مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟! فقال المتوكل للفتح: أردت ان أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.
«١٠٤٣» - وقدّم إلى مائدة عليها أبو هفّان وأبو العيناء فالوذجة، فقال أبو هفان: لهذه أحرّ من مكانك في جهنم، فقال له أبو العيناء: إن كانت حارّة فبرّدها بشعرك.
١٠٤٤- وقال أبو العيناء: أدخل على المتوكّل رجل قد ادعى النّبوّة، فقيل له: ما علامة نبوّتك؟ قال: أن يدفع إليّ أحدكم امرأة فإني أحبلها في الحال، فقال: يا أبا العيناء، هل لك أن تعطيه بعض الأهل؟ فقال: إنما يعطيه من كفر به. فضحك وخلّاه.
«١٠٤٥» - وقال: فلج بعض المجّان فرأيته وهو يأكل سمكا ولبنا فعاتبته على ذلك فقال: آمن ما يكون الطريق إذا قطع فيه.
«١٠٤٦» - ومرت جارية بقوم ومعها طبق مغطّى، فقال لها بعضهم: أيّ شيء معك على الطبق؟ قالت: فلم غطّيناه؟
«١٠٤٧» - قالت امرأة مزبد لمزبّد: يا قرنان! يا مفلس! قال: إن صدقت فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.
«١٠٤٨» - رفع مزبّد مرّة إلى والي المدينة ومعه زق فارغ، فأمر بضربه فقال له: لم تضربني؟ قال: لأنّ معك آلة الخمر، قال: وأنت- أعزّك الله- معك آلة الزنا.
стр. 2872
«١٠٤٩» - قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟ قال من أشبع بطني، قال: فأنا أشبعك فهل تحبني؟ قال الحبّ بالنّسيئة لا يكون.
«١٠٥٠» - وقال له الرشيد: أبو بكر وعمر خير أم عليّ؟ فقال: واحد بإزاء الاثنين لا يجوز، ولكن عليّ والعباس خير من أبي بكر وعمر.
١٠٥١- وشبيه بهذا ما حكي عن السّندي بن شاهك أنه أحضر رجلا ادعى عليه الرفض فقال له: ما تقول في أبي بكر؟ فأثنى عليه، قال: فعمر؟
قال: لا أحبّه فاخترط السندي سيفه وقال: لم ويلك؟ قال: لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم، فشام سيفه ورضي عنه.
«١٠٥٢» - ضرط ابن صغير لعبد الملك بن مروان في حجره، فقال له: قم إلى الكنيف، فقال: أنا فيه. وكان عبد الملك شديد البخر.
«١٠٥٣» - دخل إبراهيم الحرانيّ الحمام فرأى رجلا عظيم الذكر فقال له:
أيباع [متاع] البغل؟ قال: لا بل نحملك عليه. فلما خرج بعث إليه بصلة وكسوة وقال لرسوله، قل له: اكتم هذا الحديث فإنه كان مزاحا. فردّه وقال، قل له: لو قبلت حمالتنا لقبلنا صلتك.
«١٠٥٤» - قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال يا ابن النمّامة.
«١٠٥٥» - كان لبعضهم ابن دميم فخطب إلى قوم، فقال الابن لأبيه يوما:
بلغني أن العروس عوراء، فقال الأب: يا بنيّ، بودّي أنّها عمياء حتى لا ترى سماجة وجهك.
стр. 2873
«١٠٥٦» - كانت رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان- وأمها فاطمة بنت الحسين- عند هشام بن عبد الملك، وكان يحبّها وتبغضه، فاعتلّت، فجلس عند رأسها فقال لها: ما تشتكين؟ قالت: بغضك، فسكت عنها ساعة ثم قال لها: ما تشتهين؟ قالت: فقدك.
«١٠٥٧» - وكان بالبصرة رجل طيّب يقال له حوصلة، وكان له جار يعشق ابنا له، فوجّه حوصلة بابنه هذا إلى بغداد في حاجة له ولم يعلم جاره بذلك، فجاء ليلة يطلبه فصاح بالباب: أعطونا نارا، فقال حوصلة: المقدحة ببغداذ.
«١٠٥٨» - وقد حكي مثل هذا سواء عن ابن أبي عتيق وقد جاء صديق لجاريته يطلب نارا، فقال له: قدّاحتنا في البستان.
«١٠٥٩» - وقال بعض العلويّة لأبي العيناء: أتبغضني ولا تصحّ صلاتك إلا بالصلاة عليّ إذا قلت: اللهم صلّ على محمد وآله؟ قال أبو العيناء: إذا قلت «الطيبين الطاهرين» خرجت منهم.
«١٠٦٠» - سكر مزبّد يوما فقالت امرأته: أسأل الله أن يبغّض إليك النبيذ، قال: والفتيت إليك.
«١٠٦١» - قالت امرأة مزبّد يوما، وكانت حبلى ونظرت إلى قبح وجهه:
الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك، فقال لها: الويل لي إن كان الذي في بطنك لا يشبهني.
стр. 2874
«١٠٦٢» - سأل بعض الخلفاء بعض من لا يستحقّ الولاية فقال: ولّني يا أمير المؤمنين ارمينية، قال: يبطىء على أمير المؤمنين خبرك.
«١٠٦٣» - وقال رجل لحميد الطوسي، وكان عاتيا: رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت، وكأن الله تعالى قد دعاك وغفر لك وأدخلك الجنّة. فقال: إن كانت رؤياك حقّا فالجور ثمّ أكثر منه ها هنا.
«١٠٦٤» - مرّ الفرزدق وهو راكب على بغلة فضرطت، فضحكت منه امرأة، فالتفت إليها وقال: ما يضحكك؟ فو الله ما حملتني أنثى قطّ إلّا ضرطت.
فقالت له المرأة: قد حملتك أمّك تسعة أشهر يا ابن الضرّاطة.
«١٠٦٥» - تنبّأ رجل فادعى أنه موسى بن عمران، وبلغ خبره الخليفة فأحضره وقال: من أنت؟ قال: موسى بن عمران الكليم قال: وهذه عصاك التي صارت ثعبانا؟ قال: نعم، قال: فألقها من يدك وأمرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى، قال: قل أنا ربّكم الأعلى كما قال فرعون حتى أصيّرها ثعبانا كما فعل موسى.
«١٠٦٦» - وتنبّأت امرأة على عهد المأمون فأوصلت إليه، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا فاطمة النبيّة، قال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد فهو حقّ؟ قالت: نعم، قال: فإنّ محمدا قال لا نبيّ بعدي، قالت: صدق ﵇، فهل قال لا نبيّة بعدي؟ قال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كان عنده حجّة فليأت بها، وضحك حتى غطّى وجهه.
стр. 2875
«١٠٦٧» - وتنبأ آخر في أيام المعتصم، فلما أحضر بين يديه قال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك، قال: أشهد إنّك لسفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كلّ قوم مثلهم، فضحك المعتصم وأمر له بشيء.
«١٠٦٨» - وتنبّأ آخر في خلافة المأمون فقال له: ما أنت؟ قال: نبيّ، قال:
فما معجزتك؟ قال: سل ما شئت- وكان بين يديه قفل- فقال: خذ هذا القفل فافتحه، قال: أصلحك الله، لم أقل لك إنني حدّاد، قلت: أنا نبيّ.
فضحك المأمون واستتابه وأجازه.
١٠٦٩- قال بصيلة: دخلت سقاية بالكرخ فتوضّأت، فلما خرجت تعلّق بي السّقاء وقال: هات قطعة فضرطت ضرطة وقلت: خلّ الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلّاني.
«١٠٧٠» - دخل رجل من ولد قتيبة بن مسلم الحمّام وبشار بن برد فيه فقال: يا أبا معاذ وددت لو أنّك مفتوح العين، قال: ولم ذاك؟ قال: لترى استي فتعرف أنّك قد كذبت في شعرك حيث تقول: [من الوافر]
على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسم بنار
قال: غلطت يا ابن أخي إنما قلت: على أستاه سادتهم، ولست منهم.
