← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

الهرمزان فرأى في بعض مجالسها تصاوير فيها تمثال ظبي وهو مشير باحدى يديه إلى الأرض. فقال السائب: لأمر ما صوّر هذا الظبي هكذا، إن له لشأنا. فأمر بحفر الموضع الذي الإشارة إليه، فأفضى إلى حوض من الرخام فيه سفط جوهر. فأخذه السائب وخرج به إلى عمر ﵁. «٤٠» - لما أراد ابن الزبير المبايعة قال: بايعوني، فقام إليه عبد الله بن مطيع فقال: ابدأ فادع أبناء المهاجرين والأنصار قبل. فقال ابن الزبير: ادع عبيد الله بن علي بن أبي طالب. فقال أعرابي كان في ناحية المسجد: والله لا تتم له بيعة أبدا، أليس قد دعا عبد الله بن مطيع فأبى. «٤١» - حدث مصعب بن عبد الله الزبيري عن رجل قال: شردت لنا إبل فأتيت حليسا الأسدي فسألته عنها، فقال لبنت له: خطّي، فخطت ونظرت ثم تقبضت وقامت منصرفة. فنظر حليس في خطها فضحك وقال: أتدري لم قامت؟ قلت: لا: قال: رأت أنك تجد إبلك وأنك تتزوجها، فاستحيت فقامت. فخرجت فأصبت إبلي ثم تزوجتها بعد. «٤٢» - قال شريح بن الأقعس العنبري: عزبت لي إبل فأتيت رجلا من بني أسد فقلت: انظر لي، فخطط خطوطا ثم نظر فقال: تصيب إبلك وتذهب أحدى عينيك وتتزوج امرأة أشرف منك. قال: فخرجت وما شيء أبغض إليّ من أن أصيب إبلي ليكذب في ما قال؛ فأتيت الكناسة فأصبت إبلي، وخرجت مع الأشعث فأصيبت عيني، وحججت مع ابنة قيس بن الحسحاس العنبري، فقالت لي مولاة لها: هل لك أن تتزوج مولاتي؟ قلت: وددت، قالت: فاخطبها إذا قدمت، ففعلت فأبوا فلم أزل حتى زوجونيها.

стр. 3082

«٤٣» - ولّى يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد بن العاص مكة والمدينة والطائف. فقدم المدينة في شهر رمضان من سنة ستين قبيل العتمة، فصلّى العتمة بالناس فقرأ: لم يكن وإذا زلزلت الأرض. فلما أصبح خرج إلى الناس وعليه قميص أحمر ورداء أحمر وعمامة حمراء، فرماه الناس بأبصارهم، فقال: يا أهل المدينة ما لكم ترمونا بأبصاركم كأنكم تريدون أن تغزوا بنا سيوفكم [١] ، أنسيتم ما فعلتم؟ أما لو أنّا ننقم منكم في الأولى ما عدتم في الثانية. أغرّكم أن قتلتم عثمان فوجدتم بعده ثائرا [٢] حليما ومسنا مأمونا قد فني غضبه وذهبت أذاته. فاغنموا أنفسكم فقد وليناكم بالشابّ المقتبل البعيد الأمل، قد اعتدل جسمه، واشتد عظمه، ورمى الدهر ببصره، واستقبله ببأسه، فهو إن عضّ نهش وإن وطئ فرس، لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا. فرعف وهو يتكلم، فألقى إليه رجل عمامة فمسح بها فقال رجل من خثعم: دم على منبر في عمامة وقال: فتنة عمّت وعلا ذكرها وربّ الكعبة، فكانت الفتنة المشهورة. «٤٤» - لما بنى عبيد الله بن زياد داره البيضاء بالبصرة، بعد قتله الحسين بن علي ﵉، صوّر على بابها رؤوسا مقطّعة، وصوّر في دهليزها أسدا وكبشا وكلبا، وقال: أسد كالح، وكبش ناطح، وكلب نابح. فمر بالباب أعرابي فرأى ذلك فقال: أما إن صاحبها لا يسكنها إلا ليلة لا تتم. فرفع الخبر إلى ابن زياد فأمر بضرب الأعرابي وحبسه. فما أمسى حتى قدم رسول ابن الزبير إلى وجوه أهل البصرة في أخذ البيعة، ودعا الناس إلى طاعته فأجابوه، ووثبوا بابن

стр. 3083

زياد من ليلتهم، ونذر بهم فهرب من داره في ليلته تلك، واستجار بالأزد فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم وبين تميم بسببه، وألحقوه بالشام. وكسر الحبس وأخرج الأعرابي، وكان من قتل ابن زياد بالخازر ما كان. [من الفراسة] «٤٥» - من الفراسة: يقولون: عظم الجبين يدلّ على البله، وعرضه على قلة العقل، وصغره على لطف الحركة، واستدارته على الغضب؛ والحاجبان إذا اتصلا على استقامة دلا على تخنيث واسترخاء، وإذا تزجّجا منحدرين إلى طرف الأنف دلا على لطف وذكاء، وإذا تزجّجا نحو الصدغين دلا على طنز واستهزاء؛ والعين إذا كانت صغيرة الموق دلّت على سوء خلة وخبث شمائل، وإذا وقع الحاجب على العين دلّ على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها دليل فطنة وحسن خلق ومروءة، والناتئة على اختلاط عقل، والغائرة على حدّة، والتي يطول تحديقها على قحة وحمق، والتي يكثر طرفها على خفة وطيش؛ والشّعر على الأذن يدلّ على جودة السمع؛ والأذن الكبيرة المنتصبة تدلّ على حمق وهذيان. «٤٦» - كانت الفرس تقول: إذا فشا الموت في الخنازير دل على عموم العافية في الناس. وإذا فشا في الوحش أصابهم ضيقة، وإذا فشا في الفأر دلّ على الخصب؛ وإذا كثر نقيق الضفادع وقع موتان؛ وإذا نعب غراب فجاوبته دجاجة عمّ الخراب، وإذا قوّقت دجاجة فجاوبها غراب خرب العمران، وإذا نزا ديك على تكأة رجل نال شرفا ونباهة، وإذا نزت عليها دجاجة فبالعكس، والدجاجة يتفاءل بذكرها. ٤٧- حكي أنه لما ولد لسعيد بن العاص عنبسة، قال سعيد لابنه يحيى: أي شيء تنحله؟ قال: دجاجة بفراريجها، وإنما أراد احتقاره بذلك لأن أمّه كانت أمّة. فتفاءل سعيد وقال: إن صدق الطير ليكوننّ أكثركم ولدا. وكان كما تفاءل،

стр. 3084

وولده كثير بالمدينة والكوفة. ٤٨- والعرب تتطير بالعطاس. قال الشاعر: [من الكامل] أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع ٤٩- كان ببغداد كاتب أديب ظريف، إلا أنه لم يستكتبه أحد إلا سلّط عليه الدمار، فتحاموه تطيرا منه. فطلب نصر بن منصور بن بسام كاتبا فاضلا فقيل: أصبناه لك لولا، قال: وما لولا؟ قيل: هو مشؤوم، قال: لا عدوى ولا طيرة، ائتوني به. فبرّه واستكتبه، فما مضت أيام إلى أن برسم نصر ومات. فقال ابن عائشة فيه: [من السريع] آخر قتلاه إذا حصّلوا ... نصر بن منصور بن بسّام وكان بالسيف يلاقيهم ... فصار يلقاهم ببرسام «٥٠» - ونظيره سعد حاجب عبيد الله، قال فيه البحتري: [من الكامل] يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة ... كلّ عليه منك وسم لائح وبدأت تخدم رابعا لتبيره ... ارفق به فالشيخ شيخ صالح يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح [من التفاؤل] «٥١» - تفاءل هشام بن عبد الملك باسم نصر بن سيار فولاه خراسان، فزال أمر بني أمية في ولايته. «٥٢» - ولما طلب عامر بن إسماعيل مروان بن محمد اعترضه بالفيّوم قوم من العرب، فسأل رجلا: ما اسمك؟ قال: منصور بن سعد وأنا من سعد العشيرة،

стр. 3085

فتبسم تفاؤلا به واستصحبه، فظفر بمروان تلك الليلة. «٥٣» - قال بشير غلام حرب الراوندي للمنصور يوم قتل أبي مسلّم: يا أمير المؤمنين، رأيت اليوم ثلاثة أشياء تطيّرت لأبي مسلّم منها، قال: وما ذاك؟ قال: ركب فوقعت قلنسوته عن رأسه، قال: الله أكبر، تبعها والله رأسه يا بشير؛ قال: وكبا به فرسه، قال: الله أكبر، كبابه والله جدّه وأصلد زنده؛ قال: وقال إني مقتول وإنما أخادع نفسي. فإذا رجل ينادي في الصحراء يقول لآخر: اليوم آخر الأجل بيني وبينك، قال: الله أكبر، ذهب أجله وانقطع من الدنيا أثره. ٥٤- شاعر: [من الطويل] وسمّيته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل تيمّمت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه يفيل

