← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وقت ثم يثوب فيدركه. قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب كتاب بخطّ ابن الأعرابي [فيه] خطأ فردّه، فقيل إنّه بخطّه فقال: هو خطأ؛ قيل: فيغيّر؟ قال: دعوه ليكون عذرا لمن أخطأ. «١١٧٦» - كان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فاستقرىء فقرأ في المصحف فصحّف في نيّف وعشرين موضعا. فمن جملتها: وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتا ومن الشّجر وممّا يغرسون [١] ؛ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلّا عن موعدة وعدها أباه [٢] ؛ ليكون لهم عدوّا وحربا [٣] ؛ وما يجحد بآياتنا إلا كلّ جبّار كفور [٤] ؛ فعزّزوه ونصروه [٥] ؛ وتعززوه وتوقّروه [٦] ؛ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يعنيه [٧] ؛ هم أحسن أثاثا وريّا [٨] ؛ عذابي أصيب به من أساء [٩] ؛ يوم يحمى غليها [١٠] في نار جهنّم فبادوا ولات حين مناص [١١] ؛ ونبلو خياركم [١٢] ؛ صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة [١٣] ؛ فاستعانه الذي من

стр. 2907

شيعته [١] ؛ سلام عليكم لا نتبع الجاهلين [٢] ؛ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين [٣] . «١١٧٧» - قال الحزنبل: كنّا عند ابن الأعرابي ومعنا أبو هفّان، فأنشد ابن الأعرابي عمّن أنشده، فقال ابن أبي سبّة العبليّ: [من المتقارب] أفاض المدامع قتلى كذا ... وقتلى بكبوة لم ترمس فغمز أبو هفان رجلا وقال: قل له ما معنى كذا؟ فقال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: سمعت إلى هذا المعجب الرّقيع هو ابن أبي سنّة، وصحّف في بيت واحد موضعين، فقال: قتلى كذا وهو «كدا» ، وقال: بكبوة وهو «بكثوة» ؛ وأغلط من هذا على أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح. وابن أبي سنّة هو أبو سعيد مولى فايد من موالي بني أمية، وكان شاعرا مغنيا؛ وهذا البيت من شعره يرثي به مواليه ويذكر قتل بني هاشم ايّاهم. «١١٧٨» - وذكر أبو تمام في كتاب الحماسة شعر ابن المقفّع يرثي يحيى بن زياد: [من الطويل] فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في سداد لها طمع فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّنا ... أمنّا على كلّ الرزايا من الجزع فقال أبو رياش: هذا مأخوذ من قول النمري منصور [٤] : [من الوافر]

стр. 2908

لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود وإنما يأخذ الأحدث من الأقدم، وابن المقفّع قتل في خلافة المنصور، والنمري إنما عرف شعره في خلافة الرشيد، فهو الأولى بأن ينسب إلى اقتفاء ابن المقفّع. ١١٧٩- قصد محمد بن الفضل بن يعقوب ابن داود العتبي- وكان قد وقع بين محمد وبين أبيه الفضل وحشة- فقال له: كنت عند أبي فتهدّم عليّ تهدّم الحائط، فتركته حتى سكن غباره، ثم جعلت أتأتّى له، فادخل بيني وبينه حتى يرضى عني. فقال العتبي: إني لأكره أن أدخل بين الرجل وبين أبيه. فقال له محمد: هذه سقطة قد كنت آمنها عليك، إنّك لتدخل بين الرجل وبين ربّه فتقول له: كل كذا، واصنع كذا، ودع كذا، فقال العتبي: يا غلام أسرج لي، فقال محمد: لا حاجة لي في ركوبك، من كان هذا إسقاطه عند الأبناء كيف يكون تهوّره عند الآباء؟ «١١٨٠» - قال أبو الحسن الطوسي: كنّا في مجلس عليّ اللحياني، وكان عازما على أن يملي نوادر ضعف ما كان أملى. فقال يوما: تقول العرب: مثقل استعان بذقنه، فقام إليه يعقوب بن السّكّيت، وهو يومئذ حدث، فقال له: يا أبا الحسن، العرب تقول: مثقل استعان بدفّيه، يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه. فقطع الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: العرب تقول هو جاري مكاشري. فقام إليه يعقوب فقال: أعزّك الله، إنما هو مكاسري كسر بيتي إلى كسر بيته، فقطع الإملاء فما أملى شيئا بعد ذلك. ١١٨١- مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة مرارا، ورآه في آخر مرّة ثقيلا، فاسترجع وقال: لقد كنت أؤمّلك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير معك، ثم رزق العافية وخرج من العلة؛ وأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه؛ فعقد لنفسه مجلسا،

стр. 2909

وقصّر عن حضور مجلس أبي حنيفة. فسأل عنه فأخبر بحاله، فدعا بغلام كان له عنده قدر وقال له: صر إلى مجلس يعقوب وقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصّار: ما لك عندي شيء وأنكره؛ ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورا، أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت، وإن قال: لا أجرة له، فقل: أخطأت. فصار إليه وسأله فقال: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصّار، قال: أجل؛ قال: سبحان الله، من عقد لنفسه مجلسا وقعد يفتي الناس، ويتكلّم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات. فقال: يا أبا حنيفة علّمني. قال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن غصبه فله أجرة لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه. «١١٨٢» - مات ولد طفل لسليمان بن عليّ، فأتاه الناس من أهل البصرة يعزّونه، وفيهم شبيب بن شيبة وبكر بن حبيب السهمي. فقال شبيب: أوليس يقال: إنّ الطفل [١] لا يزال محبنظيا بباب الجنّة حتى يدخل أبواه- فجاء بظاء معجمة- فقال له بكر بن حبيب، محبنطئا- بطاء غير معجمة فقال شبيب: ألا إنّ من بين لابتيها يعلم أن القول كما أقول، فقال بكر: وخطأ ثان، ما للبصرة واللّوب؟ أذهبت إلى ما قيل بالمدينة: «ما بين لابتيها» ، أي حرّتيها؟ واستشهد في المحبنطئ بقول القائل: [من الرجز] إنّي إذا سئلت لا أحبنطي ... ولا أحبّ كثرة التمطّي

