← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

عاثت بها أيدي الكرام فجمشت ... وجناتها تجميش غير كرام ٣١٨- قال حسان الديلمي: ليست الكبولاء على الصفة التي تتخذها العامة، إنما تتخذ من الدقيق السميذ والأرز والكعك أجزاء متساوية، ويدق الأرز والكعك ناعما، ويخلطان بالدقيق ويحمص الجميع بالدهن العذب الغامر، ويرفع من النار، ويغلى الماء، ويذرّ عليه ويعقد عقدا جيّدا، ثم يحط عن النار ويطرح فيه ماء الورد والكافور. وقد عملت له فالوذجة سرطراطة على نار [ ... ] ، وأعدت أقداح على صور المكاييل، فيغرف منها طبقة ومن الفالوذج طبقة، ويفرش فرشا خفيفا حتى تمتلىء الأقداح ثم تكبّ على المائدة، وترفع عنها الأقداح، وتقدم كأنها قواليب جزع، وتقطع بالسكاكين، وتتناول بالنار جنات. وليس يليق بهذا الكتاب ذكر أنواع الأطعمة، إنما ذكرت هذا القدر إشارة إلى الجنس وتنبيها على مأخذ المترفين فيه. والله أعلم.

стр. 3572

الفصل السادس- نوادر هذا الباب «٣١٩» - كان بعض الأعراب يأكل ومعه بنوه، فجعلوا يأخذون اللّحم من بين يديه فيقول لهم: يا بنيّ، إنّ الله يقول: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما (الاسراء: ٢٣) . ولأن تقولوا لي ألف مرّة «أفّ» في كلّ مرة سبعون انتهارا، أهون عليّ ممّا تفعلون. «٣٢٠» - لزم أعرابيّ سفيان بن عيينة حتى سمع منه ثلاثة آلاف حديث، ثم جاءه يودّعه، فقال له سفيان: يا أعرابيّ، ما أعجبك من حديثنا؟ قال: ثلاثة أحاديث: حديث عائشة عن النبيّ ﷺ وآله وصحبه أنّه كان يحبّ الحلواء ويحبّ العسل، وحديثه ﵊: «إذا حضر العشاء وحضرت الصلاة، فابدأوا بالعشاء» ، وحديث عائشة عنه ﷺ : «ليس من البرّ الصيام في السّفر» . «٣٢١» - قدّم إلى أعرابيّ كامخ، فقال: ممّ يعمل هذا؟ قالوا: من اللبن والحنطة، قال: أصلان كريمان، ولكن ما أنجبا. «٣٢٢» - وقدّم إلى أعرابيّ كامخ، فقال: ما هذا؟ قيل: كامخ، فقال: من كمخ به؟ من قولهم: كمخت البقرة إذا ثلطت [١] .

стр. 3573

«٣٢٣» - واجتمع اثنان من الأعراب على كامخ، فقال أحدهما: خرا، وربّ الكعبة، وذاقه الآخر فاستطابه فقال: أحسبه خرا الأمير. ٣٢٤- قال الأصمعيّ: سمع أعرابيّ واحدا يقرا: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (الكهف: ١٠٣- ١٠٤) . فقال: وأبيك إني لأعرف هؤلاء القوم بعينهم، فقيل له: ومن هم؟ قال: الذين يثردون عزّهم. ٣٢٥- أولم رجل وليمة، فحضرها أعرابيّ وجعل يأكل ولا يرفع رأسه حتى أحضر الفالوذ، فرفع رأسه فنظر إلى شيخ معتزل عن القوم، فقال: ما بال الشيخ لا يأكل؟ قيل: إنّه صائم، فقال: ما أحوجه إلى الصوم؟ قالوا: طلب المغفرة والفوز بالجنّة، قال الأعرابيّ: فإذا فاز بالجنّة، أفتراه يطعم فيها أطيب من الفالوذ؟. «٣٢٦» - قدّم إلى أعرابيّ موز، فجعل يقلّبه ويقول: لا أدري، العجب ممّن خالطه، أو ممّن حشاه؟! ٣٢٧- سقط أعرابيّ عن بعيره فانكسر بعض أضلاعه، فأتى الجابر يستوصفه، فقال: خذ تمر شهريز، فانزع أقماعه ونواه، [ولتّه] بسمن واضمد به، فقال الأعرابيّ: بأبي أنت، من داخل أضمد أم من خارج؟ «٣٢٨» - امتنع أعرابيّ من غسل يده بعد الأكل وقال: فقد ريحه كفقده. ثم أخذ كفّا من تراب، فرماه في وجوهنا وقال: أحسبكم تآمرتم على هذا، لا يقربني منكم أحد، فمكثنا أيّاما لا نغشاه، ثم سألنا ابن أبي حفص العطّار، فترضّاه لنا [١] .

стр. 3574

٣٢٩- قال محمد بن عبد الله بن حكيم: كنّا عند الشافعيّ ﵁، فدخل رجل من أعوان الشّرط، وبين يديه طبق فيه تمر، فجرّ الطّبق وأكل حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا عبد الله، ما عندك في طعام الفجاءة؟ قال: كان ينبغي أن يكون سؤالك هذا والتّمر في موضعه. ٣٣٠- اجتاز أعرابيّ بقوم يأكلون، فلم يدعوه، فعمد إلى الصلاة، فقالوا: ما تصنع؟ قال: أستخير الله في محادثتكم، فضحكوا منه ودعوه إلى الطعام. ٣٣١- ترحّم بعض الطّفيليين على النمروذ بن كنعان، فقيل له: تترحّم على كافر؟! فقال: نعم، لأنّه أوّل من اتّخذ الكرماذخ. «٣٣٢» - ذكر أنّ الرشيد وأمّ جعفر اختلفا في اللوزينج والفالوذج، أو الخبيص، وحضر أبو يوسف القاضي، فسأله الرشيد، فقال: إذا حضر الخصمان حكمت. فقدّما إليه، فأكل منهما حتى انتهى، فقال له الرشيد: احكم، قال: اصطلح الخصمان وأعفياني من الحكم. فضحك الرشيد، وأمر له بألف دينار، وبلغ زبيدة الخبر، فأمرت له بألف دينار إلا دينارا. «٣٣٣» - دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك وهو يأكل، فقال: اجلس وكل- وكان سليمان قاذورة نهما، وكان يوضع بين يديه قصعتان، فيأكل من واحدة، والناس من واحدة- فجعل الأعرابيّ يأكل من القصعة التي بين يدي سليمان ويتعدّى [إلى] الأخرى، فقال سليمان: كل ممّا بين يديك، قال: أو ههنا حمى؟! قال: لا، كل من حيث شئت، فلما أتي بالفالوذج، قال له سليمان: يا أعرابيّ، أتعرف هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، إلا أني أرى رونقا حسنا، ومزدردا ليّنا، وطعما طيّبا، وإني لأظنّه ممّا يخرج من [بطون] ٩ التذكرة الحمدونية ٩

стр. 3575

النحل، فقال سليمان: إنّه مع هذا يزيد في الدّماغ؛ فقال كذبوك يا أمير المومنين، ولو صدقوك لأصبح رأسك مثل رأس البغل الأطحل. ٣٣٤- موسى الثقفي: [من الوافر] فما شيء بأحسن من خوان ... أتاك يزفّه خلق الثّياب وقد ناجاك سر الجوع حتى ... تعلّق خمص بطنك بالحجاب فتغمس خمس كفّك في ثريد ... بلقم مثل منكمش الذّهاب كأنّ دويّه في الحلق لمّا ... هوى، رعد يهمهم في سحاب «٣٣٥» - قيل لأعرابيّ: ما اسم المرق عندكم؟ قال: السّخين، قال: فإذا برد؟ قال: [لا] ندعه يبرد. ٣٣٦- قعد صبيّ مع قوم، فقدّم شيء حارّ، فأخذ الصبيّ يبكي، قالوا: ما يبكيك؟ قال: هو حارّ، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال: أنتم لا تصبرون. ٣٣٧- قال بعضهم: رأيت ثلاثة من الهرّاسين على بقعة واحدة، وهم يتكايدون في مدح هرايسهم. فأخرج أحدهم من هريسته قطعة على المغرفة وأسالها وهو يقول: إنزلي ولك الأمان، فقال الثاني: يا قوم، أدركوني، الحقوني،! أنا أجذبها وهي تجذبني، والغلبة لها، فقال الثالث: لا أدري ما تقول، من أكل من هريستي، أسرج ببوله شهرا. «٣٣٨» - كان بعض الأكلة يباكر الأكل، فقيل له: اصبر حتى تطلع الشمس، فقال: أنا لا أنتظر بغدائي من يقدم من أقصى خراسان. «٣٣٩» - قيل لبعضهم: التّمر يسبّح في البطن، قال: إذا كان التمر يسبّح،

