عن السنة والمروءة خيرا، فإن الله تعالى يقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
(محمد: ٤) .
فهذا قول الله في كتابه. وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
[من الطويل]
وما نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
فقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني ما أخبرني هذا المنافق، وأمسك عمن بقي.
٩٩- وأتي معاوية يوم صفين بأسير من العراق فقال: الحمد الله الذي أمكنني منك. قال: لا، لا تقل ذلك يا معاوية فانها مصيبة، قال: وأي نعمة أفضل من أن أمكنني الله من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟ اضرب عنقه يا غلام. فقال الأسير: الحمد لله، أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا أنك ترضى بقتلي في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. قال له: ويحك! لقد سببت فأبلغت ودعوت فأحسنت، خليّا عنه.
«١٠٠» - لما ظفر المأمون بأبي دلف العجلي، وكان يقطع في الجبال، قال: يا أمير المؤمنين دعني أركع ركعتين. فركع وكبّر، وصنع أبياتا ثم وقف بين يديه وقال: [من مجزوء الرمل] .
بع بي الخلق فإني ... خلق ممّن تبيع
واتخذني لك درعا ... قلصت عنه الدروع
وارم بي بحر عدوّ ... فأنا السهم السريع
فأطلقه وولاه تلك الناحية، فأصلحها وحسنت آثاره.
стр. 3117
١٠١- جرف الطاعون أهل بيت فسدّ بابه، وثمّ طفل لم يشعروا به. ففتح بعد شهر فإذا الطفل وثمّ كلبة مجر قد عطفها الله عليه، فكانت ترضعه مع جرائها.
١٠٢- وسجن رجل شهرا، وقد أغلق بيته على زوجي حمام طيارين وزوجين مقصوصين فتخلّص وهو لا يشك في هلاك المقصوصين، فإذا هو بهما سالمان قد هدى الله الطائرين إلى زقهما حتى عاشا.
١٠٣- حبس عضد الدولة أبا إسحاق الصابي فأطال حبسه، واستصفى ماله، بعد أن همّ بقتله. فسأل فيه عبد العزيز بن يوسف والمطهّر بن عبد الله حتى استحياه واقتصر على حبسه ومصادرته. ولبث في الاعتقال سنين إلى أن دخل الصاحب على عضد الدولة بهمذان، وهو مكبّ على دفتر يقرأه، فقال: يا أبا القاسم، هذه رسالة لك في بعض فتوحنا، نحن نأخذها بأسيافنا، وأنت تجمّلها بأقلامك، فقال: المعنى مستفاد من مولانا وإن كانت الألفاظ لخادمه ثم أنشد:
[من البسيط]
وأنت أكتب مني في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي
فقال: لمن البيت؟ فقال: لعبده أبي إسحاق الصابي. فأمر بالإفراج عنه والخلعة عليه. فكان ذلك سبب خلاصه من نكبته.
«١٠٤» - سعيد بن حميد: [من الكامل المجزوء] .
كم فرجة مطوية ... لك بين أثناء النوائب
ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
١٠٥- رأى دهقان أصحاب نصر بن سيار ضعفاء، فأخذ دوابهم فقطع جحافلها وأذنابها، فلما أصبحوا قال نصر: أبشروا بخير فإني رأيت في النوم كأن قائلا يقول: [من المجتث]
стр. 3118
إذا ابتليت فصبرا ... فالعسر يعقب يسرا.
فبعد مدة يسيرة ولي خراسان فأخذ الدهقان فضربه ألف سوط وحبسه.
١٠٦- أراد عمر بن هبيرة قتل رجل فضاقت عليه الأرض بما رحبت، فرأى في منامه من يقول: [من الرجز]
ما يسبق الانسان قيد فتر ... ما كان في اللوح عليه يجري
فما تمّ عليه شهر حتى قتله أبو جعفر.
١٠٧- أبو الخطاب علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح في المقتدي:
[من البسيط]
وافى البشير فأعطى السمع منيته ... وقوّض الهمّ لما خيّم الفرج
[من أخبار الفرج السريع]
١٠٨- من أخبار الفرج السريع الآتي بغير سعي ولا تدبير ما كان من أمر المقتدر لما خلع ونصب أخوه القاهر أبو منصور مكانه، وجلس على السرير، وبايعه الناس، واستحكم أمره، وقبض على المقتدر وحبس في خزانة. واتفق في بقية اليوم أن شغب الرجالة في طلب حق البيعة، وأدّى شغبهم إلى أن قالوا:
أخرجوا لنا خليفتنا، ولم يكن وقع تأهب لهم، فلجّوا في الشغب حتى هجموا على الدار، ودلّهم خادم على المقتدر في محبسه، وكسروا عليه الباب؛ وظنهم يقتلونه، فاستعاذ منهم، وتضرّع إليهم. فأخذوه على أعناقهم وهو يستغيث وهم يقولون: إنما نعيدك إلى الخلافة. ووضعوه على سريره وسلموا أخاه القاهر إليه، فعاد ملكه من يومه.
وقد كان خلع قبلها ونصّب عبد الله بن المعتز ولقب المرتضي بالله، وبايعه الناس كلهم، وراسل المقتدر بالانتقال إلى الحريم الظاهري فأجاب. ثم إن جماعة من غلمان الدار والخدم أصعدوا في شذاءات بدجلة لينظروا الأمر وعبد الله بن المعتز في دار المحرم. فتطاير من كان معه لغير سبب، وهرب هو واستتر في دار ابن الجصاص فعثر عليه وأهلك، وعاد الأمر إلى المقتدر بغير سعي ولا أعوان.
стр. 3119
وكانت له نوبة أخرى أول أمره وفي بداية خلافته. وذاك أن الناس أنكروا صغر سنه، فعزم الوزير العباس بن الحسين- وهو المستولي على التدبير حينئذ- على خلعه، وأعدّ لذلك أبا عبد الله محمد بن المعتمد وخالفه وقرر القاعدة معه، وانتظر قدوم بارس صاحب أحمد بن إسماعيل من خراسان ليتقوى به على ما همّ به، فاتفق ان فلج محمد بن المعتمد ومات، وانتقض ذلك الأمر وحيل دونه، وقضاء الله لا يرد، وحكمه لا يغالب.
[حكايات من عصر المؤلف]
١٠٩- حدثني النقيب أبو الغنائم ابن المختار العلوي قال: حدثني اصفهسلار شيخ مقدم الخراسانية على باب محمد بن ملكشاه قال: لما قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك ابي المحاسن سعد بن علي الآبي وصلبه، قبض على أصحابه ومن جملتهم أبو إسماعيل الكاتب المنشىء وسلمه إليّ، وكان صديقي وله عليّ حقوق؛ ثم إنه استدعاني في بعض الأيام ووقفني حيث لم تجر عادتي به وتقدم إليّ وأمرني بالخروج من حضرته وعرض أبا إسماعيل على العذاب حتى يؤدي عشرين ألف دينار أو يموت تحت العقوبة، وتشدد عليّ، فخرجت وأحضرته مقيدا وعرّفته ما جرى. فحلف أنه لا يقدر على أكثر من أربعة آلاف دينار هي مودعة عند انسان ذكره، وليس لي ملك ولا ذخيرة. فقلت لا بد من انفاذ أمر السلطان فيك. فتضوّر وبكى. فلم أتمكن من الدفع عنه مع مودتي له خوفا من السلطان ولتمكّن هيبته في النفوس. قال: فأمرت به فضرب ثلاث مقارع، فإذا بمن يستدعيني إلى السلطان حثيثا. فأمرت أصحابي بأن يكون على حاله إلى أن أرجع. فلما دخلت عليه قال: ما فعلت في أمر أبي إسماعيل؟
فأخبرته. فلما انتهيت إلى ذكر العقوبة، قال: ليتك لم تكن فعلت. ثم قال:
اخرج فاحمله إلى الحمام، وأمط عنه الدرن، وخذ له من الخزانة جبّة وعمامة، ومره بأن يباكر إلى الدار قبل الكتّاب وقبل الناس كلهم. فخرجت من بين يديه وأنا شديد التعجب، وأمرت به إلى الحمام فارتاب بي، وأخذ يتمرغ على قدمي، ويقول: من أنا حتى أقتل في الحمام؟ وأنا أقول له: لا بأس عليك. وكلما
стр. 3120
سكّنته انزعج، إلى أن أحضرت المزين فأخذ من شعره وألبسته ثيابا نظيفة، وجيء بالجبة والعمامة من الخزانة فلبسها، وركب وأصحابي معه. وشاع الخبر، فاستغربه الوزير وجماعة الكتّاب. وحضر أبو إسماعيل من بكرة غد، فوصل إلى الخدمة السلطانية، وأقام ستة شهور يخلو بالسلطان كل يوم من بكرة إلى الظهر، والناس يهابونه ويواصلونه بالتحف والخدم والألطاف، وأنا منهم، ولا نعرف السبب فيما اتفق له به. ثم ظهر من بعد أن السلطان ورد عليه مكتوب مستظهري، وقد كتب عنه جوابه بخط الكاتب، ومن العادة أن يكون عنوان الكتاب السلطاني إلى الخليفة بخط السلطان، فتأمل خط الخليفة فاستحسنه واسترذل خطه، وقال: كيف أكتب الجواب عن هذا الخط الحسن بهذا الخط الرذل؟ فألهمه الله لما قدّره من خلاص أبي إسماعيل أن يجوّد خطه وأن يعوّل عليه في ذلك. وأسر إليه هذا الأمر وطواه عن كل أحد، وكانت خلوته لأجله، وقربه منه وقدمه وجعله طغرائيا، وكبر محلّه عنده.
