بمكّة أشدّ توسّعا على عياله مني، فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب، قال صفوان: علي بعيره [ ... ] ، وأجرى على عياله ما أجرى على عيال نفسه، وأمر عمير بسيفه فشحذ وسمّ، ثم خرج إلى المدينة وقال لصفوان: أكتم عليّ أيّاما حتى أقدمها، فلم يذكرها صفوان.
وقدم عمير فنزل على باب المسجد وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلّده، ثم عمد نحو رسول الله ﷺ ، فنظر عمر ﵁ وهو في نفر من أصحابه يتحدّثون ويذكرون نعمة الله عليهم في بدر، ورأى عميرا وعليه السيف، فقال عمر لأصحابه: دونكم هذا عدوّ الله، ودخل على رسول الله ﷺ وآله وصحبه فقال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد ومعه السيف! فقال النبيّ ﷺ : أدخله عليّ. فخرج عمر فأخذ بحمالة سيفه، فقبض بيده عليها وأخذ بيده الأخرى قائم السّيف، ثم أدخله على رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: يا عمر، تأخّر عنه، فلما دنا عمير من رسول الله ﷺ قال له: ما أقدمك يا عمير؟ قال:
قدمت في أسيري عندكم، تفادوننا وتحسنون إلينا فيه فإنكم العشيرة والأهل. قال النبيّ ﷺ : فما بال السيف؟ قال: قبّحها الله من سيوف! وهل أغنت من شيء؟
وإنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، فقال رسول الله ﷺ : فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له؟ قال: تحمّلت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأنّك صادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنّا يا رسول الله نكذّبك بالوحي بما يأتيك من السماء، وإنّ هذا الحديث كان شيئا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطّلع عليه أحد غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم عليّ أيّاما، فأطلعك الله عليه، فآمنت بالله ورسوله، وشهدت أنّ ما جئت به حق.
قال عمر: والله لخنزير كان أحبّ إليّ منه حين طلع، و [هو] في هذه الساعة أحبّ إليّ من بعض ولدي. فقال النبيّ ﷺ : علّموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. فقال عمير: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، وقد هداني الله، فله
стр. 3607
الحمد، فائذن لي فألحق بقريش فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام. فأذن له، فلحق بمكّة. وكان صفوان يسأل عن عمير، فقيل له: إنه قد أسلم، فلعنه أهل مكّة، وحلف صفوان أن لا يكلّمه أبدا ولا ينفعه، واطّرح عياله.
وقدم عمير فدعاهم إلى الله وأخبرهم بصدق رسوله، فأسلم معه بشر كثير.
«٣٧٦» - حدّث عبد الله بن عباس قال: حدّثني أبو سفيان بن حرب من فيه، قال: كنّا قوما تجارا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة- هدنة الحديبية- بيننا وبين رسول الله ﷺ ، خرجت في نفر من قريش إلى الشام، وكان وجه متجرنا غزّة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها، وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كانوا استلبوه إيّاه؛ فلما بلغه ذلك، وكان منزله بحمص من أهل الشام، خرج منها يمشي متنكّرا إلى بيت المقدس يصلّي فيه، تبسط له البسط وتطرح له الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء، فصلّى بها؛ فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلّب طرفه إلى السماء، فقالت بطارقته: أيّها الملك، لقد أصبحت مهموما؟ فقال: أجل، فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر، قالوا: فو الله ما نعلم أنّ أمّة من الأمم تختتن إلا يهود، وهم تحت يديك وسلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلّها ولا يبقى يهوديّ إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا المهمّ؛ فإنّهم في ذلك من رأيهم يديرونه إذ [أتى] رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيّها الملك، هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدّثك عن حدث كان ببلاده، فسله عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله، ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله، فقال: رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنّه نبيّ، وقد اتّبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم
стр. 3608
في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال:
جرّدوه، فإذا هو مختون. فقال: هذا والله الذي أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، وانطلق لشأنك. ثم دعا صاحب شرطته فقال: قلّب لي الشام ظهرا وبطنا حتى [تأتيني] برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فو الله إني لبغزّة إذ هجم علينا، فسألنا: من أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، فلما انتهينا إليه- قال أبو سفيان: فو الله ما رأيت من رجل قطّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأقلف- يريد هرقل- فلما انتهينا إليه قال: أيّكم أمسّ رحما به؟ فقلت: أنا، فقال:
أدنوه مني؛ فأجلسني بين يديه، ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب، فردّوا عليه. فقال أبو سفيان: لقد عرفت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ، ولكني كنت امرءا سيّدا أتكرّم [عن أن] أكذب، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عليّ، ثم يتحدّثوا عني بمكّة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم؛ فزهّدت له شأنه، وصغّرت له أمره، فو الله ما التفت إلى ذلك منّي وقال: أخبرني عمّا أسألك عنه من أمره. فقلت: سلني عمّا بدا لك. فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: محضا من أوسطنا نسبا.
قال: فأخبرني، هل كان في أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به؟
فقلت: لا، قال: فأخبرني، هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم؟
فقلت: الأحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشراف قومه وذوو الأسنان منهم فلا. قال: فأخبرني عمّن يصحبه، أيلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قلّ ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت: سجال؛ يدال علينا ويدال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئا أغمز فيه إلا هي، فقلت: لا، ونحن منه في هدنة مدّة، ولا نأمن غدره، فو الله ما التفت إليها منّي. فأعاد عليّ الحديث، فقال: زعمت أنّه من أمحضكم [نسبا] وكذاك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه فلا يأخذه إلا من أوسط قومه.
стр. 3609
وسألتك: هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به، فقلت: لا.
وسألتك: هل كان له ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه، فقلت: لا.
وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضّعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان.
وسألتك عمّن يتبعه، أيحبّه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه؟ فزعمت أنّه قلّ من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه.
وسألتك عن الحرب بينكم، فزعمت أنّها سجال، يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة.
وسألتك: هل يغدر؟ فلئن صدقتني ليغلبنّي على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. إلحق بشأنك. فقمت وأنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى وأقول: عباد الله، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه على سلطانهم.
٣٧٧- وقال العباس بن عبد المطلب ﵀: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فكنت أصنع يوما طعاما [وأدعو] بأبي سفيان وبالنّفر، ويصنع أبو سفيان يوما فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إليّ بغدائك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنّفر إلى بيته، وأرسلت إليه الغداء. فلما تغدّى القوم قاموا، واحتبسني فقال: هل علمت يا أبا الفضل أنّ ابن أخيك يزعم أنّه رسول الله؟ قلت: فأيّ بني أخي؟ قال أبو سفيان: إيّاي تكتم!؟ وأيّ بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت: وأيّهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله،
стр. 3610
قلت: ما فعل! قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليّ كتابا من ابنه حنظلة [بن أبي] سفيان: إنّي أخبرك أنّ محمدا قام بالأبطح غدوة فقال: أنا رسول الله، أدعوكم إلى الله. قال قلت: يا أبا حنظلة، لعلّه صادق، قال: مهلا يا أبا الفضل، فو الله ما أحبّ أن تقول مثل هذا، إني لأخشى أن تكون قد كنت على صير من هذا الأمر، ويروى على بصيرة من هذا الحديث. ثم قال: يا بني عبد المطّلب، إنّه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة وشؤمة، كلّ واحدة منهما عامّة، فنشدتك الله يا أبا الفضل، هل سمعت ذلك؟ قلت:
نعم، قال: فهذه والله إذن شؤمتكم، قلت: ولعلّها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة السّهميّ بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن، فتحدّث به فيها.
وكان أبو سفيان يجلس إلى خبر من أحبار اليهود، فقال له اليهوديّ: ما هذا الخبر الذي بلغني؟ قال: هو ما سمعت، قال: بلغني أنّ فيكم عمّ هذا الرجل، قال أبو سفيان: صدقوا وأنا عمّه، قال اليهودي: أخو أبيه؟ قال:
نعم، قال: حدّثني عنه، قال: ما كنت أحسب أن يدّعي هذا الأمر أبدا، وما أحبّ أن أعتبه، وغيره خير منه. فقال اليهوديّ: فليس به إذن، ولا بأس على يهود وتوراة موسى.