«١٠٧١» - كان بعضهم يتقلّد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوما يسأله في أمر إنسان فاشتدّ ذلك عليه وضجر، فقال لأبيه: أحبّ وأسألك أن تقول إذا جاءك إنسان وقال: كلّم ابنك بسببي قل: ليس ذلك بابني، فقال الأب: أنا هو ذا أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل منى.
стр. 2876
«١٠٧٢» - كان أبو حنيفة وشيطان الطاق يمشيان ذات يوم إذ سمعا رجلا يقول: من يدلّنا على صبيّ ضالّ؟ فقال شيطان الطاق: أما الصبي فلا أدري ولكن إن أردت أن أدلّك على شيخ ضالّ فها هو ذا، وأومأ إلى أبي حنيفة.
«١٠٧٣» - وكان لشيطان الطاق ابن أحمق فقال له أبو حنيفة: أنت من ابنك هذا في بستان، قال: هذا لو كان ابنك.
«١٠٧٤» - لما أخذ محمد بن سليمان صالح بن عبد القدوس ليوجّه به إلى المهدي قال له: أطلقني حتى أفكّر فيولد لك ولد ذكر، ولم يكن لمحمد بن سليمان غير بنت واحدة، قال: بل أصنع ما هو أنفع لك، أفكّر حتى تفلت من يدي.
«١٠٧٥» - حمل بعض الصوفيّة طعاما إلى طحّان ليطحنه فقال: أنا مشغول، فقال: اطحنه وإلّا دعوت عليك وعلى حمارك ورحاك، قال: فأنت مجاب الدعوة؟ قال: نعم، قال: فادع الله أن يصير حنطتك دقيقا فهو أنفع لك وأسلم لدينك.
«١٠٧٦» - دخل الشّعبيّ الحمّام وفيه رجل متكشّف، فغمّض عينيه فقال له الرجل: يا شيخ متى ذهبت عينك؟ قال: منذ هتك الله سترك.
«١٠٧٧» - قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم، قال: ثمّ لم يعد إليكم.
стр. 2877
«١٠٧٨» - اعترض رجل المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من العرب، قال: ما ذاك بعجب، قال: وإني أريد الحجّ، قال: الطريق أمامك نهج، قال: وليست لي نفقة، قال: قد سقط الفرض عنك، قال: إني جئتك مستجديا لا مستفتيا. فضحك وأمر له بصلة.
«١٠٧٩» - وتنظر هذه الحكاية إلى قصّة عبد الله بن فضالة الأسدي مع ابن الزبير لما قال: إني جئتك مستجديا لا مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك؛ إلّا أن المأمون ولع بالأعرابي وابن الزبير قصد المنع لمجتديه، فلم أثبت الحكاية ها هنا لهذا السبب إذ كان لا يليق بها.
«١٠٨٠» - قال الأصمعي: مررت بكنّاس يكنس كنيفا بالبصرة وهو ينشد:
[من الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقلت له: أما سداد الكنيف فأنت مليء به، وأما سداد الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه- وكنت حديث السنّ وأردت العبث به- قال: فأعرض عني مليّا ثم أقبل علي وأنشد متمثلا: [من الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها ... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له: والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له، فبأيّ شيء أكرمتها؟ فقال: بلى والله، إنّ من الهوان ما هو شرّ مما أنا فيه، فقلت: ما هو؟
فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس.
١٠٨١- أتى الحكم بن عبدل ابن بشر بالكوفة، فسأله فقال: أخمسمائة
стр. 2878
أحبّ إليك الآن أم ألف في القابل؟ قال: ألف في القابل، فلما أتاه قال: ألف أحب إليك أم ألفان في القابل؟ قال: ألفان في القابل. فلم يزل ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا.
١٠٨٢- ثم إن امرأة موسرة بالكوفة كانت لها على الناس ديون بالسواد، فاستعانت بابن عبدل في دينها وقالت: إني امرأة ليس لي زوج، وجعلت تعرّض بأنّها تزوّجه نفسها. فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه؛ فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه: [من الوافر]
سيخطيك الذي أخطاك مني ... فقطّع حبل وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال
١٠٨٣- قال محمد بن إبراهيم الإمام لسعيد الدارميّ: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك، قال: فديتك إن لم تصلح عليّ ثيابك صلحت عليّ دنانيرك.
١٠٨٤- قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عمل محمد الأمين سفينة فأعجب بها وركب فيها يريد الأنبار وأنا معه. فقال لي: يا إسحاق كيف ترى سفينتي؟ قلت حسنة يا أمير المؤمنين، عمّرها الله ببقائك. وقام يريد الخلاء، وقال: قل فيها أبياتا، فقلت: نعم، وخرج. فقمت بالأبيات إليه فاشتهاها جدا وقال لي: أحسنت يا إسحاق، وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار، فقلت:
متى يا أمير المؤمنين، إذا وسّع الله عليك؟ فضحك ودعا بها على المكان.
١٠٨٥- وفي حكاية أخرى عنه أنه طرب على غنائه فخرق درّاعته وقال: وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف درهم، فقال متى يا سيدي؟ إذا بويعت بالخلافة وكنت بين يديك أغنّي، ووفّق لي أن طربت على غنائي؟
«١٠٨٦» - وقد حكي عن الحجّاج ما يقارب هذا، وخرج في مقام الجدّ
стр. 2879
والسخاء، وذلك أنه حجّ فلما أراد الصّدر قال: اعذرونا يا أهل مكة فإنّا على سفر. فقام إليه رجل من قريش فقال: لا عذر الله من يعذرك، أمير المصرين وابن عظيم القريتين، فإذا عذرناك فمن نلوم؟ فقال الحجاج: عليّ بالتجار فأحضروا، فاستسلف منهم ألف ألف درهم وقسمها منهم.
١٠٨٧- رأى رجل رجلا يأخذ حجارة قد أعدّها لبناء له فاستحيا منه، فقال الآخذ: لم أعلم أنها لك؟ فقال: هب أنّك لم تعلم أنها لي، ألم تعلم أنها ليست لك؟
«١٠٨٨» - دخل أبو الأقرع على الوليد فقال له: أنشدني قولك في الخمر، فأنشده: [من الطويل]
كميتا إذا شجّت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونه وهي دونه ... لوجه اخيها في الإناء قطوب
فقال له الوليد: شربتها وربّ الكعبة، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابتني معرفتك بها.
١٠٨٩- قدّم رجل عجوزا دلّالة إلى القاضي، فقال: أصلح الله القاضي، زوّجتني هذه امرأة فلما دخلت بها وجدتها عرجاء، فقالت: أصلح الله القاضي، زوّجته امرأة يجامعها أو زوّجته حمارة يحجّ عليها؟! «١٠٩٠» - قيل لامرأة ظريفة: أبكر أنت؟ قالت: أعوذ بالله من الكساد.
«١٠٩١» - قال أبو العيناء: خطبت امرأة فاستقبحتني فكتبت إليها:
[من الطويل]
فإن تنفري من قبح وجهي فإنني ... أديب أريب لا عييّ ولا فدم
стр. 2880
فأجابت: ليس لديوان الرسائل أريدك.
«١٠٩٢» - خرجت حبّى المدينية في جوف الليل فلقيها إنسان فقال:
أتخرجين في هذا الوقت؟ قالت: وما أبالي؟ إن لقيني الشيطان فأنا في طاعته، وإن لقيني رجل فأنا في طلبه.
«١٠٩٣» - غاب رجل عن امرأته فبلغها أنّه اشترى جارية، فاشترت غلامين، فبلغ الخبر زوجها فجاء مبادرا وقال لها: ما هذا؟ فقالت: أما علمت أن الرحى أحوج إلى بغلين من البغل إلى رحوين، بع الجارية حتى نبيع الغلامين. ففعل ذلك.
«١٠٩٤» - أدخل علويّ امرأة فلما طالبها قالت له: هات شيئا؟ قال: أما ترضين أن يلج فيك بضعة منّي؟ قالت: هذا ينفق بقمّ.
