← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

«٢٩» - وقال ابن الروميّ وذكر مغنّيات: [من الخفيف] وقيان كأنّها أمّهات ... عاطفات على بنيها حواني مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان كلّ طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن التّرجمان «٣٠» - وقال أيضا: [من السريع] كأنّما رقّة مسموعها ... رقّة شكوى سبقت دمعه «٣١» - وقال: [من السريع] غنّيت فلم تحتج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه كأنّما غنّت لشمس الضّحى ... فألبستها حسنها خلعه ٣٢- وقال ابن كشاجم: [من الكامل المجزوء] تأتي أغاني عاتب ... أبدا بأفراح النّفوس تشدو فنرقص بالرؤو ... س لها ونزمر بالكؤوس ٣٣- وقال أيضا: [من المتقارب] لقد جاد من عاتب ضربها ... وزاد كما زاد تغريدها إذا نوت الصوت قبل الغنا ... ء أنشدنا شعرها عودها ٣٤- وقال أيضا: [من المنسرح] ما صدحت عاتب ومزهرها ... إلا وثقنا باللهو والفرح

стр. 3467

لها غناء كالبرء في جسد ... أضناه طول السّقام والتّرح تعيدها الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجد على القدح ٣٥- وقال: [من الخفيف] ما تغنّت إلا تكشّف همّ ... عن فؤاد [مبرّح] أحزان تفضل المسمعين طيبا وحسنا ... مثلما يفضل السماع العيان ٣٦- وقال: [من الكامل المجزوء] شدو ألذّ من ابتدا ... ء العين في إغفائها أحلى وأشهى من منى ... نفس وصدق رجائها «٣٧» - وقال ابن المعتزّ يصف مجلسا وذكر الغناء في الجملة: [من الخفيف] ونداماي في شباب وعيش ... أتلفت وفرهم نفوس كرام بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه كلام وغناء يستعجل الراح بالرا ... ح كما ناح في الغصون الحمام وكأنّ السّقاة بين الندامى ... ألفات على سطور قيام ٣٨- وكتب يحيى بن عليّ إلى ابن المعتزّ: [من الخفيف] سيّدي إنّ عندنا زريابا ... ملأتنا رواية وصوابا أخلقت سنّها، وإحسانها في الس ... مع يزداد جدّة وشبابا ٣٩- وقال أبو الجهم الكاتب في بنات جارية محمد بن حمّاد: [من الرجز] أقفر إلا من بنات منزله ... ودرست آياته وطلله قد بان منها كلّ شيء حسن ... إلا الغناء نصبه ورمله

стр. 3468

٤٠- وقال آخر في مغنّ: [من الوافر] فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك متعة الأسماع طيبا رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا «٤١» - قال علي بن عبد الكريم: زار إسماعيل بن جامع إبراهيم الموصليّ، فأخرج إليه ثلاثين جارية فضربن جميعا طريقة واحدة وغنّين، فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدّي مثنّاك، فشدّته فاستوى. فعجبت أوّلا من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وترا غير مستو، ثم ازداد عجبي من فطنة إبراهيم له بعينه. «٤٢» - وحكي مثل ذلك عن إسحاق بن إبراهيم: قال إسحاق: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهديّ، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره، ومعهنّ العيدان يضربن بها: فلمّا دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد عليّ السّؤال فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنّه لفي الجانب الأيسر، فأعار إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي عن اليمين يمسكن [فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمّع ثم قال: ما ههنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن] [١] وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ههنا خطأ. فقال عند

стр. 3469

ذلك: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإنّ رجلا فهم الخطأ من ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير أن لا تماريه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، وقال المأمون: لله درّك يا أبا محمد. وكنّاني في ذلك اليوم دفعتين. «٤٢» أ- وكانت لإسحاق نظائر لهذا تنبىء عن حذقه وعلمه بهذا الشّأن وتبريزه على غيره. حدّث إسحاق بن إبراهيم الظاهريّ قال: حدّثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علّمني الغناء فرّاش روميّ، وكان يغنّي بالرومية صوتا مليح اللّحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الروميّ فانقليه إلى شعر صوت من أصواتك العربيّة حتى أمتحن به الموصليّ إسحاق فأعلم أين تقع معرفته، ففعلت ذاك. وصار إليه إسحاق فاحتسبه مولاي فأقام، وبعث إليّ أن أدخلي اللّحن الروميّ في وسط غنائك؛ فغنّيته إيّاه في درج أصوات مرّت قبله، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهّمه ويقسّمه ويتفقّد أوزانه ومقاطعه ويوقّع بيده، ثم أقبل على مولاي وقال: هذا الصوت روميّ اللحن، فمن أين وقع لك؟ وكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميّا لا يعرفه ولا العلّة فيه وقد نقل إلى غناء عربيّ وامتزجت نغمته حتى عرفه ولم يخف عليه. «٤٣» - وروي أنّ المغنّين تناظروا يوما عند الواثق فذكروا الضّرّاب وحذقهم، فقدّم إسحاق زلزلا [١] على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرئاسة على جميعهم. فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك. فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإنّ الأمر سينكشف لك فيهما. فأمر

стр. 3470

بهما فأحضرا، فقال إسحاق: إنّ للضّرّاب أصواتا معروفة فأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل افعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أوّلها، والشعر والغناء لإبراهيم: [من السريع] علّق قلبي ظبية السّيب ... جهلا فقد أغري بتعذيبي نمّت عليها حين مرّت بنا ... مجاسد ينفحن بالطّيب [١] تصدّها عنّا عجوز لها ... منكرة ذات أعاجيب فكلّما همّت بإتياننا ... قالت توقّي عدوة الذيب فضربا عليه [فتقدّم] زلزل وقصّر ملاحظ. فعجب الواثق من كشفه عمّا ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لم يكن في زماني أحد أضرب مني، إلا أنّكم أعفيتموني، فتفلّت مني، وعلى أنّ معي بقيّة لا يتعلّق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ، شوّش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ. فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار خلط متعنّت، فهو لا يألو ما أفسدها. ثمّ أخذ العود فجسّه ساعة حتى عرف مواقعه، وقال لملاحظ: غنّ أيّ صوت شئت. فغنّى ملاحظ صوتا وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التّسوية، فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين. فقال له الواثق: لا والله، ما رأيت مثلك ولا سمعت به قطّ! اطرح هذا على الجواري، فقال: هيهات يا أمير المؤمنين! هذا شيء لا يفي به الجواري ولا يصلح لهنّ، إنّما بلغني أنّ الفلهيذ [٢] ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز، فأحسن فحسده رجل من حذّاق أهل صناعته، فترقّبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع

стр. 3471

وضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح العيدان في مجالسها، فلم يزل يضرب بذلك العود إلى أن فرغ، ثم قام على رجليه فأخبر الملك بالقصّة فامتحن العود فعرف ما فيه، فقال له: «زه وزهان زه» ووصله بالصلة التي كان يصل بها من يخاطبه بهذه المخاطبة، فلما تواطأت الروايات بذلك، أخذت به نفسي ورضتها عليه وقلت: لا ينبغي أن يكون الفلهيذ أقوى على هذا منّي، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطباق إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي والمواضع التي تخرج النغمة كلّها من أعاليها إلى أسافلها، وكل شيء منها يجانس شيئا غيره، كما أعرف ذلك في مواضع الدّساتين، وهذا شيء لا يفي به الجواري. فقال له الواثق: لعمري لقد صدقت، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة معك. وأمر له بثلاثين ألف درهم. «٤٤» - قال أحمد بن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنّه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغنّي غناء ابن سريج قط [إلا ظننت أنّه] قد نشر؛ وإنّه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدّمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت من تقدّم ينقص، وإنّ إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أنّ العمر والشباب والنّشاط ممّا يشترى لا شتريتهنّ له بشطر ملكي. «٤٥» - قال دحمان الأشقر: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكّة إليه أنّ رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره إليّ. فتوجّه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنّيات في طريقه، فقال له: أين تريد؟ فأخبره خبره وقال له: أريد الشام، قال له: فتكون معي؟ قال: نعم. فصحبه ثم بلغا دمشق