стр. 3086

نوادر من هذا الباب ٥٥- كان حارثة الضمري صديقا لعبد الملك بن مروان، وخرج مع ابن الزبير، فلما قتل ابن الزبير استأمن الناس وأحضر حارثة، فقال له عبد الملك: كنت مني بحيث علمت، فأعنت ابن الزبير. قال: يا أمير المؤمنين، هل رأيتني في حرب أو سباق أو اتصال إلا والفئة التي أنا فيها مغلوبة، وإنما خرجت مع ابن الزبير لتغلبه بي على رسمي. فضحك عبد الملك وقال: والله كذبت! ولكن عفوت عنك. «٥٦» - كان عمير الكاتب قبيح الوجه جدا، فلقي دعبلا يوما بكرة وقد خرج لحاجة. فلما رآه دعبل تطيّر من لقائه فقال فيه: [من الوافر] خرجت مبكرا من سرّ من را ... أبادر حاجة فإذا عمير فلم أثن العنان وقلت أمضي ... لأنك يا عمير خرا وخير «٥٧» - كرهت أم جعفر أصواتا من الغناء القديم فأرسلت رسولا لها يلقيها في البحر، ثم غنتها بعد ذلك جارية لها: [من الوافر] سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام فقالت: هذا أرسلوا به رسولا واحدا إلى دهلك ليلقيه في البحر خاصة. وإنما فعلت أمّ جعفر هذا تطيرا على ابنها أيام محاربته المأمون. والأصوات: [من الطويل]

стр. 3087

هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه [من الطويل] : كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدم [من الطويل] : رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادره [من الطويل] : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض [من الخفيف] : أزجر العين كي تبكّي الطلولا ... إن في القلب من كليب غليلا ٥» - خلع المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات في أول خلافته فاجتاز في الخلع بيزدن الكاتب، فقال يزدن: [من الكامل المرفل] جاء الشقيّ بخلعة البكر ... كالهدي جلّل ليلة النحر لا تم شهر بعد خلعته ... حتى تراه طافي الجمر «٥٩» - ذكر أن عبد الرحمن بن عنبسة مر يوما فإذا هو بغلام أصحّ الغلمان وأحسنهم، ولم يكن لعبد الرحمن ولد. فسأل عنه فقيل له: يتيم من أهل الشام، قدم أبوه العراق في بعث فقتل، وبقي الغلام هاهنا. فضمه ابن عنبسة إليه وتبنّاه فوقع الغلام في ما شاء من الدنيا. ومرّ يوما على برذون ومعه خدم على حمزة بن بيض، وحول ابن بيض عياله في يوم شات، وهم شعت غبر عراة، فقال ابن بيض: من هذا؟ فقيل يتيم ابن عنبسة، وكان اسمه صدقة،

стр. 3088

فقال: [من المنسرح] تشعّث صبياننا وما يتموا ... وأنت صافي الأديم والحدقه فليت صبياننا إذا يتموا ... يلقون ما قد لقيت يا صدقه عوّضك الله من أبيك ومن ... أمّك في الشام بالعراق مقه كفاك عبد الرحمن فقدهما ... فأنت في كسوة وفي نفقة تظل في درمك وفاكهة ... ولحم طير ما شئت أو مرقه تأوي إلى حاضن وحاضنة ... زادا على والديك في الشفقه فكل هنيئا ما عاش ثم إذا ... مات فلغ في الدماء والسرقه وخالف المسلمين قبلتهم ... وضلّ عنهم وخادن الفسقة واستر بهذا التليل ذا خصل ... لصوته في الصهيل صهصلقه واقطع عليه الطريق تلق غدا ... ربّ دنانير جمة ورقه فلما مات عبد الرحمن أصابه ما قال ابن بيض أجمع من الفساد والسرقة وصحبة اللصوص، ثم كان آخر ذلك أنه قطع الطريق وصلب. «٦٠» - وخرج حمزة بن بيض يريد سفرا فاضطره الليل إلى قرية عامرة كثيرة الأهل والمواشي من الشاء والبقر، كثيرة الزرع، فلم يصنعوا به خيرا، فغدا عليهم وقال: [من الكامل] لعن الإله قرية يممتها ... فأضافني ليلا إليها المغرب الزارعين وليس لي زرع بها ... والحالبين وليس لي ما أحلب فلعل ذاك الزرع يردي أهله ... ولعل ذاك الشاء يوما يجرب ولعل طاعونا يصيب علوجها ... ويصيب ساكنها الزمان فتخرب فلم يمرّ بتلك القرية سنة حتى أصابهم الطاعون فباد أهلها وخربت. فمر بهم ابن

стр. 3089

بيض فقال: زعمتم أني لا أعطى أمنيتي؟ قالوا: وأبيك لقد أعطيتها، فلو كنت تمنيت الجنة لكان خيرا لك. قال: أنا أعلم بنفسي، لا أتمني ما لست له بأهل، ولكني أرجو رحمة ربي. «٦١» - تراءى المأمون بهلال شهر رمضان وأخوه أبو عيسى معه، فقال أبو عيسى: [من الطويل] دهاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الإمام بقدرة ... لاستعديت جهدي على الشهر فناله بعقب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله. «٦٢» - خرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد، فأول من استقبله أعور فأمر بحبسه وضربه، ثم خرج وتصيّد صيدا كثيرا. فلما عاد استدعى الأعور وأمر له بصلة؛ فقال الأعور: لا حاجة لي في صلتك، ولكن إيذن لي في الكلام، فقال: تكلم، فقال: تلقيتني فضربتني وحبستني، وتلقيتك فصدت وسلمت فأينا أشأم؟ فضحك وخلاه. والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

стр. 3090

الباب السابع والثّلاثون ما جاء في اليسر بعد العسر والرخاء بعد الضرّ

стр. 3091

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وما توفيقي إلا بالله) الحمد لله مرسل الرياح ومنشئها، ومحيي العظام الرّميم ومنشرها، ومسهّل الأمور بعد العسر وميسّرها، ومصرّف الأقدار على من يشاء ومدبّرها؛ جعل من كل ضيق وحرج مخرجا، ولكل كرب وهمّ فرجا، عقّب من الكره خيرا كثيرا، وكان أكرم عاقب، ولم يجعل البلاء علينا ضربة لازب. أحمده على تصرّف بلواه، وأشهد أن لا إله سواه، وأن محمدا رسوله الأمين، أيّده بالكتاب المبين، وأمدّه بالأنصار والمهاجرين، فآمنوا به ونصروه، وجاهدوا معه وعزّروه، وكانوا مفاتيح الإيمان والتصديق، وفي كل ملحمة فكاكا لحلق المضيق، صلّى الله عليه وعليهم ما طرد عسرا يسر ونفى، وقبل كريم صفوح عذرا وعفا.

стр. 3092

(الباب السابع والثلاثون ما جاء في اليسر بعد العسر، والرخاء بعد الضر) [آيات وأحاديث] ممّا يليق بهذا الباب من كتاب الله : سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (الطلاق: ٧) وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ (الشورى: ٢٨) وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ (يوسف: ١١٠) وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ... فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ (الأعراف: ٥٧) . «٦٣» - ومن أخبار الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «اشتدّي أزمة تنفرجي» . «٦٤» - وممّا ينسب إلى كلامه ﷺ قوله لعلي ﵇: «إن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا» . «٦٥» - وقال ﵇ لحبّة وسواء ابني خالد: «لا تيئسا من روح الله ما تهزّزت رؤوسكما» ، فإن أحدكم يولد أحمر لا قشر عليه ثم يكسوه الله ويرزقه» .

стр. 3093

«٦٦» - وقال علي ﵇: عند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء. [من كلام الحكماء والشعراء] «٦٧» - ومن كلام الحكماء: إن تيقنت لم يبق الهم. «٦٨» - وأنشد أبو حاتم: [من الوافر] إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطئت المكاره واطمأنّت ... وأرست في مكامنها الخطوب ولم ير لانكشاف الضّرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث ... يمنّ به اللطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فمقرون بها فرج قريب «٦٩» - وقال عبد الله بن الزبير الأسدي: [من البسيط] لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أحزّ على ما فاتني الودجا ولا نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا «٧٠» - وقال محمد بن بشير: [من البسيط] إن الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا «٧١» - آخر: [من المنسرح] يا قارع الباب ربّ مجتهد ... قد أدمن القرع ثم لم يلج

стр. 3094

فاطو على الهمّ كشح مصطبر ... فآخر الهمّ أول الفرج «٧٢» - أنشد إبراهيم بن العباس قول الشاعر: [من الخفيف] ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال فقال إبراهيم بديهة: [من الكامل] ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج [حكايات في الخروج من الشدة] «٧٣» - فممّن خرج من شدته ما روي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى صالح بن عبد الله المري، عامله على المدينة، أن ابرز الحسن بن الحسن بن علي- وكان محبوسا- واضربه في مسجد رسول الله ﷺ خمسمائة سوط. فأخرجه إلى المسجد واجتمع الناس، وصعد صالح ليقرأ عليهم الكتاب ثم ينزل فيأمر بضربه. فبينا هو يقرأ الكتاب إذ جاء علي بن الحسين ﵇، فأفرج له الناس حتى انتهى إلى الحسن، فقال: يا ابن عمّ! ما لك! ادع الله تعالى بدعاء الكرب يفرّج الله عنك، فقال: ما هو يا ابن عمّ؟ قال: قل لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. قال: وانصرف علي وأقبل الحسن يكررها، فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب نزل، قال: أرى سحنة رجل مظلوم؛ أخّروا أمره، وأنا أراجع أمير المؤمنين في أمره، ثم أطلق بعد أيام. ٧٤- وروي أن عبد الله بن العباس ﵄ قال: علّمت دعاء الكرب في منامي، وهو: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين، فإن لكل

