عن الخيزران إذ كان اسما لأمّنا.
٨٨٠- ومن كنايات العرب قول بعض اللصوص: [من الوافر]
أيذهب بارح الجوزاء عني ... ولم أذعر هوامل بالسّتار
عنى أنه إذا سرق الهوامل عفت الريح على أثر وطئه، فلم يوقف له ونجا بالذي يقتطعه ويسرقه. وأراد بالبارح بوارح الرياح.
ومنه قول الأخر: [من الطويل]
أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوّعا
أي إذا هببت أمكنتنا السرقة بتعفيتك آثار الأقدام.
ومثله قول الآخر: [من الوافر]
ألا يا جارنا بأناص إنّا ... وجدنا الريح أكرم منك جارا
تعدّينا إذا هبّت علينا ... وتملأ وجه ناظركم غبارا
وقول الآخر: [من الوافر]
إذا لم تطعمونا أطعمتنا ... بحمد الله معصفة جنوب
٨٨١- يونس عن امرأة من العرب زارتها بنت أختها وبنت أخيها، فأحسنت تزويدهم. فلما كان عند رجوعهما قالت لابنة أخيها: جفّ حجرك وطاب نشرك. فسّرت الجارية بما قالت لها عمّتها، وقالت لابنة أختها: أكلت دهشا وحطبت قمشا، فوجدت لذلك المصيبة وشقّ عليها ما قالت لها خالتها، فانطلقت بنت الأخ إلى أمّها مسرورة فقالت لها أمّها: ما قالت لك عمّتك؟
فقالت: قالت لي خيرا ودعت لي. قالت: ويحك، وكيف قالت ذلك؟ قالت، قالت: جفّ حجرك وطاب نشرك. فقالت: يا بنيّة، ما دعت لك بخير، ولكن دعت بأن لا تلدي ولدا أبدا فيبلّ حجرك ويغيّر نشرك. وانطلقت الأخرى إلى
стр. 3362
أمّها فقالت لها: ما قالت لك خالتك؟ قالت: وما عسى أن تقول لي؟ دعت الله عليّ، فقالت، قالت لي: أكلت دهشا وحطبت قمشا، قالت: بل دعت الله لك يا بنيّة أن يكثّر ولدك فينازعونك في المال ويقمشوك حطبا.
«٨٨٢» - ومن أخبار العرب في [هذا] المعنى أنّ شنّا كان رجلا من دهاة العرب، وكان ألزم نفسه أن لا يتزوّج إلا بامرأة تلائمه. فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته، فصاحبه رجل في بعض أسفاره. فلما أخذ منهما السير قال له شنّ:
أتحملني أم أحملك؟ فقال له: يا جاهل، هل يحمل الراكب الراكب؟ فأمسك وسار حتى أتيا على زرع، فقال له شنّ: أترى هذا الزّرع أكل أم لا؟ فقال: يا جاهل، ألا تراه في سنبله؟ فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة، فقال له شنّ: أترى صاحبها حيّا أم لا؟ فقال له صاحبه: ما رأيت أجهل منك، أتراهم حملوا إلى القبر حيّا؟ ثم إنّهما وصلا إلى قرية الرجل فصار به إلى منزله، وكانت له بنت تسمّى طبقة، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه فقالت له: ما نطق إلا بالصواب:
أما قوله «تحملني أم أحملك؟» فإنّه أراد تحدّثني أم أحدّثك حتى نقطع الطريق؟
وأما قوله: «أترى هذا الزرع أكل أم لا؟» فإنه أراد هل استسلف ربّه ثمنه؟ وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة فإنه أراد به: أخلّف عقبا يحيي ذكره أم لا.
فلما خرج إلى الرجل حدّثه بتأويل ابنته كلامه، فخطبها إليه، فزوّجه إيّاها، وسار إلى قومه بها، فلما خبروا ما فيها من الدهاء والفطنة قالوا: وافق شنّ طبقة، فصارت مثلا. هذا أحد الأقوال في تفسير هذا المثل وهو بعيد.
وقد قيل في تفسيره ما هو أسدّ من هذا، وهو مورد في باب الأمثال.
٨٨٢ أ- من كلام أبي محمد القاسم بن عليّ الحريري يصف الإبرة ويلغز عنها: كانت لي مملوكة رشيقة القدّ، أسيلة الخدّ، صبور على الكدّ، تخبّ أحيانا
стр. 3363
كالنّهد، وترقد أطوارا في المهد. وتجد في تمّوز مسّ البرد، ذات عقل وعنان، وحدّ وسنان، وكفّ ببنان، وفم بلا أسنان، تلدغ بلسان نضناض، وترفل في ثوب فضفاض، وتجلى في سواد وبياض، وتسقى ولكن من غير حياض، ناصحة خدعة، خبأة طلعة، مطبوعة على المنفعة، ومطواعة في الضيق والسّعة. إذا قطعت وصلت، ومتى فصلتها عنك انفصلت، وطالما خدمتك فجمّلت، وربما جنت عليك فآلمت وململت. وإنّ هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إيّاها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلّفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه. ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها. الجواب [١] .
من كلامه يلغز بالميل: رهنته، على [٢] أرش ما أوهنته، مملوكا لي متناسب الطرفين، منتسبا إلى القين، نقيّا من الدّرن والشّين، يقارن محلّه سواد العين، يفشي الإحسان، وينشىء الاستحسان، ويغذي الإنسان، ويتحامى اللسان. إن سوّد جاد، أو وسم أجاد، وإذا زوّد وهب الزاد، ومتى استزيد زاد. لا يستقرّ بمغنى، وقلمّا ينكح إلا مثنى. يسخو بموجوده، ويسمو عند جدوه، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته، ويستمتع بزينته، وإن لم يطمع في لينته.
٨٨٣- ابن القزاز المغربي وكنى عن غلام اسمه لؤلؤ، وأشار إلى أنّ الأصداغ توصف باللامات والطّرر بالواوات: [من الكامل المرفل]
لم يكفه أن اسمه علم ... ينبيك مبسمه بصورته
حتى أراد بأن يعنونه ... بصفات صدغيه وطرّته
«٨٨٤» - أبو الحسن علي بن إسماعيل الزيدي العلويّ المغربيّ وقد عمد إلى
стр. 3364
جرّتي شراب، فوجد إحداهما خلّا نقيفا: [من الخفيف]
ربّ أختين أمستا طوع ملكي ... نجل أم يصبو إليها الرجال
هذه حسنها مقيم وهذي ... غيّرت حسن حالها الأحوال
فافتضاض الحسناء سهل حرام ... وافتضاض السّوآء صعب حلال
«٨٨٥» - وله في المائدة: [من الخفيف]
هاكها روضة تعيش بها الأج ... سام ما مثل نورها نوار
دبجتها الأيدي فجاءت تهادى ... بوجوه كأنّها أقمار
كلّ روض غض ينّمّقه الما ... ء وهاتيك نمّقتها النار
«٨٨٦» - وله في الزربطانة بديها: [من الخفيف]
سمهريّ تزخّ منه نجوم ... لذوات اللحون فيها رجوم
تخرق الأيك فوقهنّ بحتف ... فلها في صدورهنّ كلوم
كلّ قوس تحنى إذا سمتها الرم ... ي وهذا في رميه مستقيم
٨٨٧- حسن بن علي الصيرفي يلغز بإبراهيم: [من السريع]
يا ابن المغيث اسمع بأعجوبة ... جاءتك مني تستخفّ الحليم
قد صرت في ذا الحبّ أحدوثة ... ذا كبد حرّى وجسم سقيم
يلعب بي ضدّان باسم الذي ... أهوى كريح لعبت بالهشيم
بعض اسمه يأمر أن أرعوي ... وبعضه يأمرني أن أهيم
وقد أتت في لفظه لحنة ... ألذّ من راح بكفّي نديم
ومنه وصفي حالتي إن أتى ... يسألني عنها صديق حميم
стр. 3365
ولست أرعى النجم إلا لأن ... ني بتّ عديلا لدراري النجوم
وجدته في الآس والبان والر ... راح وفي نعتي وبعض النّسيم
لو كنت إلا مثل ما قال في ... بعض اسمه ما لاح برق وشيم
أكثر مقاصده في هذه الأبيات مفهوم إلا قوله: وجدته في الآس ... البيت، فإنّ فيه استغلاقا. أراد الألف من الآس، والباء من البان، والراء من الراح، والألف الثانية تسقط لتكرّرها، والهاء من هائم وهو نعت له، والياء والميم من النسيم وهي بعضه كما قال.