١١٠- كنت واقفا على فرسي بسوق الخيل، وبهروز الخادم إذ ذاك والي بغداد، وقد ورد الخبر بتولية آخر مكانه. وقد أخرج من حبسه اثنان: أحدهما قاطع طريق والآخر عليه قود، وقدما للقتل. فبدأ بقاطع الطريق فقتل، ثم قرّب الآخر إلى السياف فطلعت خيل أخر، فاشتغل أصحاب بهروز وأعادوا الرجل إلى الحبس، ونحن وقوف؛ وخرج منه أصحاب الجرائم وذلك الرجل فيهم وهو يحجل في عتلته، وتبعه أرباب الدم وكانوا أطفالا ونساء فعجزوا عنه وهرب حتى لحق بالدار السلطانية، واعتصم بها فنجا.
١١١- حدثت عن نجاح الخادم المسترشدي قال: أعطيت رقعة عن محبوس ونحن بحلوان في الخدمة المقتفية، فعرضتها بين يدي فوقع فيها: ليخلّد في السجن. فانزعجت وقلت في نفسي: ليتني لم أكن عرضتها، ولم يكن لي فيها حيلة، فإنه وقع فيها وألقاها بين الرقاع لتخرج في الجمع إلى الوزير على العادة. قال: ثم أعاد التأمل للرقاع فوقعت تلك الرقعة في يده، فخرق التوقيع
стр. 3121
الأول ووقع: يسأل عن حاله؛ وألقاها في الجمع. ثم قلب الرقاع فعادت في يده، فخرق التوقيع الثاني ووقع فيها: ليفرج عنه.
١١٢- كان اسفنديار بن رستم العارض ديّنا كثير العبادة والصدقة.
وهو مع ذاك يتعمّل ويخدم السلاطين. فقبض عليه المسترشد، وقصده الوزير أبو علي ابن صدقة وقرر عليه خمسمائة دينار أخذ خطه بها وهو في الاعتقال ليؤديها. وكان الوزير يدخل على الخليفة ويلقاه كل جمعة. فدخل عليه في يوم نوبته فقال له: أفرج عن اسفنديار بن رستم. فقال له: يا مولانا قد أخذنا خطه بخمسمائة دينار. فقال: أعد عليه خطه ولا تأخذ منه شيئا. فراجعه فقال: قد أمر في حقه من لا يمكن مخالفة أمره. فخرج الوزير من الخدمة، وأحضره وأعاد خطه عليه، وصرفه إلى منزله، فأخذ في شكره والدعاء للخليفة. فقال: لا تشكر أحدا، والزم ما أنت عليه.
وقيل إنه رأى في النوم الأمر بتخلية سبيله.
١١٣- وقد كان اسفنديار هذا قبض عليه دبيس بن صدقة بن منصور، فاعتقله في مخيّمه تحت الرقة ببغداد، وكان ينقم عليه صحبته وخدمته لسعيد بن حميد العمري صاحب جيش أبيه، وخافه اسفنديار على نفسه. فبينا هو على حاله إذ انتبه دبيس نصف الليل، وجلس على فراشه، واستدعى اسفنديار من محبسه، فانزعج وظن أنه يريد به الهلاك في ذلك الوقت، وإخفاء أمره. فلما حضر عنده قام واعتنقه، واعتذر إليه وصرفه.
وكان ذلك لمنام رآه. ومن العجب أن أمه كانت تلك الليلة بمقابر قريش ملازمة تدعو له. فرأت في منامها البشارة بالافراج عنه، فجاءت فرأته مخلّى سبيله [١] .
١١٤- حدثني أبو الحارث ابن المعجون المغني، قال: كنت في شرب بالكرخ وقد صلب الشحنة جماعة من العيارين على باب المساكين. فلما
стр. 3122
انتصف الليل تعاطى الجماعة شدة القلب والجلد، فقالوا: من يخرج فيقف على هؤلاء المصلوبين في هذا الوقت ويأتي بعلامة منهم؟ فانتدب أحدهم، فلما وصلهم رأى رجلا منهم [١] يتضور في خناقه، فدنا منه فوجده حيا، وقد وقع الحبل تحت حنكه، وهو بآخر رمق؛ فأرخى الحبل وحطّه وحمله على ظهره إلينا، وقال: هذه علامة لا تنكر. وعاش الرجل، فكان ما تعاطاه أولئك الجهلة في نصف الليل سببا لحياته واستنقاذه.
١١٥- حدثني أبو طالب ابن البابقوني قال: حبست في محبس المخزن بسعي تقدم من أبي القاسم ابن الأيسر في حقي، وكان يتولى مكروهي وانتدب لأذيتي. واتفق من بعد فساد حال ابن الأيسر، وظهر عليه أخذه أموال الناس بما كان يعتمده من تخويفهم بشرّه، وانكشف من ذلك مال عظيم أعيد عليهم ما تهيأ منه، وقبض عليه وحمل إلى الموضع الذي أنا فيه، وجمعنا الحبس. قال:
فكان كل وقت يطلب أن أحالّه فأمتنع عليه واقول له: لا مال لي يؤخذ فأطيب نفسا عنه، وما بقي إلا روحي وما أحالّك عنها، وأنا هالك هاهنا. فقال لي:
كلانا هالكان، فقلت: لا جرم أنني آمل الجنة لأني أهلك مظلوما، وأنت تدخل النار بظلمك. قال: فبتّ في بعض الليالي آيسا قلقا، ولجأت إلى الله تعالى، ونذرت عتق عبد كان لي، والصدقة والزيارة والحجّ إن وجدت النفقة، ونمت فأريت [٢] وقت السحر في المنام امرأة حسناء وضعت يدها على بدني كأني أجد لين مسها يقظان، وقالت لي: قم واخرج ولا تنتظر هذا- يعني ابن الأيسر- فإنه يقيم هاهنا ست سنين. قال: فانتبهت أروّي: هل أخبره بالرؤيا أم لا؟ فبينا أنا في ذلك إذ فتح الباب وأخرجت ولا أعلم كيف ذاك ولا ما سببه إلى الآن.
стр. 3123
نوادر من هذا الفن
١١٦- قدّم عبد الله بن علي بعض الأمويين للقتل، وجرّد السيف ليقتله، فضرط الأموي، فانزعج السيّاف فألقى السيف من يده، فضحك عبد الله بن علي وأمر بتخليته. فقال الأموي: وهذا ايضا من الإدبار: كنا ندفع الموت بأسيافنا ونحن الآن ندفعه باستاهنا.
تم الجزء والحمد لله حق حمده وصلواته على محمد نبيه تسليما وعلى آله وسلّم تسليما
стр. 3124
الباب الثامن والثّلاثون ما جاء في الغنيّ والفقر
стр. 3125
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(وما توفيقي إلا بالله) الحمد لله الغنيّ عن عباده وهم الفقراء، القويّ بقدرته عليهم وهم الضعفاء، الذي قدّر الأرزاق وقسمها في خلقه، وجعل حذق المرء محسوبا عليه من رزقه، قرن الغني بالعناء في الدنيا والخطر في دار الندامة، والفقر بالراحة فيها والسلامة، إلا من عمل في ذاك بطاعته، فكان نعم المطية إلى آخرته، أو تلقى هذا بسوء الاحتمال، فانقلبت به إلى شرّ عقبى ومآل؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة غنيّ به عن سواه، عالم ألا معبود إلا إياه، وأعوذ به من بطر الثراء واليسر، واسأله العصمة في قنوط العدم والعسر؛ والصلاة على محمد رسوله الذي صبر نفسه مع عيّل صحابته، ودعا بان يكون المحيا والممات مع مساكين أمّته، وعلى آله مؤثري الافتقار [١] على اليسار، وعلى عترته، وسلّم تسليما كثيرا.
