← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

صادقا إنه لتدبير أديب، ما سألتك عن شيء قطّ إلا تركتني منه في أضيق من رواجب الضرس، لا آمرك ولا أنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشّمناه ما جشّمناه. «٧٩٨» - روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يعسّ بالمدينة في الليل، فسمع صوت رجل في بيته فارتاب بالحال، فتسوّر فوجد رجلا عنده امرأة وخمر، فقال: يا عدوّ الله، أكنت ترى أنّ الله يسترك وأنت تعصيه [١] ؟ فقال الرجل: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته في ثلاث، قال الله : وَلا تَجَسَّسُوا (الحجرات: ١٢) وقد تجسّست، وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها (البقرة: ١٨٩) ، وقد تسوّرت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا (النور: ٦١) وما سلّمت. فقال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا، فعفا عنه. «٧٩٩» - خطب رجل إلى عبد الله بن عباس يتيمة كانت في حجره، فقال: لا أرضاها لك، قال: ولم؟ قال: لأنها تشرّف وتنظر، وهي مع ذلك بذيئة، قال: فإني لا أكره ذلك، فقال ابن عباس: أمّا الآن فإني لا أرضاك لها. «٨٠٠» - قيل وقع بين عليّ وعثمان كلام فقال عثمان: ما أصنع بكم إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأنّ وجوههم شنوف

стр. 2802

الذهب تشرب آنفهم قبل شفاههم. «٨٠١» - قدم حماد بن جميل من فارس فنظر إليه يزيد بن المنجاب وعليه جبّة وشي، فقال: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (الإنسان: ١) ، فقال حماد: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (النساء: ٩٤) . «٨٠٢» - دخل وفد على عمر بن عبد العزيز فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر: ليتكلّم أسنّكم، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال: تكلّم يا فتى. «٨٠٣» - قال معاوية يوما: الأرض لله وأنا خليفته، فما أخذت فلي حلال، وما تركت للناس فلي عليهم فيه منّة، فقال صعصعة: ما أنت وأقصى الأمّة فيه إلا سواء، ولكن من ملك استأثر. فغضب معاوية وقال: لقد هممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه. «٨٠٤» - وجّه معاوية رجلا إلى ملك الرّوم ومعه كتاب تصديره: «إلى طاغية الرّوم» ، فقال ملك الرّوم للرجل: ما لذي الفخر بالرسالة والمتسمّي بخلافة النبوّة والسّفه؟ أظنكم ولّيتم هذا الأمر بعد إعواز، لو شئت كتبت: من ملك الروم إلى غاصب أهل بيت نبيّه، العامل بما يكفّره عليه كتابه، لكني أتجالل عن ذلك. ٨٠٥- روي أنّ عائشة ﵂ بعثت إلى معاوية وهو بالمدينة تذكر حاجة من آل أبي بكر، فأرسل إليها بثلاثين ألف درهم صلة لها وبمثلها لآل أبي

стр. 2803

بكر، وبعث إلى أمّ حبيبة أخته عشرين ألف درهم، فقالت: أتفضّل عليّ وأنا أختك، وحقّي ما تعلم؟ فقال: إني آثرت هوى رسول الله ﷺ واقتديت به فيكما، فقالت: إن كنت صادقا فاعتزل ما أنت فيه، وخلّ بينه وبين من أدخلك في الإسلام، فو الله لهوى رسول الله ﷺ فيه كان فوق هواه فيك، فقال معاوية: لله درّ الحقّ ما أقمعه. «٨٠٦» - سمع زياد امرأة تقول: اللهم اعزل عنا زيادا فقال: يا أمة الله، زيدي في دعائك: وأبدلنا به من هو خير لنا منه. «٨٠٧» - قال الأصمعي: ناظر قوم من الخوارج الحسن البصريّ فقال: أنتم أصحاب دنيا، قالوا: وكيف؟ قال: أيمنعكم السلطان من الصلاة؟ قالوا: لا، قال: أفيمنعكم من الحجّ؟ قالوا: لا، حتى عدّد وجوه البرّ ويقولون لا، قال: فأراه إنّما منعكم الدرهم فقاتلتموه. ٨٠٨- قال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب النبيّ ﷺ فأبلغته رسالته، فضحك ثم قال: كتب إليّ صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيّا أن يدعو الله فيسلّط عليّ البحر فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي؟ قلت: فما منع عيسى ﵇ إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وجعلوا عليه [١] إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيّا بحربة [٢] حتى مات- هذا على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فيجيبه فيهلكهم ويكفى مؤونتهم،

стр. 2804

ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله، فقتله وبعث [١] برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله أن ينجيه ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما يخرج الحكيم إلّا من عند الحكماء. ٨٠٩- قال خالد بن يزيد القرشي: كانت لي حاجة بالجزيرة فاتخذتها طريقا مستخفيا، قال: فبينا أنا أسير بين أظهرهم إذا أنا بشمامسة ورهبان- وكان خالد رجلا لبيبا لسنا ذا رأي- فقلت لهم: ما جمعكم ها هنا؟ قالوا: إن لنا شيخا سيّاحا نلقاه كلّ عام في مكاننا هذا مرّة [٢] فنعرض عليه ديننا وننتهي فيه إلى رأيه، قال: وكنت رجلا معنيا بالحديث فقلت: لو دنوت من هذا فلعلّي اسمع منه شيئا أنتفع به، قال: فدنوت منه، فلما نظر إليّ قال لي: من أنت؟ أأنت من هؤلاء؟ قلت: أجل، قال: من أمّة أحمد [٣] ؟ قلت: نعم، قال: من علمائهم أنت أو من جهالهم؟ قلت: لست من علمائهم ولا من جهالهم، قال: ألستم تزعمون في كتابكم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال، قلت: نعم نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت مثل هذا الصبي في بطن أمه يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشية ولا يبول ولا يتغوّط، فتربّد وجهه وقال لي: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟ قلت: بلى ما أنا من علمائهم ولا من جهّالهم، ثم قال: ألستم تزعمون أنكم تأكلون وتشربون ولا ينتقص ما في الجنة شيء؟ قال: نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت: مثل هذا مثل رجل أعطاه الله علما وحكمة في الدنيا وعلّمه كتابه، فلو اجتمع من خلق الله فتعلّموا منه ما نقص ذلك من علمه شيئا، قال: فتربّد وجهه وقال: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟ قال، قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال: ألستم تقولون في

