← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

إذا كنت من بغداد في رأس فرسخ ... وجدت نسيم الجود من آل برمك لقد ضيّقت علينا جدّا. قال: أفلأجل ذلك أيها الأمير ضاقت عليّ صلتك، وضاقت عني مكافأتك وأنا الذي أقول: [من السريع] تشاغل الناس ببنياهم ... والفضل في بني العلا جاهد كلّ ذوي [الفضل] وأهل النّهى ... للفضل في تدبيره حامد وعلى ذلك فما قلت البيت الأوّل كما بلغ الأمير، وإنّما قلت: [من الطويل] إذا كنت من بغداد في مقطع الثّرى ... وجدت نسيم الجود من آل برمك فقال له الفضل: إنّما أخرّت ذلك عنك لأمازحك، وأمر له بثلاثين ألف درهم. «٤٠٥» - قال عمرو بن جابر الحنفيّ في المداجاة: [من الطويل] أكاشح أقواما على شرّ بغضة ... وأضحك في وجه العدوّ المكاشر أريه كذاكم ما يريني وأبتغي ... به في غد خون الجدود العوائر كلانا يرى أن ليس ... «٤٠٦» - وقال آخر: [من الوافر] أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص «٤٠٧» - وقال المتلمّس: [من الطويل] وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمّما «٤٠٨» - وقال عبد الله بن مالك الطائي: [من الوافر]

стр. 3642

وخلّ كنت عين النّصح منه ... لذي خطر ومستمع سميعا أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا فظيعا «٤٠٩» - ومثله لدريد بن الصمة: [من الطويل] أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى ... غوايتهم وأنّني غير مهتدي وما أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد «٤١٠» - وقال رجل من بني الحارث بن كعب: [من الطويل] لعمرك ما صبر الفتى في أموره ... [بحتم] إذا ما الأمر جلّ عن الصبر فقد يجزع المرء الجليد ويبتلي ... عزيمة رأي المرء نائبة الدهر تعاوره الأيام في ما ينوبه ... فيقوى على أمر ويضعف عن أمر «٤١١» - وقال أيضا: [من الطويل] وعيرتمونا أن جزعنا ولم نكن ... لنجزع لو أنّا قدرنا على الصبر صبرنا فلما لم نر الصبر نافعا ... جزعنا وكان الله أملك بالعذر «٤١٢» - وقال خراش بن مرة الضبي: [من الطويل] إذا عيل صبر المرء فيما ينوبه ... فلا بدّ من أن يستكين ويجزعا وما يبلغ الانسان فوق اجتهاده ... إذا هو لم يملك لما جاء مدفعا «٤١٣» - وقال عبيد بن أيوب وذكر شدة خوفه: [من الطويل]

стр. 3643

لقد خفت حتى لو تمرّ حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... مقال فلان أو فلانة فاحذر فمن قال خيرا قلت هذا خديعة ... ومن قال شرّا قلت نصح فشمّر وأصبحت كالوحشيّ يتبع ماحلا ... ويترك موطوء البلاد المدعثر «٤١٤» - وقال أيضا: [من الطويل] لقد خفت حتى خلت أن ليس ناظرا ... إلى أحد غيري فكدت أطير [١] وليس فم إلا بسرّي محدّث ... وليس يد إلا إليّ تشير «٤١٥» - وقال مضرّس بن ربعيّ الأسديّ: [من الطويل] كأنّ على ذي الظنّ عينا بصيرة ... بمنطقه أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب الناس كلّهم ... من الخوف لا تخفى عليهم سرائره «٤١٦» -[وقال] مسكين الدارميّ واسمه ربيعة بن عامر: [من الطويل] إن أدع مسكينا فلست بمنكر ... وهل تنكرنّ الشمس ذرّ شعاعها لعمرك ما الأسماء إلا علامة ... منار ومن خير المنار ارتفاعها «٤١٧» - وقال أيضا في الغيرة: [من المتقارب] ألا أيّها الغائر المستشاط ... علام تغار إذا لم تغر [فما خير عرس إذا خفتها] ... وما خير عرس إذا لم تزر

стр. 3644

تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النّظر وإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر إذا الله لم يعطني حبّها ... فلا يعطني الحبّ سوط ممرّ [١] «٤١٨» - قال الشعبيّ: قال لي شريح يعني القاضي: يا شعبيّ، عليكم بنساء تميم، فإنّهن النساء. قلت: كيف؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم مظهرا [٢] فمررت بدور بني تميم، فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وتجاهها جارية رؤد- يعني التي بلغت- ولها ذؤابة على ظهرها جالسة تبكي، [فاستسقيت] فقالت لي: أيّ الشراب أعجب إليك؟ النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسّر عليكم. فقالت: اسقوا الرجل لبنا فإني إخاله عزبا [٣] ، فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ فقالت: ابنتي، فقلت: ممّن؟ قالت: هذه زينب بنت حدير إحدى نساء بني تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهيّة، قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة؛ قلت: أفتزوّجينها؟ قالت: نعم إن كنت لها كفؤا، ولها عمّ فاقصده. فامتنعت من القائلة، وأرسلت إلى إخواني من القرّاء والأشراف، مسروق بن الأجدع، والمسيّب بن نجبة، وسليمان بن صرد الخزاعيّ، وخالد بن عرفطة العدويّ، وعروة بن المغيرة بن شعبة، وأبي بردة بن أبي موسى، فوافيت معهم صلاة العصر، فإذا عمّها جالس، فقال: أبا أمامة [٤] ؟ حاجتك، فقلت: إليك،

стр. 3645

قال: وما هي؟ قلت: بنت أخيك زينب بنت حدير، قال: ما بها عنك رغبة، ولا بك عنها مقصر وإنّك لنهزة [١] . فتكلّمت فحمدت الله ، وصليت على النبيّ ﷺ ، وذكرت حاجتي. فردّ الرجل عليّ وزوّجني، وبارك القوم لي، ثم نهضنا، فما بلغت منزلي حتى ندمت؛ فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأحقدها، فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إليّ، فإن رأيت ما أحبّ وإلا طلّقتها. فأقمت أيّاما، ثم أقبل نساؤها يهادينها، فلما أجلست في البيت أخذت بناصيتها، فبرّكت، وأخلي لي البيت، فقلت: يا هذه، إنّ من السنّة إذا دخلت المرأة على الرجل أن تصلّي ركعتين ويصلّي ركعتين، ويسألا الله خير ليلتهما ويتعوّذا بالله من شرّها؛ ثم التفتّ فإذا هي خلفي تصلّي؛ فصلّيت، ثم التفتّ فإذا هي على فراشها، فمددت يدي فقالت: على رسلك، فقلت: إحدى الدواهي منيت بها، فقالت: الحمد لله، أحمده وأستعينه، إني امرأة غريبة، ولا والله ما سرت مسيرا قطّ أشدّ عليّ منه، وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك، فحدّثني بما تحبّ فآتيه، وما تكره فأنزجر عنه. فقلت: الحمد لله، وصلى الله على محمد. قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيّد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم إن شاء الله. أحبّ كذا وكذا، وأكره كذا وكذا. قالت: أخبرني عن أختانك، أتحبّ أن يزوروك؟ قلت: إني رجل قاض، وما أحبّ أن يملّوني. فبتّ بأنعم ليلة، ثم أقمت عندها ثلاثا، ثم خرجت إلى مجلس القضاء، فكنت لا أرى يوما إلا وهو أفضل من الذي قبله، حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي وإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب، من هذه؟ قالت: أمي فلانة؛ قلت: حيّاك الله بالسلام، قالت: أبا أمامة، كيف أنت وزوجتك؟ قلت: [بخير] ، قالت: إنّ المرأة لا ترى في

стр. 3646

حال أسوأ منها خلقا في حالين: إذا حظيت عند زوجها، وإذا ولدت غلاما، فإن رابك منها شيء فالسوط، فإنّ الرجال والله ما حازت إلى بيوتها شرّا من الورهاء [١] المدلّة. قلت: أشهد أنّها ابنتك، قد كفيتنا الرياضة وأحسنت الأدب. قال: فكانت في كلّ حول تأتينا، فتذكر هذا ثمّ تنصرف. قال شريح: فما غضبت عليها قطّ إلا مرّة واحدة كنت لها ظالما فيها: كنت أمام قوم فسمعت الإقامة وقد ركعت ركعتي الفجر، فأبصرت عقربا، فعجلت عن قتلها فأكفأت عليها الإناء، فلما كنت عند الباب قلت: يا زينب، لا تحرّكي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحرّكت الإناء، فضربتها العقرب، وجئت فإذا هي تلوّى، قلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب، فلو رأيتني يا شعبيّ وأنا أفرك إصبعها بالملح وأقرأ عليها المعوّذتين وفاتحة الكتاب. وكان لي يا شعبيّ جار يقال له ميسرة، وكان لا يزال يضرب امرأته، فقلت: [من الطويل] رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم أضرب زينبا يا شعبيّ، وددت لو أني قاسمتها عيشي. «٤١٩» - قال حمدون بن إسماعيل: كنت حاضرا عند المأمون ببلاد الروم بعد العشاء، [وبين يديه شمعة] في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق، فقال لي المأمون: اركب الآن فرس النوبة، وسر إلى عسكر أبي إسحاق، يعني المعتصم، فأدّ إليه رسالتي وهي كيت وكيت. قال: فركبت، فلم تثبت معي شمعة، وسمعت وقع حافر دابّة، فرهبت ذلك وجعلت أتوقّاه حتى صكّ