стр. 3126
(الباب الثامن والثلاثون ما جاء في الغني والفقر)
[آيات وأحاديث]
قد دلّ قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
(العلق: ٦، ٧) ، على ذمّ الغني إذ كان سبب الطغيان.
«١١٧» - وسئل أبو حنيفة عن الغني والفقر فقال: وهل طغى من طغى من خلق الله إلا بالغني؟ وتلا هذه الآية.
«١١٨» - والمحققون يرون الغني والفقر في الأنفس لا في المال.
وفي قوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
(البقرة: ٢٦٨) ، وقوله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
(البقرة: ٢٧٣) ، معنى في هذا وإشارة إليه.
١١٩- قال رسول الله ﷺ : «هلاك أمّتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال» .
«١٢٠» - وقال ﵌: «لا يعجبك أمرؤ كسب مالا حراما، فإنه إن أنفق لم يقبل منه، وإن أمسك لم يبارك الله له فيه، وإن مات وتركه كان زاده إلى النار» .
стр. 3127
[حكايات عن الصحابة والنبي (ص) ]
«١٢١» - وفي الحديث: «مثل الفقر للمؤمن كمثل فرس مربوط بحكمته إلى أخيّة، كلما رأى شيئا ممّا يهوى ردّته حكمته» .
«١٢٢» - قال وهب: وجدت في كتب الأنبياء: من استغنى بأموال الفقراء، جعلت عاقبته الفقر، وأيّ دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب.
١٢٣- حدث أبو سعيد الخدري أنه أصبح ذات يوم وليس لهم طعام، وأصبح وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع، فقالت امرأتي: ائت النبي ﵌ فقد أتاه فلان فأعطاه. فأتيته وهو يخطب وهو يقول: من يستعفّ يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن سألنا شيئا فوجدناه أعطيناه وواسيناه، ومن استعفّ واستغنى فهو أحبّ إلينا. قال: فرجعت وما سألته حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا.
١٢٤- قال جابر بن عبد الله: جاء عبد الرحمن بن عوف يوما إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، أعنّي بنفسك وبمن حضر من المسلمين، قال عمر: وما ذاك؟ قال: جهّزت ألف بعير إلى الشام فيها مائتا مملوك يمتارون لي ما قدروا عليه من أصناف التجارات، فلما قمت الليلة أصلي وردي حدثت نفسي وقدّرت الإبل كأنها قدمت وساومني التجار بما فيها، وضعّفوا لي ما كنت أتمناه، فو الله ما أدري على ما أصبحت: على قرآن أم هذيان، فدونكها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها ومماليكها، فاجعلها في سبيل الله، فلا حاجة لي فيما يشغلني عن عبادة ربي.
١٢٥- قال محمد بن كعب القرظي: سمعت عليا ﵇ يقول: لقد رأيتني وأنا أربط الحجر على بطني في عهد رسول الله ﵌ من الجوع، وإن صدقتي اليوم أربعون ألف دينار.
стр. 3128
«١٢٦» - وكانت الصحابة رضوان الله عليهم ترى الفقر فضيلة ومنزلة يتنافس عليها، وفي بعض هذه الأخبار ما يدل على ذلك.
١٢٧- وروي أن عمر ﵁ خطب الناس وهو خليفة، وعليه إزار فيه ثلاث عشرة رقعة إحداها من أدم، وعليه عمامة وبيده الدرة.
١٢٨- وقال ابن سيرين: كنا عند أبي هريرة وعليه ممشقتان من كتان فتمخط فيهما فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني أجرّ فيما بين منبر رسول الله ﵌ إلى حجرة عائشة مغشيا عليّ من الجوع، فيجيء الرجل فيجلس على صدري فأرفع رأسي فأقول: إنه ليس ذاك إنما هو الجوع.
«١٢٩» - وقال أبو بردة عن أبيه: لو رأيتنا مع نبينا ﵌ ظننت أن ريحنا ريح الضأن، لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان: الماء والتمر.
١٣٠- وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب النبي ﷺ يجتزىء أحدهم بالفلذة يشويها، فإذا لم يجد شيئا أقام صلبه بخشبة أو حجر يوثقه على صلبه.
١٣١- وقال سهل بن سعد: كنا نفرح بيوم الجمعة. قيل: ولم ذاك؟ قال:
كانت لنا عجوز ترسل إليّ بضاعة، فتأخذ من أصول السلق، وتنثر عليه حبات من شعير فيطرحه، وكنا نأتيها إذا صلينا الجمعة ونسلّم عليها فتقدمه إلينا. فكنا نفرح بيوم الجمعة لأجل ذلك.
«١٣٢» - حدث الحسن أن رسول الله ﷺ قال: يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاما. فقال جليس للحسن يقال له فروخ: أمن الأغنياء أنا أم من الفقراء؟ فقال الحسن: أتغديت اليوم؟ قال: نعم، قال: فعندك ما تتعشى به الليلة؟ قال: نعم، قال: أنت من الأغنياء.
стр. 3129
«١٣٣» - وقال ﷺ لرجل: استغن بغنى الله، قالوا: يا رسول الله وما غنى الله؟ قال: غداء يوم وعشاء ليلة.
١٣٤- وقال أبو هريرة: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسا، فقلت: يا نبي الله، أتصلي جالسا؟ فما أصابك؟ قال: الجوع. فبكيت، فقال: لا تبك فإن شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا.
«١٣٥» - وقال ابن عباس: كان رسول الله ﵌ يبيت طاويا ليالي ما له ولأهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير.
١٣٦- وروى أنس بن مالك أن فاطمة ﵍ جاءت بكسرة من خبز إلى النبي ﷺ ، فقال: ما هذه يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث.
١٣٧- وقال أنس بن مالك: ما رأى رسول الله ﵌ رغيفا محوّرا حتى لقي الله.
١٣٨- وروى عروة عن عائشة قالت: لقد كان يأتي على آل محمد شهر لا يخبزون فيه، فقلت: ما كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كان له خيرة من الأنصار جزاهم الله خيرا، وكان لهم شيء من لبن فيهدون منه إلى النبي ﷺ وأهله.
١٣٩- وقال أبو هريرة: ما شبع رسول الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
١٤٠- قال يزيد بن أبي رافع: نزل بالنبي صلّى الله عليه وآله سلّم ضيف، فبعثني إلى يهودي فقال: قل له إن رسول الله ﵌ يقول لك بعنا أو أسلفنا إلى وقت؛ قال: فقلت له، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلّا برهن.
стр. 3130
فرجعت إلى النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، فقال: أم والله لو باعني أو أسلفني لأعطيته وقضيته، وإني لأمين في السماء، أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد فارهنها. فرهنتها، قال: فنزلت هذه الآية يعزيه عن الدنيا: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
(طه: ١٣١) .
١٤١- قال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﵌ الجوع، ورفعنا عن بطوننا حجرا حجرا فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين.
«١٤٢» - وروي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني والله لأحبّك في الله، فقال: فإن كنت صادقا فأعدّ للفقر تجفافا، فالفقر إلى من يحبني أسرع من شبعت حمدتك وشكرتك.
«١٤٣» - وقال ﷺ : عرض عليّ ربي أن يجعل لي الصفا ذهبا، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك.
«١٤٤» - وروي أنه ﵌ كان يقول: اللهم توفّني إليك فقيرا ولا توفّني إليك غنيا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة.
١٤٥- وقيل إن ضجاعه ﵇ كان من أدم حشوه ليف.
١٤٦- رؤي يحطب وعليه عباءة شامية. وكان يسم الغنم وهو مؤتزر بكساء.
١٤٧- وقال علي ﵇: أهديت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ فما كان فراشنا إلا مسك كبش.
стр. 3131
١٤٨- روي عن داود ﵇ أنه قال: نعم العون الغنى واليسار على الدين. هذا عذر لمن عمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في سبيل الله، حتى نال به الدرجات العلى. فأما من شحّ على المال وأعدّ الغنى لدنياه، فالحجة عليه قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
(التوبة: ٣٤- ٣٥) .
