باطلا. فاندفعت فغنّيت هذا الصوت، ولم تزل تستعيده مرارا، ثم قالت: اسمعه الآن منّي، فغنّته غناء ما خرق سمعي مثله، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم قالت: يا فلانة، أحضري ما عندك، فأحضرت عشرين ألفا وعشرين ثوبا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين، ولن أبدأه بغناء غيره، وأخبره أنه من صنعتي، وأعطي الله عهدا لئن نطقت بأنّ لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ. فخرجت من عندها، وو الله إني لأكره جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت. فدخلت على المأمون في أوّل مجلس جلسه للهو بعدها، فبدأت به في أوّل ما غنّيت، فتغيّر لون المأمون وقال: من أين لك هذا؟ قلت: ولي الأمان على الصّدق؟ قال: ذلك لك.
فحدّثته الحديث، قال: يا بغيض! فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته وذكرت هذا منه مع الذي أخذت من العوض؟ فهجنتني والله منه هجنة وددت معها أني لم أذكره، فآليت أن لا أغنّيه بعدها أبدا.
«٨٠» - قالت عريب: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهديّ عند أخته عليّة وعندهما يعقوب، وكان من أحذق الناس بالزّمر، فبدأت عليّه فغنّت من صنعتها، وأخوها يعقوب يزمر عليها:
[من الطويل]
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تبصّر فإنّ حدّثت أن أخا الهوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحبّ
ذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب: [من البسيط]
стр. 3502
لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا كيف ينسى وجهك الحسن
قالت: فما سمعت مثل ما سمعت منهما قطّ، وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا.
«٨١» - قال محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد: سمعت أبي جعفرا وأنا صغير يحدّث يحيى بن خالد جدّي في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع هارون الرشيد قال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين وأقبل في حجر يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلنا جميعا، وأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس، فنقر الباب بيده نقرات، فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النّقر ثالثة، فغنّت جارية ما ظننت والله أن الله خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرّب. فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا: غنّي صوتي، فغنّت: [من الكامل]
ومخنّث شهد الزفاف وقبله ... غنّى الجواري [حاسرا] ومنقّبا
لبس الدّلال وقام ينقر دفّه ... نقرا أقرّ به العيون فأطربا
إنّ الجوار رأينه فعشقنه ... فشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا [١]
قال: فطربت والله طربا هممت والله أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنّي:
طال تكذيبي وتصديقي
فغنّت: [من المديد]
طال تكذيبي وتصديقي ... لم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا في الهوى غدروا ... ورأوا نقض المواثيق
стр. 3503
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإني أخاف أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا. فلما صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدي: هل عرفت هذه المرأة؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: هذه عليّة بنت المهدي، والله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّي يقول له: فقد والله لفظت به بين يدي أحد، وو الله ليقتلنّك! فاصنع ما أنت صانع.
«٨٢» - قال بعض البصريين: كنّا لمّة نجتمع ولا يفارق بعضنا بعضا. فكنّا على عدد أيام الجمعة كلّ يوم عند أحدنا، فضجرنا من المقام في المنازل، فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين. فخرجنا إلى بستان قريب منّا، فبينا نحن فيه إذ سمعنا ضجة راعتنا، فقلت للبستانيّ: ما هذا؟ فقال: هؤلاء نسوة لهنّ قصّة، فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال: العيان أكبر من الخبر، فقم حتى أريك وحدك. فقلت لأصحابي: أقسمت عليكم ألا يبرح أحد منكم حتى أعود. فنهضت وحدي فصعدت إلى موضع أشرف عليهنّ وأراهنّ ولا يرينني؛ فرأيت نسوة أربعا أحسن ما يكون من النساء وأشكلهنّ، ومعهن خدّام لهنّ وأشياء قد أصلحت من طعام وشراب وآلة. فلما اطمأنّ بهنّ المجلس جاء الخادم لهنّ معه خمسة أجزاء، فدفع إلى كلّ واحدة منهن جزءا، ووضع الجزء الخامس بينهنّ. فقرأن أحسن قراءة، ثم أخذن الجزء الخامس فقرأت كلّ واحدة منهن ربع الجزء، ثم أخرجن صورة معهنّ في ثوب دبيقي، فبسطنها بينهنّ، فبكين عليها ودعون لها، ثم أخذن في النّوح، فقالت الأولى:
[من الكامل المرفّل]
خلس الزمان أعزّ مختلس ... ويد الزمان كثيرة الخلس
لله هالكة فجعت بها ... ما كان أبعدها من الدّنس
стр. 3504
أتت البشارة والنعيّ معا ... يا قرب مأتمها من العرس
ثم قالت الثانية: [من الكامل]
ذهب الزمان بأنس نفسي عنوة ... وبقيت فردا ليس لي من مؤنس
أودى بملك لو تفادى نفسها ... لفديتها ممّن أعزّ بأنفس
ظلّت تكلّمني كلاما مطمعا ... لم أسترب منه بشيء مؤيس
حتى إذ فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النّرجس
وتسهّلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثّه بتنفّس
جعل الرجاء مطامعي يأسا كما ... قطع الرجاء صحيفة المتلمّس
ثم قالت الثلاثة: [من المنسرح]
جرت على عهدها الليالي ... وأحدثت بعدها أمور
فاعتضت بالناس منك صبرا ... فاعتدل اليأس والسرور
فلست أرجو ولست أخشى ... ما أحدثت بعدك الدهور
فليبلغ الدهر في مساتي ... فما عسى جهده يضير
ثم قالت الرابعة: [من البسيط]
علق نفيس من الدنيا فجعت به ... أفضى إليه الردى في حومة القدر
ويح المنايا أما تنفكّ أسهمها ... معلّقات بصدر القوس والوتر
يبلى الجديدان والأيام بالية ... والدهر يبلى وتبلى جدّة الحجر
ثم قمن فقلن بصوت واحد: [من الرجز المجزوء]
كنّا من المساعده ... كمثل نفس واحده
فمات نصف نفسي ... حتى ثوى في الرّمس
فما بقائي بعده ... وشطر نفسي عنده
стр. 3505
فهل سمعتم قبلي ... فيمن مضى بمثلي
عاش بنصف روح ... في بدن صحيح
ثم تنحّين وقلن لبعض الخدم: كم عندك منهم؟ قال: أربعة، قلن: ائت بهم. فلم ألبث إلا قليلا حتى طلع بقفص فيه أربعة غربان مكتّفين، فوضع القفص بين أيديهنّ، ودعون بعيدانهنّ، فأخذت كلّ واحدة منهنّ عودا وغنّت الأولى: [من الطويل]
لعمري لقد صاح الغراب ببينهم ... فأوجع قلبي بالحديث الذي يبدي
فقلت له أفصحت لا طرت بعدها ... بريش فهل للقلب ويحك من ردّ
ثم أخذن واحدا من الغربان فنتفن ريشه حتى تركنه كأن لم يكن عليه ريش قطّ، ثم ضربنه بقضبان معهنّ لا أدري ما هي حتى قتلنه، ثم غنّت الثانية:
[من المتقارب]
أعانك والليل ملقي الجران ... غراب ينوح على غصن بان
أحصّ الجناح شديد الصياح ... يبكّي بعينين ما تهملان
وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني
ثم أخذن الثاني فشددن في رجليه خيطين وباعدن بينهما ثم جعلن يقلن له:
أتبكي بلا دمع، وتفرّق بين الأحباب والألاف، فمن أحقّ منكنّ بالقتل؟ ثم فعلن به مثل ما فعلن بصاحبه، ثم غنّت الثالثة [١] : [من الطويل]
ألا يا غراب البين لونك شاحب ... وأنت بلوعات الفراق جدير
فبيّن لنا ما قلت إذ أنت واقع ... وبيّن لنا ما قلت حين تطير
فإن يك حقّا ما تقول فأصبحت ... همومك شتّى والجناح قصير
стр. 3506
ولا زلت مطرودا عديما لناصر ... كما ليس لي من ظالميّ نصير
ثم قالت له: أمّا الدعوة فقد استجيبت، ثم كسرت جناحيه وأمرت ففعل به مثل ذلك، ثم غنّت الرابعة [١] : [من الطويل]
عشيّة ما لي حيلة غير أنّني ... بلقط الحصى والخطّ في الدار مولع
أخطّ وأمحو كلّ ما قد خططته ... بدمعي والغربان في الدار وقّع
ثم قالت لأخواتها: أيّ قتلة أقتله؟ فقلن لها: علّقيه برجليه وشدّي في رأسه شيئا ثقيلا حتى يموت. ففعلت به ذلك، ثم وضعن عيدانهنّ ودعون بالغداء، فأكلن ودعون بالشراب فشربن، وجعلن كلّما شربن قدحا شربن للصورة مثله، وأخذن عيدانهنّ يغنّين، فغنّت الأولى كأنّها تودّع [٢] به: [من البسيط]
أبكى فراقهم عيني وأرّقها ... إنّ المحبّ على الأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتّى تفانوا وريب الدهر عدّاء
ثم غنّت الثانية [٣] : [من الطويل]
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
ثم غنّت الثالثة: [من الطويل]
سأبكي على ما فات منك صبابة ... وأندب أيام السّرور الذواهب
أحين دنا من كنت أرجو دنوّه ... رمتني عيون الناس من كلّ جانب
فأصبحت مرحوما وكنت محسّدا ... فصبرا على مكروه مرّ العواقب
стр. 3507
ثم غنّت الرابعة: [من الطويل]
سأفني بك الأيام حتى يسرّني ... بك الدهر أو تفنى حياتي مع الدّهر
عزاء وصبرا أسعداني على الهوى ... وأحمد ما جرّبت عاقبة الصّبر
ثم أخذت الصورة فعانقتها وبكت، وبكين ثم شكون إليها جميع ما كنّ فيه، ثم أمرن بالصورة فطويت، ففرقت أن يتفرّقن قبل أن أكلّمهن، فرفعت رأسي إليهنّ، فقلت:
لقد ظلمتنّ الغربان! فقالت إحداهنّ: لو قضيت حقّ السلام، وجعلته سببا للكلام، لأخبرناك بقصّة الغربان. قال قلت: إنّما أخبرتكنّ بالحقّ، قلن: وما الحقّ في هذا؟ وكيف ظلمناهنّ؟ قلت: إن الشاعر يقول: [من الكامل]
نعب الغراب برؤية الأحباب ... فلذاك صرت أحبّ كلّ غراب
قالت: صحّفت وأحلت المعنى؛ إنّما قال:
[نعب الغراب] بفرقة الأحباب ... فلذاك صرت عدوّ كلّ غراب
فقلت لهنّ: بالذي خصّكنّ بهذه المحاسن، وبحقّ صاحبة الصورة لما أخبرتنني بخبركنّ. قلن: لولا أنّك أقسمت علينا بحقّ من يجب علينا حقّه لما أخبرناك: كنّا صواحب مجتمعات على الألفة، لا تشرب واحدة منّا البارد دون صاحبتها، فاخترمت صاحبة الصورة من بيننا، فنحن نصنع في كلّ موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت، فأقسمنا أن نقتل في كلّ يوم نجتمع فيه ما وجدنا من الغربان لعلّة كانت. قلت: وما تلك العلّة؟ قلن: فرّقن بينها وبين آنس كان لها، ففارقت الحياة، وكانت تذمّهنّ عندنا وتأمر بقتلهنّ، فأقلّ ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان، ثم نهضن. ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت ثم طلبتهنّ بعد ذلك فما وقعت لهنّ على خبر ولا رأيت لهنّ أثرا.
стр. 3508
نوادر من هذا الباب
«٨٣» - قالت قينة يوما لأبي العيناء: وأنت أيضا يا أعمى!؟ فقال لها: ما أستعين على وجهك بشيء أصلح من العمى.
«٨٤» - وقال له مغنّ يوما: هل تذكر سالف معاشرتنا؟ فقال: إذ تغنّينا ونحن نستعفيك؟
«٨٥» - قال بعض أهل الحجاز: التقى قنديل الجصاص وأبو الجديد بشعب الصفراء، فقال قنديل، لأبي الجديد: من أين؟ وإلى أين؟ قال: مررت برقطاء الحبطيّة رائحة تترنّم برمل ابن سريج في شعر ابن عمارة السّلميّ: [من الطويل]
سقى مأزمي نجد إلى بئر خالد ... فوادي نصاع فالقرون إلى عمد
فزففت خلفها زفيف النعامة، فما انجلت غشاوتي إلا وأنا بالمشاش حسير، فأودعتها خافقي وخلّفته لديها، وأقبلت أهوي كالرّخمة بغير قلب. فقال له قنديل: ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك؛ سمعت شعر ابن عمارة، في غناء ابن سريج، من رقطاء الحبطيّة، لقد أوتيت جزءا من النبوّة! وكانت رقطاء هذه من أضرب الناس. فدخل رجل من أهل المدينة منزلها، فغنّته صوتا، فقال له بعض من حضر: هل رأيت وترا أطرب من وتر هذه؟! فطرب المدينيّ وقال عليه العهد إن لم يكن [وترها] من معى بشكست النحويّ، فكيف لا يكون فصيحا؟ وكان بشكست هذا نحويّا بالمدينة، وقيل من الشّراة الخارجين مع أبي حمزة الخارجيّ.
стр. 3509
«٨٦» - قال ابن عائشة، قال أشعب: قد قلت لكم، ولكنه لا يغني حذر من قدر: زوّجوا ابن عائشة من ربيحة الشّمّاسية يخرج لكم بينهما مزامير داود، فلم تفعلوا. وجعل يبكي والناس يضحكون منه.
٨٧- قال بعضهم: شهدت مجلسا فيه قينة تغنّي، فذهبت تتكلّف صيحة شديدة فانقطعت فصاحت من الخجل: اللصوص! فقال لها مخنّث كان في المجلس: والله يا زانية ما سرق من البيت شيء غير حلقك.
٨٨- قيل لعبادة المخنّث: من يصرف على ابن أبي العلاء؟ قال: ضرسه.
«٨٩» - قال ابن الجصّاص يوما لمغنّية: [من الطويل]
خليليّ قوما نصطبح بسماد [١]
فقالت له: إذا عزمت على هذا فاصطبح وحدك.
٩٠- قال الجمّاز قلت لمغنّ: غنّ، فقال: هذا أمر، قلت: فأحبّ أن تفعل، قال: هذه حاجة، قلت له: لا تفعل، قال: هذه عربدة.
٩١- وروي أنّ مدنيّا كان يصلّي منذ طلعت الشّمس إلى أن قارب النهار ينتصف، ومن ورائه رجل يتغنّى، وهما في مسجد رسول الله ﷺ ، فإذا رجل من الشّرط قد قبض على الرجل فقال: أترفع عقيرتك بالغناء في مسجد رسول الله ﷺ ! فأخذه، فانفتل المدينيّ من صلاته فلم يزل يطلبه حتى استنقذه، ثم أقبل عليه فقال: أتدري لم شفعت فيك؟ فقال: لا، ولكني إخالك رحمتني.
قال: إذن فلا رحمني الله، قال: فأحسبك عرفت قرابة بيننا. قال: إذن قطعها
стр. 3510
الله. قال: فليد تقدّمت منّي إليك، قال: لا والله ولا عرفتك قبلها. قال:
فخبّرني، قال: لأني سمعتك غنّيت آنفا فأقمت واوات معبد، أما والله لو أسأت التأدية لكنت أحد الأعوان عليك.
«٩٢» - رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدّشا فقال: من فعل هذا بك؟
قال: فلان. فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ضربا شديدا والرجل يقول: ما لك تضربني! أيّ شيء صنعت! وهو لا يجيبه حتى بلغ منه ثم خلاه، وأقبل على من حضر فقال: هذا أراد أن يكسر مزامير آل داود؛ شدّ على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.
