← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق، فقالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين، فقال: ما أريد كلّها إنما أريد منها واحدا، قالت: خذ أيّها شئت، قال: هذا الذي جلست عليه، قالت: خذ غيره فإنّ لي فيه أشياء أحتاج إليها، قال: ما أريد غيره، قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فدعا بالخدم وأمرهم بحمله، فحملوه حتى انتهي به إلى مجلسه، فوضعه فيه ثم دعا بعبيد له عجم فأمرهم بحفر بئر في المجلس عميقة، فنحّي البساط وحفرت إلى الماء، ثم دعا بالصندوق فوضع على شفير البئر ودنا منه وقال: يا صاحب الصندوق! إنّه قد بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفيناك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنّما دفنّا الخشب وما أهون ذلك. ثم قذف به في البئر، وهيل عليه التراب، وسوّيت الأرض، وردّ البساط إلى حاله، وجلس الوليد عليه. ثم ما رئي لوضاح بعد ذلك أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما. «٤٥٥» - لمّا مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومشى الناس أجمعون معه حتّى دفنه ثمّ انصرف إلى قصره فأقبل على الرّبيع فقال: يا ربيع، [انظر من في أهلي] ينشدني: [من الكامل] أمن المنون وريبها تتوجّع حتى أتسلّى عن مصيبتي. قال الرّبيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور فسألتهم عنها فلم يكن فيهم أحد يحفظها. فرجعت فأخبرته، فقال: والله لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذه القصيدة لقلة رغبتهم في الأدب أعظم عليّ وأشدّ من مصيبتي بابني. ثمّ قال:

стр. 3677

انظر هل في القوّاد والعوامّ من يحفظها فإنّي أحّبّ أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت النّاس فلم أجد أحدا ينشدها إلّا شيخا مؤدّبا قد انصرف من تأديبه، فسألته: هل [تحفظ شيئا من الشعر؟] فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت أنشدني فابتدأ هذه القصيدة، فقلت: أنت بغيتي. ثمّ أوصلته إلى المنصور فاستنشده إيّاها فلمّا قال: والدّهر ليس بمعتب من يجزع قال: صدق، والله، فأنشدني هذا البيت ليتردّد عليّ هذا المصراع، فأنشده ثمّ مرّ فيها فلمّا انتهى إلى قوله: [من الكامل] والدّهر لا يبقى على حدثانه ... جون السّراة له جدائد أربع قال: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول. وأمر الشّيخ بالانصراف. واتّبعته فقلت: أمر لك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: نعم، وأراني صرّة في يده فيها مائة درهم. «٤٥٦» - قال العلاء البندار: كان الوليد بن يزيد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول بمقالته مقالة الثنوية. فدخلت يوما على الوليد وذلك الكلبيّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر، فقال: ادن يا علاء، فدنوت فرفع الحرير، وإذا في السّفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجفنه يطرف كأنّه يتحرّك. فقال: يا علاء، هذا ماني، لم يبعث الله نبيّا قبله ولا يبعث نبيّا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ولا [يغرّنّك هذا] الذي ترى من دينك. فقال الكلبيّ: قد قلت لك يا أمير المؤمنين، قد قلت لك إنّ العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: فمكثت أياما ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف منه، والكلبيّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان حمله على برذون هملاج

стр. 3678

أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به منفسخة عنقه ميّتا، وبرذونه يقاد حتى سلّموه. فبلغني ذلك فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وكان لهم أبيات بالقرب من أرض البخراء لا حجر بها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ قالوا: أقبل علينا على برذون فو الله لكأنّه دهن يسيل [على] صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السّماء، عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكّسه وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا، فاحتملناه فجئنا به. «٤٥٧» - لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء، فجعلوا لا يصلون إليه، فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفها، فدخل، فصاح به جرير: [من البسيط] يا أيّها القارىء المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن قال: فدخل على عمر، فاستأذنه فأدخله عليه، وقد كان هيّأ له شعرا، فلما دخل عليه غيّره وقال: [من البسيط] إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر زان الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي بلّغت من خبري ما زلت بعدك [في دار] تعرّفني ... قد طال بعدك إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يجود لنا باد على حضر كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر

стр. 3679

يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به ... خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر [١] ممّن يعدّك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر قال: فبكى عمر، ثم قال: يا ابن الخطفى، من أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم؟ أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم؟ أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا وأحسنهم حالا، ولكني أسألك ما عوّدنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم، وما يتبعها من كسوة وحملان، فقال له عمر: كلّ امرىء ملقّى فعله، فأمّا أنا فما أرى لك في مال الله من حقّ، ولكن انتظر، يخرج عطائي فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك. فقال جرير: لا، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا، قال: فذلك أحبّ إليّ. فلما خرج قال عمر: إنّ شرّ هذا ليتّقى، ردّوه إليّ، فردّوه. فقال: إنّ عندي أربعين دينارا وحلّتين، إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أنّ الله تعالى يعلم أنّ عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفّرك الله يا أمير المؤمنين، وأنا والله راض، قال له: أما وقد حلفت فإنّ ما وفّرته عليّ ولم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ [فخرج] . فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ قال: خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء، ويباعد الشعراء، وأنا مع ذلك عنه راض، ثم وضع رجله في [غرز] راحلته، وأتى قومه فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ فقال: [من الطويل] تركت لكم بالشام حبل جماعة ... أمين القوى مستحصد العقد باقيا

стр. 3680

وجدت رقى الشيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا «٤٥٨» - وشكا حارثة بن بدر الغدانيّ فأشرف على الموت، ودخل عليه قومه يعودونه فقالوا: هل لك حاجة أو شيء تريده؟ قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي، فإنّه يؤنسني، ففعلوا، فأنشأ يقول: [من البسيط] يا كعب صبرا ولا تجزع على أحد ... يا كعب لم يبق منّا غير أجساد يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حادي يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا تقرّب آجالا لميعاد يا كعب كم من حمى قوم نزلت به ... على صواعق من زجر وإيعاد فإن لقيت بواد حيّة ذكرا ... فاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي «٤٥٩» - كان أبو دلف بن عيسى العجليّ في جملة من كان مع الأفشين خيذر ابن كاوس لمّا خرج لمحاربة بابك. ثم تنكّر له، فوجّه يوما بمن جاء به ليقتله. وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه أحمد بن أبي دواد، وقال له: أدركه وما أراك تلحقه، واحتل في خلاصه كيف شئت. قال أحمد: فمضيت ركضا حتى وافيت الأفشين، وإذا أبو دلف واقف بين يديه، قد أخذ بيده غلامان تركيّان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلّى، فقال: سبحان الله! ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني في هذا المجلس، ثم كلمته في أبي دلف وخضعت له فيه، فجعل لا يزداد إلا غلظة. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبد قد أغرقت في الرّفق به، وليس ينفع إلا أخذه بالرهبة والصّدق، فقمت وقلت: كم تراك قدّرت في نفسك أن تقتل من أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد؟ قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب!

