«٦٣٨» - ومن أمثالهم: «حال الجريض دون القريض» ، والمثل لعبيد بن الأبرص في قصته مع النعمان.
«٦٣٩» - ومنها: «سدّ ابن بيض الطريق» . أصله أن رجلا في الزمن الأول يقال له «ابن بيض» عقر ناقة على ثنيّة فسدّ بها الطريق، فمنع الناس من سلوكها. وقال المفضل: كان ابن بيض رجلا من عاد وكان تاجرا مكثرا، وكان لقمان بن عاد يخفره في تجارته، ويجيره على خرج يعطيه ابن بيض يضعه له على ثنية إلى أن يأتي لقمان فيأخذه، فإذا أبصره لقمان قد فعل ذلك قال: قد سدّ ابن بيض السبيل. يقول: إنه لم يجعل لي سبيلا على أهله وماله حتى وفى لي بالجعل الذي سمّاه.
«٦٤٠» - ويقرب من ذلك قولهم: «من لك بذناب «لو» ؛ أي من لك بأن يكون «لو» حقا.
٥٩- ما جاء في طلب الحاجة وما يليق بذلك
«٦٤١» - ومن أمثالهم: «أتبع الفرس لجامها» ، يضرب للحاجة يطلب تمامها. المثل لعمرو بن ثعلبة الكلبي أخي عدي بن جناب، وكان ضرار بن عمرو الضبي قد أغار عليهم فسبى يومئذ سلمى بنت وائل الصائغ، وكانت يومئذ أمة لعمرو بن ثعلبة وكان له صديقا، فقال له: أنشدك بالإخاء والمودة إلا رددت عليّ أهلي، فجعل يردّ شيئا بعد شيء حتى بقيت سلمى، وكانت قد
стр. 2767
أعجبت ضرارا فأبى أن يردّها، فقال عمرو: يا ضرار أتبع الفرس لجامها، فأرسلها مثلا. وردّها عليه ضرار.
«٦٤٢» - ومن أمثالهم: «تمام الربيع الصيف» ، وأصله في المطر، فأوّله الربيع والصيف الذي يليه.
«٦٤٣» - ومنها: «السّراح مع النجاح» .
«٦٤٤» - ومنها: «ألق دلوك في الدلاء» . قال الشاعر [١] : [من الوافر]
وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء مليئة طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء
«٦٤٥» - ويقولون: «لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا» ، يضربونه مثلا لمن يسأل حاجة بعد حاجة قضيت له.
٦٠- ومن أمثالهم في الطلب
«٦٤٦» - «من أجدب انتجع» .
«٦٤٧» - «إن جانب أعياك فالحق بجانب» .
стр. 2768
«٦٤٨» - ومثله: «وفي الأرض للحرّ الكريم منادح» . والندحة السّعة.
«٦٤٩» - ويقولون: «النفس تعرف من أخوها النافع» .
«٦٥٠» - ومن كلامهم: «أدرّها وإن أبت» .
«٦٥١» - «سبق سيله مطره» .
«٦٥٢» - ويقولون إذا اهتمّ بها: «جعلها نصب عينيه» .
«٦٥٣» - وفي ضدّه: «جعلها بظهره» .
٦١- ما جاء في التعجيل وفوت الأمر
«٦٥٤» - من أمثالهم في هذا: «انقطع السّلا في البطن» ، أي فات الأمر.
«٦٥٥» - ويقولون للساهي يفوته الأمر: «يذهب يوم الغيم ولا تشعر به» .
قال البعيث: [من الطويل]
ولا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النّوازع
«٦٥٦» - ومن أمثالهم: «لا أدري أي الجراد عاره» ، للأمر يفوت، أي أيّ الناس آخذه.
стр. 2769
«٦٥٧» - ويقولون: «ضحّ رويدا» ، أي لا تعجل.
«٦٥٨» - ومن أمثالهم: «سبق السيف العذل» ، كان المفضل يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أدّ، وبدء ذلك أنه كان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد، وكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال:
«٦٥٩» - «أسعد أم سعيد» ؟
فذهبت هذه كلمته مثلا. قال: ثم إن ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث ابن كعب في الشهر الحرام إذ أتيا على مكان فقال الحارث لضبّة: أترى هذا الموضع فإني لقيت به فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف، وإذا هو صفة سعيد؛ فقال له ضبّة: أرني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبّة، فقال عندها:
«٦٦٠» - «إن الحديث ذو شجون» .
فذهبت كلمته هذه الثانية مثلا، ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس في ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال سبق السيف العذل. فذهبت هذه الثالثة مثلا.
«٦٦١» - ومن أمثالهم في ترك التعجيل: «الليل طويل وأنت مقمر» ، قاله
стр. 2770
السّليك لما هجم عليه الرجل وجلس على صدره وقال استأسر، يريد بالكلمة لا تعجل حتى تصبح.
«٦٦٢» - «الحذر قبل إرسال السهم» ، أي لا تفعل ما تخاف أن يفوت.
«٦٦٣» - ويقولون: «لا يملك حائن دمه» .
«٦٦٤» - «لا عتاب على الجندل» ، أي قد وقع الأمر الذي لا مردّ له.
«٦٦٥» - ومن أمثالهم في الفوت: «هلك القيد وأودى المفتاح» .
«٦٦٦» - ومن الفوت قولهم: «الصّيف ضيّعت اللّبن» ، المثل لعمرو بن عمرو بن عدس، وكانت عنده دختنوس ابنة لقيط بن زرارة، وكان ذا مال كثير إلا أنه كان كبير السنّ، ففر كته فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، فتزوجها بعده عمرو بن معبد بن زرارة ابن عمها، وكان شابا إلا أنه معدم، فمرّت إبل عمرو ابن عمرو ذات يوم بدختنوس فقالت لخادمتها: انطلقي فقولي له يسقينا من اللبن، فقال لها هذه المقالة، فذهبت مثلا؛ قال: ولعله كان طلقها بالصيف.