٨٨٨- إسماعيل بن عبدون الكاتب المغربي في الشمعة: [من المتقارب]
وصفراء تنشر من رأسها ... ذوائب صفرا على المجلس
تعمّ الندامى بها كسوة ... فكلّ نديم بها مكتسي
تمازج مشروبهم رقّة ... وتلقي شعاعا على الأكوس
وتهدي إذا حضرت مجلسا ... نشاطا وأنسا إلى الأنفس
تريك إذا حدقت عينها ... عيونا من الزهر والنرجس
٨٨٩- وله أيضا فيها: [من المتقارب]
وفوّارة ماؤها رقّة ... تفيض على كلّ راء لها
إذا قابلته كسا الحاضرين ... كساها عموما لها كلها
تفيض عليهم بمثل الغما ... م أتبع وابلها طلّها
يصوب فيغرق أبوابهم ... ويخرج منها وما بلّها
تمازج كاساتهم رقّة ... ويظهر فيها وما حلّها
وليس بملح ولا بالفرا ... ت يروي العطاش إذا علّها
صفات يظلّ لها ذو النّهى ... كليل القريحة معتلّها
إذا ما اهتدى لطريق أرت ... هـ أخرى فعاد وقد ضلّها
стр. 3366
«٨٩٠» - البديع الهمذاني ﵀ في البهار: عدوّ في بردة صديق. من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدّين.
٨٩١- ابن نصر الكاتب في اصطرلاب: قطب الزمن ومداره، وميزان الفلك ومعياره، وأساس الحكمة وموضوعها، وتفصيل القضيّة ومجموعها، الناطق في صمته، الموفي على نعته، مظهر السرّ المكنون، المخبر عمّا كان وعمّا يكون، ذو شكل مقمر مستدير، ولون مشمس مستنير، ومنطقة محيطة بأجزائه، وخطوط معدّلة على أعضائه، وكتابة مطيفة بتلاويزه، ورموز بائحة بضميره، متقابل الأطراف والأهداف، متكامل الأوصاف، بحجرة مسكونة وصفائح موضونة، وقدّ مرموق وباب مطروق، يتعلّم فتحه ورتاجه، وعليه طريقه ومنهاجه، إذا انتصب قال فحمد، وإذا اضطجّع عليّ فلم يفد، صفريّ الانتساب، ذهبيّ الإهاب، يخترق الأنوار من نقابه، ويستخدم الشمس في حسابه، يجمع الشرق والغرب في صفحته، وستره الحامل في راحته. رافعه ينظر من تحته، وأخباره تسند عن خرته.
«٨٩٢» - والكناية في شعر العرب قليل، ولم يكونوا يتعاطونه، وعلى شذوذه فلهم منه النادر. فمن ذلك قول ذي الرّمّة، وكنى عن الأرض: [من الطويل]
فما أمّ أولاد ثكول وإنّما ... بنو بطنها في بطنها حين تثكل
أسرّت جنينا في حشا غير خارج ... فلا هو منتوج ولا هو معجل
أسرّت جنينا: أي ما يزرع فيها.
تموت وتحيا حائل من بناتها ... ومنهن أخرى عاقر وهي تحمل
عمانيّة مهريّة دوسريّة ... على ظهرها للكور والحلس محمل
стр. 3367
مفرّجة حمراء عيساء جونة ... صهابيّة العثنون دهماء صندل
مفرّجة: لها فروج أي طرق فيها حمرة. صهابيّة العثنون: يريد ما تقدّم من الرياح. وصندل: عظيمة الرأس، يريد أول الريح.
تراها أمام الريح في كلّ منزل ... ولو طال إيجاف بها وترحّل
ترى الخمس بعد الخمس لا يفتلانها ... ولو فار للشّعرى من الحرّ مرجل
لا يفتلانها: لا يردّانها، يقال: فتله أي صرفه.
تقطّع أعناق المطيّ ولا ترى ... على السير إلا صلدما لا تزيّل
ترى أثر الأنساع فيها كأنّه ... على طيّ عاديّ يعاليه جندل
ولو جعل الكور العلافيّ فوقها ... وراكبه أعيت به ما تحلحل
عاديّ: قليب. يقول: لو جعل الرّحل وراكبه فوق الأرض ما تحلحلت.
ترى الموت إن قامت، فإن بركت به ... يرى موته عن ظهرها حين ينزل
ترى ولها بطن وظهر وذروة ... وتشرب من برد الشراب وتأكل
قامت: يريد به قيام الساعة. وذروتها: الجبال. وأكلها: ما يزرع فيها.
«٨٩٣» - ولبعض العرب في الجرادة: [من الوافر]
وما صفراء تكنى أمّ عوف ... كأنّ رجيلتيها منجلان
«٨٩٤» - وقال أعرابيّ: أتعرفون شيئا إذا قام كان أقصر منه إذا قعد. هو الكلب لأنّه إذا أقعى كان أرفع سمكا منه إذا قام على أربع.
«٨٩٥» - ومن لغزهم في العين: [من الوافر]
стр. 3368
وباسطة بلا قصب جناحا ... وتسبق ما يطير ولا تطير
إذا ألقمتها الحجر اطمأنّت ... وتجزع أن يباشرها الحرير
أراد بالحجر الإثمد.
«٨٩٦» - وسئل أعرابيّ عن قول القائل: [من الطويل]
أبى علماء الناس لا يخبرونني ... بناطقة خرساء مسواكها حجر
فقال: هي ما علمت أم سويد.
٨٩٧- في القلم: [من المتقارب]
وأجوف يمشي على رأسه ... يطير حثيثا على أملس
فهمت بآثاره ما مضى ... وما هو آت ولم يبلس
٨٩٨- ولآخر فيه: [من الطويل]
وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... بأسمر مشقوق الخياشيم يرعف
٨٩٩- كشاجم في لوح الهندسة: [من الرجز]
وقلم سطوره حساب ... في صحف مدادها تراب
يكثر فيها المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب
٩٠٠- سألني سيدنا ومولانا الإمام المستنجد بالله صلوات الله عليه عمّا قيل في أحول، فأنشدته أبياتا، ووردت في هذا الكتاب، وأنشد هو ما حضره وأشار إلى نظم لغز فيه: [من المتقارب]
وأختين لم تعرفا ما الفراق ... كما التأمت صحبة الفرقدين
стр. 3369
ويصطحبان على رقبة ... كمثل الزبانى رقيب البطين
وقلت غير ملغز: [من الرجز]
وأحول محبّب ممدوح ... مبارك العين خفيف الروح
ينظر من خادعة لموح ... بعرض وهو مقتل الطموح
كصائد مخاتل مشيح ... أو كوكب مال إلى الجنوح
стр. 3370
نوادر من هذا الباب وأنواعه
«٩٠١» - تزوّج حمّاد عجرد امرأة، فدخل أصدقاؤه صبيحة البناء بها فسألوه عن خبره معها فقال: [من المديد]
قد فتحت الحصن بعد امتناع ... بمبيح فاتح للقلاع
ظفرت كفّي بتفريق شمل ... جاءنا تفريقه باجتماع
فإذا شملي وشمل حبيبي ... إنّما يلتام بعد انصداع
«٩٠٢» - سأل خلف أو الأصمعيّ رجلا عن قول الشاعر: [من الكامل]
ولقد غدوت بمشرف يافوخه ... عسر المكرّة ماؤه يتدفّق
مرح يسيل من النشاط لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتمزّق
فقال: يصف فرسا. فقال: أرأسك الله على مثله.