стр. 2805

صلواتكم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قال: قلت نعم، قال: فلها عنّي ثم أقبل على أصحابه وقال: ما بسط لأحد من الأمم ما بسط لهؤلاء من الخير، إنّ أحدهم إذا قال في صلواته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لم يبق عبد صالح في السموات والأرض إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم قال: ألستم تستغفرون لأنفسكم وللمؤمنين والمؤمنات؟ قال، قلت بلى، فقال لأصحابه: إن أحد هؤلاء إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات لم يبق عبد لله مؤمن في السموات والأرض من الملائكة والمؤمنين ولا من كان على عهد آدم أو كائن إلى يوم القيامة إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم أقبل عليّ فقال لي: إن لهذا مثلا في الدنيا فما هو؟ فقلت: كمثل رجل مرّ بملأ كثيرا كانوا أو قليلا، فسلّم عليهم فردّوا عليه، أو دعا لهم فدعوا له، قال: فتربّد وجهه ثم قال: أتزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال لي: ما رأيت من أمّة محمد من هو أعلم منك، سلني عما بدا لك؟ فقلت: كيف أسأل من يزعم أنّ لله ولدا؟ قال: فشقّ عن مدرعته حتى أبدى بطنه، ثم رفع يديه فقال: لا غفر الله لمن قالها، منها فررنا واتخذنا الصّوامع، وقال: إني سائلك عن شيء فهل أنت مخبري؟ قال، قلت: نعم، قال: أخبرني هل بلغ ابن القرن فيكم أن يقوم إليه الناشىء والطفل فيشتمه ويتعرض لضربه ولا يغيّر ذلك عليه؟ قال، قلت: نعم، قال: ذلك حين رقّ دينكم، واستحببتم دنياكم، وآثرها من آثرها منكم. فقال له رجل من القوم: ابن كم القرن؟ قلت: أمّا أنا فأقول ابن ستين سنة، وأما هو فقال ابن سبعين. فقال رجل من جلسائه: يا أبا هشام ما كان يسرّنا أن أحدا من هذه الأمّة لقيه غيرك. ٨١٠- قال العتبي: وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جوهرا لم ير مثله، فسرّ معاوية به سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق، وجبيت لك مالها،

стр. 2806

وألفظت إليك بحرها. فقام إليه يزيد بن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى ولاء قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن أمية، فقال معاوية: اجلس فداك أبي وأمي. ٨١١- قال موسى بن عقبة: حجّ عبد الملك فلقيه رجل من ولد عمر بن الخطاب وقد نالته ولادة من أبي بكر رحمهما الله، فسأله فحرمه وقال متمثلا: [من الطويل] ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم فقال له رجل من القوم: إذا ذدت ابن الفاروق وابن الصديق فمن يرده؟ قال: يرده عبد مناف. ٨١٢- سأل رجل رجلا حاجة فقال المسؤول: اذهب بسلام، سل الله تعالى، فقال السائل: قد أنصفنا من ردّنا إلى الله. ٨١٣- حجّ الرشيد فلقيه موسى بن جعفر على بغلة، فقال له الرشيد: مثلك في حسبك وشرفك وتقدّمك يلقاني على بغلة؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن دناءة [١] العير، وخير الأمور أوسطها. «٨١٤» - قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان: وا أبتاه! وبكت. فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم [٢] أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ

стр. 2807

إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعطينا يكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين. «٨١٥» - دخل زفر بن الحارث على عبد الملك بن مروان بعد الصّلح فقال: ما بقي من حبّك للضحّاك؟ قال: ما لا ينفعني [١] ولا يضرّك، قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس، قال: أحببناه ولم نؤاسه ولو آسيناه لقد كنّا أدركنا ما فاتنا منه، قال: فما منعكم من مواساته يوم المرج؟ قال: ما منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار. ٨١٦- قال قريش بن أنس: حضرنا جماعة عند عمرو بن عبيد فقال: يؤتى بي يوم القيامة فيقام بي بين يدي الله فيقول لي: أقلت إني لا أغفر للقاتل وإني أدخله النار؟ فأقول: أنت قلت: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (النساء: ٩٣) . فسكتت الجماعة، فقلت له، وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك قد قلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* (النساء: ٤٨، ١١٦) فمن أين علمت أنّي لا أشاء أن أغفر للقاتل؟ فما ردّ عليّ شيئا. «٨١٧» - قال الحجّاج لبعض الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو متفرّقا كان فأجمعه؟ قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بلى أقرؤه وأنا أبصره، قال: فتحفظه؟ قال: وهل أخشى فراره فأحفظه؟ قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه، قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال: ألقاه بعملي وتلقاه بدمي.

стр. 2808

«٨١٨» - دنا سقّاء من فقيه على باب سلطان فسأله عن مسألة، فقال له: أهذا موضع المسألة؟ فقال له السّقّاء: أو هذا موضع الفقه؟ «٨١٩» - كان الحسن يقول: لا توبة لقاتل مؤمن متعمّدا. فدسّ إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال قل له: إنّه لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا أو فاسقا. فإن كان مؤمنا فإن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (التحريم: ٨) ، وإن كان كافرا فإنه يقول: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ (الانفال: ٣٨) ، وإن كان منافقا فإنه يقول: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (النساء: ١٤٥- ١٤٦) ، وإن كان فاسقا فإنه يقول: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (النور: ٤- ٥) . فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري، قال: اصدقني. فقال الرجل: عمرو بن عبيد، فقال الحسن: عمرو بن عبيد، وما عمرو؟ إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به. «٨٢٠» - لما أخذ عمر بن الخطاب في التوجّه إلى الشام قال له رجل: أتدع [١] مسجد رسول الله ﷺ ؟ قال: أدع مسجد رسول الله ﷺ لصلاح أمّة رسول الله ﷺ ولقد هممت أن أضرب رأسك بالدّرّة حتى لا تجعل الردّ على الأئمّة عادة فيتخذها الأجلاف سنّة. ٨٢١- ولما أخذ سابور ماني الزنديق قال له نصحاؤه: اقتله، قال: إن قتلته من غير أن أغلبه بالحجّة قال عامّة الناس بقوله، ويقولون ملك جبّار قتل زاهدا،

стр. 2809

ولكني أحاجّه فإن غلبته بالحجّة حينئذ قتلته، ففعل، ثم حشا جلده تبنا وصلبه. ٨٢» - قال الحجاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاص: بلغني أنّك تشبه إبليس في قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير أن يكون سيّد الإنس يشبه سيّد الجنّ؟!. ٨٢٣- قال إياس بن معاوية: كنت أختلف وأنا غلام إلى رجل من اليهود أتعلّم منه الحساب، فسمعته يوما يقول: ألا تعجبون من المسلمين، يزعمون أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال إياس: فقلت يا معلّم ألست تزعم أن الدنيا مرآة الآخرة؟ قال: نعم، قلت: فأخبرني عما يأكله ابن آدم أيصير كلّه ثفلا؟ قال: لا ولكن بعضه ثفل وبعضه غذاء؛ قال، قلت: فما أنكرت أن يكون بعضه في الدنيا غذاء ويصير كلّه في الآخرة غذاء؛ فقال لي: قاتلك الله من غلام ما أفهمك. ٨٢٤- قال المنتصر لأبي العيناء: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحيّر المحقّ. «٨٢٥» - وقال المسور بن مخرمة: دخلت على معاوية، فقال: ما فعل طعنك على الأئمّة يا مسور؟ فاستعفيته فأقسم عليّ؛ فو الله ما تركت عيبا إلا ذكرته. فقال: لا تبرأ من ذنب، فهل لك يا مسور ذنوب تخافها أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك؟ قلت: نعم؛ قال: فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني؟ فكان المسور إذا ذكره استغفر له وقال خصمني. «٨٢٦» - خطب معاوية ذات يوم فقال: إنّ الله يقول:

стр. 2810

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (الحجر: ٢١) ، فما نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه. «٨٢٧» - خطب المنصور بمكة، وقد أمّل الناس عطاءه، فقال: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وخازنه على فيئه، أعمل فيه بمشيئته، وأقسمه بإرادته؛ وقد جعلني الله تعالى قفلا عليه، إذا شاء أن يفتحني فتحني، وإذا شاء أن يقفلني [١] أقفلني. فارغبوا إلى الله أيّها الناس في هذا اليوم الذي عرّفكم من فضله ما أنزله في كتابه، فقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة: ٣) ، أن يوفقني للصّواب، ويسدّدني للرّشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان اليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فيكم، إنه قريب مجيب. فقال له ابن عياش المنتوف: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه تعالى. «٨٢٨» - قال صالح بن علي بن عبد الله بن عباس لابنه عبد الملك وقد غضب عليه: يا ابن الفاعلة؛ فقال عبد الملك: الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (النور: ٣) ، وأنشد: [من الطويل] عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن مقتد فلم يكلّمه صالح حتى مات. ٨٢٩- وكانت أمّ عبد الملك بن صالح جارية لمروان بن محمد، فلما قتله صالح بمصر، اتّخذ أمّ عبد الملك لنفسه. فلما سعى قمامة كاتب عبد الملك به

стр. 2811

إلى الرشيد واعتزم على حبسه كلّمه وأغلظ له، فقال الرشيد: ما أنت منا؛ فقال: والله ما أبالي لأيّ الفحلين كنت، لصالح بن عليّ أو لمروان بن محمد. «٨٣٠» - كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بكلام غليظ والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية، وما ذكرك عجائز الجنّة؟ وكانت جدّة الحجاج القائلة: [من البسيط] هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج وكان عمر بن الخطاب ﵁ اجتاز بالمرأة وهي تنشد هذا الشعر، فأحضر نصر بن حجّاج، وهو شابّ جميل ذو وفرة مليحة، فحلق شعره فكان أجمل، فنفاه، وقال: لا أسمع النّساء يتمنّينك في حجالهنّ. فقال عبد الملك: أقسمت عليك إلّا أمسكت. ٨٣١- قال أبو حاتم: كنت في حلقة ابي عبيدة، فجاء إلينا غلام من آل المهلّب وضيء الوجه في منطقه لين، فكأنّ القوم استقبحوا منطقه. فقال له رجل من آل صباح بن خاقان المنقريّ: يا غلام ممن أنت؟ قال: من آل المهلّب؛ قال: ومن أمّك؟ قال: سبيّة من القندهار، قال: نزعت [١] فيك رخاوة الهند؛ فبعث منه شيطانا؛ فقال [٢] : أيها المتكلّم فمن أنت؟ قال: من بني تميم؛ قال: أمكنت والله من مقاتلك: أمّ شبيبكم وفارسكم سوداء، وأمّ عنترتكم سوداء، وأمّ ذي الرّقيبة سبيّة من أمانيا، وأمّ عمرو بن العاص سبيّة من عنزة، وأمّ عبيد الله بن زياد بن ظبيان سبيّة من أصفهان، وأمّ ابن زياد الذي مزّقكم كلّ

стр. 2812

ممزّق مرجانة، وأمّ زياد الذي شدخ رؤوسكم سميّة، وأمّ الشعبي من جلولاء، وأمّ خالد بن عبد الله الذي غمركم نواله سبيّة من الروم، وأمّ وكيع ابن الدورقية الذي أدرك ثأركم سبيّة من دورق، وأمّ عبد الله بن خازم الذي أباد غابركم بخراسان سبيّة، فأيّتهنّ تعيب لا أمّ لك؟ ثم قام الغلام فما أبقى في الحلقة إلا ضاحكا أو شامتا. ٨٣٢- وروي عن رجل من قريش، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب فقال لي يوما: من أخوالك؟ قلت: أمّي فتاة، فكأني نقصت من عينه، وأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قلت: من هذا يا عمّ؟ قال: سبحان الله، أتجهل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاة؛ ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فجلس إليه فنهض، فقلت: من هذا يا عمّ؟ قال: أتجهل من أهلك مثله؟ ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاة؛ قال: فأمهلت حتى جاء عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت له: يا عمّ، من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله، هذا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاة؛ قال: فقلت يا عمّ رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأمّ ولد، أما لي في هؤلاء أسوة؟ قال: فجللت في عينه جدا. «٨٣٣» - وتزوج عليّ بن الحسين أمة له أعتقها، فلامه عبد الملك بن مروان وكتب إليه: أما بعد فإنه بلغني أنّك أعتقت أمتك وتزوّجتها، وقد كان لك في أكفائك من قريش ما تستكرم به في الصهر، وتستنجب به في الولد، فلم تنظر لنفسك ولا لولدك ونكحت في اللّؤم. فكتب إليه علي: أما بعد، فإنّي أعتقتها بكتاب الله وارتجعتها بسنّة رسول الله ﷺ ، وإنّه والله ما فوق رسول

стр. 2813

الله ﷺ مرتقى لأحد في مجد، إن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتمّ النّقيصة، وأكرم به من اللؤم، فلا عار على مسلم، هذا رسول الله ﷺ تزوّج أمته وامرأة عبده. فقال عبد الملك: إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس. «٨٣٤» - سأل الرشيد موسى بن جعفر فقال: لم زعمتم أنّكم أقرب إلى رسول الله ﷺ منّا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أنّ رسول الله ﷺ أنشر فخطب إليك كريمتك أكنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله، وكنت أفتخر بذلك على العجم والعرب؛ فقال: لكنه لا يخطب إليّ ولا أزوّجه لأنه ولدنا ولم يلدكم. «٨٣٥» - وروي أنه قال: هل كان يجوز أن يدخل على حرمك وهن متكشّفات؟ فقال: لا، قال: لكنه كان يدخل على حرمي كذلك، وكان يجوز له. «٨٣٦» - وقيل إنّه سأله أيضا: لم قلتم إنّا ذرية رسول الله، وجوّزتم للناس أن ينسبوكم إليه فيقولون يا بني رسول الله وأنتم بنو عليّ، وإنما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه؟ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ (الأنعام: ٨٤- ٨٥) ، وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذريّة الأنبياء من قبل أمّه، وكذلك ألحقنا بذريّة النبيّ ﷺ من قبل أمّنا فاطمة ﵍، وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ (آل عمران: ٦١) . ولم يدع ﵇ عند مباهلة النصارى غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين وهم الأبناء.

стр. 2814

«٨٣٧» - قال الرشيد للجهجاه: أزنديق أنت؟ قال: وكيف أكون زنديقا وقد قرأت القرآن، وفرضت الفرائض، وفرّقت بين الحجة والشبهة؟ قال: والله لأضربنّك حتى تقرّ، قال: هذا خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ ، أمرنا أن نضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقرّ بالكفر. «٨٣٨» - قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: أفرطت في ولائك لبني أمية، فقال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، فصدقه. «٨٣٩» - ودخل المكيّ على المأمون، وكان مفرط القصر والدمامة، فضحك المعتصم، فقال المكيّ: ممّ ضحك هذا؟ فوالله ما اصطفى الله يوسف ﵇ لجماله وإنما اصطفي لبيانه، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (يوسف: ٥٤) ، وبياني أحسن من هذا. «٨٤٠» - قال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملّكوا عليهم امرأة، قال: قومك أشدّ حماقة إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ (الأنفال: ٣٢) ، هلّا قالوا: فاهدنا له. «٨٤١» - طاف رجل من بني تغلب بالبيت، وكان وسيما جسيما، فبصر به رجل من قريش كان حسودا، فسأل عنه فخبّر أنه من تغلب، فلما حاذاه قال

