجيل وفوت الأمر
«٦٥٤» - من أمثالهم في هذا: «انقطع السّلا في البطن» ، أي فات الأمر.
«٦٥٥» - ويقولون للساهي يفوته الأمر: «يذهب يوم الغيم ولا تشعر به» .
قال البعيث: [من الطويل]
ولا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النّوازع
«٦٥٦» - ومن أمثالهم: «لا أدري أي الجراد عاره» ، للأمر يفوت، أي أيّ الناس آخذه.
стр. 2769
«٦٥٧» - ويقولون: «ضحّ رويدا» ، أي لا تعجل.
«٦٥٨» - ومن أمثالهم: «سبق السيف العذل» ، كان المفضل يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أدّ، وبدء ذلك أنه كان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد، وكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال:
«٦٥٩» - «أسعد أم سعيد» ؟
فذهبت هذه كلمته مثلا. قال: ثم إن ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث ابن كعب في الشهر الحرام إذ أتيا على مكان فقال الحارث لضبّة: أترى هذا الموضع فإني لقيت به فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف، وإذا هو صفة سعيد؛ فقال له ضبّة: أرني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبّة، فقال عندها:
«٦٦٠» - «إن الحديث ذو شجون» .
فذهبت كلمته هذه الثانية مثلا، ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس في ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال سبق السيف العذل. فذهبت هذه الثالثة مثلا.
«٦٦١» - ومن أمثالهم في ترك التعجيل: «الليل طويل وأنت مقمر» ، قاله
стр. 2770
السّليك لما هجم عليه الرجل وجلس على صدره وقال استأسر، يريد بالكلمة لا تعجل حتى تصبح.
«٦٦٢» - «الحذر قبل إرسال السهم» ، أي لا تفعل ما تخاف أن يفوت.
«٦٦٣» - ويقولون: «لا يملك حائن دمه» .
«٦٦٤» - «لا عتاب على الجندل» ، أي قد وقع الأمر الذي لا مردّ له.
«٦٦٥» - ومن أمثالهم في الفوت: «هلك القيد وأودى المفتاح» .
«٦٦٦» - ومن الفوت قولهم: «الصّيف ضيّعت اللّبن» ، المثل لعمرو بن عمرو بن عدس، وكانت عنده دختنوس ابنة لقيط بن زرارة، وكان ذا مال كثير إلا أنه كان كبير السنّ، ففر كته فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، فتزوجها بعده عمرو بن معبد بن زرارة ابن عمها، وكان شابا إلا أنه معدم، فمرّت إبل عمرو ابن عمرو ذات يوم بدختنوس فقالت لخادمتها: انطلقي فقولي له يسقينا من اللبن، فقال لها هذه المقالة، فذهبت مثلا؛ قال: ولعله كان طلقها بالصيف.
٦٢- ما جاء في سوء المكافأة وظلم المجازاة
«٦٦٧» - من أمثالهم في هذا المعنى: «من استرعى الذئب ظلم» .
«٦٦٨» - وقال أكثم بن الصيفي: «ليس من العدل سرعة العذل» .