стр. 3095

مسألة عندك جوابا عتيدا وسمعا حاضرا، وإنّ عندك لكل صاحب علما محيطا، أسألك بأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، أن تفعل بي كذا وكذا. ٧٥- وجد في كنيسة للنصارى بالشام بين الصور مكتوب: يقول صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، نزلت هذه الكنيسة يوم كذا من شهر كذا من سنة ثماني عشرة ومائة، وأنا مكبّل بالحديد محمول إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك: [من البسيط] ما سدّ باب ولا ضاقت مذاهبه ... إلا أتاني وشيكا بعده ظفر فبعد أربع عشرة سنة نزل صالح بتلك الكنيسة محاربا لمروان بن محمد، فكان من ظفر بني هاشم ببني مروان ما كان. «٧٦» - قال الربيع: لما حبس المهديّ موسى بن جعفر رأى في النوم عليا ﵊ وهو يقول: يا محمد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (محمد: ٢٢) قال الربيع: فأرسل إليّ ليلا فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتا. فعرّفني خبر الرؤيا وقال: عليّ بموسى بن جعفر، فجئته به، فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال: يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين قرأ عليّ كذا، أفتؤمّنني أن تخرج عليّ أو على أحد من ولدي؟ فقال: والله ما ذاك من شأني. قال: صدقت، يا ربيع! أعطه ثلاثة آلاف دينار وردّه إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا على الطريق خوف العوائق. «٧٧» - قال أبو الزبير المنذر بن عمرو- وكان كاتبا للوليد بن يزيد-: أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فقال: يا أبا الزبير، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة، عرضت لي أمور وحدثت نفسي فيها

стр. 3096

بأمور، وهذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركب وسرت معه، فسار ميلين ووقف على تل، فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج قد أقبل، وسمع قعقعة البريد، فقال: أعوذ بالله من شرّ هشام، وقال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحيّ أو ملك عاجل؛ فقلت: لا يسؤك الله أيها الأمير، بل يسرّك ويبقيك؛ إذ بدا رجلان على البريد مقبلان، أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب، فلما قربا أتيا الوليد يعدوان حتى سلّما عليه بالخلافة، فوجم، وجعلا يكرران التسليم عليه بالخلافة، فقال: ويحكما ما الخبر؟ أمات هشام؟ قالا: نعم، فقال: مرحبا بكما! ما معكما؟ قالا: كتاب سالم مولاك. فقرأ الكتاب وانصرفنا. وسأل عن عياض بن مسلّم كاتبه الذي كان هشام حبسه وضربه، فقالا: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام امر الله تعالى. فلما صار إلى حال لا ترجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنّ أحد إلى شيء. فأفاق هشام إفاقة، فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد؛ وقضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب والخزائن؛ وأمر بهشام فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفّنوه من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام، ولم يجدوا قمقما حتى استعاروه. [أسفار فى الاتساع بعد الضيق] «٧٨» - إسماعيل بن يسار: [من البسيط] وكل كرب وإن طالت بليّته ... يوما تفرّج غمّاه وتنكشف «٧٩» - وقال عبيد الله بن الحرّ الجعفي: [من البسيط] الأمن والخوف أيام مداولة ... بين الأنام وبعد الضيق متّسع

стр. 3097

«٨٠» - وقال مسكين الدارمي: [من البسيط] لم يجعل الله قلبي حين ينزل بي ... همّ يضيقني ضيقا ولا حرجا ما أنزل الله بي أمرا فأكرهه ... إلا سيجعل لي من بعده فرجا «٨١» - وقال آخر: [من الطويل] وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنة إلا سيتبعها يسر فلا تقتلنّ النفس همّا وحسرة ... فحشو الليالي إن تأمّلتها غدر [أخبار ابن مفرغ الحميري] «٨٢» - هجا يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري بني زياد في قصة كانت بينهم طويلة، وهرب منهم إلى معاوية بعد أن كان عبّاد بن زياد قد حبسه بخراسان. فردّه معاوية إلى عبيد الله بن زياد، وقال: اشف نفسك منه بما يشدّ سلطانك ولا تتجاوز إلى نفسه، واعلم أنها عزمة مني. فسقاه عبيد الله نبيذا حلوا قد خلط بالشبرم حتى سلح، وقرن به هرّا وخنزيرا وطاف به في السواق، وجعل يسلح والصبيان يصيحون وراءه؛ ثم أنفذه إلى أخيه عبّاد بخراسان. وكان ابن مفرغ، حيث هجاهم وتنقل من خوفه منهم، يكتب هجاءهم على أبواب القرى التي ينزلها؛ فأمر الموكلين الذين معه أن يلزموه بحك تلك الكتابة بأظفاره، فكان يفعل ذلك حتى ذهبت أظفاره، فكان يمحو بعظام أصابعه ودمه يسيل؛ ومنعه أن يصلّي إلى الكعبة وألزمه الصلاة إلى قبلة النصارى للمشرق، وسلّمه الموكلون إلى عباد فحبسه وضيق عليه. فذلك قول ابن مفرغ: [من الطويل] قرنت بخنزير وهرّ وكلبة ... زمانا وشان الجلد ضرب مشرّب وجرّعتها صهباء في غير لذّة ... تصعّد في الجثمان ثم تصوّب

стр. 3098

وأطعمت ما لا إن يحل لآكل ... وصليت شرقا بيت مكة مغرب فلو أن لحمي إذ هوى لعبت به ... كرام الملوك أو أسود وأذؤب لهوّن وجدي أو لزلّت بصيرتي ... ولكنما أودت بلحمي أكلب أعبّاد ما للّؤم عنك محوّل ... ولا لك أمّ في قريش ولا أب وقل لعبيد الله ما لك والد ... بحقّ ولا يدري امرؤ [١] كيف تنسب فلما طال مقام ابن مفرغ في السجن، استأجر رسولا إلى دمشق وقال له: إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق، ثم اقرأ هذين البيتين بأرفع ما يمكنك من صوت. وكتب له في رقعة وهما: [من البسيط] أبلغ لديك بني قحطان قاطبة ... عضّت بأير أبيها سادة اليمن أضحى دعيّ زياد فقع قرقرة ... يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن ففعل الرسول ما أمره به. فحميت اليمانية وغضبوا له، ودخلوا على معاوية فسألوه فيه، فدافعهم عنه، فقاموا غضابا، وعرف ذلك في وجوههم، فردهم ووهبه لهم، ووجه رجلا من بني أسد يقال له حجام [٢] بريدا إلى عبّاد، وكتب له عهدا وأمره أن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرغ ويطلقه قبل أن يعلم عبّاد بما قدم له فيغتاله. ففعل ذلك، فلما خرج من الحبس قرّبت له بغلة من بغال البريد فركبها وقال: [من الطويل] عدس! ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق وإن الذي نجّى من الكرب بعد ما ... تلاحم في درب عليك مضيق أتاك بحجام فأنجاك فالحقي ... بأرضك لا يحبس عليك طريق لعمري لقد أنجاك من هوّة الردى ... إمام وحبل للإمام وثيق

стр. 3099

سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ... ومثلي لشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى، وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلّم قط على غير حدث في الإسلام، ولا خلع يد من طاعة ولا جرم، فقال: ألست القائل: [من الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زان فاشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان واشهد أنها ولدت زيادا ... وصخر من سميّة غير دان فقال: والذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين، ما قلته، ولقد بلغني أن عبد الرحمن ابن الحكم قاله ونسبه إليّ، قال أفلم تقل: [من الوافر] شهدت بأن أمّك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمر فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع أولست القائل: [من المنسرح] إن زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب إن رجالا ثلاثة خلقوا ... في رحم أنثى وكلّهم لأب ذا قرشي كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه [١] عربي في أشعار كثيرة قلتها في زياد وبنيه؟ اذهب فقد عفوت عن جرمك، ولو إيانا تعامل لم يكن شيء ممّا كان، فاسكن أيّ أرض أحببت. فاختار الموصل فنزلها. [مسلم بن الوليد في دكان خياط] «٨٣» - قال مسلّم بن الوليد: كنت يوما جالسا في دكان خياط بازاء منزلي إذ