стр. 3472

فدخلا مسجدها فسألا: من أخصّ الناس بأمير المؤمنين؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه. فوقف ابن مسجح عليهم، فسلّم ثمّ قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها: «برق الأفق» . فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمّم فقال له: أنا أضيفك؛ فقال لأصحابه: انطلقوا أنتم، وأنا أذهب مع ضيفي. فقالوا: لا، بل تجيء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا إلى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إني رجل أسود، ولعلّ فيكم من يقذرني، فأنا أجلس وآكل ناحية، وقام، فاستحيوا منه، وبعثوا إليه بما أكل. فلما صاروا إلى الشّراب قال لهم مثل ذلك، ففعلوا به، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما تغنّيان، فغنّتا إلى العشاء، ثم دخلتا، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها، فجلستا أسفل السرير وجلست هي على السرير، قال ابن مسجح: فتمثّلت بهذا البيت: [من الطويل] فقلت أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود بي الأمثال! فنظروا إليّ نظرا منكرا، ولم يزالوا يسكّنونها، ثم غنّت صوتا. قال ابن مسجح: فقلت أحسنت والله! فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده: قم فانصرف إلى منزلي، فقد ثقلت على القوم، فذهبت أقوم، فتذمّم القوم وقالوا لي: أقم وأحسن أدبك. فأقمت، وغنّت فقلت: أخطأت والله يا جارية يا زانية وأسأت، واندفعت فغنّيت الصوت، فوثبت الجارية وقالت لمولاها: هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح؛ فقلت: أي والله أنا هو، والله لا أقيم عندكم! ووثبت، فوثب القرشيّون، فكلّ قال: هذا يكون عندي، فقلت: والله لا أقيم إلا عند سيّدكم- يعني الرجل الذي أنزله منهم- وسألوه عمّا أقدمه، فأخبرهم الخبر. فقال له صاحبه: إني أسمر الليلة مع

стр. 3473

أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو؟ فقال: لا، ولكني أستعمل حداء. قال: فإنّ منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك. ومضى إلى عبد الملك، فلما رآه طيّب النّفس أرسل إلى ابن مسجح، فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا: [من الرجز] إنك يا عبد المليك المفضل [١] ... إن زلزل الأقدام لم تزلزل عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ القرون الميّل للحقّ حتى ينتحوا للأعدل قال عبد الملك للقرشيّ: من هذا؟ قال: رجل حجازيّ قدم عليّ، قال: أحضره، فأحضره ثم قال له: أحد مجدّا، ثم قال له: هل تغنّي غناء الركبان؟ قال: نعم؛ قال: غنّه، فتغنّى، قال له: فهل تغنّي الغناء المتقن؟ قال: نعم، قال: غنّه، فغنّى، فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال له: أقسم أنّ لك في القوم أسماء كثيرة، من أنت، ويلك!؟ قال: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه سعيد بن مسحج، قبض عامل الحجاز مالي ونفاني. فتبسّم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم، وأمّنه ووصله، فكتب إلى عامله يردد ماله وأن لا يعرض له بسوء. ٤٦- روي أنّ سليمان بن عبد الملك كان في بادية له يسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءته جارية له به، فبينا هي تصبّ على يده إذ أومى بيده وأشار بها مرّتين أو ثلاثا فلم تصبّ عليه، فأنكر ذلك فرفع رأسه فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر، وإذا صوت رجل يغنّي، فأنصت حتى تسمّع جميع ما يغنّى به، فلما أصبح أذن للناس ثم أجرى ذكر الغناء حتى ظنّ القوم أنّه يشتهيه ويريده، فأفاضوا فيه بالتسهيل وذكر من كان يسمعه. فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان

стр. 3474

محكمان، قال: وأين منزلك؟ فأومأ إلى الناحية التي كان منها الغناء قال: فابعث إليهما فجئني بهما، ففعل. فوجد الرسول أحدهما فأدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟ قال: شمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به. فقال له: متى عهدك به؟ قال: الليلة الماضية، قال: وأين كنت؟ فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان منها الغناء. قال: فما غنّيت به؟ فأخبره بالشعر الذي سمعه منه سليمان. فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، ونبّ التّيس فشكرت الشاة، وهدر الطائر فزافت الحمامة، وغنّى الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخصي. ٤٧- وسأل عن الغناء، وأين أصله؟ فقيل: بالمدينة في المخنّثين، وهم أئمّته والحذّاق به، فكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم، وكان عامله عليها: أن اخص من قبلك من المغنّين المخنثين، فخصى تسعة، منهم: الدلال، وطريفة، وحبيب، ونومة الضّحى. «٤٨» - وقد روي في خبر سليمان غير هذا، وأنّه شكّ في الجارية لمّا ألهاها الغناء، وكانت إلى جنبه، وظنّ أنّ بينها وبين المغنّي شيئا، وكان سليمان شديد الغيرة، فكشف عن أمرهما فلم يكن بينهما سبب ولا معرفة، فلم تطب نفسه أن يتركه سويّا فخصاه. والشعر الذي غنّى فيه: [من البسيط] محجوبة سمعت صوتي فأرّقها ... من آخر الليل لمّا طلّها السّحر تثني على جيدها ثنني معصفرة ... والحلي منها على لبّاتها خصر في ليلة النصف ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر؟ لو خلّيت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من رقّة للمشي ينفطر «٤٩» - قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: لم يكن الناس يعلّمون الجارية

стр. 3475

الحسناء الغناء، وإنّما كانوا يعلّمونه الصّفر والسود، وأوّل من علّم الجواري المثمّنات الغناء أبي؛ فإنه بلغ بالقيان كلّ مبلغ ورفع من أقدارهنّ. وفيه يقول أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبيّ، وكان يهوى جارية يقال لها أمان، فأغلى بها مولاها السّوم وجعل يردّدها إلى إبراهيم وإسحاق ابنه، فتأخذ عنهما، وكلّما زادت في الغناء زاد سومه؛ فقال أبو عيينة: [من الخفيف] قلت لمّا رأيت مولى أمان ... قد طغى سومه بها طغيانا لا جزى الله الموصليّ أبا إس ... حاق عنّا خيرا ولا إحسانا جاءنا مرسلا بوحي من الشى ... طان أغلى به علينا القيانا من غناء كأنّه سكرات ال ... حبّ يصبي القلوب والآذانا «٥٠» - قال إبراهيم بن المهديّ: انصرفت ليلة من الشمّاسيّة، فمررت بدار إبراهيم الموصليّ، وإذا هو في روشن له، وقد صنع لحنه في قوله: [من الطويل] ألا ربّ ندمان عليّ دموعه ... تفيض على الخدّين سحّا سجومها فهو يعيده ويلعب به بنغمته ويكررّه ليستوي له، وجواريه يضربن عليه؛ فوقفت تحت الرّوشن حتى أخذته وانصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشّماسيّة واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغنّاه أوّل شيء غنّى، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال: لمن هذا يا إبراهيم؟ فقال: لي يا سيّدي صنعته البارحة؛ فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديم وأنا أغنّيه، فقال لي: غنّه يا حبيبي، فغنّيته كما غنّاه، فبهت إبراهيم وغضب الرشيد وقال له: يا ابن الفاجرة، أتكذبني وتدّعي ما ليس لك!؟ قال: فظلّ إبراهيم بأسوإ حال؛ فلما صلّيت العصر قلت للرشيد: الصوت- وحياتك- له، وما كذب؛ ولكني مررت به البارحة، وسمعته يكرره

стр. 3476

ويردّده على جارية له، ووقفت حتى دار لي واستوى فأخذته منه، فدعا به الرشيد ورضي عنه وأمر له بخمسة آلاف دينار. «٥١» - وروي أن الرشيد قال يوما لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا لهذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلّمّ أقاسمك إيّاها وأخايرك، فاقتسما المغنّين على أن جعلا بإزاء كلّ رجل نظيره، وكان إسماعيل بن جامع في حيّز الرشيد، وإبراهيم الموصليّ في حيّز جعفر، وحضر الندماء لمحنة المغنّين. وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنّى صوتا أحسن فيه كلّ الإحسان، وأطرب الرشيد كلّ الإطراب. فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنّه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرفه! وظهر الانكسار فيه. فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد. ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل، فغنّى صوتا ثانيا أحسن من الأول وأرضى في كلّ حال. فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم قال: ولا أعرف هذا. قال: هذان اثنان، غنّ يا إسماعيل، فغنّى ثالثا يتقدّم الصوتين الأوّلين ويفضلهما، فلما أتى على آخره قال: هاته يا إبراهيم، قال: لا، ولا أعرف هذا أيضا. فقال له جعفر: أخزيتنا أخزاك الله! قال: وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه الجوائز الكثيرة وخلع عليه خلعا فاخرة. ولم يزل إبراهيم منخزلا منكسرا حتى انصرف، فمضى إلى منزله، فلم يستقرّ فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزّفّ، وكان محمد من المغّنين المحسنين، وكان أسرع من عرف في أيّامه بأخذ الصوت يريد أخذه، وكان الرشيد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله، فألزمه بيته وتناساه. فقال إبراهيم للزّفّ: إني اخترتك عمّن هو أحبّ إليّ منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون. قال: أبلغ في ذلك محبّتك إن شاء الله. فأدّى إليه الخبر وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع فتعلمه أنّك صرت إليه مهنّئا