قال العباس: فتمادى إليّ الخبر، فجئت فخرجت حتى أجلس [ذلك] المجلس من غد، وفيه أبو سفيان والحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمّي هذا عن رجل منّا يزعم أنّه رسول الله، وأخبرك أنّه عمّه، وليس بعمّه، ولكنه ابن عمّه، وأنا عمّه أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال:
أصدق؟ قال: نعم، قال فقلت: سلني عنه، إن كذبت فليردد عليّ. قال:
فأقبل عليّ فقال: نشدتك الله هل فشت له فيكم سفهة أو سوأة؟ قال قلت:
لا وإله عبد المطّلب ولا كذبة، وإن كان اسمه عند قريش الأمين، قال: فهل كتب بيده؟ [قال] العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه: فظننت أنّه خير له
стр. 3611
أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان، وأنّه مكذّبي ورادّ علي، فقلت: لا يكتب. فوثب الحبر وترك رداءه وجعل يصيح: ذبحت يهود! ذبحت يهود! قال العباس رضي الله تعالى عنه: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إنّ اليهوديّ ليفزع من ابن أخيك! قال قلت: قد رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقّا، كنت قد سبقت، وإن كان باطلا، تبعك غيرك من أكفائك؟ قال: لا والله لا أو من به حتى أرى الخيل من كداء، وهو جبل بمكّة. قال قلت: ما تقول؟ قال: كلمة والله جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا، [وأنا] أعلم أنّ الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. [قال] العباس: فلما فتح رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه مكّة، ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان، أتذكر الكلمة؟ قال: أي والله، إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني للإسلام.
«٣٧٨» - وروي عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا عزم على فتح مكّة، خرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل مرّ الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا يدرون ما هو فاعل. فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسّسون [الأخبار] وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعونه.
قال العباس: قلت: واصباح قريش! لئن دخل رسول الله ﷺ مكّة عنوة قبل أن يستأمنوا إليه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدّهر. قال: فركبت بغلة رسول
стр. 3612
الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، أقول: لعلّي ألقى بعض الحطّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة، فيأتيهم فيخبر بمكان رسول الله ﷺ ، ليخرجوا إليه. قال: فو الله إني لأسير عليها ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما [يتراجعان] وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا! قال: فعرفت صوت أبي سفيان فقلت: يا أبا حنظلة، قال: فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما وراءك، فداك أبي وأمّي؟! قلت:
ويلك، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش! فقال: ما تأمرني؟
قلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فو الله لئن ظفر بك، ليضربنّ عنقك. فردفني، فخرجت به أركض بغلة رسول الله ﷺ .
فكلما مررت بنيران من نيران المسلمين قالوا: عمّ رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد. ثم اشتدّ نحو النبيّ ﷺ ، وركضت البغلة حتى اقتحمت على باب القبّة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة الرجل البطيء.
فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر، فو الله ما تصنع هذا إلا أنّه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا؛ قال: مهلا يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسول الله ﷺ : اذهب فقد أمّنّاه حتى تغدو به عليّ.
[قال] ، قال: فرجعت به إلى منزلي، فلما أصبح غدا به على عهد رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟
قال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننت أنّه لو
стр. 3613
كان مع الله غيره لقد أغنى عنّي شيئا. فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أما هذه فإنّ في النّفس منها شيئا. قال العباس: فقلت له: ويحك! تشهد شهادة الحقّ قبل أن تضرب عنقك! قال: فتشهّد. فقال رسول الله ﷺ للعباس [بعد أن] تشهّد أبو سفيان: انصرف يا عباس، فأجلسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه جنود الله . فقلت له: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال:
نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فمررت حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، فمرّت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ فتمرّ به قبيلة أخرى، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: ما لي ولأسلم؟ وتمرّ عليه جهينة، فيقول: ما لي ولجهينة؟ حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما! فقلت: ويحك، إنّها النبوّة. فقال: نعم إذن. فقلت: إلحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتى أتى مكّة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، قالوا: فمه؟ قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.
«٣٧٩» - قال عبد الله بن الزبير: لمّا كان يوم اليرموك خلفني أبي فأخذت فرسا، [ ... ] ، فرأيت جماعة من الطلقاء فيهم أبو سفيان بن حرب، فوقفت معهم، فكانت الروم إذا هزمت المسلمين قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان: [من الخفيف]
стр. 3614
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... روم لم يبق منهم مذكور
فلما فتح الله على المسلمين حدّثت أبي، فقال: قاتله الله! أبى إلا نفاقا، أفلسنا خيرا له من بني الأصفر!؟ ثم كان يأخذ بيدي فيطوف بي على أصحاب رسول الله ﷺ ويقول: حدّثهم، فأحدّثهم فيعجبون من نفاقه.
٣٨٠- وروي أنّ أبا سفيان دخل على عثمان [ ... ] فقال: هل علينا من عين؟ فقال له عثمان: لا، فقال: يا عثمان، إنّ الأمر أمر عالمية [؟] ، والملك ملك جاهلية، فاجعل أوتاد الأرض بني أميّة.
٣٨١- وروي أنه دخل عليه فقال له: إنّ الخلافة صارت في تيم وعديّ حتى طمعت فيها، وقد صارت إليكم فتلقّفوها تلقّف الكرة، فو الله ما من جنّة ولا نار، هذا أو نحوه. فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل.
«٣٨٢» - حدّث أبو عبيدة أنّ معاوية وجّه جيشا إلى [بلاد] الروم ليغزو الصائفة، فأصابهم جدريّ فمات أكثر المسلمين، وكان ابنه يزيد مصطبحا بدير مرّان مع زوجته أمّ كلثوم، فبلغه خبرهم فقال: [من البسيط]
إذا ارتفقت على الأنماط مصطبحا ... بدير مرّان عندي أمّ كلثوم
فما أبالي بما لاقت جموعهم ... بالقرقدونة من حمّى ومن موم [١]
فبلغ شعره أباه فقال: أم والله ليلحقنّ بهم، فليصيبنّه ما أصابهم، فخرج حتى لحق بهم، وغزا حتى لحق إلى القسطنطينية، فنظر إلى [ ... ] الديباج، فإذا كانت الحملة للمسلمين، ارتفع من إحداهما أصوات الطبول والدّفوف، وإذا
стр. 3615
كانت الحملة للروم، ارتفع من الأخرى. فسأل يزيد عنهما، فقيل: هذه ابنة ملك الروم، وتلك ابنة جبلة بن الأيهم، وكلّ واحدة تظهر السرور بما تفعله عشيرتها. فقال: أم والله لأسرّنّهما. ثم كفّ العسكر، وحمل حتى هزم الروم فأحجرهم في المدينة، وضرب باب القسطنطينية بعمود حديد كان في يده، فهشمه حتى انخرق، فضرب عليه لوح من ذهب، فهو عليه إلى اليوم.
٣٨٣- قال ميمون بن هارون: رأى الرشيد فيما يرى النائم [امرأة تحمل] كفّ تراب ثم قالت له: هذه [التربة التي تدفن فيها] فأصبح فزعا، فقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما في هذا؟ قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ، ثم لا يضرّ. فركب وقال: إني لأرى الأمر قريبا، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شبّاك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله المرأة التي رأيتها، ولو رأيتها بين ألف امرأة ما خفيت عليّ، ثم أمرها أن تأخذ كفّ تراب فتدفعه إليه، فضربت بيدها الأرض التي كانت عليها فأعطته منها كفّ تراب، فبكى وقال: هذه والله التربة التي رأيتها [في منامي وهذه الكف بعينها، فمات] بعد مدّة، فدفن في ذلك الموضع بعينه، اشتري له ودفن فيه.
«٣٨٤» - كان المأمون قد أطلق لأصحابه الكلام والمناظرة في مجلسه، فناظر يوما بين يديه محمد بن العباس الصّولي عليّ بن الهيثم في الإمامة، فتقلّدها أحدهما ودفعه الآخر، فلجّت المناظرة بينهما إلى أن نبّط [١] محمد عليّا، فقال له عليّ: إنما تكلّمت بلسان غيرك، ولو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر ممّا قلت.
стр. 3616
فغضب المأمون وأنكر على محمد ما قال، وما كان منه من سوء الأدب بحضرته، ونهض عن فرشه، ونهض الجلساء فخرجوا. فأراد محمد أن ينصرف، [فمنعه صاحب المصلى وقال علي بن صالح] : أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين ونهض على الحال التي رأيت، ثم تنصرف بغير إذن منه؟ اجلس حتى نعرف رأيه فيك، وأمر بأن يحبس. ومكث المأمون ساعة ثم خرج، فجلس على سريره، وأمر بالجلساء فردّوا إليه، فدخل إليه عليّ بن صالح، فعرّفه ما كان من قول محمد والانصراف، وما كان من منعه إيّاه، فقال: دعه ينصرف إلى لعنة الله. فانصرف.
وقال المأمون لجلسائه: أتدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت؟ قالوا:
لا، قال: إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما [كان لم آمن فلتات الغضب وله بنا حرمة] فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ حتى سكن غضبي.