«١٠٩٥» - دخل ابن يونس فقيه مصر على بعض الخلفاء، فقال له: ما تقول في رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت من استها بعرة فقأت عين رجل؟ على من الدّية؟ قال: على البائع، قال: ولم؟ قال: لأنه باع شاة في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة.
«١٠٩٦» - كان ابن قريعة القاضي في مجلس المهلّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي- أعزّه الله- في رجل دخل الحمّام فجلس في الأبزن لعلّة كانت به، فخرجت منه ريح وتحول الماء زيتا، فتخاصم الحمّاميّ والضارط، وادعى كلّ واحد منهما أنّه يستحقّ جميع الزيت بحقّه فيه؟ فكتب القاضي في
стр. 2881
الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في هذه القصّة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، وإن كان ذلك كذلك فهو من أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان. والجواب- وبالله التوفيق- أنّ للصاقع نصف الزيب بحقّ وجعائه، وللحمّاميّ نصف الزيت بحقّ مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولا يدخله في أغذيته.
«١٠٩٧» - وجد شيخ مع زنجية في ليلة الجمعة في مسجد وقد نوّمها على الجنازة، فقيل له: قبّحك الله يا شيخ، قال: اذا كنت أشتهي وأنا شيخ فما ينفعني شبابكم؟ قالوا: فزنجية؟ قال: فمن يزوّجني منكم بعربية؟ قالوا: ففي المسجد؟ قال: من يفرغ لي منكم بيته ساعة؟ قالوا: فعلى الجنازة؟ قال: من يعطيني سريره؟ قالوا: فليلة الجمعة؟ قال: إن شئتم جئتكم ليلة السبت.
فضحكوا منه وخلّوه.
«١٠٩٨» - وقف أعرابي من بني فقعس على جماعة يسألهم، وهو عريان فأنشد: [من الوافر]
كساني فقعس وكسا بنيه ... عطاف المجد إن له عطافا
فقال بعضهم: لو كساك خرقة تواريك كانت أصلح لك من هذا العطاف.
«١٠٩٩» - قال شاعر في الصّاحب: [من المتقارب]
وردنا لنشكر كافي الكفاة ... ونسأله الكفّ عن برّنا
فقال له بعضهم: فقد كفيت فليس يعطي أحدا شيئا.
«١١٠٠» - غضب سعيد بن وهب يوما على غلام له فأمر به فبطح وكشف
стр. 2882
عنه الثوب ليضربه، وقال له: يا ابن الفاعلة، إنما غرّتك استك هذه حتى اجترأت عليّ هذه الجرأة، وسأريك هوانها عليّ. فقال الغلام: طالما غرتك هذه الاست حتى اجترأت على الله تعالى، وسوف ترى هوانك عليه. قال سعيد:
فورد عليّ من جوابه ما حيّرني وسقط السّوط من يدي.
«١١٠١» - ركب أعرابيّ بحيرة، فقيل له: إنها حرام لا يحلّ ركوبها، فقال: يركب الحرام من لا حلال له.
«١١٠٢» - وسأل أعرابيّ عبد الملك فقال: سل الله تعالى، فقال الأعرابي:
قد سألته فأحالني عليك. فضحك وأعطاه.
«١١٠٣» - ودخل أعرابيّ المخرج فخرج منه صوت، فجعل فتيان حضور يضحكون منه، فقال: يا فتيان، هل سمعتم شيئا في غير موضعه؟
«١١٠٤» - وقال بعض المجان: حضرنا مجلسا فيه قينة، فتحرّكت فضرطت وتشوّرت وقطعت الزير، فتغافلوا عنها، ثم قالت لبعضهم: ما تحبّ أن أغنيك؟ قال [من المنسرح] :
يا ريح ما تصنعين بالدمن ... كم لك من محو منظر حسن
قال: فكان خجلها في اقترحه أشدّ من خجلها من ضرطها.
«١١٠٥» - وقال ابن أبي البغل لرجل: ولد لي مولود فما أسمّيه؟ قال: لا تخرج من الاصطبل وسمّه ما شئت.
«١١٠٦» - قال برصوما الزّامر لأبيه: لم تجد اسما تسميني به أحسن من
стр. 2883
هذا؟ قال: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء لسميّتك يزيد بن مزيد.
«١١٠٧» - لما قال إبراهيم بن هرمة: [من المنسرح]
لا أمتع العود بالفصال ولا ... ابتاع إلا قريبة الأجل
قال مزيد: صدق ابن الخبيثة فإنه لا يشتري إلا شاة الأضحى التي يذبحها من ساعته.
«١١٠٨» - لما قال أرطأة بن سهيّة، وهي أمّه، للربيع بن قعنب:
[من البسيط]
لقد رأيتك عريانا ومؤتزرا ... فما علمت أأنثى أنت أم ذكر
قال له: لكن سهيّة قد علمت، فغلبه.
«١١٠٩» - قال محمد بن الحارث بن بسخنّر: كان علويه بعيد الخجل صفيق الوجه لا يكاد يخجله شيء. فاجتمعنا يوما عند المعتصم ومعنا إبراهيم بن المهدي، فلما خرجنا قال إبراهيم لعلويه: هل أحدثت شيئا من الغناء؟ قال:
صنعت: [من الطويل]
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك ... فإن لجاري منهما ما تخيّرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحد ... أراه له أهلا وإن كنت معسرا
قال إبراهيم: وإن كانت امرأتك؟ فانقطع علوية انقطاعا قبيحا، وخجل حتى لم ينتفع بنفسه ذلك اليوم.
ومما وضع على لسان البهائم أيضا:
стр. 2884
«١١١٠» - وقع في شرك صيّاد ثعلبان، فقال أحدهما لصاحبه: يا أخي أين ترى نلتقي؟ قال: في الفرّائين بعد ثلاثة أيام.
«١١١١» - دخل كلب مسجدا خرابا فبال في المحراب، وفي المسجد قرد نائم، فقال للكلب: أما تخاف تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما خلقك حتى تتعصّب له.
«١١١٢» - وقالوا: إن جديا وقف على سطح يشتم ذئبا في الأرض، فقال له الذئب: لست الذي تشتمني ولكن مكانك الذي يفعل ذلك.
«١١١٣» - عدا كلب خلف ظبي فقال له الظبي: إنك لا تلحقني، قال:
لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.
«١١١٤» - هاج بأبي علقمة الدّم فأتوه بحجّام يحجمه، فقال له: اشدد قصب الملازم وأرهف ظبة المشارط، وأسرع الوضع، وعجّل النّزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تردّنّ آتيا. فوضع الحجّام محاجمه في جونته وقال: اسقوا هذا شربة فإنه إلى الدواء أحوج منه إلى الحجامة.
«١١١٥» - استأجر رجل حمّالا ليحمل معه قفصا فيه قوارير على أن يعلّمه ثلاث خصال ينتفع بها. فلما بلغ ثلث الطريق قال: هات الخصلة الأولى، قال: من قال لك إنّ الجوع خير من الشّبع فلا تصدّقه، قال: نعم.
فلما بلغ نصف الطريق قال: هات الثانية، قال: من قال لك إن المشي خير من الركوب فلا تصدّقه، قال: نعم. فلما بلغ إلى باب الدار قال: هات الثالثة،
стр. 2885
قال: من قال لك إنه وجد حمالا أرخص منك فلا تصدّقه. فرمى الحمال بالقفص وقال له: من قال لك إنه بقي في القفص قارورة واحدة فلا تصدّقه.
١١١٦- جاء رجل إلى السيد الحميري فقال: بلغني أنك تقول بالرجعة، قال: صدق الذي أخبرك وهذا ديني، قال: أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة؟ قال السيّد: نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بمن يضمن لي أنّك ترجع إنسانا. قال: وأي شيء أرجع؟ قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا أو حمارا وتذهب بمالي، فأفحمه.