стр. 3576

فاللوزينج يصلّي في البطن تراويح. «٣٤٠» - قال عثمان الدقيق الصوفيّ: رأيت أبا العباس بن مسروق، وهو أحد شيوخ الصوفية، في يوم مطير على الجسر مشدود الوسط، فقلت له: يا عمّ، إلى أين في هذا اليوم المطير؟ فقال: إليك عنّي، فقد بلغني أنّ بالمأمونية رجلا يقول: ليس الباذنجان طيّبا؛ أريد أن أمضي إليه وأقول له: كذبت، وأرجع. «٣٤١» - خرج طفيليّ من منزل قوم مشجوجا، فقيل له: من شجّك؟ قال: ضرسي. «٣٤٢» - قيل لأعرابيّ: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك لي حبّ الغداء حزنا على أحد. «٣٤٣» - سمع بنان رجلا يقول: يخرج الدجال في سنة قحط مجدبة، ومعه جرادق أصفهانية، وملح ذرآني، وأنجذاني [١] سرخسي، فقال: هذا- عافاك الله- رجل يستحقّ أن يسمع له ويطاع. ٣٤٤- قال أبو بكر بن عيّاش: كنّا نسمّي الأعمش سيّد المحدّثين، وكنّا نجيئه آخر من يقصده، لأنّا نطيل عنده، وكان لا يزال يطعمنا الشيء ممّا يحضره، ويسألنا فيقول: بمن مررتم اليوم، [ ... ] ، وعمّن أخذتم؟ فنسمّي له الواحد، فيشير بيده، أي جيّد، ونسمّي آخر فيومىء بأصبعه، أي صالح، ونسمّي آخر، فيقول: طير طيّار، ونسمّي آخر، فيقول: طبل مخرّق. فقال

стр. 3577

بعضنا لبعض ذات يوم: لا يخرج الأعمش إلينا شيئا إلا أكلناه كلّه. فأخرج إلينا خوانا عليه خبز وتمر، فأكلناه، ثم عاد فأخرج قتائت ممّا يسرب انسيابا فأكلناه، ثم عاد فأخرج كسيرات، فأكلناها، ثم عاد فأخرج إجانة فيها كسب ونوى فقال: أما طعام العيال فأكلتموه، وهذا علف العنز فدونكم. ٣٤٥-[كان] رجل يطعم رجلا يلازمه، ولم يكن عنده في بعض الأيام ما جرت به عادته، فقال لغلامه: خذ المفتاح معك، وكن قريبا من الدار، فإذا جاء ورأى الباب مقفلا انصرف. فلما جاء الرجل ورأى الباب مقفلا، جلس ينتظر أن يجيء ويفتح الباب، فأدركته الشّمس، فلم يزل ينتقل من موضع إلى موضع حتى لم يبق ظلّ، فقال: [من السريع] البيت لا أبرح من بابه ... حتى يموت الرجس من جلسي أقتله في البيت جوعا كما ... يقتلني بالجوع في الشّمس أليس في منزل فرقاننا ... أنّ [قتل] النّفس بالنّفس «٣٤٦» - أسماء هزلية وضعها الطفيليون والصوفيه للأطعمة وآلتها وما يتبعها: الطّست والإبريق: بشر وبشير الخوان: أبو جامع السّفرة: أبو رجاء الخبز: أبو جابر اللحم: أبو عاصم الملح: أبو عون القدر: ميمون الزّنجي

стр. 3578

الغضارة [١] : أمّ الفرج الحوّارى [٢] : نجوم الفكه، ويقال: أبو نعيم الطيفورية: أمّ روح منديل الغمر: أبو بشر الخشكار: أبو جابر الكزمازك: [ ... ] الفرنية: قبّة الإسلام البقل: زحام بلا منفعة، ويقال: أبو جميل الجوز والجبن: معاوية وعمرو بن العاص الرواصيل [٣] : يأجوج ومأجوج البيض: بنات نعش الثريد: جبير بن مطعم الجبن: راشد الخناق الجوز: أبو القعقاع الزيتون: خنافس الخوان الصحناء [٤] : أمّ البلايا الباقلاء: أبو مروان العدسية: المؤيسة الباذنجان: قباب ياسر، ويقال: الزّط الكامخ: عرق الشيطان

стр. 3579

البوارد: بريد الخير البزماورد [١] : أبو كامل الطيالسي، ويقال: أبو طريف السنبوسك: جامع سفيان الماء: أبو غياث الخردل: أبو كلثوم الجلّاد الدجاجة: سمّانة القوادة، ويقال: أمّ الخير [البطة] : بهادة السوسية الحمل: شهيد بن الشهيد، ويقال: أبو حميد الهند الجدي: أبو العريان، ويقال: أبو خبيب [٢] الرّقاق: أبو الطيالس الرغيف السميذ: أبو البدر السكباج [٣] : أمّ عاصم، ويقال: أمّ نابت المضيرة [٤] : أمّ الفضل الكشكية: أم الخير، وأمّ برّ الرأس: قيم الحمام، وأبو سويد الأكارع: [أبو الخرق] وشيبان ماء البالقلاء: أبو حاضر السمك: أبو سابح الخلّ: أبو العباس، ويقال: أبو ثقيف

стр. 3580

الفتيت: أبو نافج القنّبيطية: دويرة الرومية المغمومة [١] : المقنّع الكندي المري: أبو مهارش [الزبيبة] : أبو الأسود الدّؤلي القشمشية: أمّ الجمال [٢] الملبّقة [٣] : أمّ سهل الطباهجة [٤] : زلزل المغنّي البقيلة: المشؤومة القليّة [٥] : الناعية المصلّيّة: أمّ بشير الأرز: أبو الأشهب النرجسية: أبو الثّريّا [٦] الجوذاب: أمّ الحسن الفالوذج: أبو مضاء، وأبو العلاء السكّر: أبو الطيّب الطّبرزد: أبو شيبة الخوزي اللحم الشّواء: الروح الأمين العسل: أمّ المؤمنين

стр. 3581

الخبيص: أبو نعيم، وأبو الوزير، وأبو الوليد الحلواء: خاتم النبيين العصيدة: أم المؤمنين اللبن: أبو اليمان الرّمّان: أبو حفص السّفرجل: أم العجوز التين: أبو عجينة اللوزينج: بكير الطرائفي، ويقال: قبور الأطفال القطايف: قبور [الشهداء] الفراريج: بنات المؤذّن السّويق: أبو خفيف [١] الخلال: أبو الياس [٢] ، وكتاب الغزل الأشنان والمخلب: منكر ونكير النبيذ: أبو غالب القرابة [٣] : أم رزين النّقل: أبو تمام النرجس: أبو العيناء السايكسي: أبو فرعون [٤] القدح: أبو قريب

стр. 3582

النبيكة [١] : أم الفتيان الصراحية [٢] : أم القاسم القاطرميز: أبو مزاحم المغنّي: أبو الأنس الزامر: حميد الكوسج المؤاجر [٣] : أبو صابر القحبة: أبو ياسر [٤] المخنّث: أبو عطيّة الثقيل: أبو ثهلان القوّاد: أبو مغيث المسخرة: الضحاك بن قيس المعربد: ضرار بن مخرّق [الطفيلي] : أبو الصقر الليثي الذي يتبع الطفيلي: زائدة بن مزيد القفل: أبو منيع المفتاح: أبو الفرج الدينار: أصفر سليم الدرهم: أبو واضح

