← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

أكتب هذه الأبيات قائما وما أقدر على ذلك إلا أن تعمدني، وقد كان نقرس، فعمدته فقام، فكتبها قائما. «١٠٨٥» - كان آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز من المعاقرين المدمنين حتى فسد أمره ووهن، وكان يقول: إذا اصطبحت فكل كسرة بملح وافتح دنّك، فإن كان حامضا دبغ معدتك، وإن كان حلوا خرطك، وإن كان مدركا فهو الذي أردت. ثم إنّه أقلع وأناب، فاستأذن يوما على يعقوب بن الربيع فقال يعقوب: ارفعوا الشراب فإنّ هذا قد تاب، وأحسبه يكره أن يراه. فرفع وأذن له، فلمّا دخل قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ . (يوسف: ٩٤) قال يعقوب: هو الذي وجدت، ولكنا ظننّا أنه يثقل عليك لتركك الشراب، قال: أي والله إنّه ليثقل ذلك عليّ. قال: فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال: قد قلت: [من الطويل] ألا هل فتى عن شربها اليوم صابر ... ليجزيه يوما بذلك قادر شربت فلمّا قيل ليس بنازع ... نزعت وثوبي من أذى اللوم طاهر «١٠٨٦» - وقال آخر: [من الطويل] وأغيد معسول الشمائل زادني ... على فرق والنجم حيران طالع فلما جلا صبح الدّجى قلت حاجب ... من الشّمس أو برق من الشرق لامع إلى أن دنا والسحر رائد طرفه ... كما ريع ظبي بالصريمة راتع فنازعته الصهباء والليل ناصل ... رقيق حواشي البرد والنّسر واقع عقارا عليها من دم الصبّ نفضة ... ومن عبرات المستهام فواقع معوّدة غصب العقول كأنّما ... لها أرباب الرجال ودائع

стр. 3432

تدير إذا شجّت عيونا كأنّها ... عيون العذارى شقّ عنها البراقع «١٠٨٧» - بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لمّا ولي الخلافة فقال: أتدرون لم دعوتكم؟ قالوا: لا، قال: ليقل قائلكم، فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدّد الله لك من نعمه وإحسانه، قال: نعم ولكني: [من الخفيف] أشهد الله والملائكة الأب ... رار والعابدين أهل الصلاح أنّني أشتهي السماع وشرب ال ... كاس والعضّ للخدود الملاح والنّديم الكريم والخادم الفا ... ره يسعى عليّ بالأقداح قوموا إذا شئتم. وأخبار الوليد هذا في خلاعته لو تكلّفت ذكرها لاحتاجت إلى كتاب مفرد. «١٠٨٨» - وروي أن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام خرج يوما إلى بعض الدّيارات فنزل فيه، وهو وال على الرملة، فسأل صاحب الدير: هل نزل بك أحد من بني أمية؟ قال: نعم، نزل بي الوليد بن يزيد ومحمد بن سليمان بن عبد الملك، قال: فأيّ شيء صنعا؟ قال: شربا، قال: أين شربا؟ قال: في ذلك الموضع، ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: هلمّ نشرب بهذا الجرن، وأومأ إلى جرن عظيم من رخام، فقال: افعل؛ فلم يزالا يتعاطيانه بينهما يشربان به حتى ثملا، فقال عبد الوهاب لغلام له أسود كان يوصف بالشّدّة: هاته، فذهب يحرّكه فلم يقدر. فقال له الراهب: والله لقد رأيتهما يتعاطيانه، وكلّ واحد يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشرب به غير مكترث. «١٠٨٩» - كان لسليمان بن وهب نديم يأنس به ويلائمه ويألفه، فعربد

стр. 3433

عليه ليلة من الليالي عربدة قبيحة فاطّرحه وجفاه مدّة، فوقف له على الطريق، فلما مرّ به وثب إليه وقال له: أيّها الوزير، ألا تكون في أمري كما قال عليّ بن الجهم: [من البسيط] القوم إخوان صدق بينهم نسب ... من المودّة لم يعدل به نسب تراضعوا درّة الصهباء بينهم ... فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب لا يحفظون على السّكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب فقال له سليمان: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد إلى ما كنت عليه من ملازمتي. «١٠٩٠» - قال إسحاق: دخلت على المأمون يوما فوجدته حائرا معكّرا غير نشيط، فأخذت أحدّثه بملح الأحاديث وطرفها أستميله حتى يضحك أو ينشط فلم يفعل، وخطر ببالي بيتان فأنشدته إيّاهما، وهما: [من الطويل] ألا علّلاني قبل نوح النوائح ... وقبل نشوز النّفس بين الجوانح وقبل غد يا لهف نفسي على غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح فتنبّه كالمتفزّع ثم قال: من يقول هذا، ويحك؟ فقلت: أبو الطّمحان القينيّ يا أمير المؤمنين، فقال: صدق والله، أعدهما عليّ، فأعدتهما حتى حفظهما، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم دعا بالشراب فشرب، وأمر لي بعشرين ألف درهم. «١٠٩١» - قال ابن الأعرابيّ: كنّا مع محمد بن الجنيد الجبلي [١] أيام الرشيد، فشرب ذات ليلة، فكان صوته: [من الخفيف]

стр. 3434

علّلاني بعاتقات الكروم ... واسقياني بكأس أمّ حكيم فلم يزل يقترحه ويشرب عليه حتى السّحر، فوافاه كتاب خليفته في دار الرشيد أنّ الخليفة على الركوب، وكان محمد أحد أصحاب الرشيد ومن يقدّم دابّته، فقال: ويحكم، كيف أعمل والرشيد لا يقبل لي عذرا وأنا سكران؟ فقالوا: لا بدّ من الركوب. فركب على تلك الحال، فلما قدّم إلى الرشيد دابته قال له: يا محمد، ما هذه الحال التي أراك عليها؟ قال: لم أعلم برأى أمير المؤمنين في الركوب، فشربت ليلتي أجمع، قال: فما كان صوتك؟ فأخبره، فقال له: عد إلى منزلك فلا فضل فيك. فرجع إلينا وخبّرنا بما جرى، وقال: خذوا بنا في شأننا. فجلسنا على سطح، فلما متع النهار إذا خادم من خدم الرشيد قد أقبل على برذون وفي يده شيء مغطّى بمنديل قد كاد ينال الأرض. فصعد إلينا وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد بعثنا إليك بكأس أمّ حكيم لتشرب فيه وبألف دينار تنفقها في صبوحك. وقام محمد فأخذ الكأس من يد الخادم وقبّلها وصبّ فيها ثلاثة أرطال وشربها قائما وسقانا مثل ذلك، ووهب للخادم مائتي دينار، وغسل الكأس وردّها إلى موضعها، وجعل يفرّق علينا تلك الدنانير حتى بقي معه أقلّها. والشعر المذكور للوليد بن يزيد بن عبد الملك. وأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. «١٠٩٢» - قال ابن إسحاق الموصليّ: دخلت إلى الرشيد يوما وهو يخاطب جعفر بن يحيى بشيء لم أسمع ابتداءه، وقد علا صوته، فلما رآني مقبلا قال لجعفر: أترضى بإسحاق؟ قال جعفر: بلى والله، ما في علمه مطعن إن أنصف، فقال له: أيّ شيء تروي للشعراء المحدثين في الخمر؟