١١١٧- وقف مطيع بن إياس على رجل يعرف بأبي عمير من أصحاب المعلّى الخادم، فجعل يعبث به ويمازحه إلى أن قال له: [من الوافر]
ألا أبلغ لديك أبا العمير ... أراني الله في استك نصف أير
فقال له أبو العمر: يا أبا سلمى، لو جدت بالأير كلّه لأحد لجدت لي به لما بيننا من المصادقة، ولكنك لحبّك له لا تريده كلّه إلا لك. فأفحمه ولم يعاود العبث به. وكان مطيع يرمى بالأبنة.
«١١١٨» - ألقى أبو دلف العجلي على فضل الشاعرة المتوكلية يوما:
[من الكامل]
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... اشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبّة لؤلؤ لم تثقب
فقالت فضل مجيبة له: [من الكامل]
إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبها ... ما لم تذلّل بالزّمام وتركب
والحبّ ليس بنافع أربابه ... ما لم يؤلّف للنّظام ويثقب
стр. 2886
١١١٩- وقف الفرزدق بالبصرة على رجل يكري النساء الحمير يعرف بباب المكاري، فقال له: أنت باب؟ قال: نعم، فقال: [من الطويل]
كم من حر يا باب ضخم حملته ... على الرّحل فوق الأخدريّ المكرّم
فقال: الساعة والله- جعلني الله فداك- نزلت النّوار- استودعها الله- عن ذلك الحمار، وأشار بيده إلى بعض الحمير، فقال له ابنه: ما كان أغناك عن هذا العبث.
١١٢٠- تكلم البصريّ مع بعض المتكلمين في مجلس المرتضى فقال البصريّ: إن العقل غير العلم، وقال الآخر: العقل هو العلم. فدلّ البصريّ وأوضح حجّته والخصم يردّه بجحود وبهت لا دليل وراءه؛ فلما أعياه وضحك الحاضرون من فهمه، قال البصري: قد أتيت بالبرهان لست تقبله، وقد بقي عندي دليل واضح أذكره ولا تردّه، قال: ما هو؟ قال: أنت، فإنّك غاية في العلم والفضل، وليس لك عقل كلب. فاستشاط الآخر وسبّه وسفه عليه، وقال: يا زوج كذا، فقال البصريّ وأشار إلى الحاضرين: سيدنا يدلّ.
١١٢١- قال الأصمعي: ولي أعرابيّ على تيماء، وكان هناك قوم من بني ضبة، وكان فيهم امرأة ماجنة. فمرّ بها الوالي ذات يوم وهو وحده وليس معه أحد من أعوانه، فقالت: أيها الرجل إني أحبّ الشّعر وسماعه، فهل تروي لجميل شيئا؟ قال: نعم، وأراد أن يجمّشها، فقال: أروي قوله [١] :
[من الطويل]
هممت بأمر يا بثينة لو مضى ... لشدّ بواقي حبّها من فؤاديا
لأجعل فخذا من بثينة كالنقا ... يمينا وأخرى مثلها عن شماليا
وأراد أن تنقمع وتحتشم بسماع هذا وتنصرف عنه. فقالت: ما أحسن ما فوّق
стр. 2887
لو أصاب القرطاس، فقال: قبّحك الله ما أمجنك، وانصرف مستحييا.
«١١٢٢» - قال شريك الحارثيّ لجارية سوداء: لمن أنت يا سوداء؟ - وكان أصلع- قالت: أنا لفلان يا أصلع، فغضب وقال: كأنّك لست سوداء، فلم غضبت؟ فقالت له: الحقّ أغضبك، لا تسبّ حتى لا تسبّ.
١١٢٣- جلس بعض الأعراب يبول وسط الطريق بالبصرة فقيل له: يا أعرابي أتبول في طريق المسلمين؟ قال: وأنا من المسلمين، بلت في حقّي من الطريق.
١١٢٤- كان في يحيى بن أكثم حسد شديد، وكان مفنّنا في العلوم، إذا ناظر رجلا فرآه عالما بالفقه أخرجه إلى الحديث، وإن وجده عالما بالفقه والحديث أخرجه إلى العربيّة، فقدم من أهل خراسان رجل له افتنان في العلوم فناظره، فجعل يحيى لا يخرجه إلى فنّ إلّا قام به. فناظره في الحديث وقال له: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا ﵇ رجم لوطيّا. فسكت يحيى ولم يناظره بعد ذلك بحرف.
١١٢٥- أخرج نصر بن سيار محمد بن قطن الأسدي إلى قتال الكرماني كارها، فأصابه سهم غرب فقتله، ورمي ذلك اليوم برذون الكرماني فنفق، فصاح أصحاب نصر: يا أصحاب الكرماني، ما فعل البرذون؟ فصاحوا بهم:
ركبه محمد بن قطن إلى النار.
«١١٢٦» - قال رجل لبعض الأعراب: لا أحسبك تحسن الخراءة قال: بلى وأبيك، إني بها لحاذق، أبعد الأثر، وأعدّ المدر، وأستقبل الشّيح، وأستدبر الريح، وأقعي إقعاء الظبي، وأجفل إجفال النعام.
стр. 2888
«١١٢٧» - قال أبو زيد الأنصاري: دعا ابن أبي بردة أبا علقمة، وهو معتوه بصريّ، فلما دخل عليه قال: تدري لم أرسلت إليك؟ قال: لا، قال:
لأسخر منك. فقال أبو علقمة: لئن فعلت ذاك لقد سخر أحد الحكمين من صاحبه. فلعنه ابن أبي بردة وأمر بحبسه. فبقي أياما ثم أخرجه يوم السبت، فلما وقف بين يديه قال له: أبو علقمة ما هذا الذي في كمك؟ قال: طرف من طرف السجن، قال: أفلا تهب لنا منه، قال: هذا يوم لا نأخذ فيه ولا نعطي، قال ابن أبي بردة: ما أبردك وأثقلك يا أبا علقمة، قال: أبرد مني وأثقل من كانت جدّته يهودية من أهل السواد.
١١٢٨- قال أبو زيد النحوي: مرّ رجل من قيس ومعه ابن له يريد الجمعة، وأبو علقمة المعتوه هذا على باب المسجد جالس. فقال الغلام لأبيه: أكلّم أبا علقمة؟ قال: لا، فأعاد عليه الكلام ثلاثا، فقال له أبوه: أنت أعلم. فقال له الغلام: يا أبا علقمة، ما بال لحى قيس خفيفة قليلة المؤونة ولحى اليمن كبيرة عريضة شديدة المؤونة؟ قال: من قول الله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
(الأعراف: ٥٨) ، مثل لحية أبيك، قال:
فجذب القيسيّ يده من يد ابنه ودخل في غمار الناس حياء وخجلا.
«١١٢٩» - قيل كان في همذان مجنون يجتمع عليه الناس، فإذا اجتمعوا عليه قال لهم: هل ترون ما أنتم فيه من حيرتكم وغفلتكم شيئا؟ ما هو إلا محنة العبودية ووطأة الشريعة في الدنيا، والحبس والسؤال والعذاب في الآخرة، وإنما الراحة ما أنا فيه: لا حرج في الدنيا ولا حساب في الآخرة.
«١١٣٠» - مرّ حوشب بمجنون من بني أسد وهو راكب قصبة والصبيان
стр. 2889
معه. فقال حوشب: قبّحك الله! تصنع هذا وأنت امرؤ من العرب؟ فأنشأ المجنون يقول: [من الكامل]
نجّى وليدته وأسلم شيخه ... بئس الفتى عند الحفيظة حوشب
واتبعه الصبيان يصيحون به: بئس الفتى عند الحفيظة حوشب، وهو يركض هاربا.
١١٣١- وقيل بينا أحمد بن طولون في فيئته إذ سمع صائحا يصيح: يا أحمد بن طولون، يا أخا ثمود، يا أحمد بن طولون، يا أخا فرعون! فقال:
عليّ بهذا الصائح، فمضوا وعادوا وقالوا: هو أبو نصر المجنون- لمجنون كان بمصر- فجيء به فقال: ما لك يا أبا نصر؟ قال جائع. قال: فأمر بطعام فجيء به وشواء وحلواء، فأكل الطعام والحلواء وشرب ثم نام بحضرة ابن طولون فما أيقظه بحرف، ولم يزل ساكتا حتى انتبه. فقال له: متى نراك يا أبا نصر؟ قال: حتى أجوع.