٦٢- ما جاء في سوء المكافأة وظلم المجازاة
«٦٦٧» - من أمثالهم في هذا المعنى: «من استرعى الذئب ظلم» .
«٦٦٨» - وقال أكثم بن الصيفي: «ليس من العدل سرعة العذل» .
стр. 2771
«٦٦٩» - ومن كلامهم: «ربّ لائم مليم» .
«٦٧٠» - ومن أمثالهم: «الحرب غشوم» ، أي يقتل فيها من لم يكن له فيها جناية ولا ذنب.
«٦٧١» - ويقولون: «الظلم مرتعه وخيم» . قال الشاعر: [من الكامل المجزوء]
البغي يصرع أهله ... والظّلم مرتعه وخيم
«٦٧٢» - ومن أمثالهم: «أحشّك وتروثيني» ، يخاطب فرسا له، يقول:
أعلفك الحشيش وأنت تروثين علّي.
«٦٧٣» - ومن أمثالهم: «شرّ الرّعاء الحطمة» . وقال الشاعر [١] : [من الوافر]
أعلّمه الرّماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني
«٦٧٤» - ومن أمثالهم: «لو ذات سوار لطمتني» .
«٦٧٥» - «لا تبل في قليب شربت منه» ، أي لا تذمّنّ من أسدى إليك معروفا.
стр. 2772
٦٣- ما جاء في الظن
قال الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
(الحجرات: ١٢) .
«٦٧٦» - ومن أمثالهم: «الشّفيق بسوء الظنّ مولع» .
«٦٧٧» - وقال أكثم بن صيفي: «من أحسن الظنّ أراح نفسه» .
«٦٧٨» - وقالوا: «من يسمع يخل» .
وقال الطرماح [١] : [من الطويل]
متى ما يسو ظنّ امرىء بصديقه ... وللظّنّ أسباب عراض المسارح
يصدّق أمورا لم يجئه يقينها ... عليه ويعشق سمعه كلّ كاشح
وقال ابن مقبل [٢] : [من المتقارب]
سأترك للظنّ ما بعده ... ومن يك ذا ريبة يستبن
ولا تتبع الظنّ إنّ الظنون ... تريك من الأمر ما لم يكن
وقال يحيى بن زياد [٣] : [من البسيط]
стр. 2773
وسوء ظنّك بالأدنين داعية ... لأن يخونك من قد كان مؤتمنا
وقال أيضا [١] : [من الطويل]
إذا أنت خونت الأمين بظنّة ... فتحت له بابا إلى الخون مغلقا
فإياك إياك الظنون فإنها ... وأكثرها كالآل لما ترقرقا
وقال آخر [٢] : [من الطويل]
إذا أنت لم تبرح تظنّ وتقتضي ... على الظنّ أردتك الظنون الكواذب
٦٧٩- ويقرب من البناء على الظن قولهم: «من يرقد يحلم» .
٦٤- ما جاء في التبرّي من الأمر
«٦٨٠» - من أمثالهم في هذا: «لا ناقة لي في هذا ولا جمل» ، قاله الحارث بن عباد في قتل جساس كليبا.
«٦٨١» - ويقولون: «ما لي بهذا الأمر يدان» .
«٦٨٢» - ويقولون: «هذا أحقّ منزل بترك» .
«٦٨٣» - ويقاربه: «لا يطاع لقصير أمر» ، قاله قصير بن سعد صاحب الزباء حين أشار على جذيمة فصدف عن رأيه.
стр. 2774
«٦٨٤» - ويقولون: «خلّ سبيل من وهى سقاؤه» ، أي خلّ سبيل من لا يريد صحبتك.
«٦٨٥» - ومثله: «إنما يضنّ بالضنين» . قال لبيد [١] : [من الكامل]
فاقطع لبانة من تعرّض وصله ... ولخير واصل خلّة صرّامها
«٦٨٦» - ومن أمثالهم: «لا قرار على زأر من الأسد» .
«٦٨٧» - ويقولون: «خلّ امرءا وما اختار، وإن أبى إلا النار» .
«٦٨٨» - ويقولون: «ألق حبله على غاربه» ، وأصله الناقة إذا أرسلت ترعى ألقي حبلها على غاربها؛ ولا يترك ساقطا فيمنعها من الرعي.
٦٥- ما جاء في الاستهانة وقلة الاحتفال
«٦٨٩» - يقولون: «على غريبتها تحدى الإبل» ، يريدون به تهاون الإنسان بمال غيره.
«٦٩٠» - والمثل السائر: «أحق الخيل بالركض المعار» .
«٦٩١» - ومن أمثالهم: «عثيثة تقرض جلدا أملسا» ، قاله الأحنف لحارثة بن
стр. 2775
بدر الغداني وعابه عند زياد، وذلك أنه طلب إلى علي ﵇ أن يدخله في الحكومة، فلما بلغه عيب حارثة إياه قال الأحنف ذلك. وهو مثل يضرب عند احتقار الرجل واحتقار كلامه.
«٦٩٢» - ويقولون: «من باع بعرضه فقد أنفق» ، أي من أهان عرضه للشتم وجده حاضرا.
«٦٩٣» - ومن أمثالهم: «احمل العبد على الفرس فإن هلك هلك وإن ملك ملك» .
«٦٩٤» - «ترى من لا حريم له يهون» .
«٦٩٥» - ومما يشبه ذلك ويضرب في من يفعل أمرا عظيما ولا يحتفل به ويظن أنه لم يصنع شيئا، ما حكاه يونس عن العرب: أن غلاما أخذ بعيرا فشق نصفه ثم أخرج مصيره وجعل يطويه فمرّ به قوم فقالوا: مه يا غلام؟ فقال: «إني لا أضيره وإنما أطوي مصيره» .
«٦٩٦» - ومن أمثالهم: «أهون هالك عجوز في عام سنة» .