стр. 3435

أنشدني من أفضل ما عندك وأشدّه تقدّما، فعلمت أنّهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس، فعدلت عنه إلى غيره، لئلا أخالف أحدهما، فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله: [من الكامل] ولقد طعنت الليل في أعجازه ... بالكأس بين غطارف كالأنجم يتمايلون على النعيم كأنّهم ... قضب من الهنديّ لم تتثلّم يسعى بها الظبي الغرير يزيدها ... طيبا ويغشمها إذا لم تغشم [١] والليل ملتحف بفضل ردائه ... قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم [٢] فإذا أدارتها الأكفّ رأيتها ... تثني الفصيح إلى لسان الأعجم وعلى بنان مديرها عقيانه ... من سكبها وعلى فضول المعصم تغلي إذا ما الشّعريان تلظّيا ... صيفا وتسكن في طلوع المرزم ولها سكون في الإناء وخلفه ... شغب يطوّح بالكميّ المعلم تعطي على الظّلم الفتى بقيادها ... قسرا وتظلمه إذا لم تظلم فقال لي الرشيد: قد عرف تعصّبك على أبي نواس، فإنّك عدلت عنه متعمّدا، ولقد أحسن أشجع ولكنّه لا يقول أبدا مثل أبي نواس: [من المديد] يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم فقلت له: ما علمت ما كنتما فيه يا أمير المؤمنين، وإنما أنشدت ما حضرني، قال: حسبك قد سمعت الجواب. وكان في إسحاق تعصّب على أبي نواس لشيء جرى بينهما. «١٠٩٣» - وقال إسحاق: اصطبح الواثق في يوم مطير، واتّصل شربه،

стр. 3436

وشربنا معه حتى سقطنا لجنوبنا صرعى وهو معنا على حالنا، فما حوّل أحد منّا عن مضجعه، وخدم الخاصة يطوفون علينا ويتفقدّوننا، وبذلك أمرهم، وقال: لا تحرّكوا أحدا منهم عن مضجعه. وكان هو أوّل من أفاق منّا، فقام وأمر بإنباهنا، فقمنا وتوضّأنا وأصلحنا من شأننا، وجئنا إليه وهو جالس وفي يده كأس وهو يروم شربها والخمار يمنعه، فقال: يا إسحاق، أنشدني شيئا في هذا المعنى، فأنشدته قول أشجع: ولقد طعنت الليل في أعجازه إلى آخر الأبيات فطرب وقال: أحسن والله أشجع وأحسنت يا أبا محمد، أعد بحياتي، فأعدتها فشرب كأسه عليها وأمر لي بألف دينار. «١٠٩٤» - كان عبد الله بن العباس الربيعي مصطبحا دهره لا يفوته ذلك إلا يوم جمعة أو صوم شهر رمضان. وكان يكثر المدح للصبوح ويقول الشعر فيه، فمن ذلك قوله: [من البسيط] ومستطيل على الصهباء باكرها ... في فتية باصطباح الرّاح حذّاق فكلّ شيء رآه خاله قدحا ... وكلّ شخص رآه ظنّه السّاقي «١٠٩٥» - اشتهى أبو الهنديّ الصبوح في الحانة، فأتى خمّارا بسجستان في محلّة يقال لها: كوه زيان وتفسيره: درب الخسران، يباع فيه الخمر والفاحشة، ويأوي إليها كلّ خارب وزان ومغنّية، فدخل إلى الخمّار وقال له: اسقني، وأعطاه دينارا، فكال له، وجعل يشرب حتى سكر. وجاء قوم يسلّمون عليه فصادفوه على تلك الحال فقالوا للخمّار: ألحقنا به، فسقاهم حتى

стр. 3437

سكروا. وانتبه أبو الهنديّ فسأل عنهم، فعرّفه الخمّار خبرهم، فقال: هذا الآن وقت السّكر، الآن طاب، ألحقني بهم، فجعل يشرب حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمّار: ويحك، هذا نائم بعد! فقال: لا، قد انتبه فلما عرف خبركم شرب حتى سكر، قالوا: فألحقنا به، فلم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام، ولم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا هم الشراب حتى أفاق، فلقوه، فقال أبو الهنديّ: [من الوافر] ندامى بعد ثالثة تلاقوا ... يضمّهم بكوه زيان راح وهي أبيات. وتروى هذه القصة لأبي نواس مع والبة بن الحباب، والأصحّ أنّها لأبي الهنديّ.

стр. 3438

نوادر من هذا الباب «١٠٩٦» - شرب الأقيشر في حانة الحيرة حتى نفد ما معه، ثم رهن ثيابه، وكان الزمان باردا، فجلس في تبن كان هناك، فاجتاز رجل ينشد ضالّة له، فقال: اللهم اردد عليه واحفظ علينا، قال الحانيّ: ويحك، أيّ شيء يحفظ عليك ربّك؟ قال: هذا التبن لا يأخذه فأموت بردا. فضحك الحانيّ وأعاد عليه ثيابه. «١٠٩٧» - دخل طفيليّ على سالم بن عقال، فجعل يشرب معه مطبوخا يحتاج إلى مزاج كثير، فسقاه الطفيليّ وأقلّ المزاج، وأراد أن يتقرّب إلى سالم فأنشأ يقول: [من الطويل] يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم فقال له سالم: لو أخذت الماء من هذا البيت وجعلته في أقداحنا لصلح شعرك ونبيذنا. «١٠٩٨» - ابن لنكك البصري: [من الوافر] فديتك لو علمت ببعض ما بي ... لما جرّعتني إلا بمسعط وحسبك أنّ كرما باب داري ... أمرّ ببابه فأكاد أسقط «١٠٩٩» - دخل أعرابيّ على رجل من أعمال السلطان وهو يشرب، فجعل يحدّثه ثم سقاه كما يشرب، فقال الأعرابيّ: والله أيها الأمير، إنّها هي الخمر، فقال: كلا، ولكنّها زبيب وعسل، فشرب الأعرابيّ، فلما

стр. 3439

طرب قال له الرجل: قل فيها. فقال: [من الطويل] أتانا بها صفراء يزعم أنها ... زبيب فصدّقناه وهو كذوب فما هي إلا ليلة غاب نحسها ... أواقع فيها الذّنب ثم أتوب «١١٠٠» - قال الجمّاز: حرام النبيذ على اثني عشر نفسا: على من غنّى الخطأ، واتّكأ على اليمنى، وأكثر أكل النّقل، وكسر الزجاج، وسرق الرّيحان، وبلّ ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع اليمّ، وخلس أول قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت. «١١٠١» - وذكر إسحاق بن إبراهيم النّدماء فقال: واحد همّ، واثنان غمّ، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستّة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت. «١١٠٢» - جلست عجوز من الأعراب في طريق مكّة إلى فتيان يشربون نبيذا لهم، فسقوها ثلاثا فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زنين وربّ الكعبة. ١١٠٣- سمع مخنّث رجلا يقول: دعا أبي أربعة أنفس أنفق عليهم أربعمائة دينار، فقال: يا ابن البغيضة، لعلّه ذبح لهم مغنّيتين وزامرة! وإلا أربعمائة دينار في أيّ شيء أنفقها؟ «١١٠٤» - قال المتوكّل: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لجعلته نديمي، فقال: إن كان يريدني لرؤية الأهلّة وقراءة نقوش الخواتيم لم أصلح لذلك، فضحك منه واتّخذه نديما، وقد روي أنّه امتنع من منادمته واحتج بما ورد قبل هذا المكان.