стр. 3681

قال: فذلّ حتى لصق بالأرض، وبان الاضطراب فيه، فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف، فأخذت بيده وقلت: أخذته بأمر أمير المؤمنين، فقال: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقلت: قد فعلت. وأخرجت القاسم فحملته على دابّة ووافيت المعتصم. فلما بصر بي قال: بك يا أبا عبد الله وريت زنادي، ثم ردّ عليّ خبري مع الأفشين حدسا بظنّه، فما أخطأ منه حرفا. «٤٦٠» - قال دكين الراجز: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم، وكرهت أن أرمي بهن الفجاج، ولم تطب نفسي ببيعهنّ. فقدمت علينا رفقة من مضر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: ذاك إليك ونحن نخرج الليلة، فأتيته فودّعته وعنده شيخان لا أعرفهما. فقال لي: يا دكين، إنّ لي نفسا توّاقة، فإن صرت إلى أكثر ممّا أنا فيه، فاتني ذلك الإحسان، فقلت: أشهد لي بذلك. قال: أشهد الله ، قلت ومن خلقه؟ قال: هذين الشيخين. فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت؟ أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله بن عمر، فقلت له: لقد استسمنت الشاهد؛ وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. فخرجت إلى بلدي بهن، فرمى الله فيهم بالبركة حتى اعتقدت [١] منهنّ الإبل والعبد. فإني لبصحراء فلج إذا ناع ينعى سليمان. قلت: من القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. ولقيني جرير منصرفا من عنده، فقلت: يا أبا حزرة، من أين أقبلت؟ قال: من عند من يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، فانطلقت فإذا هو في عرصة الدار وقد أحاط به الناس فلم أخلص إليه [فناديت] : [من الرجز] يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدسائع العظائم

стр. 3682

إني امرؤ من قطن بن دارم ... طلبت ديني من أخي مكارم إذ ننتجي والله غير نائم ... عند أبي يحيى وعند سالم وقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، عندي لهذا البدويّ شهادة عليك، فقال: أعرفها، ادن يا دكين، أنا كما ذكرت لك، إنّ نفسي لم تنل شيئا إلا تاقت لما هو فوقه، وقد نلت غاية من الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة. والله ما رزأت من أموال الناس شيئا، ولا عندي إلا ألفا درهم فخذ نصفها، قال: فو الله ما رأيت ألفا كانت أعظم بركة منها. «٤٦١» - سفه مروان بن أبي الجنوب على عليّ بن الجهم بحضرة المتوكّل وهجاه بأشعار سخيفة باردة فلم يجبه، ثم قال فيما بعد: [من الوافر] بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون «٤٦٢» - شاعر: [من الطويل] تجاف عن الأعداء بقيا فربّما ... كفيت ولم تجرح بناب ولا ظفر ولا تبر منهم كل عود تخافه ... فإنّ الأعادي ينبتون مع الدّهر إذا أنت أفنيت النبيه من العدى ... رمتك الليالي عن يد الخامل الذكر وهبك اتّقيت السهم من حيث يتّقى ... فكيف بمن يرميك من حيث لا تدري «٤٦٣» - العرب تقول: خفّة الظّهر أحد اليسارين، والغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين، وتعجيل اليأس أحد اليسرين، والشّعر أحد الوجهين، والراوية أحد الهاجيين، والحمية أحد الموتين.

стр. 3683

«٤٦٤» - أبان اللاحقيّ: [من الطويل] ولن تعرف النفس النعيم وعزّه ... إذا جهلت حال المذلّة والضرّ نظر إليه أبو تمام فقال: [من الكامل] والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أدراك كيف نعيمها «٤٦٥» - لمّا قتل يحيى بن زيد بن عليّ حمل رأسه إلى الوليد بن يزيد، فأمر به فوضع في حجر أمّه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. فلما قتل مروان بن محمد أتي عبد الله بن عليّ برأسه، فدعا بابنته أمّ مروان فألقى الرأس في حجرها، وقال لها: هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم، هذا رأس أمير المؤمنين. فقال: هذا جزاء ما فعلتم بيحيى بن زيد لمّا أتي الوليد برأسه، أمر به فألقي في حجر أمّه، فهذه بتيك. ولم يزل يحيى مصلوبا حتى خرج أبو مسلم فأمر به فصلّي عليه ودفن، وأمر بالنياحة والبكاء عليه سبعة أيام بمرو. وكان أصل السواد أنّ أبا مسلم أمر بتسويد الثياب للمصيبة. وجعل أبو مسلم يتتبّع قتلة يحيى فيقتلهم. «٤٦٦» - قال داود بن رشيد: حدّثني أبي، قال: دعاني المنصور وقد كربه أمر ابراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقال لي: يا رشيد، أعدّ لي ألف غلام من نجب غلماني وألف فرس من نجب خيلي، وألف خريطة من مالي، وائتني في وقت كذا من الليل، وهو يريد أن يتوجّه إلى خراسان. قال: ففعلت ما أمرني، وأتيته فوجدته عليه ثيابه وهو على كرسيّ، فقال لي: ما

стр. 3684

صنعت يا رشيد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه الخيل والغلمان والأموال بالباب. قال: فقام، وقدّمت إليه فرسه ليركب وأخذت له بالرّكاب، فوضع رجله في الرّكاب وأخذ بمعرفة الفرس ومؤخّر السّرج ليتحامل للركوب. قال: ثم سمعته يقول: فأين تلاعب صبياننا؟ قال: ثم أخرج رجله من الرّكاب وعاد فجلس وقال: يا رشيد، حطّ. قال: ففعلت، وأتاه الخبر أنّ ابراهيم قد قتل. «٤٦٧» - قال ابن الكلبيّ: قالت عجوز من العرب لبنات لها ثلاث: صفن ما تحببن من الأزواج. قالت الكبرى: أريده أروع بسّاما، أحذّ مجذاما، سيّد ناديه، وثمال عافيه، ومحسب راجيه، فناؤه رحب، وقياده صعب. الأحذّ: الخفيف السريع، والمجذام: مفعال من الجذم وهو القطع، تريد أنّه قطّاع للأمور. وقالت الأخرى: أريده عالي السّناء [١] مصمّم المضاء، عظيم نار، متمّم أيسار [٢] ، يفيد ويبيد، ويبدىء ويعيد، في الأهل صبيّ، وفي الجيش كميّ، تستعبده الحليلة، وتسوّده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام [٣] ، كالمهنّد الصّمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضمّ قضقض، وإن دسر [٤] أغمض، وإن أخلّ أحمض [٥] . قالت أمّها: فض فوك! لقد فررت [لي] شرّة الشباب جذعة [٦] .

стр. 3685

«٤٦٨» - قيل لكثيّر: ما لك لا تقول الشعر، أأجبلت؟ [قال] : والله ما كان ذاك؛ ولكن فقدت الشباب فما أطرب، ورزئت عزّة فما أنسب، ومات ابن ليلى فما أرغب- يعني عبد العزيز بن مروان. «٤٦٩» - قال عبد الله بن عليّ بعد قتله من قتل من بني أميّة لاسماعيل بن عمرو ابن سعيد بن العاص: أساءك ما فعلت بأصحابك؟ فقال: كانوا يدا فقطعتها، وعضدا ففتّتّها، ومرّة فنقضتها، وركنا فهدمته، وجناحا فهضته؛ فقال: إني لخليق أن ألحقك بهم، قال: إنّي إذا لسعيد. «٤٧٠» - كتب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضي: أما بعد، فإني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال [الخير] ، ذي عفّة ونزاهة، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه؛ إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلّد مهمّا من الأمر أجزأ فيه؛ له سنّ مع أدب ولسان تقعده الرّزانة ويسكّنه الحلم؛ قد فرّ عن ذكاء وفطنة، وعضّ على قارحة من الكمال؛ تكفيه اللحظة، وترشده السّكنة؛ قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام بأمورهم فحمد فيها؛ له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء؛ لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرّجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة؛ مضطلعا بما استنهض، مستقلّا بما حمّل؛ وقد آثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتّيك. فكتب إليه: إني عازم أن أرغب إلى الله حولا كاملا في ارتياد مثل هذه الصفة، وأفرّق