стр. 2815

القرشي ليسمعه: إنها لرجلان قلّما وطئت البطحاء. فالتفت إليه التغلبي وقال له: يا هذا البطحاوات ثلاث: فبطحاء الجزيزة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحقّ بها منك، وهذه البطحاء سواء العاكف فيه والباد. قال: فتحيّر الرجل فما أعاد كلمة. «٨٤٢» - قال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: وددت أنّ لي حسن خطّك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان حسن الخطّ مكرمة لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ . «٨٤٣» - قال محمد بن عبد الملك الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ قال: أبي الذي تعرفه، ومات وهو لا يعرفك. ٨٤٤- ومثل هذا أو قريب منه ما حكي أن المروانيّ صاحب الأندلس كتب إلى صاحب مصر كتابا وملأه بسبّه وسبّ أبيه، فكتب إليه في الجواب: يا هذا، عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام. «٨٤٥» - دخل شابّ من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مرض ﵁ يوم كذا، ومات ﵀ يوم كذا، وترك ﵀ من المال كذا. فانتهره الربيع وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي الدّعاء لأبيك. فقال الشاب: لا ألومك لأنّك لم تعرف حلاوة الآباء. قال: فما علمنا أنّ المنصور ضحك في مجلسه قطّ ضحكا افترّ عن نواجذه إلا يومئذ- وكان الربيع لقيطا. «٨٤٦» - واستبطأ عبد الملك بن مروان ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم فكتب

стр. 2816

إليه: [من الكامل] لمن الظّعائن سيرهنّ تزحّف ... سير السّفين إذا تقاعس يجذف فكتب إليه مسلمة في الجواب: [من الطويل] ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم «٨٤٧» - وسمع مسلمة رجلا تمثّل بقول الشاعر وقد دلّي بعض بني مروان في قبره: [من الطويل] وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما فقال له مسلمة: لقد تكلمت بكلمة شيطان، هلا قلت: [من الطويل] إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم «٨٤٨» - سابق مسلمة في حلبة فسبق وعبد الملك حاضر، فقال عبد الملك، والشعر لبعض بني عبس: [من الطويل] نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرّهان فتدركوا فتضعف ساقاه وتفتر كفّه ... وتخدر فخذاه فلا يتحرّك وما يستوي المرآن هذا ابن حرّة ... وهذا هجين ظهره متشرّك قعدن به خالاته فاختزلنه ... ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ مدرك فقال مسلمة، والشعر لمسكين الدارمي: [من الطويل] وما أنكحونا طائعين فتاتهم ... ولكن نكحناها بأسيافنا قهرا كريم إذا اعتلّ الزمان وجدته ... وقد سار في ظلمائه قمرا بدرا

стр. 2817

فما زادها فينا السّباء مذلّة ... ولا خبزت خبزا ولا طبخت قدرا وكائن ترى فينا من ابن سبيّة ... إذا التقت الخيلان يطعنها شزرا ولكن خلطناها بحرّ نسائنا ... فجاءت بهم بيضا غطارفة زهرا «٨٤٩» - لما استخلف المهدي أخرج من في السجون، فقيل له: إنما تزري على أبيك، فقال: لا أزري على أبي، ولكن أبي حبس بالذنب وأنا أعفو عنه. ٨٤٩ ب- وجزع المهديّ على رخيم جاريته جزعا شديدا، فكان يأتي المقابر ليلا فيبكي. فبلغ ذلك المنصور فكتب إليه: كيف ترجو أن أولّيك أمر الأمّة وأنت تجزع على أمة؟ فكتب إليه المهدي: إني لم أجزع على قيمتها وإنما جزعت على شيمتها. «٨٥٠» - عرض رجل للرشيد وهو يطوف بالبيت فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلّمك بكلام فيه خشونة، فاحتمله لي، قال: لا ولا كرامة، قد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شرّ مني فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً (طه: ٤٤) . «٨٥١» - قال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله لك في الكره خيرا كثيرا. «٨٥٢» - قال الحجاج يوما على المنبر: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله جلّ وعزّ يقول: وَثَمُودَ فَما أَبْقى (النجم: ٥١) . وقال مرة أخرى: لئن كنّا من بقايا ثمود فما أنجى الله مع صالح إلا خيارهم. وبنو ثقيف يزعمون أن ثقيفا هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور

стр. 2818

ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر؛ وقال قوم: إن ثقيفا والنخع أخوان من إياد، وقوم آخرون يزعمون أن ثقيفا من بقايا ثمود. ٨٥٣- أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقيل له ما تقول في أبي بكر وعمر: فقال خيرا، قيل فعثمان: قال خيرا. قيل فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك: فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجّاج خطيئة من خطاياه. «٨٥٤» - قال معاوية يوما لأهل الشام، وعنده عقيل بن أبي طالب: هذا أبو يزيد لولا أنه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه، فقال له عقيل: أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي. «٨٥٥» - وقال له مرة أخرى: أنت معنا يا أبا يزيد، قال: ويوم بدر كنت معكم. «٨٥٦» - مرّ معاوية بقوم من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلا لموجدة أنّي قاتلتكم بصفّين، فلا تجد، فإن عثمان بن عفان [١] قتل مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إن عمر قتله كافر، قال ابن عباس فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون، قال: فذاك دحض لحجتك. «٨٥٧» - لقي أبو العيناء بعض إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره ويقول: يا أبا عبد الله، أتركب في مثل هذا الوقت؟ فقال له أبو العيناء: تشاركني بالفعل وتفردني بالتعجب.

стр. 2819

«٨٥٨» - وكان أبو العيناء في جملة أبي الصقر، وكان يعادي ابن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر. فاجتمعا في مجلس صاعد، فتلاحيا، فقال له ابن ثوابة: أما تعرفني؟ فقال له أبو العيناء: بلى والله، أعرفك ضيّق العطن، كثير الوسن، قليل الفطن، خارّا على الذقن. قد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد عزّا فيذله، ولا علوّا فيضعه، ولا مجدا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله، وسهك دمك أن يسفكه. فقال له اسكت، فما تسابّ اثنان إلا غلب ألأمهما، فقال له أبو العيناء: فلهذا غلبت أبا الصقر بالأمس. ٨٥٩- قال عبد الصمد بن علي: كنت عند عبد الله بن علي في عسكره بالشام لما خالف المنصور ودعا إلى نفسه، وكان أبو مسلم بإزائه يقاتله، فاستؤذن لرسول ابي مسلم عليه فأذن له، فدخل رجل من أهل الشام فقال له: يقول لك الأمير علام قتالك إيّاي وأنت تعلم أني أهزمك؟ فقال، قل له: يا ابن الزانية، ولم تقاتلني عنه وأنت تعلم أنه يقتلك. «٨٦٠» - وشبيه بهذا ما حكي عن الأمين أنه كتب إلى طاهر بن الحسين وقت محاربته إياه: يا طاهر، اعلم أنّه ما قام لنا قائم بأمر فكان جزاؤه منا إلا السيف، فخذ لنفسك أودع. فكان طاهر يقول بعد ذلك: والله لقد جعلني على مثل النار من الحذر. «٨٦١» - لما هرب ابن هبيرة من حبس خالد بن عبد الله القسريّ قال له خالد: أبقت إباق العبد، فقال: نعم، حين نمت نوم الأمة عن عجينها. «٨٦٢» - قال المهدي لشريك وعيسى بن موسى عنده: لو شهد عندك عيسى