стр. 3647

ركابي [ركاب تلك] الدابة، وبرقت بارقة فأبصرت وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب؟ فقالت: نعم، حمدون؟ [قلت: نعم] . ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد، قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: يا تكش! عريب تجيء في هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه تقول لها: أي شيء عملت معه؟! صلّيت معه التراويح، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه! يا أحمق! تحادثنا، وتعاتبنا، واصطلحنا، وشربنا، ولعبنا، وغنّينا، وتنايكنا، وانصرفنا. فأخجلتني، وغاظتني، وافترقنا، ومضيت فأدّيت الرسالة. ثم عدت إلى المأمون، وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار، فهممت أن أحدّثه بحديثها ثم هبته، فقلت: أقدّم قبل ذلك بشيء من الشعر، فأنشدته: [من الطويل] ألا حيّ أطلالا لقاطعة الحبل ... ألوف تساوي صالح القوم بالرّذل [١] فلو أنّ من أمسى بجانب [تلعة ... إلى جبلي طيّ فساقطة] الحبل جلوس إلى أن يقصر الظلّ عندها ... لراحوا وكلّ القوم منها على وصل فقال المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظنّ أنّا في حديثها، فأمسكت عمّا أردت أن أخبره به، وخار الله لي في ذلك. «٤٢٠» - أنشد أحمد بن يحيى: [من الطويل] أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يصوب ربابها بلاد بها حلّ الشباب تميمتي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها

стр. 3648

«٤٢١» - لمّا مات ضرار بن ثعلبة [بن سعد] ترك بنيه الشعراء الثلاثة صبيانا وهم: شمّاخ، ومزرّد، وجزء. وأرادت أمّهم- وهي أمّ أوس- أن تتزوّج رجلا يسمّى أوسا، وكان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمّهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح وهو يقول: [من الرجز] أمّ أويس نكحت أويسا وجاء مزرّد فتناول الحبل ثم قال: أعجبها حدارة وكيسا [١] وجاء جزء فتناول الحبل ثم قال: أصدق منها لجبة وتيسا [٢] فلما سمع أوس رجز الصبيان هرب وتركها. «٤٢٢» - شاعر: [من الطويل] أبت مصر إسعافي بما كنت أشتهي ... وأخلفني منها الذي كنت آمل وما كلّ ما يخشى الفتى نازل به ... وما كل [ما يرجو الفتى] هو نائل فو الله ما فرّطت في جنب حيلة ... ولكنه ما قدّر الله نازل وقد يسلم الانسان من حيث يتّقي ... ويؤتى الفتى من أمنه وهو غافل

стр. 3649

«٤٢٣» - محمد بن بشير الخارجيّ: [من الطويل] يسعى لك المولى ذليلا مدفّعا ... ويخذلك المولى إذا اشتدّ كاهله فأمسك عليك العبد أوّل وهلة ... ولا تنفلت من راحتيك حبائله «٤٢٤» - وقال: [من الطويل] إذا افتقر المولى سعى لك جاهدا ... لترضى، وإن نال الغنى عنك أدبرا «٤٢٥» - كانت أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة عند يزيد بن أبي سفيان، فمات عنها. فخطبها عليّ ﵇ فردّته. فقيل لها: أتردّين عليّ بن أبي طالب، ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وزوج فاطمة، وأبا الحسن والحسين، وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ ليس لامرأته منه إلا جلوسه بين شعبها الأربع، وهو صاحب خير من النساء. ثم خطبها عمر ﵁، فردّته، فقيل لها: أتردّين أمير المؤمنين الفاروق، وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ يدخل عابسا ويخرج عابسا، ويغلق عليّ بابه، وأنا امرأة برزة. ثم خطبها الزبير، فردّته، فقيل لها: أتردّين الزبير حواريّ رسول الله وابن عمّته وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ يد فيها قروني، ويد فيها السوط. ثم خطبها طلحة، فقالت: [هذا] زوجي حقّا، يدخل عليّ بسّاما، إن سألت بذل وإن أعطى أجزل، وإن أذنبت غفر، وإن أحسنت شكر. فتزوّجته فأولم ثم دعا هؤلاء النّفر، وهي في خدرها- وكذلك كانوا يفعلون- فقال عليّ ﵇: يا أبا محمد، ائذن لي أكلّم هذه؛ فقال: يا أمّ أبان، تستّري،

стр. 3650

فتستّرت. ثم رفع سجف الحجلة فقال: يا عديّة نفسها! خطبتك وليس بقرشيّ عني رغبة بعد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فرددتني، وخطبك الزبير حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمّته فرددته، واخترت علينا ابن الصّعبة!؟ قالت: فلو وجدت نفقا لدخلت فيه. قالت: فأحلت على الزاملة التي تحمل كلّ شيء فقلت: أمر قضي، وما كان ذلك بيدي. فقال: صدقت رحمك الله. أما على ذلك فقد نكحت أصبحنا وجها، وأسخانا كفّا، وأكرمنا للنساء صحبة. ثم قال: يا أبا محمد، سلها عمّا قلت لها، فإني لم أقل إلا الذي تحبّ، قال: لا أسألها عنه أبدا. «٤٢٦» - قال السّدّيّ: أتيت كربلاء أبيع البزّ بها، فعمل لنا شيخ من طيّء طعاما [وبتنا] عنده، فذكرنا قتل الحسين ﵇، فقلت: ما شرك في قتله أحد إلا مات بأسوأ ميتة، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق، فأنا ممّن شرك في دمه. فلم نبرح حتى دنا من المصباح وهو يتّقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنّه فحمة [١] . «٤٢٧» - قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: حدّثني أبو محمد الرّباطي (رباط خاوة من عمل جرجان) قال: كنت قبّارا، فبينا أنا في منزلي إذ طرقني ليلا ركب يستعجلونني، فخرجت فإذا أنا بشموع وخدم، فأمروني بالحفر، فحفرت قبرا وأودعوه تابوتا، وعفّيت عليه بالتراب، وأجالوا عليه الخيل تغويرا للموضع وانصرفوا. فظننت أنّه كنز، فأسرعت فنبشته وكشفت عن التابوت،

стр. 3651

فإذا فيه رجل، فوضعت يدي على أنفه فإذا هو قريب من التّلف، فاستخرجته وأعدت التراب إلى ما كان عليه. واحتملته إلى منزلي. وعاد القوم حذرا من أن أكون قد تنبّهت على ما في التابوت، ونفضوا الصحراء التي كان فيها فلم يروا أثرا ولا حسّا لأحد، وأنا مشرف في منزلي أرى ما يصنعون. فلما أمنوا ممّا توهّموا انصرفوا وترادّت نفس الرجل، فسألته عن حاله، فقال: أنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ. فأقام عندي إلى أن قويت نفسه وتراجعت. ثم شخص إلى العراق، ثم إلى الحجاز، وظهر باليمن وبويع له بإمرة أمير المؤمنين، ودخل مكّة ثم خرج على عهد، وبايع المأمون لابن أخيه عليّ بن موسى بالعهد، فخرج محمد إلى المأمون بخراسان، فأدركته منيّته بجرجان، فاحتفرت له ودفنته. فكان بين الدفنين عشر سنين. «٤٢٨» - خرج أبو العيناء وهو ضرير له نيّف وتسعون سنة في سفينة فيها ثمانون نفسا، فغرقت، فلم يسلم غيره، فلما صار إلى البصرة توفي بها. «٤٢٩» - قالوا: بينا حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسيّ يتذاكران عجائب الزمان وتغيّر الأحوال والأيّام وهما في عرصة إيوان كسرى، وكان أعرابيّ من غامد يرعي شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيّرهنّ إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام ربما كان يجلس كسرى عليه، فصعدت شويهات الغامديّ إلى ذلك السّرير، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامديّ إلى إيوان كسرى. «٤٣٠» - يقال إن المغيرة بن شعبة قال لحرقة بنت النعمان: ما أعجب ما