«٦٩٧» - ويقال: «خلّه درج الضبّ» ، أي يذهب حيث يشاء.
«٦٩٨» - ويقولون: «أجع كلبك يتبعك» .
стр. 2776
وقال البريق الهذلي [١] : [من الطويل]
وكنت إذا الأيام أحدثن هالكا ... أقول شوى ما لم تصب بصميم
تصب من صاب أي قصد.
وقال الفرزدق في الاستهانة [٢] : [من الكامل]
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أو بلت حيث تناطح البحران
وقال آخر [٣] : [من الرمل]
ما يضرّ البحر أضحى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر
وقال آخر: [من الطويل]
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال آخر [٤] : [من الطويل]
أنار النار في أحجارها مستكنّة ... فإن كنت ممّن يقدح النار فاقدح
أنا الليث وابن الليث في حومة الوغى ... فإن كنت ممّن ينبح الليث فانبح
وقال ابن الرومي: [من البسيط]
لينبح الكلب ضوء البدر ما نبحا
وقال الأخطل [٥] : [من الطويل]
стр. 2777
عتبتم علينا آل غيلان كلّكم ... وأيّ عدوّ لم نبته على عتب
وقال آخر [١] : [من الطويل]
أهينوا مطاياكم فإني رأيته ... يهون على البرذون موت الفتى الندب
وقال آخر [٢] : [من البسيط]
لا يجفل البرد من يبلي حواشيه ... ولا يبالي على من راحت الإبل
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
٦٦- المشاركة في الرخاء والخذلان في الشدة
«٦٩٩» - من أمثالهم في ذلك: «يربض حجرة ويرتعي وسطا» .
ومثله [٤] : [من الوافر]
موالينا إذا افتقروا إلينا ... وإن أثروا فليس لنا موالي
وقريب منه [٥] : [من البسيط]
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
стр. 2778
«٧٠٠» - ويقولون: «من فاز بفلان فاز بالسهم الأخيب» ، لمن يخذل في وقت الحاجة، وقاله علي ﵇ فيما كان يستبطىء به أصحابه.
٦٧- ما جاء في الرخاء والسعة
«٧٠١» - يقولون في ذلك: «هم في شيء لا يطير غرابه» . ومن شعر النابغة:
ليس غرابها بمطار [١] . وأصله أنّ الغراب إذا وقع في موضع منه لم يحتج أن يتحوّل إلى غيره. وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضا.
«٧٠٢» - ويقرب منه قوله: «وجد ثمرة الغراب» ، إنما ينتقي من الثمر أطيبه وأجوده.
«٧٠٣» - ويقولون: «هم في مثل حدقة البعير» ، يريدون الخصب والعشب.
«٧٠٤» - «جاء بالضّحّ والريح» . الضح الشمس.
«٧٠٥» - و «جاء بالطّمّ والرّمّ» ، يريدون الكثرة.
«٧٠٦» - ومن أمثالهم: «إن أضاخا منهل مورود» .
стр. 2779
«٧٠٧» - ومنها: «يوم توافى شأوه وأنعمه» ، لمن يملك أمره ويكثر جمعه.
«٧٠٨» - ومنها: «تتابعي بقر» ، خبر ذلك أن بشر بن أبي خازم خرج سنة أسنت فيها قومه فمرّ بصوار من البقر وإجل من الأروى فذعرت منه فركبت جبلا وعرا ليس له منفذ، فلما نظر إليها قام على شعب من الجبل وأخرج قوسه وجعل يشير إليها كأنّه يرميها، فتلقي أنفسها فتكسّر، وجعل يقول [١] : [من الرجز]
أنت الذي تصنع ما لم يصنع ... أنت حططت من ذرا مقنّع
كلّ شبوب لهق مقنع
ويقول: تتابعي بقر، فخرج إلى قومه فدعاهم إليها فأصابوا من اللحم ما شاءوا وانتعشوا.
«٧٠٩» - ومن أمثالهم في السعة لمن يفسد في المال ويضيعه: «ليس عليك نسجه فاسحب وجر» .
«٧١٠» - «وقعت في مرتعة فعيثي» .
«٧١١» - «عبد وحلي في يديه» .
«٧١٢» - «عبد ملك عبدا» .
стр. 2780
«٧١٣» - «ارعي فزارة لا هناك المرتع» .
«٧١٤» - «عيثي جعار» .
«٧١٥» - «خلا لك الجوّ فبيضي واصفري» . وتمثل بذلك عبد الله بن العباس لما خلت مكة لعبد الله بن الزبير وسار الحسين بن علي ﵉ إلى العراق.
«٧١٦» - ومن أمثالهم في نحو ذلك: «كلّ ذات ذيل تختال» .
«٧١٧» - «من يطل ذيله ينتطق به» .
٦٨- المعجب بخاصة نفسه
«٧١٨» - من أمثالهم في ذلك: «كل مجر بالخلاء يسرّ» .
«٧١٩» - «زيّن في عين والد ولده» .
«٧٢٠» - «كلّ فتاة بأبيها معجبة» ، يروى هذا المثل للأغلب العجلي في شعر له، وقيل هو للعجفاء بنت علقمة، وقيل هو لكاهنة منهم تنافر إليها نسوان كلّ
стр. 2781
واحدة منهن تذكر مجد أبيها وتفخر به. وأنشد الرياشي [١] : [من المنسرح]
زيّنه الله بالفخار كما ... زيّن في عين والد ولده
وقال أبو تمام [٢] : [من الكامل]
ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
٦٩- الساعي لنفسه وفي خلاصه
«٧٢١» - من أمثالهم في هذا: «سمنكم هريق في أديمكم» ؛ لمن ينفق على نفسه ويمنع الناس.
«٧٢٢» - «كلّ امرىء في شأنه ساع» .