стр. 3583

«٣٤٧» - كنية الجوع: أبو عمرة، أنشد أبو عمرو: [من الرجز] إنّ أبا عمرة شرّ جار ... يجرّني في ظلم الصحاري جرّ الذئاب جيفة الحمار «٣٤٨» - قدّم أعرابيّ إلى ضيفه ثريدة وقال له: لا تقصعها، ولا تقعرها، ولا تشرمها، قال: فمن أين آكل؟ قال: لا أدري، فانصرف جائعا. أراد أن لا يأكل من أعلاها، ولا من أسفلها، ولا من حروفها. «٣٤٩» - شكا مدنيّ إلى أبي العيناء سوء الحال، فقال له: أبشر، فإنّ الله قد رزقك [الاسلام] والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد. ٣٥٠- وضعت بين يدي أعرابيّ عصيدة تنش حرارة، فضرب بيده إليها فامتنعت عليه، فقال: أما والله إني لأعلم أنّك هيّنة المزدرد، ليّنة المسترط، وإنّك لتعلمين أني ابن بجدة بلادك في أكلك، وإني لأخاف أنّ العود إلى مثلك ستطول مدّته، فما يمنعني أن أتلقّى حرارتك ببلعوم سرطم، وحلقوم لهجم، وبطن أكبر، وجوف أرحب، فقضى الله في ذلك قضاءه بما أحببت وكرهت. ٣٥١- شاعر: [من الرمل] [يحسن] اللّقم ولا يخشى الغصص ... بلعما يقطع أزرار القمص «٣٥٢» -[قيل] لأبي مرّة: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمّص، بلقاء من الشّحم، ذات حفافين من اللّحم، لها جناحان من العراق. قيل: وكيف أكلك لها؟ قال: أصدع بهاتين: يعني

стр. 3584

السّبّابة والوسطى، وأسند بهذه، يعني الإبهام، وأجمع ما شذّ منها بهاتين، يعني الخنصر والبنصر، وأضرب فيها ضرب الولي السوء في مال اليتيم. ٣٥٣- مضغت أعرابية علكا، فقيل لها: كيف ترينه؟ قالت: تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة. ٣٥٤- دعي مزبّد إلى طعام فقال: أنا صائم، فلما قدّم الفالوذ زحف إليه، فقيل له في ذلك، فقال: أنا على [رد يوم] أقدر مني على ترك هذا. يتلوه باب السّير والعجائب وفنون الأشعار والغرائب والحمد لله، وصلى الله على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلّم.

стр. 3585

الباب السّابع والأربعون في أنواع السّير والأخبار وعجائبها، وفنون الأشعار وغرائبها

стр. 3586

[خطبة الباب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أسأله الإعانة على حسن الختام اللهمّ إنا نحمدك على حسن البلاء، ونشكر لك على ما أوليت من النّعماء، ونرجو منك توفيقا يقرّبنا من مراضيك، وتسديدا يقف بنا على حدود أوامرك ونواهيك، ونسألك العصمة من الأهواء المردية، والغبطة بالآراء المنجية، وأن تمدّنا من فضلك العميم، وبرّك الجسيم، بالهداية إلى أوضح المعالم والسّبل، والنجاة من معاطب الزّيغ والميل، وأن تجعل ما وقفتنا عليه من الأخبار، وأريتنا من الآيات ممّن تقدّمنا والآثار، عبرة ننتفع بنظرنا فيها، وموعظة تزجرنا عن موبق الأعمال ومرديها. اللهمّ وصلّ على نبيّك المختار، وعلى آله وأصحابه الأبرار، صلاة [ترفع بها] مقامه، وتعلي بها مكانه، وعمّنا بشفاعته، واحشرنا تحت لوائه بطاعته، إنك جواد مجيد، فعّال لما تشاء وتريد. آمين

стр. 3587

[بداية الباب السابع والأربعون] (الباب السابع والأربعون في أنواع السّير والأخبار وعجائبها، وفنون الأشعار وغرائبها) من أوضح الدّلالة على ما في معرفة السّير والآثار من الفوائد، ما أودعه الله في كتابه الكريم من أنباء الغابرين وسير الماضين، وقصص رسله صلّى الله عليهم ومن أرسلوا إليه من [العالمين] ، وعجائب ما أظهره على أيديهم من المعجزات، وخصّهم بفضله من الآيات، وغيرهم، كأصحاب الفيل والأخدود، وقصّة بلعام، والإخبار عن هاروت وماروت، وغير ذلك. ومنّ الله تعالى على نبيّه ﵊ بما أطلعه عليه من سرّ الغيب إذ يقول: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا (هود: ٤٩) . وقال سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (يوسف: ٣) . وقال في الاعتبار بهذا: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (يوسف: ١١١) . وكتبه- سبحانه- القديمة [كالتوراة] والانجيل اشتملت كذلك على أخبار الماضين وقصصهم، حتى إنّ التوراة مترتّبة الأخبار من لدن آدم إلى بعثة موسى ﵉. وهي من بعد لقاح العقول، ومشكاة الأفهام، وزناد التّجارب، ومقياس التّيقظ، ومنهاج الاعتبار، وجدد السالك. وإذ قد التفّت الأبواب التي تقدّمت

стр. 3588

بالأخبار والآثار التي هي من جنسها، أتبعتها في هذا الباب بما كان مستغربا ومعجبا نادرا، وبالأشعار الشاذة عن المعاني المطروقة، والمقاصد المسلوكة، والأغراض المعهودة، [ ... ] المعدّة لمثلها من نادر المطالب وشاذّ الاتفاق. والله تعالى الموفّق لما يرضيه، ويباعد من سخطه بمنّه وسعة فضله. «٣٥٥» - روي أنّ رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكّة إلى المدينة وأبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة، ودليلهما الليثيّ عبد الله بن أريقط، فمرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء بيتها، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك. وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم إلى شاة [في كسر] الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟ قالت: خلّفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أفتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي وأمي، نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، فمسح ضرعها وسمّى الله ، ودعا لها في شاتها، فتفاجّت عليه ودرّت وأمرّت [١] . ودعا بإناء يربض الرّهط، فحلب فيه ثجّا حتى غلبه الثّمال [٢] ، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم شربا. فشربوا علّا بعد نهل، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، فبايعها وارتحلوا عنها. فقلّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيّلا عجافا

стр. 3589

يتساوكن هزالا، مخّهنّ قليل، ولا نقي لهنّ. فلما رأى أبو معبد اللبن، عجب وقال: من أين هذا يا أمّ معبد، والشاة عازبة حائل، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. قال: صفيه لي يا أمّ معبد. قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة، ولم تزر به صعلة؛ وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي [أشفاره] وطف [١] ، وفي صوته صحل [٢] ، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أحور، أكحل، أزجّ، أقرن؛ إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء؛ أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنوه من طول، ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد. قال أبو معبد: [هو والله] صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكّة ما ذكر، ولو كنت وافقته لا لتمست صحبته، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا. «٣٥٦» - روي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ نظر إلى أهل الشورى جلوسا، فقال: أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي؟ فوجموا، فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير فقال: نعم، وما الذي يبعدنا عنها، وقد وليتها فقمت بها،

