فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
وقيل انه ارتجل البيتين لوقته.
«٩٢٥» - اعترض الرشيد قينة ليشتريها فغنت: [من المنسرح]
ما نقموا من بني أميّة إل ... لا أنّهم يجهلون إن غضبوا
ثم تنبهت فقالت:
وإنهم معدن النفاق فما ... تفسد إلا عليهم العرب
فقال الرشيد ليحيى بن خالد: سمعت يا أبا علي؟
فقال: تبتاع، يا أمير المؤمنين، وتسنى لها الجائزة، ويعجّل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها. وقال لها: أنت مني بحيث تحبّين، فأغمي على الجارية.
والشعر الذي غنّت لعبيد الله بن قيس الرقيات وهو [١] : [من المنسرح]
ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب
«٩٢٦» - جلس عمرو بن هدّاب للشعراء فأنشده طريف بن سوادة أرجوزة فيه حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز]
стр. 2837
أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف
وكان عمرو أبرص فصاح به بعض حاضريه: اسكت قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه إن البرص من مفاخر العرب، أما سمعت قول ابن حبناء: [من البسيط]
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق
«٩٢٧» - أحضر عبد الملك بن مروان رجلا يرى رأي الخوارج، فأمر بقتله وقال: ألست القائل: [من الطويل]
ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب
فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت: أمير المؤمنين شبيب، أردت بك يا أمير المؤمنين فحقن دمه.
٩٢٨- خرج رجل على عبد الله بن طاهر كان اصطنعه وأحسن إليه:
فحاربه عبد الله فظفر به، فقال له: ما حملك على ما صنعت مع إحساني إليك؟
فقال: حملني على ذلك قولك أيها الأمير: [من المنسرح]
حتى متى تصحب الرجال ولا ... تصحب يوما لأمّك الهبل
فصفح عنه وأعاده إلى مرتبته وزاد في برّه.
«٩٢٩» - مرت امرأة من العرب بمجلس من مجالس نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت وقالت: يا بني نمير لا لأمر الله أطعتم ولا لقول الشاعر
стр. 2838
سمعتم، قال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
(النور: ٣٠) ، وقال الشاعر: [من الوافر]
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال: فما اجتمع منهم بعد ذلك في مجلس اثنان.
«٩٢٩» ب- أنشد إبراهيم بن هرمة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بحضرة عبد الله بن الحسن بن الحسن شعرا يقول فيه: [من الوافر]
وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح
فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع زرّه ثم وثب مغضبا وتجوز ابن هرمة في الإنشاد ثم لحقه فقال: جزاك الله خيرا يا ابن رسول الله، فقال: ولكن لا جزاك الله خيرا يا ماصّ بظر أمّه، أتقول لابن مروان «وكان أبوك قادمة الجناح» بحضرتي وأنا ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب ﵇؟ فقال ابن هرمة: جعلني الله فداك، إنّي قلت قولا أخدعه به طلبا للدنيا، وو الله ما قست بكم أحدا قط، أو لم تسمعني قد قلت فيها: وبعض القول يذهب في الرّياح.
قال: فضحك عبد الله وقال له: قاتلك الله فما أطرفك.
«٩٣٠» - حجّت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وكانت عائشة أحسنهما آلة وثقلا، وكان معها ستون بغلا فحدا حادي عائشة فقال: [من الرجز]
عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين
فشقّ ذلك على سكينة فنزل حاديها فقال: [من الرجز]
عائش هذي ضرّة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك
стр. 2839
فأمرت عائشة حاديها فكفّ.
٩٣١- عرض محمد بن واسع حمارا له على البيع فقال له رجل: أترضاه لي؟
فقال لو رضيته ما بعته.
وهذا إنما قال تحرّجا وتحوّبا وفيه جواب مسكت.
٩٣٢- دعا بعض القرّاء بعض الأمراء باسمه فغضب وقال: أين الكنية لا ابا لك؟ فقال: إن الله تعالى سمّى أحبّ الخلق إليه فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
(آل عمران: ١٤٤) ، وكنّى أبغض الخلق إليه فقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
(المسد: ١) .
«٩٣٣» - وناظر ابن الزّيات رجلا فصالحه على مال فقال له: عجّله، فقال:
أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟
٩٣٤- كانت قبيحة أمّ المعتزّ تحرّضه على قتل الأتراك الذين قتلوا أباه، وتبرز إليه قميصه المضرّج بدمه، فقال لها يوما: ارفعيه وإلا صار القميص قميصين، فما عادت لعادتها بعد ذلك.
«٩٣٥» - لما أراد هشام أن ينزل الرّصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون [١] ولم نر خليفة طعن، قال: أنتم تريدون أن تجرّبوني، ونزل الرصافة وهي برّيّة.
«٩٣٦» - وأتي هشام بعود فقال للوليد بن يزيد: ما هذا؟ قال: خشب يشقّق ثم يرقّق ثم يلصق ثم تعلّق عليه أوتار فينطق فتضرب الكرام برؤوسها الحيطان سرورا
стр. 2840
به، وما في المجلس إلّا من يعلم ما أعلمه وأنت أوّلهم يا أمير المؤمنين.
وقد قيل إن هذا الكلام للوليد بن مسعدة الفزاري مع عبد الملك بن مروان.
«٩٣٧» - ركب الرشيد لينظر إلى هدايا بعث بها عليّ بن عيسى بن ماهان بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان، وجعفر بن يحيى يسايره، فقال لجعفر:
أين كان هذا أيام أخيك؟ قال: في منازل أربابه، فلم يحر جوابا.
٩٣٨- قال التّوّزي: كان رجل من ولد جرير في حلقة يونس بن حبيب، وفيها رجل من بني شيبان، وأمّ جرير منهم، فقال الجريري يفتخر على الشيباني: [من الطويل]
نمتني من شيبان أمّ نزيعة ... كذلك ضرب المنجبات النزائع
أما والله- يا أخا بني شيبان- ما أخذناها إلا بأطراف الرماح. فقال له الشيباني:
صدقت والله، لأنت ألأم من أن يزوّجوك بها طوعا أو يرضوك لها كفؤا.
٩٣٩- وقف الإسكندر على ذيوجانس فقال: أما تخافني؟ فقال: أخير أنت أم شرّ؟ قال: بل خير. فقال ذيوجانس: فإني لا أخاف الخير بل أحبّه.
٩٤٠- سأل رجل جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلّمت؟
قال: لأني أفنيت من الزّيت أكثر مما أفنيت من الشراب.
«٩٤١» - تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: بهرك الكلام يا صعصعة؟ فقال: الخيل الجياد نضّاخة بالماء.
«٩٤٢» - نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن عثمان بن عفان: تشتمهم لأنهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت، ولكنّ
стр. 2841
المهاجرين والأنصار قتلوا أباك.
«٩٤٣» - دخل معن بن زائدة على المنصور يقارب في خطوه، فقال أبو جعفر: كبرت سنّك يا معن؛ قال: في طاعتك؛ قال: وإنك لجلد قال: على أعدائك، قال: وإن فيك بقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
٩٤٤- مرّ أعرابي بمجلس قوم فسخروا منه واستهزأوا به، فرجع إليهم وقال: يا هؤلاء إنّ الناس رجلان: متكلّم غانم، وساكت سالم، فوالله ما سلمتم سلامة الصّامت، ولا غنمتم غنيمة المتكلّم.