стр. 2910

فصل في سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم ١١٨٣- ليس منهم فحل مذكور ولا شاعر مشهور إلا وقد أسقط وجاء بالرّذل الذي لا يرضاه المضعوف البكيّ، وما فيهم إلا من وجد سارقا مغيرا على من تقدّمه، وقد تتبّعوا بأغلاط. فأما فحول الجاهلية فخرّج العلماء لأغاليطهم وجها، واضطروا إلى ذلك لأن اللغة والإعراب عنهم أخذا، فلو جعلوا ما جاء عنهم غير جائز في لغتهم بطل الاستشهاد بأشعارهم؛ ثم إنهم لم يجيزوا ذلك لمن أخذ العربية نقلا وتلقينا. وأنا ذاكر من ذلك ما يحضرني ويليق بهذا الكتاب مقتصرا ومستدلّا بالبعض على الكلّ، والله الموفّق للصواب. ١١٨٤- وخرق الإجماع والخروج عنه منكر؛ وإلا فلو قال قائل: ما المانع من نسبة العربيّ الفصيح الجاهليّ إذا أتى بغير المعتاد من لغتهم إلى الغلط والخطأ، فلو نبّه عليه لعاد إلى الواجب إذ كان غير معصوم ولا محفوظ من وقوع الزّلل عليه، لم يكن عن ذلك جواب محقّق. «١١٨٥» - وقد كان النابغة الذّبياني كثير الإقواء في شعره، فلما دخل الحجاز هابوه أن يواقفوه على هذه العادة المستهجنة، فأمروا قينة فغنّته في

стр. 2911

قوله: [من الكامل] أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود فاستبان فحش الإقواء وقال: ما هذا؟ فقالوا: كذا قلت. فجعله «وبذاك تنعاب الغراب الأسود» ، وترك الإقواء. «١١٨٦» - ولو أنصف متأوّل بيت امرىء القيس: [من السريع] فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل على أنه أراد «أشرب غير» ثم أسكن الباء وجعل «رب غ» مثل عضد، ولمّا جاز عندهم عضد وعضد قاس «رب غ» عليه، لعلم أنّ هذا الوجه إذا استعمل في الكلام لم يلحن أحد واستغني عن الإعراب. «١١٨٧» - وكذلك قال امرؤ القيس في قصيدته التي أولها: [من الطويل] خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب ثم قال فيها: عقيلة أتراب لها لا ذميمة ... ولا ذات خلق إن تأمّلت جأنب ولو استعمل غيره السّناد في قصيدته على غير حرف السّناد لمنع منه. «١١٨٨» - وكم له من غاية تلهي السامع ثم يدركه نقص البشر فيقول: [من الطويل]

стр. 2912

أمن ذكر ليلى أن نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص تبوص [١] وكم من دونها من مفازة ... ومن أرض جدب دونها ولصوص «١١٨٩» - وزهير، وهو أصفاهم ألفاظا وأدقّهم كلاما، يقول: [من الطويل] فأقسمت جهدا بالمنازل من منى ... وما سحقت فيه المقادم والقمل فانظر كيف ختم البيت بلفظة «القمل» وهي أهجن لفظة وأبعدها من الاستعمال، والمقاطع أولى بالمراعاة، فإنها ملموحة مكشوفة، وعليها يقف الكلام. «١١٩٠» - وقالوا: إنّ امرأ القيس أخذ قوله: [من الطويل] كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة ... صبحن سلافا من رحيق مفلفل من قول أبي دواد الإيادي: [من المتقارب] تخال مكاكيّة بالضحى ... خلال الدقاريّ شربا ثمالا الدقاريّ الرياض، واحدتها دقرى محرّكة. «١١٩١» - والأعشى أخذ قوله في صفة الطيف: [من الكامل] يلوينني ديني الغداة وأقتضي ... ديني إذا وقذ النّعاس الرّقّدا من قول عمرو بن قميئة: [من المتقارب] نأتك أمامة إلا سؤالا ... وإلا خيالا يوافي خيالا

стр. 2913

يوافي مع اللّيل ميعادها ... ويأبى مع الصّبح إلا زوالا «١١٩٢» - وعبيد بن الأبرص أخذ قوله: [من الكامل] والناس يلحون الغويّ إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد من قول المرقش الأصغر [١] : [من الطويل] فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما «١١٩٣» - وأخذ جرير قوله: [من الطويل] وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري احتماليا من قول المخبل السعدي: [من الكامل] إني لترزوني النوائب في الغنى ... وأعفّ عند مشحّة الإقتار ولكن جريرا أكمل المعنى وجاء به في نصف بيت في أعذب لفظ وأسلمه. «١١٩٤» - وأخذ عبدة بن الطبيب قوله: [من الطويل] فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما من قول امرىء القيس، ولكنه كشف المعنى وبيّنه: [من الطويل] فلو أنها نفس تموت سويّة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا

стр. 2914

«١١٩٥» - وأخذ أبو حية النميري قوله: [من الطويل] فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم من قول النابغة الذبياني: [من الكامل] سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد فأحسن أبو حية كلّ الإحسان وزاد زيادات ليست في بيت النابغة. «١١٩٦» - وكانت قصة الراعي النّميري ضد ذلك حيث أخذ قوله: [من الطويل] وأعلم أنّ الموت يا أمّ عامر ... قرين محيط حبله من ورائيا من قول طرفة: [من الطويل] لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد فإنه قصّر عن طرفة كلّ التقصير معنى ولفظا. «١١٩٧» - والأعشى الكبير ميمون بن قيس، وهو أرقّهم طبعا، وأسلمهم لفظا، وأقلّهم إغلاقا، يقول وهو يتغزل ويصف ريّق شبابه ولهوه مع أترابه، وقبوله عند الكواعب، وما قضّاه في صباه من المآرب: [من الكامل] فرميت غفلة عينه من شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها ويقول في مقام الوصف ومنتهى التمثيل: [من المتقارب] وهل تنكر الشمس شمس النهار ... ولا القمر الباهر الأبرص

стр. 2915

ويقول في مدح الملوك: [من الطويل] ويقسم أمر الناس يوما وليلة ... وهم ساكتون والمنيّة تنطق فأحسن وأبلغ ثم قصّر وتأخّر وأفحش فقال بعده: [من الطويل] ويأمر لليحموم في كلّ ليلة ... بقتّ وتعليق فقد كاد يسنق فانظر إلى هذا التباعد والفصال. «١١٩٨» - ثم يقول في موضع الحكمة ومظنّة تهذيب اللفظ والمعنى، فيأتي بما لا معنى فيه ولا لفظ له: [من المنسرح] إنّ محلّا وإن مرتحلا ... وإن للسّفر ما مضى مهلا قال نقّاد الشّعر: الشّعر أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه ومعناه، فإذا نثر لم يفقد حسنه، وذلك نحو: [من البسيط] في كفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وضرب حسن لفظه وخلا معناه نحو: [من الطويل] ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح وضرب جاد معناه وقصّر لفظه نحو: [من الطويل] خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع وضرب قصّر معناه ولفظه نحو: [من المنسرح]