стр. 3652

رأيت؟ فقالت: [بتنا] ليلة وما من أحد إلا وهو يرجونا أو يخشانا، وأصبحنا وما من أحد إلا وهو يرحمنا ثم قالت: [من الطويل] فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب حالات بنا وتصرّف «٤٣١» - دخل إيتاخ إلى الواثق وهو بآخر رمق لينظر: هل مات أم لا؟ فلما دنا منه نظر إليه الواثق بمؤخر عينه، ففزع إيتاخ ورجع القهقرى إلى أن وقع سيفه في [شق] الباب فاندقّ وسقط إيتاخ على قفاه هيبة لنظرة الواثق إليه. فلم تمض ساعة حتى مات، فعزل في بيت ليغسل واشتغل عنه؛ فجاءت هرّة فأكلت عينه التي نظر بها إلى إيتاخ، فعجب الناس من ذلك، وكان إيتاخ زعيما لتسعين ألف غلام. «٤٣٢» - ومثله لسان مروان بن محمد، فإنه لمّا قتل واحتزّوا رأسه وأرادوا إنفاذه إلى أبي العباس، أمروا بتنظيفه، فجاء كلب فأخذ لسانه فجعل يمضغه، فقال عبد الله بن عليّ: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم كلب لكفى. «٤٣٣» - ووجد في بعض الأوارجات [١] السلطانية: وما حمل إلى الأمير أبي الفضل جعفر بن يحيى أعزّه الله لهدية السرور من العين الطريّ مائة ألف دينار. وفي آخر الحساب: وما أخرج لثمن النّفط والبواري والحطب لإحراق جثة جعفر

стр. 3653

ابن يحيى بضعة عشر درهما. «٤٣٤» - خبر المغيرة بن شعبة حين شهد عليه بالزّنا كان المغيرة بن شعبة الثقفي أميرا على الكوفة في خلافة عمر رضوان الله عليه، وكان من دهاة العرب ورجالها. فروي أنه كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، فيلقاه أبو بكرة فيقول له: أين يذهب الأمير؟ فيقول له: إلى حاجة، فيقول له: حاجة ماذا؟ إنّ الأمير يزار ولا يزور. وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة، وقيل: إنّها بنت جميل بن عمرو. قيل: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع إخوته نافع وزياد ورجل آخر يقال له: شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته بحذاء غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بليّة ابتليتم بها، فانظروا، فنظروا حتى أثبتوا. فنزل أبو بكرة حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال: إنّه قد كان من أمرك ما قد علمت، فاعتزلنا. قال: وذهب ليصلّي بالناس الظّهر فمنعه أبو بكرة وقال: والله ما تصلّي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه يصلّي فإنه الأمير، واكتبوا بذلك إلى عمر؛ فكتبوا إليه، فورد كتابه بأن يقدموا عليه جميعا: المغيرة والشّهود. وقيل: بعث عمر بأبي موسى الأشعريّ [على البصرة] ، وعزم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يرحل المغيرة بن شعبة. وقيل: إن أبا موسى قال لعمر لمّا أمره أن يرحله من وقته: أو خير من ذلك، يا أمير المؤمنين، تتركه يتجهّز ثلاثا ثم يخرج. قال: فدخل أبو موسى المسجد وهم يصلّون: الرجل والنساء مختلطين، فدخل رجل على المغيرة فقال له: إني رأيت أبا موسى في جانب المسجد عليه برنس، فقال المغيرة: ما جاء زائرا

стр. 3654

ولا تاجرا. فدخل عليه ومعه صحيفة مثل هذه. فلما رآه قال: أمير؟ فأعطاه أبو موسى الكتاب. فلما ذهب يتحرّك عن سريره قال أبو موسى: مكانك! تجهّز ثلاثا. وقيل: بل أمره أن يرحل من وقته على اختلاف الرواية فيما أمره به عمر. فقال له المغيرة: قد علمت ما وجّهت له، فهلّا تقدّمت فصلّيت؟ فقال له أبو موسى: ما أنا وأنت في هذا الأمر إلا سواء. فقال له المغيرة: إني أحبّ أن أقيم ثلاثا لأتجهّز، فقال: قد عزم عليّ أمير المؤمنين ألا أضع عهدي من يدي إذا قرأته حتى أرحلك إليه. قال: إن شئت شفّعتني وأبررت قسم أمير المؤمنين بأن تؤجّلني إلى الظّهر وتمسك الكتاب بيدك. قال: فلقد رؤي أبو موسى مقبلا ومدبرا وإنّ الكتاب في يده معلّق بخيط. فتجهّز المغيرة، وبعث إلى أبي موسى بعقيلة جارية عربية من سبي اليمامة من بني حنيفة، وقيل: إنّها كانت [من] مولدة الطائف ومعها خادم. وسار المغيرة حين صلّى الظهر حتى قدم على عمر ﵁. فلما قدم عليه قال: إنّه شهد عليك بأمر إن كان حقّا لأن تكون متّ قبل ذلك كان خيرا لك. وجلس. ودعي بالمغيرة والشّهود، فتقدّم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها؟ قال: نعم، والله لكأني أنظر إلى تثريم [١] جدريّ بفخذيها. فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر، فقال له: لم آل أن أتيت بما يخزيك الله به، فقال له عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، قال: نعم، أشهد على ذلك. قال: اذهب عنك، مغيرة، ذهب ربعك!. ثم دعا نافعا فقال: على ما تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة، قال: لا، حتى تشهد أنّه يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، فقال: نعم حتى بلغ قذذه، قال: اذهب عنك، مغيرة، ذهب نصفك! ثم دعا الثالث، فقال: علام

стр. 3655

تشهد؟ قال: على مثل شهادة صاحبيّ. فقال عليّ ﵇: اذهب عنك، مغيرة، ذهب ثلاثة أرباعك. قال: حتى بكى إلى المهاجرين فبكوا، وبكى إلى أمّهات المؤمنين حتى بكين معه، وحتى لا يجالس هؤلاء الثلاثة أحد من أهل المدينة. ثم كتب إلى زياد، فقدم على عمر، فلما رآه جلس له في المسجد، فاجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار. قال المغيرة: ومعي كلمة قد رفعتها لأحكم [١] القوم. فلما رآه عمر مقبلا قال: إني أرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين. قال المغيرة فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس؛ ثم قمت فقلت: يا زياد، اذكر الله واذكر موقف يوم القيامة [فإنّ الله] وكتابه ورسله وأمير المؤمنين قد احتقنوا [٢] دمي إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر ما رأيت، أين مسلك ذكري منها؟ قال: فرفعت عيناه واحمرّ وجهه وقال: يا أمير المؤمنين، أما إنّ أحقّ ما حقّ القوم فليس عندي، ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانبهارا، ورأيته متبطّنها. فقال له: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم. فقام إلى أبي بكرة وضربه ثمانين، وضرب الباقين. وأعجب عمر قول زياد، ودرأ عن المغيرة الحدّ. فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: فإني أشهد أنّ المغيرة فعل كذا وكذا، فأمر عمر بضربه، فقال له عليّ: إن ضربته رجمت صاحبك، ونهاه عن ذلك. يعني إن ضربه جعل شهادته شهادتين، فوجب لذلك الرجم على المغيرة. وحدّث عبد الكريم بن رشيد عن أبي عثمان النهديّ قال: لمّا شهد عند عمر الأول تغيّر لذلك لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فانكسر لذلك انكسارا شديدا، ثم جاء رجل شاب يخطر بين يديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما

стр. 3656

عندك يا سلح العقاب؟ - فصاح أبو عثمان صيحة تحكي صيحة عمر- قال عبد الكريم: لقد كدت أن يغشى عليّ. واستتاب عمر أبا بكرة، قال: إنّما [تستتيبني] لتقبل شهادتي؟ قال: أجل؛ قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. قال: فلما ضربوا الحدّ قال المغيرة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم، فقال له عمر: أخزى الله مكانا رأوك فيه. وأقام أبو بكرة على قوله وكان يقول: والله لا أنسى رقط فخذيها، وتاب الاثنان فقبل شهادتهما. وكان أبو بكرة بعد ذلك إذا دعي إلى شهادة قال: اطلب غيري فإنّ زيادا أفسد عليّ شهادتي. ولما ضرب أبو بكرة أمرت أمّه بشاة، فذبحت، وجعلت جلدها على ظهره، فكان يقال: ما ذلك إلا من ضرب شديد. وكان عمر ﵁ يقول للمغيرة: والله ما أظنّ أنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء. وروي أن عليّا ﵇ قال: لئن لم ينته المغيرة لأتبعنّه أحجاره. وقال حسان بن ثابت يهجو المغيرة: [من الوافر] لو انّ اللؤم ينسب كان عبدا ... قبيح الوجه أعور من ثقيف تركت الدين والإسلام لمّا ... بدت لك غدوة ذات النصيف فراجعت الصّبا وذكرت لهوا ... من الفتيان والعمر اللطيف ولمّا شخص المغيرة إلى عمر، رأى في طريقه جارية فأعجبته، فخطبها إلى [أبيها] [١] فقال له: أنت على هذه الحال! فقال له: وما عليك، إن أعف فهو الذي تريد، وإن أقتل ترثني، فزوّجه. قال الواقديّ: تزوّجها بالرّقم، وهي امرأة من بني مرّة. فلما قدم بها على