стр. 3686

الرّسل الثّقات في الآفاق لالتماسه، وأرجو أن يمنّ الله بالإجابة فأفوز لديك بقضاء حاجتك، والسلام. «٤٧١» - قال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال: خلق الناس أخيافا: فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنّجدة، ورجرجة فيما بين ذلك يكدّرون الماء ويغلون السّعر [ويضيّقون الطريق] . الرّجرجة: شرار الناس ورذالهم. وأصل الرّجرجة: الماء الذي قد خالطه كدر، وجمعه رجارج. «٤٧٢» - دخل الأحنف على معاوية ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا به، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا لمن بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة؛ إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستطيلوا أوقاتك. فقال: لله درّك يا أبا بحر! هم كما وصفت. ٤٧٣- قال [إبراهيم] بن التوأم: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم. ٤٧٤- قال بعض علماء المنطق: الكلام عيار على كلّ صناعة، وزمام على كلّ عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرّجحان، وميزان تحرّج به الزيادة والنقصان، وكير يميّز به الخالص والشّوب، ويعرف به العين والإبريز، وراووق يعرف به الصّفو والكدر، وسلّم يرتقى به إلى معرفة الكبير والصغير، ويوصل معه إلى الخطير والحقير، وأداة للتفصيل والتحصيل، وإدراك الدقيق

стр. 3687

والجليل، وآلة لإظهار الغامض والمشتبه، وكشف الخفيّ والملتبس، وأدلّة للتفضيل بين الحجّة والشّبهة، والجماعة والفرقة، والشذوذ والاستفاضة، والحظر والإباحة، والردّ والمعارضة، وبه يعرف الشكل والضّدّ، والعدل والقصد، ويتغلغل في الأمور الخفيّة، ويتوصّل إلى المعاني العقلية، ويتوغّل إلى حقائق الأشياء ومعاني الأسماء. «٤٧٥» - قال الخليل بن أحمد: يكثّر الكلام ليفهم، ويقلّل ليحفظ. وقد قال الشاعر في هذا المعنى: [من الكامل] يرمون بالخطب الطّوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء وقال آخر: [من الكامل] يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت إذا طال النّضال مصيب «٤٧٦» - قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاريّ: جمع زياد أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من عليّ ﵇ والشّتم له، فملأ الرحبة والمسجد والقصر. قال: فأغفيت إغفاءة فرأيت شبحا له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت: ما أنت؟ قال: النّقّاد ذو الرّقبة، بعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعا فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: ما رأينا شيئا، فلم يكن بأسرع من أن خرج علينا خارج من القصر فقال: أيّها الناس، انصرفوا فإنّ الأمير في شغل اليوم. وإذا هو قد فلج. فقال عبد الرحمن بن السائب: [من البسيط] ما كان منتهيا عمّا أراد بنا ... حتى تناوله النّقّاد ذو الرّقبه فأسقط الشّقّ منه ضربة ثبتت ... كما تناول ظلما صاحب الرّحبه وبلغ الحسن بن عليّ ﵉ ما كان يصنع بشيعة عليّ، فقال: اللهم تفرّد

стр. 3688

بموته، فإنّ في القتل كفّارة. «٤٧٧» - ولد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد في الكعبة؛ دخلتها أمّه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى وهي حامل، فضربها المخاض وهي في الكعبة فولدته فيها، فحملت في نطع، وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم، ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد. ٤٧٨- روي أنّ عبد الله بن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر في يده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل أتلقّطه منذ اليوم، قال: فأحصوا ذلك اليوم فوجدوه قد قتل فيه. ٤٧٩- وقال سليم القاصّ: لما قتل الحسين بن عليّ مطرت السماء دما عبيطا. ٤٨٠- وقال ابن شهاب: لمّا قتل لم يرفع بالشام حجر إلا وجد تحته دم عبيط. ٤٨١- وقال الأعمش: خري رجل على قبر الحسين، فجنّ فمات، فسمع صوته يصيح في القبر كنباح الكلب. ٤٨٢- وقال أبو رجاء العطاردي: كان لنا جار، فلما قتل الحسين قال: قتل الفاسق، فرماه الله ﵎ بكوكبين في عينيه فطمستا. «٤٨٣» - لمّا بعث يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّي إلى المدينة أباحها وفيها أصحاب رسول الله ﷺ وبقيّته، وبها أمّ سلمة وميمونة زوجتا النبيّ ﷺ . «٤٨٤» - قال أبو ميمون العبدي: رأيت أبا سعيد الخدريّ ممعّط اللحية،

стр. 3689

فقلت له: أتعبث بلحيتك؟ قال: لا، ولكن هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام؛ دخلوا عليّ زمان الحرّة فأخذوا ما كان في البيت ثم خرجوا، ثم دخلت طائفة أخرى فأخذوا ما كان في [البيت من حلية] أو متاع ثم خرجوا، ثم دخلت طائفة أخرى فلم يصيبوا في البيت شيئا، فأسفوا أن يخرجوا فأضجعوا الشّيخ وأخذ كلّ واحد خصلة من لحيتي، فأنا أتركها حتى أوافي بها ربّ العالمين. «٤٨٥» - وجاء عمرو بن عثمان بن عفّان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدّته أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ وعلى آله وأصحابه، وكان عمرو بن عثمان قال لأمّ سلمة: أرسلي معي ابن ابنتك ولك عهد الله وميثاقه أن أردّه عليك كما أخذته منك. فجاء به إلى مسلم بن عقبة، فجلس على طرف سريره، فلما تقدّم يزيد بن عبد الله، قال: بايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله ممّا أفاء الله عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرقّ. قال له يزيد: والله لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك، قال: والله لا تستقيلها أبدا. فقال له عمرو بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أمّ سلمة بعهد الله وميثاقه أن أردّه إليها. قال: فركضه برجله فرمى به من فوق السرير وقال: والله لو قلتها ما أقلتك حتى أضرب الذي فيه عيناك. فقتل يزيد بن عبد الله. «٤٨٦» - قال سعيد بن المسيّب: مكثت ثلاثة أيام في زمن يزيد بن معاوية أصلّي في المسجد لا يصلّي معي داع ولا مجيب؛ إنّ أهل الشام لا يتركون أحدا بلغ الحلم إلا ضربوا عنقه، وإنّهم يلقونني مقبلا ومدبرا لا يسألونني عن شيء، إذا كان وقت الصلاة سمعت داعيا يخرج اليّ من بيت النبيّ ﷺ ، فأعرف أنّه وقت الصلاة، فأقوم فأؤذّن وأصلّي.

стр. 3690

«٤٨٧» - روى أبو سعيد عن النبيّ ﵊ أنّه قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا. «٤٨٨» - وروى أبو هريرة قال: أصبح النبيّ ﷺ وهو كالمغضب فقال: رأيت بني أبي العاص ينزون على منبري هذا نزو القردة، قال: فما رئي رسول الله ﷺ مجتمعا ضاحكا حتى مات صلّى الله عليه. «٤٨٩» - وروى الحسن أنّ عليّا ﵇ كان على المنبر فقال: اللهم إنّي ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشّوني، اللهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم حكم الجاهلية، قال: فوصف الحجاج والله وهو يقول: الذيال الميّال، يحفر الأنهار، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها. «٤٩٠» - قال عبد الملك بن مروان: كنت أنا وعبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير [ومصعب بن الزبير] [١] يوما جلوسا بفناء الكعبة، فقلنا: هلمّوا يتمنّى كل واحد منّا ما يحبّ، فقال عروة بن الزبير: أتمنّى على الله الفقه، وأن يحمل عني الحديث. وقال مصعب: أتمنّى ولاية العراقين وأن أتزوّج عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقلت أنا: أتمنّى على الله الخلافة. وسكت ابن عمر. فقلنا له: تمنّ، قال: أتمنّى على الله الجنّة. فما منّا إلا من بلغ أمنيته في دنياه، ولا أشكّ في أنّ ابن عمر قد نال ما تمنّى. «٤٩١» - لمّا خرج محمد بن عبد الله بن الحسن جاء الخبر إلى المنصور وهو