ومضى محمد من وجهه إلى طاهر بن الحسين، فسأله الركوب إلى المأمون وأن يستوهبه جرمه، فقال له طاهر: ليس هذا من أوقاتي، وقد كتب إليّ خليفتي في الدار أنّه قد دعا بالجلساء. فقال محمد: أكره أن أبيت ليلة وأمير المؤمنين عليّ ساخط. فلم يزل به حتى ركب طاهر معه، فأذن له فدخل ومجير الخادم واقف على يمين المأمون. فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا كان بين يديه، فمسح بين عينيه مرّتين أو ثلاثا إلى أن وصل إليه [وحرك شفتيه بشيء أنكره طاهر، ثم دنا] فسلّم، فردّ السلام وأمره بالجلوس، فجلس في موضعه، فسأله عن مجيئه في غير وقته، فعرّفه الخبر واستوهبه ذنب محمد، فوهبه له. فانصرف، وعرّف محمّدا ذلك، ثم دعا بهارون بن جعونه [١] ، وكان شيخا خراسانيّا داهية ثقة عنده، فذكر له فعل المأمون، وقال له: الق كاتب مجير الخادم، والطف به، وتضمن له عشرة آلاف درهم على
стр. 3617
تعريفك ما قاله المأمون، ففعل ذلك، ولطف له، وعرّفه أنّه لمّا رأى طاهرا دمعت عيناه، وترحّم على محمد الأمين، ومسح دمعه بالمنديل. فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته [إلى أحمد بن أبي خالد الأحول] ، وكان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون، وكلّهم يركب إليه، فقال له: جئتك لتوليني خراسان وتحتال لي فيها. وكان أحمد يتولّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون وغسّان بن عباد إذ ذاك يتولى خراسان. فقال له أحمد: هلّا أقمت بمنزلك وبعثت إليّ حتى أصير إليك، ولا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه، وسيبلغه هذا فينكره، فانصرف وأغض عن هذا الأمر وأمهلني مدّة حتى أحتال لك.
[ولبث مدة، وزوّر ابن أبي خالد] كتابا من غسان بن عبّاد إلى المأمون يذكر فيه أنّه عليل، وأنّه لا يأمن على نفسه، ويسأل أن يستخلف غيره على خراسان، وجعله في خريطة، وفضّها بين يدي المأمون في خرائط وردت عليه.
فلما قرأ على المأمون الكتاب، اغتمّ به وقال: ما ترى؟ فقال: لعلّ هذه علّة عارضة تزول، وسيرد بعد هذا غيره، فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه. ثم أمسك أيّاما وكتب كتابا آخر ودسّه في الخرائط يذكر فيه أنّه قد تناهى في العلّة إلى ما لا يرجو معه [نفسه. فلما قرأه المأمون قلق وقال: يا أحمد إنه لا مدفع لأمر خراسان، فما ترى؟] فقال: هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب، لم أستقله [١] ، وأمير المؤمنين أعلم بخدمه ومن يصلح لخراسان منهم. قال: فجعل المأمون يسمّي رجالا ويطعن أحمد على واحد واحد منهم، إلى أن قال له: فما ترى في الأعور؟ فقال: إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر ونهوض فيه، فعنده.
فدعا به المأمون فعقد له على خراسان، وأمره أن يعسكر فعسكر بباب خراسان.
стр. 3618
ثم تعقّب الرأي، فعلم أنّه قد أخطأ، فتوقّف عن إمضاء أمره، وخشي أن يوحش طاهرا بنقضه، فمضى شهر تامّ وطاهر [مقيم بمعسكره، ثم إن المأمون أرق في السحر] من ليلة أحد وثلاثين يوما من عقده اللواء لطاهر. وأمر بإحضار مخارق المغنّي، فأحضر وقد صلّى المأمون [الغداة] مع طلوع الفجر، وقال:
يا مخارق، أتغنّي: [من الوافر]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وكيف تريد أن تدعى عظيما ... وأنت لكلّ ما تهوى تبوع
الشعر لعمرو بن معد يكرب. فقال: نعم، قال: فهاته، فغنّاه، فقال: ما صنعت شيئا، فهل تعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله؟ قال: نعم، علّويه الأعسر.
فأمر بإحضاره، [فكأنه كان وراء ستر] ، فغنّاه واحتفل. قال: ما صنعت شيئا، أفتعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله؟ قال: نعم، عمرو بن بانة، فأمر بإحضاره، فدخل في مقدار دخول علّويه، فأمره أن يغنّي الصوت، فغنّاه فأحسن. فقال:
أحسنت ما شئت! هكذا ينبغي أن يقال. ثم قال: يا غلام، اسقني رطلا، واسق صاحبيه رطلا رطلا، ثم دعا بعشرة آلاف درهم، وخلعة ثلاثة أثواب، ثم أمر بإعادته، فأعاده، فردّ القول الذي قاله وأمر بمثل ما أمر به حتى فعل ذلك عشرا، وحصل لعمرو مائة ألف درهم وثلاثون ثوبا. ودخل المؤذّنون فآذنوه بالظّهر، فنقد [أصبعه الوسطى بابهامه وقال] برق يمان. وكذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين قد أنعمت عليّ وأحسنت إليّ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ ما وصل إليّ، فقد حضراه؟ فقال:
ما أحسن ما استمحت لهما! بل نعطيهما نحن ولا نلحقهما بك. وأمر لكلّ واحد منهما بمثل نصف جائزة عمرو.
وبكّر إلى طاهر، فرحّله، فلما ثنى عنان دابته منصرفا، دنا منه حميد الطوسي فقال له: اطرح على ذنبه ترابا. فقال اخسأ يا كلب، ونفذ طاهر
стр. 3619
لوجهه. وقدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علّته وسببها، فحلف له أنه لم يكن عليلا ولا كتب بشيء من هذا، فعلم المأمون أن طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد، وأمسك على ذلك، فلما كان بعد مدة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد: كيف أقدمت على هذا الفعل ولم تدع في هذه الجمعة لأمير المؤمنين؟
فقال: سهو وقع فلا تكتب به، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثانية وقال لعون: لا تكتب به، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثالثة، فقال له عون: إنّ كتب التجار لا تنقطع من بغداد، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي. فقال: اكتب بما أحببت، فكتب إلى المأمون بالخبر، فلما وصل كتابه دعا بأحمد بن أبي خالد وقال: إنه لم يذهب عليّ احتيالك عليّ في أمر طاهر وتمويهك له، وأنا أعطي الله عهدا لئن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي، وتصلح ما أفسدته عليّ من أمر ملكي لأبيدنّ غضراءك [١] ، فشخص أحمد وجعل يتلوّم في الطرق ويقول لأصحاب البرد: اكتبوا بخبر علّة أجدها. فلما وصل إلى الرّيّ لقيته الأخبار بوفاة طاهر، ووافته رسل طلحة [بن طاهر، فأغذّ السير حتى قدم] خراسان فلقيه طلحة على حدّ عمله [٢] ، فقال له أحمد: لا تكلّمني، ولا ترني وجهك فإنّ أباك عرّضني للعطب وزوال النعمة مع احتيالي له وسعيي كان في محبّته. فقال له: أبي قد مضى لسبيله، ولو أدركته لما خرج من طاعتك، وأنا فأحلف لك بكلّ ما تسكن إليه، وأبذل لك كلّ ما عندي من مال وغيره، فاضمن عني حسن الطاعة وضبط الناحية، والإخلاص في النصيحة. فكتب أحمد بخبره وخبر طاهر وخبر طلحة إلى المأمون، وأشار بتقليده. فأنفذ المأمون إليه اللواء والعهد والخلع، وانصرف أحمد إلى مدينة السلام.
стр. 3620
«٣٨٥» - وقد روي [أن المأمون قال] لأحمد حيث أشار بطاهر إنّه خالع [١] ، فقال أحمد: فأنا أضمنه، وأنّ أحمد أهدى إلى طاهر خادما كان ربّاه، وقرّر معه أن يسمّه إن تغيّر عن الطاعة، وأنّ الخادم سمّه في كامخ حيث فعل طاهر ما فعل، والله أعلم.
«٣٨٦» - قال منجاب بن راشد: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرميّ على قتال أهل الردّة بالبحرين، فتلاحق به من لم يرتدّ من المسلمين، فسلك بنا الدّهناء حتى إذا كنّا في بحبوحتها أراد الله أن يرينا آية، فنزل العلاء وأمر بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل [فما بقي عندنا بعير] ولا زاد ولا مزاد، فما علمت جمعا هجم عليهم من الغمّ ما هجم علينا، وأوصى بعضنا إلى بعض. ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟.
فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا؟
فقال: يا أيّها الناس، لا تراعوا، ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا، فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم. ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلّى بنا، ومنّا المتيمّم ومنّا من لم يزل على طهوره. فلما قضى صلاته [جثا لركبتيه وجثا الناس، فنصب في] الدعاء ونصبوا له. فلمع سراب، فأقبل على الدّعاء، ثم لمع لهم آخر كذلك، فقال الرّائد: ماء! فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كلّ وجه، فأناخت، فقام كلّ رجل منّا إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا، فأرويناها وسقيناها العلل بعد النّهل، وتروّينا ثم تروّحنا.
стр. 3621
وكان أبو هريرة رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ قلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد، قال: فكرّ معي حتى تقيمني عليه. [فكررت به] فأتى على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به ولا مطر ولا أثر لماء. فقلت له: والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء من قبل ذلك اليوم. فنظر أبو هريرة إداواته مملوءة فقال: هذا والله المكان بعينه، ولهذا رجعت ورجعت بك، وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفير الوادي. فقلت: إن كان منّا من المنّ وكانت آية عرفتها، وحمد الله، ثم سرنا حتى ننزل هجر.