стр. 3657

عمر قال: إنّك لفارغ القلب طويل الشّبق. «٤٣٥» - خبر ادعاء معاوية زيادا كان زياد عامل عليّ ﵇ على فارس فلما قتل تمسك بعمله ولم يدع إلى معاوية؛ فقلق معاوية بأمره، وهوّنه عنده المغيرة بن شعبة، فقال: بئس المركب الغرور زياد وقلاع فارس. [فقال معاوية] : ما يؤمنني أن يدعو إلى رجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعادها جذعة. فسعى المغيرة في أمره وقصده إلى فارس وأصلحه لمعاوية. ولما أراد أن يدّعيه بعث إلى عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الله بن خالد بن أسيد وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم، فقال: إنكم أسرتي وقرابتي، ولقد أردت أمرا لم يفتأني عنه إلا التوبيخ أو طعن طاعن عليّ أن يثلبني، والله أحقّ من راقب المرء وأطاعه، فإنه قال لنبيه ﷺ : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (الأحزاب: ٣٧) . وقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (النساء: [١) ؛ هذا زياد أردت أن ألحقه بنسبه وأنسبه إلى أبيه أبي سفيان، فما ترون؟ فقال مروان بن الحكم: أعيذك بالله أن تسم هذا بأنفك، أو يكون هذا من رأيك، أو تردّ قضاء رسول الله ﷺ فإنه قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وأنت تريد أن تجعل للعاهر الولد وللفراش الحجر. ثم قال: هات ما عندك يا ابن كريز، قال: أرى أن لا تدّعيه فإنه لم يدّع رجل قطّ رجلا إلا مات المدّعي وبقي الدّعيّ. قال: فما عندك يا ابن أسيد قال: أرى إن كنت إنما تدّعيه لتعتزّ به فإن الله جلّ وتقدّس لم يكن يعزّ سلطانه برجل دعيّ، والعرب أطوع لك، ولو لم تكره ذلك إلا ليقول قائل: إنما ادّعى زيادا لحاجته إليه مع إحداثك في الاسلام من هذه الخصلة لما لم يسبقك إليها أحد من السلف. ثم قال: ما عندك يا ابن العاص؟ قال: أرى أن تدّعيه بشهادة شهود، فإن كان ابن أبي سفيان فقد ألحقته بأبيه، وإن لم يكن

стр. 3658

فإنما إثمه على الشهود، وتستعين به فيما أنت فيه. قال معاوية: أنت أنصحهم جيبا وآمنهم غيبا، صدقت، أخرجوا المنبر ونادوا الصلاة جامعة. فاجتمع الناس لذلك، وحضرت الشهود وهم المستورد الثقفي وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وجلس زياد إلى جانب المنبر. فبدأ معاوية بالمستورد فقال: قم فاشهد بما علمت. فقال: أشهد أن أبا سفيان قدم الطائف فيما كان يبتاع من الأدم وغير ذلك، وأتانا آت ونحن في مجلسنا فقال: هذه جارية الحارث بن كلدة قد أدخلت على أبي سفيان، وأغلق دونها الباب؛ فبعثنا من نظر في ذلك فكان الخبر كما أخبرنا، فحسبنا من ذلك اليوم فلم يمض إلا شهر حتى مرّت بنا وقد اصفرّ لونها [.....] ، فولدت زيادا لتمام تسعة أشهر من ذلك اليوم الذي أخبرنا فيه. وشهد غيره بمثل ذلك. وقال لأبي مريم: اشهد بما علمت. قال: إنكم إن أعفيتموني كان أحبّ إليّ، وإن أبيتم إلا أن أشهد أتيت بالشهادة على وجهها؛ قد علم من حضر الطائف أن أبا سفيان كان خلا لي [وأنه إنما قدم] الطائف عليّ حتى نظعن؛ فقدم عليّ قدمته تلك. فقال: يا أبا مريم إني قد تغرّبت منذ أشهر، فابغ لي امرأة، فقلت: أتتزوج؟ فقال: لا أقدر على ذلك مع ابنة عتبة. فقلت: إني لا أقدر عليها إلا مومسة، قال: لا أبالي بعد أن تكون وضيئة؛ فأتيته [بسمية] ؛ (قال، قلت: لا أقدر عليها إلا أمة، قال: لا أبالي وأريدها وضيئة، فأتيته بسميّة) [١] جارية الحارث بن كلدة- ولا أعرف يومئذ بالطائف جارية أشهر منها بالفجور. فدعوتها وأعلمتها بحال أبي سفيان، فقلت: لئن أصبت منه ولدا لم تزالي في علية ما بقيت. فأسمحت حتى أخذ بكمّ درعها، فدخلا البيت فلم يلبث أن خرج عليّ يمسح جبينه؛ فقلت: مهيم، فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء في ثديها وذفر في رفغيها [٢] . قال: فقال زياد: لا تسبّ أمهات الرجال فتشتم أمّك، إنما أنت شاهد.

стр. 3659

ويقال إن زيادا قال: ما هذا! إنما دعيت شاهدا، ولم تدع شاتما! قال أبو مريم: قد جهدت أن تعفوني فلما أبيتم شهدت بما رأيت وعاينت. وقال: يا سعيد اشهد بما رأيت قال: رأيت زيادا يخطب- وقدم من عند أبي موسى في زمن عمر بن الخطاب- فتعجّب الناس من منطقه، فقال أبو سفيان وأنا إلى جنبه: من هذا المتكلم إني لأعرف فيه [منطق] آل حرب. فقلت: هذا زياد بن عبيد فقال: لولا مخافتي عمّك أن يعبث بي ويعنّفني لأخبرتك أنه لم يضعه في رحم أمّه غيري. فوثب يونس بن سعيد بن زيد مولى زياد فقال: الله الله يا معاوية في مولاي أن تغلبني عليه، ما كان كما قلت، إنه عبد لعمتي صفية، ولكن أعتقته، فلم تستحلّ أن تأخذ منها مولاها؟ فقال معاوية: لتنتهينّ يا يونس أو لأطيرنّ بك طيرة بعيدا وقوعها. فقال يونس: هي إلى الله ثم نقع. قال: ثم إن زيادا كان على العراق، فكتب إلى معاوية: إني قد أخذت العراق بيميني وشمالي فارغة؛ وهو يعرض [بالحجاز] يرجو أن يضمها إليه مع العراق، فلم يرجع إليه جواب كتابه حتى مات. ويقال إن زيادا بدا له أن يخطب إلى سعيد بن العاص ابنته، فكتب إليه [بذلك، فأجابه سعيد] : أما بعد فإن أمير المؤمنين لم ينزلك من نفسه هذه المنزلة، ولم يجعل في يديك ولايته، ولم يؤهّلك لما أنت فيه إلا لما يريد أن يوصل إليك من تنويه الاسم ورفيع الدرجة. [فأجابه زياد] :.... وكأنّا قد أحببنا التوسّل إليك ببعض ما يعود عليك نفعه ويشتبك الحال فيما بيننا وبينك وتتشعّب القرابات منا، فنحظى ونسعد بكم؛ وقد مهرنا كريمتك فلانة مائة ألف درهم: العاجل خمسون ألفا والآجل مثل ذلك، فإذا عزمت على [تزويجنا] فمر من يقبض المال والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فلما ورد الكتاب على سعيد امتنع من الطعام يومه ذلك، وكتم الناس أمره؛

стр. 3660

فلما كان الغد دعا بالفرزدق، فقال: ألا أعجّبك من بيضة البلد؟ قال: وما ذاك؟ فأراه سعيد الكتاب، فقال الفرزدق: أصلحك الله، أراد تثبيت النسب وتعقيد الحسب. فتبسّم سعيد وكتب إلى زياد: أما بعد، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (العلق: ٧) والسلام عليك. وكان هذا القول من الفرزدق سبب فراره من زياد فلم يدخل العراق حتى مات. ٤٣٦- ادّعى رجل على جعفر بن محمد- ﵄ دعوة واستحضره إلى القاضي، فلما ذكر دعواه قال جعفر: برئت إليه من ذلك. فأنكر الرجل ولم تقم لجعفر عليه بيّنة. فقال له القاضي: حقك عليه اليمين. قال: نعم، أنا أستحلفه. فقال له القاضي: إن شئت. فقال له جعفر: قل والله إنّ لي عندك كذا وكذا وأستحقّه عليك. فقال ذلك، فخرّ ميّتا. فقال القاضي لجعفر: كيف هذا؟ قال: إنّ استحلافك له بيمين فيها ثناء على الله ومدح، وإن الله إذا أثني عيه ومدح لم يعاجل بالعقوبة كرما منه وتفضلا. «٤٣٧» - قال عبد الملك بن عمير الليثي: دخلت على عبد الملك بن مروان وهو جالس في بهو على سرير وقد وضع بين يديه رأس مصعب بن الزبير. فلما رأيته قلت متعجّبا: لا إله إلا الله! لقد رأيت اليوم عجبا تذكرت به عجائب. قال: وما ذاك؟ قلت: رأيت عبيد الله بن زياد في هذا البهو جالسا على هذا السرير وبين يديه رأس الحسين بن علي ﵇، ثم دخلت بعد ذلك على المختار في هذا البهو فوجدته جالسا على هذا السرير وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد، ثم دخلت على مصعب في هذا البهو وهو على هذا السرير وبين يديه رأس المختار، وقد دخلت عليك يا أمير المؤمنين في هذا البهو وأنت على هذا السرير وبين يديك رأس مصعب. فبادر عبد الملك ونزل عن السرير وخرج عن البهو وأمر بهدمه.