стр. 2820

كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما، فقال شريك: من شهد عندي سألت عنه، ولا يسأل عن عيسى غير أمير المؤمنين، فإن زكّيته قبلته. فقلبها عليه. «٨٦٣» - وقال مروان بن محمد لحاجبه يوم الزّاب وقد ولّى منهزما: كرّ عليهم بالسيف، فقال: لا طاقة لي بهم؛ قال: والله لئن لم تفعل لأسوأنّك، قال: وددت أنّك تقدر على ذلك. «٨٦٤» - قال بحيرا الراهب لأبي طالب: احذر على ابن أخيك فإنه سيصير إلى كذا وكذا. قال: إن كان الأمر على ما وصفت فهو في حصن من الله تعالى. «٨٦٥» - قال رجل لهشام بن الحكم: أليس اختصم العباس وعليّ إلى عمر؟ قال: بلى، قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: ليس فيهما ظالم، قال: سبحان الله كيف يتخاصم اثنان وليس فيهما ظالم؟ قال: كما تخاصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم. «٨٦٦» - قال رجل لشريك: أخبرني عن قول عليّ ﵇ للحسن: ليت أباك كان قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، أقاله إلّا وهو شاكّ في أمره؟ قال له شريك: أخبرني عن قول مريم: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: ٢٣) ، قالته شاكة في عفتها؟ فسكت الرجل. «٨٦٧» - دخل الوليد بن يزيد على هشام وعلى الوليد عمامة وشي، فقال هشام: بكم أخذت عمامتك؟ قال بألف درهم. فقال هشام: عمامة بألف درهم؟ يستكثر ذلك، قال: يا أمير المؤمنين إنها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت

стр. 2821

أنت جارية بعشرة آلاف دينار لأخسّ أطرافك. «٨٦٨» - بايت المفضّل الضّبيّ المهديّ، فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى ذكر حمّاد الراوية، فقال له المهدي: ما فعل عياله ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه كانت مع الوليد بن يزيد. «٨٦٩» - شكا يزيد بن أسيد إلى المنصور ما ناله من العباس بن محمد أخيه، فقال المنصور: اجمع إحساني إليك وإساءة أخي فإنهما يعتدلان؛ قال: إذا كان إحسانكم إلينا جزاء لإساءتكم كانت الطاعة منا تفضلا. «٨٧٠» - لما بنى محمد بن عمران قصره حيال قصر المأمون قيل: يا أمير المؤمنين، ماراك وباهاك. فدعاه فقال: لم بنيت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك عليّ فجعلته نصب عينيك. فاستحسن جوابه وأجزل عطيّته. «٨٧١» - قال الأشعت بن قيس لشريح القاضي: يا أبا أميّة، عهدي بك وإنّ شأنك لشؤين، فقال: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك. «٨٧٢» - تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من عامل ولّاه عليهم، فقال المأمون: ما علمت في عمّالي أعدل ولا أقوم بأمر الرّعيّة، ولا أعود بالرفق عليهم منه. فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك،

стр. 2822

فإذا كان عاملنا بهذه الصفة فينبغي أن تعدل بولايته بين أهل البلدان وتساوي به أهل الأمصار، حتى يلحق كلّ بلد وأهله من عدله وإنصافه مثل الذي لحقنا؛ وإذا فعل ذلك أمير المؤمنين فلا يصيبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون وعزل العامل عنهم. «٨٧٣» - وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل كثير المال يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه. فكتب إليه إبراهيم: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت محجوجا فجعلك الله معذورا. ٨٧٤- نظر إلى هذا المعنى أبو عبد الله ابن الحجاج فقال من أبيات له: [من السريع] مدحته يوما برائيّة ... نفخت في انشادها شدقي فلم يزل يقعد لي تارة ... وتارة في الدّست يستلقي كأنه في شهرها حامل ... قد نخت يومين بالطلق ثم اشتكى الفقر وقال ادع لي ... بأن يزيد الله في رزقي فقلت يا ربّ بحقّ الذي ... أرسلته يدعو إلى الحقّ إن كان فيما يدّعي كاذبا ... فافتح له بابا إلى الصدق «٨٧٥» - صار الفضل بن الربيع إلى أبي عبّاد في نكبته يسأله حاجة فأرتج عليه، فقال له: يا أبا العباس، بهذا البيان خدمت خليفتين؟ فقال: إنّا تعوّدّنا أن نسأل ولا نسأل.

стр. 2823

«٨٧٦» - قال مالك بن طوق للعتابي: سألت فلانا حاجة فرأيتك قليلا في كلامك. قال: كيف لا أقلّ في كلامي ومعي حيرة الطلب، وذلّ المسألة، وخوف الردّ. «٨٧٧» - قالت بنو تميم لسلّامة بن جندل: مجّدنا في شعرك. فقال: افعلوا حتى أقول. «٨٧٨» - ساير ابن لشبيب بن شبة عليّ بن هشام، وعليّ على برذون له فاره، فقال له: سر، قال: كيف أسير وأنت على برذون إن ضربته طار وإن تركته سار، وأنا على برذون إن ضربته قطف وإن تركته وقف. فدعا له ببرذون وحمله عليه. «٨٧٩» - عاتب الفضل بن سهل الحسين بن مصعب في أمر ابنه طاهر والتوائه عليه وتلوّنه، فقال له الحسين: أنا أيها الأمير شيخ في أيديكم، لا تذمّون اخلاصي، ولا تنكرون نصحي؛ فأما طاهر فلي في أمره جواب مختصر، وفيه بعض الغلظ، فإن أذنت ذكرته، قال: قل، فقال: أيها الأمير، أخذت رجلا من عرض الأولياء، فشققت صدره وأخرجت قلبه، ثم جعلت فيه قلبا قتل به خليفة، وأعطيته آلة ذلك من الرجال والأموال والعبيد، ثم تسومه بعد ذلك أن يذلّ لك ويكون كما كان؟ لا يتهيّأ هذا إلا أن تردّه إلى ما كان، ولا تقدر على ذلك. فسكت الفضل. «٨٨٠» - أتي هشام برجل قد رمي بخيانة، فأقبل يحتجّ عن نفسه، فقال له

стр. 2824

هشام: أو تتكلّم أيضا؟ فقال الرجل: إن الله سبحانه يقول: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها (النحل: ١١١) ، أفنجادل الله تعالى جدالا ولا نكلّمك كلاما؟ فقال: تكلّم بما أحببت. «٨٨١» - كتب الحسن بن زيد إلى صاحب الزّنج بالبصرة: عرّفني نسبك؟ فأجابه: ليعنك من شأني ما عناني من أمرك. «٨٨٢» - قيل لأبي الهذيل: إنّ قوما يلعنونك، قال: أرأيت إن أنا اتّبعتهم هل يلعنني قوم آخرون؟ قال: نعم، قال: فأراني لا أتخلّص من لعن طائفة، فدعني مع الحقّ وأهله. «٨٨٣» - خلع الرشيد على يزيد بن مزيد، وكان في مجلسه رجل من أهل اليمن، فقال: اجرر يا يزيد ما لم يعرق فيه جبينك، قال: صدقت عليكم نسجه وعلينا سحبه. «٨٨٤» - قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما أشدّ حبّك للمال، قال: ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك وأبتاع دينك ومروءتك. «٨٨٥» - قال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: لا تكثر الوقيعة في الناس، فقلت: إن لي في بصري شغلا عن ذلك، فقال: ذاك أشدّ لحقدك على أهل العافية. ٨٨٦- وقال له المتوكل يوما: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (المطففين: ٢٩) . «٨٨٦» ب- وقال له ابن السّكّيت: تراك أحطت بما لم أحط به؟ قال: ما