«١١٣٢» - قال عبد الله بن خزيمة لبعض أصحابه، وكان صاحب شرطته، ذات يوم: أين تذهب يا هامان؟ قال: أبني لك صرحا.
«١١٣٣» - قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع، قال: لا تخف إنما هو تسبيح، فقال: أخاف أن تدركه رقّة فيسجد.
«١١٣٤» - سمع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يحيى بن أكثم يغضّ من جدّه، فقال: ما هذا جزاؤه منك، قال: حين فعل ماذا؟ قال: حين أباح النبيذ ودرأ الحدّ عن اللوطي.
١١٣٥- قال رجل لحسين بن منصور الحلاج: إن كنت فيما تدّعيه صادقا
стр. 2890
فامسخني قردا، فقال لو هممت بذاك لكان نصف العمل مفروغا منه.
١١٣٦- سأل رجل رجلا: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال:
أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.
١١٣٧- وأسرت مزينة حسّان بن ثابت في الجاهلية فأراد أهله أن يفادوه، فقالت مزينة: لا نفاديه إلا بتيس أجمّ، فقالوا: والله لا نرضى أن يفتدى شاعرنا ولساننا بتيس، فقال حسان ويحكم أتغبنون أنفسكم عيانا، إنّ القوم تيوس، فخذوا من القوم أخاكم وأعطوهم أخاهم.
«١١٣٨» - قال موسى بن قيس المازني قلت لأبي فراس المجنون: أنت النهار كلّه ماش أفتشتكي بدنك بالليل؟ فقال: [من المتقارب]
إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلّب فيه فتى موجع
فقلت: يا أحمق أسألك عن حالك وتنشدني الشعر؟ قال: أجبتك يا مجنون، قلت: أتقول لي هذا وأنا سيّد من سادات الأنصار فقال: [من الطويل]
وإن بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
ثم لطم عينه، ومرّ وهو يقول: هكذا يكون الجواب المقشّر.
تمّ الباب بحمد الله وعونه والحمد لله، اللهم صلّ على محمد النبي وآله وسلّم.
ويتلوه باب كبوات الجياد وهفوات الأمجاد والله المعين والموفق بحوله وقوّته قوبل بجميعه فصحّ وكان الفراغ منه في سابع عشر رجب من سنة تسعين وستمائة، والله يطيل بقاء مالكه ويمتّعه به آمين.
стр. 2891
الباب الرّابع والثّلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد
стр. 2892
[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله الحمد الله الذي تفرّد بالكمال، وتعالى عن الأشباه والأمثال، قوله الحقّ وأمره الفصل، وبيده الخير وله الفضل، خصّ البشر بالنقص وألزمهموه، ليعرفوا الخالق برتبة الكمال فيوحّدوه، ما استفزّ العجب ذا فضيلة إلا كشفته هفوته، ولا استقرّ في خياله التّمام إلا أكذب النقص مخيلته، ولا امتدّ سابق في جراء إلا والعثار غايته، ولا اشتدّ صاعد في ذروة علاء إلا والهبوط عاقبته، ولا اشتدّ ساعد في رماء إلا خان وقد أمكنت رميّته.
أحمده حمد مسلم معترف، وأسأله راغبا في قبول الإنابة من مقرّ مقترف. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة أعوذ بها من هفوات القول والعمل، وألوذ بعصمتها من فرطات الخطأ والخطل، والصلاة على محمد نبيّه المعصوم من الزّلل والعثار، المؤيّد بالسّكينة والوقار، المختصّ بالاحتباء والاختيار، وعلى آله وأصحابه الأتقياء الأبرار.
стр. 2893
[مقدمة الباب]
(الباب الرابع والثلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد) ويتصل به سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم.
١١٣٩- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
(آل عمران: ١٥٥) . فهذه كانت هفوة من المسلمين وفيهم سادات الصّحابة وأعيان الشّجعان في يوم حنين غفرها الله وعفا عنها. وكان بعض القوم قال في ذلك اليوم: لن نؤتى اليوم من قلّة، وهم في اثني عشر ألفا، فأنزل الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
(التوبة: ٢٥) .
١١٤٠- ويليق بهذا الباب قصص الأنبياء ﵈ التي نسب إليهم فيها الخطأ: كخطيئة أبينا آدم ﵇، وكقضيّة داود في الحكم، وقضيّة سليمان في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
(ص: ٣٤) فغفرنا له ذلك [١] ؛ وقد نسبوا إلى الخليل ابراهيم ﵇ نحو ذلك، حيث رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس؛ وقصة يوسف ﵇ حيث همّت به وهمّ بها.
стр. 2894
ولكني ألغيت شرح هذه الأخبار التي أوردها أصحاب السّير تنزيها لهم، وإكبارا عن تمثيلهم ممن أدركه الزلل فهفا، وعثر في سنن هديه فكبا؛ وعلى أن الناس مختلفون فيما يجوز عليهم من الخطأ، وفيهم من لم يجوز [١] عليه وقوع الخطيئة، لا كبيرها ولا صغيرها، قبل النبوّة وبعدها. فأما الذين جوّزوا وقوع الخطأ منهم واختلفوا، فجوز [٢] أصحاب الحديث ومن تابعهم وقوع الكبائر منهم قبل النّبوّة؛ وأفرط قوم منهم فجوّزوها في حال النّبوّة، سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة؛ ومنهم من جوّز ذلك في حال النّبوّة بشرط الإسرار [٣] دون الإعلان؛ وفيهم من جوّزه على الأحوال كلّها، ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفّة من الأنبياء ﵈ قبل النّبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخفّ من الصغائر، ثم اختلفوا: فمنهم من جوّز على النبيّ الإقدام على المعصية الصغيرة لا على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال: إنهم لا يقدمون على ما يعملونه معصية على سبيل التأويل.
وحكي عن النّظّام وجعفر بن مبشّر أنهما قالا مع جماعة اتبعتهما إنّ ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السّهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أممهم لقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم، وحجج هذه المقالات وتسمية قائليها والذاهبين إليها، تحتاج إلى بيان وشرح لا يليق بهذا الكتاب.
وحصل من هذا إجماع أكثر الناس أن أحدا لا يخلو من هفوة وزلّة، والله بكرمه وليّ العفو عنها والمسامحة بها، فلا يعاب ذو فضيلة بوقوعها منه.
١١٤١- كان لرسول الله ﷺ ناقة تسبق ما يجاريها. فجاء أعرابيّ بناقة له فسبقها، فقال النبي ﷺ : حقيق على الله تعالى أن لا يرفع شيئا إلا وضعه.
стр. 2895
«١١٤٢» - وقال الأحنف: الشريف من عدّت سقطاته. قال النابغة:
«أيّ الرّجال المهذّب» . وقالوا: كلّ صارم ينبو، وكلّ جواد يكبو. ومنه قول الآخر: [من الطويل]
«هو السيف إلا أنّ للسيف نبوة»
١١٤٣- وكان الأحنف حليما سيّدا، يضرب به المثل، وقد عدّت له سقطات. فمن ذلك أنه نظر إلى خيل لبني مازن وقال: هذه خيل ما أدركت بالثار ولا نقضت الأوتار؛ فقال له سعيد بن العلقم المازني: أمّا يوم قتلت أباك فقد أدركت بثأرها. فقال الأحنف: لشيء ما قيل: دع الكلام حذر الجواب.
وكانت بنو مازن قتلت أبا الأحنف في الجاهلية.
«١١٤٤» - ومن سقطاته أنّ عمرو بن الأهتم دسّ إليه رجلا يسفّهه، فقال:
يا أبا بحر من كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم لم يسدهم ولم يتخلّف عنهم، فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ قال:
كانت له صرمة [١] يمنح منها ويقري ولم يكن أهتم سلّاحا.