١٤٩- عيّرت اليهود عيسى بن مريم ﵇ بالفقر، فقال: من الغنى أتيتم.
١٥٠- وروي أن النبي ﷺ قال: هلك المثرون؛ وقال في الثالثة: إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله وأمامه وخلفه، وقليل ما هم.
«١٥١» - قال بعض الزهاد:
تأمل ذا الغنى ما أدوم نصبه وأقلّ راحته، واخسر من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، ثم هو بين سلطان يهتضمه، وعدوّ يبغي عليه، وحقوق تلزمه، واكفاء يسوءونه، وولد يودّ فراقه. قد بعث الغنى عليه من سلطانه العنت، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة.
١٥٢- ليم أفلاطون على الزهد في المال فقال: كيف أرغب فيما ينال بالبخت لا بالاستحقاق، ويأمر البخل والشره بحفظه والجود والزهد باتلافه.
١٥٣- خطب اثنان إلى حكيم ابنته، وكان أحدهما غنيا والآخر فقيرا، فاختار الفقير. وسأله الإسكندر عن ذلك فقال: لأن الغنيّ كان جاهلا فكنت أخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلا فرجوت له الغنى.
стр. 3132
«١٥٤» - قال رجل لسقراط: ما أفقرك! قال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجّع لنفسك عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.
١٥٥- قال ابن المعتز: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط.
فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعزّ القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله تعالى بتوقع الغير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط، وأكثر الشر مع الفقراء والأغنياء لسخف الفقر وبطر الغنى.
«١٥٦» - وفي الحديث أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: هذا سيّد أهل الوبر، فقلت: يا رسول الله ما المال الذي ليست عليّ فيه تبعة في إمساكه من طالب ولا ضيف؟ فقال ﵇: نعم المال أربعون والكثر ستون، ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى الكريمة ومنح الغزيرة، ونحر السمينة، فأكل وأطعم القانع والمعترّ.
وفي رواية أخرى إلا من أعطى من رسلها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، وذبح من غزيرتها، وأطعم القانع والمعترّ. فقلت: يا رسول الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، إنها لا تحلّ بالوادي الذي فيه إبلي من كثرتها.
قال: فكيف تصنع في العطية؟ قلت: أعطي البكرة وأعطي الناب، قال:
وكيف تصنع في المنحة؟ قلت: إني لأمنح المائة، قال: كيف تعطي الطروقة؟ قلت: يغدو الناس بإبلهم فلا يوزع رجل عن جمل يختطمه فيمسكه ما بدا له حتى يكون هو الذي يردّه.
وفي الرواية الأخرى قال: فكيف تصنع في الإطراق؟ قلت: يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ رأس بعير فيذهب به، قال: فكيف تصنع بالافقار؟ قلت:
إني لأفقر الناب المدبرة والضّرع الصغيرة، قال: فكيف تصنع في المنحة؟
стр. 3133
قلت: إني لأمنح في السنة المائة، قال: فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟
قلت: لا بل مالي، قال: فإن مالك ما أكلت فأفنيت وأعطيت فأمضيت. وفي الرواية الأخرى أو لبست فأبليت وسائره لمواليك. قلت: لا جرم والله لئن رجعت لأقلن عددها.
المنحة: الناقة والشاة يدفعها الرجل إلى من يحلبها ويردها، ومنه الحديث:
العارية مؤداة والمنحة مردودة. والقانع: الذي يسأل، والمعتر الذي يجلس عند الذبيحة ولا يسأل وكأنه يعرض بالمسألة ولا يصرح بها. والناب: الناقة الهرمة.
وقوله: لا يوزع رجل أي لا يمنع ولا يحبس، يقال وزعت الرجل توزيعا أي منعته وكففته، والوزع: الرجل المتحرج المانع نفسه مما تدعوه إليه. والطروقة:
التي قد حان لها أن تطرق وهي الحقة. والرّسل: اللبن، والأفقار: هو أن يركبها الناس وتحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقار الظهر. والأطراق للفحول: هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله.
[أقوال في الغنى]
١٥٧- سئل بعضهم عن الغنى فقال: شرّ محبوب، وعن الفقر فقال: ملك ليس فيه محاسبة.
«١٥٨» - وقالوا: سوء احتمال الغنى يورث مقتا وسوء حمل الفاقة يضع شرفا.
وسوء احتمال الغنى تسميه العرب الحجل، وتسمي سوء احتمال الفقر الدّقع.
ومنه الحديث المرفوع في النساء: انكن إذا سبغتن حجلتنّ وإذا جعتنّ دقعتنّ.
١٥٩- وقال بعضهم: في مجاوزتك ما يكفيك فقر لا منتهى له حتى تنتهي عنه.
«١٦٠» - ويقال: العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنى.
١٦١- قيل لبعض الحكماء: أي الأمور أعجل عقوبة وأسرع لصاحبها
стр. 3134
صرعة؟ قال: ظلم من لا ناصر له إلا الله ، ومجاوزة النعم بالتقصير، واستطالة الغني على الفقير.
١٦٢- ليس الموسر من ينقص على النفقة ماله، ولكن الموسر من يزكو على الإنفاق ماله.
١٦٣- وقال آخر: احتمال الفقر أحسن من احتمال الذل، على أن الرضا بالفقر قناعة والرضا بالذلّ ضراعة.
١٦٤- قيل لبعضهم: إن فلانا أفاد مالا عظيما، قال: فهل أفاد معه أياما ينفقه فيها؟
١٦٥- سافر سقراط مع بعض الأغنياء، فقيل لهما: في الطريق صعاليك يأخذون سلب الناس ويطالبونهم بالمال، فقال الغنى: الويل لي إن عرفوني، فقال سقراط: الويل لي إن لم يعرفوني.
«١٦٦» - سمع العطوي رجلا يحدث أن رجلا قال لعمر بن الخطاب ﵁: إن فلانا قد جمع مالا، فقال له عمر: فهل جمع له أياما؟ فأخذ العطوي هذا المعنى فقال: [من البسيط]
أرفه بعيش فتى يغدو على ثقة ... أن الذي قسّم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنّسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه
جمعت مالا فقل لي هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرّقه
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه
[فقر آل الرسول (ص) ]
«١٦٧» - قال جابر: دخل النبي ﵌ على فاطمة وهي تبكي وتطحن بالرحى وعليها كساء من أجلّة الإبل. فلما رآها بكى، وقال لها:
стр. 3135
يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا، فأنزل الله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
(الضحى: ٥) .
١٦٨- وقال عطاء: كانت فاطمة تعجن حتى تضرب عقيصتها الجفنة.
١٦٩- وقال علي ﵇ لابن أعين: ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت النبي ﵌، وكانت أحبّ أهله إليه، وجاءت عندي فجرّت بالرحى حتى أثّرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثّرت في نحرها، وقمشت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار حتى دكنت ثيابها، في حديث طويل.
١٧٠- وقال أنس: بينا النبي ﷺ في المسجد، وقريش والأنصار ينتظرون بلالا أن يجيء فيؤذن احتبس عليهم ثم جاء، فقال النبي ﵌:
ما حبسك يا بلال عن الأذان؟ قال: خرجت مقبلا إليك، لكني مررت على باب فاطمة عليها الصلاة والسلام وهي تطحن واضعة ابنها الحسن عند الرحى وهي تبكي، فقلت لها: أيما أحب إليك: إن شئت كفيتك ابنك، وإن شئت كفيتك الرحى؟ فقالت: أنا أرفق بابني؛ فأخذت الرحى فطحنت؛ فذاك الذي حبسني عنك. فقال النبي ﵌: رحمتها رحمك الله.
[نماذج من تصرف الأغنياء]
١٧١- وروي أن النبي ﷺ لما زوّج فاطمة، بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف وجرتين وزوجي سقاء. قال علي ﵇: فقلت لفاطمة ﵍: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بالسبي. فأتياه جميعا، فذكرا ذلك له وقالا: أخدمنا، فقال رسول الله ﷺ : والله لا أخدمكما وأدع أهل الصّفّة تنطوي بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم. فرجعا فدخلا في خميلتهما، فجاء النبي ﵌ فتبادرا، فقال: مكانكما! ألا أخبركما بشيء خير لكما مما سألتماني، علّمنيه جبريل ﵇: تكبّران في عقب كل صلاة عشرا وتسبحانه عشرا وتحمدانه عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما حمدتما الله ثلاثا وثلاثين وتسبّحان ثلاثا وثلاثين وتكبّران أربعا وثلاثين. قال علي ﵇: فو الله ما تركتهن منذ علمنيهنّ رسول الله ﵌. فقال
стр. 3136
ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ قال علي: قاتلكم الله يا أهل العراق، ولا ليلة صفين.