стр. 3477

بما تهيأ له عليّ، وتتنقّصني وتثلبني وتشمتمني وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها ولك كل ما تحبّه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضاء الخليفة إن شاء الله. قال: فمضى من عنده فاستأذن على ابن جامع فأذن له، فدخل عليه وقال: جئتك مهنّئا بما بلغني من خبرك، والحمد الله الذي أخزى ابن مفاضة [١] على يدك، وكشف الفضل في محلّك من صناعتك. قال: وهل بلغك خبرنا؟ قال: هو أشهر من أن يخفى على مثلي، قال: ويحك! إنّه يقصر عن العيان، قال: أيّها الأستاذ، سرّني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك وأسقط بيني وبينك الأسانيد. قال: أقم عندي حتى أفعل، فقال: السمع والطاعة. فدعا ابن جامع بالطعام فأكلا، ثم دعا بالشراب، ثم ابتدأ وحدّثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزّفّ: وما هو أيّها الأستاذ؟ فغنّاه ابن جامع إيّاه، فجعل محمد يصفّق وينعر ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه. ثم سأله عن الصوت الثاني فغنّاه إيّاه، وفعل مثل فعله في الصوت الأول، وكذلك في الصوت الثالث. فلما أخذ الأصوات وأحكمها قال له: يا أستاذ، قد بلغت ما أحبّ، فأذن لي في الانصراف، قال: إذا شئت. فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال له: ما وراءك؟ قال: كلّ ما تحبّ، ادع لي بعود. فدعا له به فضرب وغنّاه الأصوات، فقال إبراهيم: هي وأبيك! هي بصورها وأعيانها، ردّدها عليّ، فلم يزل يردّدها حتى صحّت لإبراهيم. وغدا إبراهيم على كبر سنّه، فلما دعي بالمغنّين دخل فيهم. فلما بصر به قال له: أو قد حضرت! أو ما كان ينبغي لك أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع؟ قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك؟ والله إن أذنت لي أن أقول لأقولنّ. فقال: وما عساك أن تقول؟ فقال له: ليس لي ولا

стр. 3478

لغيري أن يراك نشيطا لشيء فيعارضك فيه، ولا أن تكون متعصّبا لحيّز وجنبة فيغالبك، وإلا فما في الأرض صوت لا أعرفه. قال: دع ذا عنك، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبها فإن كنت أمسكت بالأمس عنه على معرفة كما تقول، فهاته فليس ههنا عصبيّة ولا تمييز. فاندفع فأمرّ الأصوات كلّها، وابن جامع مصغ يستمع منه حتى أتى على آخرها. فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنّه ما عرفها قطّ ولا سمعها، وما هي إلا من صنعته، لم تخرج إلى أحد غيره. فقال له: ويحك، فما أحدثت بعدي؟ فقال: ما أحدثت حدثا، فقال: يا إبراهيم، بحياتي اصدقني، قال: وحياتك لأصدقنّك؛ رميته بحجره، وبعثت إليه بمحمّد الزّفّ وضمنت له ضمانات أحدها رضاك عنه، فمضى فاحتال لي عليه حتى أخذها عنه ونقلها إليّ، وقد سقط عني الآن اللوم بإقراره لأنّه ليس عليّ أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه إلى الناس، وهذا باب من الغيب ولو لزمني أن أروي صنعته للزمه أن يروي صنعتي، ولزم كلّ واحد منّا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك، فمن قصّر عنه كان مذموما ساقطا. فقال الرشيد له: صدقت يا إبراهيم ونصحت عن نفسك وقمت بحجّتك. ثم أقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل، أتيت أتيت! دهيت دهيت! أبطل عليك الموصليّ ما فعلته بالأمس وانتصف منك، ثم دعا بالزّفّ ورضي عنه. «٥٢» - روي أنّ الرشيد هبّ ليلة من نومه، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض، فركبه وخرج في درّاعة وشي متلثّما بعمامة وشي ملتحفا بإزار وشي، وبين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفرّاشين. وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانه عنده، فلما خرج من باب القصر قال: أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: منزل الموصليّ. قال مسرور: فمضى ونحن معه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فخرج فتلقّاه وقبّل حافر حماره وقال له: يا أمير

стр. 3479

المؤمنين، في مثل هذه الساعة تظهر! قال: نعم، شوق [طرق لك] بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيّدي، أتنشط لشيء تأكله؟ قال: نعم، [خاميز ظبي] ، فأتي به كأنّما كان معدّا، فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال له الموصليّ: يا سيّدي، أغنّيك أم تغنّيك إماؤك؟ قال: بل الجواري. فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر المجلس وجانبيه، فقال: أيضربن كلّهنّ أم واحدة واحدة؟ قال: بل تضرب اثنتان اثنتان وتغنّي واحدة. ففعل ذلك حتى مرّ صدر الإيوان وأحد جانبيه، والرشيد لا ينشط لشيء من غنائهنّ إلى أن غنّت صبيّة من حاشية الصفّة: [من البسيط] يا موري الزّند قد أعيت مقادحه [١] ... اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس قال: فطرب لغنائها واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صاحبه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت حتى وقفت بين يديه، فأخبرته بشيء وأسرّته إليه، فدعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرّك ألا تكون خليفة! وكادت نفسه تخرج حتى دعا به وأدناه بعد ذلك. قال: وكان الذي أخبرته به أنّ الصنعة في الصوت لأخته عليّة بنت المهديّ، وكانت الجارية لها وجّهت بها إلى إبراهيم يطارحها. «٥٢» أ- وكان إبراهيم ممّن حظّ في الغناء ونال به درجة من الغنى علياء، وكسب به ما لم يدركه من تقدّمه ولا من تأخّر عنه. وكان المهديّ قد حبسه وعذّبه في الدخول على ابنيه: موسى وهارون، وحلّفه لمّا أطلقه بالطلاق والعتاق أن لا يدخل عليهما أبدا ولا يغنّيهما. فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر

стр. 3480

إبراهيم منه، ولم يظهر له بسبب الأيمان التي أحلقه بها المهدي، فكان منزله يكبس وأهله يروّعون بطلبه حتى أصابوه، فمضوا به إلى موسى، فلما رآه قال: يا سيّدي، [فارقت] أمّ ولدي أعزّ الخلق عليّ، ثم غنّاه: [من الخفيف] يا ابن خير الملوك لا تتركنّي ... غرضا للعدوّ يرمي حيالي فلقد في هواك فارقت أهلي ... ثمّ عرّضت مهجتي للزّوال ولقد عفت في هواك حياتي ... وتغرّبت بين أهلي ومالي فقال إسحاق ابنه: فموّله والله الهادي وخوّله؛ وبحسبك أنّه أخذ منه في يوم واحد مائة وخمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضّة. «٥٢» ب- وقال حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم: قال لي أبي: نظرت إلى ما صار إلى جدّك من الأموال والصّلات وثمن ما باعه من جواريه فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية وهي عشرة آلاف درهم في كلّ شهر، وسوى غلّات ضياعه، وسوى الصلات النزرة التي لم يحفظها؛ ولا والله ما رأيت أكمل مروءة منه، كان له طعام معدّ في كلّ وقت. فقلت لأبي: كيف كان يمكنه ذلك؟ قال: كان له في كلّ يوم ثلاث شياه: واحدة مقطّعة في القدور، فإذا فرغت قطّعت الشاة المعلّقة ونصبت القدور، وذبحت الحيّة فعلّقت، وأتي بأخرى فجعلت وهي حيّة في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتّخذ له في كلّ شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته. ولقد اتفق عندنا مرّة من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية ما منهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطّيب مثل ما يجري لأخصّ جواريه، فإذا ردّت الواحدة منهن إلى مولاها وصلها وكساها. ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدّين سبعمائة دينار قضيت منها.