стр. 3100

رأيت طارقا بابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قمّ، فسررت به، وكأنّ انسانا لطم وجهي لأنه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه. فقمت فسلّمت عليه وأدخلته منزلي، وأخذت خفّين كانا لي أتجمّل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، وكتبت معها إلى بعض معارفي في السوق أساله أن يبيع الخفين ويشتري لحما وخبزا بشيء سميته. فمضت الجارية وعادت إليّ وقد اشترت ما حددته لها [١] وقد باع الخف بتسعة دراهم، وكانت كأنها [٢] جاءتني بخفين جديدين. فقعدت أنا وضيفي نطبخ وسألت جارا أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجه بها إليّ، وأمرت الجارية أن تغلق الباب. فإنا لجالسان نطبخ حتى طرق الباب طارق، فقلت للجارية: انظري من هذا. فنظرت من شقّ الباب، فإذا رجل عليه سواد وشاشيّة ومنطقة ومعه شاكريّ؛ فخبرتني بموضعه فأنكرت أمري، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: لست بصاحب دعارة ولا للسلطان عليّ سبيل. ففتحت الباب وخرجت إليه، فنزل عن دابته وقال: أنت مسلّم؟ فقلت: نعم. قال: كيف لي بمعرفتك؟ قلت: الذي دلّك إلى منزلي يصحّح لك معرفتي، فقال لغلامه: امض إلى الخياط فاسأله عنه. فمضى إليه فسأله عني فقال: نعم هو مسلّم بن الوليد. فأخرج لي كتابا من خفّه وقال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إليّ يأمرني ألا أفضّه إلا عند لقائك. فإذا فيه: إذا لقيت مسلّم ابن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم التي أنفذتها تكون له في منزله، وادفع إليه ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمّل بها إلينا. فأخذت الثلاثة آلاف والعشرة آلاف ودخلت إلى منزلي، والرجل معي. فأكلنا ذلك الطعام، وأزددت منه ومن الشراب، واشتريت فاكهة واتّسعت ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هدية لعياله. وأخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا بالرقة إلى باب يزيد بن مزيد. فدخل الرجل فإذا هو أحد حجابه، فوجده في الحمام، فخرج

стр. 3101

إليّ فجلس معي. ثم خرج الحاجب فأدخلني إليه، فإذا هو على كرسي جالس وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة ومشط يسرح لحيته. فقال لي: يا مسلّم، ما الذي أبطأ بك عنّا؟ فقلت له: أيها الأمير قلة ذات اليد. فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها: [من البسيط] أجررت حبل خليع في الصبا غزل فلما صرت إلى قولي: [من البسيط] لا يعبق الطيب خديه ومفرقه قال للجارية: انصرفي فقد حرّم مسلّم علينا الطيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلّم، أتدري ما الذي حداني على أن وجهت إليك؟ قلت: لا والله ما أدري. فقال: كنت عند الرشيد منذ ليال أغمّز رجليه إذ قال: يا يزيد من القائل فيك: [من البسيط] سلّ الخليفة سيفا من بني مطر ... يمضي فيخترم الأجسام والهاما كالدهر لا ينثني عما يهمّ به ... قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما فقلت: لا والله ما أدري، فقال الرشيد: يا سبحان الله! إنك مقيم على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر ولا تدري من قائله؟ فسألت عن قائله فأخبرت أنك أنت هو؛ فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين. ثم قام فدخل إلى الرشيد، فما علمت حتى خرج عليّ الآذن، فأدخلت على الرشيد فأنشدته ما لي فيه من الشعر، فأمر لي بمائتي ألف درهم. فلما انصرفت إلى يزيد أمر لي بمائة وتسعين ألفا وقال لي: لا يجوز لي أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين، وأقطعني اقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم. [حكايات متنوعة] «٨٤» - قال المستعين: كان المنتصر قد جعلني في ناحية أخيه موسى

стр. 3102

الأحدب، وكان لأبيه وأمه وأحسن إلي. فلما قتل اغتممت ورأيت موسى مسرورا طامعا في الخلافة، فانصرفت إلى بيتي مغموما. فطرقني رسول أو تامش، ففزعت لذلك، وودعت أمي وخرجت مع جماعة من الموالي، حتى أدخلت إلى حجرة، وجاءني كاتب أو تامش، فسكّن مني وجعل يؤنسني ويخدمني [١] ، فأصبحت صائما، وأخرجوني في عشية ذلك اليوم فبايعوني. «٨٥» - قال الوضاح بن خيثمة: لما ولي عمر بن عبد العزيز أمرني فحبست يزيد بن أبي مسلّم، فلما مات عمر ولي يزيد بن أبي مسلّم افريقية ونذر دمي. وكنت أتخبا منه، فوقّعت في يده، فقال: طال والله ما نذرت دمك. فقلت: وأنا والله طال ما استعذت بالله منك، قال: فلا والله ما أعاذك الله مني، والله لو أن ملك الموت سابقني إلى قبض روحك لسبقته. قال: فأمر بي فكتفت ووضعت في النطع، وقام السياف وأقيمت الصلاة للعصر وقام يصلّي، فما فرغ من صلاته حتى قطّع [٢] إربا إربا، وحلّ [٣] كتافي، وقالوا: انطلق. قيل: وكان سبب قتله أن جنده كانوا من البربر، فوسم في يدي كل واحد في إحدى يديه حرسي وفي الأخرى اسم الرجل؛ فأنفوا من ذلك فوثبوا عليه فقتلوه. «٨٦» - قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي: رأيت النبي ﷺ في النوم ذات ليلة وهو يقول: أطلق القاتل. فارتعت لذاك ودعوت بالشموع ونظرت في الكتب الواردة لأصحاب السجون، فلم أجد كتابا فيه ذكر قاتل، فأمرت باحضار السندي وعياش، وسألتهما هل رفع إليهما أحد ادعي عليه القتل؟

стр. 3103

فقال لي عياش: نعم، وقد كتبنا بخبره. فأعدت النظر فوجدت الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا الرجل قد شهد عليه بالقتل وأقر به. فأمرت باحضاره، فلما رأيت ما به من الارتياع قلت له: إن صدقتني أطلقتك. فانبرى يحدثني، وذكر أنه كان هو وعدة من أصحابه يرتكبون كلّ عظيمة ويستحلون كل محرّم، وأنه كان اجتماعهم في منزل بمدينة أبي جعفر المنصور يعكفون فيه على كل بليّة؛ فلما كان هذا اليوم جاءتنا عجوز كانت تختلف للفساد ومعها جارية بارعة الجمال، فلما توسطت الجارية الدار صرخت صرخة عظيمة ثم أغمي عليها؛ فلما أفاقت قالت: الله! الله في! فإن هذه العجوز خدعتني وأعلمتني أن في جيرانها قوما لهم حقّ عظيم لم يكن مثله، وشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسول الله ﷺ ، وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي، فاحفظوهم فيّ! قال: فكأنها أغرتهم بنفسها. فقمت دونها ومنعت منها، وقاتلت من أرادها، ونالتني جراحات أظهرها فرأيتها، قال: وعمدت إلى أشدّهم كان في أمرها، فقتلته وخلّصت الجارية آمنة ممّا خافته؛ فسمعتها تقول: سترك الله كما سترتني، وكان لك كما كنت لي! وسمع الجيران فدخلوا إلينا، والرجل متشحط بدمائه، والسكين في يدي، فرفعت على هذه الحال. قال إسحاق: فقلت له قد وهبتك لله ورسوله، قال: فوحق الذي وهبتني لهما لا عاودت معصية ولا دخلت في ريبة أبدا. «٨٧» - أمر الحجاج باحضار رجل من السجن، فلما حضر أمر بضرب عنقه، فقال: يا أيها الأمير أخّرني إلى غد، قال: وأي فرج لك في تأخير يوم واحد؟ ثم أمر برده إلى السجن. فسمعه الحجاج وهو يذهب به إلى السجن يقول: [من الطويل]

стр. 3104

عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر فقال الحجاج: والله ما أخذه إلا من كتاب الله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (الرحمن: ٢٩) وأمر باطلاقه. «٨٨» - قال بعض جلساء المعتمد: كنا بين يديه ليلة، فحمل عليه النبيذ، فجعل يخفق نعاسا، وقال: لا تبرحوا أنتم. ثم نام مقدار نصف ساعة، وانتبه كأنه ما شرب شيئا، فقال: أحضروني ممّن في الحبس رجلا يعرف بمنصور الجمال، فأحضر فقال: مذ كم أنت في السجن محبوس؟ قال: منذ ثلاث سنين؛ قال: فاصدقني عن خبرك؛ قال: أنا رجل من أهل الموصل كان لي جمل أحمل عليه وأعود بأجرته على عائلتي، فضاق المكسب بالموصل عليّ، فقلت أخرج إلى سر من رأى فإن العمل ثمّ أكثر؛ فخرجت فلما قربت منها إذا جماعة من الجند قد ظفروا بقوم يقطعون الطريق، وكتب صاحب البريد بخبرهم وكانوا عشرة، فأعطاهم واحد من العشرة مالا على أن يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مكانه، وأخذوا جملي، فسألتهم بالله ، وعرفتهم خبري فأبوا وحبسوني معهم، فمات بعض القوم وأطلق بعضهم وبقيت وحدي. فقال المعتمد: أحضروني خمسمائة دينار، فجاءوا بها، فدفعها إليه وأجرى له ثلاثين دينارا في كل شهر، وقال: اجعلوا إليه أمر جمالنا. ثم أقبل علينا وقال: رأيت الساعة النبي ﷺ في النوم، وقال لي: يا أحمد وجّه الساعة إلى الحبس فأخرج منصورا الجمال فإنه مظلوم، وأحسن إليه. ففعلت ما رأيتم، ثم نام. «٨٩» - قال المدائني: أرسل زياد إلى رجل من بني تميم من قعدة الخوارج، فاستدعاه فجاءه خائفا. فقال له زياد: ما منعك من إتياني؟ قال: قدمت علينا فقلت: إني لا أعدكم خيرا ولا شرا إلا وفيته وأنجزته، وقلت من كفّ يده ولسانه