стр. 2825

أنكرت؟ فو الله لقد قال الهدهد- وهو أخسّ طائر- لسليمان: أحطت بما لم تحط به. «٨٨٧» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل: امض إلى موسى بن عبد الملك واعتذر إليه ولا تعلمه أنّي وجّهتك. فقلت له: تستكتمني بحضرة ألف؟ قال: إنما عليك أن تنفذ لما تؤمر به، قلت: وعليّ أن أحترس مما أخاف منه. «٨٨٨» - وقال له يوما عبيد الله بن سليمان: كيف حالك؟ قال: أنت الحال، إذا صلحت صلحت. «٨٨٩» - وقرّبه يوما فقال: تقريب المولى وحرمان العدوّ. «٨٩٠» - قيل له: لا تعجل فإنّ العجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (طه: ٨٤) . «٨٩١» - وقال أبو العيناء: أنا أوّل من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بنيّ إن الله قرن طاعته بطاعتي فقال: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (لقمان: ١٤) ، فقلت: يا أبة إن الله تعالى ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (الاسراء: ٣١) . «٨٩٢» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: بلغني أنّك رافضيّ. فقلت: للدّين أم للدنيا؟ فإن أك للدين ترفّضت فأبوك مستنزل الغيث؛ وإن أك لدنيا ففي يدك خزائن الأرض. وكيف أكون رافضيا وأنا مولاك، ومولدي

стр. 2826

البصرة، وأستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة؟! فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك، فقلت: ومن ابن سعدان! والله ما يفرّق بين الإمام والمأموم، والتابع والمتبوع، إنما ذلك حامل درّة ومعلّم صبية، وآخذ على كتاب الله أجرة. قال: لا تفعل، فإنه مؤدّب المؤيّد؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لم يؤدّبه حسبة، وإنّما أدّبه بأجرة، فإذا أعطيته حقّه فقد قضيت ذمامه. «٨٩٣» - وقف بهلول على رجل فقال: خبرني عن قول الشاعر: [من الكامل] وإذا نبا بك منزل فتحوّل كيف هو عندك؟ قال: جيد، قال: فإن كان في الحبس فكيف يتحول؟ فانقطع الرجل. فقال بهلول: الصواب قول عنترة: [من الطويل] إذا كنت في دار يسوؤك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحوّل «٨٩٤» - قيل لمجنون: ما فعل ضربك للصبيان؟ فقال: [من الطويل] وإنّ امرءا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد ٨٩٥- تزوج أعرابي امرأة أشرف منه حسبا ونسبا فقال: يا هذه إنك مهزولة، فقالت: هزالي أولجني بيتك. «٨٩٦» - نظر رجل إلى امرأتين تتلاعبان فقال: مرّا، لعنكما الله، فانّكن صويحبات يوسف. فقالت إحداهما: يا عمّ فمن رمى به في الجبّ؟ أنحن أم أنتم؟ «٨٩٧» - قال عليّ بن عبيدة: تزاور أختان من [أهل] القصر فأرهقتهما الصلاة، فبادرت إحداهما فصلّت صلاة خفيفة، فقال لها بعض النساء: كنت حريّة

стр. 2827

أن تطوّلي الصلاة في هذا اليوم شكرا لله تعالى حيث التقيتما، قالت: لا ولكن أخفّف صلاتي اليوم وأتمتّع بالنظر إليها، وأشكر الله تعالى في صلاتي غدا. «٨٩٨» - قالت عائشة للخنساء: إلى كم تبكين على صخر، وإنما هو جذوة في النار؟ قالت: ذاك أشدّ لجزعي عليه. «٨٩٩» - جاءت امرأة إلى عديّ بن أرطأة تستعديه على زوجها وتشكو أنه عنّين لا يأتيها، فقال عدي: إني لأستحي للمرأة أن تستعدي على زوجها في مثل هذا، فقالت: ولم لا أرغب فيما رغبت فيه أمّك، فلعل الله أن يرزقني ابنا مثلك. «٩٠٠» - مدح رجل هشاما فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال له: ما مدحتك وإنما أذكرتك نعم الله تعالى لتجدّد له شكرا. «٩٠١» - قال المغيرة بن شعبة لعمر بن الخطاب ﵁ في جواب كلام اشار فيه إلى تجنب الفاجر: يا أمير المؤمنين، الضعيف المؤمن له أمانته وعليك ضعفه، والفاجر القويّ لك قوّته وعليه فجوره. فولّاه الكوفة. «٩٠٢» - لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى إلى أثاث ومتاع لم ير مثله، وكان في جملة ذلك قدور يرقى إليها بالسلالم. فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليهم، فأمر بدار ففرشت له، وفي صحنها تلك القدور، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشي قد اقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: ائذن لي في

стр. 2828

معابثته، قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف، وكان تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين، فقال له: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان؛ قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى؛ قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؛ قال: أجل ولا عيلان، ولو كان رآها لسمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، فقال له عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول [١] : [من الطويل] عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: [من الوافر] وخيبة من يخيب على غنيّ ... وباهلة بن يعصر والرباب قال: أتعرف الذي يقول: [من الطويل] كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل قال: نعم وأعرف الذي يقول [٢] : [من الكامل] قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ منه الأكثر الأطيب: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (الانسان: ١) . قال: فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حامل من غيره، قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشي فيقال فلان ابن

стр. 2829

الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك. «٩٠٣» - قام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية، وتناول من بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، فقال له ابن عباس: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى؛ فلما صارت مصر في يدك تتبّعك فيها بالعزل والتنقّص، حتى لو أن نفسك فيها ألقيتها إليه. وذكرت مشاهدك بصفين، فما ثقلت علينا وطأتك ولا نكأتنا فيها حربك، وإن كنت فيها لطويل اللسان قصير البنان [١] ، آخر الحرب إذا اقبلت وأوّلها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شرّ، ووجهان: وجه مونس ووجه موحش، ولعمري إنّ من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى؛ ولك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر [٢] وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك. فقال عمرو: أما والله ما في قريش أثقل وطأة منك عليّ، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك. «٩٠٤» - ولما استقام رأي الناس على أبي موسى بصفّين، أتاه عبد الله بن عباس- وعنده وجوه الناس وأشرافهم- فقال: يا أبا موسى، إنّ الناس لم

стр. 2830

يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك، ولكنّ أهل الشّام ابوا غيرك، وايم الله إنّي لأظنّ ذلك شرّا لنا وخيرا لهم، وإنّه قد ضمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة؛ فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك. اعلم أنّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه من الأحزاب، وأنّه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق: فأمّا عمر استعمله وهو الوالي عليه، بمنزلة الطبيب من المريض يحميه مما يشتهي ويؤخّره مما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملاه ثم لم يدّعوا الخلافة، وهو منهم واحد. واعلم أنّ لعمرو مع كلّ شيء يسرّك حينا يسوءك. ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فإنها بيعة هدى، وأنّه لم يقاتل إلا غاصبا أو ناكثا. فقال أبو موسى: رحمك الله والله ما لي إمام غير عليّ، وإني لواقف عند ما أرى، ولرضى الله أحبّ إليّ من رضى أهل الشام، وما أنا وأنت إلّا بالله. «٩٠٥» - دخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك الرّصافة فسلّم تسليم الخلافة، ثم مال فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد فوق أن يوصى بتقوى الله وإني أوصيك بتقوى الله، وكفى به جازيا لعباده الصالحين ومثيبا. فظنّ هشام أنه يريد أن يتظلّم، فقال: أنت الراجي للخلافة المنتظر لها، وكيف ترجوها وأنت ابن أمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت اجبت وإن شئت سكتّ، قال: أجب، قال: إنه ليس أحد أعظم عند الله منزلة من نبيّ بعثه رسولا، فلو كانت ولادة أمّ ولد تقصّر به عن بلوغ غاية الأنبياء والرسل لم يبعث