٩٤٥- قال عبد الله بن عباس: بعثني عليّ ﵇ إلى عائشة أمّ المؤمنين يأمرها بالرحيل إلى بلادها. فأتيتها فدخلت عليها فلم يوضع لي شيء أجلس عليه، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها، فقالت عائشة: يا ابن عباس، أخطأت السنّة: قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا، فقلت: ما هذا بيتك، بيتك الذي أمرك الله سبحانه أن تقرّي فيه، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلا بإذنك. ثم قلت: إنّ أمير المؤمنين عليا أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى بلادك. قالت: وأين أمير المؤمنين؟ ذاك عمر. فقلت: ذاك عمر وعليّ أيضا، قالت: أبيت! أبيت!. قلت: أما والله ما كان إباؤك إلا قصير المدّة، عظيم التّبعة، قليل المنفعة، ظاهر الشّؤم، بيّن النكد، وما عسى أن يكون إباؤك وما كان أمرك إلا كحلب شاة حتى صرّت، لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كان مثلك إلا كقول أخي بني أميّة حيث يقول: [من الكامل]
ما زال إهداء الضغائن بينهم ... تترى الحديث وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ صوتك بينهم ... في كلّ مجمعة طنين ذباب
стр. 2842
قال: فبكت حتى سمعت نحيبها من وراء الحجاب، ثم قالت: إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله، والله ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه. قال:
ولم ذاك؟ فو الله لقد جعلنا أباك صدّيقا، قالت: يا ابن عباس، أتمنّ عليّ برسول الله ﷺ ؟ فقلت: ما لي لا أمنّ عليك بمن لو كان منك لمننت عليّ [١] .
«٩٤٦» - وقال بعض أصحاب الرشيد: كنت واقفا على رأس الرشيد وقد دخل عليه عبد الملك بن صالح، فأقبل عليه الرشيد فقال: كأني أنظر إلى شؤبوبها وقد لمع، وإلى غبارها وقد سطع، وإلى الوعيد وقد أورى نارا، وقد كشف عن لهازم بلا حلاقم ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا مهلا يا بني هاشم، لا تستوعروا السّهل ولا تستسهلوا الوعر، ولا تبطروا النعم، ولا تستجلبوا النقم، فعن قليل يذمّ ذو الرأي منكم رأية، وينكص ذو الحزم منكم على عقبيه، وتستبدلوا الذّلّ بعد العزّ، وتستشعروا الخوف بعد الأمن. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أفذّا أتكلّم أم تواما؟ قال: بل فذّا؛ قال: إن لله عليك حقا فيما ولاك فأده، واحفظه في رعيّته، ولا تجعل الكفر في موضع الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، ولا تقطع رحمك التي أوجب الله عليك صلتها، وألزمك حقّها، ونطق الكتاب بها، فإنّ عقوقها كفر؛ وجاز ذا الحقّ على حقّه، ولا تصرف الحقّ إلى غير أهله؛ جمعت عليك القلوب بعد افتراقها، وسكّنتها بعد نفارها، وشددت أواخي ملكك بأشدّ من أركان يلملم، وكنت كما قال أخو بني جعفر ابن كلاب: [من الرمل]
ومقام ضيّق فرّجته ... بلساني ومقامي وجدل
стр. 2843
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فقال الرشيد: هذا ابنك يخبرنا عنك بمعصيتك وشقاقك. قال: ليس يخلو ابني من أن يكون مأمورا أو عدوّا، فإن كان مأمورا فمعذورا وعدوّا فمحذورا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
(التغابن: ١٤) ، قال: فهذا كاتبك قمامة بن يزيد يخبر بمثل ذلك، وقد سأل أن يجمع بينك وبينه، قال: إن من كذب عليّ وأشاط بدمي غير مأمون أن يبهتني، وخرج.
٩٤٧- قال ابن مروان لأبي يوسف القزويني الفقيه الحنفي وقد أراه سور آمد وعجّبه من حصانته وإحكامه: كيف تراه؟ فقال له أبو يوسف: يحفظك بالليل، ويردّ عنك السبل، ولا يحجب عنك دعوة المظلوم.
«٩٤٨» - كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، فطلب منه السكين فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر، فقال:
على عمد فعلت ذلك، ليكون الحدّ على أعدائك. فعجب الناس من سرعة جوابه وشدّة فطنته.
«٩٤٩» - وقال المأمون لأحمد بن يوسف: إنّ أصحاب الصدقات تظلّموا منك، فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما رضي أصحاب الصدقات عن رسول الله ﷺ حتى أنزل الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
(التوبة: ٥٨) ، فكيف يرضون عني؟ فاستضحك المأمون وقال له: تأمّل أحوالهم وأحسن النظر في أمرهم.
стр. 2844
«٩٥٠» - لما ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغروا سنّه، فقال له رجل: كم سنّ القاضي أعزّه الله؟ قال: سنّ عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله ﷺ مكّة، فجعل جوابه احتجاجا.
«٩٥١» - قيل لابن شبرمة: لم تركت النبيذ؟ فقال: إن كان حلالا فحظّي تركت، وإن كان حراما فبالحزم أخذت.
«٩٥٢» - لما قال النابغة الجعديّ في ليلى الأخيلية من أبيات: [من الطويل]
ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أيرا أغرّ محجّلا
وقد اكلت بقلا وخيما نباته ... وقد شربت من آخر اللّيل أيلا
- يعني ألبان الأيّل وقد تورث الغلمة- أجابته ليلى من أبيات: [من الطويل]
تعيّرني داء بأمّك مثله ... وأيّ حصان لا يقال لها هلا
فغلبته.
«٩٥٣» - لما قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين قتل عثمان ﵁ أبياته المشهورة التي من جملتها: [من الطويل]
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
أجابه الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بأبيات منها يقول: [من الطويل]
وشبّهته كسرى وقد كان مثله ... شبيها بكسرى هديه وعصائبه
стр. 2845
«٩٥٤» - أرسل أبو ذؤيب الهذليّ خالد بن زهير إلى امرأة بينه وبينها خلّة، فأفسدها خالد لنفسه، وكان أبو ذؤيب من قبل قد فعل مثل ذلك مع عويمر بن مالك بن عويمر، فلما عرف أبو ذؤيب ما فعله خالد كتب إليه بأبيات منها:
[من الطويل]
خليلي الذي دلّى لغيّ خليلتي ... جهارا وكلّ قد أصاب غرورها
ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السّرّ ما يطوى عليه ضميرها
فأجابه خالد بن زهير: [من الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأوّل راض سنّة من يسيرها
أي جعلتها سائرة. ويروى «من سنة» وعلى هذه الرواية يروى «من يسيرها» بضم أوله، وفي ذلك يقول أبو ذؤيب: [من الطويل]
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السّيفان ويحك في غمد
«٩٥٥» - شبّب الأحوص بن محمد الأنصاري بأمّ جعفر، وهي امرأة من الأنصار، وشاع شعره فيها، فأوعده أخوها أيمن وتهدّده فلم ينته، فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز، فربطهما في حبل ودفع إليهما سوطين وقال لهما:
تجالدا، فغلب أخوها وسلح الأحوص في ثيابه وهرب، وتبعه أيمن حتى فاته الأحوص هربا.
وإنما فعل ذلك عمر اقتداء بعثمان بن عفان، فإنّه لما تهاجى سالم بن دارة ومرّة بن رافع [١] الغطفاني لزمهما عثمان بحبل وأعطاهما سوطين فتجالدا بهما.
стр. 2846
وكان الأحوص قال في أمّ جعفر من أبيات: [من الطويل]
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنّي إلى معروفها لفقير
فقال السائب [أحد بني] عمرو بن عوف يعيّره فراره ويعارضه في هذه الأبيات: [من الطويل]
لقد منع المعروف من أمّ جعفر ... أخو ثقة عند الجلاد صبور
علاك بمتن السوط [١] حتى اتّقيته ... بأصفر من ماء الصّفاق يفور
فقال الأحوص: [من الطويل]
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه ... فمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذّنب ثم تردّه [٢] ... يد لأدانيه مباركة عندي
«٩٥٦» - هجا الأخطل سويد بن منجوف فقال: [من الطويل]
وما جذع سوء خرّق السّوس متنه ... لما حمّلته وائل بمطيق
فقال سويد: والله يا أبا مالك ما تحسن أن تهجو ولا تمدح. أردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلا تحمّلني أمورها وما طمعت في بني ثعلبة [٣] فضلا عن بكر.