«٩٣» - قيل: خرج ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه في شعر النابغة: [من الوافر]
أبعدك معقلا أبغي وحصنا ... قد اعيتني المعاقل والحصون
فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم [وبمثل] كارة القصّار ثيابا. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النّبيذ، فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغنّي، فدنا منه فقال: جعلت فداءك، أنت ابن عائشة أمّ المؤمنين؟ قال: لا أنا مولى لقريش وعائشة أمّي، وحسبك هذا ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة؟ قال: غنّيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وبهذه الكسوة. فقال: جعلت فداك! فهل تمنّ عليّ بأن تسمعني ما أسمعته إيّاه؟ فقال: ويلك! أمثلي يكلّم بهذا في الطريق! قال:
فما أصنع؟ قال: الحقني بالباب. وحرّك ابن عائشة ببغلة سفواء كانت تحته
стр. 3511
لينقطع عنه، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى أعياه، فقال لغلامه:
أدخله، فقال له: ويحك! من أين صبّك الله عليّ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء. فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال:
وما ذلك؟ قال: مائتا دينار، وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك. فقال له:
جعلت فداك! والله إن لي لبنيّة ما في أذنيها- علم الله- حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإنّ لي زوجة ما عليها- شهد الله- قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلّة والفقر اللّذين عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك لكان الصوت أحبّ إليّ. وكان ابن عائشة من تيهه لا يغنّي إلا لخليفة أو ذي قدر جليل، فتعجّب ابن عائشة منه ورحمه، ودعا بالدواة وجعل يغنّي مرتجلا، فغنّاه الصوت فطرب له طربا شديدا وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ أنّ عنقه سينقصف، ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا. وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه فجعل يغيب عن الحديث، ثم جدّ به الوليد فصدقه عنه.
فأمر بطلب الرجل، فطلب حتى أحضر ووصله صلة سنيّة وجعله في ندمائه وو كّله بالسّقي فلم يزل معه حتى قتل.
«٩٤» - غنّى علّويه يوما بحضرة إبراهيم الموصليّ: [من البسيط]
عمّيت أمري على أهلي فنمّ به
فقال: هذا الصوت معرق في العمى؛ الشعر لبشّار الأعمى، والغناء لأبي زكار الأعمى، وأوّل الصوت: عمّيت أمري.
«٩٥» - قال معبد: أرسل إليّ الوليد فأشخصت إليه، فبينا أنا ذات يوم في بعض حمّامات الشام إذ دخل عليّ رجل له هيبة ومعه غلمان، فاطّلى [واشتغل]
стр. 3512
به صاحب الحمّام عن سائر الناس، فقلت: والله لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكوننّ بمزجر الكلب. فاستدبرته بحيث يراني ويسمع مني ثم ترنّمت، فالتفت إليّ وقال للغلمان: قدّموا إليه جميع ما ههنا. فصار جميع ما كان بين يديه عندي، ثم سألني أن أصير معه إلى منزله، فلم يدع شيئا من البرّ والإكرام إلا فعله. ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى أحسن منه ولا يرتاح ولا يحفل لما يرى. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ فلما رآه هشّ إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغنّي:
سلّور في القدر ويحي علوه ... جاء القطّ أكله ويحي علوه
السّلور: السمك الجري بلغة أهل الشام. قال: فجعل صاحب المنزل يصفّق ويضرب برجله طربا وسرورا، ثم غنّاه:
وترميني حبيبة بالدّراقن ... وتحسبني حبيبة لا أراها
الدّراقن: الخوخ بلغة أهل الشام. قال: فكاد أن يخرج من جلده طربا. قال:
وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي، فما رأيت مثل ذلك اليوم قطّ غناء أضيع ولا شيخا أجهل! «٩٦» - قال خالد بن كلثوم: كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها، وهو من بني هاشم أحد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس منهم عطرّد وهو مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان مع الغناء قارئا مقبول الشهادة. فحضر جماعة من أهل المدينة عنده فتشفّعوا لعطرّد وأنّه من أهل الهيئة والمروءة والدّين، فدعا به وخلّى سبيله، وخرج وإذا هو بالمغنّين قد أخرجوا ليعرضوا، فعاد إليه عطرّد فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال: نعم، قال: فلا تظلمهم، فو الله ما أحسنوا منه شيئا
стр. 3513
قطّ! فضحك وخلّى عنهم.
«٩٧» - قال أشعب: دعي بالمغنّين للوليد بن يزيد، وكنت نازلا معهم فقلت للرسول: خذني فيهم، قال: لم أومر بذلك، إنّما أمرت بإحضار المغنّين وأنت بطّال لا تدخل في جملتهم. فقلت له: أنا والله أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنّيت، فقال: لقد سمعت حسنا ولكني أخاف. قلت: لا خوف عليك، ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟ قلت: كلّ ما أصيبه فلك شطره. فقال للجماعة: اشهدوا لي عليه، فشهدوا ومضينا فدخلنا على الوليد وهو لقس النّفس، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف، فلم يتحرّك ولا نشط، فقام الأبجر المغنّي إلى الخلاء وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره ولأي شيء هو خاثر، فقال له: بينه وبين امرأته شر لأنّه عشق أختها، فغضبت عليه وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف أن لا يذكرها أبدا بمراسلة ولا مخاطبة وخرج على هذه الحال من عندها. وعاد الأبجر وجلس فما استقرّ به المجلس حتى اندفع يغنّي: [من الطويل]
فبيني فإني لا أبالي وأيقني ... أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمي أني عزوف عن الهوى ... إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا
فطرب الوليد وارتاح وقال: أصبت والله يا عبيد ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر. قال أشعب: فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة سوط بحضرتك الساعة! فضحك ثم قال: قبّحك الله! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له: إنّه بدأني من المكروه أول يومه ما اتّصل إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها.
стр. 3514
فقال: لطفت، بل أعطوه مائة دينار وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب. فقبضتها وقمنا، وما حظي بشيء غيري وغير الأبجر.
«٩٨» - قال يزيد بن عبد الملك لحبابة: هل رأيت قطّ أطرب منّي؟ قالت:
نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيّدا، فلما عرف خبر وصوله أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيوده، فأمرها أن تغنّي، فغنّت:
[من المتقارب]
تشطّ غدا دار جيراننا ... وللدّار بعد غد أبعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزّنا، فضحك يزيد وقال: لعمري إن هذا مما يطرب الناس، وأمر بحلّ قيوده، ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة، وردّه إلى المدينة.
«٩٩» - قال محمد بن إبراهيم: كنت عند مخارق أنا وهارون بن أحمد بن هشام، فلعب مع هارون [بالنّرد] فقمره مخارق مائتي رطل باقلا طريّا. فقال مخارق: وأنتم عندي أطعمكم من لحم جزور من الصناعة- من صناعة أبيه- يحيى بن فارس الجزّار. قال: ومرّ بهارون بن أحمد فصيل ينادى عليه، فاشتراه بأربعة دنانير ووجّه إلى مخارق وقال: يكون ما تطعمنا من هذا الفصيل.