١٧٢- وعن أنس: جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ تشكو مجلا بيدها من الطحين. فأتاها النبي ﷺ بغلام وعليها ثوب، فذهبت تغطى وجهها فتخرج رجلاها، فذهبت تغطي رجليها فذهب رأسها. فقال ﷺ : إنما هو أبوك وغلامك.
١٧٣- ومدح الفقر والرضا به مخرجة من الدنانير. فأما المنغمس في الدنيا والراغب فيها فجماله وفخره في الغنى، ووباله وفساد حاله وفضائله الفقر. وقد أكثر الناس في ذلك، فكانوا أكثر ممّن رضي بالفقر، كنسبة كثرة الراغبين في الدنيا إلى قلة طالبي الآخرة.
«١٧٤» - وقد قالوا: الفقر رأس كل بلاء، وداعية إلى مقت الناس، وهو مع ذلك مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للحياء والأدب والعلم، معدن للتهمة.
ومتى نزل بالرجل الفقر لم يجد بدّا من ترك الحياء. ومن فقد حياءه فقد مروءته، ومن فقد مروءته مقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن أنكر عقله، واستحال ذهنه، وذهب حفظه وفهمه، ومن صار إلى ذلك كان قوله وفعله عليه لا له. وإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان ظنه به حسنا. فإن أذنب غيره أظنوه، وكان عندهم للتهمة أهلا. وليست خلّة هي للغني مدح إلا وهي للفقير عيب، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان جوادا قيل مبذر، وإن كان حليما قيل ضعيف، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان صموتا قيل عيي.
١٧٥- وأوصى قيس بن معدي كرب الكندي بنيه فقال: عليكم بهذا المال فاطلبوه أجمل الطلب، واجعلوه جنة لاعراضكم يحسن في الدنيا مقالكم، فإن بذله كمال الشرف وثبات المروءة، وإنه ليسوّد غير السيد، ويقوّي غير الأيّد،
стр. 3137
حتى يكون في أنفس الناس نبيها، وفي أعينهم مهيبا. ومن كسب مالا فلم يصل منه رحما، ولم يعط منه سائلا، ولم يصن به عرضا، بحث الناس عن أصله، فإن كان ناقصا [١] هتكوه، وإن كان صحيحا كسبوه إمّا دنية أو عرقا لئيما حتى يمتحنوه.
[أقوال في الفقر والفقير]
١٧٦- قال لقمان لابنه: إني قد ذقت المرّ فلم أذق أمرّ من الفقر، فإن افتقرت يوما فاجعل فقرك فيما بينك وبين الله ثم سله، فما من أحد دعا الله فلم يجبه، أو سأله فلم يعطه. ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم ويبغضوك.
١٧٧- وقيل للقمان: أي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل: فأي الناس أغنى؟ قال: من رضي بما أوتي. قيل: فأي الناس خير؟ قال: المؤمن الغني. قيل: الغنى من المال؟ قال: بل الغنى من العلم، فإن احتاج الناس إليه وجدوا عنده علما، وإن لم يحتج الناس إليه أغنى نفسه.
١٧٨- باع طلحة ضيعة بخمسين ألف درهم وتصدق بها، ثم راح إلى الجمعة في قميص مرقوع.
١٧٩- وقال قيس بن عاصم في وصيته لولده: أكرموا الإبل فإن فيها مهر الكريمة ورقوء الدم.
ورقوء الدم حبسه، وكذلك الدمع يقال لا أرقأ الله له مدمعا.
١٨٠- ومن أمثالهم في اكرام المال: من ذهب ماله هان على أهله.
«١٨١» - ودخل أحيحة بن الجلاح حائطا، فرأى تمرة ساقطة فتناولها، فعوتب في ذلك فقال: التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل، فذهبا
стр. 3138
مثلين. وهو القائل: [من البسيط]
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
إني أقيم على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
«١٨٢» - ومن محبتهم للمال والغنى أمروا بإصلاحه، ومنه البيت السائر:
[من الوافر]
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وهو للمتلمس. وقبله:
لحفظ المال خير من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد
١٨٣- ومنه الخبر عن عائشة ﵂ أنها وهبت مالا كثيرا ثم أمرت بثوب لها أن يرقع، وقالت: لا جديد لمن لا يلبس الخلق.
١٨٤- ومن أمثال العرب: من استغنى كرم على أهله.
قال الشاعر: [من الرمل]
يكرم الناس دنّيا مكثرا ... ويهان الماجد العفّ العديم
«١٨٥» - وقال بعض الفرس: من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه، فإن ثبت صدقه فهو عندي أحمق.
«١٨٦» - وروي عن رجل من أهل العلم أنه مرّ به رجل من أرباب المال فنحر له وأكرمه، فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال: لا والله، ولكني رأيت ذا المال مهيبا، أو قال رايت المال مهيبا.
стр. 3139
١٨»
- ويشبه ذلك قول عروة بن الورد: [من الوافر]
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وان أمسى له حسب وخير
ويقضيه الدنيّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور
١٨٧ ب- ورأى أنو شروان فقيرا جاهلا فقال: بئس ما اجتمع على هذا، فقر ينغص دنياه وجهل يفسد آخرته.
١٨٨- وقال آخر: نعم أخو الشريف درهمه: يغنيه عن اللئام ويتجمل به في الكرام.
١٨٩- وقال آخر: الفقير في الأهل مصروم، والغني في الغربة موصول.
١٩٠- قيل لرجل مستهتر بجمع المال: ما هذا كله؟ قال: إنما أجمعه لروعة الزمان، وجفوة السلطان، وتخلّي الإخوان، ودفع الأحزان.
١٩١- قال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة، فسأله سائل فلم يكن معه ما يعطيه فبكى. فقلت له: وما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: وأي مصيبة أعظم من أن يؤمّل فيك رجل خيرا فلا يصيبه منك.
١٩٢- قال سعيد بن عبد العزيز: ما ضرب العباد بسوط أوجع من الفقر.
«١٩٣» - وكان العياشي [١] يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع
стр. 3140
للشمس، ومن الذنب للمصرّ، ومن الحكم للمقرّ؛ وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد؛ خطأه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول؛ يغشى مجلسه ولا يملّ حديثه.
قال: والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظّة، ومن مرآة اللقوة؛ لا يسلّم عليه إن قدم، ولا يسأل عنه إن غاب؛ إن غاب شتموه، وإن حضر زبروه، وإن غضب صفعوه؛ مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة؛ أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف المبرم.
١٩٤- رأى أعرابيّ إبل رجل قد كثرت بعد قلة، فقيل: إنه زوّج أمّه فجاءت بمال. فقال: اللهم إنا نعوذ بك من بعض الرزق.
١٩٥- وقال أعرابيّ: اجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق وتطعم الجردق.
١٩٦- وقال بعضهم: طلبت الراحة لنفسي فلم أجد شيئا أروح لها من ترك ما لا يعنيها، وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أشدّ من قرين سوء، وشهدت الزّحوف ولقيت الأقران فلم أر قرنا أغلب للرجل من امرأة سوء، ونظرت إلى كل ما يذلّ العزيز ويكسره فلم أر شيئا أذلّ له ولا أكسر من الفاقة.
١٩٧- قال حضين بن المنذر: لوددت أن لي أساطين مسجد الجامع ذهبا وفضة لا أنتفع منه بشيء. قيل له: لم يا أبا ساسان؟ قال: يخدمني والله عليه موتان الرجال.