[وأرسل] العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضمّا في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم ممّا يليكما. (وكان الحطم، وهو [شريح بن ضبيعة] ممّن ارتدّ وقويت شوكته، واجتمعت ربيعة بالبحرين، وردّوا الملك في آل المنذر فملّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وقيل: هو ابن سويد بن المنذر أخي النعمان وكان يسمّى الغرور، ثم أسلم بعد ذلك، وكان يقول: لست بالغرور، ولكني المغرور) [١] .
وخرج العلاء بن الحضرميّ بمن معه ومن [قدم] عليه حتى نزل ممّا يلي هجر، وتجّمع المشركون كلّهم على العلاء [٢] . وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا على ذلك شهورا [٣] . فبينا الناس ليلة كذلك إذ سمع المسلمون في معسكر المشركين [ضوضاء شديدة كأنها ضوضاء] هزيمة [أو قتال] ، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ [فقال عبد الله بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم]- وكانت أمّه عجليّة- فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم وجعل ينادي: يا
стр. 3622
أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه، فقال: ما شأنك؟ قال: لا أضيعنّ الليلة بين اللهازم، وعلام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة؟
أيتلاعب بي الحطم ونزّاع القبائل وأنتم شهود؟ فتخلّصه وقال: والله إنّي لأظنّك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة! فقال: دعني من هذا، وأطعمني، فقد متّ جوعا. فقرّب إليه طعاما فأكل ثم قال: زوّدني [واحملني وجوّزني أنطلق إلى طيّتي]- ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب- ففعل وحمله على بعير وزوّده وجوّزه. وخرج عبد الله حتى دخل عسكر المسلمين وأخبرهم أنّ القوم سكارى. فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عسكرهم، فوضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا، فتقحّموا الخندق هرّابا، فمتردّ، وناج ودهش ومقتول ومأسور، واستولى المسلمون على ما في العسكر، فلم يفلت رجل إلا بما عليه.
فأمّا أبجر فأفلت، وأما الحطم فإنّه بعل [١] ودهش، فقام إلى فرسه- والمسلمون خلالهم- ليركب، فلما وضع رجله في الرّكاب انقطع، فمرّ به عفيف بن [المنذر] والحطم يستغيث ويقول: ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني، فرفع صوته، فعرفه عفيف فقال: أبو ضبيعة؟ قال: نعم، قال: أعطني رجلك أعقلك. فأعطاه رجله يعقلها، فنفحها فأطنّها [٢] من الفخذ وتركه، فقال: أجهز عليّ، فقال: إني لأحبّ ألا تموت حتى أمضّك- وكان مع عفيف عدّة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ- وجعل الحطم يطلب من يقتله، يقول ذلك لمن لا يعرفه، حتى مرّ به قيس بن عاصم فمال عليه فقتله، فلما رأى فخذه نادرة قال:
واسوأتاه! لو علمت الذي به لم أجهز عليه.
وخرج المسلمون بعدما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم، فاتبعوهم [فلحق قيس بن عاصم أبجر- وكان] فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب، فقطع العصب، وسلم النّسا، فقال عفيف
стр. 3623
بن المنذر في ذلك: [من الطويل]
فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النّسا ... وما كلّ من يلقى بذلك عالم
ألم تر أنّا قد فللنا حماتهم ... بأسرة عمرو، والرّباب الأكارم
وأسر عفيف بن المنذر الغرور، فكلّمته الرّباب فيه وكان ابن أختهم، وسألوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء فقال: إني أجرته، فقال: ومن هو؟ قال الغرور، فقال له الغرور: إني لست بالغرور [ولكني المغرور، قال: أسلم، فأسلم وبقي] بهجر، وأصبح العلاء يقسم الأنفال، ونفّل رجالا من أهل البلاد ثيابا، فممّن نفّل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفّل ثيابا فيها خميصة ذات أعلام كان الحطم يباهي بها، فأخذ منها وباع الباقي.
وهرب الفلّال إلى دارين، فركبوا إليها السفن، فجمعهم الله إليها، وندب العلاء الناس إلى دارين، وخطبهم فقال: إنّ الله قد جمع لكم إخوان الشيطان وشرّاد الحرب في هذا اليوم، وقد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بما في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم واستعرضوا البحر [إليهم، فإنّ الله قد جمعهم، فقالوا:
نفعل] ولا نهاب والله [بعد الدّهناء هولا ما بقينا] .
فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموه على الخيل والحمولة والإبل والبغال والراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان دعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحد، يا صمد، يا حيّ، يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا. فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وبين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر. ووصل المسلمون إليها فما تركوا بها من المشركين مخبرا، وسبوا الذّراريّ، واستاقوا الأموال، فبلغ نفل [الفارس ستّة آلاف] والراجل ألفين فلما [فرغوا رجعوا] عودهم على بدئهم حتى عبروا. وأنشد في ذلك [عفيف] : [من الطويل]
стр. 3624
ألم تر أنّ الله ذلّل بحره ... وأنزل بالكفّار إحدى الجلائل
دعونا الذي شقّ البحار فجاءنا ... بأعجب من شقّ البحار الأوائل
وكان بهجر راهب فأسلم يومئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل: فيض الماء في الرمال، وتمهيد أثباج البحور، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء في السّحر، قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت، [البديع، ليس قبلك] شيء، والدائم غير [الغافل] ، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يرى و [ما] لا يرى، وكلّ يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كلّ شيء بغير تعليم، فعلمت أنّ القوم لم يغاثوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله.
«٣٨٧» - دخل رجال من قريش وبني هاشم فيهم عبد الله بن العباس على معاوية في خلافته. فأقبل معاوية على القوم بوجهه وقال: يا بني هاشم، بم تفخرون علينا؟ أليس الأب واحدا، والأمّ واحدة، والدار واحدة؟ فقال ابن عباس: نفخر عليك بما أصبحت تفخر به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الأنصار، وتفخر به الأنصار على العرب، وتفخر به العرب على العجم، برسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بما لا تستطيع له [إنكارا] ولا منه فرارا. [فقال: يا ابن عباس! لقد أعطيت لسانا ذربا، تكاد تغلب بباطلك حق سواك] . فقال ابن عباس: يا معاوية، إنّ الباطل لا يغلب الحقّ، فدع عنك الحسد، فبئس الشعار الحسد! فقال معاوية: صدقت يا ابن عباس. أما والله إنّي لأحبّك لأربع: إحداهنّ لقرابتك من رسول الله ﷺ ، والثانية لأنك رجل من أسرتي، والثالثة لأنّك لسان قريش وزعيمها، وأما
стр. 3625
الرابعة، فإنّ أباك كان خلّا لأبي. وقد غفرت لك أربعا: فإحداهنّ: عدوك عليّ بصفّين فيمن عدا، وإساءتك في خذلان عثمان فيمن أساء، وسعيك على عائشة فيمن سعى، ونفيك عنّي زيادا فيمن نفى. [فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت مقتك] في كتاب الله ، وفي قول الشاعر.
فأما ما وافق كتاب الله فقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
(التوبة: ١٠٢) وأمّا في الشعر، فقول الذّبيانيّ:
[من الطويل]
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرجال المهذّب [١]
إنّا قد قبلنا منك الأوّل، وغفرنا لك الآخر.
فقال ابن عباس: الحمد لله الذي أمر بحمده، ووعد عليه ثوابه، أحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ﷺ .
[أما بعد، فإنك ذكرت أنك تحبني] لقرابتي من رسول الله ﷺ ، وذلك الواجب عليك وعلى كلّ من آمن برسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه لأنّه الأجر الذي سألكم: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
(الشورى: ٢٣) ، وهو الأجر الذي سألكم عمّا أتاكم به من الضياء والنهار المنير، فمن لم يحبّ رسول الله ﷺ فقد خاب وكبا، وخزي وهوى، وحلّ محلّ الأشقياء.
وأما قولك: إني من أسرتك وأهل بيتك، فهو كذلك، إنما أردت صلة الرحم، وصلة الرحم من أفعال الأبرار، ولعمري إنّك وصول لرحمك مع ما كان منك ممّا لا [تثريب عليك فيه اليوم] .
وأمّا قولك: إني لسان قريش وزعيمها، فإني لم أعط من ذلك شيئا لم تعطه، ولكنك قلت ذلك لشرفك وفضلك كما قال الأول: [من الطويل]
стр. 3626
وكلّ كريم للكريم مفضّل ... يراه له أهلا وإن كان أفضلا
وأما قولك: إنّ أبي كان خلّا لأبيك، فقد كان ذلك كذلك، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم الفتح، وكان شاكرا كريما، وقد قال الأول: [من الطويل]
سأحفظ من آخى أبي في حياته ... وأحفظه من بعده في الأقارب
ولست لمن لا يحفظ العهد وامقا ... صديقا ولا عند الملمّ بصاحب
وأمّا قولك في [عدوي عليك] بصفّين، فو الله لو لم أفعل لكنت من شرّ العالمين؛ يا معاوية، أكانت تحدّثك نفسك أني كنت خاذلا لابن عمّي أمير المؤمنين وقد حشد له المهاجرون والأنصار؟ لم يا معاوية؟ أضنّ بنفسي أم شكّ في ديني، أم جبن من سجيّتي؟ والله لو فعلت ذلك لاختبأته فيّ، وإن كنت قد عاتبت عليه.