стр. 3105

لم أعرض إليه؛ وكففت يدي ولساني وجلست في بيتي. فأمر له بصلة. فخرج إلى الناس ومعه الجائزة، وهم يتوقعون خروجه مقتولا. فقالوا: ما قال لك الأمير؟ فقال: ما كلكم أستطيع أن أخبره ما كان بيننا، ولكن وصلت إلى رجل لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فرزق الله منه خيرا. [الرشيد ورجل من بني أمية] «٩٠» - حدث منارة صاحب الخلفاء قال: رفع إلى هارون الرشيد أنّ بدمشق رجلا من بقايا بني أمية عظيم الجاه، واسع الحال، كثير المال والأملاك، مطاعا في البلد، له جماعة أولاد ومماليك وموال يركبون الخيل ويحملون السلاح ويغزون الروم، وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة، وأنه لا يؤمن منه فتق يتعذّر رتقه، فعظم ذلك على هارون. قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا إذ هو بالكوفة في بعض خرجاته إلى الحج، وقد عاد من الموسم وبايع لأولاده، فدعاني وهو خال فقال لي: قد دعوتك لأمر يهمني، وقد منعني النوم، فانظر كيف تعمل وكيف تكون. ثم قص عليّ خبر الأموي، وقال: اخرج الساعة فقد أعددت لك الجمّازات وأزحت علّتك في الزاد والنفقة والآلات وضمّ إليك مائة غلام واخرج في النوبة، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، وهذه قيود إذا دخلت البلد فابدأ بالرجل. فان سمع وأطاع فقيده بها وجئني به، وإلا فتوكل أنت ومن معك به حتى لا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير البلد ليركب في جيشه، فاقبضوا عليه وجئني به؛ وقد أجّلتك لذهابك ستا ولعودك ستا ويوما لمقامك، وهذا محمل يجعل في شقّه إذا قيدته، وتقعد أنت في الشق الآخر، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك؛ فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها وولده وأهله وحاشيته وغلمانه وما يقولون، وقدّر النعمة والحال والمحلّ، واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف من ألفاظه منذ وقوع طرفك عليه إلى أن تأتيني به، وإياك أن يشذ عليك شيء من أمره.

стр. 3106

قال منارة: فخرجت فركبت الإبل وسرت على ما أمر لي إلى أن وصلت إلى دمشق في أول الليلة السابعة، وأبواب البلد مغلقة. فكرهت طروقها، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح من غد، فدخلت على هيئتي حتى أتيت باب دار الرجل، وعليه صفف عظيمة وحاشية كثيرة، فلم أستأذن ودخلت بغير إذن. فلما أن رأى ذلك القوم سألوا بعض من معي عني، فقالوا: هذا منارة رسول أمير المؤمنين الرشيد إلى صاحبكم، فسكتوا. فلما صرت في صحن الدار نزلت ودخلت مجلسا رأيت فيه قوما جلوسا، فظننت الرجل فيهم. فقاموا ورحبوا بي وأكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: لا، نحن أولاده وهو في الحمام. قلت: فاستعجلوه. فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والحال والحاشية، فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديدا. فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن أطال، فاشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى، إلى أن رأيت شيخا قد أقبل من الحمام يتمشى في الصحن وحوله جماعة كهول وأحداث حسان هم أولاده وغلمان كثير، فعلمت أنه الرجل. فجاء حتى جلس وسلّم عليّ سلاما خفيفا وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته، فأخبرته بما وجب. وما قضى كلامه حتى جاءوه بأطباق فاكهة، فقال لي: تقدم يا منارة، فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. فلم يعاودني وأكل هو والحاضرون عنده، ثم غسل يده، ودعا بالطعام فجاءوه بمائدة حسنة عظيمة لم أر مثلها إلا في دار الخليفة، فقال: تقدّم يا منارة، ساعدنا على الأكل. وهو لا يزيدني على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة. فامتنعت فما عاودني. وأكل هو وأولاده- وكانوا تسعة، عددتهم- وجماعة كثيرة من أصحابه وحاشيته وجماعة من أولاد أولاده، وتأملت أكله في نفسه، فوجدته أكل الملوك، ووجدت جأشه رابطا، وذلك الاضطراب الذي كان في داره قد سكن. ووجدته لا يرفع من بين يديه شيء قد جعل على المائدة إلا نهب. وقد كان غلمانه لما نزلت الدار أخذوا جمالي وغلماني فغدوا بهم إلى دار له فما أطاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي ليس بين يدي إلا خمسة أو ستة منهم

стр. 3107

كانوا وقوفا على رأسي. فقلت في نفسي هذا جبّار عنيد، فإن امتنع عليّ من الشخوص فأنا ومن معي هالكون. فجزعت ولا سبيل إلى إعلام أمير البلد، وإلى أن يلحقني أمير البلد لا أملك لنفسي دفع ضرر يريده بي، وذاك أني استربت باستخفافه بي، وتهاونه ودعائه لي باسمي، ولا يفكر في امتناعي من الأكل، ولا يسأل عما جئت له، بل أكل مطمئنا. وأنا أفكر في ذلك إذ فرغ من طعامه وغسل يده، ودعا ببخور فتبخّر، وقام إلى الصلاة فصلّى وطوّل، وأكثر من الدعاء والابتهال، ورأيت صلاته حسنة، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ وقال: ما أقدمك يا منارة؟ قلت: أمر لك من أمير المؤمنين. فأخرجت الكتاب ودفعته إليه ففضّه وقرأه، فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته، فاجتمع منهم خلق كثير، فلم أشكّ إلا أنه يريد أن يوقع بي، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا مغلظة، فيها الطلاق والحج والصدقة والوقف والحبس، إن اجتمع منهم اثنان في موضع واحد إلى أن ينكشف له أمر يعمل عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمصير إلى بابه، ولست أقيم بعد هذا ولا لحظة واحدة لأنظر في أمري مسارعة إلى أمره؛ فاستوصوا بمن ورائي من الحرم، وما بي حاجة إلى أن يصحبني غلام. هات أقيادك يا منارة. فدعوت بها وكانت في سفط، وأحضرت حدادا ومدّ ساقيه فقيدته، وأمرت غلماني حتى حصل في المحمل، وركبت في الشقّ الآخر، وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدثني بانبساط حتى انتهينا إلى بستان حسن بالغوطة. فقال لي: أترى هذا؟ قلت: نعم، قال: إنه لي، وفيه من غرائب الأشجار كيت وكيت، ثم انتهى إلى آخر فيه مثل ذلك، ثم انتهينا إلى قرى حسان سرية، فأقبل يقول: هذا لي، ويصف كل شيء من ذلك. فاشتدّ غيظي منه فقلت له: علمت أني شديد التعجب، قال: ولم تعجب؟ قلت: ألست تعلم أن أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك، وأخرجك عن جميع

стр. 3108

مالك وحيدا فريدا مقيدا، لا تدري إلى ما تصير إليه ولا كيف تكون، وأنت فارغ البال من هذا تصف بساتينك وقراك وضياعك، هذا بعد أن رأيتني قد جئت وأنت تعلم فيم جئت، بل أنت ساكن الجأش مطمئن القلب، ولقد كنت عندي شيخا فاضلا. فقال لي مجيبا: إنا لله وإنا إليه راجعون! أخطأت فراستي فيك، قدّرتك رجلا كامل العقل وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحلّ إلا بعد ما عرفوك بذلك، فإذا عقلك وكلامك يشبه كلام العوام وعقولهم، والله المستعان! أما قولك في أمير المؤمنين وازعاجه لي وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه فإني على ثقة بالله الذي بيده ناصية كلّ شيء، ولا يملك شيء لنفسه ضرّا ولا نفعا ولا لغيره إلا بإذن الله ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد فإذا عرف أمري وعرف سلامتي وصلاح ناصيتي، وأنّ الحسدة والأعداء رموني عنده بما لست في طريقته، وتقوّلوا عليّ الأكاذيب الباطلة، لم يستحلّ دمي وتحرّج من أذيّتي وازعاجي، فردّني مكرّما أو أقامني ببابه معظما. وإن كان قد سبق في علم الله تعالى أن تبدر إليّ منه بادرة من سوء وقد حضر أجلي، وحان سفك دمي على يده، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل الأرض والسماء على فوت ذلك وتزحزحه عني ما استطاعوه؛ فلم أتعجّل الهمّ والغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ منه؛ وإني أحسن الظنّ بالله الذي خلق ورزق، وأمات وفطر، وجبل وأحسن وأجمل؛ وقد كنت أظنّ أنّ مثلك يحسن ويعرف هذا؛ والآن قد عرفتك حق معرفتك، وعلمت حد فهمك، فإني لا أكلمك بعد هذا حتى تفرّق حضرة أمير المؤمنين بيني وبينك. ثم أعرض عني فما سمعت له لفظة بغير التسبيح والقرآن إلا طلب الماء أو حاجة تجري مجراه، حتى شارف الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر. وإذا النّجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسّسون خبري؛ فحين رأوني رجعوا عني متقدمين بالخبر إلى أمير المؤمنين. ودخلت إلى الرشيد فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت. قال: هات ما عندك، وإياك أن تغفل منه لفظة واحدة.