«٩٠٣» - مرّ أعرابيّ بجارية تمدر حوضا لها، فقال: من دلّ على بعير بعنقه علاط، وبأنفه خزام، تتبعه بكرتان سمراوان؟ فقالت الجارية: لا حفظ الله عليك يا عدوّ الله، فقيل لها: ما ذاك؟ قالت: ينشد سوءته.
«٩٠٤» - شكا رجل إلى مزبّد سوء خلق امرأته، فقال مزبد: بخّرها بمثلّثة، يريد الطلاق.
стр. 3371
«٩٠٥» - دخل مطيع بن إياس على قوم وعندهم قينة، فقالوا: اسقوه، ولم يكن أكل شيئا، فاستحيا وشرب. فلما أوجعه النبيذ قال لها تغنين: [من المتقارب]
خليليّ داويتما ظاهرا ... فمن ذا يداوي جوى باطنا
فعلموا أنّه عرّض بالجوع، فأطعموه.
٩٠٦- عرض شريح ناقة للبيع فقال له المشتري: كيف غزارتها؟ قال:
احلب في أيّ إناء شئت، قال: فكيف وثاقتها؟ قال: احمل على حائط ما شئت، قال: كيف وطاؤها؟ قال: افرش ونم، قال: كيف نجاؤها؟ قال: هل رأيت البرق قطّ؟
٩٠»
- قال الأصمعيّ: كنت مع خلف جالسا، فجرى كلام في شيء من اللغة، وتكلّم فيه أبو محمد اليزيديّ وجعل يشغب، فقال له خلف: دعني من هذا يا أبا محمد، وأخبرني من الذي يقول: [من الكامل المجزوء]
وإذا انتشيت فإنّني ... ربّ الحريبة والرّميح
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الدويبة واللّويح
يعرّض به أنه معلّم وأنّه يلوط فغضب اليزيديّ وقام فانصرف.
«٩٠٨» - كان لمطيع بن إياس صديق من العرب يجالسه، فضرط ذات يوم وهو عنده، فاستحيا وغاب عن المجلس، ففقده مطيع وعرف سبب انقطاعه، فكتب إليه يقول: [من البسيط]
أظهرت منك لنا هجرا ومقلية ... وغبت عنّا ثلاثا لست تغشانا
هوّن عليك فما في الناس ذو إبل ... إلا وأينقه يشردن أحيانا
стр. 3372
«٩٠٩» - حدّث الأصمعيّ الرشيد معرّضا أنّه كان بالبصرة فتى له كوخ من قصب كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره قال بعضهم: غدا عليّ ألف آجرّة، وقال آخر: عليّ الجصّ، وقال آخر: عليّ أجرة البنّاء، فيصير كوخه قصرا من ساعته، ثم يصبح فلا يرى شيئا، فقال: [من الوافر]
إذا ما طابت الأسمار قالوا ... غدا نبني بآجرّ وجصّ
وكيف يشيّد البنيان قوم ... يزجّون الشتاء بغير قمص
فاستضحك الرشيد وقال: لكننا نبني لك قصرا لا تخاف فيه ما خاف الفتى، وأمر له بألفي دينار.
٩١٠- قال أشعب لفقيه: ما تقول في صلاة صلّيتها في ثوبين؟ قال: هي جائزة في ثوب فكيف في ثوبين؟ قال: هما جورب وقلنسوة.
٩١١- قال يموت بن المزّرع: قال لي ابن صدقة المرّي: ضربك الله باسمك، فقلت: أحوجك الله إلى اسم أبيك.
«٩١٢» - قيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد، قيل: لقد ضيّق أبوك عليك الاسم، قال: إن ضيّق الاسم فقد وسّع الكنية، قيل: وما كنيتك؟ قال: أصحاب الصحارى.
«٩١٣» - كان داود بن عيسى يلقّب بأترجّة، وعبد السميع بن محمد بن منصور بشحم الخزيرة، ومحمد بن أحمد بن عيسى الهاشمي يلقّب كعب البقر، وكانوا مع المستعين فلما صاروا إلى المعتزّ قال فيهم: [من المتقارب]
أتاني أترجّة في الأمان ... وعبد السميع وكعب البقر
فأهلا وسهلا بمن جاءنا ... ويا ليت من لم يجىء في سفر
стр. 3373
فقالوا: قد شرّفنا أمير المؤمنين، ولكنه ذكرنا باللقب دون عبد السميع، فقال: ما عرفت لقبه، فقالا: شحم الخزير، فقال: هو في وزنه سواء بسواء، فضعوه في موضعه.
٩١٤- اجتاز المبرّد ﵀ بسذاب الورّاق، فسأله دخول منزله، فقال له: ما عندك؟ قال: أنا وأنت، يعني اللحم البارد والسذاب.
٩١٥- أبو نواس يكني عن نكاح اليد: [من الطويل]
وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّة ... منعّمة حفّت بخمس ولائد
تعقّفه ما دام في السجن ثاويا ... ودامت عليه محكمات القلائد
٩١٦- أعرابي: يا ابن التي خمارها في فيها، أراد ما خمرت به فاها، فهي تستره ببخرها.
٩١٧- حجّ مع ابن المنكدر ﵀ شبّان، فكانوا إذا رأوا امرأة جميلة قالوا: قد أبرقنا، وهم يظنّون أنّه لا يفطن. فرأوا قبّة فيها امرأة فقالوا: بارقة، وكانت قبيحة، فقال: صاعقة.
٩١٨- وكان أصحاب ابن أبي عليّ الثقفيّ إذا رأوا امرأة جميلة قالوا:
حجّة، فعنّت لهم امرأة قبيحة فقالوا: داحضة.
«٩١٩» - أنشد العجّاج: [من الرجز]
أمسى الغواني معرضات صدّدا
وأعرابيّ حاضر فقال:
تنحّ عن صدده لا تسقط منه كلمة فتشدخك. كنى عن خشونة كلامه وغلظه.
стр. 3374
٩٢٠- ساير هشام بن عبد الملك أعرابيّ، فقال له: انظر ما على ذلك الميل، فجاء الأعرابي وتأمّله وقال: رأيت شيئا كرأس المحجن متّصلا بحلقة يتبعها ثلاثة كأطباء الكلبة، كأن رأسها رأس قطاة بلا منقار، فعرف هشام أنّه يصف خمسة.
٩٢١- وأضلّ رجل بعيرا، فقال لأعرابيّ: هل رأيت بعيرا جعفرا؟ فقال:
ما أعرف جعفرا، ولكن رأيت بعيرا سمته محجن، وشابوره وحلقه وهلاله متّصل بعضه ببعض، فقال: هوذا.