١٩٨- قال علي بن سويد بن منحوف: أعدم أبي إعدامة بالبصرة، فخرج إلى خراسان فلم يصب بها طائلا، فبينا هو يشكو تعذّر الأشياء عليه إذا عدا غلامه على كسوته وبغلته فذهب بها، فأتى أبا ساسان حضين بن المنذر الرقاشي، فشكا إليه حاله، فقال له: والله يا ابن أخي ما عمّك ممّن يحمل محاملك، ولكن لعلي أحتال لك. فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال: امض بنا. فأتى باب السلطان فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب يقول: علي بن سويد بن منحوف، فدخلت على الوالي فإذا حضين على فراش إلى جنبه. فسلمت
стр. 3141
على الوالي فردّ عليّ. ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير هذا علي بن سويد بن منحوف سيد فتيان بكر بن وائل وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالا، وقد تحمّل بي على الأمير في حاجة، قال: حاجته مقضية؛ قال: فإنه يسألك أن تمد يدك من ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت، قال: لا والله ما أفعل ذلك بل نحن أولى بزيادته؛ قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، وهو يسألك أن تحمّله حوائجك بالبصرة؛ قال: إن كان فيها حاجة فهو فيها ثقة، ولكني أسألك أن تكلمه في قبول معونة منّا فإنا نحب أن نرى على مثله من أثرنا. فأقبل عليّ فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك أن لا ترد على عمك شيئا أكرمك به. فسكت فدعا لي بمال ودواب وكسوة ورقيق. فلما خرجت قلت: يا أبا ساسان لقد وافقتني على خطة، قال:
اذهب! إليك يا ابن أخي، فعمك أعلم بالناس منك، إن الناس إن يعلموا لك غرائر من مال حشوا لك أخرى، وإن علموا أنك فقير تعدّوا عليك مع فقرك.
«١٩٩» - كان سعية بن غريض اليهودي ينادم قوما من الأوس والخزرج، ويأتونه فيقيمون عنده، ويزورونه في أوقات قد ألف زيارتهم فيها، فأغار عليه بعض ملوك اليمن فانتسف ماله حتى افتقر، فانقطع عنه إخوانه وجفوه، فلما أخصب وتراجعت حاله راجعوه. فقال في ذلك: [من الوافر]
أرى الإخوان لما قل مالي ... وأجحفت النوائب ودّعوني
فلما أن غنيت وعاد مالي ... أراهم لا أبا لك راجعوني
وكان القوم خلانا لمالي ... وإخوانا لما خوّلت دوني
فلما شذّ مالي باعدوني ... ولما عاد مالي عاودوني
صخر بن حبناء: [من الطويل]
رأيت لما نلت مالا وعضّنا ... زمان نرى في حدّ أنيابه شغبا
стр. 3142
تجنّى عليّ الذنب أنك موسر ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا
٢٠٠- كاتب: حسر الدهر عن تجملي قناع القناعة، ولكني مع الظمأ عن ذي الموارد نافر، ومع الفاقة بغنى النفس مكاثر.
«٢٠١» - قال رجل لابن عبد الرحمن بن عوف: ما ترك أبوك؟ قال: ترك مالا كثيرا، فقال له: ألا أعلمك شيئا هو خير لك ممّا ترك أبوك؟ إنه لا مال لعاجز، ولا ضياع على حازم، والرفق جمال وليس بمال، فعليك من المال بما لا يعولك ولا تعوله.
٢٠٢- قيل: لا تصحب غنيا فإنك إن ساويته في الانفاق أضربك، وإن تفضل عليك استنصر واستذلك.
٢٠٣- قال الحجاج لكاتبه: لا تجعلن مالي عند من لا أستطيع أخذه منه.
قال: ومن لا يستطيع الأمير أن يأخذ منه ماله؟ قال: المفلس.
٢٠٤- فكان من شأن الفقير على هذا أن لا يعامل. ومن لا يعامل انقطعت موارد [١] كسبه.
[التظاهر بالغنى مروءة]
٢٠٥- وقد كانوا يتظاهرون بالغنى، ويرونه مروءة وفخرا، فمن ذلك ما اعتمده الحسن بن سهل حين زوج بوران ابنته من المأمون، وتكلّفه في ذلك مشهور. قيل إنه نثر على الناس كتب الأملاك، فمن حصل بيده شيء منها جعل له ما تضمنه، وأعوزهم الحطب فأوقد عوضه العود المندلي.
«٢٠٦» - ابن الرومي: [من الطويل]
وصبري على الاقتار أيسر محملا ... عليّ من التغرير بعد التجارب
стр. 3143
ومن يلق ما لاقيت في كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب
«٢٠٧» - أنشد أبو عثمان الخالدي: [من البسيط]
تزيدني قسوة الأيام طيب ثنا ... كأنني المسك بين الفهر والحجر
لقد فرحت بما عانيت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر
«٢٠٨» - أنشد سفيان بن عيينة: [من البسيط]
كم من قويّ قويّ في تصلّبه ... مهذّب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أنّ الإله له ... بالخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف
[الأعراب والإخلال]
٢٠٩- استضاف رجل أعرابيا فقال لامرأته: هل من لبن تسقينا؟ قالت:
لا والله، قال: فتمرات، قالت: لا والله، قال: فكسيرات، قالت: لا والله، فالتفّ بكسائه وخرج على ضيفه وهو يقول: [من الطويل]
إلى الله أشكو ما طوى من سجيتي ... ومن خلقي هذا الزمان المبرّح
٢١٠- قال قبيصة بن المهلب: نظر أعرابي إلى المنصور بالكوفة بعد أن ولي الخلافة وكان يعرفه في أيامه الأولى، فقال: ولي هذا الخلافة؟ قيل: نعم، فنظر إليه ساعة ثم قال: [من الطويل]
حديث غنى لاقى من الدهر شبعة ... يحاذر أن يلقى بها جوع قابل
٢١١- أبو العالية: [من البسيط]
إذا رأيت امرءا في حال عسرته ... مصافيا لك ما في ودّه خلل
стр. 3144
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل
٢١٢- كان سعد بن عبادة يقول: اللهم هب لي حمدا وهب لي مجدا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه.
«٢١٣» - القاضي أبو الحسن ابن عبد العزيز: [من الطويل]
قالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرّما ... عليّ الغنى نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
وماذا على مثلي إذا خضعت له ... مطامعه في كفّ من حصل التبر
وأكثر ما عندي لمن قعدت به ... فضائله الاعراض والنظر الشزر
٢١٤- قال حكيم: احتمال الفقر أحسن من احتمال الذل، على أن الرضى بالفقر قناعة، والرضى بالذل نذالة.
[الحجاج يزوج ابنه]
٢١٥- وروي أن الحجاج بن يوسف لما زوّج محمد بن الحجاج قال:
لأصنعنّ طعاما لم يسبقني إليه الأولون ولا يلحقني به الآخرون. فقيل له: لو وجهت إلى المدائن فسألت كيف يصنع كسرى بالطعام فعملت على نحو ذلك.
فأرسل إلى بعض من يعلم ذلك، فقال: حين تزوج كسرى هندا بنت بهرام كتب إلى عماله في الآفاق: ليقدم عليّ كل رجل منكم وخليفة شرطته، فوافى عنده اثنا عشر ألفا، فأطعمهم في ثلاثة أيام، كل يوم أربعة آلاف خوان، يقعدون على بسط الديباج المنسوجة بالذهب ووسائد الديباج المنسوجة بالذهب؛ فلما أكلوا أتى كل واحد بمثقال من مسك فغسل به يده، فلما قاموا بعث بتلك الآنية والبسط فقسمت عليهم. فقال الحجاج: أفسدت عليّ لعنك الله! اذهبوا فاشتروا الجزر فانحروها في مربعات واسط.
стр. 3145
[تيه الغنى ومذة الفقر]
«٢١٦» - وقيل: دخل خمارويه بن أحمد بن طولون يوما إلى بعض بساتينه، فرأى قراح نرجس قد فتّح جميع زهره فاستحسنه، فدعا بغدائه فتغدى، ثم دعا بشرابه، فلما انتشى قال: عليّ بألف مثقال مسك الساعة، ثم قال: يسحق ويسمّد به النرجس. فجعلوا ينثرونه على أوراقه ويطرح في أصوله.
وهذا الغنى المفسد الذي يكبّ صاحبه على وجهه.
٢١٧- كان يونس يقول: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم المذاهب، ولا العلماء فيضعوا عليكم المثالب، ولا المياسير فيبذلوا في تلفكم الأموال.
«٢١٧» ب- شاعر: [من الطويل]
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه ... وأهوت إليه بالعيوب الأصابع
٢١٨- وقال آخر: [من الطويل]
ولا خير في رزق وإن كان واسعا ... إذا كنت في مجنى اللئيم تطالبه
٢١٨ ب- وقال آخر: [من الطويل]
ولا مستزاد تبتديه بذلة ... وتفضي إلى منّ عليك عواقبه
«٢١٩» - وقال آخر: [من الكامل المرفل]
خلقان لا أرضاهما أبدا ... تيه الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر
«٢٢٠» - قال النبي ﷺ : نعم العون الغنى على طاعة الله ، ونعم
стр. 3146
السلّم إلى الغنى طاعة الله وتلا: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
(المائدة: ٦٦) ، وقوله:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
(نوح: ١٠- ١٢) .