стр. 3691

ببغداد في المضارب وقد بدأ بنيانها في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وعمّه عبد الله بن عليّ محبوس عنده، فعظم عليه خروجه. فأرسل إلى عمّه بقوم من أهله يستشيره، وكان عبد الله بن عليّ ذا رأي في الحرب، فقال: إنّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجوني يخرج رأيي. فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني محمد بن عبد الله يضرب عليّ بابي ما أخرجتك وأنا خير لك منه. فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة، واجثم على أكباد أهلها، فإنّهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة، وكان بالرّيّ، فينحدر إليك واكتب إلى أهل الشام ومرهم أن يحملوا إليك أهل البأس والنجدة على البريد، وابعثهم مع سلم، وأحسن جوائزهم. ففعل ما أشار به. ٤٩٢- ولمّا سار إلى الكوفة وجّه عيسى بن موسى لمحاربة محمد، وعهد إليه فقال: إذا صرت إن شاء الله إلى المدينة، فادع محمد بن عبد الله إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإن أجابك فاقبل منه، وإن هرب منك، فلا تتبعه، وإن أبى إلا الحرب والمناجزة، فناجزه واستعن بالله عليه، وإذا ظفرت به، فلا تخيفنّ أهل المدينة، وعمّهم بالعفو، فإنّهم الأصل والعشيرة وذرّيّة المهاجرين والأنصار، وجيران قبر رسول الله ﷺ . هذه وصيّتي إيّاك، لا كما أوصى يزيد اللعين مسلم بن عقبة حين وجّهه إلى المدينة؛ فإنّه أمره أن يقتل من ظفر به ما بين ثنيّة الوداع إلى بني عمرو بن مبذول كلّ من أنبت ويييحها ثلاثة أيّام؛ ففعل مسلم ذلك، وبلغ يزيد فعله، فتمثّل بشعر ابن الزّبعرى في يوم أحد، فخر المشركون على المسلمين يقول: [من الرمل] ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل [١]

стр. 3692

حين حكّت بقباء بركها ... واستحرّ القتل في عبد الأشل وأمير المؤمنين يعوذ بالله أن يبتليه بغشم رعيّته وسفك دمائهم، ويسأله أن يلهمه الرأفة بهم، والرحمة لهم، والعطف عليهم، إنّه سميع قريب. ثم سر إلى مكّة، فاعف عنهم واصفح، فإنّهم أهل [بيت] الله وجيرانه، وسكّان حرمه وأمنه، وأهل الأصل ومنبت الفرع والعشيرة، وعظّم البيت والحرم، ولا تلحد فيه بظلم، فإنّه حرم الله الذي بعث منه نبيّه ﷺ ، وشرف به آباؤنا، فبتشريف الله آباءنا شرّفتنا العرب. هذه وصيتي إليك لا كما وصّى أبو ذباب خنّور بن خنور حين وجّهه إلى مكّة، فإنّه أمره أن يقتل كلّ محتلم ما بين المعلاة والمسفلة، ويضع المجانيق على الكعبة، ويلحد ويظلم في الحرم، ففعل الحجّاج ذلك، وبلغ الخبر عبد الملك، فتمثّل قول عمرو بن كلثوم: [من الوافر] ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا وقتل محمد بن عبد الله للنصف من شهر رمضان، وخرج إبراهيم [بن عبد الله] ابن الحسن أخوه غرّة شهر رمضان قبل قتل محمد بخمسة عشر يوما بالبصرة، وعظم أمره، فكان في سبعين ألفا، وغلب على الأهواز وفارس وواسط. «٤٩٣» - ويقال: إنّ المنصور لم يكن [ينام] أيام حربه ابني عبد الله بن الحسن، وأنه جلس على مصلّى خمسين ليلة ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبّة قد اتّسخ جيبها، وليس تحتها شيء، فما نزعها حتى فتح عليه. وأتته قيّمة نسائه في تلك الأيام بامرأتين أهديتا إليه من المدينة: فاطمة ابنة محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وأمة الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد

стр. 3693

بن أسيد [١] ، وكان القادم بهما إسحاق بن الأزرق، فلم ينظر إليهما. فقالت له: يا أمير المؤمنين، قد خبت نفوسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك. فانتهرها وقال: ليست هذه الأيام من أيّام النساء، لا سبيل إليهما حتى أعلم: رأسي لإبراهيم، أم رأس إبراهيم لي! «٤٩٤» - ولمّا أتي المنصور برأس إبراهيم، وضعه بين يديه وجلس مجلسا عامّا، فكان الرجل يدخل، يسلّم ويسيء القول لإبراهيم ويتناوله بالكلام القبيح طلبا لرضا المنصور، وهو مطرق ممسك متغيّر الوجه، حتى دخل عليه جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف وسلّم ثم قال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقّك، فأسفر لون أبي جعفر وأقبل عليه فقال: أبا خالد، ههنا، مرحبا وأهلا، فعلم أنّ ذلك قد أرضاه فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة. «٤٩٥» - الأفوه الأودي: [من البسيط] فينا معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا لا يرشدون ولم يرعوا لمرشدهم ... والجهل منهم معا والغيّ ميعاد أضحوا كقيل ابن عمرو في عشيرته ... إذ أهلكت بالذي أسدى لها عاد ويروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته. أو بعده كقدار حين تابعه ... على الغواية أقوام فقد بادوا والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

стр. 3694

فإن تجمّع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد إذا تولّى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا أمارة الغيّ أن تلقى الجميع لدى ال ... إبرام للأمر والأذناب أكتاد حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فيهم صلاح لمرتاد وإرشاد فسوف أجعل بعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحم منكم وميلاد إنّ النّجاء إذا ما كنت في نفر ... من أجّة الغيّ إبعاد فإبعاد والخير تزداد منه ما لقيت به ... والشرّ يكفيك منه قلّ ما زاد «٤٩٦» - قال صالح بن عليّ الهاشميّ: حضرت مجلس المهتدي وهو ينظر في المظالم، فجعلت أنظر إلى المتظلّمين، القويّ والضعيف، والشريف والوضيع، منهم ما تقرأ قصّته عليه حتى تستوفى ثم يأمر بالتوقيع فيها بما يرى، لا يعدل عن الحقّ والإنصاف، وما فيه للمتظلّم المقنع وزيادة؛ فينشأ الكتاب على التوقيع من ساعته، ويحرّر ويعلّم عليه، ويردّ إليه فيختمه، ويدفع إلى صاحبه. فأعجبني ذلك جدّا، ورأيت شيئا حسنا لم أره قبله. وجعلت أنظر إليه، ففطن لذلك ونظر إليّ، ثم صرف بصره عنّي، فنظرت، فنظر، حتى كان ذلك ثلاث مرّات. ثم قال لي: يا صالح، فقمت وقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: ادن، فدنوت، فقال: في نفسك منّا شيء تحبّ أن تقوله؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اجلس، فجلست في موضعي إلى أن قام عن مجلسه وقال لي: لا تبرح صالح بن عليّ. ودخل فأبطأ عليّ الإذن، ثم أذن لي، فدخلت فوجدته على حصير مصلاه، فدعوت له. فقال: اجلس، فجلست. فقال: يا صالح، تقول ما دار في نفسك أو