стр. 3481

«٥٣» - قال داود المكّي: كنّا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده جماعة فيهم عبد الله بن المبارك وعدّة من العراقين، إذ مرّ به ابن تيزن المغنّي [قال حماد: ويقال ابن بيرن] [١] وقد ائتزر بمئزر على صدره، وهي إزرة الشطّار عندنا، فدعاه ابن جريج فقال: أحبّ أن تسمعني، قال: إني مستعجل، فألحّ عليه، فقال: امرأته طالق إن غنّاك أكثر من ثلاثة أصوات، قال له: ويحك، ما أعجلك إلى اليمين، عليّ بالصوت الذي غنّاه ابن سريج في اليوم الثاني [٢] من أيام منى على جمرة العقبة فقطع طريق الذاهب والجائي حتّى تكسّرت المحامل، فغنّاه: [من الكامل المرفّل] عوجي عليّ فسلّمي جبر ... ماذا الوقوف وأنتم سفر ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتّى يفرّق بيننا النّفر الحول بعد الحول يتبعه ... ما الدّهر إلا الحول والشّهر فقال له ابن جريج: أحسنت والله! ثلاث مرّات، ويحك أعده، قال: من الثلاثة، فأعاده فأقام، ومضى وقال: لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلّكم أنكرتم ما فعلت؟ فقالوا: إنا لننكره عندنا بالعراق ونكرهه، قال: فما تقولون في الرّجز؟ يعني الحداء، قالوا: لا بأس به عندنا، قال: فما الفرق بينه وبين الغناء. «٥٤» - روي أنّ إبراهيم الموصليّ غنّى الرشيد يوما في شعر هلال بن الأسعر

стр. 3482

المازني: [من البسيط] يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا ... زدت الفؤاد على علّاته وصبا فأعجب الرشيد وطرب، فقال له الموصليّ: يا أمير المؤمنين، فكيف لو سمعته من عبدك مخارق فإنّه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني؟ فأمر بإحضار مخارق فأحضر فقال له: غنّني: يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا فغنّاه إيّاه، فبكى وقال: سل حاجتك. قال مخارق: فقلت: يعتقني أمير المؤمنين من الرّقّ ويشرفني بولائه، أعتقك الله من النار. قال: فأنت حرّ لوجه الله، أعد الصّوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: حاجتي يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلّتها فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصّوت، فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل وفرش وما يصلحه وخادم فيه، قال: ذلك لك، أعده، فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل الله بقاءك ويديم عزّك، ويجعلني من كلّ سوء فداءك. فكان إبراهيم سبب عتقه بهذا الصّوت. وكان مخارق يقول: أنا عتيق هذا الصوت. «٥٥» - كان عطرّد المغنّي من أهل الهيئة والمروءة، فقيها قارئا. وقصد آل سليمان بن عليّ بالبصرة فأقام معهم، وولي سلمة بن عبّاد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عبّاد عطرّدا، فأتى بابه ليلا فدقّ عليه الباب ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج إليه عطرّد فلما رآه ومن معه فزع، فقال: لا ترع: [من الكامل المرفّل] إنّي قصدت إليك من أهلي ... في حاجة يأتي لها مثلي

стр. 3483

فقال: ما هي أصلحك الله؟ فقال: [من الكامل المرفّل] لا طالبا إليك سوى ... «حيّ الحمول بجانب العزل» فقال: انزلوا على بركة الله. فلم يزل يغنّيهم بهذا الصوت وغيره حتى أصبحوا. وهذا الشعر يقوله امرؤ القيس بن عابس الكنديّ، وهو: [من الكامل المرفّل] حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي الله أنجح ما سألت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل إنّي بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقا مثلي «٥٦» - كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا. وكان أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ ﵀ صديقه، وهو من القوّاد الأكابر، ومحلّه من الشجاعة مشهور، وكان جيّد الغناء وله صنعة متقنة. فأعلمه المعتصم أنّه يغنّي فقال ابن أبي دواد: ما أراه مع عقله يفعل ذلك. فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد في موضع، وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّي ففعل ذلك وأطال. ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه أحمد قال: سوأة لهذا من فعل! أبعد السّنّ وهذا المحلّ تضع نفسك كما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر وقال: إنّهم أكرهوني على ذلك. قال: هبهم أكرهوك على الغناء، أفأكرهوك على الإحسان فيه والإصابة؟! «٥٧» - قال معبد: أتيت جميلة يوما وكان لي موعد، ظننت أني قد سبقت الناس إليها، وإذا منزلها غاصّ، فسألتها أن تعلّمني شيئا، فقالت: إنّ غيرك قد

стр. 3484

سبقك، ولا يجمل تقديمك على من سواك. فقلت: جعلت فداك! إلى متى تفرغين ممّن سبقني؟ قالت: هو ذاك، الحقّ يسعك ويسعهم. فبينا نحن في ذاك إذ أقبل عبد الله بن جعفر- فإنّه لأوّل يوم رأيته وآخره وكنت صغيرا كيّسا، وكانت جميلة شديدة الفرح بي- فقامت وقام الناس فلقيته وقبّلت يديه، وجلس في صدر المجلس على كرسيّ لها، وتحوّق أصحابه حوله، وأشارت إلى من عندها بالانصراف فتفرّق الناس، وغمزتني ألا أبرح فأقمت، وقالت: يا سيّدي وسيّد آبائي ومواليّ، كيف نشطت أن تنقل قدميك إلى أمتك؟ قال: يا جميلة، قد علمت ما آليت أن لا تغنّي أحدا إلا في منزلك، وأحببت الاستماع، وكان ذلك طريقا مادّا فسيحا. قالت: جعلت فداءك! فأنا أصير إليك وأكفّر، فقال: لا أكلّفك ذلك، وبلغني أنك تغنّين بيتين لامرىء القيس تجيدين الغناء فيهما، وكان الله أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت. قالت: يا سيّدي نعم، فاندفعت فغنّت بعودها، فما سمعت منها قبل ذلك اليوم ولا بعده إلى أن ماتت مثل ذلك الصوت، ولا مثل ذلك الغناء، فسبّح عبد الله بن جعفر والقوم معه، وهما: [من الطويل] ولمّا رأت أنّ الشريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظلّ عرمضها طامي فلما فرغت جميلة قالت: يا سيّدي أزيدك؟ قال: حسبي. فقال بعض من كان معه: أي جعلت فداك! وكيف أنقذ الله بهذين البيتين جماعة من المسلمين؟ قال: نعم، أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبيّ ﷺ ، فضلّوا الطريق ووقعوا على غيرها، ومكثوا مليّا لا يقدرون على الماء، وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السمر والطّلح، فأيسوا من الحياة، إذا أقبل رجل على بعير، فأنشد بعض القوم هذين البيتين، قال الراكب: من يقول هذا؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه. فحبوا على الرّكب، فإذا ماء

стр. 3485

عدّ، وإذا عليه العرمض والظلّ يفيء عليه. فشربوا منه ربّهم وحملوا منه ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء. فأتوا النبيّ ﷺ وأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا الله ببيتين من شعر امرىء القيس وأنشدوه الشّعر، فقال ﷺ : ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسيّ في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار. ٥» - لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّي إلى المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنّك قد وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء والزّنا. فصاح في ذلك، وأجّل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة. وكان ابن أبي عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم، فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القسّ، فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلّم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا إلى الليلة التي آتيه، قالوا: نخاف أن لا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئا، فاخرجوا في السّحر. ثم خرج، فاستأذن على عثمان بن حيّان، فأذن له، فسلّم عليه وذكر غيبته، وذكر أنه جاءه ليقضي حقّه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا، وقال: أرجو أن تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك، فقال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار به عليّ أصحابك. فقال: قد أصبت، ولكن ما تقول- أمتع الله بك- في امرأة هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأنا رسولها إليك تقول: أتوجّه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله ﷺ ومسجده؛ قال: إنّي أدعها لك ولكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أنّ مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال: نعم.