٢٢١- وقال حكيم لابنه: اطلب المال فإنه عزّ في قلبك وذلّ في قلب عدوك.
«٢٢٢» - وقال آخر لابنه: أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما:
درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.
٢٢٣- وقالوا: يجمع المال فيصان به العرض، وتحمى به المروءة، وتوصل به الرحم.
٢٢٤- وقال عبد الرحمن بن عوف: حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرّب به إلى ربي.
٢٢٥- وقال سفيان الثوري: صلاح المؤمن في هذا الزمان المال.
٢٢٦- قال حكيم: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية.
٢٢٦ ب- الغنى أنس الأوطان.
٢٢٦ ج- لا تفزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
[المال والحرص]
٢٢٧- ذكر عند سعيد بن المسيب المال وحرص الناس عليه، فقال سعيد:
لا خير في من لا يحبّ المال، أقضي به ديني، وأصل به رحمي، وأتقرّب به إلى ربي ، وأستعين به على معاشي وأكف به وجهي.
«٢٢٨» - وكان عروة بن الورد العبسي موسرا، وكان له ابن عم معسر، وكانا يسكنان الأردن وكان عروة كثيرا ما يعطف عليه ويبرّه، وكان ذاك
стр. 3147
يشكو إليه الحاجة، فلما أكثر عليه كتب إليه- وتروى الأبيات لأبي عطاء السندي-[من الطويل]
إذا المرء لم يكسب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكّرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
فما طالب الحاجات من حيث يبتغي ... من الناس إلا من أجدّ وشمّرا
ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا
[حكايات في الغنى وأشعار]
٢٢٩- عبد الله بن همام السلولي: [من البسيط]
وأطعم الله أقواما على قدر ... ولم يحاسبكم في الرزق والطّعم
«٢٣٠» - المتوكل الليثي: [من الكامل]
ومعيّري بالفقر قلت له اقتصد ... إني أمامك في الزمان قديم
قد يكثر النّكس المقصّر همّه ... ويقلّ مال المرء وهو كريم
٢٣١- الأقرع بن معاذ: [من البسيط]
فاختر لنفسك جيرانا تجاورهم ... لا يصلح المال حتى يصلح الجار
«٢٣٢» - مرّ رجل من أهل المال برجل من أهل العلم، فأكرمه فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال: لا، ولكني رأيت ذا المال مهيبا أو قال رأيت المال مهيبا.
«٢٣٣» - أبو الفتح البستي: [من البسيط]
стр. 3148
إذا حوى فاضل ذو همة نشبا ... بني به لبنيه بعده رتبا
ومن سعى يطلب العليا بلا سبب ... من ثروة وغنى أعياه ما طلبا
أما ترى النار والعلياء مركزها ... لا ترتقي صعدا إن لم تجد حطبا
٢٣٤- قال الأصمعي: لقيت أعرابيا فسايرته ثم نزلت معه، وكانت له حالة رثة بذة، فحادثته واستنشدته، فأنشدني أشعارا كأنه هو قائلها، واستخبرته عن أخبار وكأنه كان مشاهدها، فطفقت أتعجب من جماله وكماله وسوء حاله، فسكت سكتة ثم أنشأ يقول: [من الكامل المجزوء]
أأخيّ إن الحادثا ... ت عركنني عرك الأديم
ففللن غرب بطالتي ... عن ذي مماحكة خصيم
لا تنكرن أن قد رأي ... ت أخاك في طمري عديم
إن كن أثوابي بلى ... ن فإنهن على كريم
٢٣٥- الأعشى: [من الكامل]
والمال زين في الحياة وغبطة ... ولقد ينال المال غير كريم
٢٣٦- قال حميد بن هلال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ سابع سبعة قد سلعت أفواهنا من أكل الشجر، وقد رأيتني وأنا وسعد التقطنا بردة فشققناها بيننا نصفين، وإنا اليوم ليس منا رجل إلا وهو أمير على مصر، ألا وإني أعوذ بالله من أن أكون في نفسي عظيما وفي أعين الناس صغيرا، ألا وإنها لم تكن نبوة إلا تناسخت ملكا، وستجربون الأمراء بعدي.
٢٣٧- وقال عبد الرحمن بن أزهر: سمعت أبا عبيدة بن الجراح قال: كنت حفارا أحفر القبور بمكة ولا مال لي، فأسلمت وأنا أكسب طعام يومي، فكنت حين أسلمت إذا حفرت قبرا صنعت طعاما فجئت به إلى رسول الله ﵌، وكان لا يفارقه عمّار وخباب بن الأرت، وكنا يومئذ إنما نحن بضعة
стр. 3149
عشر رجلا، وإني حفرت يوما قبرا بدرهمين فمررت بشملة تباع بدرهمين فابتعتها، وكنت قد عريت، فلما وقعت في يدي ندمت ألا أكون صنعت بها طعاما لرسول الله ﵌، وإنها لمعي إذ مرّ بي رجل فساومني بها وبعته بأربعة دراهم، فما وصلت إلى منزلي حتى ابتعت شملة خيرا منها بدرهمين وابتعت بدرهمين خبزا ولحما، فجئت به النبي ﵌، فأرسل وجمع إليه أصحابه فأكلنا، ثم قال: اللهم إنا قليل فكثّرنا، وإنا مقلّون فكثّر لنا. قلت: يا نبي الله ألا ترى إلى هذه الشملة عليّ؟ ألا أخبرك بخبرها؟
فقصصت عليه خبرها فضحك ثم قال: أما إنه لو أخبرتكم بما يفتح الله عليكم سرّكم، ولو أخبرتكم كيف تكونون فيها ساءكم. قلنا: يا نبي الله فلا حاجة بالدنيا. قال: يأبى الله. قلنا: ونهلك وأنت بين أظهرنا؟ قال: لا تصلحون ما بقيت وتهلكون إذا هلكت إلا قليلا. قلنا: وكيف ذلك؟ قال: تفتح فارس فتأكلون طعامهم وتلبسون ثيابهم، وليس من قبل هذا تهلكون، ولكنكم تنعمون فتشبعون وتوسرون فتطغون، وتفتح الروم فيكون كذلك. قلنا: يا رسول الله فأوصنا، فقال: إن الدنيا أفضت إليكم فما لقيتم منها فلا تأخذوه إلا طيبا وما لبستم فلا تلبسوا مشهورا، يرفع إليكم البصر وأنتم ملوكها وأمراؤها، فاقضوا عدلا، وسيروا قصدا، ولا تتخذوا مجالس الرفعة فإنها وضيعة، وسوف ألقاكم غدا، فمن قبض على طريقتي فأولئك هم السالمون، فأقول فلان بن فلان؟
فيقال: ربك أعلم، فأقول: ربي أعلم.
٢٣٨- وروي أن عليا ﵇ حدث، قال: لقد غدوت في غداة شاتية جائعا خصرا، وأيم الله لو كان في بيت النبي ﷺ طعام لأطعمت منه، وقد أخذت إهابا مطعونا فجئت وسطه ثم شددته عليّ ليدفئني ألتمس كسبا لعلي أجد شيئا آكله، فمررت بيهودي وهو في حائط له ينزع فيه بيده يسقيه، فأطلعت عليه من ثلمة الحائط، فقال: يا أعرابي ما لك؟ هل لك في كلّ دلو بتمرة؟
قلت: نعم، افتح الباب. ففتحه لي فدخلت فأعطاني دلوا، فجعلت كلما نزعت
стр. 3150
دلوا أعطاني تمرة، حتى إذا امتلأت كفاي طرحت إليه دلوه وقلت: حسبي، ثم أكلتهن وحمدت الله، وشربت من الماء الذي نزعت بكفي حتى رويت، ثم أقبلت حتى جئت رسول الله ﷺ فوجدته جالسا في المسجد في الناس، فبينما نحن عنده إذ طلع مصعب بن عمير في بردة خلق مرقوعة بفرو، فجاء وهو مستحيي يتقفّى الناس حتى جلس في أدناهم، فرآه رسول الله ﷺ ، فذكر ما كان فيه من النعمة وذكر ما أصابه من الجهد في الإسلام. قال: فذرفت عينا رسول الله ﷺ ، ثم قال: يوشك أن يغدو أحدكم في حلّة ويروح في أخرى، وأن يغدى على أحدكم بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة أفأنتم يومئذ خير منّا اليوم؟ فقلنا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم، كفينا المؤونة فتفرغنا للعبادة، قال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ.