«٧٢٣» - «كلّ جان يده إلى فيه» . أصل المثل أن جذيمة الأبرش نزل منزلا وأمر الناس أن يجنوا الكمأة، فكان بعضهم إذا وجد شيئا يعجبه آثر به نفسه، وكان عمرو ابن عدي يأتيه بخير ما يجده فعندها قال عمرو بن عدي [٣] : [من الرجز]
هذا جناي وخياره فيه ... وكلّ جان يده إلى فيه
وتمثل بذلك علي ﵇ لما جبيت إليه العراق، فنظر إلى فتنتها وذهبها: يا حمراء يا بيضاء: احمرّي وابيضّي، غرّي غيري
стр. 2782
هذا جناي وخياره فيه ... وكل جان يده إلى فيه
«٧٢٤» - وقال أكثم بن صيفي: «من ضعف عن كسبه اتكل على زاد غيره» .
«٧٢٥» - ويقولون في الرضا بما في اليد والإياس مما في يد الغير: «ملء عينيك وشيء غيرك» .
٧٠- اليسير يجني الكثير
«٧٢٦» - من أمثالهم: «الشرّ تبدوه صغاره» .
قال مسكين الدارمي [١] : [من الكامل المجزوء]
ولقد رأيت الشرّ بي ... ن الحيّ تبدوه صغاره
ولو انهم يأسونه ... لتنهنهت عنهم كباره
«٧٢٧» - ومنها: «إن دواء الشقّ أن تحوصه» ، وأصل الحوص الخياطة، يعني قبل تفاقمه.
وقال طرفة بن العبد: [٢] [من الكامل]
قد يبعث الأمر الكبير صغيره ... حتى تظلّ له الدماء تصبّب
وقال يزيد بن الحكم [٣] : [من الكامل المجزوء]
стр. 2783
اعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع الحكيم
إن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم
وقال أنس بن مساحق العبدي: [من المتقارب]
بأنّ الدقيق يهيج الجليل ... وأنّ العزيز إذا شاء ذلّ
وقال عقيل بن هاشم القيني: [من البسيط]
فبينما المرء تزجيه أصاغره ... إذ شمّرت فحمة شهباء تستعر
تعيي على من يداويها مكايدها ... عمياء ليس لها سمع ولا بصر [١]
ويقارب هذه المعاني قول ابن نباتة [٢] : [من المتقارب]
فلا تحقرنّ عدوّا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يجزّ الرقاب ... ويعجز عما تنال الإبر
ومن كلام العرب يقولون: «الحرب أوّلها كلام» .
«٧٢٨» - ويقال: «صغارها شرارها» ، أي أصغرهنّ أكثرهنّ شرّا.
«٧٢٩» - ومن أمثالهم: «إن الخصاص يرى في جوفه الرّقم» ، أي أن الشيء الحقير الصغير يرى فيه العظيم، والخصاصة الفرجة بين الشيئين والرّقم الداهية.
стр. 2784
٧١- ما جاء في الشدة والداهية
«٧٣٠» - قولهم: «جاوز الماء الزّبى» .
«٧٣١» - و «بلغ الحزام الطبيين» .
«٧٣٢» - «جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه» ، أي لا دواء له.
«٧٣٣» - ومثله: «غادر وهيا لا يرقع» ، أي فتق فتقا لا يقدر على رتقه «٧٣٤» - ويقال: «جاء فلان وقد لفظ لجامه» ، إذا جاء مجهودا.
«٧٣٥» - ومثله: «جاء وقد قرض لنا رباطه» .
«٧٣٦» - ويقال في الشدة: «جاء بعد اللّتيّا والتي» .
«٧٣٧» - و «لقيت منه عرق القربة» .
«٧٣٨» - «المنايا على الحوايا» ، والحوايا ها هنا مراكب، واحدتها حوية، كل ذلك في الشدة.
стр. 2785
«٧٣٩» - ويقولون في مثله: «رأى فلان الكواكب مظهرا» ، معناه أظلم عليه يومه حتى رأى الكواكب عند الظهر.
«٧٤٠» - ويقولون: «قد أخذ منه بالمخنّق» .
«٧٤١» - ويقولون: «لقي منه الأمرّين، والفتكرين، والبرحين» .
«٧٤٢» - «ولقيت منه بنات برح» .
«٧٤٣» - ويقولون: «تركته على مثل ليلة الصّدر» ، يعنون نفر الناس وصدرهم من حجهم، يضرب في الاصطلام.
«٧٤٤» - ومثله: «تركته على مثل مشفر الأسد» .
«٧٤٥» - و «تركته على مثل مقلع الصمغة» .
«٧٤٦» - و «تركته على أنقى من الراحة» .
«٧٤٧» - ويقولون: «صبرا وإن كان قترا» ، والقتر شدة الزمان.
٧٤٨- و «صبرا وإن كان جمرا» .
«٧٤٩» - ومنه: «أساف حتى ما يشتكي السواف» ، يعني أنه اعتاده، والإسافة ذهاب المال واجتياحه.
стр. 2786
«٧٥٠» - ويقولون: «ما له ثاغية ولا راغية» .
«٧٥١» - ويقولون للرجل إذا كان داهية: «صلّ أصلال» ؛ و «هتر أهتار» .
«٧٥٢» - وهو «حوّل قلّب» .
«٧٥٣» - وهو «عضلة من العضل» .
«٧٥٤» - و «داهية الغبر» ؛ و «صماء الغبر» .
«٧٥٥» - ويقولون في الدواهي: قد «بدت جنادعه» .
«٧٥٦» - «وقع في أم جندب» .
«٧٥٧» - «وقع في هياط ومياط» وهو الصخب والضجر.
٧٥٨- و «وقع في الدّهيم» ، وأصله أن إخوة قتلوا فحملوا على ناقة يقال لها الدهيم، فصارت مثلا.
«٧٥٩» - ويقولون: «أتتكم الدهيم ترمي بالنشف والتي بعدها ترمي بالرضف» .