стр. 3590

ولسنا دونك في قريش، ولا خير في القرابة؟ فقال عمر: ألا أخبركم عن أنفسكم؟ قالوا: بلى، فإنّا لو استعفيناك ما أعفيتنا، فقال: أما أنت يا زبير فوعقة لقس، مؤمن الرّضا كافر الغضب، يوم [ ... ] شيطان، ولعلّها لو أفضت إليك، لظللت [ ... ] تلاطم في البطحاء على مدّ من شعير، أفرأيت إن أفضت إليك، فمن يكون على الناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون إذا غضبت إماما؟ ما كان الله ليجمع لك أمر أمة محمد صلّى الله عليه وأنت في هذه الصفة. ثم أقبل على طلحة فقال: أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنّك لا تقول لي من الخير شيئا. قال: ما أعرفك منذ ذهبت أصبعك يوم أحد من البأو الذي أحدثت، ولقد مات رسول الله ﷺ وهو ساخط للكلمة التي قلتها يوم نزلت آية الحجاب. أفأقول أم أسكت؟ قال: تالله لما سكتّ. ثم أقبل على سعد فقال: إنّما أنت صاحب قنص وقوس وأسهم، ومقنب من هذه المقانب، وما زهرة والخلافة وأمور الناس؟ ثم أقبل على عليّ بن أبي طالب، فقال: لله أنت لولا دعابة فيك، أما والله لو وليتهم لحملتهم على المحجّة البيضاء والحقّ الواضح، ولن يفعلوا. ثم قال: وأنت يا عبد الرحمن، فلو وزن إيمان المسلمين بإيمانك لرجحت، ولكن فيك ضعف، وليس يصلح هذا الأمر لمن ضعف مثل ضعفك، وما زهرة وهذا الأمر؟ ثم أقبل على عثمان فقال: هيهن إليك، كأني بك وقد قلّدتك قريش هذا الأمر، [......] فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا، والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلنّ، ثم أخذ بناصيته فناجاه، ثم قال: إذا كان ذلك، فاذكر قولي هذا، فإنّه كائن.

стр. 3591

٣٥٧- روي عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أنّه قال: اجتمع رجال من بني هاشم في منزلي، منهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وعبد الله بن عليّ، وغيرهما من بني العباس. ومن ولد أبي طالب: عبد الله بن الحسن بن الحسن، وابنا عبد الله محمد وإبراهيم، وجعفر بن محمد وغيرهم من أهلهم. وكان اجتماعهم للحجّ، فخفي بذلك أمرهم. فابتدأ محمد بن عبد الله، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا بني هاشم، فإنكم خيرة الله، وعترة رسول الله ﷺ ، وبنو عمّه وذرّيّته، فضّلكم الله بالوحي، وخصّكم بالنّبوّة، وإنّ أولى الناس بحفظ دين الله ، والذّبّ عن حرمه من وضعه الله تعالى بموضعكم من نبيّه ﷺ . وقد أصبحت الأمّة معصوبة، والسنّة مبدّلة، والأحكام معطّلة، فالباطل حيّ، والحقّ ميّت؛ فابذلوا أنفسكم في طاعة الله تعالى، واطلبوا باجتهادكم رضاه، واعتصموا بحبله، [وإياكم] أن تهونوا بعد كرامة، وتذلّوا بعد عزّ، كما ذلّت بنو إسرائيل من قبلكم وكانت أحبّ الخلق في وقتها إلى ربكم، فقال فيهم جلّ وعزّ: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ (المائدة: ٧٩) . فمن رأى منكم نفسه أهلا لهذا الأمر، فإنّا نراه له أهلا، وهذه يدي له بالسّمع والطاعة؛ ومن أحسّ من نفسه ضعفا وخاف منها وهنا وعجزا، فلا يحلّ له التولّي على المسلمين، وليس بأفقههم في الدين، ولا أعلمهم بالتأويل، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم. قال: فو الله ما ردّ أحد كلمة غير أبي جعفر عبد الله بن محمد فإنه قال: [أمتع] الله قومك بك، وأكثر فيهم مثلك، فو الله لا يزال فينا من يسمو إلى الخير، ويرجى لدفع الضّيم، ما أبقاك الله لنا، وشدّ بك أزرنا. فقالوا لعبد الله: أنت شيخ بني هاشم وأقعدهم، فامدد يدك حتى نبايعك. فقال: ما أفعل ذلك، ولكن هذا ابني محمد، فبايعوه، فقالوا له: إنّما قيل لك هذا لأنّه لم يشكّ فيه، وههنا من هو أحقّ بالأمر منك، واختلطت الأصوات، وقاموا لوقت صلاة.

стр. 3592

قال عبد الله بن جعفر: فتوكأ جعفر بن محمد على يدي وقال: والله ما يملكها إلا هذان الفتيان، وأومأ إلى السفاح والمنصور، ثم تبقى فيهم حتى يتلعّب بها خدمهم ونساؤهم، [ ... ] على محمد بن عبد الله كلامه من العباسيين هو قاتله وقاتل أبيه وأخيه. ثم افترقوا فقال لي عبد الله بن محمد المنصور، وكانت بيني وبينه خاصّة ودّ: ما الذي قال لك جعفر؟ فعرّفته ذلك، فقال: إنا خبرنا أبا محمد، ما قال شيئا إلا وجدناه كما قال. قال عبد العزيز بن عمران: وبلغني أنّ المنصور قال: رتّبت عمّالي بعد كلام جعفر ثقة بقوله. ٣٥٨- وروي عن أبي هريرة أنّه قال: لما كان الفتح قال لي خالد بن الوليد: يا أبا هريرة، اذهب بنا إلى هند بنت عتبة لعلّك تقرأ عليها بعض القرآن لينفعها الله تعالى به. قلت: انطلق. فدخلنا عليها كأنّها والله فرس عربيّ، وكأنّ وراء عجيزتها رجلا جالسا. فقال لها خالد بن الوليد: يا أمّ معاوية، هذا أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ ، جئتك به ليتلو عليك القرآن، ويذكر أمر الإسلام، قالت: هات، قال أبو هريرة: بسم الله الرحمن الرحيم: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الملك: ١) ، حتى انتهى إلى قوله : كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (الملك: ٤) . قالت: لا وسدن الكعبة، ما سمعنا بشاعر قطّ ينتحل خلق السماوات والأرض إلا [صاحبكم] هذا. قال: يقول خالد: قم يا أبا هريرة، فو الله لا تسلم هذه أبدا. فقمنا فخرجنا من عندها. ٣٥٩- لمّا قتل الحسين بن عليّ ﵉ كان النّوح عليه بالمدينة في كلّ بيت سنة كاملة، ثم نيح عليه في السنة الثانية في كلّ جمعة، ثم نيح عليه في الثالثة في كلّ شهر. وكان مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يدخلان إليهم مقنّعين فيبكيان أشدّ بكاء حتى ينقضي النّوح.

стр. 3593

«٣٦٠» - كان بالمدينة رجل من أهل الكتاب [١] يقال له يوسف، موصوف بقراءة الكتب. فلقي عبد الملك بن مروان، فقال له: إن بشّرتك بشارة تسرّك، ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور حتى يعلم مقدارها من الجعل؟ قال: أن تملك الأرض، قال: ما لي من مال، ولكن أرأيت إن تكلّفت لك جعلا أتأتيني بذلك قبل وقته؟ قال: لا، قال: فإن حرمتك، أتؤخّره عن وقته؟ قال: لا، قال: حسبك ما فعلت [٢] . «٣٦١» - كان في عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عجائب، منها أنّ أسنانه كانت قطعة واحدة، ودخل قبره بأسنانه التي ولد بها، ولم ينبت له سن ولم يتغيّر. ومنها أنه حجّ في سنة سبعين ومائة، وحجّ يزيد بن معاوية بهم سنة خمسين وبينهما [مائة] وعشرون سنة، وهما في القعدد سواء. ومنها أنّه كان يوما عند الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه عمّك، وعمّ أبيك، وعمّ جدّك، يعني سليمان بن أبي جعفر عمّ الرشيد، والعباس بن محمد عمّ المهديّ، وعبد الصمد بن عليّ عمّ المنصور. ومنها أنّه دخل سربا فطارت ريشتان فلصقتا بعينيه، فذهب بصره. «٣٦٢» - دخل أبو عبيد الله معاوية بن يسار كاتب المهديّ على المهديّ،