«١١٤٥» - ولما خرج الأحنف مع مصعب أرسل إليه بمائة [٢] ألف درهم، ولم يرسل إلى زبراء جاريته بشيء، فجاءت حتى تقدّمت بين يدي الأحنف ثم أرسلت عينيها، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي لا أبكي عليك إذا [٣] لم تبك
стр. 2896
على نفسك؟ أبعد نهاوند ومرو الرّوذ تجمع [١] بين غارين [٢] من المسلمين؟ فقال:
نصحتني والله في ديني إذ لم أنتبه لذلك، ثم أمر بفساطيطه فقوّضت، فبلغ مصعبا ذلك فقال: ويحكم! من دهاني في الأحنف؟ فقالوا: زبراء، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه فقال: ما لك يا زبراء؟ قالت: جئت بإخوانك من أهل البصرة تزفّهم كما تزفّ العروس حتى إذا صيّرتهم في نحور أعدائهم أردت أن تفتّ في أعضادهم، قال: صدقت والله، يا غلام دع الفساطيط، فاضطرب العسكر بمجيء زبراء مرّتين فذهبت مثلا.
١١٤٦- وأنا أجتنب ذكر ما جاء في هفوات الصالحين والصّدر الأوّل إجلالا لهم عن سوء الظّنّ إلا أن يجيء ما ليس بخطأ على الحقيقة، وإنما اعترفوا به تواضعا، كما جاء عن عمر ﵁، قال: لا يبلغني أن أحدا تجاوز بصداقه صداق النبيّ ﷺ إلا ارتجعته منها. فقامت امرأة فقالت: ما جعل الله تعالى ذلك لك، يا ابن الخطاب، إنّ الله يقول: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
(النساء: ٢٠) ، فقال عمر: ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت؟ ناضلت إمامكم فنضلته، وعمر ﵁ إنما قال ذلك زجرا ليقتدوا بسنّة الرّسول ﷺ في صدقات النساء ولم يوجبه عليهم، والآية التي احتجت بها المرأة ليست في الصّداق [٣] .
стр. 2897
«١١٤٧» - روى قتادة أنّ الحسن سئل عن قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
(مريم: ٢٤) ، فقال: إن كان لسريا وإن كان لكريما، فقال:
من هو؟ قال: المسيح، فقال له حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا إنما السّريّ الجدول فتمعّر لونه، وقال: يا حميد، غلبنا عليك الأمراء [١] .
«١١٤٨» - وكان أبو حنيفة يلحن، فسمعه أبو عمرو بن العلاء يتكلّم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه، فقال: إنه لخطاب لو ساعده صواب، ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس.
«١١٤٩» - وسأله رجل يوما فقال: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله أتقيده به؟ فقال: لا ولو ضربه بأبا قبيس.
وقد احتجّ قوم لأبي حنيفة وزعموا أنه لم يلحن، وقالوا: اسم الجبل كذا وليس بكنية؛ وروي أنّ عطاء كذا كان يقول، وكذاك ابن عباس، ولا يشكّ في فصاحته، ويحتجون بلغة بلحارث بن كعب، وأنهم يسوّون في التثنية بين النصب والجرّ؛ وينشدون بيت المتلمس: [من الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشجاع لصمّما
ويقولون: رأيت أباه ومررت بأباه وينشدون: [من الرجز]
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
والأحسن في هذا أن يكون قولهم: أبا قبيس اسما للجبل ليس بكنية، فلا يغيّر بتغيير العوامل فيه، ويصير كالاسم الواحد.
стр. 2898
«١١٥٠» - وكان بشر المريسي يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها، فسمع قاسم التمّار قوما يضحكون من ذلك فقال: هذا كما قال الشاعر: [من المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلوّها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فكان احتجاجه لبشر أعجب من لحنه، وهما متقدمان في أصحاب الكلام.
١١٥١- قال سعيد بن المسيب: ما فاتني الأذان في مسجد رسول الله ﷺ منذ أربعين سنة، ثم قام يريد الصلاة فوجد الناس يخرجون من المسجد.
١١٥٢- وقال قتادة: ما نسيت شيئا قطّ، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي، قال: النعل في رجلك.
١١٥٣- كان عامر بن عبد الله بن الزبير في غاية الفضل والدّين، وكان لا يعرف الشرّ، فأتي بعطائه إلى المسجد فأخذه، وقام إلى منزله ونسيه ثم ذكره في بيته، فقال لخادمه: ادخل المسجد فائتني بعطائي، قال: وأين تجده بعد؟ قال:
سبحان الله ويأخذ أحد ما ليس له؟! «١١٥٤» - قال الحسن بن زياد: مرّ ابن أبي ليلى بجبّانة الكوفة على امرأة مجنونة يقال لها أمّ عمران تعرّض لها رجل فشتمته، فأمر ابن أبي ليلى بإدخالها إلى المسجد وبأن تضرب الحدّ، فشتمت آخر بأقبح من شتيمة الأوّل، فأمر أن تضرب الحدّين. قال فبلغ أبا حنيفة ذلك، قال الحسن: وكنت حاضرا مجلس أبي حنيفة، فبعث بأربعة أنفس واحدا بعد واحد حتى تقصّوا الخبر وعادوا إليه، فوقف على صحته، فقال: إن للعلماء زلّات، ولكن يجب أن تخفى وأن يقال لهم في السّرّ: فإن كان الأمر كما قلتم فانظروا من يثق به من
стр. 2899
أصدقائه يلقاه في سرّ، ويخبره أن الذي قد عمل قد وهم فيه. أما أولها فإن المجنون لا يجب عليه الحدّ، وأنه حكم بغير خصم حاضر ادّعى ذلك، وذلك أن الرجل الذي شتمته مضى ولم يقف؛ وأنه أقام حدا في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد؛ وجمع عليها حدّين في مقام واحد، ولا يجوز أن يجمع على مسلم حدّان [١] في موضع حتى يبرأ الأوّل ويقام عليه الثاني. وأما حدّه إياها وهي قائمة، فليس بين المسلمين خلاف أنّ المرأة لا تضرب قائمة، ولكن تضرب جالسة، والمرأة إذا احتاج الحاكم أن يحدّها، أحضر وليّها حتى يتولّى من سترها ما لعلّه أن ينكشف منها؛ وأما انكشاف شعرها حين ضربت فلم يأمر أحدا أن يغطّيه، وقد كان يجب أن يأمر امرأة تغطيه.
«١١٥٥» - قال الشعبي: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع، حدثني بحديث فقلت: أعده عليّ، فقال: أما علمت أنّ أمير المؤمنين لا يستعاد؛ وقلت حين أذن لي: أنا الشعبيّ يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك؛ وكنيت عنده رجلا فقال: أما علمت أنه لا يكنّى أحد عند أمير المؤمنين؛ وسألته أن يكتبني حديثا، فقال: إنّا نكتب ولا نكتب.
وليس ما ذكره الشعبيّ عن نفسه ونسبها فيه إلى الخطأ بخطأ، وإنما تخلّق عبد الملك بأخلاق الجبابرة، وخالف أخلاق الحنيفيّة السهلة، فكان غلط الشعبيّ مضافا إليها.
١١٥٦- وأنا أكره ذكر ما أخذ على الفقهاء ونسبوا فيه إلى الغلط، بل لكل منهم [٢] فضيلة الاجتهاد، وزلّة الرأي- ما لم يتعمّد- مغفورة. وترك ما وهموا
стр. 2900
فيه وتجنّبه، مع الاعتراف لهم، جامع للاحتياط وحسن الظنّ بهم.
قال المعتمر بن سليمان: إيّاك والاقتداء بزلّات أصحاب النبيّ ﷺ ، فتقول: فلان شرب النبيذ، وفلان سمع الغناء، وفلان لعب بالشطرنج، فيجيء منك فاسق تام.
١١٥٧- كان هشام بن عبد الملك من رجال بني أميّة ودهاتهم، وكان المنصور يعدّه أفضل من معاوية ومن عبد الملك أبيه، وعدّت له سقطات، منها أن الحادي حدا به فقال: [من الرجز]
إن عليك أيها البختيّ ... أكرم من يمشي به المطيّ
فقال هشام: صدق. والأخرى ذكر عنده سليمان فقال: والله لأشكونّه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك. والأخرى [١] أنه لما ولي الخلافة خطب فقال:
الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام.
