← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

يكن أحد أهلها كان كلّا على الناس. ٢٤٥- قوام الدين والدنيا والعلم والكسب، فمن رفضهما وقد ابتغى الزهد لا العلم ولا الكسب وقع في الجهل والطمع. ٢٤٦- قال حكيم: الدّين مجمع كلّ بؤس، همّ بالليل وذلّ بالنهار، وهو ساجور الله في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه. [ألهتنى القروض عن القريض] «٢٤٧» - قال الشاعر: [من الوافر] لقد كان القريض سمير قلبي ... فألهتني القروض عن القريض «٢٤٨» - أبو سعيد المخزومي: [من الطويل] ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر «٢٤٩» - العتابي: [من البسيط] إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما بنت الأيام من خطري أيام عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيّا ربيعة والأحياء من مضر أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامي من الوتر «٢٥٠» - قال رجل لفيلسوف: ما أشد فقرك، فقال: لو علمت ما الفقر لشغلك الغم لنفسك عن الغم لي. «٢٥١» - قرىء على درهم على أحد جانبيه: [من السريع] قرنت بالنجح وفي كل ما ... يراد من ممتنع يوجد

стр. 3152

وفي الجانب الآخر: وكلّ من كنت له آلفا ... فالجن والإنس له أعبد «٢٥٢» - وقال الحسن: ما أعز أحد الدرهم إلا أذلّه الله، ومن حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: دينه وعرضه. ٢٥٢ ب- قال الثوري: المال في هذا الزمان عزّ للمؤمن. ٢٥٢ ج- وقال: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان، وكان بين يديه دنانير يقلّبها، فقيل له: أتحبها؟ قال: دعنا منك، فلولا هذه لتمندلت بأعراضنا القوم تمندلا. ٢٥٣- وروي عن النبي ﷺ : إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه. «٢٥٤» - ترك ابن المبارك دنانير وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني. [لم تحب هذه الدنانير] ٢٥٥- وقيل لآخر: لم تحب هذه الدنانير والدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. «٢٥٦» - وقال ابن عيينة: من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس كان أول ما يبذل دينه. «٢٥٧» - قال أبو الفضل الميكالي: [من الطويل]

стр. 3153

وقد يهلك الانسان كثرة ماله ... كما يذبح الطاووس من أجل ريشه «٢٥٨» - وقيل: الغنى ينبوع الأحزان. «٢٥٩» - عبد الله بن طاهر: [من الطويل] ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى فمن سره ألا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا «٢٦٠» - مالك بن حريم الهمداني جد مسروق بن الأجدع: [من الطويل] انبيك والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم بأن ثراء المال ينفع ربّه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم وإن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المخذم يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم ٢٦١- قال الأصمعي: كان رجل من العرب مؤاخيا لابن عمّ له، فهاجر أحدهما فنال شرفا وكسب مالا، فقدم عليه الأعرابي فألفاه قد تنكّر له، فأقام عنده يوما وقد نكر حاله، فشد كوره على راحلته وأقبل حتى وقف على ابن عمه وقال: [من الطويل] إن تك قد أوتيت مالا فلا تكن ... به بطرا فالحال قد يتحوّل فكم قد رأينا من أناس ذوي غنى ... وجدّة عيش أصبحوا قد تبدّلوا ثم كر راحلته وولّى راجعا إلى بلده. ٢٦٢- دخل داود ﵇ غارا فيه رجل ميت وعند رأسه لوح

стр. 3154

مكتوب فيه: أنا فلان بن فلان ملكت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وتزوجت ألف امرأة، وهزمت ألف جيش، ثم صار أمري إلى أن بعثت إلى السوق قفيزا من الدراهم في رغيف فلم يوجد، فبعثت قفيزا من الدنانير فلم يوجد، فبعثت قفيزا من الجواهر فلم يوجد، فدققت الجواهر فاستففتها فمت مكاني، فمن أصبح له رغيف وهو يحسب أن على وجه الأرض أغنى منه فأماته الله كما أماتني. [ثروة بعض الأغنياء] ٢٦٣- وذكر أن عبد الرحمن بن زياد ولي خراسان، فعاد وقد كسب ثمانين ألف ألف درهم وافية، وقدر لنفسه أنه إذا عاش مائة سنة ينفق في كل يوم ألفا أنه يكفيه، فرئي بعد مدة على حمار تنال رجله الأرض، واحتاج حتى باع حلية مصحفه. ٢٦٤- وقال هيثم بن خالد الطويل: دخلت على صالح مولى منارة في يوم شات وهو جالس في قبة له مغشاة بالسمور وجميع فرشها سمور، وبين يديه كانون فضة يسجر عليه العود، ثم رأيته بعد ذلك في رأس الجسر وهو يسأل الناس ويقول: أنا مولى منارة، فربما وهب له الدرهم والشيء [اليسير] . ٢٦٥- ومثل هذا كثير لا يحصى. وقد رأينا في عصرنا مسعود بن المؤمل ابن الهيتي اليهودي، ملك مائتي ألف دينار عينا وأجناسا وقروضا، ثم رأيناه بعد وقد أسلم وهو يطلب رغيف خبز من اليهود يقتاته في السوق مكانه. ٢٦٦- ورأينا نصر بن الدريج ملك ستين ألف دينار عينا سوى ما له من الأملاك والعقار، ثم احتاج حتى كتب رقاعا يستميح الناس، ومات على تلك الحال. وهذان لما ابتدأت حالهما في التناقص، وقبل أن تنتهي إلى الفقر لم يراقبا الله ولا استعانا بلطفه في حفظ ما أبقى من نعمتهما، بل طلبا العوض عما ذهب منهما بضمان المكس والدخول في المحرمات، فآل بهما فعلهما إلى الفقر الذي ذكرناه. ٢٦٧- وأعجب من كل ما وجد في السّير خبر القاهر وخروجه إلى جامع