стр. 2916

إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإن للسّفر ما مضى مهلا المعنى إن لنا محلا، وإن لنا مرتحلا، وإن لنا مهلا بعد السفر الذي مضى. ١١٩٩- وما أحسن ما قال الوائلي: [من الطويل] وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول النّصيح المجامل إذا أنت لم تقدر على درّ لجّه ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل «١٢٠٠» - وقد أخذ الأعشى قوله من قول النابغة: [من الكامل] تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد وتبعه القتّال الكلابيّ فقال، ولم يمنعه اشتهار هذين البيتين من الإغارة وسلك في سرقة الشعر مسلكه في الغارة على المال، فإنه كان من مشهوري اللصوص وفتّاكهم وشعرائهم: [من الكامل] تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برد أسفّ لثاته مثلوج وفي إعرابه كلام وتأويل. «١٢٠١» - ومن المصالتة والمجاهرة في السرقة قول قيس بن الخطيم، وهو شاعر الأوس وفتاها وشجاعها: [من الطويل] وما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد وكيف يخفى مأخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد، وهي معلّقة على

стр. 2917

الكعبة، وهو يقول فيها: [من الطويل] لعمرك ما الأيّام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد «١٢٠٢» - قال أبو نواس: قد قال شاعران بيتين ووضعا التشبيه فيهما في غير موضعه، فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع البيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا، كان لفقا له ومشبها، فقيل له: أيّ ذلك تعني؟ قال: قول جرير للفرزدق: [من الطويل] فإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... تبابين قيس أو سحوق العمائم كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أثارته [١] رياح السّمائم وقول ابن هرمة: [من المتقارب] وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفيّ زندا شحاحا كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا فلو قال جرير: فإنك إذ تهجو تميما، وبعده كتاركة بيضها بالعراء، لكان أشبه ببيته، ولو قال ابن هرمة مع بيته: وإني وتركي ندى الأكرمين، وبعده كمهريق ماء بالفلاة، لكان أشبه به. ١٢٠٣- هكذا جاءت الرواية عن أبي نواس؛ وهو أيضا وهم فإن الشّعر للفرزدق من قصيدته التي أولها: [من الطويل] «تحنّ بزوراء المدينة ناقتي»

стр. 2918

قالها لما قتل وكيع بن أبي سود قتيبة بن مسلم بخراسان. وجرير كان مولعا بمدح قيس، والفرزدق يهجوهم، وذلك محقّق لما ذكرته أيضا. «١٢٠٤» - قال سلمة بن عياش: دخلت على الفرزدق السّجن وهو محبوس، وقد قال قصيدته التي فيها: [من الكامل] إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول وقد أفحم وأجبل، فقلت له: ألا أرفدك؟ فقال: وهل ذاك عندك؟ فقلت: نعم، ثم قلت: بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل فاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش؛ قال: فمن أيها أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤيّ فقال: لئام والله رضعة؛ جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم. فقلت: الألأم والله منهم وأرضع قومك، جاءك رسول مالك بن المنذر، وأنت سيّدهم وشاعرهم، فأخذ بأذنك يقودك حتى حبسك، فما اعترضه ولا نصرك أحد. فقال: قاتلك الله ما أنكرك؛ وأخذ البيت فأدخله في قصيدته. «١٢٠٥» - ولما قال ذو الرّمّة: [من الطويل] أحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليماني من الغمد ومدّت بضبعيّ الرّباب ومالك ... وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد ومن آل يربوع زهاء كأنّه ... زها الليل محمود النكاية والرّفد قال له الفرزدق لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك؛ قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك، فهي في قصيدة الفرزدق التي يقول فيها: [من الطويل]

стр. 2919

وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتوده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد ويروى: وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه. «١٢٠٦» - ومرّ الفرزدق بالشّمردل يوما وهو ينشد: [من الطويل] وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حزّ الغلاصم فقال والله لتتركنّه أو لتتركنّ عرضك، فقال: هو لك. فانتحله الفرزدق في قصيدته التي أولها: تحنّ بزوراء المدينة ناقتي «١٢٠٧» - أنشد الكميت بن زيد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده: [من البسيط] وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدلّ والشّنب فثنى نصيب خنصره فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصي خطأك تباعدت في قولك: «تكامل فيها الدلّ والشنب» ، هلّا قلت كما قال ذو الرّمّة: [من البسيط] لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب ثم أنشده في أخرى: [من المتقارب] إذا ما الهجارس غنّينها ... تجاوبن بالفلوات الوبارا فقال له نصيب: الوبار جمع وبرة وهي دابّة معروفة لا تسكن الفلوات. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

стр. 2920

كأنّ الغطامط من جريها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا قطّ. فاستحيا الكميت فسكت. والذي عابه نصيب من قبيح الكلام وفاحشه، فإن أحسن الكلام ما اتّسق وتشاكلت معانيه، وتقاربت ألفاظه، ولذلك قال ابن لجأ لابن عمّ له: أنا أشعر منك، قال: وكيف؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه. «١٢٠٨» - وأنشد الجاحظ: [من الطويل] وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعيّ في القريض دخيل قال ذلك لأنّ بعر الكبش يقع متفرقا. ولذلك عيب على أبي تمّام قوله: [من الكامل] لا والذي خلق الهوى إن النّوى ... صبر وإنّ أبا الحسين كريم «١٢٠٩» - ولما قال ذو الرّمّة: [من الطويل] أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم وقف بالمربد ينشد والناس مجتمعون عليه، فإذا هو بخيّاط يطالعه ويقول يا غيلان: [من الطويل] أأنت الذي تستنطق الدار واقفا ... من الجهل هل كانت بكنّ حلول فقام ذو الرّمّة وفكر زمانا ثم عاد فقعد بالمربد ينشد، فإذا الخياط قد وقف عليه وقال له: [من الطويل] أأنت الذي شبهت عنزا بقفرة ... لها ذنب فوق استها أمّ سالم

стр. 2921

فقام ذو الرّمّة فذهب ولم ينشد في المربد بعدها حتى مات الخياط. «١٢١٠» - وقال غيلان بن المعذّل: قدم علينا ذو الرّمّة الكوفة فأنشدنا بالكناسة وهو على راحلته قصيدته الحائية التي يقول فيها: [من الطويل] إذا غير النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح فقال له عبد الله بن شبرمة: قد برح يا ذا الرّمّة، ففكر ساعة ثم قال: لم أجد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح. قال: فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرّمّة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال: أخطأ ذو الرّمّة في رجوعه عن قوله الأول، وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه. هذا مثل قول الله : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (النور: ٤٠) هو لم يرها ولم يكد. «١٢١١» - قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جميل وراوية كثيّر وراوية جرير وراوية الأحوص وراوية نصيب، فافتخر كلّ واحد منهم بصاحبه، وقال صاحبي أشعر، فحكّموا سكينة بنت الحسين لما عرفوه من عقلها وبصرها بالشّعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها الذي كان من أمرهم، فقالت لراوية جرير: أليس صاحبك الذي يقول: [من الكامل] طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين [١] الزيارة فارجعي بسلام وأيّ ساعة أحلى للزيارة من الطّروق؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره، ألا قال: ادخلي بسلام.