فاجتمعنا وطبخ مخارق بيده جزوريّة، وعمل من سنامه وكبده ولحمه ضفائر شويت في التنور، وعمل من لحمه لونا يشبه الهريسة بشعير مقشّر في نهاية الطيب. فأكلنا وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح من الشّطّ: يا أبا المهنّا، الله الله فيّ! حلف زوجي بالطلاق أن يسمع غناءك ويشرب عليه. قال: فجيئي به، فجاء فجلس فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال له: يا سيّدي، كنت
стр. 3515
سمعت صوتا من صنعتك، فطربت عليه حتى استخفّني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بإيجابك حقّ زوجتي، وكانت زوجته داية هارون بن مخارق، فقال: وما هو الصوت؟ فقال: [من الكامل المرفّل]
بكرت عليّ وهيّجت وجدا ... هوج الرّياح فأذكرت نجدا
أتحنّ من شوق إذا ذكرت ... نجد وأنت تركتها عمدا
والشعر لحسين بن مطير. فغنّاه إيّاه وسقاه رطلا وأمره بالانصراف ونهاه أن يعاود، وخرج فما لبث أن عادت المرأة تصرخ: الله الله يا أبا المهنّا! قد أعاد زوجي المشؤوم اليمين أنك تغنّيه صوتا آخر. فقال لها: أحضريه، وقال:
ويلك! ما لي ولك؟ أيّ شيء قصّتك؟ فقال: يا سيّدي، أنا رجل طروب، وقد كنت سمعت صوتا لك آخر فاستفزّني الطرب إلى أن حلفت بالطلاق ثلاثا أنّي أسمعه منك. قال: وما هو؟ قال: لحنك في [١] : [من البسيط]
أبلغ سلامة أنّ البين قد أفدا ... وأن صحبك عنها رائحون غدا
هذا الفراق يقينا إن صبرت له ... أو لا فإنّك منها ميّت كمدا
لا شكّ أنّ الذي بي سوف يهلكني ... إن كان لله حب بعدها أبدا [٢]
فغنّاه إيّاه مخارق وسقاه رطلا وقال له: احذر أن تعاود. وانصرف فلم يلبث أن عاودت [المرأة] الصّراخ تصرخ: يا سيّدي قد عاود اليمين ثالثة، الله الله فيّ وفي أولادي! قال: هاتيه، فأحضرته. فقال لها: انصرفي أنت، فإنّ هذا كلّما انصرف حلف وعاد، فدعيه يقيم يومه كلّه، فتركته وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصّتك أيضا؟ قال: قد عرّفتك أني طروب، وكنت سمعت صوتا من صنعتك استخفّني الطرب له، فحلفت أني أسمعه منك، قال: وما هو؟ قال:
стр. 3516
[من الرمل المجزوء]
ألف الظّبي بعادي ... ونفى الهمّ رقادي
وعدا الهجر على الوص ... ل بأسياف حداد
قل لمن زيّف ودّي ... لست أهلا لودادي
قال: فغنّاه إيّاه وسقاه رطلا ثم قال: يا غلام، مقارع! فجيء بها فأمر به فبطح وأمر بضربه، فضرب خمسين مقرعة وهو يستغيث ولا يكلّمه، ثم قال له:
احلف بالطلاق ثلاثا أنّك لا تذكرني أبدا، وإلا كان هذا دأبك إلى الليل.
فحلف بالطلاق ثلاثا على ما أمره به، ثم أقيم فأخرج من الدار، وجعلنا نضحك بقيّة يومنا من حمقه.
«١٠٠» - حجّ مخارق، فلما قضى الحجّ وعاد قال له رجل: بحقّي عليك غنّني صوتا، فغنّاه: [من الطويل]
رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبوا ... ففاضت لروعات الفراق عيون
فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجّتي له.
«١٠١» - قال إبراهيم بن المهدي: مطرنا ونحن بالرّقّة مع الرشيد فاتّصل المطر من الفجر إلى غد ذلك اليوم، وعرفنا خبر الرشيد وأنه مقيم عند أمّ ولده المسمّاة بسحر، فتشاغلنا في منازلنا. فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد فحضرنا جميعا، وأقبل يسأل كلّ واحد منا عن يومه الماضي وما صنع فيه فنخبره، إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى، فسأله عن خبره، فقال له: كان عندي أبو زكار الأعمى وأبو صدقة، وكان أبو زكار كلّما غنّى صوتا لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة، فإذا انتهى الدّور إليه أعاده، وحكى أبا زكار فيه وفي شمائله وحركاته،
стр. 3517
ويفطن أبو زكّار لذلك فيجنّ ويموت غيظا، ويشتم أبا صدقة كل شتم حتى ضجر وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به، وأنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشرب وسئمنا من عبثه به، فقلت له: دع هذا عنك، وغنّ غناءك، فغنّى رملا ذكر أنّه من صنعته، فطربت له والله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين وزمان، وهو: [من الخفيف]
فتنتني بفاحم اللون جعد ... وبثغر كأنّه نظم درّ
وبوجه كأنه طلعة البد ... ر وعين في طرفها نفث سحر
فقلت له: أحسنت والله يا أبا صدقة! [فلم أسكت] من هذه الكلمة حتى قال لي: يا سيّدي، إني قد بنيت دارا أنفقت عليها خزينتي، وما أعددت لها فرشا، فافرشها لي نجّد الله لك في الجنة ألف قصر. فتغافلت عنه، وعاود الغناء، فتعمّدت أن قلت: أحسنت ليعاود مسألتي، وأتغافل عنه؛ فسألني وتغافلت، فقال: يا سيّدي، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك بالله وبحقّ أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم. فأقبلت عليه وقلت: أنت والله بغيض، اسكت يا بغيض واكفف عن هذه المسألة الملحفة. فوثب من بين يديّ، فقلت خرج لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرّد منها خوفا من أن تبتلّ، ووقف تحت السماء ولا يواريه منها شيء والمطر يأخذه، ورفع رأسه وقال: يا ربّ، أنت تعلم أني مله ولست نائحا، وعبدك الذي قد رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي: أحسنت، ولا يقول لي: أسأت، وأنا منذ جلست أقول له بنيت ولا أقول هدمت، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض، فاحكم بيني وبينه يا سيّدي، فأنت خير الحاكمين. فأمرت به فنحّي بعد أن غلبني الضحك، واجتهدت أن يغنّي فامتنع، حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها فقال له الرشيد: طيّب والله! الآن ثمّ لنا به [اللهو] وهو ذا، ادعوه، فإذا رآك فسوف يتنجّزك الفرش لأنّك حلفت له بحياتي، فهو يقتضيك ذاك
стр. 3518
بحضرتي ليكون أوثق له، فقل له: أنا أفرشها بالبواري، وحاكمه إليّ. ثم دعي به فأحضر، فلما استقرّ في مجلسه قال لجعفر بن يحيى: الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري تقدّم به. فقال له جعفر: اختر، إن شئت فرشتها لك بالبواري، وإن شئت بالبرديّ من الحصر. فصيّح واضطرب، فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فأخبره، فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسمّ [النوع] ولم تحدّد القيمة، فإذا فرشها بالبواري أو بما دون ذلك فقد وفّى بيمينه، وإنّما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثّقت وضيّعت حقّك. فسكت وقال: نوفّر أيضا البرديّ والبواري عليه، أعزّه الله تعالى. وغنّى المغنّون حتى انتهى الدّور إليه فأخذ يغنّي غناء الملّاحين والبنّائين والسّقّائين وما جرى مجراه من الغناء، فقال له الرشيد: أيّ شيء هذا الغناء؟ ويلك! قال: من فرش داره بالبواري والبرديّ فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضا لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفّق ثم أمر له بألف دينار من ماله وقال له: افرش دارك بهذه، فقال: [وحياتك] لا آخذها يا سيّدي أو تحكم لي على جعفر بما وعدني، وإلا متّ والله أسفا لفوت ما حصل في طمعي ووعدت به. فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار فقبلها جعفر وأمر له بها.
«١٠٢» - كان خليلان أديبا يعلم الصبيان الخطّ والقرآن، وكان مغنّيا مجيدا. فحدّث من حضره قال: كنت يوما عنده وهو يردّ على صبيّ يقرأ بين يديه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
(لقمان: ٦) ثم يلتفت إلى صبيّة فيردّ عليها: [من السريع]
عاد لهذا القلب بلباله ... إذ قرّبت للبين أجماله
فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله، فالتفت إليّ فقلت: ويلك ما لك! أتنكر
стр. 3519
ضحكي مما تفعل؟ والله ما سبقك إلى هذا أحد. ثم قلت: انظر أي شيء أخذت على الصبيّ من القرآن، وأيّ شيء تلقي على الصبية، وإني لأظنّك ممّن يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله. فقال: أرجو أن لا أكون كذلك إن شاء الله.