стр. 3440

١١٠» - شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان، فقالوا له في وجه السّحر: قم فانظر هل تسمع أذانا، فأبطأ عنهم ساعة، ثم رجع فقال: اشربوا فإني لم أسمع الأذان سوى من مكان بعيد. «١١٠٦» - كان بعض أولاد الملوك إذا شرب وسكر عربد على ندمائه، وكان إذا صحا يندم ويستدعي من عربد عليه ويعطيه ألف درهم وما يقارنها. فقال له بعضهم يوما: أنا رجل مضيّق، وأنا مع ذلك ضعيف لا أحتمل عربدة بألف درهم، فإن رأيت أن تعربد عليّ عربدة إلى مائتي درهم فعلت، فاستظرفه وأعطاه وأحسن إليه. «١١٠٧» - قيل لبعض المدمنين: كم الصلاة؟ قال: الغداة والظّهر، قالوا: فالعصر؟ قال: تعرف وتنكر، قالوا: فالعشاء؟ قال: يبلغها الجواد، قالوا: فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قطّ. «١١٠٨» - دخل عليّ بن شبابة على رجل وبين يديه زقّ خمر قد اشتراه ولم يشرب منه بعد، فقال: لك الويل إن كان خمرا، فقال ابن شبابة: بل الويل إن لم يكن خمرا. «١١٠٩» - قال بعضهم: رأيت أبا نواس يوما يضحك من سكران وقال: ما رأيت سكران قبله، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأني كنت أسكر قبل الناس فلا أدري ما يكون حال السّكارى. «١١١٠» - وقال آخر: رأيت سكران قد وقع في الطين وهو يقول: رحم الله

стр. 3441

من أخذ بيدي، وأرانيه في مثل حالتي، وهو يرى أنّ حاله حال نعمة. «١١١١» - وقال آخر: شربت يوما عند خنثى النبّاذ، إذ دفع إنسان الباب ودخل، فقام خنثى وقال: أمّه زانية إن تركك تذوق قدحا أو تزن ثمنه أو تعطي رهنا ثم تشرب، قال: فسارّه بشيء لم أسمعه، وتراضيا وجلس يشرب. فقلت لخنثى: ما أعطاك؟ قال: أعطاني رهنا وثيقا، قلت: وما هو؟ قال: جعل أمر امرأته في يدي إلى أن يجيء بثمن ما يشرب يوم كذا، قال: فغلبني الضّحك وقلت: والله ما ظننت أن الطلاق يرهن إلا الساعة. «١١١٢» - وشرب آخر عند بعض الخمّارين فلم يسكر، فشكا ذلك إلى الخمّار، فقال: اصبر، فإنّ هذا يأخذ في آخره، فلما خرج أخذه الطائف فقال: صدق الخمّار، قد أخذ في آخره. «١١١٣» - شرب جعفريّ ولهبيّ على سطح، فلما أخذ الشراب منهما رمى الجعفريّ بنفسه وقال: أنا ابن الطيار في الجنّة، فتكسّر؛ وتشبّث اللهبيّ بالحائط وقال: أنا ابن المقصوص في النار. «١١١٤» - قيل لشيخ: كم تشرب من النّبيذ؟ قال: بقدر ما أتقوّى به على ترك الصلاة. «١١١٥» - مرّ سكران برجل يبول، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل الأرض، قال: فأقطعني نصفها؛ قال: قد فعلت، قال السكران: أمّه زانية إن زرعها إلا داذيّ. «١١١٦» - باع بعضهم ضيعة فقال له المشتري: بالعشيّ أشهد عليك،

стр. 3442

فقال: لو كنت ممّن يفرغ بالعشي ما بعت ضيعتي. «١١١٧» - كتب أخو العطويّ إليه يعذله في النبيذ فكتب إليه: أما تستحي أن تكون توبتي على يدك. «١١١٨» - قال الجاحظ: رأيت أسود في يده قنّينة وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن تنكسر قبل أن أسكر. «١١١٩» - كان محمد بن [يسير] يعاشر يوسف بن جعفر بن سليمان بن علي الهاشميّ، وكان يوسف شديد العربدة إلا أنّه كان يخاف لسان بن يسير فيتقيه ولا يعربد عليه، ثم جرى بينهما كلام على النبيذ ولحاء، فعربد عليه وشجّه، فقال ابن يسير فيه: [من الكامل] لا تجلسن مع يوسف في مجلس ... أبدا ولا تحمل دم الأخوين ريحانه بدم الشّجاج ملطّخ ... وتحيّة الندمان لطم العين «١١٢٠» - عاتب مسلم بن الوليد أبا نواس وقال له: خلعت عذارك، وأطلت الإكباب على المجون، حتى غلب على لبّك وما كذا يفعل الأدباء، فأطرق هنيهة ثم قال: [من المتقارب] فأوّل شربك طرح الرداء ... وآخر شربك طرح الإزار وما هنّأتك الملاهي بمثل ... إماتة مجد وإحياء عار وما جاد دهر بلذّاته ... على من يضنّ بخلع العذار فانصرف مسلم آيسا من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر من كهل فاجر.

стр. 3443

١١٢١- قيل: كان رجل من قيس من كنانة يعاقر الشراب، وكانت أمّه لا تكاد تعظه وتقبّح عنده فعله. فشرب ليلة حتى ثمل، فقالت له أمّه: يا بنيّ اتّق الله وقم فصلّ، فألحّت عليه في القول، وزادت في الوعظ، فحلف بالطلاق ألا يصبح حتى يغنّيه سليمان التيميّ فزاد اغتمام أمّه وقلقها؛ وكانت امرأته بنت عمّه، فأشفقت أن تبين منه. ففزع أهله إلى النّهّاس بن قهم، وهو من بني عمّهم، فقال: يا قوم، أيّ شيء أصنع؟ سليمان يحيي الليل كلّه مصلّيا، فكيف أمضي إليه فأقول له: غنّ، فلما أكثروا عليه مضى فوقف على باب سليمان، فسمع تلاوته القرآن وتلاوة ابنه المعتمر، وهما يتهجّدان. فقرع الباب فخرج إليه المعتمر فقال: ما جاء بك يا أبا الخطّاب في هذا الوقت؟ فقال: ابن عمّ لي جرت عليه يمين فحلف أن لا يغنّيه إلا أبو المعتمر، يعني سليمان التيمي. فدخل المعتمر إليه فأخبره، فخرج سليمان فقصّ عليه النّهاس القصّة من أوّلها إلى آخرها. فأقبل سليمان على الحالف فجعل يعظه ويوبّخه ويضرب له الأمثال، وأطال في ذلك حتى خاف أن يطلع الفجر، فلما كاد الفجر أن يطلع قال له: يا ابن أخي، إنّا سمعناهم يقولون: [من الرمل المجزوء] ليس للنّرجس عهد ... إنّما العهد للآس قم فانصرف، ولا تعد. «١١٢٢» - شرب الأخطل مع رفيق له فطرأ عليهما طارىء لا يعرفانه وأطال الجلوس، فوقع ذباب في الباطية، فقال الرجل: يا أبا مالك، الذباب في شرابك، فقال: [من الطويل] وليس القذى بالعود يسقط في الخمر ... ولا بذباب نزعه أيسر الأمر ولكن قذاها زائر لا نحبّه ... رمتنا به الغيطان من حيث لا ندري فقام الرجل وانصرف.