«٧٦٠» و «جاء بالداهية الدهياء» ، و «الزباء والشعراء» .
«٧٦١» - و «جاء بالعنقفير» .
стр. 2787
«٧٦٢» - و «جاء بإحدى بنات طبق» ، وأصلها من الحيات.
«٧٦٣» - ويقولون: «صمّي صمام» .
«٧٦٤» - و «صمّي ابنة الجبل» .
ويسمون الدواهي المآود واحدتها موئدة.
٧٢- في الدعاء
يقولون في الدعاء:
«٧٦٥» - «هوت أمّه» .
«٧٦٦» - و «هبلت أمّه» ، ويريدون بذلك المديح، وكأنه أخرج مخرج التفجّع.
قال أعشى باهلة: [من الطويل]
ألا هبلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر
«٧٦٧» - ويقولون في الدعاء له: «نعم عوفك» ، أي نعم بالك.
٧٦٨- ويقولون في الدعاء عليه: «لا نعم عوفك» .
«٧٦٩» - «لا قبل الله منه صرفا ولا عدلا» ، فالعدل الفرض والصرف التطوع.
«٧٧٠» - ويقولون: «رماه الله بالطلاطلة والحمّى المماطلة» ، الطلاطلة سقوط اللهاة، ويقال: الذبحة.
стр. 2788
«٧٧١» - ويقولون في الشماتة: «لليدين وللفم» ، والمثل لعائشة ﵂.
«٧٧٢» - و «للمنخرين» ، أي أكبّه الله على منخريه، والمثل لعمر بن الخطاب ﵁، قاله لرجل أتي به سكران في شهر رمضان.
«٧٧٣» - ويقال: «بجنبيه الوجبة» ، يعني الصرعة.
«٧٧٤» - و «من كلا جانبيك لا لبّيك» .
«٧٧٥» - «به لا بظبي» .
«٧٧٦» - «لا لعا لفلان» .
«٧٧٧» - وقولهم: «بفيه الحجر» .
«٧٧٨» - و «بفيه الأثلب والكثكث» .
تمّ الباب بحمد الله ومنّه والحمد لله وحده، ويتلوه إن شاء الله تعالى الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة.
стр. 2789
الباب الثّالث والثّلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة
стр. 2790
[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الثقة والعون الحمد لله الملك الدّيان، المفضل المنّان، خالق الإنسان، ومفضّله بالبيان، ومؤتيه الحكمة وفصل الخطاب، موفّق بديهته لصواب الجواب، ومسدّده للقراع والنضال، ومؤيّده عند الخصام والجدال، له النّعم السابغة، والآيات الصادعة، والمعجزات الرادعة، والكلمة العليا القاطعة، والبطشة الكبرى الوازعة، وصلواته على نبيّه وصفيّه، محمد عبده ونبيّه، الذي أظهر حجّته، وأوضح محجّته، وآتاه جوامع الكلم، وخصّه بأكرم الأخلاق والشيم، وعلى آله مصابيح الظّلم، ودراريّ البهم.
стр. 2791
[مقدمة الباب]
(الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة) في الكتاب العزيز من الحجج القاطعة ما يكون غاية لمن تمثّل به، وكيف لا يكون ذلك وهو برهان الشريعة ودليلها، ومحجّة الهداية وسبيلها، فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
(يس: ٧٨) وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
(القيامة: ٣٦- ٤٠) وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
(الروم: ٢٧) أي في تقدير عقولكم وقياس ظنونكم المأخوذين من معارفكم. وقوله حكاية عن إبراهيم ﵇:
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(الأنعام: ٨١) .
ومن آيات الحجاج القاطع في إقامة التوحيد وتوهين الشرك قوله سبحانه:
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
(الاسراء:
٤٢) وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
(المؤمنون: ٩١) وقوله تعالى في تفرّده بخلق البريّة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا
стр. 2792
ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
(الحج:
٧٣- ٧٤) ومن الحجة في أمر كتابه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
(البقرة: ٢٣) وقال في الدلالة على إثبات نبوّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بتأمّل أحواله وتدبّر ما جاء به: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
(المؤمنون: ٦٨- ٦٩) فإنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرف في قريش قبل البعثة بالصادق والأمين. وقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
(يونس: ١٦) .
ولما بعث رسول الله ﷺ قام فقال: «يا معشر قريش، لو قلت لكم إنّ خيلا تطلع عليكم من هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . فلما أقرّوا بصدقه خاطبهم بالإنذار ودعاهم إلى الإسلام.
والآن نذكر ما تحاور به الناس فيما بينهم، وتحاجّوا به بعضهم على بعض في خطابهم ومقاصدهم.
٧٧»
- قال عثمان بن عفّان ﵁ لعامر بن عبد قيس العنبري ورآه ظاهر الأعرابية: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
«٧٨٠» - استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من آله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزديّ عتبة فمثل بين يديه فقال: [من البسيط]
أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته فقال عتبة: إني أراك أعرابيا جافيا. والله ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة. فقال: أرأيتك إن أنبأتك ذاك أتجعل لي عليك مسألة؟
стр. 2793
قال: نعم، فقال الأعرابي: [من الرجز]
إن الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
قال: صدقت، فسل، قال الأعرابي: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري، قال الأعرابي: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ قال: ردوا عليه ظلامته.
«٧٨١» - لما انتهى إلى علي ﵇ يوم السقيفة أنّ الأنصار قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال ﵇: فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله ﷺ وصّى بأن نحسن إلى محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم. قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم.
«٧٨٢» - ومما ينظر إلى هذا المعنى وإن كان مخرجه مخرج علوّ الهمة وارتفاعها قول عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، وقد دخل بعد موت أبيه على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟
قال: إنّ أبي أوصى إليّ ولم يوص بي.