«٩٥٧» - طعن عامر بن الطفيل ضبيعة بن الحارث فقال ضبيعة:
стр. 2847
[من الكامل]
لولا اعتراض في الأغرّ وجرأة ... لفعلت فاقرة بجيش سعيد
فقال عامر: يعجز عن فرسه ويتوعّدني.
«٩٥٨» - أنشد جرير قول الأخطل: [من الطويل]
وإنّي لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
فقال: صدق، أنا لا أقوم عند است قسّ لآخذ القربان ولا بين يدي سلطان لأداء الجزية.
«٩٥٩» - أنشد رجل يحيى بن خالد: [من البسيط]
إني امرؤ في أعالي بيت مكرمة ... إذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقلّ غناء هذا الرّداء في كانونين.
«٩٦٠» - قصد شاعر أبا دلف فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني تميم، فقال أبو دلف: من الذين يقول فيهم الشاعر: [من الطويل]
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا
قال: نعم، بتلك الهداية جئتك؛ فخجل أبو دلف واستكتمه وأحسن جائزته.
«٩٦١» - لما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيد بن المهلب قال ثابت قطنة يرثيه:
[من الكامل]
يا ليت إخوتك الذين تغيّبوا ... كانوا ليومك بالعراق شهودا
стр. 2848
فقال مسلمة: وأنا والله وددت حتى أسقيهم بكأسه.
«٩٦٢» - لما أسلمت بنت شيبة بن ربيعة قالت هند بنت عتبة لها: [من الوافر]
تدين مع الأولى قتلوا أباها ... أقتل أبيك جاءك باليقين
فقالت: نعم قتله جاءني باليقين.
«٩٦٣» - عرض بلال بن أبي بردة الجند، فمرّ به رجل من بني نمير ومعه رمح قصير، فقال له بلال: يا أخا بني نمير ما أنت كما قال الشاعر: [من الوافر]
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصّدور ولا قصار
فقال: أصلح الله الأمير ما هو لي إنما استعرته من رجل من الأشعريين.
«٩٦٤» - بصر الفرزدق بجرير محرما فقال: والله لأفسدنّ على ابن المراغة حجّه، ثم جاءه مستقبلا وقال: [من الطويل]
فإنك لاق بالمشاعر من منى ... فخارا فخبّرني بمن أنت فاخر
فقال جرير: لبّيك اللهمّ لبّيك.
«٩٦٥» - قال الحسن بن قحطبة: دخلت على المهديّ بعيساباذ فدخل شريك القاضي فسلّم، فقال المهدي: لا سلّم الله عليك يا فاسق، فقال شريك: إن للفاسق علامات تعرف: شرب الخمور واتّخاذ القينات والمعارف. قال: قتلني الله إن لم أقتلك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال:
رأيت في المنام كأني مقبل عليك أكلّمك وأنت تكلّمني من قفاك. فقال لي
стр. 2849
المعبّر: هذا رجل يطأ بساطك وهو مخالف لك. فقال شريك: إن رؤياك ليست كرؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماء المسلمين لا تستحلّ بالأحلام.
فنكس المهديّ رأسه ثم أشار إليه أن اخرج، فخرج وخرجت خلفه. فقال لي: ما رأيت ما أراد صاحبك أن يفعل؟ فقلت: اسكت فلله أبوك!.
«٩٦٦» - جاء رجل إلى شريح فكلّمه بشيء وأخفاه، فلما قام قال له رجل:
يا أبا أمية، ما قال لك؟ قال: يا ابن أخي أما رأيته أسرّه منك؟
«٩٦٧» - وقيل للشعبي- وقد بنى بأهله-: كيف وجدت أهلك؟ قال:
ولم أرخيت الستور إذن.
«٩٦٨» - دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فسأله عن مسألة فأفتاه، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح، فقال:
عجّلوها له، فقيل إنّ الخازن في بيته والأبواب مغلقة، فقال أبو يوسف: وقد كنت في بيتي والدروب مغلقة، فحين دعاني فتحت.
«٩٦٩» - قال عبيد الله بن زياد لبعض بني بكر بن وائل: ما تقول فينا وفي الحسين وفي قتلنا إيّاه؟ فقال: ما أقول، يجيء جدّه يوم القيامة فيشفع له ويجيء جدّك فيشفع لك.
«٩٧٠» - كان أبو الأسود يتشيّع، وكان ينزل في بني قشير وهم عثمانية، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك. فشكاهم مرّة فقالوا له: ما نحن نرميك ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم لو كان الله يرميني لما أخطأني.
стр. 2850
«٩٧١» - كان بعض أهل البصرة يتشيّع، وكان له صديق يفد إليه ويوافقه على مذهبه، فأودعه مالا فجحده، فاضطر إلى أن قال لمحمد بن سليمان، وسأله أن يحضره ويحلّفه بحقّ عليّ ففعل ذلك. فقال الرجل: أعزّ الله الأمير، هذا الرجل صديقي وهو أعزّ عليّ وأجلّ من أن أحلف له بالبراءة من مختلف في ولايته وإيمانه، ولكنّي أحلف له بالبراءة من المتّفق على إيمانهما وولايتهما أبي بكر وعمر. فضحك محمد بن سليمان، والتزم المال، وخلّى الرجل.
«٩٧٢» - دخل أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكناني على معاوية فقال له: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار؛ قال معاوية: لقد كان حقّه واجبا وكان يجب عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصرته ومعك أهل الشام؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك عامر وقال: أنت والله وعثمان كقوله: [من البسيط]
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال له معاوية: دع عنك هذا وقل لي ما بقّى الدهر من ثكلك عليّ بن ابي طالب؟ قال: ثكل العجوز المقلات والشيخ الرقوب، قال: كيف حبّك له؟
قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
«٩٧٣» - أتي الحجّاج بامرأة من الخوارج فقال لمن حضره: ما ترون فيها؟
قالوا اقتلها. فقالت: جلساء أخيك خير منك ومن جلسائك قال: ومن أخي؟
قالت: فرعون، لما شاور جلساءه في موسى قالوا: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
(الأعراف: ١١١) .
стр. 2851
«٩٧٤» - أتي عتّاب بن ورقاء بامرأة من الخوارج، فقال لها: يا عدوّة الله ما دعاك إلى الخروج؟ أما سمعت الله ﵎ يقول: [من الخفيف]
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
قالت: يا عدوّ الله، أخرجني قلّة معرفتك بكتاب الله تعالى.
«٩٧٥» - قال المنصور لبعض الخوارج وقد ظفر به: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما كان في مبارزتك؟ قال: ما أعرفهم بوجوههم ولكني أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا حتى أصفهم؛ فاغتاظ وأمر بقتله.
«٩٧٦» - قال الحجّاج لرجل من الخوارج: والله إني لأبغضكم، فقال الخارجي: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنّة.
«٩٧٧» - خفّف أشعب الصلاة مرّة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلاة جدا، قال: لأنه لم يخالطها رياء.
«٩٧٨» - عاد المعتصم أبا الفتح ابن خاقان، والفتح صغير، فقال له: داري أحسن أم دار أبيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، دار أبي ما دمت فيها.
«٩٧٩» - اجتاز عمر بن الخطاب ﵁ بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فتهاربوا إلا عبد الله، فإنه وقف. فقال له عمر: لم لم
стр. 2852
تفرّ مع أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفرّ منك، ولا كان الطريق ضيّقا فأوسّعه عليك.