стр. 3444

١١٢٣- حكى الضّبيّ معلّم المعتزّ قال: كان ببغداد مؤذّن إذا لاحت له وردة انغمس في لجّة قصفه إلى أن يمضي زمن الورد، وكان يقول: [من المجتث] يا صاحبيّ اسقياني ... من قهوة خندريس على حثيات ورد ... يذهبن همّ النّفوس ما تنظران فهذا ... وقت لحثّ الكؤوس فبادرا قبل فوت ... لا عطر بعد عروس وإذا لم تبق وردة أقبل إلى مسجده وهو يقول: [من الطويل] تبدّلت من ورد جنيّ ومسمع ... شهيّ ومن لهو وشرب مدام أذانا وإخباتا ولوما لمعشر ... أرى منهم إلمامة بحرام وذلك دأبي لا أرى الورد طالعا ... فأترك أصحابي بغير إمام وأرجع في لهوي وأترك مسجدي ... يؤذّن فيه من يشا بسلام «١١٢٤» - دخل الهيثم بن خالد على عبد الملك وبوجهه آثار، فقال: ما هذا؟ قال: قمت بالليل فصدمني الباب، فقال عبد الملك: [من الطويل] رأتني صريع الكأس يوما فسؤتها ... وللشاربيها المدمنيها مصارع فقال الهيثم: لا آخذك الله بسوء ظنّك يا أمير المؤمنين: قال: بل لا آخذك الله بسوء مصرعك يا أبا الهيثم. «١١٢٥» - عاتب أعرابيّ ابنه في شرب النبيذ فلم يعتب، وقال: [من الطويل] أمن شربة من ماء كرم شربتها ... غضبت عليّ الآن طابت لي الخمر سأشرب فاسخط لا رضيت كلاهما ... إليّ لذيذ أن أعقّك والسّكر

стр. 3445

«١١٢٦» - مرّ أبو نواس [ ... ] : [من الطويل] وما مسّها نار سوى أنّ علجهم ... سعى في نواحي كرمها بسراج فالتفت إليه وقال: ما له؟ أحرق الله قلبه كما أحرقها! «١١٢٧» - اجتمع محدّث ونصرانيّ في سفينة، فصبّ النصراني من زكرة كانت معه في مشربة، وشرب، وصبّ فيها وعرضها على المحدّث، فتناولها من غير فكر ولا مبالاة، فقال النصرانيّ: جعلت فداك، إنّما هو خمر، فقال: من أين علمت أنّها خمر؟ قال: اشتراها غلامي من يهوديّ وحلف أنّها خمر. فشربها بالعجلة وقال للنصرانيّ: أنت أحمق؛ نحن أصحاب الحديث نضعّف سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، أفنصدّق نصرانيّا عن غلامه عن يهوديّ؟ والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد. ١١٢٨- كان رجل يقول لوكيله: اشتر لي المطبوخ، وحلّف الخمّار على أنّه مطبوخ، فيأتي بالمطبوخ فيقول الرجل: ليس له صفاء ولا حسن، أريد أرقّ منه. فلا يزال يردّده حتى يأتيه بالخمر الصّرف، فيقول: أما استوثقت منه؟ فيقول: بلى، فيقول: ثقة والله وقد حجّ، ثم يقعد يشربه بقلب مطمئنّ. ١١٢٩- أخذ الطائف فتيانا يشربون ومعهم أعرابيّ، فأتى بهم الحجاج، فقال الأعرابيّ: والله ما كنّا في شرّ؛ قدّم هذا الكريم- عافاه الله- إلينا خبزا من لباب البرّ، ولحما من سمان الضّأن، وطيّبا من نبيذ السّعن [١] ، وعنده رجل معه خشبة يفرك أذنها فينطق جوفها، فبينا نحن على أحمد حال وأرضاها إذ وغل هذا

стр. 3446

اللئيم فأكل وشرب، حتى إذا انضلع غدر بنا وساقنا إليك لؤما وسفالا، فضحك الحجّاج ووهب لهم الطائف يفعلون به ما شاءوا. ١١٣٠- قيل لرجل: ما تقول في نبيذ السّعن؟ قال: نبيذ الرّعن، قيل: ففي نبيذ الجرّ [١] ؟ قال: اشرب حتى تخرّ، قيل: فنبيذ الدّنّ؟ قال: اشرب حتى تجنّ، قيل: فالداذيّ [٢] ؟ قال: أحلى من العسل الماذيّ، قيل: فنبيذ العسل والزبيب؟ فستر وجهه وقال: العظمة لله، قيل: فالخمر؟ قال لا تشربوها، قيل: ولم؟ قال: أخاف أن لا تؤدّوا شكرها فتنزع منكم. «١١٣١» - أبو نواس: [من الوافر] دع الأطلال تسفيها الجنوب ... وتبلي عهد جدّتها الخطوب بلاد نبتها عشر وطلح ... وأكثر صيدها ضبع وذيب ولا تأخذ عن الأعراب لهوا ... ولا عيشا، فعيشهم جديب دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب إذا راب الحليب فبل عليه ... ولا تحرج فما في ذاك حوب فأطيب منه صافية شمول ... يطوف بكأسها ساق أديب كأنّ هديرها في الدنّ يحكي ... قراة القسّ قابله الصليب أعاذل أقصري عن بعض لومي ... فراجي توبتي عندي يخيب تعيبين الذنوب وأيّ حرّ ... من الفتيان ليس له ذنوب غريت بتوبتي ولججت فيها ... فشقي الآن جيبك، لا أتوب يتلوه باب الغناء والقيان

стр. 3447

محتويات الكتاب الباب السادس والثلاثون في الكهانة والقيافة والزّجر والعيافة والفأل والطيرة والفراسة ٥ خطبة الباب ٧ بداية الباب السادس والثلاثين ٨ الطيرة وموقف الحمس منها ٨ الزّجر والعيافة ٩ الكهانة ١٠ من الزّجر المستحسن ١٤ من غرائب الفأل: يوما النعيم والبؤس ١٦ صوت ذي الرمة ١٩ كثير والمرأة الخزاعية ١٩ من الفراسة ٢٠ من القيافة ٢١ في التفاؤل والتطير ٢٢ من الفراسة ٣٢ من التفاؤل ٣٣ نوادر من هذا الباب ٣٥

стр. 3448

الباب السابع والثلاثون ما جاء في اليسر بعد العسر والرخاء بعد الضرّ ٣٩ خطبة الباب ٤١ بداية الباب السابع والثلاثين ٤٢ آيات وأحاديث ٤٢ من كلام الحكماء والشعراء ٤٣ حكايات في الخروج من الشدة ٤٤ أسفار في الاتساع بعد الضيق ٤٦ أخبار ابن مفرغ الحميري ٤٧ مسلم بن الوليد في دكان خياط ٤٩ حكايات متنوعة ٥١ الرشيد ورجل من بني أمية ٥٥ مزيد من حكايات الفرج بعد الشدة ٥٩ من أخبار الفرج السريع ٦٨ حكايات من عصر المؤلف ٦٩ نوادر من هذا الفن ٧٣ الباب الثامن والثلاثون ما جاء في الغنى والفقر ٧٥ خطبة الباب ٧٧ بداية الباب الثامن والثلاثون ٧٨ آيات وأحاديث ٧٨ حكايات عن الصحابة والنبي (ص) ٧٩ أقوال للزهاد والفلاسفة والحكماء ٨٣