٩٢٢- وقال مشمشة المخنّث لرجل: اكتب: مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد كتبت، فقال: أرنيه، فإنّ اسمي يشبه دخالة الأذن.
٩٢٣- مخلد الموصلي: [من الرمل المجزوء]
أنت عندي عربيّ ... ليس في ذاك كلام
عربيّ عربيّ ... عربيّ والسلام
شعر أجفانك قيصو ... م وشيح وثمام
٩٢٤- التقط أعرابيّ اسمه موسى كيسا، ثم دخل مسجدا يصلّي فيه، وقرأ الإمام: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
(طه: ١٧) ، فرمى إليه بالكيس وقال:
والله إنّك لساحر.
٩٢٥- وفد شاعران على المأمون، فقال لأحدهما: ممّن؟ قال: من ضبّة، فأطرق، فقال: يا أمير المؤمنين من ضبّة الكوفة لا من ضبّة البصرة. وسأل الآخر فقال: من الأشعريين. فقال: أنت أشعر أم صاحبك؟ قال: ما ظننت أن هاشميّا يحكّم أشعريّا بعد أبي موسى، فضحك وقال: أعطوا الضبيّ ألفا لفطنته، والأشعريّ ألفا لنادرته.
٩٢٦- كان رجل يتعاطى الصّراع. فلم يصرع أحدا، فتركه وتعاطى الطّبّ، فمرّ به حكيم فقال له: الآن تصرع خلقا كثيرا.
стр. 3375
«٩٢٧» - تنّبأ رجل في زمن المنصور، فقال له: أنت نبيّ سفلة، فقال:
جعلت فداك، كلّ إنسان يبعث إلى شكله.
٩٢٨- قصّ قاصّ، فأقبل جماعة من المرد فقال: ها هو قد جاء العدوّ، أمّنوا، اللهم امنحنا أكتافهم، وكبّهم على وجوههم، وولّنا أدبارهم، وأرنا عورتهم، وسلّط أرماحنا عليهم، والناس يؤمّنون ولا يدرون.
يتلوه باب الخمر والمعاقرة والحمد لله على نعمته، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
стр. 3376
الباب الرّابع والأربعون في الخمر والمعاقرة
стр. 3377
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(اللهم تجاوز عنّا) اللهم إنا نحمدك على اجتناب المحارم والآصار، ونعوذ بك من ارتكاب المآثم والأوزار، ونسألك العصمة من متابعة الهوى والأوطار، والنجاة من دواعي التداعي في درك النار. اللهم وكما جعلت لنا فيما أحللت عوضا عمّا حرّمت، وأقمت فيما آتيت خلفا ممّا منعت، فاجعلنا بالحلال راضين قانعين، وعن الحرام منتهين مقلعين، ولأمرك فيهما متّبعين، وجنّبنا إثم الخمر والميسر ومضرّتهما، واصرف عنا العداوة فيهما وفتنتهما، وصلّ على رسولك الناهي عنهما صلاة ترفع مقامه وتعليه، وتزلف محلّه وتدنيه، وعلى أصحابه وأهل الفضل وذويه.
стр. 3378
[بداية الباب الرابع والأربعون]
(الباب الرابع والأربعون [١] ما جاء في الخمر والمعاقرة) نضمّنه ما جاء في تحريمها والنهي عنها، وأخبار من تركها تنزّها وترفّعا، أو تحرّجا وتحوّبا، ومن حثّ عليها ودعا إليها خلاعة وتطرّبا، وما قيل في مدحها وذمّها، ونفعها وضرّها، وأوصافها ونعت آنيتها وظروفها، وأخبار معاقريها، والمشهور من أسمائها وصفاتها، دون الغريب الوحشيّ، وغير ذلك من الفنون المتعلّقة بها، الموردة في أماكنها. والله الموفّق لما يرضيه، وإياه نسأل أن يجنّبنا ما يسخطه.
قال الله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
. (البقرة: ٢١٩) .
٩٢٩- وآية التحريم قوله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
. (المائدة: ٩١) . روي أن هذه الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطّلب ﵁.
«٩٣٠» - ومن الأخبار المتّفق عليها في الصحيحين أنّ عليّا ﵁
стр. 3379
قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، واعدت رجلا صوّاغا من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصوّاغين، فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال، [فإذا] شارفاي قد اجتبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنّته قينة وأصحابه:
ألا يا حمز للشّرف النّواء
فوثب حمزة إلى السيف فاجتبّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه في وجهي الذي لقيت، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم! عدا حمزة على ناقتيّ فاجتبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب. قال: فدعا رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه بردائه، فارتداه ثم انطلق يمشي، واتّبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذن له، فإذا هم شرب؛ فطفق رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه بلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرّة عيناه، فنظر إلى رسول الله ﷺ فصعّد النظر إلى ركبته، ثم صعّد النظر إلى سرّته، ثم صعّد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنّه ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه. وذلك قبل تحريم الخمر.
والأبيات التي غنّي فيها حمزة: [من الوافر] :
ألا يا حمز للشرف النّواء ... وهنّ معقّلات بالفناء
стр. 3380
ضع السّكّين في اللّبّات منها ... فضرّجهنّ حمزة بالدماء
وعجّل من أطايبها لشرب ... كرام من قدير أو شواء
الأخبار في تحريمها والتغليظ فيها
«٩٣١» - قال رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه: من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن. وقال ﷺ : لا يدخل الجنّة مدمن خمر. وقال ﷺ : ما نهاني عنه ربّي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرّجال.
أخبار من تركها ترفّعا عنها
«٩٣٢» - منهم عبد الله بن جدعان التيميّ، وكان سيّدا جوادا من سادات قريش. وسبب ذلك أنه شرب الخمر مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأصبحت عين أميّة مخضرّة يخاف عليها الذهاب، فقال له عبد الله: ما بال عينك؟
فسكت، فلما ألحّ عليه قال له: أنت صاحبها، أصبتها البارحة؛ قال: أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي هذا؟! لا جرم لأدينّها لك ديتي عينين.
فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: الخمر عليّ حرام أن أذوقها أبدا. وقال عبد الله ابن جدعان يذكر حاله في شربها: [من الوافر]
شربت الخمر حتى قال صحبي ... ألست عن السّفاء بمستفيق
وحتى ما أوسّد في مبيت ... أنام به سوى التّرب السحيق
وحتى أغلق الحانوت رهني ... وآنست الهوان من الصديق
стр. 3381
«٩٣٣» - وممّن حرّمها في الجاهلية قيس بن عاصم المنقريّ. والسبب في ذلك أنّه سكر فغمز عكنة ابنته أو أخته، فهربت منه، فلما صحا سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ قال: لا، فأخبروه، فحرّم الخمر على نفسه، وقال في ذلك: [من الوافر]
وجدت الخمر جامحة وفيها ... خصال تفضح الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما
ولا أعطي لها ثمنا حياتي ... ولا أشفي بها أبدا سقيما
«٩٣٤» - ويروى أنّ تاجرا نزل به ومعه خمر، فقال له قيس: أصبحني قدحا، ففعل، ثم قال له: زدني، ففعل، وسكر قيس فقال له: زدني، فقال: أنا رجل تاجر طالب خير وربح، ولا أستطيع أن أسقيك بغير ثمن؛ فقام إليه قيس فربطه إلى دوحة في داره حتى أصبح، وكلّمته أخته فلطمها وخمش وجهها، وزعموا أنّه أرادها على نفسها، [وجعل يقول] : [من البسيط]
وتاجر فاجر جاء الإله به ... كأنّ لحيته أذناب أجمال
فلما أصبح قال: من فعل هذا بضيفي؟ قالت له أخته: الذي فعل هذا بوجهي، أنت والله صنعته، وأخبرته بما فعل. فأعطى لله عهدا ألا يشرب خمرا بعدها.