١٠٣- شهد رجل من قريش عند محمد بن سعد قاضي المدينة، فأقبل على المشهود له فقال: زدني شاهدا، فقال الشاهد: وحقّ القبر والمنبر لا أقوم حتى يعلم الناس أظالم أنا أم مظلوم، علام تردّ شهادتي!؟ قال: أخبرك: أرأيت يوم كنّا عند فلان فغنّتنا [....] فقلت لها: أحسنت والله الذي لا إله إلا هو! والله يعلم أنّها لم تحسن ولم تجمل. فقال: أنشدك الله أيها القاضي، أقلت ذلك لها وهي تغنّي أم بعد ما سكتت؟ فقال: اللهمّ بعد ما سكتت، قال: فإنّما قلت ذلك لسكوتها حين سكتت لا لغنائها، قال: آلله، أجيزوا شهادته.
١٠٤- وقال إبراهيم الموصليّ: كان عندنا بالموصل مغنّ يغنّي بنصف درهم ويسكت بدرهم.
١٠٥- كتب علي بن نصر الكاتب إلى بعض إخوانه يصف دعوة رسالة فيها:
فكان أوّل ما خوّلنيه الدخول إلى حمّامه، فلقيت من ضرّه وزمهريره ما حبّب إليّ النار وزفيرها، والجحيم وسعيرها، وثنّى إحسانه بخيش يلفح الوجوه، وأتى الغداء المأدوم بشجر الزقّوم، والماء المحدوم بريح السّموم، فأكلنا وقد أكلنا بين سنّور يسلب وزنبور يلسب، وبقّ يلدغ، وحرّ يدمغ، وأنا في أثناء ذلك أستعيذ من شرّته، وأفرق من ثورته، وأنعت كلّ بليّة أقاسيها، بصفة من المحاسن ليست فيها. ومضينا إلى مجلس قد غبّ ريحانه، وأكبّ دخانه، وتراكب ضبابه، وانصبّ ذبابه، وكدر نبيذه، وكثر وقيذه، وضاق مجاله، وعدمت أبقاله، ولفحت هواجره، ودارت دوائره، والأنفاس فيه محبوسة، والأرواح معه معكوسة، واللذات منه بعيدة، والحسرات فيه شديدة. وإنّا لكذلك في عظم
стр. 3520
البلاء، وتفاقم اللّأواء، حتى وافانا الداء العياء، والداهية الصمّاء، ذو ذقن أثطّ، ورأس أشمط، وفم أدرد، ولسان يرعد، وطنبور أتت عليه الدهور ولم يبق منه إلا الخيال، لو نقر لا نهال بريشة من نسر لقمان، أو عهد ثمود بن كنعان، فاندفع يغنّي لأبينا آدم ﵇: [من الوافر]
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
فرأيت أسمج منظر في أقبح مخبر، لا يشبهها نوبة الحمّى، ولا تشاكلها طلقة الحبلى، وقطّع وقد قطّع القلوب، وأمسك وقد أمسكت الأرزاق عن النّزول.
قلت: من هذا الشيخ الشادي المتفنّن؟ قال: وجه البضاعة، وشيخ الصناعة، المعروف بغلام البنج. فما كان غير بعيد حتى برز شيخ كوسج، همّ أعرج، أخنى عليه الذي أخنى على لبد، فأقبل متبخترا، وسلّم متذمّرا، وأظهر أنّ فيه بقيّة حسنة يرغب في مثلها، وأنّه غرض لما يسام من بذلها، وألفيت صاحب الدار والديوان- أصلحه الله- قد استبشر بحضوره، وكاد يمنّ علينا بوروده، واندفع يغنّي: [من الطويل]
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فقلت: ما هذا العجب التالي؟ والتغريد الثاني؟ فقال: هل بالشمس من خفاء؟
ودون البدر من ستر؟ هذا زعيم الكوارين، ومتقدّم داسة الطين، المعروف بقسمون البغداديّ. قلت: ليت قسمي من الدنيا بعده، وحظّي من الأيام فقده، إلا أنّ النّوبة كانت أخفّ وقعا، وأقرب لذعا. ثم تلاهما أدبر منهما وأنحس وأشأم جدا وأتعس؛ سقيم يعرف بغلام نسيم، فجلس وقد فارق النفس، وأخذ في شيء من رنينه، وضعف الآلة وتأبينه، معتذرا من تقبيحه بعد الإحسان، باذلا من قبحه الغناء بغاية الإمكان. فحملنا أمره، وبسطنا عذره، فكان ممّا غنّاه ما وافق سقمه وضناه: [من الرجز]
стр. 3521
إنّ الجديدين إذا ما استوليا ... على جديد أدنياه للبلى
وقام وقد ثاوره الحمام، لا أقال الله له عثرة، ولا رحم منه شعرة، فرأيت التساكر أبلغ حيلة أعملها، وحبالة أنصبها، فبدأت في ضرب منه، وصديقنا- أصلحه الله- يقول: كدّرت علينا بعد صفوته، ورنّقته بعد رقّته، وهل ههنا محتشم، وهذا وقت يغتنم، وحتى متى يمكن تجاوز هذه الأغاني، وتجاوب هذه المثالث والمثاني، وأنا أغطّ غطيط البكر شدّ خناقه، حتى [أخذه] اليأس من فلاحي، وأجمع الناس على رواحي، فحملت وأعضائي لا تستقلّ بي، حتى إذا صرت قيد شبر من الباب، شددت شدّ الحيّة المنساب، فلم يدرك أثري، ولم يعلم إلى الآن خبري.
١٠٦- قال رجل لآخر: غنّني صوت كذا، وبعده صوت كذا، فقال:
أراك لا تقترح صوتا إلا بوليّ عهد.
«١٠٧» - ابن الراوندي: اختلف الناس في السماع، فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول: إنّه واجب.
«١٠٨» - كان لبعض الظرفاء جاريتان مغنّيتان، حاذفة ومتخلّفة، وكان يخرق [ثوبه] إذا غنّت الحاذقة، فإذا غنّت الأخرى قعد يخيطه.
١٠٩- قيل لمخنّث: أيّ الأصوات أحبّ إليك؟ قال: نشنشة القليّة، وقرقرة القنّينة، وحفحفة الخوان، وفشفشة التكّة.
«١١٠» - قال حكم الوادي: كنت أنا وجماعة نتعلّم من معبد، فغنّى لنا صوتا أعجب به، وكنت أنا أوّل من أخذه عنه في ذلك اليوم، فاستحسنه مني، فأعجبتني نفسي، فلما انصرفت عملت فيه من عند نفسي لحنا آخر، وبكّرت
стр. 3522
عليه فغنّيته ذلك اللّحن، فوجم ساعة ثم قال: كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح.
«١١١» - قال الرشيد لبرصوما الزامر: ما تقول في ابن جامع؟ فحرّك رأسه وقال: إن مات ذهب الغناء، فلا تفارقه فإنه كالخمر العتيق ينسف الرجلين نسفا. قال: فإبراهيم؟ قال: بستان فيه كمّثرى وخوخ وتفّاح وشوك، وخرنوب. قال: فسليم بن سلام؟ قال: ما أحسن خضابه! قال: فعمرو الغزّال؟ قال: ما أحسن شبابه! ١١٢- قال: تزوّج مغنّ بنائحة فسمعها تقول: اللهمّ وسّع علينا في الرّزق، فقال: يا هذه، إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك؛ إن كان فرح دعوني، وإن كان حزن دعوك.
يتلوه باب المؤاكلة والتطفّل وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
стр. 3523
الباب السّادس والاربعون في المؤاكلة والنهم والتطفل وأخبار الأكلة والمآكل
стр. 3524
[خطبة الباب]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله منزل الرزق من السماء، وجاعل كلّ شيء حيّ من الماء، الذي أحلّ الزينة لعباده والطيّبات، فكانت تكرمة خالصة للمؤمنين والمؤمنات، ونعى على محرّمها سوء فعله، وأباحناها تكرمة من فضله. أحمده على جزيل عطائه، وأستزيده من أنعمه وآلائه، وأسأله تيسير المطالب وتهيئتها، وحسن التجاوز عن الرّتعة في غرور النعمة وبلهنيتها. والصلاة على رسوله الذي رفض الدنيا وقد أوتي مفاتيح ذخائرها ومناعمها، وأعرض إعراض الآنف من زخارفها ومطاعمها، واختار أن يجوع يوما فيفوز بفضل الصّبر، ويشبع يوما [فيبلغ] درجة الشكر، وعلى آله وأصحابه الذين تمكّنوا من طيّبات الأرض فعافوها، وحيزت لهم كنوزها فتجافوها.