«٧٨٣» - وفي يوم السقيفة أيضا قال الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة، منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ شيئا في الأنصار ردّه عليه الأنصاريّ، وإن عمل الأنصاريّ شيئا في المهاجرين ردّه عليه المهاجريّ، فأراد عمر الكلام فقال أبو بكر ﵁:
على رسلك، نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس
стр. 2794
حسبا وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما بالرسول ﷺ ، أسلمنا قبلكم وقدّمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدّين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وآسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ نحن الأمراء وأنتم الوزراء؛ لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقوقون أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. قالوا: فإنّا قد رضينا وسلّمنا.
«٧٨٤» - وقال عيسى بن يزيد: قال أبو بكر ﵁: نحن أهل الله وأقرب الناس بيتا من بيت الله، وأمسّهم رحما برسول الله؛ إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصّر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصّر عنه الخزرج، وقد كان بين الحيّين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد: يضغمه المهاجريّ ويخرجه الأنصاري.
قال ابن دأب: فرماهم والله بالمسكتة.
«٧٨٥» - قال رجل للربيع بن خثيم وقد صلّى ليلة حتى أصبح: أتعبت نفسك فقال: راحتها أطلب، إن أفره العبيد أكيسهم.
٧٨٥ ب- وهذا قول حقّ في مقام صدق، أخذه روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب في مقام الباطل، ونظر إليه رجل واقفا بباب المنصور في الشمس فقال له: قد طال وقوفك في الشمس، قال روح: ليطول وقوفي في الظّلّ.
٧٨٦- رؤي عبيد الله بن الحسن القاضي على باب جعفر بن سليمان، والشمس تنقله من ظلّ إلى ظلّ، فقيل له: أمثلك في علمك ومكانك يقف هذا
стр. 2795
الموقف؟ فقال: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
٧٨٧- وكأن هذه المعاني تنظر إلى قول الأعشى: [من الطويل]
تقول سليمى لو أقمت لسرّنا ... ولم تدر أنّي للمقام أطوف
وقول عنترة: [من الكامل]
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل
«٧٨٨» - قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي مريم السلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم، قال: أفتمنعني حقّا؟ قال: لا، قال: لا بأس، إنما يأسى على الحبّ النساء.
«٧٨٩» - دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان قبيحا، فلما رآه سليمان، قال: قبح الله رجلا أجرّك رسنه وأشركك في أمانته، فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، رأيتني والأمر عنّي مدبر، ولو رأيتني وهو عليّ مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استحقرت، فقال: أترى الحجّاج استقرّ في قعر جهنم بعد؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك في الحجاج، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وذلّل لكم الجبابرة، وهو يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك وعن يسار أخيك، فحيث كانا كان.
«٧٩٠» - أرسل أهل البصرة رجلا يقال له كليب الجرمي إلى عليّ بن أبي
стр. 2796
طالب ﵇ لما قرب منها ليعلم لهم حقيقة حاله ورأيه في أهل الجمل، فبيّن له من أمرهم ما علم أنّه على الحقّ، ثم قال له: تبايع؟ قال: إني رسول قوم، ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم، فقال له: أرأيت لو أنّ الذين وراءك بعثوك رائدا لهم تبتغي مساقط الغيث فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ والماء، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب، ما كنت صانعا؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء، فقال له: فامدد إذن يدك، فقال الجرميّ: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة عليّ، فبايعته.
«٧٩١» - قال بعض اليهود لعليّ ﵇: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم، فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
(الأعراف: ١٣٨) .
«٧٩٢» - قال معاوية لأبي الأسود: بلغني أنّ عليا أراد أن يدخلك في الحكومة، فعزمت عليك أيّ شيء كنت تصنع؟ قال: كنت آتي المدينة فأجمع ألفا من المهاجرين وألفا من الأنصار، فإن لم أجدهم تمّمتهم من أبنائهم، ثم أستحلفهم بالله العظيم: المهاجرون أحقّ أم الطّلقاء؟ فتبسّم معاوية وقال: إذن والله ما كان اختلف عليك اثنان.
«٧٩٣» - كتب عليّ ﵇ إلى معاوية جوابا عن كتاب منه: وأمّا طلبك الشّام فإني لم أكن لأعطيك اليوم شيئا منعتكه أمس، وأما قولك: إنّ الحرب قد أكلت العرب إلّا حشاشات أنفس بقيت: ألا ومن أكله الحقّ فإلى
стр. 2797
النار، وأما استواؤنا في الحرب والرجال: فلست بأمضى على الشكّ منّي على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف: فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطّليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنّم، وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي [١] أذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الذليل. ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا، وأسلمت له هذه الأمّة طوعا وكرها، كنتم ممن دخل في الدين إمّا رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم، فلا تجعلنّ للشيطان فيك نصيبا وعليك [٢] سبيلا.
«٧٩٤» - وكتب إليه أيضا، وهو من محاسن الكتب، أخذ عليه فيه بالحجة ورماه بالمسكتة: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا ﷺ لدينه، وتأييده إيّاه بمن أيّده الله به من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا ونعمه علينا في نبيّنا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو داعي مسدّدة إلى النضال. وزعمت أنّ أفضل الناس في الإسلام فلان وفلانّ، فذكرت أمرا إن تمّ اعتزلك كلّه، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطّلقاء وأبناء الطّلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخرّك القدر؟! فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك
стр. 2798
لذهّاب في التيه، روّاغ عن القصد. ألا ترى غير مخبر لك، لكن بنعمة الله أحدّث:
أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكلّ فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيّد الشهداء، وخصّه رسول الله ﷺ بسبعين تكبيرة حين صلّى [١] عليه؟ أو لا [٢] ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله، ولكلّ فضل، حتى إذا فعل بواحد منّا كما فعل بواحدهم قيل: الطيّار في الجنة وذو الجناحين؟ ولولا ما نهى الله عن تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السامعين. فدع عنك من مالت به الرّيبة [٣] فإنّا صنائع ربّنا، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزّنا وعاديّ طولنا على قومنا [٤] أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنّى يكون ذلك كذلك ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم؟
فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنا، وقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ*
(الأنفال: ٧٥) وقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
(آل عمران: ٦٨) . فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة.