стр. 3155

المدينة في حشو جبّة بغير ظهارة يمد كفه إلى الناس، بعد الخلافة ونفاذ أمره في أقطار الأرض. فتبارك الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. [المال عون على التقى] ٢٦٨- قال علي ﵇: إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غني، والله سائلهم عن ذلك. ٢٦٩- وعنه: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى. «٢٧٠» - إبراهيم بن أدهم: اكتسب فإنك إن لم تفعل احتجت فداهنت الناس للطمع، فخالفت حينئذ الحق وأهله. «٢٧١» - كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعه وهو واليها. فحدثه محمد بن كعب القرظي عن النبي ﵌: أيما عامل تجر في رعيته هلكت رعيته. فأمر بما في السفينة فتصدق به، وفكّكها وتصدّق بخشبها على المساكين. ٢٧٢- قيل لرجل أصابته حاجة: لو خالطت هؤلاء فأصبت من دنياهم، فقال: دعوني عنكم فإني قد لقيت من فقر الدنيا ما لا أحب أن أجمع إليه فقر الآخرة. ٢٧٣- أبو نواس: [من الطويل] كفى حزنا أن الجواد مقتّر ... عليه ولا معروف عند بخيل «٢٧٤» - آخر: [من الطويل] ألم تر أن المال عون على التقى ... وليس جواد معدم كبخيل ٢٧٥- المتنبي: [من الخفيف]

стр. 3156

والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق ٢٧٦- يقال: كثرة مال الميت تعزّي عنه ورثته. ٢٧٧- قيل للحسن البصري: لم صارت الحرفة مقرونة بالعلم، والثروة مقرونة مع الجهل؟ قال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم، طلبتم المال وهو قليل في أهل العلم وهم قليل، ولو نظرتم إلى من يحارف من أهل الجهل لوجدتموهم أكثر. «٢٧٨» - وقد قال أبو إسحاق الصابي ولم يقنعه قول الحسن: [من الطويل] فحيث يكون النقص فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيّق وهذا معنى مطروق، وقد تداوله الشعراء وأصحاب النثر كلهم. نظروا إلى الخبر المشهور: حذق المرء محسوب عليه من رزقه.

стр. 3157

نوادر من هذا الباب ٢٧٩- دخل اللصوص على رجل فقير ليس في بيته شيء، وجعلوا يطلبون ويفتشون، فانتبه الرجل فرآهم فقال: يا فتيان هذا الذي تطلبون بالليل قد طلبناه بالنهار فلم نجده. ٢٨٠- دخل لصّ دارا فلم يجد فيها شيئا إلا دواة، فكتب على الحائط: عزّ علي فقركم وغناي. ٢٨١- احتاج مزبّد أن يبيع جبة لسوء حاله فنادى المنادي عليها فلم تطلب بشيء، فقال مزبد: ما كنت أعلم أني كنت عريانا إلا الساعة. ٢٨٢- قيل لأعرابي فقير: ما تلبس؟ قال: الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس. ٢٨٣- أتى أعرابي الحضر فجعل يؤجر بعيره ويحمل عليه، فقيل: قد أتعبت نفسك وكددت بعيرك، فقال: [من الرجز] يشكو إليّ جملي طول السّرى ... يا جملي ليس إليّ المشتكى الدرهمان كلفاني ما ترى ... حمل الجواليق وجذبا بالعرى صبرا قليلا فكلانا مبتلى «٢٨٤» - كان أبو الشمقمق الشاعر أديبا ظريفا عاقلا محارفا صعلوكا متبرما قد لزم بيته في أطمار مسحوقة. وكان إذا استفتح أحد بابه خرج فنظر من فروج الباب، فإن أعجبه فتح له وإلا سكت عنه. فأقبل إليه بعض إخوانه، فلما رأى

стр. 3158

سوء حاله قال له: أبشر أبا الشمقمق فإنا نجد في الحديث أن العارين في الدنيا الكاسون في الآخرة. قال: لئن كان هذا الذي تقوله حقا لأكونن يوم القيامة بزّازا، وقال: [من الرمل المجزوء] أنا في حال تعالى ال ... له ربّي أي حال ليس لي شيء إذا قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي ولقد أفلست حتى ... محت الشمس خيالي ولقد أملقت حتى ... حل أكلي لعيالي «٢٨٥» - وقال: [من الخفيف] أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطية غير رجلي حيثما كنت لا أخلّف شيئا ... من رآني فقد رآني ورحلي «٢٨٦» - آخر: [من الخفيف] خلق المال واليسار لقوم ... وأراني خلقت للإملاق أنا فيما أرى بقية قوم ... خلقوا بعد قسمة الأرزاق «٢٨٧» - حبس عمرو بن الليث أبا سعيد الكاتب وعلي بن النضر فتبلّح أبو سعيد في أداء ما طولب به، فحلف المطالب ليقلعنّ أضراسه إن لم يؤدّه، فلما خبأ ماله في كيس عمد إليه ابن النضر فسرقه ودعا بالطبيب والكلبتين فقلعت أضراسه. ونمي الخبر إلى عمرو فاغتم له وأطلقه، فلما كان بعد مدة أتاه علي بالكيس، فقال: ما حملك على ما فعلت، دخلت في ذنبي وفجعتني بأضراسي؟ قال: اسكت فإنه إذا لم

стр. 3159

يكن لك أضراس ولك دراهم اتخذت الهرائس والأخبصة، وإذا لم يكن لك مال وأنت سالم الأضراس متّ جوعا. فضحك وتسلّى. «٢٨٨» - نظر ابن سيابة إلى مبارك التركي على دابة، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ هذا حمار له فرس وأنا انسان وليس لي حمار. ٢٨٩- أنشد أبو محلم لنفسه في مثله: [مخلع البسيط] ما يصنع الليل والنهار ... ما للفتى منهما انتصار من لم يؤدّبه والداه ... أدّبه الليل والنهار كم من حمار له جواد ... وسيّد ما له حمار «٢٩٠» - آخر: [من الوافر] رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا أدب وللثقفي مال ٢٩١- سأل بعض رؤساء المغاربة الجرواني الشاعر: أي بروج السماء لك؟ فقال: واعجبا منك! ما لي بيت في الأرض، يكون لي برج في السماء؟ فضحك وأمر له بدار وأحسن إليه. تمّ الجزء والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم

стр. 3160

الباب التاسع والثّلاثون ما جاء في الأسفار والاغتراب

стр. 3161

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وما توفيقي إلا بالله) الحمد لله الذي لا تنأى فوائد جوده ولا تنزح، ولا تبعد عوائد فضله ولا تبرح، ينجي الملجّج في غمرات البحار، كما يحفظ مقتحم الفلوات والقفار، الذي قسم الأيام بين عباده دولا، وألزمهم أحكامه فلم يستطيعوا عنها حولا، وقضى على كلّ نفس بما توجهت له حتى لا تدري بأيّ أرض تموت، وغيّب عنها ما تستقبله حتى لا تدري ما تكسب غدا وما تقوت، وأعقب الاستقرار نقلة وظعنا، وجعل النهار معاشا والليل سكنا. أحمده على ما آتانا من رزقه وادعين ومرتكضين، وأيدنا به من كلاءته مطمئنين ومغتربين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يعضد الإقرار بها اليقين، وترفع الناطق بها مخلصا في عليين، وأسأله الصلاة على رسوله البشير الداعي إلى دار القرار، النذير المحذر من التداعي في درك النار، جاعل طيبة دار هجرته، وهجرة الوطن سبب نصرته، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعترته.