стр. 3486

فجاءه بها وقال لها: احملي معك سبحة وتخشّعي، ففعلت. فلما دخلت على عثمان حدّثته، فإذا هي أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها، وحدّثته عن آبائه وأمورهم، ففكه لذلك. فقال لها ابن أبي عتيق: إقرئي للأمير، فقرأت له، فقال لها: أحدي له، ففعلت، وكثر عجبه منها. فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها؟ فلم يزل ينزله شيئا فشيئا حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي عتيق: غنّي: [من الطويل] سددن خصاص الخيم لمّا دخلنه ... بكلّ لبان واضح وجبين فغنّته، فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها ثم قال: لا والله، ما مثل هذه يخرج! قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس؛ يقولون: أقرّ سلامة وأخرج غيرها، قال: فدعوهم جميعا، فتركوهم جميعا، وأصبح الناس يقولون: كلّم ابن أبي عتيق الأمير في سلامة القسّ فتركوا جميعا. «٥٩» - قال علّويه الأعسر المغنّي: أمرنا المأمون أن نباكر لنصطبح، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبيّ مولى عريب، فقال: يا أيّها الظالم المعتدي، ألا ترحم ولا ترقّ؟ عريب هائمة من الشّوق إليك، تدعو وتستحكم، وتحلم بك في نومها في كلّ ليلة ثلاث مرّات. قال علّويه: فقلت له: أمّ الخليفة زانية، ومضيت معه، فحين دخلت قلت: استوثق من الباب فأنا أعرف الناس بفضول الحجّاب، وإذا عريب على كرسيّ تطبخ ثلاث قدور من دجاج. فلمّا رأتني قامت فعانقتني وقبّلتني وقالت: أيّ شيء تشتهي؟ فقلت: قدرا من هذه القدور. فأفرغت قدرا بيني وبينها. فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبّت رطلا وشربت نصفه، فما زلت أشرب حتى كدت أسكر، ثم قالت: يا أبا الحسن، غنّيت البارحة في شعر لأبي العتاهية

стр. 3487

فأعجبني، فتسمعه وأصلحه، فغنّت: [من الطويل] عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه فصيّرناه مجلسنا، وقالت: قد بقي فيه شيء، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه، ثم قالت: أحبّ أن تغنّي أنت أيضا فيه لحنا، ففعلت. وجعلنا نشرب على اللحنين مليّا، ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجوني. فدخلت إلى المأمون، فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان، وأصفّق وأغنّي الصّوت، فسمع المأمون وندماؤه ما لم يعرفوه فاستظرفوه، فقال المأمون: يا علّويه، ادن وردّده، فردّدته عليه سبع مرّات، فقال لي في آخرها عند قولي: يروق ويصفو إن كدرت عليه يا علّويه، خذ الخلافة وأعطني هذه الصاحب. ٦٠- قال المدائنيّ: اصطحب قوم في سفر ومعهم شيخ عليه أثر النّسك والعبادة، ومعهم مغنّ، وكانوا يشتهون أن يغنّيهم ويستحيون من الشيخ إلى أن بلغوا صخيرات [١] الثّمام، فقال المغنّي: أيها الشيخ، إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، وإني أهابك وأستحي منك، فإن رأيت أن تأذن لي في الإنشاد أو تتقدّم حتى أوفي بيميني ثم ألحق بك فافعل. قال: ما عليّ من إنشادك! أنشد ما بدا لك، فاندفع يغنّي: [من الطويل] وقالوا صخيرات الثّمام وقدّموا ... أوائلهم من آخر الليل في الثّقل فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء وأشجاه، فقالوا: ما لك يا عمّ تبكي؟ فقال: لا جزيتم خيرا عنّي! هذا معكم طول الطريق وأنتم تبخلون عليّ أن أتفرّج به، ويقطع عني طريقي، وأتذكّر أيام شبابي! فقالوا: لا والله ما كان يمنعنا غير

стр. 3488

هيبتك، قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليهم فلم يزل يغنّيهم طول سفرهم حتى افترقوا. «٦١» - وقيل: حضر أبو السائب مجلسا فيه بصبص جارية ابن نفيس، فغنّت: [من المنسرح] قلبي حبيس عليك موقوف ... والعين عبرى والدّمع مذروف والنّفس في حسرة بغصّتها ... قد سفّ أرجاءها التساويف إن كنت بالحسن قد وصفت لنا ... فإنّني بالهوى لموصوف يا حسرتا حسرة أموت بها ... إن لم يكن لي لديك معروف قال: فطرب أبو السائب ونعر وقال: لا عرف الله قدر من لا يعرف لك معروفك!، ثم أخذ قناعها عن رأسها فوضعه على رأسه وجعل يلطم ويبكي ويقول لها: بأبي أنت وأمي! والله إني لأرجو أن تكوني عند الله أفضل من الشهداء لما تولينا من السرور، وجعل يصيح: وجعل يصيح: واغوثاه! يالله ما يلقى العاشقون! «٦٢» - قال ابن أبي مليكة: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر، فسمع جارية تغنّي: [من البسيط] بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا وكانت الجارية مغنّية لبعض النخّاسين، فاستهتر بها الناسك وهام، وترك ما كان عليه حتى مشى إليه عطاء وطاوس فلاماه، فكان جوابه لهما أن تمثّل قول الشاعر: [من البسيط] يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا

стр. 3489

وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إلى النخّاس، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت، فقال لها: ممّن أخذته؟ قالت: من عزّة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبرها، فأعطاه إيّاه وصدقه عنه، فقال: أتحبّ أن تسمع هذا الصوت ممّن أخذته عنه تلك الجارية؟ قال: نعم، فدعا بعزّة الميلاء فقال: غنّيه إيّاه، فغنّته، فصعق الرجل مغشيّا عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه! الماء! فنضح على وجهه، فلما أفاق قال له: أكلّ هذا بلغ بك من عشقها؟ قال: وما خفي عنك أكثر؛ قال: أفتحبّ أن تسمعه منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبّها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها؟ قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، قال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبّل الرجل يديه ورجليه وقال: أنمت عيني وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي. ودعا له دعاء كثيرا، فقال له: ما أرضى أن أعطيكها هكذا؛ يا غلام احمل معه مثل ثمنها لكيلا تهتمّ به ويهتمّ بها. «٦٣» - قال إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ وقد حضره جماعة من جلسائه والأماثل والمغنّين. فلمّا جلسوا للشّرب جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاءني غلام قبيح الوجه بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه من يده، فرآني إسحاق فقال: لم لا تشرب؟ فقلت في الحال: [من البسيط] إصبح نديمك أقداحا يسلسلها ... من الشّمول وأتبعها بأقداح من كفّ ريم مليح الدّلّ ريقته ... بعد الهجوع كمسك أو كتفّاح لا أشرب الراح إلا من يدي رشأ ... تقبيل راحته أشهى من الراح قال: فضحك ثم قال: صدقت والله، ثم دعا بوصيفة تامّة الحسن في زيّ غلام

стр. 3490

عليها قباء ومنطقة، فقال لها: تولّي سقي أبي محمد. فما زالت تسقيني حتى سكرت، ثم أمر بتوجيهها وكلّ ما في داره إليّ فانصرفت بها. «٦٤» - عاتب مسلمة بن عبد الملك أخاه يزيد وقال: يا أمير المؤمنين، ببابك وفود الناس ويقف به أشراف العرب، ولا تجلس لهم، وأنت قريب عهد بعمر ابن عبد العزيز، وقد أقبلت على هؤلاء الإماء! قال: إني لأرجو أن لا تعاتبني على هذا بعد اليوم. فلما خرج مسلمة من عنده استلقى على فراشه، وجاءت جاريته حبابة فلم يكلّمها، فقالت: ما دهاك عني؟ فأخبرها بما قال مسلمة وقال: تنحّي حتى أفرغ للناس. قالت: فأمتعني منك يوما واحدا ثم اصنع ما بدا لك؛ قال: نعم، فقالت لمعبد: كيف الحيلة؟ قال: يقول الأحوص أبياتا وتغنّي فيها؛ قالت: نعم. فقال الأحوص: [من الطويل] ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلّدا إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا فما العيش إلا ما تحبّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا فغنّى فيه معبد وقال: مررت البارحة بدير نصارى وهم يقرؤن بصوت شجيّ فحكيته في هذا الصوت، فلمّا غنّته حبابة قال يزيد: لعن الله مسلمة! قد صدقت والله لا أطيعهم أبدا. «٦٥» - قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: أقام المأمون بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الأغاني؛ ثم قال: كان أوّل من تغنّى بحضرته أخوه أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع مستترا متشبّها بالرشيد في أوّل أمره. فأقام المأمون كذلك أربع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنّين.