стр. 3594

وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر بالمجلس، فجعل المهديّ يشتم أبا عبيد الله ويتغيّظ عليه في أمر، ثم أمر فجرّ برجله وحبس، ثم أطرق المهديّ طويلا، فلما سكن أنشد أبو العتاهية: [من الوافر] أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كبرت لديه تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه فتبسّم المهديّ، ثم قال لأبي العتاهية: أحسنت، فقام أبو العتاهية فقال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت أحدا أشدّ إكراما للدنيا، ولا أضنّ بها، ولا أحرص عليها من هذا الذي يجرّ برجله الساعة، ولقد دخلت على أمير المؤمنين، ودخل وهو أعزّ الناس، فما برحت حتى رأيته أذلّ الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسّم المهديّ ودعا بأبي عبيد الله ورضي عنه. وكان أبو عبيد الله يذكر ذلك لأبي العتاهية. «٣٦٣» - لمّا قتل زياد عروة بن أديّة الخارجي، وهو عروة بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة، وأديّة جدّة [له] وهو فيما يقال: أوّل [من] حكّم، عاد زياد فقال [لمولى عروة] : صف لي أموره، فقال: أطنب أم أختصر؟ قال: اختصر، قال: ما أتيته بطعام نهارا قطّ، ولا فرشت له فراشا بليل قطّ. ٣٦٤- حدّث أبو عمرو الشيبانيّ أنّ يزيد بن معاوية شرب حتى سكر، ثم ركب فرسا وأقبل حتى علا جبلا، فانتهى إلى فصل بينه وبين جبل آخر، فأراد أن يوثب فرسه حتى يلحق الجبل الآخر، فقرعه بالسّوط، فوثب فلم يبلغ، وسقط فمات. ٣٦٥- حدّث خالد بن كلثوم وهشام بن الكلبيّ وأبو عمرو الشيبانيّ أنّ

стр. 3595

ابنه عمر [؟] لمّا حجّ وانصرف قال: [من الرجز] إذا جعلن ناقلا يمينا ... فلن نعود بعدها سنينا للحجّ والعمرة ما بقينا فبدرت إليه صاعقة فاحترق مكانه، فبلغ ذلك محمد بن علي فقال: لم يستخفّ أحد ببيت الله إلا عوجل. ٣٦٦- قيل لبزر جمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ قال: أقلّهم منها تعجّبا.

стр. 3596

وفاة رسول الله ﷺ ٣٦٧- عن جابر بن عبد الله وابن عباس قالا: لما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (النصر: ١) إلى آخر السورة، قال رسول الله ﷺ : يا جبريل، نفسي قد نعيت، قال جبريل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (الضحى: ٤، ٥) . فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب، وبكت منها العيون، ثم قال: أيها الناس، أيّ نبيّ كنت لكم؟ فقالوا: جزاك الله من نبيّ خيرا، فلقد كنت لنا كالأب الرحيم، وكالأخ الناصح المشفق؛ أدّيت رسالات الله، وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيّا عن أمّته. فقال لهم: معاشر المسلمين، أنا أنشدكم الله وبحقّي عليكم، من كان منكم له قبلي مظلمة، فليقم فليقتصّ مني، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثانية، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثالثة: معاشر المسلمين، من كانت له قبلي مظلمة، فليقم فليقتصّ مني قبل القصاص يوم القيامة. فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له: عكاشة، فتخطّى المسلمين حتى وقف بين يدي النبيّ ﷺ فقال: فداك أبي وأمّي، لولا أنّك ناشدتنا مرّة بعد أخرى، ما كنت بالذي أتقدّم على شيء منك؛ كنت معك في غزاة، فلما فتح الله علينا، ونصر نبيّه ﷺ ، [وأردت] الانصراف، حاذت ناقتي ناقتك، فنزلت عن الناقة، ودنوت منك لأقبّل فخذك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، فلا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا عكاشة، أعيذك بجلال الله أن يتعمّدك رسول الله بالضرب؛ يا بلال، انطلق إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق، فخرج

стр. 3597

بلال من المسجد ويده على أمّ رأسه وهو ينادي: هذا رسول الله يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة، فقال: يا ابنة رسول الله، ناوليني القضيب الممشوق، فقالت فاطمة: يا بلال، وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حجّ ولا [ ... ] ؟ فقال: يا فاطمة، ما أغفلك عمّا فيه أبوك؟! إنّ رسول الله ﷺ يودع الدين ويفارق الدنيا، ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة ﵍: يا بلال، ومن تطيب نفسه أن يقتصّ من رسول الله ﷺ ؟ يا بلال، أدن وقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتصّ منهما، ولا يدعانه يقتصّ من رسول الله. ودخل بلال المسجد، ودفع القضيب إلى عكاشة. فلما نظر أبو بكر وعمر إلى ذلك قاما فقالا: يا عكاشة، هذا نحن بين يديك، فاقتصّ منا ولا تقتصّ من رسول الله. فقال لهما النبيّ ﷺ : امض أنت يا أبابكر، وأنت يا عمر فامض، فقد عرف الله مكانكما ومقامكما؛ وقام عليّ بن أبي طالب فقال: يا عكاشة، أنا في الحياة بين يدي رسول الله ﷺ ، ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول الله، فهذا ظهري وبطني، اقتصّ مني بيدك واجلدني، ولا تقتصّ من رسول الله. فقال النبيّ ﷺ : يا عليّ، اقعد، فقد عرف الله مقامك ونيّتك. وقام الحسن والحسين فقالا: يا عكاشة، ألست تعلم أنّا سبطا رسول الله ﷺ ، والقصاص [منّا] كالقصاص من رسول الله؟ فقال لهما النبيّ ﷺ : اقعدا يا قرّة عيني، لا نسي الله لكما هذا المقام، ثم قال ﵊: يا عكاشة، اضرب إن كنت ضاربا، فقال: يا رسول الله، ضربتني وأنا حاسر عن بطني. فكشف عن بطنه ﷺ ، وصاح المسلمون وقالوا: أترى عكاشة ضاربا بطن رسول الله ﷺ ؟! فلما نظر عكاشة إلى بياض بطنه ﷺ كأنّه القباطيّ، لم يملك أن أكبّ عليه، فقبّل بطنه وهو يقول: فداك أبي وأمي، ومن تطيق نفسه أن يقتصّ منك؟! فقال له النبيّ ﷺ : إمّا أن تضرب، وإمّا أن تعفو. فقال: قد عفوت عنك رجاء أن يعفو الله عني في القيامة. فقال النبيّ ﷺ : من أراد أن

стр. 3598

ينظر إلى رفيقي في الجنة، فلينظر إلى هذا الشّيخ، فقام المسلمون فجعلوا يقبّلون ما بين عينيه ويقولون: طوباك! طوباك! نلت درجات العلى، ومرافقة رسول الله ﷺ . فمرض رسول الله من يومه، فكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس. وكان ﷺ ولد يوم الاثنين، فلما كان يوم الأحد ثقل في مرضه، فأذّن بلال بالأذان، ثم وقف بالباب فنادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، الصلاة رحمك الله. فسمع رسول الله ﷺ صوت بلال، فقالت فاطمة: يا بلال إن رسول الله مشغول بنفسه. فدخل بلال المسجد، فلما أسفر الصبح قال: والله لا أقيمها حتى أستأذن سيدي رسول الله. فرجع وقام بالباب ونادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، الصلاة رحمك الله. فسمع رسول الله ﷺ صوته فقال: ادخل يا بلال، إنّ رسول الله مشغول بنفسه، مر أبا بكر يصلّي بالناس، فخرج ويده على أمّ رأسه، وهو يقول: يا غوثاه! يا لله وانقطاع رجائي وانقصام ظهري! ليتني لم تلدني أمي، وإذ ولدتني لم أشهد من رسول الله هذا اليوم، ثم قال: يا أبا بكر، ألا إنّ رسول الله يأمرك أن تصلّي بالناس. فتقدّم أبو بكر للناس، وكان رجلا رقيقا، فلما نظر إلى خلوّ المكان من رسول الله لم يتمالك أن خرّ مغشيّا عليه، وصاح المسلمون بالبكاء. فسمع رسول الله ﷺ ضجيج الناس، فقال: ما هذه الضجّة؟ قالوا: ضجيج المسلمين لفقدك يا رسول [الله] . فدعا عليّ بن أبي طالب والعباس فاتّكأ عليهما، فخرج إلى المسجد، فصلّى بالناس ركعتين خفيفتين، ثم أقبل بوجهه المليح عليهم، فقال: معشر المسلمين، عليكم باتّقاء الله وحفظ طاعته من بعدي، فإني مفارق الدنيا؛ هذا أوّل يوم من الآخرة، وآخر يوم من الدنيا. فلما كان في يوم الاثنين اشتدّ به الأمر، وأوحى الله تعالى إلى ملك الموت: أن اهبط إلى حبيبي وصفيّي محمد في أحسن صورة، وارفق به في قبض روحه. فهبط ملك الموت فوقف بالباب شبه أعرابيّ، ثم قال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف

стр. 3599

الملائكة، أأدخل؟ فقالت عائشة لفاطمة: أجيبي الرجل، فقالت فاطمة: آجرك الله في ممشاك يا عبد الله، إنّ رسول الله مشغول بنفسه؛ فنادى الثانية، فقالت عائشة: يا فاطمة، أجيبي الرجل، فقالت مثل المقالة الأولى، ثم دعا الثالثة مثل الأولى والثانية: أأدخل فلا بدّ من الدخول. فسمع رسول الله ﷺ صوت ملك الموت ﵇، فقال: يا فاطمة، من بالباب؟ قالت: يا رسول الله، إنّ رجلا بالباب يستأذن في الدخول فأجبناه مرّة بعد أخرى، فنادى في الثالثة صوتا اقشعرّ منه جلدي وارتعدت فرائصي، فقال لها النبيّ ﷺ : يا فاطمة، أتدرين من بالباب؟ هذا هادم اللذات، ومفرّق الجماعات؛ هذا مرمّل الأزواج، ومؤتم الأولاد؛ هذا مخرّب الدور، وعامر القبور، هذا ملك الموت؛ ادخل رحمك الله، يا ملك الموت، جئتني زائرا أم قابضا؟ قال: جئتك زائرا وقابضا، وأمرني الله أن لا أدخل عليك إلا بإذنك، ولا أقبض روحك إلا بإذنك، فإن أذنت، وإلا رجعت إلى ربّي. فقال رسول الله ﷺ : يا ملك الموت، أين خلّفت حبيبي جبريل؟ قال: خلّفته في السماء الدنيا والملائكة يعزّونه فيك. فما كان بأسرع من أن أتاه جبريل ﵇، فقعد عند رأسه، فقال رسول الله: يا جبريل، هذا الرحيل من الدنيا، فبشّرني، ما لي عند الله؟ قال: أبشّرك يا حبيب الله أني تركت أبواب السماء قد فتحت، والملائكة قد قاموا صفوفا صفوفا بالتحيّة والرّيحان، يحيّون روحك يا محمد. فقال: لوجه ربّي الحمد، فبشّرني يا جبريل، قال: أنت أوّل شافع وأوّل مشفّع في القيامة. قال: لوجه ربّي الحمد، فبشّرني يا جبريل، قال جبريل: عمّ تسألني؟ قال: أسألك عن غمّي وهمّي؛ من لقرّاء القرآن من بعدي؟ من لصوّام شهر رمضان من بعدي؟ من لحجّاج بيت الله الحرام من بعدي؟ من لأمّتي المصطفاة من بعدي؟ قال: أبشر يا حبيب الله، فإنّ الله تعالى يقول: قد حرّمت الجنّة على جميع الأنبياء حتى تدخلها أنت وأمّتك يا محمد. قال: الآن طابت نفسي، ادن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت به. فقال عليّ ﵇: يا رسول الله، إذا أنت قبضت فمن

стр. 3600

يغسلك، وفيما نكفّنك، ومن يصلّي عليك ومن يدخلك القبر؟ فقال النبيّ ﵊: أما الغسل، فاغسلني أنت، وابن عباس يصبّ عليك الماء، وجبريل ثالثكما، فإذا أنتم فرغتم من غسلي، فكفّنوني في ثلاثة أثواب جدد، وجبريل يأتيني بحنوط من الجنّة، فإذا أنتم وضعتموني على السرير، فضعوني في المسجد واخرجوا عني؛ فإنّ أوّل من يصلّي عليّ الربّ من فوق عرشه، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا، ثم ادخلوا فقوموا صفوفا صفوفا لا يتقدّم عليّ أحد. فقالت فاطمة: اليوم الفراق، فمتى ألقاك؟ فقال لها: يا بنيّة، تلقينني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد عليّ الحوض من أمتي، قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الميزان وأنا أشفع لأمّتي. قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الصراط وأنا أنادي: ربّ سلّم أمّتي من النار. فدنا ملك الموت فعالج قبض روح رسول الله ﷺ ، فلما بلغ الروح إلى الركبتين، قال النبيّ ﵊: أوّه! فلما بلغ الروح إلى [ ... ] النبي ﵇: واكرباه! فقالت فاطمة: واكرباه! لكربك يا أبتاه. فلما بلغ الروح إلى الثّندوة، قال النبيّ ﷺ : يا جبريل ما أشدّ مرارة الموت! فولّى جبريل وجهه عن رسول الله ﷺ ، فقال: كرهت النّظر إليّ يا جبريل! فقال جبريل: يا حبيبي، ومن تطيق نفسه أن ينظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت؟ فقبض ﷺ ، فغسله عليّ، وابن عباس يصبّ الماء عليه، وجبريل معهما، فكفّن بثلاثة أثواب جدد، وحمل على السرير، ثم أدخلوه المسجد، ووضعوه في المسجد، وخرج [ ... ] . فأوّل من صلّى عليه الربّ من فوق عرشه، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا. قال عليّ ﵇: لقد سمعنا في المسجد همهمة ولم نر لهم شخصا، فسمعنا هاتفا يهتف وهو يقول: ادخلوا- يرحمكم الله- فصلّوا على نبيّكم. فدخلنا فقمنا صفوفا كما أمرنا رسول الله ﷺ ، فكبّرنا بتكبير جبريل، وصلّينا على رسول الله ﷺ بصلاة جبريل ما تقدّم منا أحد على رسول الله.

стр. 3601

ودخل القبر عليّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو بكر، ودفن رسولت الله، فلما انصرف الناس قالت فاطمة لعليّ: يا أبا الحسن، [ ... ] رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ أما كان في صدوركم لرسول الله الرحمة؟ أما كان معكم الخير؟ قال: بلى يا فاطمة، ولكنّ أمر الله الذي لا مردّ له، فجعلت تندب وتبكي وهي تقول: يا أبتاه! الآن انقطع عنا جبريل، وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء. «٣٦٨» - عن رقيقة بنت أبي صيفي، وكانت لدة عبد المطلب بن هاشم: تتابعت على قريش سنون جدب، أقحلت الضرّع، وأرقّت العظم، فبينا أنا راقدة اللهمّ [أو مهوّمة] ومعي صنوي، إذا أنا بهاتف صيّت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش، إنّ هذا النبيّ المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيّامه، وهذا إبّان نجومه، فحيّهلا بالحياة والخصب، ألا فانظروا منكم رجيلا وسيطا، عظاما، جساما، أبيض بضّا، أوطف الأهداب، سهل الخدّين، أشمّ العرنين، له فخر يكظم عليه، وسنة تهدى إليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف إليه من كلّ بطن رجل، ألا فليشنّوا عليهم من الماء، وليمسّوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا، ألا وفيهم الطيّب الطاهر لذاته، ألا فليستسق الرجل، وليؤمّن القوم، ألا فغثتم إذن ما شئتم وعشتم. قالت: [فأصبحت مفؤودة] مذعورة، قد قفّ جلدي، ودله عقلي، فقصصت رؤياي، فذهب في شعاب مكة، فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحيّ إلا قال: هذا شيبة الحمد. فتنامت إليه رجالات قريش، وانفضّ إليه من كلّ بطن رجل فشنّوا ومشوا واستلموا واطوّفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفّون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قرّوا بذروة الجبل واستكفّوا جانبيه. فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمّدا، فرفعه على عاتقه، وهو يومئذ غلام قد