стр. 3661

«٤٣٨» - قال بعض تجار البحر: حملنا مرّة متاعا إلى الصين من الأبلّة، وكان قد اجتمع ركب فيه عشر سفن، قال: ومن رسمنا إذا توجهنا في مثل هذا الوجه أن نأخذ قوما ضعفاء ونأخذ بضائع قوم. فبينا أنا قد أصلحت ما أريد، إذ وقف شيخ فسلّم، فرددت؛ فقال: لي حاجة قد سألتها غيرك من التجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟ قال: اضمن لي قضاءها حتى أقول، فضمنت؛ فأحضر لي رصاصة فيها نحو مائة منّ وقال: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجّة هذا البحر فاطرحها في البحر، فقلت: يا هذا ليس هذا ممّا أفعله؛ قال: قد ضمنت لي، وما زال بي حتى قبلت وكتبته في روزنامجي. فلما صرنا في ذلك الموضع عصفت علينا ريح فيئسنا من أنفسنا وممّا معنا، ونسينا الرصاصة، ثم خرجنا من اللجّة وسرنا حتى بلغنا موضعنا، فبعت ما صحبني، وحضرني رجل فقال لي: معك رصاص؟ فقلت: ليس معي رصاص، فقال لي غلامي: معنا رصاص، قلت: لم أحمل رصاصا معي، قال: بلى، للشيخ. فذكرت فقلت: خالفناه وبلغنا ههنا، وما عليّ أن أبيعه، فقلت للغلام: أحضرها. وساومني الرجل بها فبعت بمائة وثلاثين دينارا، وابتعت بها للشيخ طرائف الصين. وخرجنا فوافينا المدينة، وبعت تلك الطرائف بمبلغ سبعمائة، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه لي الشيخ، ودققت باب داره وسألت عنه، فقيل توفّي؛ فقلت: هل خلّف أحدا يرثه؟ قالوا: لا نعلم له إلا ابن أخ في بعض نواحي البحر. قال: فتحيّرت فقيل لي: إن داره موقوفة في يد أمين القاضي؛ فرجعت إلى الأبلّة والمال معي. فبينا أنا ذات يوم جالس إذ وقف على رأسي رجل فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: أكنت خرجت إلى الصين؟ قلت: نعم. قال: وبعت رجلا هناك رصاصا؟ قلت: نعم، قال: أفتعرف الرجل؟ فتأمّلته وقلت: أنت هو، قال: نعم، إني قطعت من تلك الرصاصة

стр. 3662

شيئا لأعمله فوجدتها مجوّفة، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال، فخذه عافاك الله. فقلت له: ويحك! والله ما المال لي، ولكنه كان من خبره كذا؛ وحدثته فتبسّم الرجل ثم قال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمي وأنا ابن أخيه، وليس له وارث غيري، وأراد أن يزوي هذا المال عني وهرّبني من البصرة سبع عشرة سنة، فأبى الله إلا ما ترى على رغمه. قال: فأعطيناه الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة وأقام بها. «٤٣٩» - قال الصولي: كان المعتصم في فتنة الأمين يمضي إلى علي بن الجنيد الاسكافي فيقيم عنده، ولا يقصر عليّ في خدمته وإكرامه والنفقة عليه- وكان عليّ أكثر الناس مزاحا وأحسنهم كلاما- فآذاه المعتصم في شيء، فقال علي: والله لا يفلح أبدا على المزح، فحفظها المعتصم. فلما دخل بغداد خليفة أمر وصيفا باحضار علي فأحضره- وكان عدوا للفضل بن مروان- فضحك المعتصم، وكان يقول: ذلك اليوم اعتقدت أن أنكب الفضل؛ ثم قال: يا علي تذكر حيث وقفت لابراهيم ابن المهدي بمربّعة الحرسي فنزلت فقبلت يده ثم أدنيت ابني هارون فقبّل يده وقلت: عبدك هارون ابني، فأمر له بعشرة آلاف درهم؟ قال علي: أذكر ذلك؛ قال: فإنه ترجّل لي اليوم وقبّل يدي في ذلك الموضع بعينه، ثم قال لي: عبدك هبة الله ابني، فأدناه فقبّل يدي، فأمرت له بعشرة آلاف درهم، ولم تطب له نفسي بغيرها. فقال: بئس والله ما فعل أمير المؤمنين. قال: وكيف ويلك؟ قال: إبراهيم كان أمر لهارون بعشرة آلاف درهم وليست في يده إلا بغداد وحدها، وفي يد أمير المؤمنين من المشرق إلى المغرب. قال: صدقت، أعطوه عشرة آلاف دينار؛ وفرّق المعتصم في أهله ثلاثين ألف ألف درهم. «٤٤٠» - قال أحمد بن أبي الأصبغ: لما ولي المستعين الخلافة دعاني أحمد بن

стр. 3663

الخصيب، وقد استوزره، فقال لي: اكتب الساعة في إشخاص أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد بفرانق بأسرع من عندك وأفرههم. فورد أبو صالح بعد شهر، فمكث جمعة ودبّ في أمر أحمد بن الخصيب حتى ولي مكانه ونفى أحمد بن الخصيب إلى اقريطش. [....] فدعاني أبو صالح حين ولي فقال: اكتب الساعة إلى همذان في إشخاص شجاع بن القاسم إلى الحضرة ووجه إليه بالذي جاء بي من فارس. قال: ففعلت ذلك، فوافى شجاع فتقلد كتبة أوتامش؛ فلما تمكّن نكب أبا صالح وأقام مكانه. «٤٤١» - حدّث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي قال: حدثني عضد الدولة أبو شجاع فنّا خسرو ببغداد، وذلك في سنة سبعين وثلاثمائة، قال: حدثتني أمّي- رحمها الله- أنها ولدت للأمير ركن الدولة ولدا قبلي كنّاه أبا دلف، وعاش قليلا ومضى لسبيله. قالت: فحزنت عليه حزنا شديدا أسفا على فقده وإشفاقا من أن ينقطع ما بيني وبين الأمير بعده، فسلّاني مولاي وسكّنني وأقبل عليّ وقرّبني؛ ومضت الأيام وتطاول العهد وسلوت، ثم حملت بك بأصفهان فخفت أن أجيء ببنت فلا أرى مولاي ولا يراني، لما أعرفه من كراهيّته للبنات وضيق صدره بهنّ وطول إعراضه عنهن؛ ولم أزل على جملة القلق والجزع إلى أن دخلت في شهري وقرب ما أترقّبه من أمري، وأقبلت على البكاء والدعاء ومداومة الصلاة والأدعية إلى الله في أن يجعله ولدا ذكرا سويّا محظوظا (أو كما قال عضد الدولة) ؛ ثم حضرت أيامي، واتفق أن غلبني النوم فنمت في مخادعي، ورأيت في منامي رجلا شيخا نظيف البزّة ربعة كثّ اللحية، أعين [١] عريض الأكتاف، وقد دخل عليّ وعندي أنه مولاي ركن الدولة، فلما تبيّنت

стр. 3664

صورته ارتعت منه وقلت: يا جواريّ، من هذا الهاجم علينا؟ فتساعين إليه فزبرهنّ وقال: أنا عليّ بن أبي طالب، فنهضت إليه وقبلت الأرض بين يديه، فقال: لا، لا، وقلت: قد ترى يا مولاي ما أنا فيه، فادع الله لي بأن يكشفه ويهب لي ذكرا سويا محظوظا، فقال: يا فلانة، وسمّاني باسمي- وكذا كنّى الملك عضد الدولة عن الاسم- قد فرغ الله ممّا ذكرت، وستلدين ذكرا سويا نجيبا ذكيا عاقلا فاضلا، جليل القدر، سائر الذكر، عظيم الصّولة، شديد السّطوة، يملك بلاد فارس وكرمان والبحر وعمان والعراق والجزيرة إلى حلب، ويسوس الناس كافّة ويقودهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة، ويجمع الاموال الكثيرة، ويقهر الاعداء، ويقول بجميع ما أنا فيه- يقول الملك ذاك- ويعيش كذا وكذا سنة- لعمر طويل أرجو بلوغه- ولم يبين الملك قدره- ويملك ولده من بعده، فيكون من حالهم كذا وكذا لشيء طويل، هذه حكاية لفظه. قال الملك عضد الدولة: فكلما ذكرت هذا المنام وتأملت أمري وجدته موافقا له حرفا بحرف. ومضت على ذلك السنون ودعاني عمّي عماد الدولة إلى فارس، واستخلفني عليها، وصرت رجلا وماتت أمي. وحدث أبو الحسين الصوفي- يقول الملك هذا وأبو الحسين حاضر يسمع حديثه-: واعتللت علة صعبة أيست فيها من نفسي وأيس الطبّ مني، وكانت سنتي المتحولة فيها سنة رديئة الدلائل، موحشة الشواهد؛ وبلغت إلى حد أمرت فيه أن يحجب الناس عني، حتى الأطباء لضجري بهم، وتبرمي بأمورهم، وما أحتاج إلى شرحه لهم، ولا يصل إليّ إلا حاجب النوبة؛ وبينا أنا على ذلك وقد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام أو أربعة ولا شغل لي إلا البكاء على نفسي والحسرة من مفارقة الحياة، إذ دخل حاجب النوبة فقال: أبو الحسين الصوفي في الدار منذ [الغداة] يسأل الوصول، وقد اجتهدت به في الانصراف فأبى إلا القعود، وترك القبول، وهو يقول: لا بد لي من لقاء مولانا فإن عندي بشارة ولا يجوز أن يتأخر وقوفه عليها وسماعه إياها. فلم أحب ان أجدّ به في المنع والصرف إلا بعد