стр. 2922

ثم قالت لراوية كثيّر: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل] يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرّت وليس شيء أقرّ بعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره. وقالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل] فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي فما أرى بصاحبك هوى، إنما طلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره. ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل] أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي فما أرى له همّة إلا من يعشقها بعده؟ قبّحه الله وقبح شعره ألا قال: [من الطويل] أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول: [من الكامل] من عاشقين تواعدا وتراسلا ... ليلا إذا نجم الثريّا حلّقا باتا بأنعم ليلة وألذّها ... حتى إذا وضح الصّباح تفرّقا قال: نعم، قالت: قبّحه الله وقبّح شعره، هلّا قال: تعانقا. فلم تثن على أحد منهم ولم تقدّمه. وليس كلّ ما ذكرته ساقطا، ولكلّ منه وجه ولصاحبه فيه قصد، وإنما حسن الخبر إذ كان من امرأة قد تتبعت فحول الشعراء وظرفت في ما تتبعتهم به، وقصّر رواتهم عن جوابها.

стр. 2923

«١٢١٢» - وشبيه به الخبر الذي رواه الزبير بن بكّار قال: خرج عمر بن أبي ربيعة إلى مكة فخرج معه الأحوص واعتمرا. قال السائب راوية كثيّر: فلما مرّا بالروحاء استتلياني فخرجت أتلوهما حتى لحقتهما بالعرج رواحهما؛ فخرجنا جميعا حتى وردنا ودّان؛ فحبسهما نصيب وذبح لهما وأكرمهما؛ وخرجنا وخرج معنا نصيب. فلما جئنا كليّة عدلنا جميعا إلى منزل كثيّر، فقيل لنا: هبط قديدا، فأتينا قديدا فذكر لنا أنّه في خيمة من خيامها، فقال لي ابن أبي ربيعة: اذهب فادعه لي؛ فقال نصيب: هو أحمق وأشدّ كبرا من أن يأتيك؛ فقال لي عمر: اذهب كما أقول لك فادعه لي. فجئته فهشّ لي وقال: اذكر غائبا تره، لقد جئت وأنا أذكرك. فأبلغته رسالة عمر فحدّد نظره إليّ وقال: أما كان عندك من المعرفة ما يردعك عن إتياني بمثل هذا وتردعه عن مثل هذه الرسالة؟ قلت: بلى والله، ولكني سترت عليك وأبى الله إلا أن يهتك سترك. فقال لي: إليك يا ابن ذكوان، ما أنت من شكلي، فقل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيا فأنا قرشيّ، فقلت: ألا تترك هذا التّلصّق وأنت تقرف عنهم كما تقرف الصمغة؟ فقال: والله لأنا أثبت فيهم منك في سدوس. ثم قال: وقل له إن كنت شاعرا فأنا أشعر منك، فقلت له: هذا إذا كان الحكم إليك. فقال: وإلى من هو؟ ومن أولى بالحكم مني؟ وبعد هذا يا ابن ذكوان فاحمد الله على لؤمك فقد منعك مني اليوم. فرجعت إلى عمر فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما قال لك نصيب، فقال: وإن؟ فأخبرته فضحك وضحك صاحباه ظهرا لبطن. ثم نهضوا معي إليه فدخلنا عليه في خيمته فوجدناه جالسا على جلد كبش، فو الله ما أوسع للقرشيّ. فلما تحدثوا مليا وأفاضوا في ذكر الشعر أقبل على عمر فقال له: أنت تنعت المرأة وتنسب بها ثم تدعها وتنسب بنفسك، أخبرني عن قولك: [من المنسرح] قالت تصدّي له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تشتدّ في أثري

стр. 2924

وقولها والدموع تسبقها ... لنفسدنّ الطواف في عمر أتراك لو وصفت بهذا هرّة أهلك، ألم تكن قد قبّحت وأسأت وقلت الهجر؟ إنما توصف الحرّة بالإباء والحياء والالتواء والبخل والامتناع كما قال هذا، وأشار إلى الأحوص: [من الطويل] أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور قال: فدخلت الأحوص أبّهة وعرفت الخيلاء فيه. فلما استبان ذلك كثيّر منه قال: أبطل آخرك أوّلك، أخبرني عن قولك: [من الوافر] فإن تصلي أصلك وإن تبيني ... بصرمك بعد وصلك لا أبالي ولا ألفى كمن إن سيم صرما ... تعرّض كي يردّ إلى الوصال أما والله لو كنت فحلا لباليت ولو كسرت أنفك، [هلا قلت] كما قال هذا الأسود، وأشار إلى نصيب: [من الطويل] بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب قال: فانكسر الأحوص ودخلت نصيبا الأبّهة. فلما نظر إلى الكبرياء قد دخلته، قال له: وأنت يا ابن السوداء فأخبرني [١] عن قولك: [من الطويل] أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواكبدا من ذا يهيم بها بعدي أهمّك من ينيكها بعدك؟ فقال نصيب: استوت القرفة [٢] ، وهي لعبة لهم مثل المنقلة، قال سائب: فلما أمسك كثيّر أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبذب إليّ. أخبرني عن تخيّرك لنفسك وتخيّرك لمن تحبّ حيث