стр. 3602

أيفع أو كرب، ثم قال: اللهمّ سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، [أنت عالم] غير معلّم، مسؤول غير مبخّل، وهذه [عبدّاؤك] وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخفّ والظّلف، فاسمعنّ اللهمّ وأمطرنّ علينا غيثا مغدقا مريعا. فوالكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها، واكتظّ الوادي بثجيجه، فسمعت شيخان قريش ورجلتها: عبد الله بن جدعان، وحرب ابن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون: هنيئا لك أبا البطحاء. ٣٦٩- عن هند بنت الجون: نزل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته، فدعا بماء فغسل يده، ثم تمضمضص ومجّ في عوسجة إلى الخيمة، فأصبحت وهي كأعظم [ ... ] بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشّهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برىء، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا درّ لبنها، فكنا نسمّيها المباركة، وينتابنا من البوادي من يستسقي بها، ويتزوّد منها، حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، وصغر ورقها، ففزعنا، فما راعنا إلا نعي رسول الله ﷺ ، ثم إنّها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أولها إلى آخرها، وتساقط ثمرها، وذهبت نضرتها، فما شعرنا إلا [.....] عليّ ﵁، فما أثمرت بعد ذلك؛ وكنّا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط، وقد ذبل ورقها؛ فبينا نحن فزعين مهمومين إذ أتانا خبر مقتل الحسين، ويبست الشجرة على إثر ذلك وذهبت. وهذا خبر غريب، ولم يشتهر خبر الشجرة كما شهر أمر الشاة في خبر أمّ معبد، وقد تقدّم في أول هذا الباب، وهو من أعلام السّير. «٣٧٠» - لمّا تلا رسول الله ﷺ : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (النجم: ١) ،

стр. 3603

قال عتبة بن أبي لهب: كفرت بربّ النّجم، فقال ﷺ : اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك. فخرج مع أصحابه في عير إلى الشام [فلما] كانوا بمكان يقال له الزرقاء، زأر الأسد، فجعلت فرائص عتبة ترعد، فقالوا: من أيّ شيء ترعد فرائصك، فو الله ما نحن وأنت إلا سواء؟ فقال: إنّ محمّدا دعا عليّ، ولا والله ما أظلّت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه؛ ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسّطوه بينهم وناموا. فجاء الأسد يهمس [؟] يستنشي رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة كانت إيّاها، فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم إنّ محمّدا أصدق الناس؟! «٣٧١» - جابر بن عبد الله ﵁: بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقّى عيرا لقريش، وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصّها كما يمصّ الصبيّ، ثم نشرب عليها من الماء، فيكفينا يومنا إلى الليل، وكنا يضرب بعضنا الخبط ثم نبلّه بالماء فنأكله. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا كهيئة الكثيب الضّخم، فأتيناه فإذا دابّة تدعى العنبر، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدّهن، ونقتطع منه الفدرة كالثّور، ولقد أخذ منّا أبو عبيدة [ثلاثة عشر] رجلا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير منّا، فمرّ من تحتها، وتزوّدنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إليه ﷺ فأكله. «٣٧٢» - قال خريم بن أوس: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من

стр. 3604

تبوك وسمعته يقول: هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي، وهذه الشيماء بنت بقيلة على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فقلت: [يا رسول الله] ، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها بما تصف، فهي لي، فقال: هي لك. ثم كانت الرّدّة فدخلناها، فكان أوّل من لقينا الشيماء كما قال ﷺ على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلّقت بها وقلت: هذه وهبها لي رسول الله ﷺ ، فدعا خالد بالبيّنة، فشهد لي محمد بن سلمة ومحمد بن بشير الأنصاري، فدفعها إليّ؛ وجاء أخوها عبد المسيح فقال لي: بعنيها، فقلت: لا أنقصها والله من عشر مئات شيئا، فأعطاني ألف درهم، فقال لي: لو قلت مائة ألف لدفعتها إليك، فقلت: ما كنت أحسب عددا أكثر من عشر مئات. «٣٧٣» - قال شيبة بن [عثمان بن] طلحة: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله ﷺ ؛ وكيف لا يكون ذلك وقد قتل منا ثمانية، كلّ منهم يحمل اللواء. فلما فتح مكّة أيست ممّا كنت أتمنّاه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه فمتى أدرك ثأري منه؟ فلما اجتمعت هوازن لحنين قصدتهم لأجد منهم غرّة فأقتله، ودبّرت في نفسي كيف أصنع؛ فلما انهزم الناس وبقي رسول الله ﷺ مع النفر الذين بقوا معه، جئت من ورائه، ورفعت السّيف حتى إذا كدت أحطّه غشّي فؤادي فلم أطق ذلك [وعرفت أنه] ممنوع. وروي أنه قال: فرفع لي شواظ من نار حتى كاد أن يمحشني، ثم التفت إليّ وقال لي: أدن يا شيب فقاتل، ووضع يده في صدري، فصار أحبّ الناس إليّ، وتقدّمت فقاتلت بين يديه، ولو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله ﷺ ، فلما انقضى القتال دخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: الذي أراد الله بك خير ممّا أردته بنفسك، وحدّثني بجميع ما زوّرته في نفسي، فقلت: ما اطّلع على هذا أحد إلا الله، وأسلمت.

стр. 3605

«٣٧٤» - لمّا حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال عيينة بن حصن لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلّمهم، فأذن له رسول الله ﷺ ، فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن فقال: ادن. فدخل عليهم الحصن فقال: فداكم أبي وأمي، والله ما لاقى محمد مثلكم، ولقد ملّ المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإنّ حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، ونبلكم حاضرة، وطعامكم كثير، وماءكم واتن [١] لا تخافون قطعه. فلمّا خرج قالت ثقيف لأبي محجن: فإنّا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل [إن رآه] في حصننا. فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس منا أحد أشدّ على محمد منه وإن كان معه. فلما رجع إلى رسول الله ﷺ قال: ما قلت لهم؟ قال: قلت: ادخلوا في الإسلام، فو الله ما يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانا، فخذّلتهم ما استطعت. فقال له رسول الله ﷺ : كذبت، قلت لهم كذا وكذا. وعاتبه أبو بكر على ذلك، فقال: أستغفر الله يا أبا بكر، وأتوب إليه، ولا أعود إليه أبدا. «٣٧٥» - لمّا رجع المشركون من بدر إلى مكّة أقبل عمير بن وهب الجمحيّ في الحجر، فقال صفوان بن أمية: قبّح الله العيش بعد قتلى بدر! قال عمير: أجل والله ما في العيش خير، ولولا دين عليّ لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئا، لرحلت إلى محمد حتى أقتله إن ملأت عيني منه، فقد بلغني أنه يطوف في الأسواق، وإنّ لي عندهم علّة، أقول: قدمت على ابني هذا الأسير. ففرح صفوان بقوله، فقال: يا أبا أميّة، وهل تراك فاعلا؟ قال: إي وربّ هذه البنيّة. قال صفوان: فعليّ دينك، وعيالك أسوة عيالي، فأنت والله تعلم أنه ليس