«١١٥٨» - كان الحجاج فصيحا محبّا للبلاغة، متحفّظا في خطبه، حتى انه غيّر القرآن خوف اللّحن، حيث بدر لسانه إلى فتح الهمزة في إنّ، فقرأ أنّ ربّهم يومئذ، ثم علم أن اللام لا تكون إلا في جواب إنّ المكسورة فقال: خبير، ومع هذا قرأ: إنّا من المجرمون منتقمين.
«١١٥٩» - قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك بن مروان فقيل له: تحفّظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل حجرا أحبّ إليّ من أن يسمعني لحنا، فأتاه العريان ذات يوم فسلّم عليه فقال: كم عطاءك؟ قال العريان: ألفين، فقال: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما الذي دعاك إلى اللّحن الأوّل؟ قال: لحن الأمير
стр. 2901
فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن كلامه.
«١١٦٠» - وكان يزيد بن المهلب فصيحا لم تؤخذ عليه زلّة في لفظ، ثم أخذ عليه غلط، فإنه قال على المنبر- وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب- فقال: وهذه الضبعة العرجاء، فاعتدّت عليه لحنا، لأن الأنثى إنما يقال لها الضّبع ويقال للذكر الضّبعان.
[نماذج من التصحيف]
«١١٦١» - قال الزبير: عيب على ابن قيس الرقيّات قوله: [من الطويل]
تقدّت بي الشهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها
فناقض بين صدر البيت وعجزه لأنه قال في الأوّل: إنّه سار سيرا غير عجل، ثم قال في عجز البيت: «سواء عليها ليلها ونهارها» ، وهذا غاية الدأب في السير.
«١١٦٢» - وقد أخطأ أيضا في قوله: [من المنسرح]
ما مرّ يوم إلّا وعندهما ... لحم رجال أو يالغان دما
هكذا الرواية، فغيّرته الرّواة إلى الصحيح وهو: أو يولغان دما.
«١١٦٣» - العنزي أحد رواة العرب المشهورين، قال: دخلت على زياد فقال: أنشدني، فقلت: من شعر من أيها الأمير؟ قال: من شعر الأعشى فأنشدته: [من الكامل]
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه، وقال الحاجب للناس:
стр. 2902
ارتفعوا، فقاموا. قال: ثم لم أعد إليه والله بعدها.
واستمع حماد لرواية هذه الحكاية قال: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبّهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة ذكر امرأة له أو بنت أو أمّ.
«١١٦٤» - قال ابن دريد: وجدت للجاحظ في كتاب البيان تصحيفا شنيعا، فإنه قال: حدثني محمد بن سلام قال: سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن النبيّ ﷺ ؛ وإنما هو عن أبي عثمان البتّيّ.
فأمّا النبي ﷺ فلا شك عند الملّي والذّمّي انه كان أفصح الخلق.
«١١٦٥» - وفي هذا الكتاب قال الجاحظ: يستحسن من النساء اللحن، وأنشد لمالك بن أسماء بن خارجة يحتجّ لقوله: [من الخفيف]
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
قال عليّ بن المنجم: قلت له: مثلك في فضلك وعلمك يقول هذا؟ وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة، وأنها تورّي عمّا قصدت له، وتتنكّب التصريح.
فاعترف بذلك وقال: إني تنبّهت له من بعد؛ قلت: فلم لا تغيّره من الكتاب؟
فقال: كيف بما سارت به الرّكبان؟
واللحن هنا: الكناية عن الشيء والتعريض بذكره، والعدول عن الإيضاح به على معنى قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
(محمد: ٣٠) . وقد تبع عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجاحظ، فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات مالك هذه، واعتذر لها من لحن ان أصيب فيه. وقول رسول الله ﷺ : «لعلّ أحدكم ألحن بحجته» ، أي أفطن وأغوص عليها.
стр. 2903
«١١٦٦» - من هذا أيضا: أنشد أبو البيداء الرياحي أبا عمرو: [من الطويل]
ولو أن حيا للمنايا مقاتلا ... يكون لقاتلنا المنيّة عن معن
فتى لا يقول الموت من حرّ وقعه ... لك ابنك خذه ليس من شيمتي دعني
فقال له أبو عمرو: صحّفت، إنما هو «قتالا يقول الموت» .
«١١٦٧» - أنشد العماني الراجز الرشيد شعرا يقول منه: [من الرجز]
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
وعلم الجماعة أنّه لحن ولم يهتدوا إلى إصلاحه؛ فقال الرشيد: اجعله «تخال أذنيه» .
١١٦٨- كان اسحاق بن ابراهيم الموصلي من الأدب والفضل بالمكان المشهور، وكان الأصمعي يعارضه. فأنشده اسحاق بيتين كان يعجب بهما وهما: [من الخفيف]
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منك الصدى ويشف الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير من المحبّ القليل
فقال له الأصمعي: قد لحنت في قولك «يرو» ، وأخذت البيت الثاني من قول عمر بن أبي ربيعة: [من الخفيف]
وكثير منها القليل المهنّا
فلم يكن من اسحاق جواب- وقد احتجّ قوم لاسحاق بما أنشده أبو اسحاق الشيرازي: [من الرجز]
كفّاك كفّ لا تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
стр. 2904
وقالوا: الأصل في الأفعال الجزم، وإنما دخل في المضارع لمضارعته الأسماء، واستعملوه كذا في ضرورة الشعر.
اسحاق مع كثرة فضائله، وتوفّر معانيه وخصائصه، ومنها دماثته وكمال عقله، يتحقق بالشجاعة والفروسية، ويحبّ أن ينسب إليها آفة من الآفات المعترضة على العقول، وغفلة لا يخلو منها ذوو الحلوم؛ وشهد بعض الحروب فأصابه سهم فنكص على عقبيه حتى قال أخوه طيّاب فيه:
[من المتقارب]
وأنت تكلّف ما لا تطيق ... وقلت أنا الفارس الموصلي
فلما أصابتك نشّابة ... رجعت إلى بيتك الأوّل
«١١٦٩» - قال كيسان: سمعت أبا عبيدة ينشد: [من البسيط]
ما زال يضربني حتى خزيت له ... وحال من دون بعض البغية الشّفق
فقلت: خزيت خزيت؟ وضحكت فغضب وقال: كيف هو؟ قلت: إنما هو خذيت. فانخزل وما أحار جوابا.
«١١٧٠» - وروى أبو عبيدة أبيات لقيط في يوم جبلة: [من الرجز]
يا قوم قد حرقتموني باللّوم ... ولم أقاتل عامرا قبل اليوم
سيّان هذا والعناق والنّوم ... والمشرب البارد في ظل الدّوم
وقالوا: يعني في ظلال نخل المقل.
قال الأصمعي: قد أحال ابن الحائك؛ إنما هو «في الظلّ الدّوم» ، أي الدائم وجبلة بنجد.
стр. 2905
«١١٧١» - وروى الأصمعي بيت الحارث بن حلّزة: [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... نز عن حجرة الرّبيض الظّباء
وقال: العنزة الحربة ينخز [١] بها. فردّ عليه أبو عمرو وقال: إنما هو «تعتر» من العتيرة وهي ذبيحة للصنم، وكانوا ينذرون للأصنام ذبيحة ثم تشحّ نفوسهم فيذبحون عنها الظّباء.
«١١٧٢» - وروى لذي الرّمّة: [من البسيط]
«فيها الضفادع والحيتان تصطخب»
فقيل: هو «تصطحب» ، ولا صوت لها.
«١١٧٣» - وروى لرؤبة: [من الرجز]
«شمطاء تنوي الغيظ حين ترأم»
وإنما هو «تبوى» ، أي تجعله بمنزلة البوّ.