стр. 3525
[فصول الباب]
(الباب السادس والأربعون ما جاء في المؤاكلة والتطفّل) وهو ستّة فصول:
- الفصل الأول: آداب الأكل والمؤاكلة- الفصل الثاني: الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها- الفصل الثالث: الجشع والنّهم وأخبار الأكلة- الفصل الرابع: التطفّل وأخبار الطفيليّين- الفصل الخامس: أوصاف الأطعمة وفنونها- الفصل السادس: نوادر من هذا الباب
стр. 3526
الفصل الأول آداب الأكل والمؤاكلة
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
(البقرة: ١٧٢) . المعنى: كلوا من الطيّب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال لكان على معنى: دون الحرام، وهذا بيّن في كلّ ما له ضدّ.
«١١٣» - روي أنّ داود ﵇ أمر مناديه فنادى: أيّها الناس، اجتمعوا لأعلّمكم التّقوى، فاجتمع الناس، فقام في محرابه فبكى، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، لا تدخلوا ههنا إلا طيّبا ولا تخرجوا منه إلا طيّبا، وأشار إلى فيه.
١١٤- قال تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(البقرة: ١٧٣) . فالميتة ما فارقته الروح بغير تذكية ممّا أبيح أكله بالتّذكية.
ويخرج من هذا دوابّ البحر والجراد بالسّنّة. والدم هو الدم المسفوح دون دم الكبد والطّحال بدلالة قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
(الأنعام: ١٤٥) .
والإهلال بالذبيحة: رفع الصوت بالتسمية، وكان المشركون يسمّون الأوثان، والمسلمون يسمّون الله . وأصل الإهلال: الصوت، ومنه يقال: استهلّ الصبيّ إذا صاح حين تضعه أمّه، ومنه إهلال المحرم بالحجّ إذا لبّى.
стр. 3527
فأوّل آداب الأكل معرفة الحلال من الحرام، والخبيث من الطيّب. وهذا نوع يطول إن أريد استقصاؤه، وهو بغير هذا الكلام أليق.
فأما الأدب في هيئة المؤاكلة وأفعالها، فأنا ذاكر منها ما يحضرني.
«١١٥» - قال أبو هريرة: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه [أكله] وإلا تركه.
«١١٦» - وقال ﷺ : لا تشمّوا الطعام كما تشمّه البهائم، من اشتهى شيئا فليأكل، ومن كره فليدع.
«١١٧» - قال أنس: قدم النبيّ ﷺ المدينة وأنا ابن عشرة، ودخل [علينا دارنا] [١] فحلبنا له شاة فشرب وأبو بكر عن يساره وأعرابيّ عن يمينه، فقال عمر: أعط أبا بكر، فقال ﵊: لا، الأيمن فالأيمن.
وفي معنى هذا الخبر قال الشاعر: [من الوافر]
وكان الكاس مجراها اليمينا
«١١٨» - وفي حديث عكراش بن ذؤيب قال: أتيت النبيّ ﷺ بصدقات مرّة بن عبيد، فقدمت عليه إلى المدينة بإبل كأنّها عروق الأرطى، فأمر بها فوسمت بميسم الصدقة، ثم أخذ بيدي في نواحيها، فأكل رسول الله ﷺ ما بين يديه، وقبض على يدي بيده اليسرى ثم قال: يا عكراش، كل من موضع واحد، فإنّه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه ألوان من رطب، فجعلت آكل من بين
стр. 3528
يديّ فقال: كل من حيث شئت، فإنّه غير لون واحد، ثم أتي بماء فغسل يديه ووجهه وذراعيه ببلل كفّيه وقال: هذا الوضوء ممّا غيّرت النار.
«١١٩» - وعن أنس أنّه رأى النبيّ ﷺ شرب جرعة ثم قطع، ثم سمّى ثمّ شرب جرعة ثم قطع، ثم سمّى ثم شرب جرعة ثم قطع ثم سمّى ثم قطع الثالثة ثم جرع مصّا حتى فرغ، فلما فرغ حمد الله.
«١٢٠» - وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنّه ينفي الفقر، وبعده ينفي اللّمم. ومن السّنّة البداية باسم الله وحمده سبحانه عند الانتهاء.
«١٢١» - وقال عمر بن أبي سلمة: [مررت] بالنبيّ ﷺ وهو يأكل فقال:
اجلس يا بنيّ وسمّ الله، وكل بيمينك ممّا يليك.
١٢١ أ- قال بعض السلف: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل كلّ شيء من شأنه: إذا كان حلالا، وذكر اسم الله عليه، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله حين يفرغ منه.
«١٢٢» - وفي حديث النبيّ ﷺ : من قال عند مطعمه ومشربه باسم الله خير الأسماء، ربّ الأرض والسماء، لم يضرّه ما أكل وما شرب.
«١٢٣» - وفي حديث عائشة عنه ﷺ قال: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي في أوّله فليقل: بسم الله في أوّله وآخره.
«١٢٤» - قال ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب
стр. 3529
بيمينه فإنّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» . وحملوا هذا الكلام على وجهين: أحدهما التشبّه بالشياطين، والآخر أن تكون الهاء ضميرا للآكل الشارب، يريد أنّ الشيطان يشركه في طعامه وشرابه إذا تناولهما بشماله.
«١٢٥» - قال الجارود بن أبي سبرة: قال لي بلال بن أبي بردة: أتحضر طعام هذا الشّيخ؟ يعني عبد الأعلى بن عامر بن كريز، قلت: إيها، قال: فحدّثني عنه، قلت: نأتيه فإن سكتنا أحسن [الحديث] [١] ، وإن حدّثنا أحسن الاستماع، فإذا حضر الغداء جاء قهرمانه فتمثّل بين يديه فقال: عندي بطّة كذا، ودجاجة كذا، ولون كذا، لكي [يحبس] كلّ امرىء نفسه لما تشتهي، فإذا وضع الخوان خوّى [٢] تخوية الظليم فما له إلا موضع متّكئه، فيجدّ القوم ويهزلوا، حتى إذا رآهم قد فتروا أكل أكل الجائع لينشّطهم بأكله.
١٢٦- وروي أن الحسن بن عليّ ﵉ مرّ على مساكين وهم يأكلون كسرا لهم على كساء، فسلّم فقالوا: يا أبا عبد الله، الغداء، فنزل وأكل معهم وقرأ: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
(النحل: ٢٣) . ثم قال لهم: [قد أجبتكم] فأجيبوني. فانطلقوا، فلما أتى المنزل قال: يا رباب، أخرجي ما كنت تدّخرين.
١٢٧- قال العتبيّ: كان زياد يغدي ويعشّي إلا يوم الجمعة، فإنه كان يعشي ولا يغدّي، وكان لا يطعم طعاما إلا مع العامة، فأتاه يوما مولاه بشهدة فوضعها على المائدة، فأمسك لتؤتى العامة بمثلها، فلما أبطأ قال: ما هذه؟ قال: لم يكن عندنا ما يشبع العامة، فأمر بها فرفعت ثم لم تعد حتى
стр. 3530
وضعوا للعامة مثلها.
«١٢٨» - وروي أنّ المسيح ﵇ كان إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا فاصنعوا بالفقراء.
«١٢٩» - ووصف شاعر قوما فقال: [من الوافر]
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألمّ فهم وقوف
«١٣٠» - قال سهل بن حصين: شهدت الحسن في وليمة، فطعم ثم قام فقال: مدّ الله لكم في العافية، وأوسع عليكم في الرزق، واستعملكم بالشّكر.