стр. 2925

تقول: [من الطويل] ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذي غنى ... بعيرين نرعى في الخلاء ونعزب كلانا به عزّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفكّ نرمى ونضرب وددت وبيت الله أنّك بكرة ... هجان وأني مصعب ثم نهرب نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب ويلك! أتمنيت لها ولنفسك الرّقّ والجرب والرّمي والطّرد والمسخ؟ فأي مكروه لم تتمنّ لها ولنفسك؟ لقد أصابها منك مثل قول الأول: معاداة عاقل خير من مودّة أحمق. قال: فجعل يختلج جسده كلّه، ثم أقبل عليه الأحوص فقال له: إليّ يا ابن استها، أخبرني بخبرك وتعرّضك للشرّ وعجزك عنه وإهدافك لمن رماك، أخبرني عن قولك: [من الطويل] وقلن- وقد يكذبن- فيك تعيّف ... وشؤم إذا ما لم تطع صاح ناعقه وأعييتنا لا راضيا بكرامة ... ولا تاركا شكوى الذي أنت صادقه وأدركت صفو الودّ منّا فلمتنا ... وليس لنا ذنب فنحن مواذقه وألفيتنا سلما فصدّعت بيننا ... كما صدّعت بين الأديم خوالقه والله لو احتفل عليك هاجيك لما زاد على ما بؤت به على نفسك. قال: فخفق كما يخفق الطائر. ثم أقبل عليه نصيب فقال: أقبل عليّ يا زبّ الذباب، فقد تمنّيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول: [من الطويل] وددت وما تغني الودادة أنّني ... بما في ضمير الحاجبيّة عالم فإن كان خيرا سرّني وتركته ... وإن كان شرّا لم تلمني اللّوائم انظر في مرآتك، واطّلع في جيبك، واعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها لك. فاضطرب اضطراب العصفور، وقام القوم يضحكون، وجلست عنده.

стр. 2926

فلما هدأ شأوه قال لي: أرضيتك فيهم؟ فقلت له: أما في نفسك فنعم، لقد نحس يومك معهم، وقد بقيت أنا عليك فما عذرك- ولا عذر لك- في قولك: [من الطويل] سقى دمنتين لم تجد لهما أهلا ... بحقل لكم يا عزّ قد رابني حقلا [١] نجاء الثريّا كلّ آخر ليلة ... يجودهما جودا ويتبعه وبلا ثم قلت في آخرها: وما حسبت ضمريّة جدريّة ... سوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا [٢] أهكذا يقول الناس: «سوى التيس ذي القرنين» ؟ ويحك! ثم تظنّ ذلك قد خفي ولم يعلم به أحد، فتسبّ الرجال وتعيبهم؟ فقال: ما أنت وهذا؟ وما علمك بمعنى ما أردت؟ فقلت: هذا أعجب من ذاك، أتذكر امرأة تنسب بها في شعرك وتستغزر لها الغيث في أوّل شعرك، ثم تحمل عليها التيس في آخره؟ قال: فأطرق وذلّ وسكن. فعدت إلى أصحابي وأعلمتهم ما كان من خبره، فقالوا: ما أنت أهون حجارته التي رمي بها اليوم منّا، قال، فقلت لهم: لم يترني فأطلبه بذحل، ولكني نصحته لئلا يخلّ هذا الإخلال الشديد، ويركب هذه العروض التي ركب في الطعن على الأحرار والعيب لهم. «١٢١٣» - ومن السرقة الفاحشة قول كثيّر في عبد الملك بن مروان: [من الطويل] إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها

стр. 2927

أخذه من قول الحطيئة مصالتة فلم يغيّر سوى الرويّ: [من الطويل] إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها لؤلؤ وشنوف ١٢١٤- ومثل ذلك فعل الفرزدق في قوله: [من الطويل] فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف نقله من قول العباس بن عبد المطلب ﵁: [من الطويل] إذا مجلس الأنصار خفّ بأهله ... وحلّت بواديهم غفار وأسلم فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم «١٢١٥» - وجرير على سعة بحره وقدرته على غرر الشعر وأبكار الكلام نقل قوله: [من الوافر] فلو كان الخلود لفضل قوم ... على قوم لكان لنا الخلود من قول زهير، وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النساء: [من الطويل] فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ حمد المرء غير مخلّد «١٢١٦» - وقد قال جرير: [من الطويل] فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا فأخذه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال: [من الطويل] أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا

стр. 2928

وهو من قصيدة له مشهورة أجاد فيها وأحسن كلّ الإحسان، ولم تمنعه قدرته على ذلك الإحسان من الشّره إلى ما ليس له. «١٢١٧» - وقد قال الشماخ: [من الطويل] وأمر ترجّي النفس ليس بنافع ... وآخر يخشى ضيرة لا يضيرها فأغار عليه شبيب بن البرصاء فقال: [من الطويل] ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها «١٢١٨» - وكان أبو العتاهية مع تقدّمه في الشعر كثير السقط، فروي أنه لقي محمد بن مناذر بمكة، فمازحه وضاحكه، ثم دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول قصيدة في كلّ سنة، وأنا أقول في السنة مئين قصائد. فأدخله الرشيد إليه فقال ما يقول أبو العتاهية. فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول لقلت مثله كثيرا: [من الهزج] ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة لقلت مثله كثيرا، ولكنني أقول: [من الخفيف] إنّ عبد المجيد يوم تولّى ... هدّ ركنا ما كان بالمهدود ما درى نفسه ولا حاملوه ... ما على النّعش من عفاف وجود فقال الرشيد: أنشدنيها، فأنشده إيّاها، فقال: ما لها عيب إلا أنها في سوقة، وما كان ينبغي إلا أن تكون في خليفة أو وليّ عهد، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم؛ فكاد أبو العتاهية يموت غمّا وأسفا.

стр. 2929

«١٢١٩» - ذكر أبو الشّيص يوما في مجلس الرياشي فقال: أخطأ أبو الشّيص في بيت واحد في أربعة أماكن، وهو قوله: [من المتقارب] أشاقك واللّيل ملقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان فالكلام شاقك لا غير، فجعل أفعل مكان فعل؛ وذكر أن الذي شاقه بالليل غراب، والغراب لا يصيح بالليل؛ وقال: غراب ينوح، وصياح الغراب لا يقال له نوح إنما يقال: نعب الغراب ونعق وشحج؛ وقال: غراب ينوح على غصن بان، وغصن البان أضعف من أن يحمل غرابا. «١٢٢٠» - استحسن من أبي نواس قوله: [من الطويل] إليك رمت بالقوم هوج كأنما ... جماجمها تحت الرحال قبور وهو مأخوذ من قول الوليد بن عديّ بن حجر الكندي: [من البسيط] كأنّ هامتها قبر على شرف ... تمدّ للسير أوصالا وأصلابا وطرق الراعي المعنى فقال: [من الوافر] فهنّ سوابغ الأبدان غلب ... كأن رءوسهنّ قبور عاد وتبعهما كثير فقال: [من الكامل] كالقبر هامة رأسها وكأنما ... منها أمام الحاجبين قدوم وأبو حية النميري فقال: [من الكامل] وكأنّ هامته إذا استعرضته ... قبر برابية عليه الجندل