стр. 2831

الله إسماعيل بن إبراهيم، وكانت أمّه مع أمّ إسحاق كأمّي مع أمّك، ثم لم يمنعه ذلك أن يبعثه الله نبيّا، وكان عند ربه مرضيّا، وكان أبا العرب وأبا خير البشر وخاتم المرسلين؛ فالنبوّة أعظم خطرا أم الخلافة؟ وما عار الرجل بأمّه وهو ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب؟ ثم طفق فخرج. ٩٠٦- قال الإسكندر لابنه: يا ابن الحجّامة! فقال: أما أمّي فقد أحسنت التخيّر، وأما أنت فلم تحسن. «٩٠٧» - وقال أعرابيّ لابنه: يا ابن الأمة! فقال: لهي والله اعذر منك حيث لم ترض إلا حرّا. «٩٠٨» - قال رجل لأعرابي: أتجلب التمر إلى هجر؟ قال: نعم إذا أجدبت أرضها وعدم نخلها. ٩٠٩- لما بلغ معاوية وفاة الحسن بن عليّ ﵇ دخل عليه ابن عباس قبل أن يعلم بها، فقال له: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن عليّ- ولم يظهر حزنا- فقال ابن عباس: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وغلبه البكاء فردّه، ثم قال: لا يسدّ والله مكانه حفرتك، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيّعنا الله بعده. قال له معاوية: كم كانت سنّه؟ قال: هو أشهر من أن تجهل سنّه. قال: أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلّنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده وقبضه إلى رحمته، فلقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح. «٩١٠» - لما أهديت بنت عقيل بن علّفة إلى عبد الملك بن مروان أو إلى الوليد

стр. 2832

ابنه بعث مولاة له لتأتيه بخبرها قبل أن يدخل بها. فأتتها فلم تأذن لها وكلّمتها فأحفظتها فهشمت أنفها. فرجعت إليه فأخبرته، فغضب من ذلك، فلما دخل عليها قال: ما أردت إلى عجوزنا هذه؟ قالت: أردت والله إن كان خيرا أن تكون أوّل من لقي بهجته، وإن كان شرّا أن تكون أحقّ من ستره. «٩١١» - أرسل مسلمة بن عبد الملك إلى هند بنت المهلّب يخطبها على نفسه، فقالت لرسوله: والله لو أحيا من قتل من أهل بيتي ومواليّ ما طابت نفسي بتزويجه، بل كيف يأمنني على نفسه وأنا أذكر ما كان منه، وثأري عنده؟ لقد كان صاحبك يوصف بغير هذا في رأيه. «٩١٢» - قال بعضهم: رأيت بالمدينة امرأة بين عينيها سجّادة وعليها ثياب معصفرة، فقلت لها: ما أبعد زيّك من سمتك؟ فقالت بصوت نشيط: [من الطويل] ولله منّي جانب لا أضيعه ... وللهو مني جانب ونصيب ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب «٩١٣» - قال بعضهم: خرجت في حاجة فلما كنت بالسّيالة، وقفت على باب إبراهيم بن هرمة، فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته، قالت: خرج آنفا؛ قلت: هل من قرى فإني مقو [١] من الزّاد؟ قالت: لا والله، قلت: فأين قول أبيك: [من المنسرح] لا أمتع العود بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل

стр. 2833

قالت: فذاك أفناها. «٩١٤» - وقيل انه اجتمع بباب ابن هرمة جماعة من الشعراء فسألوا ابنته عنه فقالت: وما تريدون منه؟ قالوا: جئنا لنهاجيه، قالت: [من الطويل] تجمّعتم من كلّ أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد «٩١٥» - قيل لسعيد بن المسيّب وقد كفّ بصره: ألا تقدح عينك؟ قال: حتى أفتحها على من؟. «٩١٦» - قال رجل لعامر بن الطفيل: استأسر، قال: بيت أمّك لا يسعني. «٩١٧» - وقف رجل للحجاج فقال: أصلح الله الأمير، جنى جان في الحي فأخذت بجريرته وأسقط عطائي، فقال: أما سمعت قول الشاعر: [من الكامل المرفل] جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصحاح مبارك الجرب ولربّ مأخوذ بذنب صديقه ... ونجا المقارف صاحب الذّنب فقال الرجل: كتاب الله تعالى أولى ما اتّبع، قال الله : مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ (يوسف: ٧٩) ؛ فقال الحجاج: صدقت، وأمر بردّ عطائه. «٩١٨» - مرّ الأحنف بعكراش بن ذؤيب- وكان ممن شهد الجمل مع عائشة فقطعت يداه جميعا- فصاح به عكراش: يا مخذّل، فقال الأحنف: أما إنك لو أطعتني لأكلت بيمينك وتمسّحت بشمالك.

стр. 2834

«٩١٩» - وقال له رجل: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، قال: وما ذممت فيّ يا ابن أخي؟ قال: الدمامة وقصر القامة، قال: لقد عبت ما لم أؤامر فيه. «٩٢٠» - وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام فتكلّم، فقال هشام: ما مات من خلّف مثل هذا؛ فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره؟ فقال يزيد: ما لذاك أرشح، لكن لجلوسك في هذا الموضع. «٩٢١» - خرج يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يسير بالكوفة إلى مسجد بني غاضرة وقد أقيمت الصلاة، فنزل فصلّى واجتمع الناس لمكانه في الطريق، وأشرف النساء من السطوح، فلما قضى صلاته قال: لمن هذا المسجد؟ قيل: لبني غاضرة، فتمثل قول الشاعر: [من الكامل] ولما تركن من الغواضر معصرا ... إلّا فصمن بساقها خلخالا فقالت له امرأة من المشرفات: [من الكامل] ولقد عطفن على فزارة عطفة ... كرّ المنيح وجلن ثمّ مجالا فقال يزيد: من هذه؟ قالوا: بنت الحكم بن عبدل، فقال: هل تلد الحيّة إلا حيّة. «٩٢٢» - دخل طريح بن إسماعيل الثقفي على أبي جعفر المنصور في جملة الشعراء، فقال له المنصور حين سلّم: لا حيّاك الله ولا بيّاك، أما اتّقيت الله ويلك حيث تقول للوليد: [من المنسرح]