«١٣١» - وقال رسول الله ﷺ : تخلّلوا فإنه نظافة، والنظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة.
«١٣٢» - وفي حديث عمر ﵁: عليكم بالخشبتين، يعني السّواك والخلال.
١٣٣- وقال أبو هريرة: السواك بعد الطعام [يزيل] وضر الطعام.
«١٣٤» - كان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه على الطعام: يا بنيّ، عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين. إن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة.
«١٣٥» - وقال بعض الكتّاب: تغدّيت مع المأمون فالتفت إليّ وقال:
خلال قبيحة عند الجلوس على المائدة: كثرة مسح اليد، والانكباب على
стр. 3531
الطعام، وكثرة أكل البقل. ومعنى ذمّه هذه الخلال الثلاث: أما كره مسح اليد فإنّما هو من تغمّرها بالطعام وكثرة التباسها به، وأمّا الانكباب فيدلّ على شدّة الحرص والشّره والنّهم، ومنه قول الشاعر يهجو طفيليّا: [من الطويل]
لقد سترت منك الخوان عمامة ... دجوجية ظلماؤها ليس تقلع
وأما البقل فإنّ الحاجة إلى البلغة منه، وفي الإكثار منه تشبّه بالبهائم لأنّه مرعى لها.
١٣٦- قال النبي ﷺ : إذا أتي أحدكم بطعام فليدع من حوله.
١٣٧- قال حكيم: ثلاث في مباكرة الغداء: تطيّب النكهة، وتطفىء المرّة، وتعين على المروءة.
١٣٨- ويروى أن رجلا دخل على الشعبيّ بكرة وبين يديه [ ... ] فقال:
ما هذا يا أبا عمرو؟ قال: آخذ حلمي قبل أن أخرج.
«١٣٩» - وفي حديث أبي حجيفة قال: أكلت ثريدا ولحما ثم جئت فجلست حيال رسول الله ﷺ وآله وصحبه، فجعلت أتجشّأ، فقال ﵇: أقصر من جشائك! فإنّ أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة. قيل: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى قبضه الله.
«١٤٠» - وقيل لسمرة بن جندب: كاد ابنك يموت الليلة! قال: ولم؟
قال: بشم للطعام، قال: لو مات ما صلّيت عليه.
«١٤١» - وقال لقمان لابنه: يا بنيّ، لا تأكلنّ شبعا على شبع، فلأن تنبذه للكلب خير لك.
стр. 3532
«١٤٢» - وقال ﵊: البطنة مفسدة للقلب.
«١٤٣» - وقال أيضا: البطنة تذهب الفطنة.
«١٤٤» - وكانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهما شرها حريصا على المطعم أخرجوه من طبقة الجدّ إلى باب الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار والتصغير، وكانوا يقولون: من شره بين يدي الملوك إلى الطعام، كان إلى أموال السّوقة والرعيّة أشدّ شرها.
١٤٥- وحكي أن رجلا من بني هاشم دخل على المنصور فاستجلسه، ودعا بغدائه وقال للفتى: ادنه، فقال: قد تغدّيت، فلما خرج استخفّ به الربيع [ ... ] [١] لما قفاه وقال: هذا كان يسلّم وينصرف، فلما استدناه أمير المؤمنين ودعاه إلى طعامه وتبذّل بين يديه، بلغ من جهله بفضيلة المنزلة أن قال: قد تغدّيت، وإذا ليس عنده لمن تغدّى مع أمير المؤمنين إلا سدّ خلّة الجوع.
١٤٦- وذكر أنّ عمرو بن العاص دخل على معاوية وهو يتغدّى، فقال:
هلمّ يا عمرو، قال: هنيئا يا أمير المؤمنين، أكلت آنفا، فقال معاوية: أما علمت أنّ من شراهة المرء أن لا يدع في بطنه فضلا؟ قال: قد فعلت، قال: ويحك، فتركته لمن هو أوجب عليك حقّا من أمير المؤمنين! قال: لا ولكن لمن لا يعذر عذر أمير المؤمنين. قال: فلا أراك إلا قد ضيّعت حقّا لحقّ لعلّك لا تدركه، فقال عمرو: ما لقيت منك يا معاوية! ثم دنا فأكل.
«١٤٧» - وفي حديث آخر أن عبد الملك بن مروان دعا رجلا إلى الغداء، فقال:
стр. 3533
ليس بي هواء، فقال: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون فيه مستزاد! فقال:
عندي مستزاد، وإنّما أكره أن أصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين.
«١٤٨» - وفي حديث أسماء بنت زيد قالت: دخلنا على النبيّ ﷺ ، فأتي بطعام، فعرض علينا، فقلنا: ما نشتهي، قال: لا تجمعن [جوعا] وكذبا.
«١٤٩» - قيل: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب.
١٥٠- حضر أبو الهذيل على مائدة المعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لا يستحي من الحقّ؛ غلامي وحماري بالباب. فقال المعتصم لإيتاخ الحاجب: مر لحمار أبي الهذيل بعلف ولغلامه بطعام. فقال أحمد بن أبي دواد: ألا ترى يا أمير المؤمنين إلى متانة دين هذا الشيخ وتفقّده لما يلزمه؟ لم يمنعه جلالة مجلسك عمّا يجب لله عليه في حماره وغلامه، فجعل أحمد ما قدّره الناس محوجا إلى الاعتذار منه شهادة له بالفضل.
١٥١- قال المأمون: ثنتان لا [تحسنان] على موائد الملوك: نكت المخّ، وكثرة أكل البقل.
١٥٢- حثّ رجل رجلا على الأكل من طعامه قال: عليك [تقريب] الطعام، وعلينا تأديب الأجسام.
«١٥٣» - قيل لحكيم: أيّ الأوقات أحمد للأكل؟ قال: أمّا من قدر فإذا اشتهى، وأمّا من لم يقدر فإذا وجد.
стр. 3534
الفصل الثاني الاقتصاد في المطاعم والعفّة عنها
١٥٤- قال الله وقوله الصّدق وإذنه الحقّ: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
(الأعراف: ٣١) .
«١٥٥» - وفي الحديث أن النبيّ ﷺ قال: «من زاره أخوه المسلم فقرّب إليه ما تيسّر غفر له وجعل في طعامه البركة، ومن قرّب إليه ما تيسّر فاستحقر ذلك كان في مقت الله حتى يخرج» .
«١٥٦» - وقالت عائشة: أولم النبيّ ﷺ على بعض نسائه بمدّين من شعير.
«١٥٧» - وقال أنس: أولم النبيّ ﷺ على صفية بتمر وسويق.
«١٥٨» - وقيل كان عيسى بن مريم ﵇ يقول: اعملوا ولا تعملوا لبطونكم. وإيّاكم وفضول الدنيا، فإنّ فضولها رجز. هذه طير السماء تغدو وتروح وليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرثوا والله يرزقها.
١٥٩- قال السائب بن زيد: ربّما تعشّيت عند عمر بن الخطاب، فيأكل الخبز واللّحم، ثم يمسح يده على قدميه ويقول: هذا منديل عمر بن الخطّاب.
«١٦٠» - وروي أنّ علي بن أبي طالب ﵇ كان يفطر ليلة عند
стр. 3535
الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على ليلتين أو ثلاث. قيل له: إنّما هي أيام قلائل، فقال: يأتي أمر الله وأنا خميص. فقتل من ليلته.
«١٦١» - قال رسول الله ﷺ : «إنّما أخشى عليكم شهوات بطونكم ومضلات الهوى» . وفي خبر آخر: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطون والفروج، والغفلة بعد المعرفة» .
«١٦٢» - وقال ﷺ : «ما ملأ آدميّ وعاء أنتن من البطن، بحسب المرء من طعمه ما أقام صلبه، أما إذا أبيت، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس» .
«١٦٣» - وقال ﷺ : «من قلّ طعمه، صحّ بدنه، وصفا قلبه، ومن كثر طعمه، سقم جسمه، وقسا قلبه» .