٩٨٠- أتي الحجاج بأعرابيّ في أمر احتاج إلى مساءلته عنه، فقال الحجاج: قل الحقّ وإلا قتلتك، فقال له: اعمل به أنت، فإن الذي أمرك بذلك أقدر عليك منك عليّ، فقال الحجاج: صدق. فخلّوه.
«٩٨١» - قدم أعرابيّ على سلطان ومعه قصة، فجعل يقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، فقيل له: هذا يقال يوم القيامة، فقال: هذا شرّ من يوم القيامة، إنه يؤتى يوم القيامة بحسناتي وسيّئاتي، وأنتم جئتم بسيّئاتي وتركتم حسناتي.
«٩٨٢» - حلف أعرابيّ بالمشي إلى بيت الله الحرام لا يكلّم ابنه، فحضرته الوفاة، فقيل له: كلّمه قبل أن تفارق الدنيا، فقال: والله ما كنت قطّ أعجز عن المشي إلى بيت الله تعالى منّي الساعة.
«٩٨٣» - قيل لأعرابي ينسج: ألا تستحي أن تكون نسّاجا فقال: إنما أستحي من أن أكون أخرق لا أنفع أهلي.
«٩٨٤» - مدّ المأمون يده إلى أعرابيّ ليقبّلها، فتناولها بكمّه، فقال: أتتقزّز منها؟ قال: لا بل أتقزز لها.
«٩٨٥» - قال رجل: رأيت أعرابيّا في إبل قد ملأت الوادي، فقلت: لمن هذه؟ قال: لله في يدي.
«٩٨٦» - سأل أعرابي فقيل له: بورك فيك، وتوالى عليه ذلك من غير
стр. 2853
مكان، فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة.
«٩٨٧» - سألت أعرابيّة المنصور في طريق مكّة فحرمها، فقالت: [من الطويل]
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى ... فأبعدكنّ الله من شجرات
«٩٨٨» - وسألته أخرى فمنعها، فقالت: [من الطويل]
دنوّك إن كان الدّنوّ كما أرى ... علي وبعد الدّار يستويان
«٩٨٩» - قيل لجاذوسيس الصقليّ: إنّك من مدينة خسيسة، قال: أما أنا فيلزمني العار من قبل بلدي، وأما أنت فعار لازم لأهل بلدك.
«٩٩٠» - وعيّر آخر سقراط ببلده، فقال سقراط: نسبي مني ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.
«٩٩١» - قيل: طاف الرشيد بالبيت فوطىء جرادة، فلم يدر ما عليه فيها، فبعث بالمأمون إلى الفضيل بن عياض فسلّم عليه وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: لنا إليك حاجة، فأحبّ أن تعبر إلينا. فلم يجب الفضيل بشيء، فرجع المأمون وقال: رأيت رجلا ليست به إليك حاجة، فقام الرشيد مغضبا حتى خيف على الفضيل منه؛ فوقف عليه وسلّم، فوسّع الفضيل له وردّ ﵇. فلما جلس أقبل على الفضيل فقال: رحمك الله، قد كان الواجب أن تأتينا وتعرف حقّنا إذ ولّانا الله أموركم فصيّرنا الحكام في دمائكم، والذّابّين عن حريمكم، وإذ لم تأتنا فقد أتيناك؛ إني وطئت الآن في الطواف على جندبة
стр. 2854
فما ديتها؟ قال: فبكى الفضيل بكاء شديدا حتى علا صوته وقال: إذا كان الراعي يسأل عن الغنم هلكت الغنم، وإنما يجب على الراعي أن يرتاد لغنمه المرعى، وجيّد الكلأ، وعذب الماء، فإذا كنت يا أمير المؤمنين تسألني عن معالم الدّين فبأيّ شيء تسوس رعيّتك؟ قال: فخجل الرشيد حتى عرق وانصرف.
ومما وضع على لسان البهائم:
«٩٩٢» - قالوا: عيّر الثعلب لبؤة بأنها لم تلد في عمرها إلا جروا واحدا، فقالت: نعم إلا أنّه أسد.
«٩٩٣» - وقالوا: صحب ذئب وثعلب أسدا فاصطادوا عيرا وظبيا وأرنبا. فقال الأسد للذئب: اقسم هذا بيننا، فقال: العير لك، والظبي لي، والأرنب للثعلب.
فغضب الأسد وأخذ بحلق الذئب حتى قطع رأسه، وقال للثعلب: اقسمه أنت، فقال: العير لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب تتفكّه به في الليل، فقال: من علّمك هذه القسمة العادلة؟ قال: رأس الذئب الذي بين يديك.
«٩٩٤» - قالوا: تعلّق ذئب بعوسجة ليصعد حائطا فعقرته، فأقبل يلومها فقالت: يا هذا لم نفسك في التعلّق، فما يتعلّق بكلّ شيء.
«٩٩٥» - كان أبو أيوب المورياني، وزير المنصور، إذا دعاه المنصور يصفرّ ويرعد مع مكانه منه ومحله عنده. فقيل له في ذلك، فقال: مثلي ومثلكم في هذا مثل باز وديك تناظرا، فقال البازي: ما أعرف أقلّ وفاء منك، قال: وكيف ذلك؟ قال: تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفّهم ويحسنون إليك، حتى إذا وجدت منهم غفلة طرت وصحت وعلوت
стр. 2855
الحيطان، وفارقت الدار التي ربيت بها وطرت إلى غيرها؛ وأنا أوخذ من الجبال فأوثق وتخاط عيني، وأطعم الشيء اليسير، وأونس يوما أو يومين ثم أطلق على الصيد، فأطير وحدي، وآخذ الصيد لصاحبي، وأمسكه عليه، وأعود إلى مكاني. فقال له الديك: ذهب عليك الصواب، أنت والله لو رأيت على السّفافيد من البزاة اليسير من الكثير الذي أراه أنا من الدّيكة ما عدت قطّ إليهم. ولكن لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالا منّي عند طلبه لكم.
«٩٩٦» - تهاجى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعبد الرحمن بن الحكم فأفحشا، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، وهو عامله على المدينة، أن يجلد كلّ واحد منهما مائة سوط؛ وكان ابن حسان صديقا لسعيد، وما مدح أحدا قطّ غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمّه، فأمسك عنهما؛ ثم ولي مروان بن الحكم فضرب ابن حسان مائة سوط ولم يضرب أخاه. فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو عند معاوية فعرّفه. فعزم معاوية على مروان أن يضرب اخاه مائة، فسأل مروان الأنصار سؤال ابن حسان أن يعفو فأبى، فطلبوا إليه أن يقتصر على خمسين ففعل. فلقي ابن حسان بعض من كان لا يهوى ما ترك من ذلك، فقال: ضربك مائة وتضرب خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له، فقال: إنه عبد وإنما يضرب العبد نصف ما يضرب الحرّ، فحمل هذا الكلام حتى شاع في المدينة، فبلغ ابن الحكم فشقّ عليه وأتى أخاه مروان وأخبره الخبر، فقال: فضحني لا حاجة لي فيما ترك، فهلمّ فاقتصّ، فضرب ابن الحكم خمسين أخرى.
٩٩٧- روي أنّ امرأة أبي الأسود خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت:
أيها الأمير، إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي، وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء؛ فقال أبو الأسود: بهذا تريدين أن تغلبيني على
стр. 2856
ولدي، فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه؛ قالت: لا سواء، إنّك حملته خفّا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال له زياد إنّي أرى امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه.