стр. 3162

(الباب التاسع والثلاثون ما جاء في الأسفار والاغتراب، وينضم إلى المعنى ما قيل في الوداع والمسرة بالإياب، وورود الكتاب واصدار الجواب) [آيات وأحاديث] في قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ (الملك: ١٥) ، باعث على طلب الرزق والأسفار. «٢٩٢» - وفي الأثر: سافروا تغنموا. «٢٩٣» - وجاء فيه أيضا: السفر قطعة من العذاب، ولكل منهما موضع، فالغنيمة بما فيه من ربح التجارات وحصول التجارب وغير ذلك من فوائد لا توجد في المقام، والعذاب بالعناء ومشقّة الأجساد والإعياء. «٢٩٤» - وكان النبي ﵌ إذا أراد سفرا قال: اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ أصحبنا بنصح، وأقبلنا بنجح، اللهمّ ازو لنا الأرض، وهوّن علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السّفر، وكآبة المنقلب. ٢٩٥- وقال علي بن أبي طالب ﵇: الغني في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة. وفي هذا الكلام حث على السفر عند الضرورة.

стр. 3163

[أقوال الحكماء] ٢٩٦- قال محمد بن سيرين: ثلاثة ليس معها غربة: حسن الآداب، وكفّ الأذى، ومجانبة الريب. ٢٩٧- وقال بزرجمهر: يستحب من الخريف الخصب، ومن الربيع الزهر، ومن الجارية الملاحة، ومن الغلام الكيس، ومن الغريب الانقباض. «٢٩٨» - قيل: السفر ميزان الأخلاق. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ للرجل الذي وصف عنده آخر: أعاملته أو سافرت معه؟ ٢٩٩- قيل لرجل أراد السفر: تموت في الغربة، قال: ليس بين الموت في الوطن والموت في الغربة فرق، لأن الطريق إلى الآخرة واحد. «٣٠٠» - قال عروة بن الورد العبسي: [من الوافر] ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرّهم الفقير وهي أبيات قد كتبت في باب الغنى والفقر لأنها به أليق. وكان عروة بن الورد كثير الاغتراب والارتكاض، ضاربا في الأرض حرصا على الغنى. وكان شجاعا فاتكا كريما جوادا، يجمع الصعاليك ويغير بهم على العرب. وله أخبار ترد في موضعها من هذا الكتاب. وكان يسمى عروة الصعاليك لفعله هذا ولا يزداد بتردد أسفاره وتوالي غاراته إلا فقرا، ولا يزداد الغنى منه إلا بعدا. وكان عبد الله بن جعفر ينهى معلم ولده أن يروّيهم أبيات عروة هذه، ويقول: هي تدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم. وكان عروة مغرى بالأسفار كثير الحضّ عليها، وله في ذلك شعر كثير، فمن ذلك قوله: [من الطويل] دعيني أطوّف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحقّ محمل

стр. 3164

أليس عظيما أن تلمّ ملمّة ... وليس علينا في الحقوق معوّل وقوله: [من الطويل] أرى أمّ حسّان الغداة تلومني ... تخوّفني الأعداء والنفس أخوف لعل الذي خوّفتنا من أمامنا ... يصادفه في أهله المتخلّف إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه ... أبو صبية يشكو المفاقر أعجف له خلّة لا يدخل الحقّ دونها ... كريم أصابته حوادث تجرف تقول سليمى لو أقمت لسرّنا ... ولم تدر أني للمقام أطوّف وقوله: [من الطويل] لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي ... وشدي حيازيم المطيّة بالرحل سيدفعني يوما إلى ربّ هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل [أشعار في السفر والاغتراب] «٣٠١» - قيس بن الخطيم: [من الوافر] ولم أر كامرىء يدنو لضيم ... له في الأرض سير والتواء وما بعض الاقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا عناء «٣٠٢» - وقال عبد قيس بن خفاف البرجمي: [من الكامل] احذر محلّ السوء لا تحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتحوّل دار الهوان لمن رآها داره ... أفراحل عنها كمن لم يرحل «٣٠٣» - الفرزدق: [من الطويل] وفي الأرض عن دار القلى متحوّل ... وكلّ بلاد أوطئت كبلادي

стр. 3165

«٣٠٤» - عبيد الله بن الحر الجعفي: [من الطويل] فإن تجف عني أو ترد لي إهانة ... أجد عنك في الأرض العريضة مذهبا فلا تحسبنّ الأرض بابا سددته ... عليّ ولا المصرين أمّا ولا أبا ٣٠٥- سلمة بن زيد البجلي: [من الكامل] لا خير في بلد يضام عزيزه ... وعن الهوان مذاهب ومنادح «٣٠٦» - النسير العجلي: [من الطويل] وإن بلدة أعيا عليّ طلابها ... صرفت لأخرى رحلتي وركابي «٣٠٧» - أسامة [١] بن زيد: [من الطويل] فلا يمنعنك من طريق مخافة ... ولا حذر وانفذ فهن المقادر ولا تدع الأسفار من خشية الردى ... فكم قد رأينا من رد لا يسافر ولو كان يبدو شاهد الأمر للفتى ... كأعجازه ألفيته لا يؤامر «٣٠٨» - أبو الأسود: [من الطويل] لا تحسبنّ السير أقرب للردى ... من الخفض في دار المقامة والثّمل فكم قد رأينا حافظا [٢] متحفظا ... أصيب وألقته المنية في الأهل