ولما احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله ﷺ فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.
وزعمت أني لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت: فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
стр. 2799
وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله، لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه [١] ، وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.
ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان: ولك أن تجاب عن هذه لرحمه منك: فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقالته؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه؟ أم من استنصره فتراخى عنه وبثّ المنون إليه، حتى أتى قدره عليه؟
كلّا والله. لقد علم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا، وما كنت أعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.
وقد يستفيد الظنّة المتنصّح
وما أردت إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
(هود: ٨٨) .
وذكرت أنه ليس لي عندك ولأصحابي إلا السيف: فلقد أضحكت بعد استعبار: متى ألفيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكبين، وبالسيوف مخوّفين؟
فالبث قليلا يلحق الهيجا حمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم، قد صحبتهم ذرّية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدّك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.
٧٩٥- كان قبيصة بن جابر ممن كثّر على الوليد بن عقبة لما ولي الكوفة، فقال معاوية يوما والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد؟
стр. 2800
قال: خير يا أمير المؤمنين في أول وصل الرحم وأحسن الكلام، فلا تسأل عن شكر وحسن ثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه، وكنّا منهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإما مظلومين فيغفر الله له، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين فإن الحديث ينسي القديم. قال: ولم؟ فو الله لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكفّ الشرّ، قال: فأنت أقدر على ذلك منه يا أمير المؤمنين، فافعل، قال: اسكت لا سكتّ. فسكت وسكت القوم، ثم قال له معاوية: ما لك لا تتحدث؟ قال:
نهيتني عما أحبّ فسكتّ عما أكره.
«٧٩٦» - قال معاوية للأحنف حين وبّخه بتخذيله عن عائشة ومشهده صفّين: فعلت وفعلت. فقال: يا أمير المؤمنين لم تردّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت يدا بشرّ من غدر لنمدّن باعا من ختر، وإن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفو حلمك، قال: فإني بها أفعل.
«٧٩٧» - روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم إلى الشام ومعه عبد الرحمن بن عوف ﵀ وهما على حمارين قريبين من الأرض، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء، فثنى وركه فنزل وسلّم عليه بالخلافة فلم يردّ عليه، فقال له عبد الرحمن أو أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحصرت الفتى فلو كلّمته، فقال: إنك لصاحب الجيش الذي أرى؟ قال: نعم، قال: مع شدّة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل، قال: ولم ويلك؟ قال: لأنّا في بلاد يكثر فيها جواسيس العدوّ، فإن نحن لم نتّخذ العدّة والعدد استخفّ بنا، وهجم على عوراتنا، وأنا- بعد- عاملك، فإن وقفتني وقفت، وإن استزدتني زدت، وإن استنقصتني نقصت؛ قال: فو الله لئن كنت كاذبا إنه لرأي أريب، وإن كنت
стр. 2801
صادقا إنه لتدبير أديب، ما سألتك عن شيء قطّ إلا تركتني منه في أضيق من رواجب الضرس، لا آمرك ولا أنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشّمناه ما جشّمناه.
«٧٩٨» - روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يعسّ بالمدينة في الليل، فسمع صوت رجل في بيته فارتاب بالحال، فتسوّر فوجد رجلا عنده امرأة وخمر، فقال: يا عدوّ الله، أكنت ترى أنّ الله يسترك وأنت تعصيه [١] ؟ فقال الرجل: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته في ثلاث، قال الله : وَلا تَجَسَّسُوا
(الحجرات: ١٢) وقد تجسّست، وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
(البقرة: ١٨٩) ، وقد تسوّرت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا
(النور: ٦١) وما سلّمت.
فقال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا، فعفا عنه.
«٧٩٩» - خطب رجل إلى عبد الله بن عباس يتيمة كانت في حجره، فقال: لا أرضاها لك، قال: ولم؟ قال: لأنها تشرّف وتنظر، وهي مع ذلك بذيئة، قال: فإني لا أكره ذلك، فقال ابن عباس: أمّا الآن فإني لا أرضاك لها.
«٨٠٠» - قيل وقع بين عليّ وعثمان كلام فقال عثمان: ما أصنع بكم إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأنّ وجوههم شنوف
стр. 2802
الذهب تشرب آنفهم قبل شفاههم.
«٨٠١» - قدم حماد بن جميل من فارس فنظر إليه يزيد بن المنجاب وعليه جبّة وشي، فقال: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
(الإنسان: ١) ، فقال حماد: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
(النساء: ٩٤) .
«٨٠٢» - دخل وفد على عمر بن عبد العزيز فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر: ليتكلّم أسنّكم، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال: تكلّم يا فتى.
«٨٠٣» - قال معاوية يوما: الأرض لله وأنا خليفته، فما أخذت فلي حلال، وما تركت للناس فلي عليهم فيه منّة، فقال صعصعة: ما أنت وأقصى الأمّة فيه إلا سواء، ولكن من ملك استأثر. فغضب معاوية وقال: لقد هممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه.
«٨٠٤» - وجّه معاوية رجلا إلى ملك الرّوم ومعه كتاب تصديره: «إلى طاغية الرّوم» ، فقال ملك الرّوم للرجل: ما لذي الفخر بالرسالة والمتسمّي بخلافة النبوّة والسّفه؟ أظنكم ولّيتم هذا الأمر بعد إعواز، لو شئت كتبت: من ملك الروم إلى غاصب أهل بيت نبيّه، العامل بما يكفّره عليه كتابه، لكني أتجالل عن ذلك.