وأما خذلان عثمان، فقد خذله من هو أمسّ رحما به منّي وأبعد رحما، فلي في الأقربين والأبعدين أسوة، ولم أعد عليه مع من عدا، بل كنت أكفّ أهل الحجاز عنه [١] .
وأما قولك في عائشة أمّ المؤمنين، فلو قرّت في بيتها كما أمرها ربّها لكان ...
عنها [٢] .
وأما قولك في زياد، فإني لم أنفه، فإنّ رسول الله ﷺ نفاه.
(يعني بقوله هذا: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» ) [٣] .
وإني مع هذا لأحبّ ما سرّك في جميع أمرك.
فاعترض عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لا يخدعنّك ابن عباس
стр. 3627
بلسانه، والله ما أحبّك طرفة عين قطّ. وإنّك وإيّاه لكما قال الأوّل:
[من الطويل]
وقد كنت جلدا في الحياة مرزّأ ... وقد كنت لبّاس الرّجال على ضغن [١]
فقال ابن عباس: إنّ عمرا دخل بين العظم واللحم، والعصا واللّحاء، [وقد قال فليسمع، وقد وافق قرنا] . إني والله ما أصبحت أعتذر إلى أحد من أن أكون شانئا لك قاليا. ألا إنّ الله يقول لنبيه ﷺ : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
(الكوثر: ٣) . [فأنت الأبتر] من الدين والدنيا. ووجدت الله قد قال في عقد كتابه: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
(المجادلة: ٢٢) فإنك قد حاددت الله ورسوله. ولقد جهدت على رسول الله ﷺ جهدك، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك، حتى إذا غلبك الله على أمرك، وأوهن حزبك، وردّ كيدك في نحرك، عدت لعداوة أهل [بيته من بعده، ليس بك في] ذلك حبّ معاوية إلا للعداوة لله ورسوله للحسد القديم لأبناء عبد مناف، والبغض لهم، فإنك وإيّاهم [كما] قال الشاعر: [من الطويل]
تعرّض لي عمرو، وعمرو خزاية ... تعرّض ضبع القفر للأسد الورد
فما هو لي ندّ فأشتم عرضه ... ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد
فأراد عمرو الكلام، فقال معاوية: والله ما أنت من رجاله، فإن شئت فقل، وإن شئت فدع.
٣٨٨- ذكر أنّ معزّ الدولة أبا الحسن أحمد بن بويه دخل عليه أبو عبد الله ابن الداعي العلويّ وقال له: قد أقطعت فلانا اصفهسلارية الدّيلم، كلّ واحد مائة ألف؟ قال: نعم، فقال: أنت تعظّم حرمة رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم،
стр. 3628
فقال: يجوز أن تقطع جدّي وآله مائة ألف، قال: كيف؟ فقال: لأنك قد ضمّنت القضاء لابن أبي الشوارب بمائة ألف، وتحيّل عليه الغلمان في الشهوات والخمور، وما بقي من آثار رسول الله ﷺ وشريعته إلا الحكم، فلو تركت هذه المائة ألف له. فقال: قد فعلت، ولكن انظر من يصلح للقضاء، فأثبته لي حتى أولّيه لمن يعمل فيه بالواجب. فمضى أبو عبد الله ابن الداعي إلى أبي عبد الله البصريّ، وسأله من يصلح لذلك، فأملى عليه ستّة عشر نفرا: أبو بكر الرازيّ، وابن معروف، وأبو بكر بن سيّار من أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر الأبهريّ، وأبو الحسن ابن أمّ شيبان من أصحاب مالك، وأبو بشر بن أكثم من أصحاب الشافعيّ. فجاء ابن الداعي إلى ابن بويه وعرض عليه الأسماء، فقال: أمّا أبو بكر الرازي وأبو بكر الأبهري، فكلّ واحد منهما يصلح أن يكون قاضي قضاة الدنيا فضلا عن بغداد، ولا مطعن عليهما في شيء، إلا أنّ أخي ركن الدولة أبا عليّ إن بلغه هذا يقول: أما وجد ببغداد- وهي حضرة الخلافة- أحدا يولّيه القضاء حتى ولّى من هو من أهل عملي، والسياسة توجب.... يرجع إليهما.
وأما أبو محمد بن معروف، فقيل لي إنّه يحضر الغناء. وبعد أن جعلت في نفسي أن أولّي هذا الأمر لله، فلا أريد أن أولّي فيه من يتطرّق عليه بشيء. وأمّا أبو الحسن ابن أمّ شيبان فيصلح لهذا، وقد كان تولّى قضاء القضاة قبل هذا، ولكنه هاشميّ وهو ابن عمّ الخليفة، ومتى صار القضاء إليه وازر الخليفة ولم أطقه، وخرج القضاء عن يدي.
وأمّا أبو بكر بن سيّار، فكنت قد أنفذته في رسالة إلى الأهواز، فعاد وأهدى إليّ غلاما حسنا وهو يعرف رأيي في الغلمان، ومن يتقرّب بمثل هذا لا أريد أن أولّيه القضاء، فقلت له: أبو بشر؟
وعرّفت أبا عبد الله البصريّ، فقال لأبي محمد الأكفاني: امض إلى أبي بشر ابن أكثم وسلّم عليه بقضاء القضاة، وعرّفه الحال ليعلم أنّ هذا من قبلنا، وتكون لنا عنده يد. فمضى إلى أبي بشر، وكان شيخا قد كبرت سنّه، فسلّم عليه
стр. 3629
بالقضاء، فقال: أتهزا بي وأنا شيخ كبير؟! فقال: ما أهزأ، وعرّفه القصة.
فقبّل بين عيني أبي محمد، وتولّى قضاء القضاة، وأقام نحوا من أربع سنين. ثم اطّلع بعد ذلك على خيانته، ووقف للناس ثم تغيّرت الأحوال.
«٣٨٩» - كان جامع بن أمية المحاربيّ من الخطباء البلغاء وكان متديّنا [صالحا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى] مدينة واسط: بنيتها في غير بلدك، وتورّثها غير ولدك.
وشكا إليه الحجاج أهل العراق، وأخبره عن سوء نيّاتهم، وخبث سريرتهم، وقلّة طاعتهم، وكثرة خلافهم، فقال له جامع: أما إنّهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنّهم ما [شنئوك] لنسبك ولا لبلدك، ولا في بطنك وظهرك [١] ، فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممّن دونك تعطها ممّن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك ووعيدك بعد وعدك.
قال الحجاج: إني والله ما أرى أن أردّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف.
قال: أيّها الأمير، إنّ السيف إذا لقي السيف [ذهب الخيار. قال الحجاج:
الخيار] يومئذ لله. قال: أجل، ولكنك لا [تدري] لمن يجعله الله. فغضب الحجاج وقال: يا هناه! إنك من محارب. فقال جامع: [من الطويل]
وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
قال الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك وأضرب به وجهك. قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، وغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل. وسكن الحجاج وشغل ببعض الأمر، فانسلّ جامع وخرج من بين الصفوف من خيل الشام حتى صار إلى
стр. 3630
خيل أهل العراق، [وكان الحجاج لا يخلط] أهل الشام بأهل العراق.
فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وقيس العراق وتميم العراق [وأزد العراق] ، فلما رأوه اشرأبّوا إليه، وبلغهم خروجه فقالوا له: ما عندك، دافع الله لنا عنك؟ قال: ويحكم! عمّوه بالخلع كما يعمّكم بالعداوة، ودعوا التعادي بينكم ما عاداكم، فإنّه أقوى أعدائكم، وأحدّهم نابا ومخلبا، وأجرؤهم، إن ظفر بكم لا يدع منكم لسانا ينطق، ولا عينا تطرف؛ وإن أظفركم الله به، تراجعتم العداوة والتحارب بينكم أو تعافيتم. أيّها التميميّ، هو والله أعدى لك من الأزديّ، وأيّها القيسيّ هو أعدى لك من التغلبيّ، وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه من رؤسائكم. ثم هرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث فأجاره.