стр. 3695

أقوله أنا لك؟ قلت: ما رآه أمير المؤمنين. قال: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من أمرنا في العامة فقلت في نفسك: أيّ خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بمقالة أبيه في القرآن! فورد عليّ أمر جليل بقيت له متحيّرا؛ ثم قلت يا صالح: [وهل] نموت إلّا مرّة واحدة! وهل يحسن الكذب في جدّ أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما خرمت حرفا ممّا دار في نفسي. فأطرق ساعة ثم قال لي: يا صالح، اسمع منّي ما أقول لك، فو الله الذي لا إله غيره لتسمعنّ منّي حقّا ما شانه غيره. فقلت: يا سيّدي، ومن أولى بالحقّ منك، وأنت خليفة الله، وابن عمّ رسول الله؟ فقال: ما زلت برهة من خلافة الواثق ﵁ أقول بهذه المقالة حتى أقدم ابن أبي دواد علينا في المحنة شيخا من أهل الشام، ثم من أهل أذنة؛ فأحضره الواثق، فأدخل شيخ جميل تامّ بهيّ، وفي رجليه قيدان ثقيلان؛ فرأينا الواثق كالمستحي منه، الراحم له، فأسندناه حتى قرب منه؛ فسلّم الشيخ فردّ عليه، ودعا فأوجز في الدعاء؛ فقال له الواثق: يا شيخ، ناظر أحمد بن أبي دواد على ما يناظرك عليه؛ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أحمد يصبو [١] ويضعف عن المناظرة ويقلّ عنها أيضا؛ فغضب الواثق وقال: ويلك! أبو عبد الله يصبو ويضعف ويقلّ عن مناظرة مثلك! واحمرّ وجهه ودارت عيناه؛ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هوّن عليك، وليسكن ما بك، وائذن في مناظرته تعلم صدق قولي. قال الشيخ: يا أحمد، تسألني أم أسألك؟ قال: سل؛ قال: إلام تدعو الناس وتدعوني؟ قال: إلى أن يقولوا: إنّ القرآن مخلوق. قال الشيخ: ولم يا أحمد؟ قال: لأنّ كلّ شيء دون الله مخلوق. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن هذه المقالة، هي داخلة في عقد الدين، فلا يكمل الدين حتى يقال بها؟

стр. 3696

قال: نعم. قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علينا ما يجري، فافعل. قال الواثق: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، فأخبرني عن رسول الله ﷺ لمّا بعثه الله إلى خلقه، ستر عليهم شيئا ممّا أمره الله به في دينهم؟ قال: لا. قال: أفأخذ رسول الله ﷺ بهذه المقالة؟ فسكت أحمد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة. ثم قال الشيخ: يا أحمد، فدع ذا؛ زعمت أنّ الدين لا يكون كاملا حتى يقال فيه بهذه المقالة. فأخبرني عن الله حين أنزل على رسوله ﷺ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (المائدة: ٣) أكان الله ﵎ الصادق في كماله، أو أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أحمد، أجب، فسكت. فقال الشيخ: اثنتان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. وقال الشيخ: ودع ذا؛ أتقول إنّ رسول الله ﷺ علم مقالتك هذه فلم يطالب الأمّة بها لأنّه اتّسع له الإمساك عنها؟ قال أحمد: نعم. قال: وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ بعده؟ قال: نعم. قال: فترك الشيخ ابن أبي دواد وأقبل بوجهه إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يتّسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ممّا زعم ابن أبي دواد أنّه اتّسع لرسول الله ﷺ ، ولأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله عليك. فضحك الواثق ثم قال: نعم لا وسّع الله عليّ إذن.

стр. 3697

قال: وكان بيد الواثق قلم أو قضيت فلم يزل يفركه حتى كسره، فظننّا أنّ ذلك لغيظه على أحمد. ثم قال: اقطعوا قيد الشيخ، فقطع. فضرب الشيخ بيده إلى القيد فجذبه إليه ومنعه الحدّاد من أخذه، فقال الواثق: دعوا الشيخ يأخذه، فجعله في كمّه، فقال له الواثق: لم أخذته، أحاجة منك إليه؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، لكني عقدت في نيّتي إذا حضرني الموت أن آمر من يتولّى أمري أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به يوم القيامة بين يدي ربي هذا الظالم، وأومأ إلى ابن أبي دواد، وأقول يا ربّ، سل عبدك هذا لم قيّدني وروّع ولدي وأهلي؟ فبكى الواثق بكاء شديدا وبكينا حوله. ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حلّ وسعة ممّا نالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك منذ أوّل يوم في حلّ وسعة إكراما لرسول الله ﵇ إذ كنت رجلا من أهله. فسرّ الواثق بقوله وقال: يا شيخ، فإنّ لي إليك حاجة؛ قال: قل يا أمير المؤمنين؛ قال: تقيم عندنا فينتفع بك أولادنا ومن معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه أنفع لك من مقامي قبلك رجوعي إلى الثّغر الذي أخرجني منه هذا الظالم. وأخبرك بأوّل منفعة ذلك، وهو أني أكفّ عنك دعاء ولدي وأهلي وإخواني، فإني تركتهم يدعون الله عليك. فقال الواثق: ههنا حاجة أخرى، قال: قل يا أمير المؤمنين، قال: تذكر كلّ ما تحتاج إليه لمؤنتك ونفقتك ونفقة عيالك، فتأخذه ونجعله لك جاريا يقيمه العامل بتلك الناحية. قال: يا أمير المؤمنين، أنا غنيّ عن ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تحلّ الصدقة لغنيّ» [١] ، ولكن لي أنا حاجة يا أمير المؤمنين، قال: قل ما أحببت؟ قال: تأذن لي الساعة بالمسير؛ قال: قد فعلت، فتزوّد منّا نفقة، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما لي إليها حاجة كبرت أم صغرت، ولا يراني الله متغنّما مالك، ثمّره الله وألهمك إنفاقه فيما يقرّبك منه.

стр. 3698

وخرج الشيخ، ورجعت أنا والله من ذلك اليوم عن هذه المقالة، ولم أشكّ في أنّ أمير المؤمنين الواثق رجع عنها. «٤٩٧» - أصيب على عهد عمر بن الخطاب ﵁ رجل مقتول لا يعلم من قتله، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ، ثم قال: أيّها الناس، ناشدت الله رجلا قتله إلا أنبأنا بذلك، فقام رجل فقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعته على فراش جار لي وهو مع امرأته، وجاري غائب في بعض البعوث، وهو يتغنّى رافعا صوته لا يكني: [من الوافر] وأشعث غرّه الإسلام منّي ... خلوت بعرسه ليل التّمام أبيت على ترائبها ويمسي ... على قبّاء لاحقة الحزام كأنّ مواضع الرّبلات منها ... فئام قد جمعن إلى فئام فقال عمر: اقتل وأنا معك، وقبل قوله وأجاز شهادته. «٤٩٨» - ابن الرومي: [من الكامل] إنّ الطبيب بطبّه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مكروه أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى هلك المداوى والمداوي والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى «٤٩٩» - قال الرشيد لأعرابيّ رآه يرعى: لم سمّيت الحقّة حقّة؟ قال: لأنها استحقّت أن يحمل عليها من ظهرها وبطنها، قال: أشهد أنّك راع حقّا! ٥٠٠- قيل: أوّل من عقد الولاية والألوية إبراهيم الخليل ﵇.