٨٠٥- روي أنّ عائشة ﵂ بعثت إلى معاوية وهو بالمدينة تذكر حاجة من آل أبي بكر، فأرسل إليها بثلاثين ألف درهم صلة لها وبمثلها لآل أبي
стр. 2803
بكر، وبعث إلى أمّ حبيبة أخته عشرين ألف درهم، فقالت: أتفضّل عليّ وأنا أختك، وحقّي ما تعلم؟ فقال: إني آثرت هوى رسول الله ﷺ واقتديت به فيكما، فقالت: إن كنت صادقا فاعتزل ما أنت فيه، وخلّ بينه وبين من أدخلك في الإسلام، فو الله لهوى رسول الله ﷺ فيه كان فوق هواه فيك، فقال معاوية:
لله درّ الحقّ ما أقمعه.
«٨٠٦» - سمع زياد امرأة تقول: اللهم اعزل عنا زيادا فقال: يا أمة الله، زيدي في دعائك: وأبدلنا به من هو خير لنا منه.
«٨٠٧» - قال الأصمعي: ناظر قوم من الخوارج الحسن البصريّ فقال: أنتم أصحاب دنيا، قالوا: وكيف؟ قال: أيمنعكم السلطان من الصلاة؟ قالوا: لا، قال: أفيمنعكم من الحجّ؟ قالوا: لا، حتى عدّد وجوه البرّ ويقولون لا، قال:
فأراه إنّما منعكم الدرهم فقاتلتموه.
٨٠٨- قال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب النبيّ ﷺ فأبلغته رسالته، فضحك ثم قال:
كتب إليّ صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيّا أن يدعو الله فيسلّط عليّ البحر فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي؟ قلت:
فما منع عيسى ﵇ إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وجعلوا عليه [١] إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيّا بحربة [٢] حتى مات- هذا على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فيجيبه فيهلكهم ويكفى مؤونتهم،
стр. 2804
ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله، فقتله وبعث [١] برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله أن ينجيه ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما يخرج الحكيم إلّا من عند الحكماء.
٨٠٩- قال خالد بن يزيد القرشي: كانت لي حاجة بالجزيرة فاتخذتها طريقا مستخفيا، قال: فبينا أنا أسير بين أظهرهم إذا أنا بشمامسة ورهبان- وكان خالد رجلا لبيبا لسنا ذا رأي- فقلت لهم: ما جمعكم ها هنا؟ قالوا: إن لنا شيخا سيّاحا نلقاه كلّ عام في مكاننا هذا مرّة [٢] فنعرض عليه ديننا وننتهي فيه إلى رأيه، قال: وكنت رجلا معنيا بالحديث فقلت: لو دنوت من هذا فلعلّي اسمع منه شيئا أنتفع به، قال:
فدنوت منه، فلما نظر إليّ قال لي: من أنت؟ أأنت من هؤلاء؟ قلت: أجل، قال:
من أمّة أحمد [٣] ؟ قلت: نعم، قال: من علمائهم أنت أو من جهالهم؟ قلت: لست من علمائهم ولا من جهالهم، قال: ألستم تزعمون في كتابكم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال، قلت: نعم نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت مثل هذا الصبي في بطن أمه يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشية ولا يبول ولا يتغوّط، فتربّد وجهه وقال لي: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟ قلت: بلى ما أنا من علمائهم ولا من جهّالهم، ثم قال: ألستم تزعمون أنكم تأكلون وتشربون ولا ينتقص ما في الجنة شيء؟ قال: نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت: مثل هذا مثل رجل أعطاه الله علما وحكمة في الدنيا وعلّمه كتابه، فلو اجتمع من خلق الله فتعلّموا منه ما نقص ذلك من علمه شيئا، قال: فتربّد وجهه وقال: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟
قال، قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال: ألستم تقولون في
стр. 2805
صلواتكم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قال: قلت نعم، قال: فلها عنّي ثم أقبل على أصحابه وقال: ما بسط لأحد من الأمم ما بسط لهؤلاء من الخير، إنّ أحدهم إذا قال في صلواته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لم يبق عبد صالح في السموات والأرض إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم قال: ألستم تستغفرون لأنفسكم وللمؤمنين والمؤمنات؟ قال، قلت بلى، فقال لأصحابه: إن أحد هؤلاء إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات لم يبق عبد لله مؤمن في السموات والأرض من الملائكة والمؤمنين ولا من كان على عهد آدم أو كائن إلى يوم القيامة إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم أقبل عليّ فقال لي: إن لهذا مثلا في الدنيا فما هو؟ فقلت: كمثل رجل مرّ بملأ كثيرا كانوا أو قليلا، فسلّم عليهم فردّوا عليه، أو دعا لهم فدعوا له، قال:
فتربّد وجهه ثم قال: أتزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال لي: ما رأيت من أمّة محمد من هو أعلم منك، سلني عما بدا لك؟ فقلت: كيف أسأل من يزعم أنّ لله ولدا؟ قال: فشقّ عن مدرعته حتى أبدى بطنه، ثم رفع يديه فقال: لا غفر الله لمن قالها، منها فررنا واتخذنا الصّوامع، وقال:
إني سائلك عن شيء فهل أنت مخبري؟ قال، قلت: نعم، قال: أخبرني هل بلغ ابن القرن فيكم أن يقوم إليه الناشىء والطفل فيشتمه ويتعرض لضربه ولا يغيّر ذلك عليه؟ قال، قلت: نعم، قال: ذلك حين رقّ دينكم، واستحببتم دنياكم، وآثرها من آثرها منكم. فقال له رجل من القوم: ابن كم القرن؟ قلت: أمّا أنا فأقول ابن ستين سنة، وأما هو فقال ابن سبعين.
فقال رجل من جلسائه: يا أبا هشام ما كان يسرّنا أن أحدا من هذه الأمّة لقيه غيرك.
٨١٠- قال العتبي: وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جوهرا لم ير مثله، فسرّ معاوية به سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق، وجبيت لك مالها،