«٣٩٠» - قال عليّ الحميريّ: لمّا أشخص المنصور أبا حنيفة إلى بغداد شخصت معه، فقدم بغداد، فحضر الدار، وأعلم به المنصور، فدخل إليه ثم خرج إليّ وهو ممتقع اللون، فسألته عن حاله فقال لي: المنزل، المنزل! فمضيت معه فقال: إنّ هذا دعاني إلى القّضاء، فأعلمته أني لا أصلح، وافترصها منّي وظنّ أني قد كذبته، فقال لي: قد جلست تفتي الناس، وتزعم أنك لا تصلح للقضاء، قال: فقلت له: إني لم أقل إني لا أصلح لأني لا أعلم أن البيّنة [على المدعي واليمين على من أنكر] ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل له نفس يحكم بها عليك وعلى ولدك وعلى قوّادك، وليست تلك النفس لي، والله يعلم أنك لتدعوني، فما ترجع نفسي إليّ حتى أفارقك؛ فلما سمع ذلك منّي أطرق ثم رفع رأسه إليّ، وقال: فلم لا تقبل صلتي؟ فقلت: أفوصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولم أقبله؟ وإنّما وصلتني من بيت مال المسلمين ولا حقّ لي فيه؛ لأني لست مقاتلا من ورائهم فآخذ مع المقاتلة، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذون،
стр. 3631
ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذ الفقراء، أنا من الله بخير، وبنعمته في كفاية، فقال لي: أقم بمكانك تكاتبك القضاة فيما [لعلهم أن يحتاجوا إليك. قلت:] سمعا وطاعة.
«٣٩١» - قال عبد الله بن المبارك: لمّا أفضت الخلافة إلى هارون، وقعت في نفسه جارية من جواري المهديّ، فأرادها على نفسها، فقالت: لا أصلح لك؛ إنّ أباك قد أطاف بي، فأغري بها. قال: فبعث إلى أبي يوسف فقال: جارية من جواري المهديّ أردتها فتحصّنت منّي وذكرت أنّ أبي قد وقع بها، فعندك في هذا شيء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، لا تصدّقها، ليست بمأمونة على نفسها.
قال عبد الله بن المبارك: فلم أدر من أيّهم أعجب، من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرّج من [وطء جارية] لأبيه رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أم من هذا فقيه الأرض وقاضيها، قال: تهتك حرمة أبيك واقض شهوتك وصيّره في رقبتي.
«٣٩٢» -[جرى] بين عبد الله بن الزبير وبين عتبة بن أبي سفيان لحاء بين يدي معاوية، فجعل ابن الزبير يعدل بكلامه عن عتبة ويعرّض بمعاوية، حتى أطال وأكثر من ذلك، فالتفت معاوية وقال متمثّلا: [من الطويل]
ورام بعوران الكلام كأنّها ... نوافر صبح نقّرتها المراتع
وقد يدحض المرء الموارب بالخنا ... وقد تدرك المرء الكريم المصانع
ثم قال لابن الزبير: [من يقول هذا؟] فقال: ذو الاصبع، قال: أترويه؟ قال:
لا، قال: من ههنا يروي هذه الأبيات؟ فقال رجل من قيس: أنا أرويه يا أمير المؤمنين، فقال: أنشدني، فأنشده حتى أتى على قوله:
стр. 3632
وساع برجليه لآخر قاعد ... ومعط كريم ذو يسار ومانع
وبان لأحساب الرجال وهادم ... وخافض مولاه سفاها ورافع
ومغض على بعض الخطوب وقد بدت ... له عورة من ذي القرابة هاجع
وطالب حوب باللبان [١] وقلبه ... يرى الحقّ لا تخفى عليه الشرائع
فقال: [كم عطاؤك؟] قال: سبعمائة، قال: اجعلوها ألفا، وقطع الكلام بين عبد الله وعتبة.
«٣٩٣» - لمّا ولي الوليد بن عقبة الكوفة من قبل عثمان، قدمها وبها سعد بن أبي وقاص أميرا، فدخل عليه، فقال له سعد: ما أقدمك أبا وهب؟ قال: أحببت زيارتك؛ قال: وعلى ذاك أجئت بريدا، قال: أنا أرزن من ذاك، ولكنّ القوم احتاجوا إلى عملهم فسرّحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة.
فمكث سعد طويلا وقال له: ما أدري، ألسنت [٢] بعدنا أم حمقنا بعدك؟ (فقال:
لا تجزعنّ أبا إسحاق، فإنّما هو الملك، يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون، فقال: أراكم والله ستجعلونه ملكا) [٣] ثم قال: [من الطويل]
خذيني فجرّيني ضباع وأبشري ... بلحم آمرىء لم يشهد اليوم ناصره
«٣٩٤» - وقال العجاج: [من الرجز]
وكلّ معدود إلى أن ينفدا ... وغاية الأقوام مهواة الردى
والدهر ما أصلح يوما أفسدا ... وعاد مبليه على ما جدّدا
стр. 3633
ولا أرى الإنسان متروكا سدى ... ويجعل الله وإن طال المدى
لكلّ شيء منتهى وأمدا
«٣٩٥» - لمّا قدم عمر الشام وقف على طور زيتا، فأرسل البطريق عظيما لهم ثم قال: انظر إلى ملك العرب؛ فرآه على فرس وعليه جبّة صوف مرقّعة، مستقبل الشمس بوجهه، ومخلاته في قربوس سرجه، وعمر يدخل يده فيها فيخرج فلق خبز يابس فوصفه للبطريق، فقال: لا [طاقة] لنا بمحاربة هذا، أعطوه ما شاء.
«٣٩٦» - قال عبد الملك بن مروان: تمكّنا من أمّ خنّور، وذلك لمّا اشتدّ ملكه، وقهر أعداءه، وظنّ أنّ الأرض قد دانت له، فلم يعش بعدها إلا أسبوعا.
أم خنّور: كنية الدنيا. أهل الكوفة يقولون: خنّور كسفّود. وأهل البصرة يقولوم: خنّور كتحوّل، وأصلها في الضّبع، فشبّهت بها لأكلها الناس كما قيل للسنة: الضّبع.
«٣٩٧» - قال عبد الملك: ولدت في شهر رمضان، وفطمت في شهر رمضان، وختمت القرآن في شهر رمضان، وأتتني الخلافة في شهر رمضان، وأخاف أن أموت في شهر رمضان. فلما دخل شوّال وأمن بها مات.
٣٩٨- قال علي بن أبي طالب: أبو بكر سلم من الدنيا وسلمت منه، وعمر عالجها وعالجته، وعثمان نال منها ونالت منه، وأمّا أنا فقد تضجّعت فيها ظهرا لبطن.
«٣٩٩» - ويروى أنّ رجلا من الأوّلين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشويّة، فجاء سائل فردّه خائبا، وكان الرجل مسرفا فوقعت بينه وبين امرأته فرقة،
стр. 3634
وذهب ماله وتزوّجت، فبينما زوجها الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشويّة إذ جاءه سائل، فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، ونظرت فإذا هو زوجها الأوّل، فأخبرته القصّة، فقال الثاني: أنا والله ذلك المسكين، خيّبني فحوّل الله نعمته وأهله إليّ لقلّة شكره.
«٤٠٠» - كانت قريش لا ترغب في أمّهات الأولاد حتى ولدت ثلاثة هم خير أهل زمانهم: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وذلك أنّ عمر ﵁ أتي ببنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى مسبيات، فأراد بيعهنّ فقال له عليّ: إنّ بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوّموهنّ، فقوّموهنّ، فأعطاه فقسمهنّ بين الحسين بن عليّ، ومحمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة.
«٤٠١» - قال عمرو بن العاص- عند احتضاره- لابنه: يا بنيّ، من يأخذ هذا المال بما فيه؟ قال: من جدع الله أنفه؛ فقال: احملوه إلى بيت مال المسلمين. ثم دعا بالغلّ والقيد فلبسهما، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ التوبة مبسوطة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه؛ ثم استقبل القبلة فقال:
اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فارتكبنا؛ هذا مقام العائذ بك، فإن تعف فأهل العفو أنت، وإن تعاقب فبما قدّمت يداي، سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين. فمات وهو مغلول مقيّد. فبلغ الحسن بن عليّ فقال:
استسلم الشيخ حين أيقن بالموت، ولعلّها تنفعه.
٤٠٢- سأل أعرابيّ عمرو بن عبيد عن التوحيد، فتناول بيضة بين يديه، فوضعها على راحته وقال: هذا حصن مغلق لا صدع فيه، ثم من ورائه غرقىء [١]
стр. 3635
يستشف، تم من ورائه دمعة سائلة، ثم لا تنفكّ الأيام والليالي حتى يتفلّق عن طاوس ملمّع، فأيّ شيء في العالم إلا وهو دليل على أنّه ليس كمثله شيء.