стр. 3699

بلغه أنّ قوما أغاروا على لوط وأهله فسبوه، فعقد لواء جمع به مواليه وعبيده ورعاته وسار حتى استنقذ لوطا وما كان أخذ له. ٥٠١- قال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت الشافعيّ يقول: الأعراب أدهى قوم وأحلاهم كلاما، لقد سمعت منهم رجلا يقول لرجل اصطنع إليه معروفا: آجرك الله من غير أن يبتليك. فحدّثت بذلك الزبيريّ فقال لي: سمعت أنا أعرابيّا يقول لرجل من مياسير البلد: أحبّ أن تنسئني شيئا أستعين به وأعجّل ردّه؛ فقال له الآخر قولا اعتذر فيه، وذكر انقباض يده عن مراده. فقال له الأعرابيّ: لا جعلها الله عذرة صادقة. ٥٠٢- قال سلمان الفارسيّ: الناس أربعة: أسد، وذئب، وثعلب، وضأن: فأمّا الأسد فالملوك يفترسون. وأما الذئب فالتّجار. وأمّا الثعلب فالقرّاء المخادعون. وأمّا الضأن فالمؤمن ينهشه كلّ من يراه. «٥٠٣» - قيل لابن عائشة: ما بال قريش ليس شعرها بجيّد؟ قال: لأنّ قريشا لم تخلق للشّعر، إنّما خلقت للقرآن. «٥٠٤» - شاعر: [من البسيط] استودع العلم قرطاسا وضيّعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس «٥٠٥» - قال يحيى بن سليم: حجّ المنصور، وعامله على مكّة والمدينة حينئذ عمّه عبد الصمد بن عليّ، فأمره أن يدخل عليه رجلا حصيفا من أهل

стр. 3700

مكة، فأدخل عليه رجلا، فلم يسلّم عليه بالخلافة، فقال له المنصور: أيّ رجل أنا عندك؟ قال: أنت ما علمت الظالم الخائن المستبدّ بالفيء تأخذه من غير حقّه وتضعه في غير أهله. فاستوى له جالسا وقال: وما علمك أنني ظالم خائن؟ أستقضيت لي فجرت عليك أو على غيرك؟ أو ههنا شيء تدّعي أنّني أخذته منك؟ هذه كتبي في ديواني ومع عمّالي آمرهم بالعدل وإيتاء النّصفة والحقّ، فمن ينكث فإنّما ينكث على نفسه. وهذا عمرو بن عبيد والأعمش وسفيان الثوريّ، أدعوهم إلى عملي فيمتنعون، فأطلب أهل العدالة والأمانة في الظاهر فإذا اختبرتهم وجدتهم خونة فجرة، أفأقدر أن أولّي الملائكة؟ أو ما علمت- لا علّمك الله خيرا- أنّ النبيّ ﷺ شكا بعض عمّاله والوحي ينزل عليه؟ أو ما علمت أنّ عمر بن الخطاب ﵁ شاطر جماعة من عمّاله أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة؟ وأمّا الفيء الذي زعمت أنّني أستبدّ به وآخذه من غير حلّه، وأضعه في غير أهله، فأخبرني: أمحتاج أنت إليه؟ فإن قلت: نعم، سألنا عمّا ادّعيت، فإن كنت صادقا أعطيناك بقدر ما يكفيك، وكنت الظالم لنفسك إذ لم ترفع إلينا حاجتك، وكان المغيّب عنّا مستورا. وإن كنت كاذبا، فما لك في هذا الفيء نصيب، لأنّ الله تعالى قسمه أقساما لم يجعل فيه لغنيّ حقّا، ولا مثلك يعطى من هذا الفيء وأنت بفناء قبّة امرأتك وحجلتها تتمرّغ على مهادك، وتتثنّى على وسادك، ولا تغزو سبيلا، ولا تجيب أميرا. وبعد، فما يؤمنك أن أبطش بك، فيقول الناس: وعظ أمير المؤمنين فعاقبه؟ فقال له: وددت أنّك عاقبتني. قال: هيهات! إذن كنت تتّخذ عقوبتي سوقا وتقيمها تجارة، وينظر الناس إليك بعين تعظيم وتبجيل؛ لا والله، ولكن أدعك استهانة بأمرك، واستخفافا بموضعك، فتخرج إلى أصحابك فتقصّ عليهم خبري وخبرك، فإن صدّقوك قالوا: استضعفه وهان عليه، وكان عنده ممّن لا حجّة له، وإن كذّبوك ضحكوا منك ١٧ التذكرة الحمدونية ٩

стр. 3701

واختبؤوها فيك، وإن كنت عندهم عدلا سقطت شهادتك، وإن كنت مستورا انكشفت لهم عورتك، اخرج أخرج الله نفسك. ثم قال لعبد الصمد: أمرتك أن تدخل عليّ رجلا حصيفا، أتدخل عليّ مثل هذا؟ اخرج فجئني بغيره. فخرج، فأدخل عليه عبّاد بن كثير، فسلّم عليه بالخلافة، فقال له المنصور: أيّ رجل أنا عندك؟ قال: أنت ما علمت ممّن قضى في إمارته بالعدل، وأمنت به السّبل وأمن به الخائف. فسرّ بذلك، فقال: اختر إمّا جائزتنا فنعطيك، وإمّا ولا يتنا فنولّيك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ القرب منك العزّ العزيز والبهاء المنيع، وإنّ العمل لك ليزيد في عقل الأريب، ويلقّح اللبيب، ويكسب الثروة، غير أنّي شيخ كبير لم أل عملا قطّ، وإن يصلني أمير المؤمنين بشيء أقبله وأجعله من طيّب ما آكله. فأمر له بثلاثمائة دينار وكسوة. فأخذها وقال: لي حاجة خفيفة، فإن أذنت لي ذكرتها، قال: قد أذنت. قال: إن خطرت ببال أمير المؤمنين وذكره، فرأى أن يمدّ يده المباركة إليّ فعل. فتبسّم المنصور وقال: نفعل. ثم التفت إلى عبد الصمد فقال له: مثل هذا الشيطان يصلح لمخاطبة الملوك، لا مثل ذلك الأحمق، وكان لا يذكره إلا وجّه إليه بمال وكسوة إلى أن مات عبّاد. ٥٠٦- قال سلمة بن محارب: لربما كان الخرس خيرا من الكلام. قيل: كيف ذاك؟ قال: أخبرني أبي قال: كنت مع مسلمة بن عبد الملك لما قتل يزيد بن المهلّب وأتي بالأسرى منهم، فرأيت فيهم مولى لنا، فسألت الشرط تأخيره. فأتي مسلمة بالأسرى، فجعل يعفو عنهم. فناداه مولانا من آخر الناس: أصلح الله الأمير، أنا مولاك، قال: مولاي لا يخرج عليّ مع ابن المهلّب، اضربوا عنقه؛ فقتل. ٥٠٧- يقال: العلم أحد اللّسانين، والعمّ أحد الأبوين، والتثبّت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلّة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين والوعيد أحد الضّربين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد

стр. 3702

الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السّبابين. «٥٠٨» - قال ابن عبد الأعلى الكاتب: كنت بحضرة أبي الحسن ابن الفرات في وزارته الأولى وهو جالس يعمل، إذ رفع رأسه وترك العمل من يده وقال: أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، يطيعني حقّ الطاعة، فأنفذه في مهمّ لي، فإذا بلغ ما أرسمه له أحسنت إليه إحسانا يظهر عليه وأغنيته. فأمسك من حضر، ووثب رجل يكنى بأبي منصور أخ لابن شبيب حاجب ابن الفرات، فقال: أنا أيها الوزير. فقال: أو تفعل، قال: أفعل وأزيد. قال: كم ترتزق؟ قال: أرتزق مائة وعشرين دينارا؛ قال: وقّعوا له بالضعف. وقال له: سل حوائجك. فسأله أشياء أجابه إليها. فلما فرغ من ذلك قال له: خذ توقيعي وامض إلى ديوان الخراج وأوصله إلى كاتبي الجماعة، وطالبهما بإخراج ما على محمد بن جعفر بن الحجاج، وطالبه بأداء المال، وأتلفه إلى أن تستخرج جميعه منه؛ ولا تسمع منه حجة، ولا تمهله البتّة. فأخذ من رجّالة الباب بعد أن خرج ثلاثين رجلا، فخرجت لأنظر ما يصنع. فدخل إلى الصقر بن محمد وكان هو وعبد الله بن محمد الكلوذاني شركة في الديوان. فأوقع إليه التوقيع وقال له: أخرج ما على ابن الحجاج، فقال: عليه من باب واحد ألف الف درهم، فطالبه بذلك إلى أن نفرغ من العمل لسائر ما يلزمه. وكان محمد بن جعفر من عمّال علي ابن عيسى. قال: فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له. ثم أمر بتجريده وإيقاع المكروه به، وهو في ذلك كله يقول: يكفي، الله! ثم أمر أبو منصور بنصب دقل وجعل في بكرة في رأسه حبلا وشدّت فيه يدا ابن الحجاج ورفع إلى أعلى الدقل، وهو يستغيث ويقول: يكفي، الله! وما زال معلقا وهو يسأله حطّه وإنظاره إلى أن يوافق الكتّاب على ما أخرج عليه، وهو لا يسمع، وقد قعد تحت الدقل واختلط وغضب من غير غضب،