стр. 3109

فسقت الحديث من أوله إلى آخره، حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والطهور والبخور والصلاة، وما حدثت به نفسي من امتناعه، والغضب يظهر في وجهه ويتزايد، حتى انتهيت إلى فراغ الأموي من الصلاة والتفاته إليّ ومسألته إياي عن سبب قدومي، ودفعي الكتاب إليه، ومبادرته إلى أمر ولده وأسبابه وأهله وأصحابه وخدمه ألا يتبعه أحد منهم، وصرفه إياهم، ومدّ رجليه حتى قيدته. فما زال وجه الرشيد يسفر، فلما انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إياه، فقال: صدق والله! ما هذا إلا رجل محسود على النعمة مكذوب عليه؛ ولعمري لقد أزعجناه وآذيناه وأرعبناه وأرعبنا اهله، فبادر بنزع أقياده عنه، وأتني به. فخرجت فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد. فما هو أن رآه حتى رأيت الحياء يجول في وجه الرشيد. فدنا الأموي فسلّم بالخلافة ووقف، فردّ ﵇ ردا جميلا، وأمره بالجلوس فجلس. وأقبل عليه الرشيد يسائله عن حاله، ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة، وأمور أحببنا أن نراك معها، ونسمع كلامك فاذكر حاجتك، فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال: أما حاجتي فلا حاجة لي إلا واحدة. وقال: مقضية فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي، قال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من صلاح جاهك ومعاشك، فمثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: عمال أمير المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألة شيء من أمواله، وأموري منتظمة، وأحوالي مستقيمة، وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل دولة أمير المؤمنين، فلا استغنم ماله. فقال له الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، واكتب إلينا بأمر إن عرض لك. فودّعه الأمويّ. فلما ولّى خارجا قال لي الرشيد: يا منارة احمله من وقته، فسر به راجعا كما سيّرته إلينا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه فدعه فيه وانصرف. ففعلت ذلك. [مزيد من حكايات الفرج بعد الشدة] ٩١- حدث أبو عبد الله الحسين بن محمد السمري كاتب ديوان البصرة قال: وكان أبو محمد المهلبي في وزارته قد قبض عليّ بالبصرة، وطالبني بما لا

стр. 3110

قدرة لي عليه، وأطال حبسي حتى أيست من الفرج. فرأيت ليلة من الليالي، وأنا أشدّ ما كنت فيه من الهمّ، كأن قائلا يقول لي: اطلب من ابن الراهبوني دفترا خلقا عنده، على ظهره دعاء فادع به فإن الله يفرّج عنك. قال: وكان ابن الراهبوني هذا صديقا لي من أبناء أهل واسط، وهو مقيم بالبصرة حينئذ. فلما كان من غد أنفذت إليه: أعندك دفتر على ظهره دعاء؟ فقال: نعم. فقلت: جئني به، فجاءني به، فرأيت على ظهره مكتوبا: اللهم أنت أنت، انقطع الرجاء إلا منك، وخاب الأمل إلا فيك، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، ولا تقطع اللهم منك رجائي، ولا رجاء من يرجوك في شرق الأرض ولا في غربها، يا قريبا غير بعيد، يا شاهدا لا يغيب ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، وارزقني رزقا واسعا من حيث لا أحتسب، إنك على كل شيء قدير. قال: فواصلت الدعاء بذلك، فما مضت إلا أيام يسيرة حتى وجّه المهلبي فأخرجني من الحبس وقلّدني الإشراف على أبي الحسن أحمد بن محمد الطويل بأسافل الأهواز. «٩٢» - وذكر المدائني ان توبة العنبري [١] قال: أكرهني يوسف بن عمر على العمل، ثم أخذني وقيّدني وحبسني حتى لم يبق في رأسي شعرة سوداء؛ فأتاني آت في منامي فقال لي: يا توبة، أطالوا حبسك؟ قلت: أجل، فقال: سل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة ثلاثا. فاستيقظت وكتبتها، ثم توضأت وصليت ما شاء الله، ثم جعلت أدعو بها حتى وجبت صلاة الصبح فصليتها، فجاء حرسي فقال: أين توبة العنبري، فحملني في أقيادي وأدخلني عليه وأنا أتكلم بهن، فلما رآني أمر باطلاقي، قال: وعلّمتها وأنا في السجن رجلا، فقال: لم أدع إلى عذاب فقلتها إلا

стр. 3111

خلّي عني، فدعي بي يوما إلى العذاب، فجعلت أتذكرها فلم أذكرها حتى جلدت مائة سوط، ثم ذكرتها فقلتها فخلي عني. ٩٣- قال نعيم بن أبي هند: كنت عند يزيد بن أبي مسلّم وهو يعذب الناس، فذكر رجل في السجن فبعث إليه بغضب وغيظ، وأنا لا أشك في أنه سيوقع به؛ فلما وقف بين يديه رأيته يحرّك شفتيه بشيء لم أسمعه، فرفع يزيد رأسه إليه وقال: خلوا سبيله. فقمت إلى الرجل فقلت له: ما الذي قلت؟ قال: قلت اللهم إني أسألك بقدرتك التي تمسك بها السموات السبع أن يقع بعضهن على بعض أن تكفينيه. ٩» - قال أبو عمرو بن العلاء: كنت هاربا من الحجاج فسمعت منشدا ينشد: [من الخفيف] ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال فقلت له: ما الخبر؟ قال: مات الحجاج. فما أدري بأي قوليه كنت أفرح: بقوله فرجة أم بقوله مات الحجاج، وكان أبو عمرو يقرأ: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً (البقرة: ٢٤٩) احتاج إلى شاهد، ففرح بقول المنشد «فرجة» وقبل هذا البيت: [من الخفيف] صبّر النفس عند كلّ مهمّ ... إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقنّ في الأمور فقد تك ... شف لأواؤها بغير احتيال «٩٥» - عبد الله بن المعتز: [من الطويل] لهذا الزمان الصعب يا نفس فاصبري ... فما ناصحات المرء إلا تجاربه ولا تحزني ان أغلق الصبر بابه ... فبعد انغلاق الباب يأذن حاجبه

стр. 3112

«٩٦» - حدث عبيد الله بن سليمان بن وهب عن أبيه قال: كنت وأبا العباس أحمد ابن الخصيب مع خلق من العمّال والكتّاب معتقلين في يد محمد بن عبد الملك الزيات في آخر وزارته للواثق، نطالب ببقايا مصادرتنا، ونحن آيس ما كنا من الفرج، إذ اشتدت علّة الواثق وحجب الناس ستة أيام. فدخل عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود القاضي، فقال له الواثق: يا أبا عبد الله، ذهبت مني الدنيا والآخرة، قال: كلا يا أمير المؤمنين، قال: بلى والله، أما الدنيا فقد ذهبت كما ترى من حضور الموت وذهبت الآخرة بما أسلفت من العمل القبيح، فهل عندك من دواء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد عزل محمد بن عبد الملك الزيات من العمّال والكتّاب عالما وملأ بهم الحبوس، يصادرهم ولم يحصل من جهتهم على كثير شيء، وهم عدد كثير، ووراءهم ألف يد ترتفع بالدعاء إلى الله تعالى، فتأمر باطلاقهم لترتفع تلك الأيدي بالدعاء لك، فلعل الله يهب عافيتك، على كل حال فأنت محتاج إلى أن تقل خصومك. فقال: نعم ما أشرت به عليّ؛ وقال: وقع إليه عني باطلاقهم، فقال: إن رأى خطي عاند ولجّ ولكن يغتنم أمير المؤمنين المثوبة، ويتساند ويحمل نفسه، ويوقع بخطه. فوقع الواثق بخطه وهو مضطرب إلى ابن الزيات باطلاقهم وإطلاق من في الحبوس من غير استئمار ولا مراجعة. وتقدّم إلى ايتاخ أن يمضي بالتوقيع ولا يدعه يعمل شيئا أو يطلقهم وأن يحول بينه وبين الوصول إليه أو كتب رقعة واستئمار أو اشتغال بشغل إلا بعد إطلاقهم، وإن لقيه في الطريق أن ينزله عن دابّته ويجلسه على غاشيته في الطريق حتى يوقّع. فتوجه إيتاخ فلقي ابن الزيات يريد دار الخليفة، فقال له: تنزل عن دابتك وتجلس على غاشيتك فارتاع، وظن أنّ الحال قد نزلت به، فنزل وجلس على غاشيته. فأوصل إليه التوقيع فامتنع، وقال: إذا أطلقت هؤلاء فمن أين أنفق الأموال وأقيم الأنزال؟ فقال: لا بد من ذلك. فقال: أركب وأستأذنه، فقال:

стр. 3113

ليس إلى ذلك سبيل، قال: فدعني أكاتبه. قال: ولا إلى هذا. فما تركه يبرح من موضعه حتى وقع باطلاق الكل. فصار إيتاخ إلينا ونحن في الحبس آيس ما كنا من الفرج، وقد بلغنا اشتداد علّة الواثق، وأرجف لابنه بالخلافة، وكان صبيا. فخفنا أن يتم ذلك، فيجعل ابن الزيات الصبيّ شيخا ويتولّى التدبير فيتلفنا. وقد امتنعنا لفرط الغمّ والهمّ من الأكل والشرب. فلما دخل ايتاخ لم نشكّ أنه دخل إلا لبلية، فأطلقنا وعرّفنا الصورة. فدعونا الله لابن أبي دواد والخليفة، وانصرفنا إلى منازلنا. فجلسنا لحظة ثم خرجنا فوقفنا لابن أبي دواد [١] فحين رأيناه ترجلنا له ودعونا له وشكرناه، فأكبر ذلك ومنعنا من الترجل فلم نمتنع، ووقف حتى ركبنا وسايرناه. فأخذ يخبرنا الخبر حتى زدنا في الشكر، وهو يستقصر ما فعله ويقول: هذا أقلّ حقوقكم عليّ، وكان الذي لقيه أنا وأحمد بن الخصيب، وقال: وستعلمان ما أفعله مستأنفا. ورجع ابن أبي دواد إلى دار الخليفة عشاء فقال له الواثق: قد تبركت برأيك يا أبا عبد الله، ووجدت خفّا من العلة، ونشطت وأكلت خمسة دراهم خبزا بصدر درّاج. فقال له: يا أمير المؤمنين، تلك الأيدي التي كانت ترتفع بالدعاء عليك صارت ترتفع بالدعاء لك غدوة وعشية، ويدعو لك بسببهم خلق كثير من رعيتك، إلا أنهم قد صاروا إلى دور خراب وأحوال قبيحة، بلا فرش ولا كسوة ولا دواب ولا ضياع، موتى جوعا وهزالا، قال: فما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، في الخزائن والاصطبلات بقايا ما أخذ منهم، فلو أمرت بأن ينظر في ذلك، فكل من وجد له شيء باق من هذا ردّ عليه، وأطلقت عن ضياعهم، فعاشوا وخفّ الإثم، وتضاعف الدعاء، وقويت العافية. قال: فوقّع بذلك عني، فوقع ابن أبي دواد، فما شعرنا من الغد إلا وقد رجعت نعمتنا علينا. ومات الواثق بعد ثلاثة أيام أو أربعة، وفرّج الله عنا بابن أبي دواد، وبقيت له

стр. 3114

المكرمة العظيمة في أعناقنا. «٩٧» - وحدث جماعة من أهل الموصل: أن فاطمة بنت أحمد الهزارمردي الكردي زوجة أبي ثعلب ابن حمدان اتهمت غلاما لها يقال له ابن أبي قبيصة من الموصل بجناية من مالها، فقبضت عليه وحبسته في قلعتها ثم رأت أن تقتله، وكتبت إلى الموكّل بالقلعة بقتله. فورد عليه الكتاب، وكان أميا وليس عنده من يقرأ ويكتب إلا ابن أبي قبيصة، فدفع الكتاب إليه، وقال له: اقرأه. فلما رأى الأمر فيه بقتله قرأ الكتاب بأسره إلى الموضع الذي أمر فيه بقتله، وردّ الكتاب عليه. قال ابن أبي قبيصة: ففكرت وقلت: أنا مقتول على كل حال إن أقمت، فلا بد أن يرد كتاب آخر في معناي، ويتفق حضور من يقرأه فينفذ فيّ الأمر، فسبيلي أن أحتال فيه بحيلة، إن تمّت سلمت وإن لم تتم فليس غير القتل، ولا يلحقني أكثر منه، وأنا حاصل فيه، فتأملت القلعة فإذا فيها موضع يمكنني أن أطرح منه نفسي إلى أسفلها، وإلا أنّ بينه وبين الأرض ثلاثة آلاف ذراع، وفيه صخر لا يجوز أن يسلّم من يقع عليه من بعد. قال: فلم أجسر؛ ثم ولّد لي الفكر أن تأملت الثلج وقد سقط عدة ليال فغطى تلك الصخور، وصار فوقها أمر عظيم، يجوز أن أسقط عليه وكان في أجلي تأخير ان أسلّم؛ وكنت مقيدا، فقمت لما نام الناس وطرحت نفسي من الموضع قائما على رجليّ؛ فحين حصلت في الهواء ندمت وأقبلت أستغفر الله وأتشهد، وأغمضت عينيّ حتى لا أرى كيف أموت، وجمعت رجليّ بعض الجمع لأني كنت سمعت قديما أن من اتفق عليه أن يسقط من موضع عال إذا جمع رجليه ثم أرسلهما إذا بقي بينه وبين الأرض ذراع أو أكثر قليلا أنه يسلّم من أن يناله ما ينال مثله، وتنكسر حدة الوقوع، ويصير بمنزلة من سقط من ذراعين. قال: ففعلت ذلك، فلما سقطت إلى الأرض ذهب علي أمري وزال عقلي، ثم ثاب إليّ عقلي، فلم أجد ما كان ينبغي أن يلحقني،

стр. 3115

فاقبلت أجسّ أعضائي شيئا شيئا فأجدها سالمة، وقمت وقعدت وحركت يديّ ورجليّ فوجدت ذلك سالما كله. فحمدت الله على حالي [١] ، وأخذت صخرة لأكسر بها قيودي، فوجدت الحديد الذي في رجليّ قد صار كالزجاج لشدة البرد. قال: فضربته فانكسر، وقطعت تكتي، فشددت بعضها على القيد إلى ساقي وقمت أمشي في الثلج على المحجة، ثم خفت أن يروا أثري في غد في الثلج على المحجة فيتبعوني فلا أفوتهم، فعدلت عن المحجة إلى الخابور. فلما صرت على شاطئه نزلت في الماء إلى ركبتي، وأقبلت أمشي كذلك فرسخا أو أكثر حتى انقطع أثري؛ وربما حصلت في موضع لا يمكنني المشي لأنه يكون جرفا فأسبح، على ذلك أربعة فراسخ حتى حصلت في خيم فيها قوم، فأنكروني وهمّوا بي، فإذا هم أكراد؛ فقصصت عليهم قصتي، واستجرت بالله وبهم، فرحموني ودفأوني وغطّوني، وأوقدوا بين يديّ نارا، وأطعموني وستروني، وانتهى الطلب إليهم من غد فما أعطوهم خبري. فلما انقطع الطلب سيروني، فدخلت الموصل مستترا، وكان ابن حمدان بها إذ ذاك، فانحدرت إليه فأخبرته بخبري كله، فعصمني من زوجته وأحسن إليّ وصرفني. «٩٨» - أخذ الحجاج رجلا أتهمه برأي الخوارج وكتب إسمه في أسماء من يقتل. فجاءت أمه فوقفت عليه وقالت: أصلح الله الأمير! امنن عليّ بابني فلان، فإنه والله لضهياء دبّاء. فقال الحجاج لجلسائه: أتدرون ما قالت؟ قالوا: لا والله، قال: الضهياء التي لا تحيض والدّباء التي لا تلد، خلوا سبيل ابنها. فدفعه إليها وقال: خذ بيدها، لعنك الله إن لم تبرّها. وأتي بأسرى فأمر بضرب رقابهم، فقال رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج

стр. 3116

عن السنة والمروءة خيرا، فإن الله تعالى يقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (محمد: ٤) . فهذا قول الله في كتابه. وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق: [من الطويل] وما نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد فقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني ما أخبرني هذا المنافق، وأمسك عمن بقي. ٩٩- وأتي معاوية يوم صفين بأسير من العراق فقال: الحمد الله الذي أمكنني منك. قال: لا، لا تقل ذلك يا معاوية فانها مصيبة، قال: وأي نعمة أفضل من أن أمكنني الله من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟ اضرب عنقه يا غلام. فقال الأسير: الحمد لله، أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا أنك ترضى بقتلي في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. قال له: ويحك! لقد سببت فأبلغت ودعوت فأحسنت، خليّا عنه. «١٠٠» - لما ظفر المأمون بأبي دلف العجلي، وكان يقطع في الجبال، قال: يا أمير المؤمنين دعني أركع ركعتين. فركع وكبّر، وصنع أبياتا ثم وقف بين يديه وقال: [من مجزوء الرمل] . بع بي الخلق فإني ... خلق ممّن تبيع واتخذني لك درعا ... قلصت عنه الدروع وارم بي بحر عدوّ ... فأنا السهم السريع فأطلقه وولاه تلك الناحية، فأصلحها وحسنت آثاره.