стр. 3166

٣٠٩- بعض الطرداء: [من الخفيف] لو تراني بذي المجازة فردا ... وذراع ابنة الفلاة وسادي ترب بثّ أخا هموم كأن ال ... فقر والبؤس وافيا ميلادي أتصدى الردى وأدّرع اللى ... ل بهوجاء فوقها أقتادي حظ عيني من الكرى خفقات ... بين شرخ ومنحنى أعواد شرخا الرحل: آخره وواسطته. أوحش الناس جانبيّ فما آ ... نس إلا بوحدتي وانفرادي. «٣١٠» - آخر: [من الطويل] رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم ... بأطراف آفاق البلاد نجوم «٣١١» - إياس بن القائف: [من الطويل] يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقى والبلاد كما هيا «٣١٢» - ولآخر: [من الطويل] وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيران عليّ كرام فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تنام «٣١٣» - آخر: [من البسيط]

стр. 3167

لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران ٣١٤- وقال آخر: [من الكامل] ومشتّت العزمات لا يلوي على ... وطن ولا أهل ولا جيران ألف النوى حتى كأن رحيله ... للبين رحلته إلى الأوطان «٣١٥» - آخر: [من البسيط] لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرحم أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بها ... فيهتك السّتر عن لحم على وضم تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ ... وكنت أبقي عليها من أذى الكلم ٣١٦- ابن بسام ﵀: [من المنسرح] لي صبية أشتكي فراقهم ... فقد سئمت الحياة مذ ولدوا أرفه بخلق يبيت ليلته ... مستثقلا ليس خلفه أحد همته نفسه فإن عسر الر ... رزق كفاه يسير ما يجد لم يتعلق بعرضه طمع ... ولا عليه للمنعمين يد لم يعرف الناس ما دخيلته ... أذو يسار أم ماله سبد حيث أناخت به مطيته ... فخير داريه ذلك البلد «٣١٧» - امرؤ القيس بن حجر: [من الوافر]

стр. 3168

لقد نقّبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالاياب ٣١٨- بعض المحدثين: [من الوافر] رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا «٣١٩» - آخر وأبدع، وهو عبد الله بن محمد بن أبي عيينة: [من الطويل] هو الصبر والتسليم لله والرضى ... إذا نزلت بي خطّة لا أشاؤها إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها فأنفسنا خير الغنائم إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها «٣٢٠» - ابن الرومي: [من الطويل] أفادتني الأسفار ما بغّض الغنى ... إليّ وأغراني برفض المكاسب فأصبحت في الاثراء أزهد زاهد ... وقد كنت في الإثراء أرغب راغب ومن يلق ما لا قيت في كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب «٣٢١» - وله في بعض أسفاره يذكر بغداد: [من الكامل] بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست فيه العيش وهو جديد فإذا تمثّل في الضمير رأيته ... وعليه أفنان الشباب تميد «٣٢٢» - وله في المعنى: [من الطويل] وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

стр. 3169

٣٢٣- آخر: [من البسيط] لئن تنقّلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار فالحرّ حرّ عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار «٣٢٤» - البحتري: [من الكامل] وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب ٣٢٥- محمد بن أحمد الحزوّر: [من البسيط] ما لي وللأرض لم أوطن بها وطنا ... كأنني بكر معنى سار في مثل ٣٢٦- أبو الحسن ابن منقذ: [من الوافر] ونفسك فز بها إن خفت ضيما ... وخلّ الدار تنعى من بناها فإنك واجد أرضا بأرض ... ولست بواجد نفسا سواها «٣٢٧» - الطائى: [من الطويل] وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد «٣٢٨» - نظر إليه ابن المعتز فقال: [من الطويل] كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون اللوامح «٣٢٩» - ولابن المعتز: [من البسيط] إني غريب بأرض لا كرام بها ... كغربة الشعرة السوداء في الشّمط

стр. 3170

لا أبسط العين في شيء أسرّ به ... ولست أبدي الرضا إلا على سخط «٣٣٠» - وجد على حائط مكتوب لبعض الغرباء: [من الكامل] وبقيت بين عزيمتين كلاهما ... أمضى وأنفذ من شباة سنان همّ يشوّقني إلى طلب العلى ... وهوى يشوّقني إلى الأوطان «٣٣١» - ابن أبي عيينة: [من المنسرح] من أوحشته البلاد لم يقم ... فيها ومن آنسته لم يرم ومن بيت والهموم قادحة ... في صدره بالزناد لم ينم ومن ير النقص في مواطنه ... زلّ عن النقص موطئ القدم [أخبار عبد الله بن أبي معقل الأوسي] «٣٣٢» - كان عبد الله بن أبي معقل الأوسي كثير الأسفار، فلامته امرأته أم نهيك عن ذلك وقالت له: لا تزال في أسفارك هذه تتردد حتى تموت، فقال: أو أثري، ثم أنشأ يقول: [من الطويل] أأمّ نهيك ارفعي الظن صاعدا ... ولا تيأسي أن يثري الدهر بايس سيغنيك سيري في البلاد ومطلبي ... وبعل التي لم يخط في الحي جالس سأكسب مالا أو تبيتن ليلة ... بصدرك من وجد عليّ وساوس ومن يطلب المال الممنع بالقنا ... يعش مثريا أو يود في ما يمارس «٣٣٣» - ودخل يوما على مصعب بن الزبير وهو يندب الناس إلى غزاة زرنج ويقول: من لها؟ فوثب إليه عبد الله فقال: أنا لها، فقال: اجلس! كذاك ثلاث مرات وهو يجلسه. فقال له عبد الله: أدنني إليك فأدناه فقال: قد علمت أنه ما يمنعك مني إلا أنك تعرفني، ولو انتدب لها رجل لا تعرفه لبعثته، فلعلك

стр. 3171

تحسدني أن أصيب خيرا أو أستشهد فأستريح من الدنيا والطلب لها. فأعجبه قوله وجزالته فولّاه، فأصاب في وجهه ذلك مالا كثيرا وانصرف إلى المدينة، فقال لزوجته: ألم أخبرك أنه سيغنيك سيري في البلاد ومطلبي؟ قالت: بلى والله! لقد أخبرتني وصدق خبرك. ٣٣٤- قيل لأعرابي: إنكم لتكثرون من التجول والرحيل وتهجرون الأوطان، قال: ليس الوطن بأب والد ولا بأمّ مرضع، فأي بلد طاب فيه عيشك، وحسنت فيه حالك، وكثر فيه درهمك ودينارك، فاحطط به رحلك، فهو وطنك وأبوك وأمك وأهلك. [أقوال أبي محلم الشاعر] «٣٣٥» - قال أبو محلّم الشاعر: شخصت مع عبد الله بن طاهر إلى خراسان في الوقت الذي شخص، وكنت أعادله فأسايره، فلما صرنا إلى الريّ مررنا بها سحرا، فسمعنا أصوات الأطيار من القماريّ وغيرها، قال لي عبد الله: لله درّ أبي كبير الهذلي حيث يقول: [من الطويل] ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح ثم قال: يا أبا محلم هل يحضرك في هذا شيء؟ فقلت: أصلح الله الأمير كبرت سني، وفسد ذهني، ولعل شيئا أن يحضرني، ثم حضر شيء فقلت: أصلح الله الأمير حضر شيء، تسمعه؟ فقال هاته، فقلت: [من الطويل] أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فيريح لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح وذكرني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح على أنها ناحت ولم تذر دمعها ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح

стр. 3172

عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فنلقي عصا التطواف وهي طريح فقال عبد الله: يا غلام لا والله لا جزت معي خفّا ولا حافرا حتى ترجع إلى أفراخك، كم الأبيات؟ قلت ستة، قال: يا غلام أعطه ستين ألفا ومركبا وكسوة. وودعته وانصرفت. «٣٣٦» - زهير: [من الوافر] فحلي في ديارك إن قوما ... متى يدعوا ديارهم يهونوا وتمثل بهذا البيت عروة بن الزبير عند عبد الملك بن مروان، وكان وفد عليه فأكرمه خاليا وأهانه في الملأ بين أهل الشام. فقال له يوما: بئس المرء أنت، تكرم زورك في الخلاء وتهينه في الملأ، وأنشد البيت واستأذنه في الرجوع إلى المدينة، فأذن له وقضى حوائجه. «٣٣٧» - معقّر بن حمار البارقي: [من الطويل] فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣٣٨» - عمرو بن الأهتم: [من الطويل] لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق. [جعفر بن يحيى في الشام] ٣٣٩- لما توجه جعفر بن يحيى إلى الشام لاصلاح ما فسد من أمورها، شيعه الرشيد وجميع من بحضرته من الوجوه والأشراف وفيهم عبد الملك بن صالح. فلما ودعه عبد الملك قال له: اذكر حاجاتك، قال: حاجتي أعزّ الله الأمير أن يكون لي كما قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 3173

وكوني على الواشين لدّاء شغبة ... كما أنا للواشي ألدّ شغوب فقال له جعفر: بل أكون كما قال الآخر: [من الرمل] وإذا الواشي أتى يسعى بها ... نفع الواشي بما جاء يضر ٣٤٠- أوس بن حجر: [من الطويل] أمن رهبة آتى المتالف سادرا ... وأية أرض ليس فيها متالف ٣٤١- آخر: [من الطويل] إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعاه إليها حاجة أو تطرّب [شعر لحسن بن علي الصيرفي المغربي] ٣٤٢- حسن بن علي الصيرفي المغربي وقد سافر يريد الحج: [من البسيط] يا نعمة فزت من بين الأنام بها ... وسؤل نفسي بل يا منتهى وطري يا منّة كنت مملوء اليدين بها ... فعاقني دونها صرف من القدر قد كنت تعلم حالي في مغيبك عن ... عيني وإن كنت لم أنجد ولم أغر فكيف ظنك بي والدار نازحة ... ولم أجد منك في كفي سوى الذّكر والله لا فارقت نفسي عليك أسى ... ما غبت عن بصري أو ينقضي عمري ولا وحقك لا أخليت قلبي من ... وجد عليك ولا عينيّ من سهر ولا سمعت بموصولين نالهما ... سهم من الهجر أو سهم من السفر إلا بكيت وما يغني البكاء وقد ... عاثت يد الدهر في سمعي وفي بصري ما أحسب البعد إلا كان يحسدني ... على دنوك يا شمسي ويا قمري فسهل البين عندي فيك موقعه ... وغيّر الدهر بي والدهر ذو غير [أشعار لآخرين] ٣٤٣- ابن نباتة: [من الكامل] ثم استثارهم دليل فارط ... يسمو لغانية بعيني أجدل

стр. 3174

يدعى بكنيته لآخر ظمئها ... يوما ويدعى باسمه في المنهل لبس الشحوب من الظهائر وجهه ... فكأنه ماويّة لم تصقل سار بلحظته إذا اشتبه الهدى ... بين المجرة والسّماك الأعزل «٣٤٤» - وله: [من البسيط] رد الهجير بثوب الشمس ملتثما ... واعقد بطرفك سير الأنجم الشهب كيما تنال من الدنيا نهايتها ... إما حماما وإما حسن منقلب سعى رجال فنالوا قدر سعيهم ... لم يأت رزق بلا سعي ولا تعب ٣٤٥- قال المأمون: لا شيء ألذّ من السفر في كفاية وعافية، لأنك تحل كل يوم في محلّة لم تحلها، وتعاشر قوما لم تعرفهم. ٣٤٦- قال مكحول للحسن: إني أريد أن أخرج إلى مكة، فقال: لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه. «٣٤٧» - مالك بن الريب المازني: [من الطويل] أقول وقد حالت قرى الكرد دوننا ... جزى الله عمرا خير ما كان جازيا إن الله يرجعني من الغزو لا أكن ... وإن قلّ مالي طالبا ما ورائيا لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا فلله درّي يوم أترك طائعا ... بنيّ بأعلى الرقمتين وماليا ودرّ الظباء السانحات عشية ... يخبرن أني هالك من أماميا تقول ابنتي لما رأت وشك رحلتي ... سفارك هذا تاركي لا أبا ليا تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد ... سوى السيف والرمح الرّدينيّ باكيا

стр. 3175

وأشقر خنذيذ يجرّ عنانه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا أقول لأصحابي ارفعوني لأنني ... يقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة ... ولا تعجلاني قد تبيّن شانيا وخطا بأطراف الرماح [١] لمصرعي ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا خذاني فجراني ببردي اليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا وقد كنت عطافا إذا الخيل أدبرت ... سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا فقوما على بئر الشبيك فأسمعا ... بها الوحش والبيض الحسان الروانيا بأنكما خلفتماني بقفرة ... تهيل عليّ الريح فيها السوافيا يقولون لا تبعد وهم يدفنوني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا ويا ليت شعري هل بكت أم مالك ... كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا إذا مت فاعتادي القبور وسلمي ... على الرّمس أسقيت السحاب الغواديا أقلب طرفي في الرقاق [٢] فلا أرى ... به من عيون المؤنسات مراعيا وبالرمل منا نسوة لو شهدنني ... بكين وفدّين الطبيب المداويا وما كان عهد الرمل عندي وأهله ... ذميما ولا ودعت بالرمل قاليا فمنهن أمي وابنتاي وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا «٣٤٨» - صافح أبو العميثل عبد الله بن طاهر عند قدومه من سفر فقبل يده، فقال له عبد الله: خدش شاربك كفي، فقال: شوك القنفذ لا يضر برثن