«٩٩٨» - لما حبس الحلّاج عند القشوري مرض ابن له فاشتهى التفّاح الشاميّ، وكان لا يصاب لفوت أوانه، فتلطّف الحلّاج واحتال حتى سأله القشوري تفاحة شامية، قصد بها تعرّف أمر الحلّاج في صدقه وكذبه، وأراد أيضا بلوغ مراده في ولده، وكان الحلّاج قد أعدّ تفاحة لذلك، فحين سأله أومى بيده هكذا وأعادها بتفاحة، وتناولها القشوري يقلّبها ويتعجّب منها، والحلّاج يقول: الساعة قطعتها من الجنّة، قال القشوري: إني أرى في موضع منها عيبا، قال الحلاج- غير مطرق ولا مكترث-: أما علمت أنّها إذا أخرجت من دار البقاء إلى دار الفناء لحقها جزء من البلاء، فكان جوابه أحسن من حيله وفعله.
«٩٩٩» - وكان كثيّر قصيرا لا يبلغ ضروع الإبل، فقال له جرير: أيّ رجل أنت لولا دمامتك؟ فقال كثيّر: [من الطويل]
إن أك قصدا في الرّجال فإنّني ... إذا حلّ أمر ساحتي لطويل
«١٠٠٠» - روي أنّ عزّة قالت لبثينة: تصدّي لكثيّر وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به؛ ثم أقبلت إليه وعزّة تمشي ورآها متخفّية وعرضت عليه الوصل فقاربها، ثم قال: [من الطويل]
رمتني على فوت بثينة بعد ما ... تولّى شبابي وارجحنّ شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقت بها ... لنوء الثريّا لاستهلّ ربابها
стр. 2857
فكشفت عزّة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:
ولكنّما ترمين نفسا مريضة ... لعزّة منها صفوها ولبابها
فضحكت ثم قالت: أولى لك! بها نجوت، وانصرفتا تتضاحكان.
«١٠٠١» - قال يزيد بن عروة: لما مات كثيّر لم تتخلّف امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازته، وغلب النساء عليها يبكينه ويذكرن عزّة في ندبهنّ له، فقال أبو جعفر محمد بن علي: أفرجوا لي عن جنازة كثيّر لأرفعها، قال: فجعلنا ندفع النساء عنها، وجعل محمد بن علي يضربهنّ بكمّه ويقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا ابن رسول الله لقد صدقت، إنّا لصواحباته وقد كنّا خيرا منكم له، فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفت. قال فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرر النار، فقال لها محمد بن علي: أنت القائلة: إنكنّ ليوسف خير منا؟ قالت: نعم، تؤمّنني غضبك يا ابن رسول الله؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأنبئيني. قالت:
نحن- يا ابن رسول الله- دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ وبعتموه بأبخس الأثمان، وحبستموه في السّجن، فأيّنا كان عليه أحنى وبه أرأف؟ فقال محمد: لله درّك، لن تغالب امرأة إلا غلبت، ثم قال لها ألك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله، فقال أبو جعفر: ما أصدقك، مثلك من تملك زوجها ولا يملكها، قال:
فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه بنت فلانة بنت معيقيب.
«١٠٠٢» - أخبر كثيّر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة، فأراد الدخول إليها ليوبّخها، فقيل له: لا تردها فإنّ لها جوابا، فأبى كثيّر وأتاها؛ فوقف على بابها وقرعه، فقالت: من هذا؟ قال: كثيّر بن عبد الرحمن
стр. 2858
الشاعر، فقالت لبنات عمّ لها تنحّين حتى يدخل الرجل، فولجن البيت، وأذنت له فدخل، وتنحّت من بين يديه فرآها وقد ولّت، فقال لها: أنت قطام؟
فقالت: نعم قال: صاحبة عليّ بن أبي طالب ﵇؟ قالت: صاحبة عبد الرحمن بن ملجم، قال: أليس فيك قتل عليّ بن أبي طالب؟ قالت: بل مات بأجله، قال: أم والله لقد كنت أحبّ أن أراك، فلما رأيتك نبت عيني عنك، فما احلوليت في صدري، قالت: والله إنك لقصير القامة، عظيم الهامة، قبيح المنظر، وإنك لكما قال الأول: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، فقال:
[من الطويل]
رأت رجلا أودى السّفار بوجهه ... فلم يبق إلا منظر وجناجن
فإن أك معروق العظام فإنّني ... إذا وزن الأقوام بالقوم وازن
وإني لما استودعتني من أمانة ... إذا ضاعت الأسرار للسرّ دافن
فقالت: أنت لله أبوك كثيّر عزّة؟ قال: نعم، فقالت: الحمد لله الذي قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بامرأة، قال: ليس الأمر كذلك، والله لقد سار بها شعري، وطار بها ذكري، وقرب من الخليفة مجلسي، وإنّها لكما قلت:
[من الطويل]
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فإن خفيت كانت لعينك قرّة ... وإن تبد يوما لم يغمّك عارها
فقالت: تا لله ما رأيت شاعرا قطّ أنقص عقلا ولا أضعف وصفا منك حيث تقول هذا، ألا قلت كما قال امرؤ القيس: [من الطويل]
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فخرج وهو يقول: [من الكامل]
стр. 2859
الحقّ أبلج لا تخيل سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
«١٠٠٣» - حجّ سليمان بن عبد الملك ومعه الشعراء، فمرّ بالمدينة منصرفا، فأتي بأسراء من الروم نحو من أربعمائة اسير. فقعد سليمان وعنده عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي ﵈، وعليه ثوبان ممصّران، وهو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم وهو في جامعة، فقال لعبد الله بن الحسن: ثم فاضرب عنقه! فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه فأبان عنقه وذراعه وأطنّ ساعده وبعض الغلّ، فقال له سليمان: اجلس، فو الله ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك، وجعل يدفع الأسراء إلى الوجوه فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلا، فدسّت إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه؛ فدفع إلى الفرزدق أسيرا، فدسّت إليه القيسيّة سيفا كليلا، وقيل بل دفع إليه سليمان سيفا وقال: اقتله به، فقال: لا، أضربه بسيف مجاشع، واخترط سيفه فضربه فلم يغن شيئا، فقال له سليمان أم والله لقد بقي عليك عارها وشنارها، فقال جرير قصيدة يهجوه فيها، منها في المعنى: [من الطويل]
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
وقيل: إن الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين هب لي هذا الأسير، فوهبه له، فأعتقه وقال: [من الطويل]
فهل ضربة الروميّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التّمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وروي أنه سبق جريرا إلى البيتين الأوّلين المذكورين، وقال: كأني بابن
стр. 2860
المراغة قد قال كذا؛ فما لبث إلّا مدّة يسيرة حتى جاءته القصيدة وفيها البيتان.
«١٠٠٤» - ومن أجوبة الفرزدق المستحسنة في هذه القصيدة، وعرّض بسليمان لأنّ بني عبس أخواله: [من الطويل]
فإن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتعجيل نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد [١]
وقوله أيضا: [من البسيط]
فما نبا السيف عن جبن ولا دهش ... عند الإمام ولكن أخّر القدر
ولو ضربت به عمدا مقلّده ... لخرّ جثمانه ما فوقه شعر
وما يقدّم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر
«١٠٠٥» - قال أبو العيناء: نظر المأمون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادما له، فقال للخادم: تعرض له إذا قمت، فإني سأقوم للوضوء، وأمره أن لا يبرح، وعد إليّ بما يقول لك، فلما قام غمزه الخادم بعينه، فقال يحيى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
(سبأ: ٣١) فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره، فقال له: عد إليه فقل له: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ
(سبأ: ٣٢) فخرج إليه الخادم وقال له ذلك، فأطرق يحيى وكاد يموت جزعا، فخرج المأمون وهو يقول: [من الطويل]
стр. 2861
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
قم واتّق الله وأصلح دينك.