стр. 3449

أقوال في الغنى ٨٥ فقر آل الرسول (ص) ٨٦ نماذج من تصرف الأغنياء ٨٧ أقوال في الفقر والفقير ٨٩ التظاهر بالغنى مروءة ٩٤ الأعراب والاخلال ٩٥ الحجاج يزوّج ابنه ٩٦ تيه الغنى ومذلة الفقر ٩٧ المال والحرص ٩٨ حكايات في الغنى وأشعار ٩٩ مصادر المال ١٠٢ ألهتني القروض عن القريض ١٠٣ لم تحب هذه الدنانير ١٠٤ ثروة بعض الأغنياء ١٠٦ المال عون على التقي ١٠٧ نوادر من هذا الباب ١٠٩ الباب التاسع والثلاثون ما جاء في الأسفار والاغتراب ١١٣ خطبة الباب ١١٥ آيات وأحاديث ١١٦ أقوال الحكماء ١١٧ أشعار في السفر والاغتراب ١١٨ أخبار عبد الله بن أبي معقل الأوسي ١٢٤ أخبار أبي محلّم الشاعر ١٢٥

стр. 3450

جعفر بن يحيى في الشام ١٢٦ شعر لحسن بن علي الصيرفي المغربي ١٢٧ أشعار لآخرين ١٢٧ الحركة ولود والسكون عاقر ١٣٠ أقوال للأعراب ١٣١ أشعار في الفقر ١٣٢ إبراهيم بن المدبر وأبو شراعة ١٣٤ كتابات في السفر والوداع ١٣٥ أشعار في الوداع ١٣٦ استقبال الرسائل ١٣٨ من حب الوطن ١٤١ أقوال في فضائل بلدان مختلفة ١٤٣ نوادر من هذا الباب ١٤٥ الباب الأربعون في تنجّز الحوائج والحث عليها والسعي فيها ١٤٩ خطبة الباب ١٥١ بداية تنجّز الحوائج والحث عليها ١٥٢ أقوال لعلي ﵇ وغيره ١٥٣ حكايات في تنجّز الحوائج ١٥٥ أشعار في الموضوع ١٥٧ عود إلى الحكايات ١٥٩ الوعد والأقتضاء والإنجاز والمطل ١٦٠ مواعيد عرقوب ١٦٣ أشعار في المواعيد والمطل ١٦٤

стр. 3451

رسائل في الموضوع ١٦٥ الشفاعة ١٦٦ رسائل في الشفاعة ١٦٧ حكايات في الشفاعة ١٦٩ ما جاء في السؤال ١٧٣ نوادر من هذا الباب ١٨١ الباب الحادي والأربعون في الإذن والحجاب: متيسره ومتصعبه ١٩٣ خطبة الباب ١٩٥ بداية الباب الحادي والأربعين ١٩٦ النهي عن شدّة الحجاب ١٩٧ فنون المعاني في الحجاب ١٩٩ أشعار في الحجاب وحكايات ٢٠٢ نوادر في الحجاب ٢٠٧ الباب الثاني والأربعون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى نجح المطالب والمقاصد ٢٠٩ خطبة الباب ٢١١ بداية الباب الثاني والأربعين ٢١٢ الأخبار في الحيل ٢١٣ مثل على لسان الحيوان ٢٣٩ عود إلى الأخبار ٢٤٠ خدائع وحيل في الحرب ٢٥٤ نوادر من هذا الباب ٢٥٩

стр. 3452

الباب الثالث والأربعون في الكناية والتعريض ٢٧٥ خطبة الباب ٢٧٧ بداية الباب الثالث والأربعين ٢٧٨ آيات وأحاديث ٢٧٩ من الكنايات البديعة واللطيفة ٢٨١ كتابات الفقهاء في الإيمان ٢٨٨ فتوى أبي حنيفة ٢٩٢ فطنة طويس ٢٩٣ من مليح التورية ٢٩٤ الألقاب والكنى ٢٩٥ حكايات وأخبار في التعريض ٣٠١ الأحاجي ٣١٢ أحاج فقهية ٣١٤ أحاج متنوعة ٣١٦ رسالة لابن العميد ٣١٧ نوادر من هذا الباب وأنواعه ٣٢٩ الباب الرابع والأربعون في الخمر والمعاقرة ٣٣٥ خطبة الباب ٣٣٧ بداية الباب الرابع والأربعين ٣٣٨ الأخبار في تحريم الخمر وتغليظها ٣٤٠ أخبار من تركها ترفعا عنها ٣٤٠

стр. 3453

حكايات وأشعار في الخمر ٣٤٣ أصل الخمر ولغة العرب في أحوالها ٣٨٠ ومما جاء في أواني المشروب والظروف ٣٨٣ نوادر من هذا الباب ٣٩٨ المحتويات ٤٠٧

стр. 3454

الجزء التاسع [الباب الخامس والأربعون ما جاء في الغناء وأخبار المغنّين والقيان] [خطبة الباب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أثق الحمد لله العظيم شانه، القاهر سلطانه، العفوّ عن الخطايا والذنوب، الساتر على مرتكب الدنايا والعيوب؛ نهى عن لهو الحديث، وماز الكلم الطيّب من الخبيث، وضرب لهما الأمثال من حكمته تأديبا، وبيّن لنا ما ألهمنا إرهابا وترغيبا. أحمده مستمدا حسن المزيد بحمده، وأستصرف به مخوف وعيده وأتنجّز صادق وعده؛ وأعوذ به من مقام الهاذي الهازل، والانقياد إلى طواعية الهوى واتباع الباطل؛ وأسأله أن يجعلنا ممّن أصلح سرّه وعلنه، واستمع القول فاتّبع أحسنه. وأشهد أنّ محمّدا نبيّه ورسوله، وصفيّه وخليله، أرسله بالدين القيّم فلا عوج، وبعثه بالحنيفية السّهلة فلا حرج. صلّى الله عليه وعلى آله ما صعد إليه الكلم الطّيب ونفع، وتقبّل العمل الصالح ورفع، وسلّم تسليما كثيرا.

стр. 3455

[بداية الباب الخامس والأربعون] (الباب الخامس والأربعون ما جاء في الغناء وأخبار المغنّين والقيان) نذكر فيه ما جاء في حظره وإباحته، وأخبار من سامح نفسه في استماعه، وأهواء الناس فيه، وملحا من أخبار المغنّين والقيان. ونسأل من الله حسن التجاوز والغفران، وأن يسبل على ما أفضنا فيه من اللّغو أستار الصّفح والعفو، إنّه جواد كريم. قال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً (لقمان: ٦) قال ابن مسعود ﵁: لهو الحديث: الغناء. «١» - وروى ابن مسعود عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» . وروى أبو أمامة الباهليّ أنّه ﷺ نهى عن بيع المغنّيات وشرائهنّ والتجارة فيهن وأكل أثمانهن، وثمنهنّ حرام. «٢» - قال الشافعي. ﵁: الغناء بغير آلة مكروه. وحكي عن سعيد ابن ابراهيم الزّهري وعبد الله بن الحسن العنبريّ أنّهما قالا: ليس بمكروه. «٣» - وروي أن ابن مليكة بينا هو يؤذّن إذ سمع الأخضر الجدّيّ يغنّي من دار العاص بن وائل: [من الطويل] تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم

стр. 3456

صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم فأراد أن يقول: حيّ على الصلاة، فقال: حيّ على البهم، حتى سمعه أهل مكة، فغدا يعتذر إليهم. «٤» - قيل إلتقى ابن سلمة الزّهريّ والأخضر الجدّيّ ببئر النضيخ، فقال ابن سلمة: هل لك في الاجتماع لنستمتع بك؟ فقال الأخضر: لقد كنت إلى ذلك مشتاقا، قال، فقعدا يتحدّثان، فمرّ بهما أبو السائب فقال: يا مطربي الحجاز، ألشيء كان اجتماعكما؟ فقالا: لغير موعد كان ذلك، أفتؤنسنا؟ قال: نعم. فقعدوا يتحدّثون، فلما مضى بعض الليل قال الأخضر لابن سلمة: يا أبا الزهري [١] ، قد ابهارّ [٢] الليل وساعدك القمر، فرجّع [٣] بقهقهة ابن سريج وانصب [٤] مغناك، فاندفع يغنّي: [من الطويل] تجنّت بلا جرم وصدّت تغضبّا ... وقالت لتربيها مقالة عاتب سيعلم هذا أنني بنت حرّة ... سأمنع نفسي من ظنون الكواذب فقولي له عنّا تنحّ فإنّنا ... أبيّات فحش طاهرات المناسب فجعل أبو السائب يزفن [٥] ويقول: أبشر حبيبي فلأنت أفضل من شهداء قزوين! ثم قال ابن سلمة للأخضر: نعم المساعد على همّ الليل أنت، فوقّع بنوح ابن سريج ولا تعد مغناك، فاندفع يغنّي: [من الطويل]

стр. 3457

فلمّا التقينا بالحجون تنفّست ... تنفّس محزون الفؤاد سقيم وقالت وما يرقا من الخوف دمعها ... أقاطنها أم أنت غير مقيم فإنّا غدا تحدى بنا العيس بالضّحى ... وأنت بما نلقاه غير عليم فقطّع قلبي قولها ثمّ أسبلت ... محاجر عيني دمعها بسجوم فجعل أبو السائب يتأفف: أعتق ما يملك إن لم تكن فردوسية الطينة، وأنّها بعملها أفضل من آسية امرأة فرعون. «٥» - ويروى أنّ أبا دهبل الجمحيّ قال: كنت وأبو السائب المخزومي عند مغنّية بالمدينة يقال لها الذّلفاء، فغنّتنا بشعر جميل بن معمر: [من الطويل] لهنّ الوجا لم كنّ عونا على النّوى ... ولا زال منها ظالع وحسير [١] كأني سقيت السّمّ يوم تحمّلوا ... وجدّ بهم حاد وحان مسير فقال أبو السائب: يا أبا دهبل، نحن والله على خطر من هذا الغناء، فنسأل الله السلامة، وأن يكفينا كلّ محذور فما آمن أن يهجم بي على أمر يهتكني، قال: وجعل يبكي. «٦» - قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم جرير بن الخطفى المدينة ونحن يومئذ شبّان، فطلب الشعراء فاحتشدنا له ومعنا أشعب، فبينا نحن عنده إذ قام لحاجة وأقمنا لم نبرح، ويجيء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار، فقال: أين هذا؟ قلنا: قد قام لحاجة فما حاجتك إليه؟ قال: أريد والله أن

стр. 3458

أعلمه أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر، قلنا له: ويحك، لا تعرض له فانصرف. وخرج جرير، فلم يك بأسرع من أن أقبل الأحوص، فوقف عليه فقال: السلام عليك، فقال جرير: وعليك السلام، فقال: يا ابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر، قال جرير: من هذا أخزاه الله! قلنا: الأحوص بن محمد بن عبد الله ابن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقال: نعم، هذا الخبيث ابن الطيّب، أنت القائل: [من الطويل] يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرّت فقال: نعم، قال: فإنّه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ ذاك بعينك؟ وكان الأحوص يرمى بالحلاق، فانصرف فبعث إليه بتمر وفاكهة. وأقبلنا على جرير نسأله وأشعب عند الباب وجرير في مؤخّر البيت، فألحّ عليه أشعب يسأله، فقال: والله إني لأراك أقبحهم وجها، وأراك ألأمهم حسبا، قد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم وخيرهم لك، فاتبه جرير وقال: ويحك، وكيف ذاك؟ قال: إني أملّح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل، ويحك! فاندفع أشعب فتغنّى بلحن لابن سريج في شعره: [من الكامل] يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم يفعل فطرب جرير وجعل يزحف حتى مسّت ركبته ركبته، وقال: لعمري لقد صدقت، إنّك لأنفعهم لي، وقد حسّنته [وأجدته] وزيّنته، أحسنت والله! ووصله وكساه. فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت قال له بعض أهل المجلس: فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء؟ قال: وإنّ له لواضعا غير هذا؟ قلنا: نعم، قال: وأين هو؟ قلنا: بمكّة، قال: فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممّن يرغب في طلب الشّعر في صحابته وكنت فيهم. فقدمنا مكّة فأتيناه بأجمعنا فإذا هو في فتية من قريش كأنّهم المها مع ظرف كثير،

стр. 3459

فرحّبوا وأذنوا وسألوا عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحّبوا بجرير وأدنوه وسرّوا بمكانه، وأعظم عبيد بن سريج موضع جرير وقال: سل ما تريد جعلت فداك، قال: أريد أن تغنّيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك، قال: وما هو؟ قال: يا أخت ناجية السلام عليكم فغنّاه ابن سريج وبيده قضيب يوقّع به وينكت، فوالله ما سمعنا شيئا قطّ أحسن من ذلك، فقال جرير: لله درّكم يا أهل مكّة، ماذا أعطيتم! والله لو أنّ نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظّا ونصيبا، ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقّة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم. «٧» - روي أنّ ابن عائشة كان واقفا بالموسم متحيّرا، فمرّ به بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك ههنا؟ قال: إني أعرف رجلالو تكلّم لحبس الناس ههنا؛ فلم يذهب أحد ولم يجىء، فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا، ثم اندفع يغنّي: [من الوافر] جرت سنحا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء بنفسي من تذكّره سقام ... أعانيه ومطلبه عناء البيت الأول لزهير، والثاني ألحقه به المغنّون. فحبس الناس فاضطربت المحامل، ومدّت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام بن عبد الملك فقال له: يا عدوّ الله، أردت أن تفتن الناس؟ قال: فأمسك عنه وكان تيّاها، فقال له هشام: ارفق بتيهك، فقال: حقّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تيّاها. فضحك منه وخلّى سبيله.

стр. 3460

٨- والموصوفون بحسن الصوت من المغنّين: ابن سريج وقد مرّ بعض أخباره الدالة على ذلك، وابن عائشة وهذا الخبر كاف في ما ذكر عنه، وعمرو بن أبي الكنّات، وابن تيزن، وإسماعيل بن جامع، ومخارق، وابراهيم بن المهديّ. «٩» - فأما عمرو بن أبي الكنّات، فإن عليّ بن الجهم حدّث عمّن يثق به قال: واقفت ابن أبي الكنّات على جسر بغداد أيام الرشيد، فحدّثته بحديث اتّصل بي عن ابن عائشة أنّه فعله أيام هشام، وأنّه حبس الناس بغنائه، واضطربت المحامل ومدّت الإبل أعناقها حتى كادت الفتنة أن تقع. قال: فبرق ابن أبي الكنّات وقال: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع يغنّي: [من الخفيف] عفت الدار بالهضاب اللواتي ... بين ثور [١] فملتقى عرفات ونحن على جسر بغداد. وكان إذ ذاك على دجلة ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الطرق، وامتلأت الجسور بالناس، وازدحموا عليها، واضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل ما عليها من الناس. فقبض عليه وحمل إلى الرشيد فقال له: ويلك! أردت أن تفتن الناس؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنه بلغني أنّ ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله. فأعجبه ذلك من قوله وأمر له بمال، وأمره أن يغنّي، فسمع شيئا لم يسمع مثله، فاحتبسه عنده شهرا. قال هذا المخبر: وكان ابن أبي الكنّات كثير الغشيان لي، فلما أبطأ توهّمته قد قتل، فصار إليّ بعد شهر بأموال جسيمة، وحدّثني ما جرى بينه وبين الرشيد.