стр. 2930

«١٢٢١» - قال الحسن بن رشيق الأزدي الكاتب المغربي في ما جمعه من شعر المغاربة: اجتمعت وأنا حدث بيعلى بن إبراهيم الأربسي، وكانت له مكانة من الخطّ والترسّل وعلم الطبّ والهيئة مع تقدّمه في الشعر، فأخذ في ذكر الشعراء وغضّ من عبد الكريم النهشلي- وهو من أعيان وقته- فأغلظت له في الجواب. فالتفت إليّ منكرا عليّ وقال: وما أنت وما دخولك بين الشيوخ يا بني؟! فقلت له: ومن يكون الشيخ أيّده الله؟ فعرّفني نفسه ثم أخرج رقعة من خطّه فيها شعره: [من البسيط] إياة شمس حواها جسم لؤلؤة ... يغيب من لطف فيها ولم تغب صفراء مثل النّضار السّكب لابسة ... درعا مكلّلة درّا من الحبب لم يترك الدهر منها غير رائحة ... تضوّعت وسنا ينساح كاللهب إذا النديم تلقّاها ليشربها ... صاغت له الراح أطرافا من الذهب فقال: كيف رأيت؟ فقلت- وأردت الاشتطاط عليه: أما البيت الأوّل فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر، قال: وكيف ذلك؟ قلت: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام: [من الكامل] أو درّة بيضاء بكر اطبقت ... حبلا على ياقوتة حمراء لكان أتمّ تصنيعا [وأحسن ترصيعا] ولو ذكرت روح الخمر مع ذكرك جسم اللؤلؤة- يعني الكأس- لكان أوفى للمعنى، ولو قلت مع قولك «إياة» : «شمس حواها نهار» وعنيت به الكأس كما قال ابن المعتز، ويروى للقاضي التنوخي: [من المتقارب] وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار

стр. 2931

لكنت قد ذهبت إلى شيء عجيب غريب؛ أما قولك: «يغيب من لطف فيها ولم يغب» ، فمن قول البحتري: [من الكامل] يخفي الزجاجة لونها فكأنّها ... في الكفّ قائمة بغير إناء وأما البيت الثاني فأكثر من أن ينبّه عليك فيه، وأما الثالث فمن قول ابن المعتز: [من البسيط] أبقى الجديدان من موجودها عدما ... لونا ورائحة في غير تجسيم وأما البيت الأخير، فمن قول مسلم بن الوليد: [من الطويل] أغارت على كفّ المدير بلونها ... فصاغت له منها أنامل من ذبل وقوله أيضا: [من الطويل] إذا مسّها الساقي أعارت بنانه ... جلابيب كالجاديّ من لونها صفرا وفيه عيب يقال له التوكّؤ، وهو تكريرك ذكر الراح، وأنت مستغن عنه، قال: فماذا كنت أنت تسدّ مكان الراح، قلت: كنت أقول: «صاغت ليمناه أطرافا من الذهب» . وأنشدته لنفسي دون أن أعلمه: [من الطويل] معتقة يعلو الحباب جنوبها ... فتحسبه فيها نثير جمان رأت من لجين راحة لمديرها ... فجادت له من عسجد ببنان ثم أنشد يصف بستانا: [من البسيط] تفيض بالماء منه كلّ فوّهة ... فكلّ فوارة بالماء تنذرف كأنّها بين أشجار منوّرة ... ظلّت بمستحسن اللبلاب تستجف مجامر تحت أثواب مجلّلة ... على مشاجبها دخانها يهف

стр. 2932

فقال: هل تعلم في هذا المعنى شيئا؟ فلم أرد مكاشفته، فأضربت عن أبيات عليّ ابن العباس الرومي في تشبيه المجمرة بالفوّارة، وإنما عكسه يعلى، وقلت: بل قريبا منه، وأنشدته لنفسي شعرا؛ فقال: لمن أنشدتني بدءا وعودة؟ قلت: للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ؛ فعرف، وعرّف بي فاستصحبني منذ ذلك اليوم. «١٢٢٢» - لما ورد الخالديان العراق قال فيهما السريّ الرفاء يخاطب أبا الخطّاب الصابي: [من الكامل] بكرت عليك مغيرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب ورد العراق ربيعة بن مكدّم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب وهي قصيدة مشهورة من عيون شعره. فاستحسن هذا المعنى واستجيد، وإنما أخذه من قول أبي تمّام، وقد سرق شعره محمد بن يزيد الأموي فمدح به: [من الخفيف] من بنو عامر من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب من طفيل بن عامر ومن الحا ... رث أم من عتيبة بن شهاب «١٢٢٣» - وبشّار يسمونه أبا المحدثين لتقدّمه وتسليمهم إليه الفضيلة والسبق، وبعض أهل اللغة يستشهدون بشعره لزوال الطعن عليه فيها فمما أسقط فقال: [من الرمل] إنما عظم سليمى حبّتي ... قصب السّكّر لا عظم الجمل وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل

стр. 2933

يقول هذا مع قوله في معنى مثله: [من الوافر] إذا قامت لمشيتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران ومع قوله في الفخر: [من الطويل] كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ومع قوله: إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه وقال له خلاد: إنّك لتجيء بالشيء المهجّن المتفاوت، قال: وما ذاك؟ قال: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع القلوب مثل قولك: [من الطويل] إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما إذا ما أعرنا سيّدنا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلّما على أن بيتي بشّار منقولان، فالأول أنشده أبو هلال العسكري للقحيف وأوّله: [من الطويل] إذا ما فتكنا فتكة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما والثاني هو بيت جرير بعينه: [من الطويل] منابر ملك كلّها مضرية ... يصلّي علينا من أعرناه منبرا إلى أن تقول: [من الهزج] ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت فقال: لكلّ شيء وجه وموضع؛ فالقول الأوّل جدّ، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات

стр. 2934

وديك، فهي تجمع البيض لي وتحفظه عندها؛ فهذا قولي عندها أحسن من «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» عندك. وهذا عذر غير واضح، وهو باستئناف ذنب أولى. وقد كان يسعه أن يقول ما تفهمه الأمة ولا يسقط هذا السقوط. وما الذي أحوجه إلى أن يدوّنه ويروى عنه؟ وأيّ حجّة له في البيتين الأوّلين لولا الزّلل والنقص المستوليان على البشر. «١٢٢٤» - وأبو تمام، مع باهر فضله وبديع نظمه ونطقه بالشعر الذي لو سمي سحرا لكان أليق، يقول: [من الوافر] خشنت عليه أخت بني خشين ويظن ذلك من البديع الذي اخترعه وسلك مذهبه. ويقول يمدح رجلا ويصفه بالتنين: [من الكامل] ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حثّ النجاء وخلفه التّنين وقال أيضا وهجن: [من الكامل] كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنّما لبس الزمان الصّوفا وأغار على زهير حيث يقول: [من الوافر] «لمن طلل برامة لا يريم» فقال: [من الوافر] أرامة كنت مألف كلّ ريم