стр. 3703

اعتمادا لأن يبلغ ابن الفرات فعله. فلما ضجر قال: أرسلوا ابن الفاعلة- وعنده أنهم يتوقّفون ولا يفعلون- فأرسلوه ووافى ابن الحجاج إلى الأرض، وكان بدينا ثقيلا سمينا، ووقع على عنق أبي منصور فدقّها، فخرّ على وجهه؛ ووقع ابن الحجاج مغشيّا عليه، فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق. وردّ ابن الحجاج إلى محبسه، وقد تخلّص من التلف. وكان الناس يتعجبون من قول ابن الفرات: أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني: أما الطائع له فقد تعجّل الجزاء لوقته، وأما ابن الفرات فأمهل، وكان عاقبة أمره قتله وقتل ولده، واستئصال بيته؛ وما أعدّ الله للظالمين أشدّ وأبقى. «٥٠٩» - لما ضرب عليّ- ﵇ وأوصى، لحقته غشية، فلما أفاق من غشيته دعا أمامة بنت أبي العاص زوجته- وأمّها زينب بنت رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم- فقال لها: يا أمامة قد أصابني من أمر الله تعالى ما ترين، وكأني بك لو قد حللت قد تزوجت معاوية. فقالت: معاذ الله! إن شئت والله يا أمير المؤمنين حرّمت الرجال على نفسي أبدا. فقال: لا أحبّ ذاك، ولكن أحبّ أن لا تتزوّجي معاوية، وأن تستشيري في أمرك المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وإن خطبك أرى أن تتزوجيه. فقالت: ذاك لك. فلما قبض ﵇، وسارت إلى المدينة وقام معاوية، كتب إلى مروان بن الحكم، وكان على المدينة، يأمره أن يخطب أمامة عليه ويعطيها ما أحبّت. فبعث إليها مروان بذلك، فقالت: ما حللت بعد. فأمسك مروان ينتظر حلّها. فلما حلّت بعثت إلى المغيرة بن نوفل تستشيره في ذلك، فقال المغيرة: وما يدخلني في هذا الأمر؟ أمير المؤمنين رجل من بني عبد شمس وأنا رجل من بني هاشم، فما يدخلني

стр. 3704

بينكم وقد ضربت وجه معاوية أمس بسيفي؟ ثم ما عرض لي بشيء يخالفني. فأرسلت إليه: إني والله ما ضاق عليّ من أستشيره، ولكن أمير المؤمنين ﵁ أمرني أن أستشيرك، وأمرني إن خطبتنى أن أتزوجك. فأرسل إليها: إني أعيذك بالله أن تستخلفي معاوية بعد عليّ، وأنا أخطبك أشدّ الخطبة. فأرسلت إليه: إن أمري إليك، وأشهدت له على ذلك، فتزوجها. وبلغ الأمر مروان فغضب، وأرسل إلى المغيرة فحبسه في بيت وطيّن عليه، وأمر أن يدخل إليه طعامه وشرابه من كوّة؛ وفعل مثل ذلك بأمامة؛ وكتب إلى معاوية يخبره الخبر وأنّ المغيرة لم يرض أن ضربك بسيفه فكففت عنه حتى خطب بعد خطبتك بغير إذن ولا سلطان، وإنما حمله على ذلك معرفته بوهنك وضعفك عن عدوّك، فإما صلت به صولة تجعله نكالا لعدوك أو جعلت ذلك إليّ. فكتب إليه معاوية كتابا وبعث به رسولا وأمره أن لا يفضّه حتى يخرج المغيرة بن نوفل وأمامة من محبسهما، وأمر مروان أن يحضرهما عنده ويحضر عشرين رجلا من قريش وعشرة من الأنصار من خيار من قبله، ثم يأمر الرسول أن يقرأ عليهم الكتاب، ثم ينفّذ ما فيه ولا يتعدّاه إلى غيره. ففعل مروان، فلما اجتمعوا قام رسول معاوية، ففضّ الكتاب وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى مروان بن الحكم: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغني ما كتبت به عن [١] المغيرة بن نوفل وما عملته؛ فقد نظرت فيما كتبت فلم يبلغ معاوية أن يحرّم ما أحلّ الله، ولا يحلّ ما حرّم الله؛ ورجل من بني هاشم أفضل من امرأة من بني عبد شمس؛ وأما ما ذكرته من نكاحه بغير وليّ ولا سلطان، فأي وليّ يقدم على تزويجه إياها بعد خطبة أمير المؤمنين؟ ولم

стр. 3705

تصب ولم توفّق في حبسك إياهما، وترويعك لهما؛ فإذا جاءك كتابي فخلّ بينه وبين امرأته، ولا تعارضهما؛ فبارك الله لكلّ منهما في صاحبه، وادفع إلى المغيرة عشرة آلاف دينار من مال أمير المؤمنين يستعين بها على نكاحه، وإلى أمامة خمسة آلاف دينار، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ٥١٠- قال عبد الله بن شبرمة القاضي: دخلت على أبي مسلم وفي حجره مصحف، وبين يديه سيف، فقال لي: أنت ابن شبرمة؟ قلت: نعم أصلحك الله؛ فقال: ما هو إلا الملك أو الترهّب، قلت: ما هو إلا الهلاك أو الرحمة. ودخل عليه وهو يريد المسير إلى قتال عبد الله بن علي عند خروجه على المنصور، فقال له: يا ابن شبرمة، ما يقول الناس في مسيرنا هذا؟ قال: يقولون: الأمر عظيم يشير إلى عمّ الخليفة مع نجدته وشهامته، ومعه جلّة أهل الشام، وكثير من أهل خراسان. قال: أفرخ روعك يا ابن شبرمة! والله لو سرت إليهم وفي أيدي أصحابي القصب لهزمتهم، وما أقول هذا بعلم غيب عندي أدّعيه لنفسي، ولكن رأيت الله عذّب أهل العراق بسيف أهل الشام نيّفا وثمانين سنة، ثم أراد أن ينتقم بهم منهم، أفما تكون نقمته إلّا مقدار هذه المدّة؟ «٥١١» - دخل صالح بن عبد الجليل- وكان ناسكا مفوّها- على المهديّ، وسأله أن يأذن له في الكلام. فقال: تكّلم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لمّا سهل لنا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام المؤدّي عنهم وعن رسول الله ﷺ ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنّهي لانقطاع عذر الكتمان في التقيّة، لا سيّما حين اتّسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه. فجمعنا وإيّاك مشهد من مشاهد التمحيص ليتمّ مؤدّينا على موعود الأداء