стр. 3461

«١٠» - وأما ابن جامع فغنّى ذات يوم صوتا يرثي به أمّه، وكان أحسن الناس صوتا إذا حزن، فلم يملك الحاضرون أنفسهم، وضرب الغلمان برؤوسهم الحيطان والأساطين. وأخباره دالّة بأنّه كان إذا عارض المغنّين بذّهم بصوته في مجلس الرشيد، وكان في وقته فحولهم وذوو النباهة منهم مثل إبراهيم، وحكم الوادي وأمثالهما. «١١» - وأما ابراهيم بن المهديّ فكان إذا غنّى أنصت له الوحش وجاء حتى يقف قريبا من المجلس الذي يكون فيه حتى ينقضي غناؤه، فإذا سكت عاد الوحش إلى أماكنه من البستان أو الحائر الذي يكون فيه. ويقال: إنّه كان إذا تنحنح أطرب، وكان يخاطب وكيله من روشنة على دجلة فيسمعه من الجانب الآخر من غير أن يجهد نفسه. ١» - وأما مخارق فروي أنّه خرج إلى بعض المتنزّهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه، فسأله إيّاها فضنّ بها، وسنحت ظباء بالقرب منه، فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنّيت صوتا يعطف عليك خدود هذه الظباء أتدفع إليّ هذه القوس؟ قال: نعم، فاندفع يغنّي: [من المجتث] ماذا تقول الظّباء ... أفرقة أم لقاء أم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء مرّت بنا سانحات ... وقد دنا الإمساء فما أحارت جوابا ... وطال فيها العناء فعطفت الظّباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مصغية إلى صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل القوس.

стр. 3462

«١٣» - غضب المعتصم على مخارق، فأمر أن يجعل في المؤذّنين، فأمهل حتى علم أنّ المعتصم يشرب وأذّنت العصر، فدخل إلى السّتر حيث [يقف] المؤذّن للسلام، ثم رفع صوته وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فبكى حتى جرت دموعه وبكى كلّ من حضر، ثم قال: أدخلوه إليّ، وأقبل على الحاضرين وقال: سمعتم هكذا قطّ؟ هذا الشيطان لا يترك أحدا يغضب عليه! ورضي عنه وغنّاه، وأعاده إلى مرتبته. «١٤» - يروى أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال في بعض أسفاره لرباح ابن المعترف: غنّ، فغنّاه: [من الطويل] أتعرف رسما كاطّراد المذاهب ... لعمرة قفرا غير موقف راكب فأصغى إليه عمر فقال: أجدت بارك الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلت: «زه» كان أعجب إليّ؛ قال: وما «زه» ؟ قال: كلمة كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أن أقولها لك فعلت، فأمّا إعطاء أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من مال المسلمين، قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم، فقال يرفأ: أتصل المغنّي؟ قال: خدعني. «١٥» - قيل لإسحاق الموصلي: كيف كانت حال بني مروان في اللهو؟ قال: أما معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان فكانت بينهم وبين النّدماء والمغنين ستارة لئلّا يظهر منهم طلب الخلفاء اللذّة والغناء، وأما أعقابهم فكانوا لا يتحاشون، ولم يكن منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك في السّخف.

стр. 3463

قيل: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما أظنّ [أنه] سمع حرفا قطّ من الأغاني بعد ما أفضت إليه الخلافة، وقبلها كان يسمع جواريه خاصّة. قيل: فيزيد الناقص؟ قال: ما بلغني أنّه سمع الغناء قطّ؛ كان يظهر التألّه، وهو يقول بالقدر. ١٦- عن حذيفة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم: «يجيء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنّوح لا يجاوز حناجرهم. مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» . ١٧- وسئل الفضيل ﵀ عن قراءة القرآن بألحان، فقال: إنّما أخذ هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء فاستحبّوا فحوّلوا نصب الغناء على القرآن، وعسى أن يقرأ رجل [ليس] له صوت فلا يعجبهم وهو خير من صاحب الصوت؛ ويقرأ الآخر فيعجبهم صوته فيقولون: ما أحسن قرآنه! ولعله لا يجاوز قرآنه حنجرته. «١٨» - وقال رجل للحسن: ما تقول في الغناء؟ فقال: نعم الشيء الغنى! توصل به الرّحم، وينفّس به عن المكروب، ويفعل فيه المعروف، قال: إنّما أعني الشّدو، قال: وما الشّدو؟ أتعرف منه شيئا؟ قال: نعم، قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغنّي ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه، فقال: ما كنت أرى أنّ عاقلا يبلغ من نفسه ما أرى. «١٩» - وقال نافع: سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقال: لا، فرفع أصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبيّ ﷺ وعلى آله وصحبه فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. ٢٠- قال الأصمعيّ: قلت لأعرابيّ: ألك شعر؟ قال: قلت أبياتا، فتغنّى بها حكم الوادي فما حرّك بها قصّابة إلا خفت النار، فأبغضت قول الشّعر.

стр. 3464

«٢٠» أ-[قال عبد الرحمن بن عوف] [١] : أتيت باب عمر ﵁ فسمعته يغنّي بالرّكبانيّة: [من الطويل] فكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر هو جميل الجمحيّ وكان مختصّا به. فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم، قال: إنّا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم. ٢١- وعن عبد الله بن عوف: قال أفلاطن: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة؛ فإن النّفس إذا حزنت خمد نورها، وإذا سمعت ما يطربها ويسرّها اشتعل منها ما خمد. وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلّل به المريض، وتشغله عن التفكّر. ٢٢- قال سلام الخالدي ﵀ للمنصور- وكان يضرب بحدائه المثل: مر يا أمير المؤمنين أن يظمئوا الإبل ثم يوردوها الماء، فإنّي آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشّرب حتى أسكت. ٢٣- وأذّن البعلبكيّ مؤذّن المنصور فرجّع وجارية تصبّ الماء على يديه، فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذّن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجّع هذا الترجيع. «٢٤» - روي أنّ بعض المحدّثين سمع غناء بخراسان، فلم يدر ما هو، غير أنّه شوّقه وأشجاه بحسنه فقال في ذلك: [من الوافر]