стр. 3491

وكان حين أحبّ المأمون السماع سأل عني، فخرجت بحضرته وقال الطاعن عليّ: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلفاء؟ فقال: ما أبقى هذا من التّيه شيئا إلا استعمله. فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه الذي ظهر فيّ فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني علّويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك، فإنا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشّعر، فإنه يبعثه على أن يسألك: لمن هذا؟ فإذا سألك انفتح لك باب ما تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء. فقال: هات، فألقيت عليه لحني في شعر عمر [١] : [من البسيط] يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود لحائم حام حتى لا حياة له ... محلّأ عن زلال الماء مطرود قال فمضى علّويه، فلما استقرّ به المجلس غنّاه بالشعر، فقال: ويلك يا علّويه! لمن هذا الشعر؟ قال: يا سيّدي، لعبد من عبيدك، جفوته واطّرحته من غير ذنب، فقال: إسحاق تعني؟ قال: نعم، قال: تحضره الساعة. فجاءني رسوله، فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال: ادن، فدنوت منه فرفع يديه مادّهما، فأكببت عليه فاحتضنني بيديه، وأظهر من برّي وإكرامي ما لو أظهره صديق مؤانس لصديق لسرّه. «٦٦» - أبو نواس: [من الوافر] جريت مع الصبّا طلق الجموح ... وهان عليّ مأثور القبيح جدت ألذّ عارية الليالي ... قران النّعم بالوتر الفصيح

стр. 3492

ومسمعة إذا ما شئت غنّت ... (متى كان الخيام بذي طلوح) تمتّع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصبّوح وخذها من معتّقة كميت ... تنزّل درّة الرجل الشّحيح تخيّرها لكسرى رائداه ... لها حظّان من طعم وريح ألم ترني أبحت الراح عرضي ... وعض مراشف الظّبي المليح وأنّي عالم أن سوف تنأى ... مسافة بين جثماني وروحي «٦٧» - وله: [من البسيط] لا أرحل الراح إلا أن يكون لها ... حاد بمنتخل الأشعار غرّيد فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لا ينطق اللهو حتى ينطق العود ٦٨- قال المأمون: الطعام لون واحد، فإذا استطبته فاشبع منه، والنّدمان واحد فإذا رضيته فلا تفارقه ما لم يفارقك الرضا به، والغناء صوت واحد، فإذا استطبته فاستزده حتى تقضي وطرك منه. «٦٩» - قال أبو محمد التميمي: سألت الشريف أبا علي محمد بن أحمد بن موسى الهاشميّ عن السماع؟ فقال: لا أدري ما أقول فيه، غير أني حضرت دار شيخنا عبد العزيز بن الحارث التميمي رحمه الله تعالى سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين وأبو الحسن طاهر بن الحسين [١] شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسين بن سمعون شيخ الوعّاظ والزهّاد، وأبو عبد الله ابن مجاهد شيخ المتكلّمين وصاحب أبي بكر بن الباقلانيّ في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ

стр. 3493

الحنابلة. قال أبو علي: لو سقط السّقف عليهم لم يبق للعراق من يفتي في حادثة يشبه واحدا منهم، ومعهم أبو عبد الله غلام [تام] ، وربما كان هذا يقرأ القرآن بصوت حسن وربّما قال شيئا، فقيل له: قل لنا شيئا، فقال وهم يسمعون: [من البسيط] خطّت أناملها في بطن قرطاس ... رسالة بعبير لا بأنقاس [١] أنظر فديتك لي من غير محتشم ... فإنّ حبّك لي قد شاع في الناس وكان قولي لمن أدّى رسالتها ... قف لي لأمشي على العينين والراس قال أبو علي: فبعد ما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بشيء من حظر أو إباحة. «٧٠» - ومن أكابر المغنّين ومقدّميهم يحيى بن مرزوق المكيّ مولى بني أمية. وكان يكتم ولاءه لخدمته خلفاء بني العباس، فإذا سئل عن ولائه انتهى إلى قريش. وعمّر مائة وعشرين سنة، ومات وهو صحيح العقل والسّمع والبصر، وقدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهدي في أول خلافته، فخرج أكثرهم وبقي يحيى بالعراق. وولده يخدمون الخلفاء، وآخرهم أحمد بن يحيى كان يخدم المعتمد. وليحيى صنعة عجيبة نادرة. وله كتاب في «الأغاني» كبير جليل مشهور، إلا أنّه خلط في نسبه فاطّرح. وكان ابن جامع، وإبراهيم الموصليّ، وفليح بن [أبي] العوراء يفزعون إليه في الغناء القديم، فيأخذون عنه ويعايي بعضهم بعضا بما يأخذه منه، ويغرب به على أصحابه، فإذا خرجت الجوائز أخذها [٢] .

стр. 3494

«٧١» - قال محمد بن أحمد بن يحيى المكّي: عمل جدّي كتابا في الأغاني وأهداه إلى عبد الله بن طاهر وهو يومئذ شابّ حديث السّنّ، فاستحسنه وسرّ به، ثم عرضه على إسحاق، فعرّفه عوارا كثيرا في نسبه لأنّ جدّي كان لا يصحّح لأحد نسبة صوت ألبتّة، وكان ينسب صنعته إلى المتقدّمين، وينحل بعضهم صنعة بعض ضنّا بذلك عن غيره، فسقط من عين عبد الله، وبقي في خزانته. ثم وقع إلى محمد بن عبد الله، فدعا بأبي- وكان إليه محسنا وعليه مفضلا- فعرضه عليه فقال له: إنّ في هذا النسب تخليطا كثيرا خلطه لضنّه بهذا الشأن على الناس، ولكن أعمل لك كتابا أصحّح هذا وغيره فيه. فعمل له كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت وأهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم، وصحّح له الكتاب الأوّل أيضا، فهو الذي في أيدي الناس. «٧٢» - وكان إسحاق يقدّم يحيى المكيّ تقديما كثيرا ويفضّله ويناضل أباه وابن جامع فيه ويقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه واحد منكم من أحد أمرين: إمّا أن يكون محقّا فيه كما يقول فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته وقد نحله المتقدّمين كما تقولون، فهو أوضح لتقدّمه عليكم. «٧٣» - قال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلّط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، ولا يزال يصنع الصّوت بعد الصوت، يتشبّه فيه بالغريض مرّة، وبمعبد أخرى، وبابن سريج وبابن محرز، ويجتهد في إحكامه وإتقانه حتى يشتبه على سامعه. فإذا حضر مجالس الخلفاء غنّى ما أحدث فيه من ذلك، فيأتي بأحسن صنعة وأتقنها، وليس أحد يعرفها، فيسأل عن ذلك، فيقول: أخذته عن فلان، وأخذه فلان عن يونس أو نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشكّ في

стр. 3495

قوله، ولا يثبت لمباراته أحد، ولا يقوم لمعارضته ولا يفي بها، حتى نشأ إسحاق وضبط الغناء وأخذه من مظانّه ودوّنه، وكشف عوار يحيى في منحولاته وبيّنها للناس. «٧٤» - قال أحمد بن سعيد المالكي- وكان مغنّيا منقطعا إلى طاهر وولده- وكان من القوّاد: حضرت يحيى المكيّ يوما وقد غنّى صوتا فسئل عنه، فقال: هذا لمالك، ثم غنّى لحنا لمالك، فسئل عنه فقال: هذا لي، فقال له إسحاق الموصليّ: قلت ماذا؟ فديتك! وتضاحك به. فسئل عن صانعه، فأخبر به وغنّى الصوت، فخجل يحيى، وأمسك عنه ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل، واللّحن له: [من الكامل المرفّل] إنّ الخليط أجدّ فاحتملا ... وأراد غيظك بالذي فعلا فسئل عنه، فنسبه إلى الغريض، فقال له إسحاق: يا أبا سليمان ليس هذا من نمط الغريض، ولا تفنّنه في الغناء، فلو شئت لأخذت ما لك، وتركت للغريض ما له، ولم تتعب، فاستحيى يحيى ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بلطائف كثيرة وبرّ واسع وكتب إليه يعاتبه ويستكفّ شرّه ويقول له: لست من أقرانك فتضادّ لي، ولا ممّن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني، وأنت إلى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنّك لا تجده إلا عندي فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت وما تختاره. فعرف إسحاق صدق يحيى فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف التي حملها إليه، وحلف أن لا يعارضه بعدها، وشرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد، فوفّى له بها، وأخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدّمين. وكان إذا حزبه أمر في شيء منها فزع إليه فأعاده وعاونه ونصحه، وما عاود