«٩٣٥» - وروي أن البرج بن الجلاس الطائيّ شرب الخمر، فلما سكر انصرف إلى أخته فافتضّها فلما صحا ندم وجمع قومه وقال لهم: أيّ رجل أنا فيكم؟ قالوا: فارسنا وأفضلنا وسيّدنا، قال: فإنّه إن علم أحد من العرب بما صنعت ركبت فرسي فلم تروني، ففعلوا. ثم إنّ أمة من قومه وقعت إلى الحصين بن الحمام المرّي- وكان نديما للبرج- فأخبرته بحاله. وفسد ما
стр. 3382
بينهما، فعيّره الحصين بفعله في شعر قاله. فقال البرج لقومه: فضحتموني وأشعتم خبري، ثم ركب رأسه ولحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر. وقيل: بل شرب الخمر صرفا، فقتلته.
«٩٣٦» - وممّن حرّمها عامر بن الظّرب العدوانيّ، وقال: [من البسيط]
سالة للفتى ما ليس في يده ... ذهّابة لعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرّق ترب القبر أوصالي
٩٣٧- قال أعرابيّ من بني مرّة يعظ ابنا له وقد أفسد ماله الشراب: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك أعودهما بالمضرّة عليك.
«٩٣٨» - ومنهم العباس بن مرداس. قيل له: لم تركت الشراب وهو يزيد في جرأتك وسماحتك؛ قال: أكره أن أصبح سيّد قومي، وأمسي سفيههم.
«٩٣٩» - روي أن رجلا ذا بأس كان يفد على عمر بن الخطاب ﵁ لبأسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه، فقيل له: تتايع في هذا الشراب، فدعا كاتبه فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان، السلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
(غافر: ٣) ؛ ثم دعا وأمّن من عنده، ودعوا أن يقبل [على] الله بقلبه وأن يتوب عليه. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: غافر الذنب: قد وعدني الله أن يغفر لي؛ وقابل التوب شديد العقاب: قد حذرني الله عقابه؛ ذي الطول: والطول الخير الكثير؛ إليه
стр. 3383
المصير. فلم يزل يردّدها على نفسه ثم بكى ونزع وأحسن النزوع. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة، فسدّدوه ووفّقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.
«٩٤٠» - وذكر يزيد بن الأصمّ أنّ رجلا في الجاهلية شرب فسكر، فجعل يتناول القمر، فحلف لا يدعه حتى ينزله، فيثب الوثبة ويخرّ، فيتكدّح وجهه، فلم يزل يفعل ذلك حتى خرّ فنام؛ فلما أصبح قال لأهله: ويحكم، ما شأني؟
قالوا: كنت تحلف لتنزلنّ القمر، فتثب فتخرّ، فهذا الذي لقيت منه ما لقيت.
قال: أرأيت شرابا حملني على أن أنزل القمر؟ والله لا أعود فيه أبدا.
[حكايات وأشعار في الخمر]
«٩٤١» - وقال زيد بن ظبيان: [من البسيط]
بئس الشراب شراب حين تشربه ... يوهي العظام وطورا [يأتيك] بالغضب
إني أخاف مليكي أن يعذّبني ... وفي العشيرة أن يزرى على حسبي
٩٤٢- قال رجل من قريش: [من الطويل]
من تقرع الكأس اللئيمة سنّه ... فلا بدّ يوما أن يسيء ويجهلا
ولم أر مطلوبا أخسّ غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا
فو الله ما أدري أخبل أصابهم ... أم العيش فيها لم يلاقوه أشكلا
«٩٤٣» - قال رجل لسعيد بن سلم: ألا تشرب النّبيذ؟ فقال: تركت كثيره لله تعالى وقليله للناس.
«٩٤٤» - دخل نصيب على عبد الملك بن مروان فأنشده، فاستحسن عبد
стр. 3384
الملك شعره ووصله، ثم دعي بالطعام فطعم منه، فقال له عبد الملك: هل لك فيما يتنادم عليه؟ قال: يا أمير المؤمنين تأملني، قال: قد أراك، قال: يا أمير المؤمنين، جلدي أسود، وخلقي مشوّه، ووجهي قبيح، ولست في منصب؛ وإنما بلغ بي مجالستك ومؤاكلتك عقلي، فأنا أكره أن أدخل عليه ما ينقصه، فأعجبه كلامه وأعفاه.
٩٤٥- سمع عالم قول شاعر: [من الرمل المجزوء]
ما لها تحرم في الدن ... يا وفي الجنّة تنهلّ
فقال: لصداع الرأس ونزف العقل؛ ذهب إلى قوله تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
. (الواقعة: ١٩) .
«٩٤٦» - قال الحسن: لو كان العقل عرضا لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب أن يشتري بماله شيئا فيشربه فيذهب عقله.
٩٤٧- وعن عبد الله بن الأهتم: لو كان العقل يشترى ما كان علق أنفس منه، فالعجب لمن يشتري الحمق بماله فيدخله رأسه، فيقيء في رأسه وجيبه، ويسلح في ذيله، يمسي محمرّا، ويصبح مصفرّا.
٩٤٨- كان لأردشير غلامان ذكيّان يتوكّلان بحفظ ألفاظه إذا غلب عليه السكر، أحدهما يملي والآخر يكتب حرفا حرفا، فإذا صحا قرىء عليه، فإذا كان فيه شيء خارج من أمر الملوك وآدابهم جعل على نفسه أن لا يزمزم ذلك اليوم إلا على خبز الشعير والجبن عقوبة لنفسه.
«٩٤٩» - قال الوليد بن عبد الملك للحجّاج في وفدة وفدها عليه وقد أكلا:
هل لك في الشراب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع
стр. 3385
أهل عملي منه، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح، وهو قول الله :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
. (هود: ٨٨) .
فأما من لبس فيها ثوب الخلاعة، وطاوع لها هواه المردي وأطاعه فيها [١] من أحسن ما اكتسب فضيلة، وأقرب إلى تحصيل المكارم وسيلة. كانت العرب تفتخر بسبائها، وتضيفه في مفاخرها إلى عظيم غنائها ومذكور بلائها.
«٩٥٠» - فمن ذلك قول عنترة وقد وصف نفسه بالإقدام على مكافحة قرنه، وعظّم شأنه بأنّه حامي الحقيقة، معلم يوم الكريهة، وقرن ذلك بأنّه معذّل على إتلاف ماله في شرب الشراب هناك، وأبان أنّه قليل الاحتفال بملامة اللّوام في الاستهتار به، وذلك حيث يقول: [من الكامل]
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتّاك رايات التّجار ملوّم
وإنّما أراد أنّه يأتي الخمّارين فيبتاع جميع ما عندهم من الخمر، فيقلعون لذلك راياتهم التي يرفعونها ليعرفوا بها وينصرفون.