стр. 3606

بمكّة أشدّ توسّعا على عياله مني، فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب، قال صفوان: علي بعيره [ ... ] ، وأجرى على عياله ما أجرى على عيال نفسه، وأمر عمير بسيفه فشحذ وسمّ، ثم خرج إلى المدينة وقال لصفوان: أكتم عليّ أيّاما حتى أقدمها، فلم يذكرها صفوان. وقدم عمير فنزل على باب المسجد وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلّده، ثم عمد نحو رسول الله ﷺ ، فنظر عمر ﵁ وهو في نفر من أصحابه يتحدّثون ويذكرون نعمة الله عليهم في بدر، ورأى عميرا وعليه السيف، فقال عمر لأصحابه: دونكم هذا عدوّ الله، ودخل على رسول الله ﷺ وآله وصحبه فقال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد ومعه السيف! فقال النبيّ ﷺ : أدخله عليّ. فخرج عمر فأخذ بحمالة سيفه، فقبض بيده عليها وأخذ بيده الأخرى قائم السّيف، ثم أدخله على رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: يا عمر، تأخّر عنه، فلما دنا عمير من رسول الله ﷺ قال له: ما أقدمك يا عمير؟ قال: قدمت في أسيري عندكم، تفادوننا وتحسنون إلينا فيه فإنكم العشيرة والأهل. قال النبيّ ﷺ : فما بال السيف؟ قال: قبّحها الله من سيوف! وهل أغنت من شيء؟ وإنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، فقال رسول الله ﷺ : فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له؟ قال: تحمّلت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأنّك صادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنّا يا رسول الله نكذّبك بالوحي بما يأتيك من السماء، وإنّ هذا الحديث كان شيئا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطّلع عليه أحد غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم عليّ أيّاما، فأطلعك الله عليه، فآمنت بالله ورسوله، وشهدت أنّ ما جئت به حق. قال عمر: والله لخنزير كان أحبّ إليّ منه حين طلع، و [هو] في هذه الساعة أحبّ إليّ من بعض ولدي. فقال النبيّ ﷺ : علّموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. فقال عمير: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، وقد هداني الله، فله

стр. 3607

الحمد، فائذن لي فألحق بقريش فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام. فأذن له، فلحق بمكّة. وكان صفوان يسأل عن عمير، فقيل له: إنه قد أسلم، فلعنه أهل مكّة، وحلف صفوان أن لا يكلّمه أبدا ولا ينفعه، واطّرح عياله. وقدم عمير فدعاهم إلى الله وأخبرهم بصدق رسوله، فأسلم معه بشر كثير. «٣٧٦» - حدّث عبد الله بن عباس قال: حدّثني أبو سفيان بن حرب من فيه، قال: كنّا قوما تجارا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة- هدنة الحديبية- بيننا وبين رسول الله ﷺ ، خرجت في نفر من قريش إلى الشام، وكان وجه متجرنا غزّة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها، وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كانوا استلبوه إيّاه؛ فلما بلغه ذلك، وكان منزله بحمص من أهل الشام، خرج منها يمشي متنكّرا إلى بيت المقدس يصلّي فيه، تبسط له البسط وتطرح له الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء، فصلّى بها؛ فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلّب طرفه إلى السماء، فقالت بطارقته: أيّها الملك، لقد أصبحت مهموما؟ فقال: أجل، فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر، قالوا: فو الله ما نعلم أنّ أمّة من الأمم تختتن إلا يهود، وهم تحت يديك وسلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلّها ولا يبقى يهوديّ إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا المهمّ؛ فإنّهم في ذلك من رأيهم يديرونه إذ [أتى] رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيّها الملك، هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدّثك عن حدث كان ببلاده، فسله عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله، ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله، فقال: رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنّه نبيّ، وقد اتّبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم

стр. 3608

في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال: جرّدوه، فإذا هو مختون. فقال: هذا والله الذي أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، وانطلق لشأنك. ثم دعا صاحب شرطته فقال: قلّب لي الشام ظهرا وبطنا حتى [تأتيني] برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فو الله إني لبغزّة إذ هجم علينا، فسألنا: من أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، فلما انتهينا إليه- قال أبو سفيان: فو الله ما رأيت من رجل قطّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأقلف- يريد هرقل- فلما انتهينا إليه قال: أيّكم أمسّ رحما به؟ فقلت: أنا، فقال: أدنوه مني؛ فأجلسني بين يديه، ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب، فردّوا عليه. فقال أبو سفيان: لقد عرفت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ، ولكني كنت امرءا سيّدا أتكرّم [عن أن] أكذب، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عليّ، ثم يتحدّثوا عني بمكّة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم؛ فزهّدت له شأنه، وصغّرت له أمره، فو الله ما التفت إلى ذلك منّي وقال: أخبرني عمّا أسألك عنه من أمره. فقلت: سلني عمّا بدا لك. فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: محضا من أوسطنا نسبا. قال: فأخبرني، هل كان في أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به؟ فقلت: لا، قال: فأخبرني، هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم؟ فقلت: الأحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشراف قومه وذوو الأسنان منهم فلا. قال: فأخبرني عمّن يصحبه، أيلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قلّ ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت: سجال؛ يدال علينا ويدال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئا أغمز فيه إلا هي، فقلت: لا، ونحن منه في هدنة مدّة، ولا نأمن غدره، فو الله ما التفت إليها منّي. فأعاد عليّ الحديث، فقال: زعمت أنّه من أمحضكم [نسبا] وكذاك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه فلا يأخذه إلا من أوسط قومه.

стр. 3609

وسألتك: هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به، فقلت: لا. وسألتك: هل كان له ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه، فقلت: لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضّعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان. وسألتك عمّن يتبعه، أيحبّه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه؟ فزعمت أنّه قلّ من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه. وسألتك عن الحرب بينكم، فزعمت أنّها سجال، يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فلئن صدقتني ليغلبنّي على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. إلحق بشأنك. فقمت وأنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى وأقول: عباد الله، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه على سلطانهم. ٣٧٧- وقال العباس بن عبد المطلب ﵀: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فكنت أصنع يوما طعاما [وأدعو] بأبي سفيان وبالنّفر، ويصنع أبو سفيان يوما فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إليّ بغدائك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنّفر إلى بيته، وأرسلت إليه الغداء. فلما تغدّى القوم قاموا، واحتبسني فقال: هل علمت يا أبا الفضل أنّ ابن أخيك يزعم أنّه رسول الله؟ قلت: فأيّ بني أخي؟ قال أبو سفيان: إيّاي تكتم!؟ وأيّ بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت: وأيّهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله،

стр. 3610

قلت: ما فعل! قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليّ كتابا من ابنه حنظلة [بن أبي] سفيان: إنّي أخبرك أنّ محمدا قام بالأبطح غدوة فقال: أنا رسول الله، أدعوكم إلى الله. قال قلت: يا أبا حنظلة، لعلّه صادق، قال: مهلا يا أبا الفضل، فو الله ما أحبّ أن تقول مثل هذا، إني لأخشى أن تكون قد كنت على صير من هذا الأمر، ويروى على بصيرة من هذا الحديث. ثم قال: يا بني عبد المطّلب، إنّه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة وشؤمة، كلّ واحدة منهما عامّة، فنشدتك الله يا أبا الفضل، هل سمعت ذلك؟ قلت: نعم، قال: فهذه والله إذن شؤمتكم، قلت: ولعلّها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة السّهميّ بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن، فتحدّث به فيها. وكان أبو سفيان يجلس إلى خبر من أحبار اليهود، فقال له اليهوديّ: ما هذا الخبر الذي بلغني؟ قال: هو ما سمعت، قال: بلغني أنّ فيكم عمّ هذا الرجل، قال أبو سفيان: صدقوا وأنا عمّه، قال اليهودي: أخو أبيه؟ قال: نعم، قال: حدّثني عنه، قال: ما كنت أحسب أن يدّعي هذا الأمر أبدا، وما أحبّ أن أعتبه، وغيره خير منه. فقال اليهوديّ: فليس به إذن، ولا بأس على يهود وتوراة موسى. قال العباس: فتمادى إليّ الخبر، فجئت فخرجت حتى أجلس [ذلك] المجلس من غد، وفيه أبو سفيان والحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمّي هذا عن رجل منّا يزعم أنّه رسول الله، وأخبرك أنّه عمّه، وليس بعمّه، ولكنه ابن عمّه، وأنا عمّه أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال: أصدق؟ قال: نعم، قال فقلت: سلني عنه، إن كذبت فليردد عليّ. قال: فأقبل عليّ فقال: نشدتك الله هل فشت له فيكم سفهة أو سوأة؟ قال قلت: لا وإله عبد المطّلب ولا كذبة، وإن كان اسمه عند قريش الأمين، قال: فهل كتب بيده؟ [قال] العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه: فظننت أنّه خير له
следующие страницы →