«١٠٠٦» - لما هجا يزيد بن مفرّغ بني زياد فأفحش، وظفر به عبيد الله أمر به فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشّبرم فأسهل بطنه، وطيف به وهو على تلك الحال، وقرن به هرّ وخنزير، فجعل يسلح والصبيان يقولون: إين جست؟
فيقول: آنست ونبيذ است وعصارة زبيب است وسمية روسبي است، وجعل كلما جرّ الخنزير ضغت فيقول: [من البسيط]
ضجّت سميّة لما لزّها قرني ... لا تجزعي إنّ شرّ الشّيمة الجزع
فلما خافوا عليه الهلاك أمر به أن يغسل، فلما غسل قال: [من الخفيف]
يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي
١٠٠٧- لما وقع التباين بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي دواد في أيام الواثق، وسعى كلّ واحد منهما بصاحبه، دخل يوما محمد بن عبد الملك دار الواثق وابن أبي دواد هناك، فلما رآه وثب يصلّي صلاة الضحى، فقال محمد بن عبد الملك وأنشدها يسمعه: [من الكامل]
صلّى الضّحى لما استفاد عداوتي ... وأراك تنسك بعدها وتصوم
لا تعدمنّ عداوة من واحد ... تركتك تقعد بعدها وتقوم
١٠٠٨- مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب، فقدم أبو حنيفة وارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية وأقام البيّنة، فقال له ابن شبرمة، يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ، قال: ليس عليّ يمين، كنت غائبا، قال: ضلّت مقاليدك يا أبا حنيفة، قال: ضلّت مقاليدي؟ ما تقول في أعمى شجّ
стр. 2862
فشهد له شاهدان أنّ فلانا شجّه، أعلى الأعمى يمين أنّ شهوده شهدوا بحقّ وهو لا يرى؟
«١٠٠٩» - قال أعرابيّ لعبد الملك: الناقة إذا كانت تمنع الحلب قوّمتها العصا، قال: إذن تكفأ الإناء وتكسر أنف الحالب.
«١٠١٠» - اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: فقليله أم كثيره؟ قال: بل قليله، قال: ما رأيت خيرا قط إلا والازدياد منه خير إلّا خيرك هذا فإن قليله خير من كثيره.
«١٠١١» - كتب ملك الروم إلى الرشيد: إني متوجّه إليك بكلّ صليب في مملكتي وكل بطل في جندي، فوقع الرشيد في كتابه: وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار [١] .
١٠١٢- قال أبو حنيفة: قال لي حماد بن أبي سليمان: إذا سئلت عن معضلة فاقلبها سؤالا على سائلك حتى تتخلّص من مسألته، قال: فدسّ إليّ رجل على الباب وأنا عند ابن هبيرة قد أمر بي إلى السجن، فتبعني الرجل إلى السجن فقال لي: يا أبا حنيفة يحلّ للرجل إذا أمره السلطان الأعظم بقتل رجل أن يقتله؟
قال، قلت: وكان الرجل ممن يستحقّ القتل عليه؟ قال: نعم، قلت: فليقتله، قال: فإن لم يكن ممن وجب عليه القتل؟ قلت: إن السلطان الأعظم لا يأمر بقتل من لا يستحقّ عليه القتل.
стр. 2863
١٠١٣- قال موسى بن عبد الله بن الحسن لامرأته أمّ سلمة وكانت من ولد أبي بكر الصديق: [من الطويل]
إني زعيم أن أجيء بضرّة ... فراسية فرّاسة للضرائر
فقال الربيع بن سليمان مولى الحسينيين: [من الطويل]
أبنت أبي بكر تريد بضرّة ... لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
١٠١٤- أعتق عمر بن عتبة غلاما كبيرا، فقال له عبد صغير:
اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير، فقال: إنك لم تخرف؟ فقال: إن النخلة تجتنى زهوا قبل أن تصير معوا، فقال: قاتلك الله لقد استعتقت فأحسنت، وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني.
المعو: الجنيّ الرّطب، وجاء عن العرب عشر كلمات عينها عين ولامها واو- البعو: الجناية، الجعو: الطين، الدّعو: مصدر دعا يدعو، السّعو:
الشمع، والسّعو أيضا الرجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور، القعو: من البكرة، اللّعو: الحريص والذئب في بعض اللغات، والمعو: وقد ذكر، النّعو: الشقّ في مشفر البعير.
стр. 2864
نوادر من هذا الباب
«١٠١٥» - قال نصر بن سيّار بخراسان لأعرابي: هل اتخمت قطّ؟ قال:
أما من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال إن نصرا حمّ من هذا الجواب أياما، وقال: ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشيطان.
«١٠١٦» - بعث معن بن زائدة إلى ابن عياش المنتوف ألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار واشتريت بها دينك.
فكتب إليه: وصل ما أنفذت وقد بعتك ديني ما خلا التوحيد لعلمي بقلّة رغبتك فيه.
«١٠١٧» - دخل أشعري على الرشيد فسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحكّم بعد أبي موسى؟ فضحك وأعطاه.
«١٠١٨» - اعترض عمرو بن الليث فارسا من جيشه، وكانت دابته في غاية الهزال، فقال له: يا هذا، تأخذ مالي فتنفقه على امرأتك وتسمّنها وتهزل دابّتك التي تحارب عليها وبها تأخذ الرزق؟ امض لشأنك فليس لك عندي شيء.
فقال الجندي: أيها الأمير لو استعرضت امرأتي لاستسمنت دابّتي. فضحك عمرو وأمر بإعطائه رزقه.
стр. 2865
«١٠١٩» - قال زياد لرجل: يا ابن الزانية، فقال: أتسبني بشيء شرفت به.
«١٠٢٠» - لما قال ابن هرمة: [من المتقارب]
ومهما ألام على حبّهم ... فإني أحبّ بني فاطمة
بني بنت من جاء بالمحكما ... ت والدين والسنّة القائمة
لقيه رجل فسأله: من قائلها؟ فقال: من عضّ بظر أمّه، فقال له ابنه: ألست قائلها؟ قال: بلى، قال: فلم شتمت نفسك؟ قال: أليس [أن] يعضّ المرء بظر أمّه خير من أن يأخذه ابن قحطبة.
«١٠٢١» - ومر ابن هرمة على جيرانه وهو ميّت سكرا حتى دخل منزله.
فلما كان من الغد، دخلوا إليه فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها، فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي: [من الخفيف]
أسأل الله سكرة قبل موتي ... وصياح الصبيان يا سكران
فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: لا يفلح هذا أبدا.
«١٠٢٢» - شهد رجل عند أبي العاج [١]- وكان على البصرة- على رجل من المعيطيّين بشهادة، وكان الشاهد سكران، فقال المعيطي المشهود عليه: أعزّك الله، إنه لا يحسن أن يقرأ من السكر، فقال الشاهد: بلى إني لأحسن، فقال اقرأ فقال: [من الرمل المجزوء]
علق القلب الربابا ... بعد ما شابت وشابا
стр. 2866
وإنما تماجن بذلك على المعيطي ليحكي به الوليد بن عقبة وإنشاده هذا البيت وهو يصلي في محراب الكوفة. وكان أبو العاج محمّقا وظنّ أن هذا قرآن، فقال: صدق الله ورسوله. ويلكم فلم تعلمون ولا تعملون.
«١٠٢٣» - لما مات جعفر بن محمد ﵉، قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: مات إمامك، قال: لكن إمامك لا يموت إلى يوم القيامة، يعني إبليس.
فقال له أبو حنيفة: ما تقول في المتعة؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك يتمتّع بهن؟ قال: شيء قد أحلّه الله إن كرهت فما حيلتي؟
قال شيطان الطاق: فما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك نبّاذات؟
«١٠٢٤» - قال رجل من ولد سعيد بن سلم لأبي العيناء: إن ابني يبغضك، قال: يا بني إن لي أسوة بآل محمد ﷺ .