«٤٠٣» - ذكر أبو عبيدة أنّ رجلا من بني أميّة خطب النّوار بنت أعين المجاشعيّة فرضيته، وجعلت أمرها إلى الفرزدق، فقال: أشهدي لي بذلك على نفسك شهودا، ففعلت، واجتمع الناس لذلك، فتكلّم وقال: اشهدوا بأني قد تزوّجتها، وأصدقتها كذا وكذا، فإني أنا ابن عمّها وأحقّ بها. فبلغ ذلك النّوار، فأبته واستترت من الفرزدق، وجزعت ولجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقريّ، فقال فيها: [من الطويل]
بني عاصم [لا تلجئوها فإنكم ... ملاجىء للسوءات دسم العمائم]
بني عاصم لو كان حيّا أبوكم ... للام بنيه اليوم قيس بن عاصم
فقالوا للفرزدق: والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنّك غيلة. فنافرته النّوار إلى عبد الله بن الزبير فأرادت الخروج إليه، فتجافى الناس كراءها. ثم إنّ رجلا من بني عديّ يقال له زهير بن ثعلبة وقوما يعرفون ببني أمّ النسير أكروها. فقال الفرزدق: [من الوافر]
ولولا أن يقول بنو عديّ ... أليست أمّ حنظلة النوار
يعني بالنوار ههنا بنت حمل [١] بن عدي بن عبد مناة، وهي أمّ حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهي إحدى جدّاته. وقال لبني أمّ النّسير: [من الطويل]
لعمري لقد أردى النّوار وساقها ... إلى الغور أحلام خفاف عقولها
стр. 3636
يقول فيها:
فدونكها يا ابن الزبير فإنّها ... مولّعة يوهي الحجارة قيلها
فلما قدمت مكّة نزلت على بنت منظور بن زبّان، واستشفعت بها إلى زوجها عبد الله، وانضم الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله وأمّه بنت منظور هذه. وقال فيه:
[من البسيط]
يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضت ... أنضاؤه بمكان غير ممطور
فأنت أحرى قريش أن تكون لها ... وأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواريّ والصدّيق في شعب ... نبتن في طيّب الإسلام والخير
وقال في النوار: [من الوافر]
تخاصمني النّوار وغاب فيها ... كرأس الضّبّ يلتمس الجرادا
فجعل أمر النّوار يقوى، وأمر الفرزدق يضعف، فقال الفرزدق: [من البسيط]
أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فبلغ ابن الزبير الشعر، فقال للنّوار: إن شئت فرّقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبدا، وإن شئت سيّرته إلى بلاد العدوّ؛ فقالت: ما أريد واحدة منهما؛ قال: إنّه ابن عمّك وهو فيك راغب، أفأزوّجه إيّاك؟ قالت: نعم. فزوّجه إيّاها، فكان الفرزدق يقول: خرجنا متباغضين، ورجعنا متحابّين.
قال عثمان بن أبي سليمان: شهدت الفرزدق يوم نازع النوار، فتوجّه القضاء عليه، فأشفق من ذلك، فعرّض لابن الزبير بكلام، فأغضبه.
وروى غيره أنّه قال: إنّما حكمت عليّ بهذا لأفارقها فتثب عليها، فقال: يا ألأم الناس، وهل أنت وقومك إلا جالية العرب. وأمر به فأقيم وأقبل علينا فقال: إنّ بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة ١٣ التذكرة الحمدونيه ٩
стр. 3637
فاستلبوه، واجتمعت العرب عليها لمّا انتهكت ما لم ينتهكه أحد قبلها وأجلتها عن أرض تهامة.
قال: ثم خرج عبد الله بن الزبير إلى المسجد، فرأى الفرزدق في بعض طرق مكّة، وقد بلغته أبيات قالها يفتخر فيها ويتهدّد، فقبض ابن الزبير على عنقه فكاد أن يدقّها، ثم قال: [من الطويل]
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح استه لاستقرّت
وهذا الشعر لجعفر بن الزبير.
ولمّا قال جعفر هذا البيت، قال عبد الله بن الزبير: أتجزرنا كلبا من كلاب بني تميم؟ إن عدت لم أكلّمك أبدا.
ولمّا أذنت النّوار لابن الزبير في تزويجها بالفرزدق، حكم عليه بمهر مثلها عشرة آلاف درهم، فسأل أهل مكّة: هل بها أحد يعينه على ذلك، فدلّ على سلم بن زياد وكان [ابن] الزبير حبسه فقال فيه: [من الطويل]
دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم ... ومرّي تمشّي بي هبلت على سلم
إلى من يرى المعروف سهلا سبيله ... ويفعل أفعال الكرام التي تنمي
ثم دخل على سلم فأنشده، فقال: هي لك ومثلها نفقتك، فأمر له بعشرين ألفا، فقبضها فقالت له زوجته أمّ عثمان بنت عبد الله [بن عثمان] بن أبي العاصي الفقيه: أتعطي عشرين ألفا وأنت محبوس؟! فقال: [من الطويل]
ألا بكرت عرسي تلوم سفاهة ... على ما مضى منّي وتأمر بالبخل
فقلت لها والجود مني سجيّة ... وهل يمنع المعروف سؤّاله مثلي
ذريني فإني غير تارك شيمتي ... ولا مقصر عن السماحة والبذل
وهي أبيات.
ثم اصطلحا ورضيت به، وساق المهر إليها، ودخل بها وأحبلها قبل أن
стр. 3638
يخرج من مكة. ثم خرج بها وهما عديلان في محمل. فكانت لا تزال تشارّه وتخالفه لأنّها كانت صالحة حسنة الدين، وكانت تكره كثيرا من أمره فتزوّج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ابن عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان. فتزوّجها على مائة من الإبل، فقالت له النّوار: ويلك! أتزوّجت عليّ أعرابيّة دقيقة الساقين، بوّالة على عقبيها على مائة بعير! فقال الفرزدق يفضّلها عليها، ويعيّرها بأمّها وكانت أمة [١] : [من الطويل]
لجارية بين السليل عروقها ... وبين أبي الصهباء [٢] من آل خالد
أحقّ بإعلاء المهور من التي ... زنت وهي تنزو في جحور الولائد
وقال أيضا: [من الطويل]
لعمري لأعرابية في مظلّة ... تظلّ بروقي بيتها الريح تخفق
كأمّ غزال أو كدرّة غائص ... إذا ما بدت مثل الغمامة تشرق
أحبّ إلينا من ضناك ضفنّة ... إذا وضعت عنها المراوح تعرق [٣]
ومدحها أيضا فقال: [من البسيط]
عقيلة من بني شيبان ترفعها ... دعائم للعلى من آل همّام
من آل مرّة بين المستضاء بهم ... من رهط صيد مصاليت وحكّام
بين الأحاوص من كلب مركّبها ... وبين قيس بن مسعود وبسطام
فأغضب النّوار مدحه إيّاها، فقالت: والله لأخزينّك يا فاسق، وبعثت إلى جرير فجاءها فقالت: ألا ترى ما قال لي الفاسق؟ وشكت إليه، فقال جرير: أنا
стр. 3639
أكفيك، وأنشأ يقول [١] : [من الطويل]
ولست بمعطي الحكم عن شفّ منصب ... ولا عن بنات الحنظليّين راغب
وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدى ... وكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
وما عدلت ذات الصليب ظعينة ... [عتيبة والرّدفان منها وحاجب]
[أأهديت يا زيق بن زيق غريبة] ... إلى شرّ من تهدى إليه الغرائب
ألا ربّما لم نعط زيقا بحكمه ... وأدّى إلينا الحكم والغلّ لازب
حوينا أبا زيق وزيقا وعمّه ... [وجدّة زيق قد حوتها] المقانب
فأجابه الفرزدق بقصيدة منها: [من الطويل]
فنل مثلها من مثلهم ثمّ لمهم ... بما لك من مال مراح وعازب
وإنّي لأخشى إن خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب
وقالوا سمعنا أنّ حدراء زوّجت ... على مئة شمّ الذرى والغوارب
ولو كنت من أكفاء حدراء لم تلم ... على دارميّ بين ليلى وغالب
ولو قبلوا مني عطية سقته ... إلى آل زيق من وصيف مقارب
[هم زوّجوا قبلي ضرارا] وأنكحوا ... لقيطا وهم أكفاؤنا في المناسب
ولو تنكح الشمس النجوم بناتها ... إذا لنكحناهنّ قبل الكواكب
يسار: كان عبدا لبني غدانة، فأراد مولاته على نفسها فنهته مرّة بعد مرّة، وألحّ عليها فوعدته، فجاء فقالت: إني أريد أن أبخّرك، فإنّ رائحتك متغيّرة؛ فوضعت تحته مجمرا وقد أعدّت له حديدة، فأدخلت يدها فقبضت على ذكره وهو يرى أنّ ذلك لشيء، فقطعته بالموسى، فقال: صبرا على مجامر الكرام.
فذهبت مثلا.
وقال جرير: [من البسيط]
стр. 3640
يا زيق أنكحت قينا باسته حمم ... يا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
غاب المثنّى فلم يشهد نجيّكما ... والحوفزان ولم يشهدك مفروق
أين الألى أنزلوا النعمان مقتسرا ... أم أين أبناء شيبان الغرانيق
يا ربّ قائلة بعد البناء به ... لا الصّهر راض ولا ابن القين معشوق
فتعرّض الفرزدق للحجاج أن يسوق عنه المهر، فعذله الحجاج وقال: أتزوّجت نصرانية على حكم أنّها مائة بعير! أخرج، ما لك عندنا شيء، فقال عنبسة بن سعيد بن العاصي وأراد نفعه: إنّها من حواشي إبل الصدقة، فأمر له بها.