стр. 3176

الأسد. فتبسم عبد الله وقال: كيف كنت بعدي؟ قال: إليك مشتاقا، وعلى الزمان عاتبا، ومن الناس مستوحشا؛ فأما الشوق إليك فلفضلك، وأما العتب على الزمان فلمنعه منك، وأما الاستيحاش من الناس فإني لا أراهم بعدك. فاحتبسه، فلما حضر الشراب سقاه بيده فقال: [من البسيط] نادمت حرا كأن البدر غرّته ... معظّما سيّدا قد أحرز المهلا فعلّني برحيق الراح راحته ... فملت سكرا وشكرا للذي فعلا [الحركة ولود والسكون عاقر] «٣٤٩» - أبو هريرة يرويه عن رسول الله ﷺ : لو يعلم الناس رحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر. إن الله بالمسافر رحيم. «٣٥٠» - لما خرج يوسف ﵇ من الجب واشتري، قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خيرا، فقال لهم يوسف: من كان مع الله فليس عليه غربة. «٣٥١» - وقالوا: الحركة ولود والسكون عاقر. «٣٥٢» - وقالت الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: إذا لم يساعد الجدّ فالحركة خذلان. «٣٥٣» - قالت قريبة الأعرابية: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذل. «٣٥٤» - أعرابي: لا يغني المخلب ما دام في المقنب. «٣٥٥» - حكيم: لا توحشنّك الغربة إذا أنستك الكفاية.

стр. 3177

[أقوال للأعراب] «٣٥٦» - قيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان. ٣٥٧- إن أعانتك الغربة على الزمن فلا تطع النزاع إلى الوطن. «٣٥٨» - يقال للرجل المسفار: خليفة الخضر. قال أبو تمام: [من البسيط] خليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني بالشام قومي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني «٣٥٩» - قيل لأعرابي: إنك لتبعد السفر، قال: رأيت ما في أيدي الناس أبعد ممّا في السفر. «٣٦٠» - قيل لابن الأعرابي: لم سمي السفر سفرا؟ قال: لأنه يسفر عن أخلاق القوم، أي يكشف. «٣٦١» - قال علي ﵇: ست من المروءة: ثلاث في الحضر وثلاث في السفر. فأما اللاتي في الحضر: فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الإخوان في الله، وأما اللاتي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله. «٣٦٢» - أغار حذيفة بن بدر على هجائن المنذر، وسار في ليلة مسيرة ثمان، فضرب بمسيره المثل فقيل: سار فلان مسير حذيفة. «٣٦٣» - قال قيس بن الخطيم: [من الوافر]

стр. 3178

هممنا بالإقامة ثم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر ويضربون المثل بسير أبي ذكوان، وهو مولى لعمر بن الخطاب ﵁، سار من مكة إلى المدينة في يوم وليلة. [أشعار للفقر] «٣٦٤» - الأقرع بن معاذ: [من الطويل] فما أنس مل اشياء لا أنس قولها ... بنفسي بيّن لي متى أنت راجع فقلت لها والله ما من مسافر ... يحيط له علم بما الله صانع فألقت على فيها اللثام وأدبرت ... وأقبل بالكحل السحيق المدامع وقالت إلهي كن عليه خليفتي ... وحقك ما خابت لديك الودائع «٣٦٥» - قال عبد العزيز بن عبد الملك الماجشون من فقهاء المدينة، قال لي المهدي: يا ماجشون! حين فارقت أصحابك الفقهاء ما قلت؟ فقلت، قلت: [من البسيط] لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر من ذا قبل أن يقعا إن الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جرعا فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا فقال: والله لأغنينك. فأعطاني عشرة آلاف دينار. ٣٦٦- غريب مريض: [من الرجز] لو أن سلمى أبصرت تخدّدي ... ودقّة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عوّدي ... عضّت من الوجد بأطراف اليد

стр. 3179

«٣٦٧» - النابغة الذبياني: [من الطويل] إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدّا خصبها وربيعها ويرجع إلى غسان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها «٣٦٨» - وله: [من البسيط] لا يبعد الله جيرانا تركتهم ... مثل المصابيح تجلو طخية الظلم لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله ... صرّ الشتاء من الأمحال والعدم هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... فضل على الناس في الآلاء والنعم أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقّة والآفات والأثم «٣٦٩» - مطيع بن إياس: [من الطويل] أيا ويحه لا الصبر يملك قلبه ... فيصبر لما قيل سار محمد ولا الحزن يفنيه ففي الموت راحة ... فحتى متى في جهده يتجلد فأضحى كئيبا [١] باديات عظامه ... سوى أن روحا بينها تتردد كئيبا يمني نفسه بلقائه ... على نأيه والله بالحزن يشهد يقول لها صبرا عسى الموت آيب ... بإلفك أو جاء بطلعته الغد وكنت يدا كانت بها الدهر قوتي ... فأصبحت ما لي [٢] حين فارقني يد ٣٧٠- ابن طباطبا: [من الكامل]

стр. 3180

نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحلّه في القلب دون حجابه لولا تمتّع ناظري بلقائه ... لوهبته لمبشّري بإيابه ٣٧١- آخر: [من المنسرح] ودعته حيث لا تودّعه ... روحي ولكنها تسير معه ثم تولى وفي القلوب له ... ضيق مجال وفي الدموع سعه «٣٧٢» - أبو تمام الطائي: [من الكامل] هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كلّ دمع جامد فافزع إلى ذخر الشؤون وغربة ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد وإذا فقدت أخا ولم تفقد له ... دمعا ولا صبرا فلست بفاقد «٣٧٣» - ابن نباتة: [من الكامل] بتنا نودع بالثنيّة ماجدا ... يصف البلاغة عقله وبيانه يغنيه عن حمل المثقف طرفه ... وعن الحسام المشرفيّ لسانه طوبى لشعب حل فيه فإنه ... تندى رباه وتكتسي قيعانه [إبراهيم بن المدبر وأبو شراعة] «٣٧٤» - ولي إبراهيم بن المدبر البصرة فأحسن إلى أهلها، فلما صرف عنها شيّعه أهلها وتفجعوا لفراقه، فجعل يردهم أولا أولا على قدر منازلهم، حتى لم يبق إلا أبو شراعة، فقال له إبراهيم: يا أبا شراعة، إن المشيع مودع لا محالة وقد بلغت اقصى الغايات، فبحقي عليك إلا رجعت، ثم أمر غلامه فحمل إليه ثيابا