стр. 2835

لو قلت للسّيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج لساخ وارتدّ أو لكان له ... في سائر الناس عنك منعرج - ويروى إلى طريق سواك. فقال طريح: قد علم الله أنّي قلت ذاك ويدي ممتدة إليه ، وإيّاه ﵎ عنيت، فقال المنصور: يا ربيع أما ترى هذا التخلص؟ «٩٢٣» - أنشد إسماعيل بن يسار النساء عبد الملك بن مروان قصيدة مدحه بها يقول فيها: [من الطويل] جعلت هشاما والوليد ذخيرة ... وليّين للعهد الوثيق المؤكّد قال فنظر إليهما عبد الملك مبتسما، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر، فغضب سليمان ونظر إلى إسماعيل نظر مغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأول وقد قلت بعده: [من الطويل] وأمضيت عزما في سليمان راشدا ... ومن يعتصم بالله مثلك يرشد فأمر له بألفي درهم، وأمر أولاده الثلاثة فأعطوه ثلاثة آلاف درهم. «٩٢٤» - ومثله أن أبا تمّام أنشد أحمد بن المعتصم: [من الكامل] إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له مؤدّبه- وأراد الغضّ منه-: الأمير أكبر من كلّ من وصفت. فقال أبو تمام: الكلام بآخره، ثم أنشد: [من الكامل] لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والباس

стр. 2836

فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس وقيل انه ارتجل البيتين لوقته. «٩٢٥» - اعترض الرشيد قينة ليشتريها فغنت: [من المنسرح] ما نقموا من بني أميّة إل ... لا أنّهم يجهلون إن غضبوا ثم تنبهت فقالت: وإنهم معدن النفاق فما ... تفسد إلا عليهم العرب فقال الرشيد ليحيى بن خالد: سمعت يا أبا علي؟ فقال: تبتاع، يا أمير المؤمنين، وتسنى لها الجائزة، ويعجّل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها. وقال لها: أنت مني بحيث تحبّين، فأغمي على الجارية. والشعر الذي غنّت لعبيد الله بن قيس الرقيات وهو [١] : [من المنسرح] ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب «٩٢٦» - جلس عمرو بن هدّاب للشعراء فأنشده طريف بن سوادة أرجوزة فيه حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز]

стр. 2837

أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف وكان عمرو أبرص فصاح به بعض حاضريه: اسكت قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه إن البرص من مفاخر العرب، أما سمعت قول ابن حبناء: [من البسيط] لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق «٩٢٧» - أحضر عبد الملك بن مروان رجلا يرى رأي الخوارج، فأمر بقتله وقال: ألست القائل: [من الطويل] ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت: أمير المؤمنين شبيب، أردت بك يا أمير المؤمنين فحقن دمه. ٩٢٨- خرج رجل على عبد الله بن طاهر كان اصطنعه وأحسن إليه: فحاربه عبد الله فظفر به، فقال له: ما حملك على ما صنعت مع إحساني إليك؟ فقال: حملني على ذلك قولك أيها الأمير: [من المنسرح] حتى متى تصحب الرجال ولا ... تصحب يوما لأمّك الهبل فصفح عنه وأعاده إلى مرتبته وزاد في برّه. «٩٢٩» - مرت امرأة من العرب بمجلس من مجالس نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت وقالت: يا بني نمير لا لأمر الله أطعتم ولا لقول الشاعر

стр. 2838

سمعتم، قال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ (النور: ٣٠) ، وقال الشاعر: [من الوافر] فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا قال: فما اجتمع منهم بعد ذلك في مجلس اثنان. «٩٢٩» ب- أنشد إبراهيم بن هرمة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بحضرة عبد الله بن الحسن بن الحسن شعرا يقول فيه: [من الوافر] وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع زرّه ثم وثب مغضبا وتجوز ابن هرمة في الإنشاد ثم لحقه فقال: جزاك الله خيرا يا ابن رسول الله، فقال: ولكن لا جزاك الله خيرا يا ماصّ بظر أمّه، أتقول لابن مروان «وكان أبوك قادمة الجناح» بحضرتي وأنا ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب ﵇؟ فقال ابن هرمة: جعلني الله فداك، إنّي قلت قولا أخدعه به طلبا للدنيا، وو الله ما قست بكم أحدا قط، أو لم تسمعني قد قلت فيها: وبعض القول يذهب في الرّياح. قال: فضحك عبد الله وقال له: قاتلك الله فما أطرفك. «٩٣٠» - حجّت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وكانت عائشة أحسنهما آلة وثقلا، وكان معها ستون بغلا فحدا حادي عائشة فقال: [من الرجز] عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين فشقّ ذلك على سكينة فنزل حاديها فقال: [من الرجز] عائش هذي ضرّة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك

стр. 2839

فأمرت عائشة حاديها فكفّ. ٩٣١- عرض محمد بن واسع حمارا له على البيع فقال له رجل: أترضاه لي؟ فقال لو رضيته ما بعته. وهذا إنما قال تحرّجا وتحوّبا وفيه جواب مسكت. ٩٣٢- دعا بعض القرّاء بعض الأمراء باسمه فغضب وقال: أين الكنية لا ابا لك؟ فقال: إن الله تعالى سمّى أحبّ الخلق إليه فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (آل عمران: ١٤٤) ، وكنّى أبغض الخلق إليه فقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ (المسد: ١) . «٩٣٣» - وناظر ابن الزّيات رجلا فصالحه على مال فقال له: عجّله، فقال: أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟ ٩٣٤- كانت قبيحة أمّ المعتزّ تحرّضه على قتل الأتراك الذين قتلوا أباه، وتبرز إليه قميصه المضرّج بدمه، فقال لها يوما: ارفعيه وإلا صار القميص قميصين، فما عادت لعادتها بعد ذلك. «٩٣٥» - لما أراد هشام أن ينزل الرّصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون [١] ولم نر خليفة طعن، قال: أنتم تريدون أن تجرّبوني، ونزل الرصافة وهي برّيّة. «٩٣٦» - وأتي هشام بعود فقال للوليد بن يزيد: ما هذا؟ قال: خشب يشقّق ثم يرقّق ثم يلصق ثم تعلّق عليه أوتار فينطق فتضرب الكرام برؤوسها الحيطان سرورا

стр. 2840

به، وما في المجلس إلّا من يعلم ما أعلمه وأنت أوّلهم يا أمير المؤمنين. وقد قيل إن هذا الكلام للوليد بن مسعدة الفزاري مع عبد الملك بن مروان. «٩٣٧» - ركب الرشيد لينظر إلى هدايا بعث بها عليّ بن عيسى بن ماهان بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان، وجعفر بن يحيى يسايره، فقال لجعفر: أين كان هذا أيام أخيك؟ قال: في منازل أربابه، فلم يحر جوابا. ٩٣٨- قال التّوّزي: كان رجل من ولد جرير في حلقة يونس بن حبيب، وفيها رجل من بني شيبان، وأمّ جرير منهم، فقال الجريري يفتخر على الشيباني: [من الطويل] نمتني من شيبان أمّ نزيعة ... كذلك ضرب المنجبات النزائع أما والله- يا أخا بني شيبان- ما أخذناها إلا بأطراف الرماح. فقال له الشيباني: صدقت والله، لأنت ألأم من أن يزوّجوك بها طوعا أو يرضوك لها كفؤا. ٩٣٩- وقف الإسكندر على ذيوجانس فقال: أما تخافني؟ فقال: أخير أنت أم شرّ؟ قال: بل خير. فقال ذيوجانس: فإني لا أخاف الخير بل أحبّه. ٩٤٠- سأل رجل جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلّمت؟ قال: لأني أفنيت من الزّيت أكثر مما أفنيت من الشراب. «٩٤١» - تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: بهرك الكلام يا صعصعة؟ فقال: الخيل الجياد نضّاخة بالماء. «٩٤٢» - نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن عثمان بن عفان: تشتمهم لأنهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت، ولكنّ
следующие страницы →