стр. 2935

وقد قال، وبعد عن الفصاحة وهو إمامها: [من الكامل] والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضا «١٢٢٥» - وكذلك الرضيّ أبو الحسن الموسوي ممن شهد بفضله الأعداء، وترجم شعره أكابر العلماء، وقد كان علمه أكثر من شعره، وله تصنيف في علم القرآن برّز فيه على القدماء، ثم لم يمنعه اقتداره على درر الكلام وجواهر المعاني من التعرّض لما ليس له، والغارة الشعواء على متقدّمي الشعراء. وقد كان غنيّا ببنات صدره عن الاستلحاق، ومكفيّا بمصون خاطره عن الاستطراق. وقد عثرت له على زلل يرتفع قدره عنه، وسهو لو تنبّه له غيّره. ولعلّ غليان الخاطر وازدحام البيان، شغله عن تفقّد ما جرى به اللسان. وسأقتصر على البعض إذ كان القصد بكشف غلط مثله من صدور العلم إقامة عذر من لم يبلغ شأوه. (١) فممّا سها في إعرابه وغفل عن تصحيحه قوله: [من البسيط] ترجو وبعض رجاء الناس متعبة ... قد ضاع دمعك يا باك على الطلل فرفع المنادى المشبّه بالمضاف وحقّه النصب. (٢) ومثله قوله أيضا: [من الطويل] ولم أنسه غاد وقد أحدقت به ... أدان تروّي نعشه وأقارب (٣) ومن ذلك قوله: [من الطويل] وأين المطايا تذرع البيد والدجى ... إلى أقرب من نيل عزّ وأبعد ولم تستعمل العرب أفعل التفضيل إلا جاءت «بمن» ، كقولهم: أقرب من

стр. 2936

كذا، أو يأتي بالألف واللام فيخرج عن معنى التفضيل كقولهم الأقرب والأبعد. «١٢٢٥» .- (٤) ومنه قوله: [من الطويل] ألا إنّ أصناف السيوف كثيرة ... وأقطعها هنديّها ويمانها وإنما هو سيف يمان إذا خفّف الياء، فأما نقله إلى ما يجري الاعراب عليه في حالة الرفع فما تكلّمت به العرب. (٥) ومما أهمل قوافيه وأجرى منصوبه مجرى مرفوعه، ولم يرخّص أحد في مثله، قوله: [من الطويل] إذا سكر العسّال من قطراتها ... سقيت حميّاها أغرّ يماني (٦) وقوله: [من الكامل] كم من طويل العمر بعد وفاته ... بالذكر يصحب حاضرا أو بادي على أن المعنى واللفظ لغيره وهو: [من الكامل] كم من طويل العمر بعد مماته ... ويموت آخر وهو في الأحياء وقول المتنبي: ذكر الفتى عمره الثاني والأصل قول الأول: «إنّ الثناء هو الخلود» (٧) ومما استعار فيه كلام المتقدمين ولم يراقب تصفّح المتأمّلين قوله:

стр. 2937

[من البسيط] هل تعلمون على نأي الديار بكم ... أنّ الضمير إليكم شيّق ولع وهو قول أبي زبيد الطائي بعينه: [من البسيط] من مبلغ قومي النائين إن شحطوا ... أن الفؤاد إليهم شيّق ولع «١٢٢٥» .- (٨) وقوله: [من الطويل] مرمّون من قبل اللقاء مهابة ... إذا رقموا باب الطّراف الممدّد من قول جرير: [من الطويل] مرمّون من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا (٩) وقوله: [من الوافر] أروني من يقوم لكم مقامي ... أروني من يقول لكم مقالي فقوله: أروني من يقوم لكم مقامي، هو صدر بيت لجرير: [من الوافر] أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب (١٠) وقوله: [من الكامل] لا تبعدنّ وأين قربك بعدها ... إن المنايا غاية الإبعاد من قول مالك بن الريب: [من الطويل] يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا

стр. 2938

«١٢٢٥» .- (١١) وقوله: [من الكامل] قرف على قرح تقادم عهده ... إنّ القروف على القروح لأوجع من بيت الحماسة المشهور: [من الطويل] فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع (١٢) وقوله: [من البسيط] فكاذب النفس يمتدّ الرجاء لها ... إنّ الرجاء بصدق النّفس ينقطع من قول لبيد: [من الرمل] واكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل (١٣) وقوله: [من الخفيف] وندامى تفرّقوا بعد إلف ... شغلوا الدمع بعدهم أن يعارا وهو قول الشمردل اليربوعي بعينه: [من الطويل] وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله (١٤) وقوله في صفة الخيل: [من الطويل] خوارج من ذيل الغبار كأنّها ... أنامل مقرور دنا النار صاليا هو بيت الأسعر بن [أبي] حمران الجعفي في مثله: [من الكامل]

стр. 2939

يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فاصطلى «١٢٢٥» .- (١٥) وقوله: [من الكامل المجزوء] مستلأمين بها كأنّ ... رؤوسهم بيض النعام وهو قول النابغة: [من الوافر] فصبّحهم ململمة رداحا ... كأنّ رؤوسهم بيض النعام (١٦) وقوله: [من الطويل] وما كنت إلّا كالثريّا تحلّقا ... يدفّ على آثارها دبرانها من قول ذي الرمة: [من الطويل] يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق (١٧) وقوله: [من الكامل] هنّ القسيّ من النحول فإن سما ... طلب فهنّ من النجاء الأسهم أخذه من قول البحتري وإن كان زاد في المعنى ونقص: [من الخفيف] كالقسيّ المعطفات بل ... الأسهم مبرية على الأوتار (١٨) وفي هذه القصيدة يقول يصف الدرع [١] : [من الكامل]