ولمّا كان الفرزدق ببعض الطريق ومعه أوفى بن خزير [١] أحد بني التّيم بن شيبان بن ثعلبة رأى كبشا مذبوحا، فقال: يا أوفى، هلكت والله حدراء. فلما بلغ قال له بعض قومها: هذا البيت فانزل، وأمّا حدراء فقد هلكت، وقد عرفنا الذي يصيبك في دينكم من ميراثها وهو النصف، وهو لك عندنا، فقال: لا والله لا أرزأ من ذلك قطميرا، وهذه صدقتها فاقبضوها. فقالوا: يا بني دارم، والله ما صاهرنا أكرم منكم.
وقيل: إنّ قومها اعتلّوا عليه، وادّعوا موتها لئلّا يهتك جرير أعراضهم.
وقال جرير: [من الطويل]
رأوا أنّ صهر القوم عار عليهم ... وأنّ لبسطام على غالب فضلا
«٤٠٤» - حدّث بعض الموالي قال: حضرت الفضل بن يحيى وقد قال لأبي البصير [٢] : يا أبا البصير، أنت القائل فينا: [من الطويل]
стр. 3641
إذا كنت من بغداد في رأس فرسخ ... وجدت نسيم الجود من آل برمك
لقد ضيّقت علينا جدّا. قال: أفلأجل ذلك أيها الأمير ضاقت عليّ صلتك، وضاقت عني مكافأتك وأنا الذي أقول: [من السريع]
تشاغل الناس ببنياهم ... والفضل في بني العلا جاهد
كلّ ذوي [الفضل] وأهل النّهى ... للفضل في تدبيره حامد
وعلى ذلك فما قلت البيت الأوّل كما بلغ الأمير، وإنّما قلت: [من الطويل]
إذا كنت من بغداد في مقطع الثّرى ... وجدت نسيم الجود من آل برمك
فقال له الفضل: إنّما أخرّت ذلك عنك لأمازحك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
«٤٠٥» - قال عمرو بن جابر الحنفيّ في المداجاة: [من الطويل]
أكاشح أقواما على شرّ بغضة ... وأضحك في وجه العدوّ المكاشر
أريه كذاكم ما يريني وأبتغي ... به في غد خون الجدود العوائر
كلانا يرى أن ليس ...
«٤٠٦» - وقال آخر: [من الوافر]
أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص
«٤٠٧» - وقال المتلمّس: [من الطويل]
وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمّما
«٤٠٨» - وقال عبد الله بن مالك الطائي: [من الوافر]
стр. 3642
وخلّ كنت عين النّصح منه ... لذي خطر ومستمع سميعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا فظيعا
«٤٠٩» - ومثله لدريد بن الصمة: [من الطويل]
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى ... غوايتهم وأنّني غير مهتدي
وما أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
«٤١٠» - وقال رجل من بني الحارث بن كعب: [من الطويل]
لعمرك ما صبر الفتى في أموره ... [بحتم] إذا ما الأمر جلّ عن الصبر
فقد يجزع المرء الجليد ويبتلي ... عزيمة رأي المرء نائبة الدهر
تعاوره الأيام في ما ينوبه ... فيقوى على أمر ويضعف عن أمر
«٤١١» - وقال أيضا: [من الطويل]
وعيرتمونا أن جزعنا ولم نكن ... لنجزع لو أنّا قدرنا على الصبر
صبرنا فلما لم نر الصبر نافعا ... جزعنا وكان الله أملك بالعذر
«٤١٢» - وقال خراش بن مرة الضبي: [من الطويل]
إذا عيل صبر المرء فيما ينوبه ... فلا بدّ من أن يستكين ويجزعا
وما يبلغ الانسان فوق اجتهاده ... إذا هو لم يملك لما جاء مدفعا
«٤١٣» - وقال عبيد بن أيوب وذكر شدة خوفه: [من الطويل]
стр. 3643
لقد خفت حتى لو تمرّ حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر
وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... مقال فلان أو فلانة فاحذر
فمن قال خيرا قلت هذا خديعة ... ومن قال شرّا قلت نصح فشمّر
وأصبحت كالوحشيّ يتبع ماحلا ... ويترك موطوء البلاد المدعثر
«٤١٤» - وقال أيضا: [من الطويل]
لقد خفت حتى خلت أن ليس ناظرا ... إلى أحد غيري فكدت أطير [١]
وليس فم إلا بسرّي محدّث ... وليس يد إلا إليّ تشير
«٤١٥» - وقال مضرّس بن ربعيّ الأسديّ: [من الطويل]
كأنّ على ذي الظنّ عينا بصيرة ... بمنطقه أو منظر هو ناظره
يحاذر حتى يحسب الناس كلّهم ... من الخوف لا تخفى عليهم سرائره
«٤١٦» -[وقال] مسكين الدارميّ واسمه ربيعة بن عامر: [من الطويل]
إن أدع مسكينا فلست بمنكر ... وهل تنكرنّ الشمس ذرّ شعاعها
لعمرك ما الأسماء إلا علامة ... منار ومن خير المنار ارتفاعها
«٤١٧» - وقال أيضا في الغيرة: [من المتقارب]
ألا أيّها الغائر المستشاط ... علام تغار إذا لم تغر
[فما خير عرس إذا خفتها] ... وما خير عرس إذا لم تزر
стр. 3644
تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النّظر
وإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا الله لم يعطني حبّها ... فلا يعطني الحبّ سوط ممرّ [١]
«٤١٨» - قال الشعبيّ: قال لي شريح يعني القاضي: يا شعبيّ، عليكم بنساء تميم، فإنّهن النساء. قلت: كيف؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم مظهرا [٢] فمررت بدور بني تميم، فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وتجاهها جارية رؤد- يعني التي بلغت- ولها ذؤابة على ظهرها جالسة تبكي، [فاستسقيت] فقالت لي: أيّ الشراب أعجب إليك؟ النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسّر عليكم. فقالت: اسقوا الرجل لبنا فإني إخاله عزبا [٣] ، فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ فقالت: ابنتي، فقلت: ممّن؟
قالت: هذه زينب بنت حدير إحدى نساء بني تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهيّة، قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة؛ قلت: أفتزوّجينها؟ قالت: نعم إن كنت لها كفؤا، ولها عمّ فاقصده.
فامتنعت من القائلة، وأرسلت إلى إخواني من القرّاء والأشراف، مسروق بن الأجدع، والمسيّب بن نجبة، وسليمان بن صرد الخزاعيّ، وخالد بن عرفطة العدويّ، وعروة بن المغيرة بن شعبة، وأبي بردة بن أبي موسى، فوافيت معهم صلاة العصر، فإذا عمّها جالس، فقال: أبا أمامة [٤] ؟ حاجتك، فقلت: إليك،
стр. 3645
قال: وما هي؟ قلت: بنت أخيك زينب بنت حدير، قال: ما بها عنك رغبة، ولا بك عنها مقصر وإنّك لنهزة [١] .
فتكلّمت فحمدت الله ، وصليت على النبيّ ﷺ ، وذكرت حاجتي. فردّ الرجل عليّ وزوّجني، وبارك القوم لي، ثم نهضنا، فما بلغت منزلي حتى ندمت؛ فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأحقدها، فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إليّ، فإن رأيت ما أحبّ وإلا طلّقتها. فأقمت أيّاما، ثم أقبل نساؤها يهادينها، فلما أجلست في البيت أخذت بناصيتها، فبرّكت، وأخلي لي البيت، فقلت: يا هذه، إنّ من السنّة إذا دخلت المرأة على الرجل أن تصلّي ركعتين ويصلّي ركعتين، ويسألا الله خير ليلتهما ويتعوّذا بالله من شرّها؛ ثم التفتّ فإذا هي خلفي تصلّي؛ فصلّيت، ثم التفتّ فإذا هي على فراشها، فمددت يدي فقالت: على رسلك، فقلت: إحدى الدواهي منيت بها، فقالت: الحمد لله، أحمده وأستعينه، إني امرأة غريبة، ولا والله ما سرت مسيرا قطّ أشدّ عليّ منه، وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك، فحدّثني بما تحبّ فآتيه، وما تكره فأنزجر عنه.
فقلت: الحمد لله، وصلى الله على محمد. قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيّد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم إن شاء الله. أحبّ كذا وكذا، وأكره كذا وكذا. قالت: أخبرني عن أختانك، أتحبّ أن يزوروك؟ قلت: إني رجل قاض، وما أحبّ أن يملّوني. فبتّ بأنعم ليلة، ثم أقمت عندها ثلاثا، ثم خرجت إلى مجلس القضاء، فكنت لا أرى يوما إلا وهو أفضل من الذي قبله، حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي وإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب، من هذه؟ قالت: أمي فلانة؛ قلت: حيّاك الله بالسلام، قالت: أبا أمامة، كيف أنت وزوجتك؟ قلت: [بخير] ، قالت: إنّ المرأة لا ترى في