стр. 3181

وطيبا ومالا، فودعه أبو شراعة وبكى، ثم قال: [من الرمل] يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مصحوبا فما منك خلف ليت شعري أيّ أرض أجدبت ... فأغيثت بك من بعد العجف حكم الرحمن باللطف لهم ... وحرمناك بذنب قد سلف إنما أنت ربيع باكر ... حيث ما صرّفه الله انصرف [كتابات في السفر والوداع] ٣٧٥- كتب الوزير ذو السعادات ابن أبي الفرج بن فسانجس إلى أبي غالب ابن بشران النحوي: [من الوافر] أودعكم وإني ذو اكتئاب ... وأرحل عنكم والقلب آبي وإنّ فراقكم في كل حال ... لأوجع من مفارقة الشباب أسير وما ذممت لكم جوارا ... ولا ملّت مباركها ركابي لكم مني المودة في اغتراب ... وأنتم إلف نفسي في اقتراب وروعات الفراق وإن أغامت ... تقشّعها مسرات الإياب «٣٧٦» - أبو عثمان الخالدي وقد عزم على توديع المهلبي: [من البسيط] إنا لنرحل والأهواء أجمعها ... لديك مستوطنات ليس ترتحل لهن من خلقك الروض الأريض ومن ... نداك يغمرهن العارض الهطل لكن كلّ فقير يستفيد غنى ... دعاه شوق إلى أوطانه عجل وكل غاز إذا جلت غنيمته ... فإن آثر شيء عنده القفل «٣٧٧» - وكتب السري الرفاء إلى بني فهد يتشوقهم: [من الطويل] تناءوا ولما ينصرم حبل عزهم ... وحاشا لذاك الحبل أن يتصرما

стр. 3182

فشرّق منهم سيّد ذو حفيظة ... وغرّب منهم سيّد متشائما كأن نواحي الجو تنثر منهم ... على كل فجّ قاتم اللون أنجما [أشعار في الوداع] «٣٧٨» - البحتري: [من الكامل] أما مصافحة الوداع فإنها ... ثقلت فما اسطاعت تنوء بها يدي فعليك تضعيف السلام فإنني ... إما أروح غدا وإما أغتدي «٣٧٩» - وله: [من الكامل] سأودع الإحسان بعدك واللهى ... إذ حان منك البين والتوديع وسأستقل لك الدموع صبابة ... ولو ان دجلة لي عليك دموع ومن البديع أن انتأيت ولم يرح ... جزعي على الأحشاء وهو بديع «٣٨٠» - إسحق الموصلي ودّع بها الفضل بن يحيى: [من المتقارب] فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الديم عليك سلام فكم من وفاء ... أفارق فيك وكم من كرم «٣٨١» - المتنبي يودع: [من الوافر] وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غاد محبك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد «٣٨٢» - سمع عمر بن الخطاب ﵁ ذات ليلة من بيت مغنية: [من الطويل]

стр. 3183

تطاول هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فو الله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه فأمر برد زوجها. «٣٨٣» - المتنبي: [من الطويل] يضاحك في ذا العيد كلّ حبيبه ... حذائي وأبكي من أحبّ وأندب أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب وكل امرىء يولي الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيب «٣٨٤» - وله: [من المنسرح] إذا صديقي نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل «٣٨٥» - سيّر الوليد بن عقبة كعب بن ذي الحنكة النهدي إلى دنباوند فقال: [من الطويل] وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل وإن دعائي كلّ يوم وليلة ... عليكم بدنباوندكم لطويل «٣٨٦» - الرضيّ الموسوي: [من السريع] ما الرزق بالكرخ مقيما ولا ... طوق العلى في جيد بغداد وما مقام الحرّ في عيشة ... لها المقادير بمرصاد

стр. 3184

«٣٨٧» - وقال: [من الطويل] أروغ كأني في الصباح طريدة ... وأسري كأني في الظلام خيال تمطى بنا أذوادنا كل مهمه ... خفائف تخفيها ربى ورمال خوارج من ليل كأن وراءه ... يد الفجر في سيف جلاه صقال تقوّم أعناق المطايا نجومه ... فليس لسار فوقهن ضلال «٣٨٨» - وقال: [من الكامل] كم مهمه لبست إليك ركابنا ... والأرض برد بالمنون مسهم حتى تراعفت المناسم والذرى ... فسواء الأعلى ذرىّ والمنسم «٣٨٩» - وقال: [من الوافر] وماء قد تخفّر بالدياجي ... عن الطّراق والسّلم المقيم وردن ولا دلاء لهن إلا ... مشافرهن في الورد الجموم وعدن وقد وهى سلك الثريا ... وكرّ الصبح في طلب النجوم وقد لاحت لأعيننا ذكاء ... وراء الفجر كالخدّ اللطيم ألا هل أطرق السمرات يوما ... بريء القلب من عبث الهموم وألصق بالنقا كبدي ويهفو ... عليّ من النقا ولع النسيم [استقبال الرسائل] «٣٩٠» - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف يصف كتابا ورد من الصاحب ﵀: [من الطويل] كتاب لو ان الليل يلقى بمثله ... لألقت يدا في حجرتيه ذكاء

стр. 3185

تهادى بأبكار المعاني وعونها ... وأعيان لفظ ما لهن كفاء شوارد إلا أنهن أوالف ... ضرائر إلا أنهن سواء «٣٩١» - أبو الفتح البستي: [من البسيط] لما أتاني كتاب منك مبتسم ... عن كل فضل وبرّ غير محدود حكت معانيه في أثناء أسطره ... آثارك البيض في أحوالي السود «٣٩٢» - المهلبي: [من مجزوء الكامل] ورد الكتاب مبشرا ... نفسي بأوراد السرور وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور مثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور أنزلته في القلب من ... زلة القلوب من الصدور «٣٩٣» - الطائي: [من الوافر] لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرميّ فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي فكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهي كتبت به بلا لفظ كريه ... على أذن ولا خط قمي