стр. 2940

من كل ضاحكة القتير كأنّها ... برد أعاركها [١] الشجاع الأرقم نقله من محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي في قوله يصفها: [من الكامل] وعليّ سابغة الدروع كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم «١٢٢٥» .- (١٩) ومن ذلك قوله: [من السريع] إصلاحك المال ابن عمّ الغنى ... والبخل خير من سؤال البخيل وهو مسلوخ من قول ابن المعتز: [من السريع] فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل (٢٠) وقوله: [من الطويل] فما آب حتى استفزع المجد كلّه ... شروب على غيظ الرجال أكول منقول من قول الأقرع بن معاذ: [من الطويل] متين حبال الودّ مطّلع العدى ... أكول على غيظ الرجال شروب (٢١) ومن ذلك قوله: [من الكامل المجزوء] يا حسنكم في الدهر أذ ... نابا وأقبحكم رؤوسا من قول الأوّل: [من المتقارب] فيا قبحهم في الذي خوّلوا ... ويا حسنهم في زوال النّعم

стр. 2941

١٢٢٦- وأبو الطيب المتنبي، مع فضله المشهور، وبحره الغزير، وأخذه برقاب الكلام، ووقوفه على دقائق المعاني، واتيانه بها في أبهج رونق وأصفى سبك وأرقّ لفظ، وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة، يغلط ويحيل ويجيء بالمعنى الشنيع واللفظ الرّذل، ثم لا يتصفّحه فيسقطه أو ينبّه عليه من بعد فيضعه. (١) فمن غلطه قوله: [من الكامل] ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيّام وإنما هو زهيت، يقال: زهيت علينا يا رجل، وزها النبت إذا اصفرّ وظهر زهوه أي صفرته، وزها البسر وأزهى إذا احمرّ وإذا اصفرّ. وفي الخبر أن النبي ﵌ نهى عن بيع التمر حتى يزهو، ويروى حتى يزهي، والزّهو البسر والزّهو أيضا الكذب. «١٢٢٦» -. (٢) وقوله: [من الكامل] وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازيّ الاشهب والغراب الأبقع وهو البازي غير مشدّد، وقد وصل ألف القطع في قوله «الاشهب» وإنما احتذى في البازيّ قول البحتري: [من الخفيف] وبياض البازيّ أحسن لونا ... إن تأمّلت من سواد الغراب وحكمها في هذا الإخلال عند من أخذه عليهما واحد. (٣) وأخذ على المتنبي قوله: [من الكامل] وقتلن دفرا والدّهيم فما ترى ... أمّ الدّهيم وأمّ دفر هابل والدّهيم اسم الداهية، وأصل ذلك ناقة اسمها الدهيم حملت رؤوس قتلى

стр. 2942

جماعة إلى أبيهم؛ والعرب تسمي الدنيا أمّ دفر لما فيها من المزابل والدّفر النتن، فجعل المتنبي الدفر الداهية ووهم في ذلك. «١٢٢٦» .- (٤) وقوله: [من الخفيف] لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود والمسموع مفاضة ولم تقل العرب فاضة. (٥) وقوله: [من الطويل] فأرحام شعر يتّصلن لدنّه ... وأرحام مال ما تني تتقطّع فقالوا: لم تقل العرب لدنّ بالتشديد. (٦) وعيب في القوافي بقوله: [من الكامل] أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أنّ الله يبغي نصره فإنه إن جعل الهاء حرف الرّويّ لم يجز لأن هاء الضمير لا تكون رويّا إلّا إذا سكّن ما قبلها، وإن جعل الراء الرويّ- وهو أولى- جاءه الخلل في التصريع بأشبه في البيت الأول. (٧) وأحال في قوله: [من البسيط] وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى.

стр. 2943

«١٢٢٦» .- (٨) وأحال في قوله: [من الخفيف] يفضح الشمس كلّما ذرّت ... الشمس بشمس منيرة سوداء (٩) وفي قوله أيضا: [من الطويل] وإن نلت ما أمّلت منك فربّما ... شربت بماء يعجز الطير ورده فجعله في عسر المنال كالماء الذي يعجز الطير أن يرده فأحال المدح هجوا. (١٠) وسقط في مواضع كثيرة، فمن ذلك قوله في سيف الدولة: [من الطويل] خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق أراد أن يمدحه فنسب به. (١١) وقوله فيه: [من الطويل] فإن كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول (١٢) وقوله: [من الكامل] إنّي على شغفي بما في خمرها ... لأعفّ عما في سراويلاتها فافتضح مع قول الرضيّ ﵁ من بعده: [من الطويل] يحنّ إلى ما تضمر الخمر والحلى ... ويصدف عما في ضمان المآزر

стр. 2944

«١٢٢٦» . (١٣) وقوله: [من البسيط] العارض الهتن بن العارض الهتن ... بن العارض الهتن بن العارض الهتن (١٤) وقوله: [من الكامل] فكأنّه حسب الأسنّة حلوة ... أو ظنّها البرنيّ والآزاذا (١٥) وقوله: [من الكامل] «قلق المليحة وهي مسك هتكها» (١٦) وقوله: [من مخلع البسيط] ماذا يقول الذي يغنّي ... يا خير من تحت ذي السماء (١٧) وقوله: [من الكامل] أنّى يكون أبا البريّة آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمّد تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البريّة وأبوك محمد وأنت الثقلان، يعني الإنس والجنّ، وآدم واحد من الإنس، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو «أبوك» وبين الخبر الذي هو «محمد» بالجملة التي هي «والثقلان أنت» ، وهذا تعسف قبيح. (١٨) ويناسبه قوله: [من الطويل] حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجى سقي الرياض السحائب

стр. 2945

أراد سقي السحائب الرياض. وليس كلّ ما استعملته العرب يحسن استعماله بالمحدثين. «١٢٢٦» .- (١٩) ومثله من شعره: [من الكامل] فتبيت تسئد مسئدا في نيّها ... إسآدها في المهمه الإنضاء تقديره: مسئدا في نيّها الإنضاء إسآدها في المهمه. وقد كان يكفيه في هذا البيت التكرير الذي لا فائدة فيه حتى أضاف إليه هذا التعقيد في التقديم والتأخير. (٢٠) ومن الساقط المستهجن قوله: [من الوافر] جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا (٢١) فأما ما اقتبس معناه واحتذى فيه على مثال من تقدّمه فكثير، ولا يعدّ عيبا، إنما اعتدّه عليه ضدّ أو شانىء. والمعاني ليست مملوكة، وأولى الناس بها من كساها لفظا رائقا وكملها وأحسن مجتلاها. (٢٢) وقد تتوارد الخواطر في المعاني فلا ينسب الثاني إلى السرقة ما كانت مصالتة لفظا ومعنى، أو بيتا كاملا، كما أخذ الفرزدق، وكما قيل في بيت أبي تمام: [من الطويل] وأحسن من نور تفتّحه الصّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب إنه مأخوذ من قول الأخطل: [من الطويل] رأين بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
следующие страницы →