стр. 3665

المطالعة وخروج الأمر. فقلت له على مضض غالب وبصوت خافت: قل له كأني بك وأنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني إلى الموضع الفلاني، وتهذي علي في هذا المعنى هذيانا لا يتسع له صدري، ولا يحتمله قلبي وجسمي، وما أقدر على سماع ما عندك فانصرف. فخرج الحاجب وعاد متعجبا وقال: إما أن يكون [أبو] الحسين قد اختلّ وإما أن يكون عنده أمر عظيم، فإنني أعدت عليه ما قاله مولانا، فقال: ارجع وقل له والله لو أمرت بضرب رقبتي لما انصرفت أو أراك، ومتى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا فحكمك ماض فيّ، وإذا سمعت ما أحدثّك به عوفيت في الوقت وزال ما تجده. فعجبت من هذا القول عجبا شديدا مع علمي بعقل أبي الحسين وشدة تحقيقه وقلّة تحريفه، وتطلعت نفسي إلى ما عنده، فقلت: هاته! فلما دخل قبّل الأرض وبكى، وقال: أنت والله يا مولانا في عافية ولا خوف عليك، اليوم تبلّ وتستقلّ، ومعي دلالة على ذلك. قلت: وما هي؟ ولم أكن حدثته من قبل بحديث المنام الذي رأته أمي ولا سمعه أحد مني. فقال: رأيت البارحة في منامي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇، والناس يهرعون إليه، ويجتمعون عليه، ويفاوضونه أمورهم، ويسألونه حوائجهم، وكأني قد تقدمت إليه وقلت له: يا أمير المؤمنين، أنا رجل في هذا البلد غريب، تركت نعمتي وتجارتي بالريّ، وتعلقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه، وقد بلغ في علّته إلى حدّ أيس فيه من عافيته، وأخاف ان أهلك بهلاكه، فادع الله له بالسلامة. قال: تعني فنّاخسرو بن الحسن بن بويه؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: امض إليه غدا وقل له: أنسيت ما أخبرتك به أمّك عني في المنام الذي رأته وهي حامل بك؟ ألم أخبرها مدة عمرك وأنك ستعتلّ إذا بلغت كذا وكذا سنة علّة ييأس فيها منك أهلك وطبك، ثم تبرأ منها، وفي غد يبتدىء برؤك، ويتزايد إلى أن تركب وتعود إلى عاداتك كلها في كذا وكذا

стр. 3666

يوما، ولا قاطع على أجلك إلى الوقت الذي أخبرتك به أمّك عني. قال الملك عضد الدولة: وقد كنت أنسيت أن أمي ذكرت ذلك في المنام [وأني] إذا بلغت هذه السنة من عمري اعتللت هذه العلّة التي ذكرها؛ فذكرت ذلك عند قول أبي الحسين ما قاله؛ فحين سمعت ما سمعته حدثت لي في الحال قوّة نفس لم تكن من قبل، وقلت: أقعدوني. فجاء الغلمان وأجلسوني. فلما استقللت على الفراش قلت لأبي الحسين: اجلس وأعد الحديث؛ فجلس وأعاد، وتولّدت بي شهوة الطعام، واستدعيت الطبّ فأشاروا بتناول غداء عمل في الوقت وأكلته، ولم يتصرم الوقت حتى أحسست بالصلاح الكثير، وتدرّجت العافية فركبت وعاودت عاداتي في اليوم الذي قاله أبو الحسين. وكان الملك يشرح هذا الشرح وأبو الحسين حاضر، يقول: كذا والله قلت لمولانا، وأعيذه بالله فما أحسن حفظه وذكره. ثم قال لي: بقي في نفسي من هذا المنام شيء، قلت: يبلغ الله مولانا آماله، ويزيده من كل ما يهواه، ويصرف عنه كل ما يخشاه؛ ولم أتجاوز الدعاء لعلمي بأن سؤاله عن ذلك سوء أدب. فعلم ما في نفسي وقال: وقوفه على أنني أملك حلب، ولو كان عنده أنني أتجاوزها لقال، حتى إنه لما ورد الخبر بإقامة ابن سيف الدعوة لي بها ذكرت المنام فنغص عليّ أمرها إشفاقا من أن تكون آخر حدود مملكتي من ذلك الصقع. فدعوت له وانقطع الحديث. ٤٤٢- قال الصولي: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما دعي محمد بن عبد الله أخي من مقتل يحيى بن عمر العلوي، دخلت إليه بعد ذلك بمدة، يوما سحرا، وهو كئيب الوجه، ناكس الرأس، غائص في الهمّ، كأنه معروض على السيف، وأخته واقفه وجواريه قيام. فلم أقدم على مسألته عن أمره، وأومأت إلى أختي أن ما له؟ قالت: رأى رؤيا قد روّعته وأفزعته. فتقدمت حينئذ وقلت: أيها الأمير روي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما لا يحبّه فليتحوّل من جانبه الذي يكون عليه مضطجعا إلى

стр. 3667

الجانب الآخر وليتفل ثلاثا [عن يساره] وليلعن إبليس وليستعيذ بالله منه ولينم [١] . قال: فرفع رأسه وقال: يا أخي إذا لم تكن البلية العظمى والطامة الكبرى من جهة رسول الله ﷺ ! فقلت: أعوذ بالله قال: أتذكر رؤيا طاهر ابن الحسين جدّنا قلت: بلى. قال عبيد الله: وكان طاهر وهو صغير الحال رأى النبىّ ﷺ في منامه وهو يقول له: يا طاهر إنك ستبلغ من الدنيا مبلغا كبيرا فاتّق الله واحفظني في ولدي، فإنك لا تزال محفوظا ما حفظتني فيهم. قال: فما تعرّض طاهر لقتال علوي وندب إلى [قتال يحيى] ولم يفعل. قال: ثم قال لي محمد أخي: إنني رأيت البارحة في منامي رسول الله ﷺ وكأنه يقول لي: نكبتم! فانتبهت فزعا وتحوّلت واستعذت من إبليس ولعنته واستغفرت الله، ونمت، فرأيته ﷺ وهو يقول لي: يا محمد نكثتم وقتلتم أولادي، والله لا تفلحون بعدها أبدا. فانتبهت وأنا على هذه الصورة التي تراني عليها منذ نصف الليل. قال: واندفع يبكي وبكيت معه. فما مضت على ذلك [إلا مدة يسيرة] ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة، وصرفنا عن ولايتنا، ولم يزل أمرنا يخمل حتى لم يبق لنا اسم على منبر، ولا علم على جيش، وحصلنا إلى الآن تحت المحنة. ٤٤٣- قيل لعلي بن الحسين ﵉: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحنا خائفين برسول الله ﷺ وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين به. ٤٤٤- نظر رجل إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن وهو مغموم فقال: ما غمّك يا ابن رسول الله؟ فقال: كيف لا أغتمّ وقد امتحنت بأعظم من محنة إبراهيم خليل الله، ذاك أمر بذبح ابنه ليدخل الجنّة وأنا مأخوذ بأن أحضر ابنيّ ليقتلا فأدخل النار.

стр. 3668

٤٤٥- روي أن عبد الله بن عمر ﵄ استأذن على الحجاج ليلا فقال الحجاج: إحدى حمقات أبي عبد الرحمن. فدخل فقال له الحجاج: ما جاء بك؟ قال: ذكرت قول النبيّ ﷺ : من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية. فمدّ إليه رجله فقال: خذ فبايع. أراد بذلك الغضّ منه. «٤٤٦» - قال المنصور لعمرو بن عبيد: عظني، قال: بما رأيت أو بما سمعت قال: بل عظني بما رأيت. فقال له: مات عمر بن عبد العزيز فخلّف أحد عشر ابنا، وبلغت تركته سبعة عشر دينارا كفّن منها بخمسة دنانير واشترى موضعا لقبره بدينارين، وأصاب كل واحد من [أولاده تسعة عشر درهما] . ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنا، وأصاب كلّ واحد من ولده ألف ألف دينار، فرأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله، ورأيت رجلا من ولد هشام يسأل ليتصدّق عليه. ٤٤٧- كان محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ذا نعمة ضخمة، ولم يكن له ولد إلا بنت واحدة ماتت قبله؛ وولد لأخيه جعفر مائة نسمة من ذكر وأنثى. وكان محمد يقول: أشتهي أن يصفو لي يوم لا يعارض سروري فيه غمّ. فكان أخوه جعفر يقول: لا تمتحن هذا، فقلّ من امتحنه إلا امتحن فيه [....] أحضر كل من تحب حضوره. فبينما هو على أتمّ أمر وأسرّ حال إذ سمع صراخا، فسأل عنه فكتم فألحّ، فعرف أن ابنته صعدت درجة فسقطت منها فماتت. فلم يف سروره صدر نهاره بما عقّب من غمّه. «٤٤٨» - وشبيه بهذا ما حكي عن يزيد بن عبد الملك أنه قال يوما: يقال إن