٢٣٩- قال جعفر بن سليمان لأعرابي رآه في إبل قد ملأت الوادي: لمن هذه الإبل؟ قال: لله في يدي. فهذا الشكر الجميل النافع.
٢٤٠- قال النخعي: إنما يهلك الناس في فضول الكلام وفضول المال.
٢٤١- أبو بكر العرزمي: [من الطويل]
أرى عاجزا يدعى جليدا لغشمه ... ولو كلّف التقوى لكلّت مضاربه
وعفا يسمى عاجزا لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وليس بعجز المرء أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
٢٤٢- آخر: [من المنسرح]
كم من لئيم الآباء شرّفه ال ... مال أبوه وأمه الورق
ومن كريم الجدود ليس له ... عيب سوى أن ثوبه خلق
٢٤٣- الحسن: إن أشد الناس صراخا يوم القيامة رجل سنّ سنة ضلالة فاتّبع عليها، ورجل فارغ مكفيّ قد استعان بنعم الله على معاصيه.
[مصادر المال]
٢٤٤- قيل: أمور الدنيا أربعة: إمارة وتجارة وصناعة وزراعة، فمن لم
стр. 3151
يكن أحد أهلها كان كلّا على الناس.
٢٤٥- قوام الدين والدنيا والعلم والكسب، فمن رفضهما وقد ابتغى الزهد لا العلم ولا الكسب وقع في الجهل والطمع.
٢٤٦- قال حكيم: الدّين مجمع كلّ بؤس، همّ بالليل وذلّ بالنهار، وهو ساجور الله في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه.
[ألهتنى القروض عن القريض]
«٢٤٧» - قال الشاعر: [من الوافر]
لقد كان القريض سمير قلبي ... فألهتني القروض عن القريض
«٢٤٨» - أبو سعيد المخزومي: [من الطويل]
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
«٢٤٩» - العتابي: [من البسيط]
إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما بنت الأيام من خطري
أيام عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيّا ربيعة والأحياء من مضر
أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامي من الوتر
«٢٥٠» - قال رجل لفيلسوف: ما أشد فقرك، فقال: لو علمت ما الفقر لشغلك الغم لنفسك عن الغم لي.
«٢٥١» - قرىء على درهم على أحد جانبيه: [من السريع]
قرنت بالنجح وفي كل ما ... يراد من ممتنع يوجد
стр. 3152
وفي الجانب الآخر:
وكلّ من كنت له آلفا ... فالجن والإنس له أعبد
«٢٥٢» - وقال الحسن: ما أعز أحد الدرهم إلا أذلّه الله، ومن حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: دينه وعرضه.
٢٥٢ ب- قال الثوري: المال في هذا الزمان عزّ للمؤمن.
٢٥٢ ج- وقال: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان، وكان بين يديه دنانير يقلّبها، فقيل له: أتحبها؟ قال: دعنا منك، فلولا هذه لتمندلت بأعراضنا القوم تمندلا.
٢٥٣- وروي عن النبي ﷺ : إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه.
«٢٥٤» - ترك ابن المبارك دنانير وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني.
[لم تحب هذه الدنانير]
٢٥٥- وقيل لآخر: لم تحب هذه الدنانير والدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها.
«٢٥٦» - وقال ابن عيينة: من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس كان أول ما يبذل دينه.
«٢٥٧» - قال أبو الفضل الميكالي: [من الطويل]
стр. 3153
وقد يهلك الانسان كثرة ماله ... كما يذبح الطاووس من أجل ريشه
«٢٥٨» - وقيل: الغنى ينبوع الأحزان.
«٢٥٩» - عبد الله بن طاهر: [من الطويل]
ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى
فمن سره ألا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
«٢٦٠» - مالك بن حريم الهمداني جد مسروق بن الأجدع: [من الطويل]
انبيك والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم
بأن ثراء المال ينفع ربّه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم
وإن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المخذم
يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم
٢٦١- قال الأصمعي: كان رجل من العرب مؤاخيا لابن عمّ له، فهاجر أحدهما فنال شرفا وكسب مالا، فقدم عليه الأعرابي فألفاه قد تنكّر له، فأقام عنده يوما وقد نكر حاله، فشد كوره على راحلته وأقبل حتى وقف على ابن عمه وقال: [من الطويل]
إن تك قد أوتيت مالا فلا تكن ... به بطرا فالحال قد يتحوّل
فكم قد رأينا من أناس ذوي غنى ... وجدّة عيش أصبحوا قد تبدّلوا
ثم كر راحلته وولّى راجعا إلى بلده.
٢٦٢- دخل داود ﵇ غارا فيه رجل ميت وعند رأسه لوح
стр. 3154
مكتوب فيه: أنا فلان بن فلان ملكت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وتزوجت ألف امرأة، وهزمت ألف جيش، ثم صار أمري إلى أن بعثت إلى السوق قفيزا من الدراهم في رغيف فلم يوجد، فبعثت قفيزا من الدنانير فلم يوجد، فبعثت قفيزا من الجواهر فلم يوجد، فدققت الجواهر فاستففتها فمت مكاني، فمن أصبح له رغيف وهو يحسب أن على وجه الأرض أغنى منه فأماته الله كما أماتني.
[ثروة بعض الأغنياء]
٢٦٣- وذكر أن عبد الرحمن بن زياد ولي خراسان، فعاد وقد كسب ثمانين ألف ألف درهم وافية، وقدر لنفسه أنه إذا عاش مائة سنة ينفق في كل يوم ألفا أنه يكفيه، فرئي بعد مدة على حمار تنال رجله الأرض، واحتاج حتى باع حلية مصحفه.
٢٦٤- وقال هيثم بن خالد الطويل: دخلت على صالح مولى منارة في يوم شات وهو جالس في قبة له مغشاة بالسمور وجميع فرشها سمور، وبين يديه كانون فضة يسجر عليه العود، ثم رأيته بعد ذلك في رأس الجسر وهو يسأل الناس ويقول: أنا مولى منارة، فربما وهب له الدرهم والشيء [اليسير] .
٢٦٥- ومثل هذا كثير لا يحصى. وقد رأينا في عصرنا مسعود بن المؤمل ابن الهيتي اليهودي، ملك مائتي ألف دينار عينا وأجناسا وقروضا، ثم رأيناه بعد وقد أسلم وهو يطلب رغيف خبز من اليهود يقتاته في السوق مكانه.
٢٦٦- ورأينا نصر بن الدريج ملك ستين ألف دينار عينا سوى ما له من الأملاك والعقار، ثم احتاج حتى كتب رقاعا يستميح الناس، ومات على تلك الحال.
وهذان لما ابتدأت حالهما في التناقص، وقبل أن تنتهي إلى الفقر لم يراقبا الله ولا استعانا بلطفه في حفظ ما أبقى من نعمتهما، بل طلبا العوض عما ذهب منهما بضمان المكس والدخول في المحرمات، فآل بهما فعلهما إلى الفقر الذي ذكرناه.
٢٦٧- وأعجب من كل ما وجد في السّير خبر القاهر وخروجه إلى جامع
стр. 3155
المدينة في حشو جبّة بغير ظهارة يمد كفه إلى الناس، بعد الخلافة ونفاذ أمره في أقطار الأرض. فتبارك الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء.
[المال عون على التقى]
٢٦٨- قال علي ﵇: إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غني، والله سائلهم عن ذلك.
٢٦٩- وعنه: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.
«٢٧٠» - إبراهيم بن أدهم: اكتسب فإنك إن لم تفعل احتجت فداهنت الناس للطمع، فخالفت حينئذ الحق وأهله.
«٢٧١» - كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعه وهو واليها. فحدثه محمد بن كعب القرظي عن النبي ﵌: أيما عامل تجر في رعيته هلكت رعيته. فأمر بما في السفينة فتصدق به، وفكّكها وتصدّق بخشبها على المساكين.
٢٧٢- قيل لرجل أصابته حاجة: لو خالطت هؤلاء فأصبت من دنياهم، فقال: دعوني عنكم فإني قد لقيت من فقر الدنيا ما لا أحب أن أجمع إليه فقر الآخرة.
٢٧٣- أبو نواس: [من الطويل]
كفى حزنا أن الجواد مقتّر ... عليه ولا معروف عند بخيل
«٢٧٤» - آخر: [من الطويل]
ألم تر أن المال عون على التقى ... وليس جواد معدم كبخيل
٢٧٥- المتنبي: [من الخفيف]