١٠٢٥- قال رجل للفرزدق: ما أقبح وجهك كأنه خلق من أحراح، فقال: انظر هل ترى حر أمّك فيه.
«١٠٢٦» - وقيل لأبي الأسود: كأنّ وجهك من فقاح مجتمعة، فقال للقائل: فهل فقحة أمّك فيها.
وعلى كلامه احتذى الفرزدق.
١٠٢٧- قيل لبشار: ما أذهب الله ناظري أحد إلا عوّضه منهما شيئا، فما الذي عوّضك؟ قال: أن لا أرى مثلك.
стр. 2867
«١٠٢٨» - تزوج أعمى امرأة فقالت: لو رأيت حسني وبياضي لعجبت، فقال: اسكتي، لو كنت كما تقولين ما تركك لي البصراء.
١٠٢٩- نظر ذيوجانس إلى رجل مبذّر لماله فقال له: هب لي منّا فضة، قال له: كيف صرت تسأل الناس الحبّة والفلس وتسألني منا فضة؟ قال: لأني لا أرجو إليك العودة ولا أرجوها منك إذ كان لا يبقى معك.
١٠٣٠- نظر حكيم إلى معلّم رديء الكتابة فقال له: لم لا تعلّم الصّراع؟
فقال: لا أحسنه، قال: هو ذا أنت تعلم الكتابة ولا تحسنها.
«١٠٣١» - ولي موسى بن مصعب الموصل فاستعمل رجلا من أهل حرّان على كورة باهدرا، وهي أجلّ كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج فكتب إليه:
[من المنسرح]
هل عند رسم برامة الخبر ... أم لا فأيّ الأشياء ننتظر
احمل ما عندك يا ماصّ بظر أمّه وإلّا فقد أمرت رسولي يشدّك وثاقا ويأتيني بك. فأخذ الرجل ما كان معه من الخراج ولحق بحرّان وكتب إليه في الجواب في آخر الرقعة: [من البسيط]
إن الخليط الذي تهوى قد ائتمروا ... للبين ثم أجدّوا السير فانشمروا
اجهد جهدك يا ابن الزانية. فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال: أحسن والله الجواب، والله لا أطلبه أبدا.
١٠٣٢- قال الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ عهد، للعباس بن الوليد بن عبد الملك وقد تماضّا: اسكت يا ابن البظراء، وكانت أمّ العباس رومية، فقال له العباس: أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك؟
стр. 2868
١٠٣٣- قال الوليد لأشعب: تمنّ؟ فقال أشعب: يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى؟ فقال الوليد: إنما أردت أن تغلبني، إني أتمنّى ضعفي ما تتمنى، فقال أشعب: إني أتمنى كفلين من العذاب، قال: إذن نوفّرهما عليك.
«١٠٣٤» - كانت سعدة بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان تحت الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، فهوي أختها سلمى، فطلّق سعدة طمعا أن يتزوّج أختها، فلم يزوجه أبوها. وندم على طلاقه سعدة واستهام بها، فتزوجت سعدة فأيس منها. فقال الوليد لأشعب: هل لك في عشرة آلاف درهم على أن تبلغ سعدة رسالتي؟ قال: أحضرها حتى أنظر إليها، فأحضرها الوليد، فوضعها أشعب على عاتقه وقال: هات رسالتك، فقال الوليد تقول لها: [من الوافر]
أسعدة هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يواتي ... بموت من خليل أو فراق
فأصبح شامتا وتقرّ عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق
فأتى أشعب باب سعدة فاستأذن عليها، فأخبرت بمكانه فأمرت بفرش لها ففرشت وجلست وأذنت له. فلما دخل أنشدها ما أمر به، فقالت لخدمها:
خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي، إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنّك أو تبلّغه كما بلغتني، قال: وما تهبين لي؟ قالت بساطي الذي تحتي، قال: قومي عنه، فقامت فطواه، ثم قال: هاتي رسالتك- جعلت فداك- قالت، قل له:
[من الطويل]
أتبكي على لبنى [١] وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع
стр. 2869
فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت، فقال: أوّاه! قتلتني يا ابن الزانية! ما أنا صانع؟ اختر إما أن أدلّيك منكّسا على رأسك في البئر، أو أرمي بك منكّسا من فوق القصر، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر الآن ما أنت صانع.
قال أشعب: ما كنت لتفعل من هذا شيئا، قال: ولم يا ابن الزانية؟ قال: ما كنت لتعذّب عينين قد نظرتا إلى سعدة، قال: صدقت؛ أوّاه! أفلتّ مني بهذا والله يا ابن الزانية! «١٠٣٥» - كان بالرّقّة قاصّ يكنى أبا عقيل يكثر التحدّث عن بني إسرائيل فيظنّ به الكذب، فقال له يوما الحجاج بن خيثمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال: خيثمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أيّ كتاب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.
«١٠٣٦» - وكان أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شيث بن ربعي الرياحي، عجيب الجواب. فجلس إليه رجل مرة يعرف ببردين المناقير [١] ، وكان أبوه صلب في حرابة [٢] ، والحرابة عندهم سرق الإبل خاصة، فأقبل يعرّض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه.
«١٠٣٧» - ومر به نصر بن سيار الليثي وهو يميل سكرا فقال له: أفسدت شرفك، فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
стр. 2870
«١٠٣٨» - وخطب إلى رجل من بني تميم فقال له: لو كنت مثل أبيك لزوّجتك، فقال له أبو الهندي: لكن لو كنت مثل أبي ما خطبت إليك.
«١٠٣٩» - كانت حميدة بنت النعمان بن بشير تحت روح بن زنباع الجذاميّ، فأشرفت على قوم من جذام وفدوا على روح فزجرها روح فقالت:
إني والله لأبغض الحلال من جذام، فكيف تخافني على الحرام منهم؟
وخلف عليها بعده الفيض بن محمد عمّ يوسف، فقالت فيه: [من البسيط]
سمّيت فيضا وما شيء تفيض به ... إلا بسلحك بين الباب والدار
وتمثل الفيض يوما بهذا البيت: [من البسيط]
إن كنت ساقية قوما على كرم ... صفو المدامة فاسقيها بني قطن
ثم تحرك فضرط، فقالت: وهذه أيضا فاسقيها بني قطن.
«١٠٤٠» - جلس معن بن زائدة يقسم سلاحا في جنده إذ دفع إلى رجل منهم سيفا، وكان سيف سوء، فقال معن: خذه فإنها مأمورة، فقال: هذا مما قد أمر أن لا يقطع شيئا أبدا، فأبدله له وزاد في عطائه.
«١٠٤١» - أمر بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بتفريق بين رجل وامرأته، فقال له: يا آل أبي موسى، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين.
«١٠٤٢» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ قلت: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة واحدا، قال: تجده كان يؤاجر وكنت تقود عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغ هذا من فراغي، أدع
стр. 2871
مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟! فقال المتوكل للفتح: أردت ان أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.
«١٠٤٣» - وقدّم إلى مائدة عليها أبو هفّان وأبو العيناء فالوذجة، فقال أبو هفان: لهذه أحرّ من مكانك في جهنم، فقال له أبو العيناء: إن كانت حارّة فبرّدها بشعرك.
١٠٤٤- وقال أبو العيناء: أدخل على المتوكّل رجل قد ادعى النّبوّة، فقيل له: ما علامة نبوّتك؟ قال: أن يدفع إليّ أحدكم امرأة فإني أحبلها في الحال، فقال: يا أبا العيناء، هل لك أن تعطيه بعض الأهل؟ فقال: إنما يعطيه من كفر به. فضحك وخلّاه.