стр. 3496

إسحاق معارضته بعد ذلك، وحذره يحيى؛ فكان إذا سئل عن شيء بحضرته صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلّط فيما يسأل عنه. قال: وكان يحيى إذا صار إليه إسحاق يطلب شيئا أعطاه إيّاه، ثم يقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما الله يعلم أني أبخل به عليك فضلا عن غيرك، فيأخذه أحمد مع إسحاق عن أبيه. «٧٥» - وقال إسحاق يوما للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكّي: أتحبّ يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال: نعم؛ قال: أعطني أيّ شعر شئت حتى أصنع فيه لحنا، وسلني بحضرته عن نسبه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسل يحيى عنه إذا غنّيته، فإنه لا يمتنع من أن يدّعي معرفته. فأعطاه شعرا وصنع فيه لحنا وغنّاه الرشيد، ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبه بين يديه. فلمّا حضر يحيى غنّاه إسحاق، فسأله الرشيد: لمن هذا اللحن؟ فقال له إسحاق: لغناديس المدني، فقال له يحيى: نعم قد لقيته وأخذت عنه صوتين، ثم غنّى صوتا وقال: هذا أحدهما. فلما خرج يحيى حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا وعتق جواريه أنّ الله تعالى ما خلق أحدا اسمه غناديس ولا سمع به في المغّنين ولا غيرهم، وأنه وضع ذلك الاسم في وقته ليكشف أمره. «٧٦» - قال علي بن المارقيّ: قال لي إبراهيم بن المهديّ: ويلك يا مارقيّ! إنّ يحيى المكيّ غنّى البارحة بحضرة أمير المؤمنين صوتا فيه ذكر زينب، وقد كان النبيذ أخذ منّي، فأنسيت شعره، فاستعدته إيّاه فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه منه، ولك عليّ سبق. قال زرزور مولاه: فقال لي المارقيّ وأنا يومئذ غلام: إذهب إليه فقل له إني أسأله أن يكون اليوم عندي. فمضيت إليه فحيّيته، ٤ التذكرة الحمدونية ٩

стр. 3497

فلما تغدّوا وضع النبيذ فقال له المارقيّ: إني سمعتك تغنّي صوتا فيه ذكر زينب، وأنا أحبّ أن آخذه منك، وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقّه من الاستقصاء، فلا يخرج إلا بحذر، ولا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض، فقال له يحيى: وأيّ شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟ قال: ما تريد؟ قال: هذه الزّلّيّة الأرمنيّة، أما آن لك أن تملّها؟ قال: بلى، هي لك، قال: وهذه الطنافس الخرّميّة، أنا مكيّ لا أنت وأنا أولى بها منك، قال: هي لك، وأمر بحملها معه، فلما حصلت له قال له المارقيّ: يا غلام، هات العود، قال يحيى: والميزان والدراهم؛ وكان يحيى لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما، فأعطاه إيّاه، فألقى عليه: [من الطويل] بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب فلم يشكّ المارقيّ في أنه قد أدرك حاجته، فبكّر إلى إبراهيم فقال له: قد جئت بالحاجة، فدعا بالعود فغنّاه إيّاه، فقال له: لا والله ما هو هذا، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. قال زرزور: فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما، فلما دخل عليه وأكلا وشربا قال له يحيى: قد واليت بين دعواتك ولم تكن برّا وصولا، فما هذا؟ قال: لا شيء والله إلا محبّتي للأخذ عنك والاقتباس منك. فقال له: برّك الله! تذكّرت الصوت الذي سألتك إيّاه فإذا هو غير الذي ألقيته عليّ، فقال: تريد ماذا؟ قال: تذكّر الصوت، فغنّاه: [من البسيط] ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا فقال له: نعم فديتك يا أبا عثمان هذا هو فألقه عليّ، قال: العوض؛ قال: قل؛ قال: هذا المطرف الأسود، قال: هو لك، فأخذه وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له، وبكّر إلى إبراهيم فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت حاجتك، ودعا بالعود فغنّاه إيّاه، فقال: خدعك والله وليس هذا هو، فأعد الاحتيال عليه، وكلّ ما تعطيه إيّاه فألزمني به.

стр. 3498

فلما كان اليوم الثالث بعث إليه وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى: ما لك أيضا؟ قال: يا أبا عثمان، ليس هذا هو الصوت الذي أردت، فقال له: لست أعلم ما في نفسك فاذكره وأنا عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب ألبتّة إلا أحضرتها، قال: هات على اسم الله تعالى. قال: اذكر العوض؛ قال: ما شئت، قال: هذه الدرّاعة الوشي التي عليك، فأخذها، قال: والخمسين الدرهم؟ فأحضرها وألقى عليه: [من الطويل] لزينب طيف تعتريني طوارقه ... هدوّا إذا النجم ارجحنّت لواحقه فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له حاجبه: هو يتشاغل؛ فقال له: قل له قد جئتك بحاجتك؛ فقال: يدخل فيغنّيه في الدار وهو قائم، فإن كان هو، وإلا فليخرج. فدخل فغنّاه، فقال لا والله ما هذا هو، فعاود الاحتيال ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟ فقال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشكّ بأنّك تتعمّدني بالمنع فيما أريده وقد أخذت كلّ شيء عندي مغابنة، فضحك يحيى ثم قال: قد استحييت منك الآن، وأنا أناصحك على شريطة، قال: نعم، قل الشريطة؛ قال: لا تلمني أن أغابنك، لأنّك أخذت في مغابنتي، والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال عليّ، فإنّك لا تظفر منّي بما تريد، إنّما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ ليأخذ صوتا غنّيته وسألني إعادته فمنعته بخلا عليه، لأنّه لا يلحقني منه خير ولا بركة، يريد أن يأخذ غنائي باطلا، وطمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد، لا والله إلا بأوفر الأثمان، وبعد اعترافك؛ وإلا فلا تطمع في الصوت فقال: أما إذا فطنت، فالأمر والله على ما قلت، فتغنّيه الآن بعينه على شرط وإن كان هو وإلا فعليك اعادته بعينه، ولو غنيتني في كلّ شيء تعرفه ولم أحتسب لك إلا به؛ قال: اشتره، فتساوما طويلا وماكسه المارقيّ حتى بلغ ألف

стр. 3499

درهم، فدفعها إليه فألقاه عليه. والصوت: [من الكامل] طرقتك زينب والمزار بعيد ... بمنى ونحن معرّسون هجود قال: وهو صوت كثير العمل، حلو النّغم، محكم الصنّعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع. فأخذه وبكّر إلى إبراهيم بن المهديّ فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأغرى بي وبلاني بوجه يحيى المكيّ وشحذه وطلبه وشرهه. وحدّثه بالقصّة، فضحك إبراهيم وغنّاه إيّاه فقال: هذا وأبيك هو بعينه. فألقاه عليه حتى أخذه، وأخلف كلّ شيء أخذه منه يحيى وزاده خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون أشهب فاره بسرجه ولجامه، فقال له: يا سيّدي، فغلامك زرزور المسكين قد تردّد إليه حتى ظلع، هب له شيئا. فأمر له بألف درهم. «٧٧» - روي أن إسحاق الموصليّ لمّا صنع صوته: [من الخفيف المجزوء] قل لمن ظلّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا اتّصل خبره بإبراهيم بن المهديّ فكتب إليه يسأله عنه، فكتب إليه شعره وبسيطه ومجراه واصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه، فغنّاه إبراهيم ثم قال إسحاق: ثم لقيني فغنّى فيه ففضلني بحسن صوته. ٧٨- وقال هبة الله بن إبراهيم بن المهديّ: كان يخاطبنا من داره بدجلة في الجانب الشرقيّ ونحن بالجانب الغربيّ بأمره ونهيه، فنسمعه وبيننا عرض دجلة، وما أجهد نفسه. «٧٨» أ- وقيل إن إبراهيم بن المهديّ غنّى عند الأمين وهو مشرف على حائر الوحش، فكانت الوحوش تصغي إليه وتمدّ أعناقها، ولا تزال تدنو حتى تضع رؤوسها على الدكان الذي كانوا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت، وكان الأمين

стр. 3500

يعجب بذلك ويعجّب أصحابه. «٧٩» - حدّث أحمد بن يزيد عن أبيه قال: كنّا عند المنتصر فغنّاه بنان: [من السريع] يا ربّة المنزل بالبرك ... وربّة السلطان والملك تحرّجي بالله من قتلنا ... لسنا من الدّيلم والتّرك فضحكت، فقال: ممّ ضحكت؟ قلت: من شرف قائل هذا الشعر وشرف من عمل اللّحن فيه وشرف مستمعه، قال: وما ذاك؟ قلت: الشعر فيه للرشيد، والغناء لعليّة بنت المهدي، وأمير المؤمنين مستمعه، فأعجبه ذلك وما زال يستعيده. ٧٩ أ- قال إسحاق الموصليّ: عملت في أيّام الرشيد لحنا في هذا الشّعر، وهو: [من البسيط] سقيا لأرض إذا ما شئت نبّهني ... بعد الهدوّ بها قرع النواقيس كأن سوسنها في كلّ شارفة ... على الميادين أذناب الطواويس فأعجبني، وعملت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعليّة فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدّهليز لنسمع من بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكّت فيه الآن، فدخلت معه إلى حجرة وقد أفردت لي كأنّها كانت معدّة، وقدّم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما. ثم خرج إليّ خادم فقال: تقول لك مولاتي: أنا أعلم أنّك قد غدوت على أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث فأسمعنيه، ولك جائزة سنيّة تتعجّلها، ثم ما يأمر به لك أمير المؤمنين بين يديك، ولعلّه لا يأمر لك بشيء، أو لا يقع الصوت منه بحيث توخّيت، فيذهب سعيك