стр. 3669

الدنيا لم تصف لأحد يوما واحدا، فإذا خلوت يومي هذا فاحجبوا عني الأخبار وخلّوني ولذّتي. وخلا مع جاريته حبّابة- وكان شديد الشغف بها- فبينا هو يسقيها وتسقيه وتغنيه إذ تناولت حبّة رمّان فغصّت بها فماتت لوقتها. فانزعج وتركها [أياما] حتى عذله بنو أميّة وقالوا: إنها جيفة! وألحّوا عليه فدفنها ومشى في جنازتها وهو يقول: [من الطويل] فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد فعدّ بينهما خمسة عشر يوما. «٤٤٩» - قال محمد بن الحارث بن بسخنّر: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط للشراب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت؛ وكان رسمنا أن لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذا برسل الخليفة قد هجموا عليّ وقالوا [لي: احضر؛ فقلت: ألخير؟ قالوا: خير] ، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطّ، [ولعلكم] غلطتم؛ قالوا: الله المستعان! لا تطول وبادر، فقد أمرنا أن لا ندعك تستقرّ على الأرض. فدخلني فزع شديد، وخفت أن يكون ساع قد سعى بي، وبليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ. فتقدّمت بما أردت وركبت حتى وافينا الدار، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت. وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي وغمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبّسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضوا بي إلى رواق أرضه وحيطانه ملبّسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود.

стр. 3670

فلما رآني قال: قد جوّدت والله يا محمد، إلينا إلينا! فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين، خيرا! قال خيرا! أما ترانا! طلبت والله ثالثا يؤنسنا فلم أر [أحقّ] بذلك منك، فبحياتي بادر وكل شيئا وبادر إلينا؛ فقلت: قد والله يا سيّدي أكلت وشربت أيضا، قال: فاجلس، فجلست وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك واندفعت فريدة تغنّي: [من الطويل] أهابك إجلالا [وما بك] قدرة ... عليّ ولكن ملء نفس حبيبها [١] فجاءت والله بالسّحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، وأغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت بها من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتّت عودها، ومرّت تعدو وتصيح؛ وبقيت كالمنزوع الروح، ولم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ، وقد نظرت إليّ ونظرت إليها. وأطرق إلى الأرض متحيّرا، وأطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإني كذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت، فقال لي: ويحك أرأيت أعجب ممّا [تهيّأ علينا] ؟ فقلت: يا سيدي، الساعة والله تخرج روحي، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله، فما كان السبب والذّنب؟ قال: لا والله، ولكن فكّرت في أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد غدا وتقعد معه كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصّبر، وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسرّي عني وقلت: بل يقتل الله جعفرا، ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيّدي، ارحمها ومر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: مر [من] يجيء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه، وغلبها البكاء فبكت، وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي؟ وبأيّ شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي

стр. 3671

تبكي؛ فقالت: سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت قلبك من الهمّ! ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى الغناء. وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق [١] ، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه، وأخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يديّ، وخمسة تخوت عليها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا، فلم نزل كذلك إلى الليل وتفرّقنا. وضرب الدهر من ضربه، وتقلّد المتوكّل، فو الله إني لفي منزلي يوم نوبتي إذ هجم رسل الخليفة عليّ فما أمهلوني حتى ركبت، فصرت إلى الدار، فأدخلت الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق وعلى السرير بعينه، وإلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك! ما ترى ما أنا فيه من هذه؟ أنا من غدوة أطالبها بأن تغنّي فتأبى ذلك، فقلت لها: سبحان الله! تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر! بحياته غنّي، فضربت ثم اندفعت تقول [٢] : [من الوافر] مقيم بالمجازة من [قنونا] ... وأهلك بالأجيفر فالثّماد فلا تبعد فكّل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرّت تعدو وهي تصرخ: واسيّداه! فقال لي: ويحك! ما هذا؟ فقلت: لا أدري والله يا سيدي، فقال: ما ترى؟ قلت: أرى والله أن تحضر هذه ومعها غيرها، فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت ولم أدر ما كانت القصّة.

стр. 3672

«٤٥٠» - وروي أنّ رجلا من أهل مكة من بني جمح ولدت له جارية لم يولد مثلها في الحجاز حسنا، فقال: كأني بها قد كبرت، فنسب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوّه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت بمكة. فباع ضيعة له بالطائف ومكّة، ورحل بابنته إلى البصرة، وأقام بها، وابتاع هناك [ضيعة] . ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها. ومات أبوها، فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعدا [١] ، ولا عليها داخلا. فقالت لداية لها سوداء: من نحن؟ ومن أيّ البلاد نحن؟ فخبّرتها. فقالت: لا جرم، والله لا أقمت بهذا البلد الذي أنا فيه غريبة! فباعت الضيعة والدار وخرجت في أيام الحجّ. وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحلّ ويلبس الحلل الوشي، ويركب النجائب المخضوبة بالحنّاء عليها القطوع [٢] والديباج، ويسبل لمّته ويتلقّى العراقيات. فخرج لعادته فإذا قبّة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تعادلها جارية سوداء كالسّبجة [٣] ، فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: أطال الله تعبك إن كنت تسأل هذا العالم من هم، ومن أين هم! قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأمّا الأصل والمنشأ فمكّة، وقد رجعنا إلى الأصل ودخلنا مكّة. فضحك، فلما نظرت إلى سواد ثنيّته قالت: قد عرفناك. قال: ومن أنا؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة، قال: وبم عرفتني؟ قالت: بسواد ثنيّتك وهيئتك التي ليست إلا لقريش، فقال: [من الخفيف] أصبح القلب بالجمال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظاعنينا

стр. 3673

قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا نحن من ساكني العراق وكنّا ... قبله ساكنين مكّة حينا قد سألناك- إذ سألت- فمن أن ... ت عسى أن يجرّ شأن شؤونا ولم يزل بها عمر حتى تزوّجها وولدت منه. «٤٥١» - قال عمر بن شبّة: مات الموصليّ سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائيّ النحويّ، والعباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخمّارة، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلّي عليهم. فخرج فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأوّل؟ قالوا: إبراهيم الموصليّ، فقال: أخّروه وقدّموا العباس بن الأحنف. فقدّم فصلّى عليهم، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعيّ فقال: يا سيّدي، كيف آثرت العباس بالتّقدمة على من حضر؟ فأنشأ يقول: [من الكامل] وسعى بها ناس فقالوا إنّها ... لهي التي تشقى بها وتكابد فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم ... إني ليعجبني المحبّ الجاحد ثم قال: أتحفظها؟ قال هاشم: نعم، فقال: أنشدني باقيها، فأنشدت: لمّا رأيت الليل سدّ طريقه ... عني وعذّبني الظلام الراكد والنجم في كبد السماء كأنّه ... أعمى تحيّر ما لديه قائد ناديت من طرد الرّقاد بصدّه ... ممّا أعالج وهو خلو هاجد يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره ... أنت البلاء طريفه والتالد ألقيت بين جفون عيني حرقة ... فإلى متى أنا ساهر يا راقد فقال لي المأمون: أليس هذا الذي من قال هذا الشعر حقيق بالتّقدمة؟ قلت: بلى والله.

стр. 3674

«٤٥٢» - قال عبد الله بن الحسن: جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان فجلس إليّ فقلت له: يا أبا إسحاق، أما يصعب عليك شيء من الألفاظ تحتاج فيه إلى الغريب كما يحتاج إليه سائر الناس ممّن يقول الشّعر؟ فقال: لا، فقلت: إني لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السهلة، قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة، فقلت: قل أبياتا في مثل البلاغ، فقال من ساعته: [من الخفيف] أيّ عيش يكون أفضل من عي ... ش كفاف قوت بقدر البلاغ ربّ ذي لقمة [١] تعرّض منها ... حائل بينها وبين المساغ أبلغ الدهر في مواعظه بل ... زاد فيهنّ لي على الإبلاغ غشمتني [٢] الأيام عقلي ومالي ... وشبابي وصحّتي وفراغي وكان أبو العتاهية لتمكّنه من الطبع يقول: الناس يتكلّمون الشّعر وهم لا يعلمون، ولو أحسنوا تأليفه لكانوا شعراء كلّهم، فبينا هو يحدّث إذ قال رجل لآخر معه مسح [٣] : يا صاحب المسح تبيع المسح؟ فقال أبو العتاهية: ألم تسمعوه يقول: [من الرجز] يا صاحب المسح تبيع المسحا قد قال شعرا وهو لا يعلم، ثم قال له الرجل: تعال إن كنت تريد الرّبح، فقال أبو العتاهية: وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لا يعلم، قال: تعال إن كنت تريد الربحا