«٩٥١» - وإلى هذا المعنى ذهب أبو نواس في قوله: [من الطويل]
أعاذل ما فرّطت في جنب لذّة ... ولا قلت للخمّار كيف تبيع
أسامحه إنّ المكاس ضراعة ... ويرحل عرضي عنه وهو جميع
«٩٥٢» - وقال زهير يصف شربها وكرمهم: [من الوافر]
стр. 3386
وقد أغدو على شرب كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء
لهم راح وراووق ومسك ... تعلّ به جلودهم وماء
فأمسي بين قتلى قد أصيبت ... نفوسهم ولم تقطر دماء
يجرّون البرود وقد تمشّت ... حميّا الكأس فيهم والغناء
«٩٥٣» - وقال الأخطل في نحوه: [من الكامل]
ولقد غدوت على التّجار بمسمح ... هرّت عواذله هرير الأكلب
لذّ تقبّله النعيم كأنّما ... مسحت ترائبه بماء مذهب
لبّاس أردية الملوك يروقه ... من كلّ مرتقب عيون الرّبرب
ينظرن من خلل السجوف إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب
خضل الكؤوس إذا انتشى لم تكن ... خلفا مواعده كبرق الخلّب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش متقطّب
«٩٥٤» - ومن الافتخار بالسباء قول امرىء القيس: [من الطويل]
كأني لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فقرن جوده في سباء الزّقّ ببسالته في كرّ الخيل ورئاسته في التقدّم عليها.
«٩٥٥» - وذكر أن أبا الطيب المتنبّي لما أنشد سيف الدولة أبا الحسن عليّ بن حمدان قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل]
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنّك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
стр. 3387
قال له: قد انتقدنا عليك يا أبا الطيب هذين البيتين كما انتقد على امرىء القيس بيتاه، وذكرهما. وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين، كان ينبغي لامرىء القيس أن يقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيّد الله مولانا. إن صحّ أنّ الذي استدرك على امرىء القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا. ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك، لأن البزّاز يعرف جملته، [والحائك يعرف جملته] وتفاريقه لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثّوبيّة؛ وإنّما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذّة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لمّا ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه؛ ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا، وعينه من أن تكون باكية قلت: ووجهك وضّاح وثغرك باسم، لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتّسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله بخمسين دينارا من دنانير الصّلات وزنها خمسمائة دينار.
«٩٥٦» - وقال لقيط بن زرارة: [من الوافر]
شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان
стр. 3388
أمشّي في بني عدس بن زيد ... رخيّ البال منطلق اللسان
«٩٥٧» - وقال حسان بن ثابت: [من الوافر]
إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهنّ لطيّب الراح الفداء
نولّيها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء
المغث: المماغثة باليد، واللّحاء: الملاحاة باللسان.
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
«٩٥٨» - روي أنّ حسّان عنّف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها، وأنّهم يضربون عليها ضرب غرائب الإبل ولا يرجعون عنها، فقالوا: إنا إذا هممنا بالإقلاع عن شربها ذكرنا قولك:
ونشربها فتتركنا ملوكا، فعاودناها
«٩٥٩» - وقال آخر: [من الطويل]
إذا صدمتني الكأس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني أذاي ولا بخلي
ولست بفحّاش عليه وإن أسا ... وما شكل من آذى نداماه من شكلي
«٩٦٠» - وقال آخر: [من الطويل]
شربنا من الداذيّ حتى كأنّنا ... ملوك لهم برّ العراقين والبحر [١]
فلما انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر
стр. 3389
«٩٦١» - ومثله للمنخّل اليشكري: [من الكامل المجزوء]
فإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير
«٩٦٢» - قال الأطباء: الخمر تسخن الجسم، وتجوّد الهضم، وترطّب الأعضاء، وتسكّن الظّمأ والعطش إذا مزجت، وتدرّ البول، وتسهّل الطبيعة، وتسرّ النّفس، وتحدث الظّرف والأريحيّة ولا سيّما في الأبدان المعتدلة، وهذا في الحدّ القصد، فإذا أكثر منها أحدث ذلك السهر وورم الكبد، وقلّة شهوة الجماع والغذاء، والنّسيان، والبخر، والرّعشة، والزّمع، وضعف البصر، والحميات، واختلاط العقل، والتبلّد، والسّكتة، والصّرع، وموت الفجأة؛ لأن الخمر تملأ الدماغ فتغمره الحرارة كما يغمر الدهن نار السراج فيطفأ.
وقالوا: منافعها بشرط الاقتصاد عشر: خمس منها نفسيّة، وخمس منها جسمية.
فالنفسية: تسرّ النّفس، وتبسط الأمل، وتشجّع القلب، وتحسّن الخلق، وتقاوم البخل. والجسمية: تجيد الهضم، وتدرّ البول، وتحسّن البشرة، وتطيّب النكهة، وتزيد في الباه.
٩٦٣- وقالوا: أجود الخمر لتوليد الدم المعتدل في المزاج المعتدل الأحمر الناصع المعتدل القوام الطيّب الرائحة، المتوسط بين العتق والحداثة.
٩٦٤- وكان بعض الأطباء إذا لم ير في العليل موضعا لسقي الدواء سقاه الخمر بالماء ممزوجة، فينبعث من النفس بالمسرّة ما أسقطه الداء بالعلّة.
«٩٦٥» - وقال بعض البلغاء: الشراب ريحانة الروح، ودرياق الهمّ، ومطيّة اللهو، ومسرّة القلب. قد خلص من الأقذاء، وأخذ لدونة الهواء، وعذوبة الماء،
стр. 3390
فهو معطّر للنكهة، محرّك للصبابة، ممازج للطبيعة، دقيق المسلك، سريع الذهاب في الجسد، واصل لحبل الفتوّة، عاقد للإخاء، باعث على الوفاء، فاسخ للرجاء، ناف للفكرة، ممسك لرماق المهجة، مذك للقريحة، ملائم للغريزة، سام بالهمّة، مستلّ للسّخيمة، صاقل للعزيمة، مذهب للتّرة، مسهّل للحمالة، كاسب للثراء من غير ثروة، جامع للشّمل، مقرّب للسبيل، مهوّن للجليل، داع إلى الجميل، منساب في المفاصل بغير دليل، كاس للأنفس سرورا، وللأجفان فتورا، وللخدود اشتعالا ونورا، يطيب عند الازدياد، ويلذّ عند الأعواد، ويتغلغل في القلب إلى حيث لا يبلغه الفكر.
٩٦٦- وقال بهرام جور: هموم الدنيا داء دواؤه الراح.
«٩٦٧» - وقال آخر: للنّبيذ حدّان: فحدّ لا همّ فيه، وحدّ لا عقل فيه، فعليك بالأوّل واتّق الثاني.
«٩٦٨» - قال عبد الملك بن مروان للأخطل: ما تصنع بالخمر؟ فإنّ أوّلها لمرّ، وإن آخرها لسكر، قال: أما لئن قلت ذاك، فإن فيما بين ذاك الحالين لمنزلة ما ملكك فيها إلا كلعقة من ماء الفرات بالأصبع.
«٩٦٩» - وكان أبو الهنديّ يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكا، فاستعدى عليه وعلى ابنه فهربا منه، وقال أبو الهنديّ: [من البسيط]
قل للسّريّ أبي قيس أتوعدنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما والله لو عملت ... فيك الشّمول لما حرّمتها أبدا
ولا نسيت حميّاها ولذّتها ... ولا عدلت بها مالا ولا ولدا
«٩٧٠» - قال مطيع بن إياس: إنّ في النّبيذ لمعنى من الجنّة كما حكى الله عن
стр. 3391
أهلها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
. (فاطر: ٣٤) .