«١٠٤٥» - وقال: فلج بعض المجّان فرأيته وهو يأكل سمكا ولبنا فعاتبته على ذلك فقال: آمن ما يكون الطريق إذا قطع فيه.
«١٠٤٦» - ومرت جارية بقوم ومعها طبق مغطّى، فقال لها بعضهم: أيّ شيء معك على الطبق؟ قالت: فلم غطّيناه؟
«١٠٤٧» - قالت امرأة مزبد لمزبّد: يا قرنان! يا مفلس! قال: إن صدقت فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.
«١٠٤٨» - رفع مزبّد مرّة إلى والي المدينة ومعه زق فارغ، فأمر بضربه فقال له: لم تضربني؟ قال: لأنّ معك آلة الخمر، قال: وأنت- أعزّك الله- معك آلة الزنا.
стр. 2872
«١٠٤٩» - قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟ قال من أشبع بطني، قال: فأنا أشبعك فهل تحبني؟ قال الحبّ بالنّسيئة لا يكون.
«١٠٥٠» - وقال له الرشيد: أبو بكر وعمر خير أم عليّ؟ فقال: واحد بإزاء الاثنين لا يجوز، ولكن عليّ والعباس خير من أبي بكر وعمر.
١٠٥١- وشبيه بهذا ما حكي عن السّندي بن شاهك أنه أحضر رجلا ادعى عليه الرفض فقال له: ما تقول في أبي بكر؟ فأثنى عليه، قال: فعمر؟
قال: لا أحبّه فاخترط السندي سيفه وقال: لم ويلك؟ قال: لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم، فشام سيفه ورضي عنه.
«١٠٥٢» - ضرط ابن صغير لعبد الملك بن مروان في حجره، فقال له: قم إلى الكنيف، فقال: أنا فيه. وكان عبد الملك شديد البخر.
«١٠٥٣» - دخل إبراهيم الحرانيّ الحمام فرأى رجلا عظيم الذكر فقال له:
أيباع [متاع] البغل؟ قال: لا بل نحملك عليه. فلما خرج بعث إليه بصلة وكسوة وقال لرسوله، قل له: اكتم هذا الحديث فإنه كان مزاحا. فردّه وقال، قل له: لو قبلت حمالتنا لقبلنا صلتك.
«١٠٥٤» - قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال يا ابن النمّامة.
«١٠٥٥» - كان لبعضهم ابن دميم فخطب إلى قوم، فقال الابن لأبيه يوما:
بلغني أن العروس عوراء، فقال الأب: يا بنيّ، بودّي أنّها عمياء حتى لا ترى سماجة وجهك.
стр. 2873
«١٠٥٦» - كانت رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان- وأمها فاطمة بنت الحسين- عند هشام بن عبد الملك، وكان يحبّها وتبغضه، فاعتلّت، فجلس عند رأسها فقال لها: ما تشتكين؟ قالت: بغضك، فسكت عنها ساعة ثم قال لها: ما تشتهين؟ قالت: فقدك.
«١٠٥٧» - وكان بالبصرة رجل طيّب يقال له حوصلة، وكان له جار يعشق ابنا له، فوجّه حوصلة بابنه هذا إلى بغداد في حاجة له ولم يعلم جاره بذلك، فجاء ليلة يطلبه فصاح بالباب: أعطونا نارا، فقال حوصلة: المقدحة ببغداذ.
«١٠٥٨» - وقد حكي مثل هذا سواء عن ابن أبي عتيق وقد جاء صديق لجاريته يطلب نارا، فقال له: قدّاحتنا في البستان.
«١٠٥٩» - وقال بعض العلويّة لأبي العيناء: أتبغضني ولا تصحّ صلاتك إلا بالصلاة عليّ إذا قلت: اللهم صلّ على محمد وآله؟ قال أبو العيناء: إذا قلت «الطيبين الطاهرين» خرجت منهم.
«١٠٦٠» - سكر مزبّد يوما فقالت امرأته: أسأل الله أن يبغّض إليك النبيذ، قال: والفتيت إليك.
«١٠٦١» - قالت امرأة مزبّد يوما، وكانت حبلى ونظرت إلى قبح وجهه:
الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك، فقال لها: الويل لي إن كان الذي في بطنك لا يشبهني.
стр. 2874
«١٠٦٢» - سأل بعض الخلفاء بعض من لا يستحقّ الولاية فقال: ولّني يا أمير المؤمنين ارمينية، قال: يبطىء على أمير المؤمنين خبرك.
«١٠٦٣» - وقال رجل لحميد الطوسي، وكان عاتيا: رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت، وكأن الله تعالى قد دعاك وغفر لك وأدخلك الجنّة. فقال: إن كانت رؤياك حقّا فالجور ثمّ أكثر منه ها هنا.
«١٠٦٤» - مرّ الفرزدق وهو راكب على بغلة فضرطت، فضحكت منه امرأة، فالتفت إليها وقال: ما يضحكك؟ فو الله ما حملتني أنثى قطّ إلّا ضرطت.
فقالت له المرأة: قد حملتك أمّك تسعة أشهر يا ابن الضرّاطة.
«١٠٦٥» - تنبّأ رجل فادعى أنه موسى بن عمران، وبلغ خبره الخليفة فأحضره وقال: من أنت؟ قال: موسى بن عمران الكليم قال: وهذه عصاك التي صارت ثعبانا؟ قال: نعم، قال: فألقها من يدك وأمرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى، قال: قل أنا ربّكم الأعلى كما قال فرعون حتى أصيّرها ثعبانا كما فعل موسى.
«١٠٦٦» - وتنبّأت امرأة على عهد المأمون فأوصلت إليه، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا فاطمة النبيّة، قال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد فهو حقّ؟ قالت: نعم، قال: فإنّ محمدا قال لا نبيّ بعدي، قالت: صدق ﵇، فهل قال لا نبيّة بعدي؟ قال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كان عنده حجّة فليأت بها، وضحك حتى غطّى وجهه.
стр. 2875
«١٠٦٧» - وتنبأ آخر في أيام المعتصم، فلما أحضر بين يديه قال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك، قال: أشهد إنّك لسفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كلّ قوم مثلهم، فضحك المعتصم وأمر له بشيء.
«١٠٦٨» - وتنبّأ آخر في خلافة المأمون فقال له: ما أنت؟ قال: نبيّ، قال:
فما معجزتك؟ قال: سل ما شئت- وكان بين يديه قفل- فقال: خذ هذا القفل فافتحه، قال: أصلحك الله، لم أقل لك إنني حدّاد، قلت: أنا نبيّ.
فضحك المأمون واستتابه وأجازه.
١٠٦٩- قال بصيلة: دخلت سقاية بالكرخ فتوضّأت، فلما خرجت تعلّق بي السّقاء وقال: هات قطعة فضرطت ضرطة وقلت: خلّ الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلّاني.
«١٠٧٠» - دخل رجل من ولد قتيبة بن مسلم الحمّام وبشار بن برد فيه فقال: يا أبا معاذ وددت لو أنّك مفتوح العين، قال: ولم ذاك؟ قال: لترى استي فتعرف أنّك قد كذبت في شعرك حيث تقول: [من الوافر]
على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسم بنار
قال: غلطت يا ابن أخي إنما قلت: على أستاه سادتهم، ولست منهم.
«١٠٧١» - كان بعضهم يتقلّد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوما يسأله في أمر إنسان فاشتدّ ذلك عليه وضجر، فقال لأبيه: أحبّ وأسألك أن تقول إذا جاءك إنسان وقال: كلّم ابنك بسببي قل: ليس ذلك بابني، فقال الأب: أنا هو ذا أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل منى.