«١٦٤» - وقال ابن عباس: سمعت سلمان الفارسيّ- وأكره على طعام- قال: حسبي؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا، أكثرهم [جوعا] [١] في الآخرة. يا سلمان، إنّما الدنيا جنّة الكافر، وسجن المؤمن» .
١٦٥- وكان ﷺ يقول: «استعيذوا بالله من نفس لا تشبع» .
[١٦٥ أ- وقال ﷺ : «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه» .
«١٦٦» - قال حاتم: [من الطويل]
стр. 3536
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذّمّ أن أتضلّعا
فإنّك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
«١٦٧» - وقال دريد بن الصّمّة في تأبين أخيه: [من الطويل]
تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد، ويغدو في القميص المقدّد
«١٦٨» - قدم هشام بن عبد الملك المدينة، فأراد سالم بن عبد الله بن عمر الدّخول عليه، فاستعار عمامة فاعتمّ بها، ودخل فسلّم عليه، فقال له هشام: يا أبا عمر، أرى عمامتك لا تشاكل الثياب! قال: أجل، لأنا استعرناها، قال: ما طعامك؟ قال: الخبز والزّيت، قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما. فخرج سالم وهشام يقول: ما رأيت منذ سبعين سنة أجود من كدنته! فحمّ سالم فقال: أما ترون! لقعني بعينه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلّي على سالم.
«١٦٩» - وقال قتيبة بن مسلم: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد ابن زرارة، فقال قل له: قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد، فأتيته فقال: يا جارية، غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهن في مريس ثم برقتهن، فأكل، فجعل شأنه يصغر في عيني، ثم مسح يده وقال: الحمد لله، حنطة الأهواز، وتمر الفرات، وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، فانطلق معي إلى المسجد، فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ما صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من الإبل، قال: هي عليّ، ثم قام.
стр. 3537
«١٧٠» - قال أبو عبيدة: لمّا أمر قيس بن زهير قومه أن يرجعوا إلى قومهم قال: لا تنظر في وجهي قيسيّة أبدا، ولحق بعمان، فمكث ستّة أيام لا يطعم طعاما ولا يسأل أحدا. فلما كان في الليلة الثامنة شبّت له نار فأتاها، فلما قرب منها إذا قوم على خبزة لهم، فأنف وكرّ راجعا، ثم أدركه أمر، فأقبل إليهم.
ففعل ذلك مرارا يأبى له الأنف أن يسألهم، ثم هبط واديا قريبا من القوم، فأكل من نبت الأرض ثم أتى شجرة فأدم بأصلها حتى مات.
«١٧١» - قال أحمد بن عليّ الأنصاريّ: رأيت مجنونا ببغداد وهو على باب دار فيها صنيع، والناس يدخلون، وكنت ممّن دعي، فقلت: ألا تدخل فتأكل، فإنّ الطعام كثير؟ فقال: وإن كثر فإني ممنوع عنه. قلت: كيف والباب مفتوح ولا مانع من الدخول؟ قال: آكل طعاما لم أدع إليه؟! لقد اضطرني إلى ذلك غير الجوع، قلت: وما هو؟ قال: دناءة النّفس، وسوء الغريزة.
«١٧٢» - قال الشاعر: [من الطويل]
وإني لعفّ عن مطاعم جمّة ... إذا زيّن الفحشاء للنفس جوعها
«١٧٣» - وقال آخر: [من الوافر]
وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء
«١٧٤» - كان أبو تراب النّخشبيّ يقول: الفقير قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومنزله حيث حلّ.
«١٧٥» - وقال يحيى بن معاذ الرازيّ: الزهد ثلاثة أشياء: القلّة، والخلوة،
стр. 3538
والجوع. وكان يقول: جوع التوابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصدّيقين تكرمة.
«١٧٦» - قال حاتم الأصمّ: ما من صباح إلا والشيطان يقول: ما تأكل؟
وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.
«١٧٧» - قال عامر بن قيس [١] يوما: أتاني الشيطان فقال لي: ما في يدك؟
فقلت: ما يكفيني اليوم، قال: فغدا؟ قلت: أموت، فخصمته.
«١٧٨» - وقال الجنيد: مرّ بي الحارث بن أسد المحاسبيّ، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عمّ، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ وقدّمت إليه طعاما حمل إليّ من عرس، فأخذ لقمة ونهض، فألقاها في الدهليز ومضى. فالتقيت به بعد أيّام فقلت له في ذلك، فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكن بيني وبين الله علامة: أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم. فقدّمت إليه كسرا كانت لنا، فأكل وقال: إذا قدّمت إلى فقير شيئا، فقدّم مثل هذا.
١٧٩- قال المنتجع بن نبهان: سألت بعض أهل اليمامة: كيف ضبطتم القرى؟ فقال: لا نتكلّف ما ليس عندنا.
١٨٠- وكان صفوان بن محرز يقول: إذا أتيت أهلي، فقرّبوا إليّ رغيفا فأكلته وشربت عليه من الماء، فعلى الدنيا العفاء.
١٨١- ويقال: المروءة أن لا تدّخر ولا تعتذر.
«١٨٢» - وروي أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية وأصحابه يوم الحكمين:
стр. 3539
أكثروا لهم الطعام؛ فإنّه والله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا. فلما وجد معاوية ما قاله صحيحا، قال معاوية: إنّ البطنة تأفن الفطنة.
تأفن: أي تنقص، ومنه رجل مأفون وأفين: أي ناقص العقل.
١٨٣- قال الحسن: لقد صحبت أقواما ما كان يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه، ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا: كان يأكل، فإذا قارب شبعه، أمسك [ ... ] الفضل والله للمعاد.
١٨»
- قيل لأعرابيّ: ما طعامك؟ قال: الخلّ والزيت، فقيل له: أتصبر عليهما؟ قال: ليتهما يصبران عليّ.
«١٨٥» - قال رسول الله ﷺ : «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإنّ القلوب تموت كالزّرع إذا كثر عليه الماء» .
١٨٦- وقال عيسى ﵇: يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنّ من أكثر الأكل أكثر النّوم، ومن أكثر النوم أقلّ الصلاة، ومن أقلّ الصلاة كتب من الغافلين.
١٨٧- وقال الخليل: أثقل ساعاتي عليّ ساعة آكل فيها.
١٨٨- وقال الفضيل: أتخاف أن تجوع؟ لا تخف؛ أنت أهون على الله من ذاك، إنّما كان يجوّع محمّدا ﷺ وأصحابه.
١٨٩- وعنه: خصلتان تقسّيان القلب: كثرة الأكل، وكثرة الكلام.
١٩٠- دخل سفيان بن عيينة على الرشيد وهو يأكل بملعقة، فقال: حدّثت عن جدّك ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
(الاسراء: ٧٠) ، قال: جعلنا لهم أيديا يأكلون بها. فكسر الملعقة.
стр. 3540
«١٩١» - دخل عمر ﵁ على عاصم بن عمر وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: ويحك، قرمت إلى شيء فأكلته! كفى بالمرء شرها أن يأكل كلّ ما يشتهي! ١٩١ أ-[قال ابن دريد: العرب] [١] تعيّر بكثرة الأكل، وأنشد:
[من الرجز]
[لست] [٢] بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوّام كنوم الفهد
«١٩٢» - بعض بني نهد: [من الطويل]
إذا لم أزر إلا لآكل أكلة ... فلا رفعت كفّي إليّ طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
«١٩٣» - في الحديث: من داوم على اللحم أربعين يوما، قسا قلبه، ومن تركه أربعين يوما، ساء خلقه.
١٩٤- قال أنس: ما رأى رسول الله ﷺ رغيفا محوّرا حتى لقي الله.
١٩٥- وقال أيضا: أكل رسول الله ﷺ بشعا، ولبس خشنا: لبس الصوف، واحتذى المخصوف.
١٩٦- قيل للحسن: [ ... ] خبز الشعير ما كان رسول الله ﷺ [ ... ] إلا بجرعة من ماء.