«٩٧١» - جرى في مجلس حامد بن العباس- وهو الوزير حينئذ- ذكر الخمار وما يلحق الناس منه، فقال حامد لعليّ بن عيسى وكان يخلفه: ما تقول يا أبا الحسن في دواء الخمار، وما عندك فيه؟ فقال له عليّ بن عيسى:
وما أنا وهذه المسألة؟! فخجل حامد، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فقال له: ما عندك في هذا؟ فقال أبو عمر: قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
(الحشر: ٧) ؛ وقد قال النبيّ ﷺ وعلى آله وصحبه: «استعينوا على كلّ صناعة بأهلها» ، والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، يقول: [من المتقارب]
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
ثم أبو نواس في الإسلام يقول: [من البسيط]
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
فقال حامد لعليّ بن عيسى: يا بارد، ما كان ضرّك لو جئت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة؟ فقد استظهر في المسألة أولا بقول الله تعالى، ثم بقول نبيّه ﷺ وعلى آله وصحبه، ثانيا، وأدّى المعنى وتبرّأ من العهدة. فكان خجل علي بن عيسى أكبر من خجل حامد.
٩٧٢- كان أنو شروان يعجبه الورد ويفضّله على سائر الرياحين، فابتنى قبّة الكلّستان وزخرفها بالذهب ورصّعها بالجوهر، وزيّنها بالتصاوير، وحفّها بالتماثيل، وجعل في أعاليها فتوحا ينثر عليه منها الورد. ومرّ أنو شروان بوردة ساقطة فقال: أضاع الله من أضاعك، ونزل فأخذها وقبّلها وشرب في مشكاتها سبعة أيام.
стр. 3392
٩٧٣- كان بشّار في شرب فقال: لا تجعلوا يومنا حديثا كلّه، ولا شربا كلّه، ولا غناء كلّه، تناهبوا العيش تناهبا فإنّما الدنيا فرص.
«٩٧٤» - شهد رجل عند شريك، فقال المدّعى عليه: إنّه يشرب النّبيذ، فقال له شريك: أتشربه؟ قال: نعم، وأنا الذي أقول: [من الرمل المجزوء]
وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق
بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق
يهضم المطعم هضما ... ثم يجري في العروق
فقال شريك: قم فأثبت شهادتك.
«٩٧٥» - قال برج بن مسهر الطائي: [من الوافر]
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت وقد تغوّرت النجوم
رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرقة ملامة من يلوم
فلما أن تنشّى قام خرق ... من الفتيان مختلق هضوم
إلى وجناء ناوية فكاست ... وهي العرقوب منها والصّميم
فأشبع شربه وسعى عليهم ... بإبريقين كأسهما رذوم
تراها في الإناء لها حميّا ... كميتا مثل ما فقع الأديم
ترنّح شربها حتى تراهم ... كأنّ القوم تنزفهم كلوم
فبتنا بين ذاك وبين مسك ... فيا عجبا لعيش لو يدوم
نطوّف ما نطوّف ثم يأوي ... ذوو الأموال منا والعديم
إلى حفر أسافلهن جوف ... وأعلاهنّ صفّاح مقيم
стр. 3393
«٩٧٦» - وقال عبدة بن الطّبيب: [من البسيط]
وقد غدوت وضوء الصبح منفتق ... ودونه من سواد الليل تجليل
إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته ... لدى الصباح وهم قوم معازيل
على التّجار فأعداني بلذّته ... رخو الإزار كصدر السيف مشمول
خرق يجدّ إذا ما الأمر جدّ به ... يخالط اللهو واللذّات ضلّيل
حتى اتّكأنا على فرش يزيّنها ... من جيّد الرّقم أزواج تهاويل
فيها الدّجاج وفيها الأسد مخدرة ... من كلّ شيء يرى فيها تماثيل
في كعبة شادها بان وزيّنها ... فيها ذبال يضيء الليل مفتول
لنا أصيص كجذم الحوض هدّمه ... وطء العراك لديه الزّق مغلول
والكوب أزهر معصوب بقلّته ... فوق السياع من الريحان إكليل
أصل السياع: الطين الذي يلاط به الحائط. فجعله للقير إذ كان يطلى به الدّنّ.
مبرّد بمزاج الماء بينهما ... حبّ كجوز حمار الوحش مبزول
شبّه الإناء الذي فيه الماء بحبّ، ثم تعجّب منه بأن قال: مبزول.
والكوب ملآن طاف فوقه زبد ... وطابق الكبش في السّفّود مخلول
يسعى به منصف منتطق ... فوق الخوان وفي الصاع التوابيل
ثمّ اصطبحنا كميتا قرقفا أنفا ... من طيّب الراح، واللّذات تعليل
صرفا مزاجا وأحيانا يعلّلنا ... شعر كمذهبة السّمّان محمول
تذري حواشيه جيداء آنسة ... في صوتها لسماع الشّرب ترتيل
تذري: أي ترفع، مأخوذ من الذّروة وهي أعلى كلّ شيء.
تغدو علينا تلهّينا ونصفدها ... تلقى البرود عليها والسرابيل
стр. 3394
«٩٧٧» - وقال معبد بن سعيد الضبيّ: [من الطويل]
وكأس رنوناة دعوت بحسرة ... إليها فتى لا يحمل اللؤم أروعا
خميص الحشا هشّا يراح إلى الندى ... قؤولا إذا ما زلّ صاحبه لعا
فباكر مختوما عليه سباعه ... دواليك حتى أنفد الدّنّ أجمعا
«٩٧٨» - عديّ بن زيد العباديّ: [من الخفيف]
بكر العاذلون في فلق الصب ... ح يقولون لي ألا تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد ال ... له والقلب عندكم موثوق
لست أدري وقد بدأتم بصرمي ... أعدوّ يلومني أم صديق [١]
أطيب الطيب طيب أمّ عليّ ... مسك فأر بعنبر مفتوق
زانها وارد العذار [ ... ] ... واصل صلت الجبين عتيق
وثنايا كالأقحوان عذاب ... لا قصار كنّ ولا هنّ روق
مشرفات تخالهنّ إذا ما ... حان من غابر النجوم خفوق
[ ... ] قرقف كدم الجو ... ف تريك القذى كميت رحيق
صانها التاجر اليهوديّ حولى ... ن وأذكى من ريحها العتيق
ثم فضّوا الختام عن جانب الدن ... ن وحانت من اليهوديّ سوق
فاستباها أشمّ خرق كريم ... أريحيّ غذاه عيش رقيق
ثم نادوه بالصبوح فقامت ... قينة في يمينها إبريق [٢]
стр. 3395
قدّمته على عقار كعين الد ... ديك صفّى سلافها الراووق
وطفت فوقها فواقع كاليا ... قوت حمر يثيرها التصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب ... غير ما آجن ولا مطروق
فوق علياء ما يرام ذراها ... يلعب النّسر فوقها والأنوق
«٩٧٩» - جميل: [من الوافر]
فما بكت النساء على قتيل ... بأشرف من قتيل الغانيات
بلى ندمان صدق بات يسعى ... تضمّنه أكفّ الساقيات
فلما مات من طرب وسكر ... رددن حياته بالمسمعات
فقام يجرّ عطفيه خمارا ... وكان قريب عهد بالممات
«٩٨٠» - الأخطل: [من البسيط]
وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوّار
السوّار: المعربد. ويروى بسآر، من أسأر إذا أبقى في الإناء بقيّة.