стр. 3465

حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها ومضى كراها سمعت بها غناء كان أولى ... بأن يعتاد نفسي من عناها ومسمعة يحار السمع فيها ... ولم تصممه، لا يصمم صداها ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها فكنت كأنّني أعمى معنّى ... بحبّ الغانيات ولا يراها ٢٥- قال أبو عثمان الناجم: بحوحة الحلق الطيّب تشبه مرض الأجفان الفاترة. «٢٦» - وقال مالك بن أبي السّمح: سألت ابن سريج عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطىء، وفلان يحسن وفلان يسيء، فقال: المصيب المحسن من المغنّين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النّغم الطّوال، ويحسّن مقاطع النّغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النّبرات، ويستوفي ما يشاكلها من النّقرات. فعرضت ما قال على معبد فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا. ٢٧- وقال إبراهيم الموصلي: الغناء على ثلاثة أضرب: فضرب مله مطرب يحرّك ويسخف وضرب ثان له شجى ورقّة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة. وقال: كان هذا كلّه مجموعا في غناء ابن سريج. «٢٨» - قال عكاشة العميّ: [من الكامل] من كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد طرّفت عنّابا وكأنّ يمناها إذا نطقت [١] بها ... تلقي على يدها اليسار حسابا

стр. 3466

«٢٩» - وقال ابن الروميّ وذكر مغنّيات: [من الخفيف] وقيان كأنّها أمّهات ... عاطفات على بنيها حواني مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان كلّ طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن التّرجمان «٣٠» - وقال أيضا: [من السريع] كأنّما رقّة مسموعها ... رقّة شكوى سبقت دمعه «٣١» - وقال: [من السريع] غنّيت فلم تحتج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه كأنّما غنّت لشمس الضّحى ... فألبستها حسنها خلعه ٣٢- وقال ابن كشاجم: [من الكامل المجزوء] تأتي أغاني عاتب ... أبدا بأفراح النّفوس تشدو فنرقص بالرؤو ... س لها ونزمر بالكؤوس ٣٣- وقال أيضا: [من المتقارب] لقد جاد من عاتب ضربها ... وزاد كما زاد تغريدها إذا نوت الصوت قبل الغنا ... ء أنشدنا شعرها عودها ٣٤- وقال أيضا: [من المنسرح] ما صدحت عاتب ومزهرها ... إلا وثقنا باللهو والفرح

стр. 3467

لها غناء كالبرء في جسد ... أضناه طول السّقام والتّرح تعيدها الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجد على القدح ٣٥- وقال: [من الخفيف] ما تغنّت إلا تكشّف همّ ... عن فؤاد [مبرّح] أحزان تفضل المسمعين طيبا وحسنا ... مثلما يفضل السماع العيان ٣٦- وقال: [من الكامل المجزوء] شدو ألذّ من ابتدا ... ء العين في إغفائها أحلى وأشهى من منى ... نفس وصدق رجائها «٣٧» - وقال ابن المعتزّ يصف مجلسا وذكر الغناء في الجملة: [من الخفيف] ونداماي في شباب وعيش ... أتلفت وفرهم نفوس كرام بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه كلام وغناء يستعجل الراح بالرا ... ح كما ناح في الغصون الحمام وكأنّ السّقاة بين الندامى ... ألفات على سطور قيام ٣٨- وكتب يحيى بن عليّ إلى ابن المعتزّ: [من الخفيف] سيّدي إنّ عندنا زريابا ... ملأتنا رواية وصوابا أخلقت سنّها، وإحسانها في الس ... مع يزداد جدّة وشبابا ٣٩- وقال أبو الجهم الكاتب في بنات جارية محمد بن حمّاد: [من الرجز] أقفر إلا من بنات منزله ... ودرست آياته وطلله قد بان منها كلّ شيء حسن ... إلا الغناء نصبه ورمله

стр. 3468

٤٠- وقال آخر في مغنّ: [من الوافر] فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك متعة الأسماع طيبا رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا «٤١» - قال علي بن عبد الكريم: زار إسماعيل بن جامع إبراهيم الموصليّ، فأخرج إليه ثلاثين جارية فضربن جميعا طريقة واحدة وغنّين، فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدّي مثنّاك، فشدّته فاستوى. فعجبت أوّلا من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وترا غير مستو، ثم ازداد عجبي من فطنة إبراهيم له بعينه. «٤٢» - وحكي مثل ذلك عن إسحاق بن إبراهيم: قال إسحاق: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهديّ، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره، ومعهنّ العيدان يضربن بها: فلمّا دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد عليّ السّؤال فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنّه لفي الجانب الأيسر، فأعار إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي عن اليمين يمسكن [فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمّع ثم قال: ما ههنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن] [١] وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ههنا خطأ. فقال عند

стр. 3469

ذلك: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإنّ رجلا فهم الخطأ من ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير أن لا تماريه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، وقال المأمون: لله درّك يا أبا محمد. وكنّاني في ذلك اليوم دفعتين. «٤٢» أ- وكانت لإسحاق نظائر لهذا تنبىء عن حذقه وعلمه بهذا الشّأن وتبريزه على غيره. حدّث إسحاق بن إبراهيم الظاهريّ قال: حدّثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علّمني الغناء فرّاش روميّ، وكان يغنّي بالرومية صوتا مليح اللّحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الروميّ فانقليه إلى شعر صوت من أصواتك العربيّة حتى أمتحن به الموصليّ إسحاق فأعلم أين تقع معرفته، ففعلت ذاك. وصار إليه إسحاق فاحتسبه مولاي فأقام، وبعث إليّ أن أدخلي اللّحن الروميّ في وسط غنائك؛ فغنّيته إيّاه في درج أصوات مرّت قبله، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهّمه ويقسّمه ويتفقّد أوزانه ومقاطعه ويوقّع بيده، ثم أقبل على مولاي وقال: هذا الصوت روميّ اللحن، فمن أين وقع لك؟ وكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميّا لا يعرفه ولا العلّة فيه وقد نقل إلى غناء عربيّ وامتزجت نغمته حتى عرفه ولم يخف عليه. «٤٣» - وروي أنّ المغنّين تناظروا يوما عند الواثق فذكروا الضّرّاب وحذقهم، فقدّم إسحاق زلزلا [١] على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرئاسة على جميعهم. فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك. فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإنّ الأمر سينكشف لك فيهما. فأمر

стр. 3470

بهما فأحضرا، فقال إسحاق: إنّ للضّرّاب أصواتا معروفة فأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل افعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أوّلها، والشعر والغناء لإبراهيم: [من السريع] علّق قلبي ظبية السّيب ... جهلا فقد أغري بتعذيبي نمّت عليها حين مرّت بنا ... مجاسد ينفحن بالطّيب [١] تصدّها عنّا عجوز لها ... منكرة ذات أعاجيب فكلّما همّت بإتياننا ... قالت توقّي عدوة الذيب فضربا عليه [فتقدّم] زلزل وقصّر ملاحظ. فعجب الواثق من كشفه عمّا ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لم يكن في زماني أحد أضرب مني، إلا أنّكم أعفيتموني، فتفلّت مني، وعلى أنّ معي بقيّة لا يتعلّق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ، شوّش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ. فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار خلط متعنّت، فهو لا يألو ما أفسدها. ثمّ أخذ العود فجسّه ساعة حتى عرف مواقعه، وقال لملاحظ: غنّ أيّ صوت شئت. فغنّى ملاحظ صوتا وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التّسوية، فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين. فقال له الواثق: لا والله، ما رأيت مثلك ولا سمعت به قطّ! اطرح هذا على الجواري، فقال: هيهات يا أمير المؤمنين! هذا شيء لا يفي به الجواري ولا يصلح لهنّ، إنّما بلغني أنّ الفلهيذ [٢] ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز، فأحسن فحسده رجل من حذّاق أهل صناعته، فترقّبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع
следующие страницы →