стр. 3117

١٠١- جرف الطاعون أهل بيت فسدّ بابه، وثمّ طفل لم يشعروا به. ففتح بعد شهر فإذا الطفل وثمّ كلبة مجر قد عطفها الله عليه، فكانت ترضعه مع جرائها. ١٠٢- وسجن رجل شهرا، وقد أغلق بيته على زوجي حمام طيارين وزوجين مقصوصين فتخلّص وهو لا يشك في هلاك المقصوصين، فإذا هو بهما سالمان قد هدى الله الطائرين إلى زقهما حتى عاشا. ١٠٣- حبس عضد الدولة أبا إسحاق الصابي فأطال حبسه، واستصفى ماله، بعد أن همّ بقتله. فسأل فيه عبد العزيز بن يوسف والمطهّر بن عبد الله حتى استحياه واقتصر على حبسه ومصادرته. ولبث في الاعتقال سنين إلى أن دخل الصاحب على عضد الدولة بهمذان، وهو مكبّ على دفتر يقرأه، فقال: يا أبا القاسم، هذه رسالة لك في بعض فتوحنا، نحن نأخذها بأسيافنا، وأنت تجمّلها بأقلامك، فقال: المعنى مستفاد من مولانا وإن كانت الألفاظ لخادمه ثم أنشد: [من البسيط] وأنت أكتب مني في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي فقال: لمن البيت؟ فقال: لعبده أبي إسحاق الصابي. فأمر بالإفراج عنه والخلعة عليه. فكان ذلك سبب خلاصه من نكبته. «١٠٤» - سعيد بن حميد: [من الكامل المجزوء] . كم فرجة مطوية ... لك بين أثناء النوائب ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب ١٠٥- رأى دهقان أصحاب نصر بن سيار ضعفاء، فأخذ دوابهم فقطع جحافلها وأذنابها، فلما أصبحوا قال نصر: أبشروا بخير فإني رأيت في النوم كأن قائلا يقول: [من المجتث]

стр. 3118

إذا ابتليت فصبرا ... فالعسر يعقب يسرا. فبعد مدة يسيرة ولي خراسان فأخذ الدهقان فضربه ألف سوط وحبسه. ١٠٦- أراد عمر بن هبيرة قتل رجل فضاقت عليه الأرض بما رحبت، فرأى في منامه من يقول: [من الرجز] ما يسبق الانسان قيد فتر ... ما كان في اللوح عليه يجري فما تمّ عليه شهر حتى قتله أبو جعفر. ١٠٧- أبو الخطاب علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح في المقتدي: [من البسيط] وافى البشير فأعطى السمع منيته ... وقوّض الهمّ لما خيّم الفرج [من أخبار الفرج السريع] ١٠٨- من أخبار الفرج السريع الآتي بغير سعي ولا تدبير ما كان من أمر المقتدر لما خلع ونصب أخوه القاهر أبو منصور مكانه، وجلس على السرير، وبايعه الناس، واستحكم أمره، وقبض على المقتدر وحبس في خزانة. واتفق في بقية اليوم أن شغب الرجالة في طلب حق البيعة، وأدّى شغبهم إلى أن قالوا: أخرجوا لنا خليفتنا، ولم يكن وقع تأهب لهم، فلجّوا في الشغب حتى هجموا على الدار، ودلّهم خادم على المقتدر في محبسه، وكسروا عليه الباب؛ وظنهم يقتلونه، فاستعاذ منهم، وتضرّع إليهم. فأخذوه على أعناقهم وهو يستغيث وهم يقولون: إنما نعيدك إلى الخلافة. ووضعوه على سريره وسلموا أخاه القاهر إليه، فعاد ملكه من يومه. وقد كان خلع قبلها ونصّب عبد الله بن المعتز ولقب المرتضي بالله، وبايعه الناس كلهم، وراسل المقتدر بالانتقال إلى الحريم الظاهري فأجاب. ثم إن جماعة من غلمان الدار والخدم أصعدوا في شذاءات بدجلة لينظروا الأمر وعبد الله بن المعتز في دار المحرم. فتطاير من كان معه لغير سبب، وهرب هو واستتر في دار ابن الجصاص فعثر عليه وأهلك، وعاد الأمر إلى المقتدر بغير سعي ولا أعوان.

стр. 3119

وكانت له نوبة أخرى أول أمره وفي بداية خلافته. وذاك أن الناس أنكروا صغر سنه، فعزم الوزير العباس بن الحسين- وهو المستولي على التدبير حينئذ- على خلعه، وأعدّ لذلك أبا عبد الله محمد بن المعتمد وخالفه وقرر القاعدة معه، وانتظر قدوم بارس صاحب أحمد بن إسماعيل من خراسان ليتقوى به على ما همّ به، فاتفق ان فلج محمد بن المعتمد ومات، وانتقض ذلك الأمر وحيل دونه، وقضاء الله لا يرد، وحكمه لا يغالب. [حكايات من عصر المؤلف] ١٠٩- حدثني النقيب أبو الغنائم ابن المختار العلوي قال: حدثني اصفهسلار شيخ مقدم الخراسانية على باب محمد بن ملكشاه قال: لما قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك ابي المحاسن سعد بن علي الآبي وصلبه، قبض على أصحابه ومن جملتهم أبو إسماعيل الكاتب المنشىء وسلمه إليّ، وكان صديقي وله عليّ حقوق؛ ثم إنه استدعاني في بعض الأيام ووقفني حيث لم تجر عادتي به وتقدم إليّ وأمرني بالخروج من حضرته وعرض أبا إسماعيل على العذاب حتى يؤدي عشرين ألف دينار أو يموت تحت العقوبة، وتشدد عليّ، فخرجت وأحضرته مقيدا وعرّفته ما جرى. فحلف أنه لا يقدر على أكثر من أربعة آلاف دينار هي مودعة عند انسان ذكره، وليس لي ملك ولا ذخيرة. فقلت لا بد من انفاذ أمر السلطان فيك. فتضوّر وبكى. فلم أتمكن من الدفع عنه مع مودتي له خوفا من السلطان ولتمكّن هيبته في النفوس. قال: فأمرت به فضرب ثلاث مقارع، فإذا بمن يستدعيني إلى السلطان حثيثا. فأمرت أصحابي بأن يكون على حاله إلى أن أرجع. فلما دخلت عليه قال: ما فعلت في أمر أبي إسماعيل؟ فأخبرته. فلما انتهيت إلى ذكر العقوبة، قال: ليتك لم تكن فعلت. ثم قال: اخرج فاحمله إلى الحمام، وأمط عنه الدرن، وخذ له من الخزانة جبّة وعمامة، ومره بأن يباكر إلى الدار قبل الكتّاب وقبل الناس كلهم. فخرجت من بين يديه وأنا شديد التعجب، وأمرت به إلى الحمام فارتاب بي، وأخذ يتمرغ على قدمي، ويقول: من أنا حتى أقتل في الحمام؟ وأنا أقول له: لا بأس عليك. وكلما

стр. 3120

سكّنته انزعج، إلى أن أحضرت المزين فأخذ من شعره وألبسته ثيابا نظيفة، وجيء بالجبة والعمامة من الخزانة فلبسها، وركب وأصحابي معه. وشاع الخبر، فاستغربه الوزير وجماعة الكتّاب. وحضر أبو إسماعيل من بكرة غد، فوصل إلى الخدمة السلطانية، وأقام ستة شهور يخلو بالسلطان كل يوم من بكرة إلى الظهر، والناس يهابونه ويواصلونه بالتحف والخدم والألطاف، وأنا منهم، ولا نعرف السبب فيما اتفق له به. ثم ظهر من بعد أن السلطان ورد عليه مكتوب مستظهري، وقد كتب عنه جوابه بخط الكاتب، ومن العادة أن يكون عنوان الكتاب السلطاني إلى الخليفة بخط السلطان، فتأمل خط الخليفة فاستحسنه واسترذل خطه، وقال: كيف أكتب الجواب عن هذا الخط الحسن بهذا الخط الرذل؟ فألهمه الله لما قدّره من خلاص أبي إسماعيل أن يجوّد خطه وأن يعوّل عليه في ذلك. وأسر إليه هذا الأمر وطواه عن كل أحد، وكانت خلوته لأجله، وقربه منه وقدمه وجعله طغرائيا، وكبر محلّه عنده. ١١٠- كنت واقفا على فرسي بسوق الخيل، وبهروز الخادم إذ ذاك والي بغداد، وقد ورد الخبر بتولية آخر مكانه. وقد أخرج من حبسه اثنان: أحدهما قاطع طريق والآخر عليه قود، وقدما للقتل. فبدأ بقاطع الطريق فقتل، ثم قرّب الآخر إلى السياف فطلعت خيل أخر، فاشتغل أصحاب بهروز وأعادوا الرجل إلى الحبس، ونحن وقوف؛ وخرج منه أصحاب الجرائم وذلك الرجل فيهم وهو يحجل في عتلته، وتبعه أرباب الدم وكانوا أطفالا ونساء فعجزوا عنه وهرب حتى لحق بالدار السلطانية، واعتصم بها فنجا. ١١١- حدثت عن نجاح الخادم المسترشدي قال: أعطيت رقعة عن محبوس ونحن بحلوان في الخدمة المقتفية، فعرضتها بين يدي فوقع فيها: ليخلّد في السجن. فانزعجت وقلت في نفسي: ليتني لم أكن عرضتها، ولم يكن لي فيها حيلة، فإنه وقع فيها وألقاها بين الرقاع لتخرج في الجمع إلى الوزير على العادة. قال: ثم أعاد التأمل للرقاع فوقعت تلك الرقعة في يده، فخرق التوقيع
следующие страницы →