стр. 3186

لئن غربتها في اللفظ بكرا ... لقد زفّت إلى سمع كفي وإن تك من هداياك الصفايا ... فرب هدية لك كالهدي ٣٩٤- آخر: [من المتقارب] وكان خطابك يا سيدي ... ألذ وأحلى من العافيه وأجدى على النفس من قوتها ... وأطيب من عيشة راضيه ٣٩٥- آخر: [من المتقارب] سرور الكريم بيوم القرى ... وأنس العيون بطيب الكرى ٣٩٦- آخر: [من المتقارب] سرور الرياض بصوب الغمام ... وأنس العيون بطيب المنام ٣٩٧- أنشد المبرد في ضده: [من الكامل] إني أتتني من لدنك صحيفة ... مختومة عنوانها كالعقرب فعلمت أن الشر في مفتاحها ... ففضضتها عن مثل ريح الجورب ٣٩٨- محبة الوطن مستولية على الطباع، مستدعية لشدة التشوف إليها والنزاع. «٣٩٩» - روي أن أبان بن سعيد قدم على رسول الله ﵌، فقال: يا أبان، كيف تركت أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جيدوا، وتركت الإذخر وقد أعذق، وتركت النمام وقد حاص. فاغرورقت عيناه ﵌. أعذق: خرجت ثمرته، وحاص: صار أحوص.

стр. 3187

[من حب الوطن] «٤٠٠» - ومن حب الوطن وصّى يوسف ﵇ أن يحمل تابوته إلى مقام آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه. فلما بعث موسى ﵇ وأهلك فرعون حملها إلى مقابرهم، فقبره علم [١] بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حامي [٢] . «٤٠١» - ووصى الاسكندر أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلد الروم حبا لوطنه. «٤٠٢» - وقيل لما غزا اسفنديار بلاد الخزر اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ وشربة من ماء واديها. «٤٠٣» - واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك وقد عشقته: ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشميما من تراب اصطخر. فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب، وقالت: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك. فشرب واشتم بالوهم، فأفاق فيقة من علته. «٤٠٤» - وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك، إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه. «٤٠٥» - وقالت الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في القلب رقة.

стр. 3188

«٤٠٦» - قال ابن عباس ﵁: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزق. ٤٠٧- وقال عمر ﵁: عمر الله البلدان بحب الأوطان. «٤٠٨» - والعرب تقول: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك. ٤٠٩- وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم. «٤١٠» - قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها. ٤١١- بعض العرب: [من الطويل] ألا ليت شعري هل تخلّف ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعد وهل تنفضنّ الريح أفنان لمّتي ... على لاحق الأطلين مضطمر ورد وهل أردنّ الدهر حسي مزاحم ... وقد ضربته نفحة من صبا نجد ٤١٢- وقال صاحب الزّنج في اليوم الذي قتل فيه، وكان هرب من داره: [من الطويل] عليك سلام الله يا خير منزل ... خرجنا وخلفناه غير ذميم فإن تكن الأيام أحدثن فرقة ... فمن ذا الذي من ريبها بسليم «٤١٣» - قال الجاحظ: رأيت المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه تربة مولده في جراب يتداوى به.

стр. 3189

٤١٤- وقد كان شرف الملك أبو سعيد مستوفي ملكشاه يسافر إلى العراق والشام وسائر الأقطار ومعه حنطة خوارزم يأكل منها، وماؤها في قوارير يشرب منه، وكذلك شربه من خمرها، ويقول: هذه مآلف مزاجي فلا أغيرها. [أقوال في فضائل بلدان مختلفة] ٤١٥- قال سفيان: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة؛ قيل: فالشام، قال: يشار إليك بالأصابع- أراد الشهرة-؛ قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة؛ قيل: فمكة، قال تذيب الكيس والبدن. «٤١٦» - وصف بعضهم بلاد الهند فقال: بحرها درّ، وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. ٤١٧- وقال عبيد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها الزعفران، وسماؤها الفاكهة، وحيطانها الشهد. ٤١٨- وقال عمرو بن الليث في نيسابور: حجرها الفيروزج، وترابها النقل، وحشيشها الريباس. «٤١٩» - وقال الحجاج لعامله على أصفهان: قد ولّيتك بلدة حجرها كحل وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران. «٤٢٠» - كان يقال للبصرة: خزانة العرب وقبة الإسلام، لانتقال قبائل العرب إليها، واتخاذ المسلمين لها وطنا ومركزا. ٤٢١- دخل الرشيد منبج فقال لعبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان لسان بني العباس: هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك. قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: كيف صفة مدينتك

стр. 3190

هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء. قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، ولتربها عن الطيب غنى، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء وفياف فيح، بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد: هذا الكلام والله أحسن منها. ٤٢٢- قال أبو العتاهية يوما لبدوي: هل لك في أرض الريف والخصب، أرض العراق؟ قال: لولا أن الله أرضى بعض العباد بشرّ البلاد لما وسع خير البلاد جميع العباد. ٤٢٣- وقال الجاحظ في ذكر العراق: موضع التميمة، وواسطة القلادة، فيه تلاقحت الطبائع، وصرحت عن اللبّ الأصيل، والخلق الجميل. «٤٢٤» - ابن زريق الكاتب: [من البسيط] سافرت أبغي لبغداد وساكنها ... مثلا وذلك شيء دونه الياس هيهات بغداد الدنيا بأجمعها ... عندي وسكان بغداد هم الناس ٤٢٥- ويقال لأهل العراق: ملائكة الأرض للطافة أخلاقهم وخفة أرواحهم. قال: [من المتقارب] ملائكة الأرض أهل العراق ... وأهل الشآم شياطينها ٤٢٦- وقال: وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية. ٤٢٧- وكان أبو الفضل بن العميد إذا امتحن رجلا من أهل العلم سأله عن بغداد فإن وجده منتبها على خصائصها، وعن الجاحظ: فإن رآه منتسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينيه وإلا لم يعبأ به. ٤٢٨- وسأل أبو الفضل بن العميد الصاحب أبا القاسم ابن عباد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كسيدنا في العباد.
следующие страницы →