стр. 3501

باطلا. فاندفعت فغنّيت هذا الصوت، ولم تزل تستعيده مرارا، ثم قالت: اسمعه الآن منّي، فغنّته غناء ما خرق سمعي مثله، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم قالت: يا فلانة، أحضري ما عندك، فأحضرت عشرين ألفا وعشرين ثوبا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين، ولن أبدأه بغناء غيره، وأخبره أنه من صنعتي، وأعطي الله عهدا لئن نطقت بأنّ لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ. فخرجت من عندها، وو الله إني لأكره جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت. فدخلت على المأمون في أوّل مجلس جلسه للهو بعدها، فبدأت به في أوّل ما غنّيت، فتغيّر لون المأمون وقال: من أين لك هذا؟ قلت: ولي الأمان على الصّدق؟ قال: ذلك لك. فحدّثته الحديث، قال: يا بغيض! فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته وذكرت هذا منه مع الذي أخذت من العوض؟ فهجنتني والله منه هجنة وددت معها أني لم أذكره، فآليت أن لا أغنّيه بعدها أبدا. «٨٠» - قالت عريب: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهديّ عند أخته عليّة وعندهما يعقوب، وكان من أحذق الناس بالزّمر، فبدأت عليّه فغنّت من صنعتها، وأخوها يعقوب يزمر عليها: [من الطويل] تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب تبصّر فإنّ حدّثت أن أخا الهوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحبّ ذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب: [من البسيط]

стр. 3502

لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا كيف ينسى وجهك الحسن قالت: فما سمعت مثل ما سمعت منهما قطّ، وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا. «٨١» - قال محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد: سمعت أبي جعفرا وأنا صغير يحدّث يحيى بن خالد جدّي في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع هارون الرشيد قال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين وأقبل في حجر يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلنا جميعا، وأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس، فنقر الباب بيده نقرات، فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النّقر ثالثة، فغنّت جارية ما ظننت والله أن الله خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرّب. فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا: غنّي صوتي، فغنّت: [من الكامل] ومخنّث شهد الزفاف وقبله ... غنّى الجواري [حاسرا] ومنقّبا لبس الدّلال وقام ينقر دفّه ... نقرا أقرّ به العيون فأطربا إنّ الجوار رأينه فعشقنه ... فشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا [١] قال: فطربت والله طربا هممت والله أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنّي: طال تكذيبي وتصديقي فغنّت: [من المديد] طال تكذيبي وتصديقي ... لم أجد عهدا لمخلوق إنّ ناسا في الهوى غدروا ... ورأوا نقض المواثيق

стр. 3503

قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإني أخاف أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا. فلما صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدي: هل عرفت هذه المرأة؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: هذه عليّة بنت المهدي، والله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّي يقول له: فقد والله لفظت به بين يدي أحد، وو الله ليقتلنّك! فاصنع ما أنت صانع. «٨٢» - قال بعض البصريين: كنّا لمّة نجتمع ولا يفارق بعضنا بعضا. فكنّا على عدد أيام الجمعة كلّ يوم عند أحدنا، فضجرنا من المقام في المنازل، فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين. فخرجنا إلى بستان قريب منّا، فبينا نحن فيه إذ سمعنا ضجة راعتنا، فقلت للبستانيّ: ما هذا؟ فقال: هؤلاء نسوة لهنّ قصّة، فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال: العيان أكبر من الخبر، فقم حتى أريك وحدك. فقلت لأصحابي: أقسمت عليكم ألا يبرح أحد منكم حتى أعود. فنهضت وحدي فصعدت إلى موضع أشرف عليهنّ وأراهنّ ولا يرينني؛ فرأيت نسوة أربعا أحسن ما يكون من النساء وأشكلهنّ، ومعهن خدّام لهنّ وأشياء قد أصلحت من طعام وشراب وآلة. فلما اطمأنّ بهنّ المجلس جاء الخادم لهنّ معه خمسة أجزاء، فدفع إلى كلّ واحدة منهن جزءا، ووضع الجزء الخامس بينهنّ. فقرأن أحسن قراءة، ثم أخذن الجزء الخامس فقرأت كلّ واحدة منهن ربع الجزء، ثم أخرجن صورة معهنّ في ثوب دبيقي، فبسطنها بينهنّ، فبكين عليها ودعون لها، ثم أخذن في النّوح، فقالت الأولى: [من الكامل المرفّل] خلس الزمان أعزّ مختلس ... ويد الزمان كثيرة الخلس لله هالكة فجعت بها ... ما كان أبعدها من الدّنس

стр. 3504

أتت البشارة والنعيّ معا ... يا قرب مأتمها من العرس ثم قالت الثانية: [من الكامل] ذهب الزمان بأنس نفسي عنوة ... وبقيت فردا ليس لي من مؤنس أودى بملك لو تفادى نفسها ... لفديتها ممّن أعزّ بأنفس ظلّت تكلّمني كلاما مطمعا ... لم أسترب منه بشيء مؤيس حتى إذ فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النّرجس وتسهّلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثّه بتنفّس جعل الرجاء مطامعي يأسا كما ... قطع الرجاء صحيفة المتلمّس ثم قالت الثلاثة: [من المنسرح] جرت على عهدها الليالي ... وأحدثت بعدها أمور فاعتضت بالناس منك صبرا ... فاعتدل اليأس والسرور فلست أرجو ولست أخشى ... ما أحدثت بعدك الدهور فليبلغ الدهر في مساتي ... فما عسى جهده يضير ثم قالت الرابعة: [من البسيط] علق نفيس من الدنيا فجعت به ... أفضى إليه الردى في حومة القدر ويح المنايا أما تنفكّ أسهمها ... معلّقات بصدر القوس والوتر يبلى الجديدان والأيام بالية ... والدهر يبلى وتبلى جدّة الحجر ثم قمن فقلن بصوت واحد: [من الرجز المجزوء] كنّا من المساعده ... كمثل نفس واحده فمات نصف نفسي ... حتى ثوى في الرّمس فما بقائي بعده ... وشطر نفسي عنده

стр. 3505

فهل سمعتم قبلي ... فيمن مضى بمثلي عاش بنصف روح ... في بدن صحيح ثم تنحّين وقلن لبعض الخدم: كم عندك منهم؟ قال: أربعة، قلن: ائت بهم. فلم ألبث إلا قليلا حتى طلع بقفص فيه أربعة غربان مكتّفين، فوضع القفص بين أيديهنّ، ودعون بعيدانهنّ، فأخذت كلّ واحدة منهنّ عودا وغنّت الأولى: [من الطويل] لعمري لقد صاح الغراب ببينهم ... فأوجع قلبي بالحديث الذي يبدي فقلت له أفصحت لا طرت بعدها ... بريش فهل للقلب ويحك من ردّ ثم أخذن واحدا من الغربان فنتفن ريشه حتى تركنه كأن لم يكن عليه ريش قطّ، ثم ضربنه بقضبان معهنّ لا أدري ما هي حتى قتلنه، ثم غنّت الثانية: [من المتقارب] أعانك والليل ملقي الجران ... غراب ينوح على غصن بان أحصّ الجناح شديد الصياح ... يبكّي بعينين ما تهملان وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني ثم أخذن الثاني فشددن في رجليه خيطين وباعدن بينهما ثم جعلن يقلن له: أتبكي بلا دمع، وتفرّق بين الأحباب والألاف، فمن أحقّ منكنّ بالقتل؟ ثم فعلن به مثل ما فعلن بصاحبه، ثم غنّت الثالثة [١] : [من الطويل] ألا يا غراب البين لونك شاحب ... وأنت بلوعات الفراق جدير فبيّن لنا ما قلت إذ أنت واقع ... وبيّن لنا ما قلت حين تطير فإن يك حقّا ما تقول فأصبحت ... همومك شتّى والجناح قصير
следующие страницы →