«١١٧٤» - وروى المفضل: [من الطويل]
«نمسّ بأعراف الجياد أكفّنا»
فقال له خلف: إنما هو «نمشّ» وهو مسح اليد؛ ومنه قيل للمنديل «مشوش» .
١١٧٥- وليس علينا أن يزلّ الوهم أو يجنح الخاطر، أو يشذّ عنه علم في
стр. 2906
وقت ثم يثوب فيدركه. قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب كتاب بخطّ ابن الأعرابي [فيه] خطأ فردّه، فقيل إنّه بخطّه فقال: هو خطأ؛ قيل: فيغيّر؟
قال: دعوه ليكون عذرا لمن أخطأ.
«١١٧٦» - كان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فاستقرىء فقرأ في المصحف فصحّف في نيّف وعشرين موضعا. فمن جملتها: وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتا ومن الشّجر وممّا يغرسون [١] ؛ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلّا عن موعدة وعدها أباه [٢] ؛ ليكون لهم عدوّا وحربا [٣] ؛ وما يجحد بآياتنا إلا كلّ جبّار كفور [٤] ؛ فعزّزوه ونصروه [٥] ؛ وتعززوه وتوقّروه [٦] ؛ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يعنيه [٧] ؛ هم أحسن أثاثا وريّا [٨] ؛ عذابي أصيب به من أساء [٩] ؛ يوم يحمى غليها [١٠] في نار جهنّم فبادوا ولات حين مناص [١١] ؛ ونبلو خياركم [١٢] ؛ صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة [١٣] ؛ فاستعانه الذي من
стр. 2907
شيعته [١] ؛ سلام عليكم لا نتبع الجاهلين [٢] ؛ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين [٣] .
«١١٧٧» - قال الحزنبل: كنّا عند ابن الأعرابي ومعنا أبو هفّان، فأنشد ابن الأعرابي عمّن أنشده، فقال ابن أبي سبّة العبليّ: [من المتقارب]
أفاض المدامع قتلى كذا ... وقتلى بكبوة لم ترمس
فغمز أبو هفان رجلا وقال: قل له ما معنى كذا؟ فقال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: سمعت إلى هذا المعجب الرّقيع هو ابن أبي سنّة، وصحّف في بيت واحد موضعين، فقال: قتلى كذا وهو «كدا» ، وقال: بكبوة وهو «بكثوة» ؛ وأغلط من هذا على أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح.
وابن أبي سنّة هو أبو سعيد مولى فايد من موالي بني أمية، وكان شاعرا مغنيا؛ وهذا البيت من شعره يرثي به مواليه ويذكر قتل بني هاشم ايّاهم.
«١١٧٨» - وذكر أبو تمام في كتاب الحماسة شعر ابن المقفّع يرثي يحيى بن زياد: [من الطويل]
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في سداد لها طمع
فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّنا ... أمنّا على كلّ الرزايا من الجزع
فقال أبو رياش: هذا مأخوذ من قول النمري منصور [٤] : [من الوافر]
стр. 2908
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
وإنما يأخذ الأحدث من الأقدم، وابن المقفّع قتل في خلافة المنصور، والنمري إنما عرف شعره في خلافة الرشيد، فهو الأولى بأن ينسب إلى اقتفاء ابن المقفّع.
١١٧٩- قصد محمد بن الفضل بن يعقوب ابن داود العتبي- وكان قد وقع بين محمد وبين أبيه الفضل وحشة- فقال له: كنت عند أبي فتهدّم عليّ تهدّم الحائط، فتركته حتى سكن غباره، ثم جعلت أتأتّى له، فادخل بيني وبينه حتى يرضى عني.
فقال العتبي: إني لأكره أن أدخل بين الرجل وبين أبيه. فقال له محمد: هذه سقطة قد كنت آمنها عليك، إنّك لتدخل بين الرجل وبين ربّه فتقول له: كل كذا، واصنع كذا، ودع كذا، فقال العتبي: يا غلام أسرج لي، فقال محمد: لا حاجة لي في ركوبك، من كان هذا إسقاطه عند الأبناء كيف يكون تهوّره عند الآباء؟
«١١٨٠» - قال أبو الحسن الطوسي: كنّا في مجلس عليّ اللحياني، وكان عازما على أن يملي نوادر ضعف ما كان أملى. فقال يوما: تقول العرب: مثقل استعان بذقنه، فقام إليه يعقوب بن السّكّيت، وهو يومئذ حدث، فقال له: يا أبا الحسن، العرب تقول: مثقل استعان بدفّيه، يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه. فقطع الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: العرب تقول هو جاري مكاشري. فقام إليه يعقوب فقال: أعزّك الله، إنما هو مكاسري كسر بيتي إلى كسر بيته، فقطع الإملاء فما أملى شيئا بعد ذلك.
١١٨١- مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة مرارا، ورآه في آخر مرّة ثقيلا، فاسترجع وقال: لقد كنت أؤمّلك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير معك، ثم رزق العافية وخرج من العلة؛ وأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه؛ فعقد لنفسه مجلسا،
стр. 2909
وقصّر عن حضور مجلس أبي حنيفة. فسأل عنه فأخبر بحاله، فدعا بغلام كان له عنده قدر وقال له: صر إلى مجلس يعقوب وقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصّار: ما لك عندي شيء وأنكره؛ ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورا، أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت، وإن قال: لا أجرة له، فقل: أخطأت.
فصار إليه وسأله فقال: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصّار، قال: أجل؛ قال: سبحان الله، من عقد لنفسه مجلسا وقعد يفتي الناس، ويتكلّم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات.
فقال: يا أبا حنيفة علّمني. قال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن غصبه فله أجرة لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه.
«١١٨٢» - مات ولد طفل لسليمان بن عليّ، فأتاه الناس من أهل البصرة يعزّونه، وفيهم شبيب بن شيبة وبكر بن حبيب السهمي. فقال شبيب: أوليس يقال: إنّ الطفل [١] لا يزال محبنظيا بباب الجنّة حتى يدخل أبواه- فجاء بظاء معجمة- فقال له بكر بن حبيب، محبنطئا- بطاء غير معجمة فقال شبيب: ألا إنّ من بين لابتيها يعلم أن القول كما أقول، فقال بكر: وخطأ ثان، ما للبصرة واللّوب؟ أذهبت إلى ما قيل بالمدينة: «ما بين لابتيها» ، أي حرّتيها؟ واستشهد في المحبنطئ بقول القائل: [من الرجز]
إنّي إذا سئلت لا أحبنطي ... ولا أحبّ كثرة التمطّي
стр. 2910
فصل في سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم
١١٨٣- ليس منهم فحل مذكور ولا شاعر مشهور إلا وقد أسقط وجاء بالرّذل الذي لا يرضاه المضعوف البكيّ، وما فيهم إلا من وجد سارقا مغيرا على من تقدّمه، وقد تتبّعوا بأغلاط.
فأما فحول الجاهلية فخرّج العلماء لأغاليطهم وجها، واضطروا إلى ذلك لأن اللغة والإعراب عنهم أخذا، فلو جعلوا ما جاء عنهم غير جائز في لغتهم بطل الاستشهاد بأشعارهم؛ ثم إنهم لم يجيزوا ذلك لمن أخذ العربية نقلا وتلقينا.
وأنا ذاكر من ذلك ما يحضرني ويليق بهذا الكتاب مقتصرا ومستدلّا بالبعض على الكلّ، والله الموفّق للصواب.
١١٨٤- وخرق الإجماع والخروج عنه منكر؛ وإلا فلو قال قائل: ما المانع من نسبة العربيّ الفصيح الجاهليّ إذا أتى بغير المعتاد من لغتهم إلى الغلط والخطأ، فلو نبّه عليه لعاد إلى الواجب إذ كان غير معصوم ولا محفوظ من وقوع الزّلل عليه، لم يكن عن ذلك جواب محقّق.
«١١٨٥» - وقد كان النابغة الذّبياني كثير الإقواء في شعره، فلما دخل الحجاز هابوه أن يواقفوه على هذه العادة المستهجنة، فأمروا قينة فغنّته في