نازعته طيّب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري
من خمر عانة ينصاع الفؤاد لها ... في جدول صخب الآذيّ مرّار
ليست بسوداء من ميثاء مظلمة ... ولم تعذّب بإدناء من النار
لها رداءان نسج العنكبوت وقد ... لفّت بآخر من ليف ومن قار
صهباء قد كلفت من طول ما حبست ... في مخدع بين جنّات وأنهار
عذراء لم يجتل الخطّاب بهجتها ... حتى اجتلاها عباديّ بدينار
إذا أقول تراضينا على ثمن ... ضنّت بها نفس خبّ البيع مكّار
стр. 3396
كأنّما المسك نهبى بين أرحلنا ... ممّا تضوّع من ناجودها الجاري
«٩٨١» - وقال أيضا: [من الطويل]
وأبيض لا نكس ولا واهن القوى ... سقيت إذا أولى العصافير صرّت
رددت عليه الكأس غير بطيئة ... من الليل حتى هرّها وأهرّت
فقام يجرّ البرد لو أن نفسه ... بكفّيه من ردّ الحميّا لخرّت
«٩٨٢» - وقال: [من الكامل]
ومعتّق حرم الوفود كرامة ... كدم الذبيح تمجّه أوداجه
ضمن الكروم له أوائل حمله ... وعلى الدّنان تمامه ونتاجه
«٩٨٣» - كان الأعشى ميمون بن قيس مشهورا بتعاطي الخمر، مشغوفا بها، كثير الذكر لها في شعره حتى لعلّه لا يخلي قصيدة من الافتخار بسبائها، لكنه كان يشير إلى وصفها أو إلى إدمانه لها، ثم يتجاوز ذلك إلى غيره من قصده.
ومن اشتهاره بها قال المفضّل بين قدماء الشعراء: أشعرهم امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وقصد الأعشى النبيّ ﷺ وامتدحه بقصيدته التي أوّلها: [من الطويل]
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السليم مسهّدا
فاعترضه في طريقه من أراد منعه، فقالوا له: إنّه يحرّم عليك الزّنا والخمر، فقال: أما الزّنا فقد كبرت ولا حاجة لي فيه، وأما الخمر فلا أستطيع تركها.
وعاد لينظر في أمره، فأدركه الموت ولم يسلم.
стр. 3397
«٩٨٤» - فمن شعره فيها: [من المتقارب]
وصهباء صرف كلون الفصو ... ص باكرت في الصّبح سوّارها
فطورا تميل بنا مرّة ... وطورا نعالج إمرارها
تدبّ لها فترة في العظام ... وتغشي الذؤابة فوّارها
معي من كفاني غلاء السّبا ... وسمع القلوب وإبصارها
ومسمعتان وصنّاجة ... تقلّب بالكفّ أوتارها
وبربطنا دائب معمل ... فقد كاد يغلب إسكارها
«٩٨٥» - ومن شعره فيها: [من الرمل]
وشمول تحسب العين إذا ... صفّقت، جندعها نور الذّبح
مثل ريح المسك ذاك ريحها ... صبّها الساقي إذا قيل توح
من زقاق التّجر في باطية ... جونة حاريّة ذات روح
فإذا ما الراح منها أزبدت ... أفل الإزباد فيها وامتصح
وإذا مكّوكها صادمه ... جانباها كرّ فيها فسبح
فترامت بزجاج معمل ... يخلف النازح منها ما نزح
فإذا غاضت رفعنا زقّنا ... طلق الأوداج فيها فانسفح
تحسب الزّقّ لدينا مسندا ... حبشيّا نام عمدا فانبطح
ولقد أغدو على ندمانها ... وعدا عندي عليها واصطبح
ومغنّ كلّما قيل له ... أسمع الشّرب تغنّى وصدح
وثنى الكفّ على ذي عتب ... يصل الصوت بذي زير أبحّ
في شباب كمصابيح الدّجى ... ظاهر النعمة فيهم والفرح
стр. 3398
«٩٨٦» - وقال: [من المتقارب]
وصهباء صرف كلون الفصوص ... سريع إلى الشّرب أكسالها
كمثل دم الجوف إذ عتّقت ... فزاد على العتق إحوالها
تريك القذى وهي من دونه ... إذا ما يصفّق جريالها
شربت إذا الراح بعد الأصي ... ل طابت ورفّع أطلالها
وأبيض كالنّجم آخيته ... وبيداء مطّرد آلها
«٩٨٧» - ومن إلمامه بذكرها قوله في بيتين لم يزد عليهما: [من الكامل المجزوء]
ولقد شربت الراح أس ... قى من إناء الطّرجهاره [١]
حتى إذا أخذت مآ ... خذها تغشّتني استداره
٩٨٨- وقوله: [من المتقارب]
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
كميت ترى دون قعر الإنا ... كمثل قذى العين يقذى بها
وشاهدنا الورد والياسمي ... ن والمسمعات بقصّابها
ومزهرنا معمل دائم ... فأيّ الثلاثة أزرى بها
مضى لي ثمانون من مولدي ... كذلك تفصيل حسّابها
فأصبحت ودّعت لهو الشبا ... ب والخندريس بأصحابها [٢]
стр. 3399
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المروءة [١] من بابها
«٩٨٩» - ومن شعره فيها: [من المتقارب]
وأبيض مختلط بالكرا ... م لا يتغطّى بإنفادها
أتاني يؤامرني في الشّمو ... ل ليلا فقلت له غادها
يعرّض بحسان بن ثابت لأنه شرب عنده، فلما فني الشراب قام. يقول: إذا أفنى الشراب لم يستتر من أصحابه. وقوله: أتاني يؤامرني: كأنّه أتاه بالغداة، فقال له: نشربها الليلة، فقال له: غادها الساعة.
أرحنا نباكر جدّ الصّبو ... ح، قبل النّفوس وحسّادها
فقمنا ولمّا يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدّادها
فقام فصبّ لنا قهوة ... تسكّننا بعد إرعادها
كميتا تكشّف عن حمرة ... إذا صرّحت بعد إزبادها
فجال علينا بإبريقه ... مخضّب كفّ بفرصادها
«٩٩٠» - وقال: [من المتقارب]
وذات نواف كلون الفصو ... ص باكرتها وادّلجت [٢] ابتكارا
بكرت عليها قبيل الشرو ... ق، إما نقالا وإما اغتمارا
يعاصي العواذل طلق الندى [٣] ... يروّي اليدين [٤] ويرخي الإزارا
стр. 3400
فما نطق الديك حتى ملأ ... ت كوب الرباب له فاستدارا
الرباب: صاحب الخمر.
إذا انكبّ أزهر بين السقاة ... تراموا به غربا أو نضارا
«٩٩١» - حضر حسان بن ثابت مأدبة، فغنّته قينة من شعره، وذلك بعدما عمي: [من المنسرح]
انظر خليلي بباب جلّق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد
أجمال شعثاء إذ هبطن من ال ... محمض بين الكثبان فالسّند
يحملن حورا حوّ المدامع في الر ... ريط وبيض الوجوه كالبرد
من دون بصرى ودونها جبل الث ... ثلج عليه السحاب كالقدد
إني وأيدي المخيّسات وما ... يقطعن من كلّ سربخ جدد
أهوى حديث النّدمان في فلق الص ... بح وصوت المسامر الغرد
هل في تصابي الكريم من فند ... أم هل لمدى الأيام من نفد
لا أخدش الخدش للنديم ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي
تقول شعثاء لو صحوت عن ال ... كأس لقد كنت مثري العدد
يأبى لي السيف والسّنان وقو ... م لم يضاموا كلبدة الأسد
فكان يقول: قد أراني سميعا بصيرا، وعيناه تدمعان، فإذا سكتت سكت عنه البكاء. وقدّم الطعام فكان يقول لولده عبد الرحمن: أطعام يد أم طعام يدين؟
فإذا قال: طعام يدين، أمسك عن الطعام- يعني بطعام يد: الثريد، وطعام يدين: الشواء لأنه ينهش نهشا. فلما انقلب حسان إلى منزله استلقى على فراشه