стр. 3675

وكانوا يقولون: لو أعين طبع أبي العتاهية بجزالة اللفظ، لكان أشعر الناس. ٤٥٣- ذكر أنّ قوما أضلّوا الطريق فاستأجروا أعرابيا يدلّهم على الطريق فقال: إني لا أخرج معكم حتى أشترط عليكم، قالوا: هات ما لك؟ قال: يدي مع أيديكم في الحارّ والقارّ، ولي موضع من النار موسّع عليّ فيها، وذكر والدتي محرّم عليكم. قالوا: فهذا لك، فما لنا عليك إن أذنبت؟ قال: إعراضة لا تؤدّي إلى مقت، وهجرة لا تمنع من مجامعة السّفرة، قالوا: فإن لم تعتب؟ قال: فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت. ويشبه هذا ما اشترطه راع على صاحب الإبل فقال له: ليس لك أن تذكر أمّي بخير أو شرّ، ولك حذفة بالعصا عند غضبك أخطأت أم أصابت، ولي مقعد [من النار] وموضعي من الحارّ. «٤٥٤» - ذكر عليّ بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين بإسناده عن ابن الكلبي قال: عشقت أمّ البنين بنت عبد العزيز ابن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك وضّاح اليمن فكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها، فإذا خافت وارته في صندوق عندها وأقفلت عليه. فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه واستحسنه، فدعا خادما له فبعث به إلى أمّ البنين وقال: قل لها إنّ هذا الجوهر أعجبني فآثرتك به. فدخل الخادم عليها مفاجأة ووضّاح عندها فأدخلته الصندوق وهو يرى فأدّى إليها [رسالة الوليد] ورفع الجوهر إليها وقال لها: يا مولاتي، هبي لي منه حجرا، فقالت: لا يا ابن اللخناء ولا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره فقال: كذبت يا ابن اللخناء، وأمر به فوجئت عنقه، ثمّ لبس نعليه ودخل على أمّ البنين وهي جالسة في ذلك البيت تمتشط وقد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجاء فجلس عليه ثم قال لها: يا أمّ البنين، ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك! فلم تختارينه؟ فقالت: أجاس فيه وأختاره لأنه يجمع حوائجي كلّها فأتناولها منه من

стр. 3676

قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق، فقالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين، فقال: ما أريد كلّها إنما أريد منها واحدا، قالت: خذ أيّها شئت، قال: هذا الذي جلست عليه، قالت: خذ غيره فإنّ لي فيه أشياء أحتاج إليها، قال: ما أريد غيره، قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فدعا بالخدم وأمرهم بحمله، فحملوه حتى انتهي به إلى مجلسه، فوضعه فيه ثم دعا بعبيد له عجم فأمرهم بحفر بئر في المجلس عميقة، فنحّي البساط وحفرت إلى الماء، ثم دعا بالصندوق فوضع على شفير البئر ودنا منه وقال: يا صاحب الصندوق! إنّه قد بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفيناك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنّما دفنّا الخشب وما أهون ذلك. ثم قذف به في البئر، وهيل عليه التراب، وسوّيت الأرض، وردّ البساط إلى حاله، وجلس الوليد عليه. ثم ما رئي لوضاح بعد ذلك أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما. «٤٥٥» - لمّا مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومشى الناس أجمعون معه حتّى دفنه ثمّ انصرف إلى قصره فأقبل على الرّبيع فقال: يا ربيع، [انظر من في أهلي] ينشدني: [من الكامل] أمن المنون وريبها تتوجّع حتى أتسلّى عن مصيبتي. قال الرّبيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور فسألتهم عنها فلم يكن فيهم أحد يحفظها. فرجعت فأخبرته، فقال: والله لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذه القصيدة لقلة رغبتهم في الأدب أعظم عليّ وأشدّ من مصيبتي بابني. ثمّ قال:

стр. 3677

انظر هل في القوّاد والعوامّ من يحفظها فإنّي أحّبّ أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت النّاس فلم أجد أحدا ينشدها إلّا شيخا مؤدّبا قد انصرف من تأديبه، فسألته: هل [تحفظ شيئا من الشعر؟] فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت أنشدني فابتدأ هذه القصيدة، فقلت: أنت بغيتي. ثمّ أوصلته إلى المنصور فاستنشده إيّاها فلمّا قال: والدّهر ليس بمعتب من يجزع قال: صدق، والله، فأنشدني هذا البيت ليتردّد عليّ هذا المصراع، فأنشده ثمّ مرّ فيها فلمّا انتهى إلى قوله: [من الكامل] والدّهر لا يبقى على حدثانه ... جون السّراة له جدائد أربع قال: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول. وأمر الشّيخ بالانصراف. واتّبعته فقلت: أمر لك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: نعم، وأراني صرّة في يده فيها مائة درهم. «٤٥٦» - قال العلاء البندار: كان الوليد بن يزيد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول بمقالته مقالة الثنوية. فدخلت يوما على الوليد وذلك الكلبيّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر، فقال: ادن يا علاء، فدنوت فرفع الحرير، وإذا في السّفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجفنه يطرف كأنّه يتحرّك. فقال: يا علاء، هذا ماني، لم يبعث الله نبيّا قبله ولا يبعث نبيّا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ولا [يغرّنّك هذا] الذي ترى من دينك. فقال الكلبيّ: قد قلت لك يا أمير المؤمنين، قد قلت لك إنّ العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: فمكثت أياما ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف منه، والكلبيّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان حمله على برذون هملاج

стр. 3678

أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به منفسخة عنقه ميّتا، وبرذونه يقاد حتى سلّموه. فبلغني ذلك فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وكان لهم أبيات بالقرب من أرض البخراء لا حجر بها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ قالوا: أقبل علينا على برذون فو الله لكأنّه دهن يسيل [على] صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السّماء، عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكّسه وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا، فاحتملناه فجئنا به. «٤٥٧» - لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء، فجعلوا لا يصلون إليه، فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفها، فدخل، فصاح به جرير: [من البسيط] يا أيّها القارىء المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن قال: فدخل على عمر، فاستأذنه فأدخله عليه، وقد كان هيّأ له شعرا، فلما دخل عليه غيّره وقال: [من البسيط] إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر زان الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي بلّغت من خبري ما زلت بعدك [في دار] تعرّفني ... قد طال بعدك إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يجود لنا باد على حضر كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر

стр. 3679

يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به ... خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر [١] ممّن يعدّك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر قال: فبكى عمر، ثم قال: يا ابن الخطفى، من أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم؟ أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم؟ أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا وأحسنهم حالا، ولكني أسألك ما عوّدنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم، وما يتبعها من كسوة وحملان، فقال له عمر: كلّ امرىء ملقّى فعله، فأمّا أنا فما أرى لك في مال الله من حقّ، ولكن انتظر، يخرج عطائي فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك. فقال جرير: لا، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا، قال: فذلك أحبّ إليّ. فلما خرج قال عمر: إنّ شرّ هذا ليتّقى، ردّوه إليّ، فردّوه. فقال: إنّ عندي أربعين دينارا وحلّتين، إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أنّ الله تعالى يعلم أنّ عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفّرك الله يا أمير المؤمنين، وأنا والله راض، قال له: أما وقد حلفت فإنّ ما وفّرته عليّ ولم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ [فخرج] . فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ قال: خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء، ويباعد الشعراء، وأنا مع ذلك عنه راض، ثم وضع رجله في [غرز] راحلته، وأتى قومه فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ فقال: [من الطويل] تركت لكم بالشام حبل جماعة ... أمين القوى مستحصد العقد باقيا

стр. 3680

وجدت رقى الشيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا «٤٥٨» - وشكا حارثة بن بدر الغدانيّ فأشرف على الموت، ودخل عليه قومه يعودونه فقالوا: هل لك حاجة أو شيء تريده؟ قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي، فإنّه يؤنسني، ففعلوا، فأنشأ يقول: [من البسيط] يا كعب صبرا ولا تجزع على أحد ... يا كعب لم يبق منّا غير أجساد يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حادي يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا تقرّب آجالا لميعاد يا كعب كم من حمى قوم نزلت به ... على صواعق من زجر وإيعاد فإن لقيت بواد حيّة ذكرا ... فاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي «٤٥٩» - كان أبو دلف بن عيسى العجليّ في جملة من كان مع الأفشين خيذر ابن كاوس لمّا خرج لمحاربة بابك. ثم تنكّر له، فوجّه يوما بمن جاء به ليقتله. وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه أحمد بن أبي دواد، وقال له: أدركه وما أراك تلحقه، واحتل في خلاصه كيف شئت. قال أحمد: فمضيت ركضا حتى وافيت الأفشين، وإذا أبو دلف واقف بين يديه، قد أخذ بيده غلامان تركيّان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلّى، فقال: سبحان الله! ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني في هذا المجلس، ثم كلمته في أبي دلف وخضعت له فيه، فجعل لا يزداد إلا غلظة. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبد قد أغرقت في الرّفق به، وليس ينفع إلا أخذه بالرهبة والصّدق، فقمت وقلت: كم تراك قدّرت في نفسك أن تقتل من أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد؟ قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب!
следующие страницы →