стр. 3706

عنهم؛ وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم، عذّبه على الجهل، وأشدّ منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدى [الله] إليه العلم فلم يعمل به، فقد رغب عن هدى الله؛ فاقبل ما هدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء، فإنه لا يخلفك منّا إعلام بما تجهل، أو مواطأة على فضل، فقد وطّن الله جلّ اسمه نبيّه على نزولها، تعزية عمّا فات، وتحصينا من التمادي، ودلالة على المخرج فقال وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ* (الأعراف: ٢٠٠) فأطلع [الله] على قلبك بما يلوح به الحقّ الذي ينافي الهوى، فإنّك إن لم تفعل، لم تر لله أثرة عليك. فبكى المهديّ حتى همّ من كان على رأسه بضرب صالح، وحتى ظنّوا أنه يموت. فقال: يا صالح، لو وجدت رجالا يعملون بما آمرهم في رعيّتي، لظننت بأنني ألقى الله تعالى وأمر أمّة محمد ﷺ أقلّ ذنوبي وأهون حسابي، ولكن دلّني على وجه النجاة، فإن لم أعمل به، كنت أنا الجاني على نفسي. قال له صالح: أنت يا أمير المؤمنين أعلم بموضع النجاة. قال: ما كنت أنت بعظتي أولى مني بعظتك لي، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب ﵁، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر؛ وذاك أنّ الناس في الزمن الماضي كان يرضى أحدهم بالطّمر البالي، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح، وهم اليوم في تضاعيف الخزّ والوشي، ومائدة أحدهم مثل الغنيّ ذي العيال في زمن عمر، فإلى من أكلهم؟ إلى ولد أبي طالب، فو الله ما أرى للمسلمين راحة فيهم ولا فرجا عندهم، ولو أنّني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر لكنت أول مقتول، وذلك أنّ الفطام عن هذا الحطام شديد لا يصبر عليه إلا المبرّز السابق. يا صالح، لقد بلغني أنّ لسعيد بن سلم ألف سراويل، ولحازم ألف جبّة، ولعمارة بن حمزة ألف دوّاج، وهذا أقلّ ملكهم؛ فما ظنّك بي وهم عددي وسهام كنانتي، ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد الله بن مالك، فلو حملتهم

стр. 3707

على التقشّف وأخذت أموالهم هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي، أو حياة أثقل عليهم من حياتي؟ فأطرق صالح مفكرا، ثم رفع رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، إنّه ليقع في خلدي أنّك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول سمعة ورياء. فقال المهديّ: الله شهيد على ذلك. فقام صالح فدنا من المهديّ، فقبّل رأسه وقال: أعانك الله يا أمير المؤمنين على صالح نيّتك، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيّتك، ووهب لك أعوانا بررة صالحين يعملون بما يجب عليهم فيك، ثم خرج. «٥١٢» - لمّا أبعد أبو الفتح بن العميد أبا القاسم بن عباد الصاحب عن خدمة مؤيّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وتولّى الأمور، تداخله في بعض الليالي عجب وسرور بما هو فيه، فاستدعى ندماءه وهيّء له مجلس عظيم بآلات الذهب والفضّة وفاخر البلّور والمخروط الصيني والطّيب والفواكه، وحضر المغنّون والملهون فشرب آخر يومه وأكثر ليلته، وعمل شعرا أنشده ندماءه وألقاه على المغنّين حتى غنّوا فيه، وهو: [من المتقارب] دعوت المنى ودعوت الغنى [١] ... فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيّام شرخ الشباب ... إليّ فهذا أوان المرح إذا المرء أدرك آماله ... فليس له بعدها مقترح فغنّي بالشعر واستطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، ثم قال لغلمانه: غطّوا المجلس ولا تنقضوا شيئا منه لأصطبح عليه في غد. وقال لندمائه: باكروني ولا تتأخّروا، وقام إلى بيت منامه. ووافق ذلك استدعاء مؤيّد الدولة إيّاه في السّحر، فلم يشكّ أنّه لمهمّ من خدمته، فبادر، فلما دخل دار الأمير قبض عليه، وأنفذ

стр. 3708

إلى داره من أخذ جميع ما وجد له، ولم يزل في الاعتقال إلى أن مات تحت العذاب. «٥١٣» - قال أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلويّ: كان المتنبي وهو صبيّ ينزل في جوارنا بالكوفة، وكان أبوه يعرف بعيدان السّقّاء، يستقي على جمل له ولأهل المحلّة. ونشأ له المتنبي، فكان يتبع أهل العلم والأدب ويلازم الورّاقين، وكان ذكيّا حسن الذكاء. فقال لي ورّاق كان يجلس إليه: ما رأيت قطّ أحفظ من هذا الغلام ابن عيدان؛ فقلت له: كيف ذاك؟ قال: كان جالسا عندي اليوم، وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعيّ ليبيعه يكون نحو ثلاثين ورقة، فأخذه فنظر فيه طويلا، فقال له الرجل: أريد بيع هذا الدفتر، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر؛ فقال له ابن عيدان: فإن كان قد حفظته في هذه المدّة فما لي عليك؟ قال: إن كنت حفظته فهو لك؛ فأخذت الدفتر من يده، وأخذ يتلوه إلى آخره، ثم استلبه من يدي فجعله في كمّه، وقام. فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قد وهبته لي، فمنعناه منه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا. ٥١٤- استدعى المتوكّل من البصرة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ، وأحمد بن المعذّل بن غيلان العبديّ، وإبراهيم التيميّ، فعرض على كلّ واحد منهم ولاية القضاء بالبصرة، فاحتجّ ابن أبي الشوارب بعلوّ السنّ وأمور تقطعه عن ذلك؛ واحتج أحمد بن المعذّل بضعف البصر؛ وامتنع إبراهيم التيميّ، فقيل له: لم يبق غيرك، وجزم عليه، فولي. فنزلت حاله عند أهل العلم، وعلت حال الآخرين. ويرى الناس أنّ بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده، فولي منهم أربعة وعشرون قاضيا منهم ثمانية قلّدوا قضاء القضاة، وكان آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد الملك

стр. 3709

ابن أبي الشوارب، تقلّد قضاء القضاة للقادر في رجب سنة خمس وأربعمائة، وتوفي في شوال سنة سبع عشرة وأربعمائة، ومولده في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ٥١٥- حدّث ابن أبي الخير العبسيّ قال: كنّا مع أبي جعفر المنصور أيّام خرج عليه عمّه عبد الله بن عليّ وهو يحاربه، فخرج علينا أبو الخصيب- وهو إذ ذاك حاجب المنصور- فأدخل جماعة من أصحابه وأنا فيهم، وفينا ابن عطية الثعلبيّ، وكان معروفا بالشجاعة، فتقدّم إلى المنصور، فقال له: يا ابن عطية، قد عرفت بلاء أمير المؤمنين عندك وإحسانه إليك. ثم جفاك أمير المؤمنين جفوة، وأراد أن يعرض عن تلك الجفوة ويستقبل بك الكرامة، فسر في هذا الوجه، فرأي أمير المؤمنين فيك جميل، وادع من أطاعك من قومك، وخذل عن الفاسق من قبل منك، وليأت أمير المؤمنين عنك غناء يأتك منه جزاء. فقال ابن عطية في نفسه: هذا يوم شرفي وهذه مرتبتي، وقد عرفت أنّه لا يستغني عن مثلي، فقال: حوائجي يا أمير المؤمنين، قال: هات حوائجك؛ قال: تبلغ بعطائي الشرف، قال: اكتب يا سليمان، يعني أبا أيوب الموريانيّ، فكتب؛ قال: ويفرض لولدي في شرف العطاء، قال: وماذا؟ قال: ويقضى ديني، قال: وماذا؟ قال: وقطيعة عيالي، قال: نعم، فلما ولّى قال: يا سليمان أنفذ لهذا الأعرابيّ جميع ما سأل، ولا يكون ممّن يستعان به في هذا الوجه، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، لو أنّ عبد الله بن عليّ قائم على رأسي بالسيف لا ينجّيني منه إلا هذا الأعرابي، ما استعنت به بعد هذا التسحّب في حوائجه. «٥١٦» - حجّ الرشيد في بعض السنين فمرّ بالرّبذة وعديله الفضل بن الربيع في ليلة طخياء مقمرة، فتقدّما الناس يتحدّثان، وعلى الخيل هرثمة بن أعين،

стр. 3710

وقد أمره الرشيد أن يتأخّر عنهما قليلا. فبينما هما يتحدّثان إذ مرّا بأعرابيين يتحدّثان فيما يقضيه الله ويقدّره وما سبق من حكمه في خلقه، ثم ضرب أحدهما بيده على منكب الآخر وقال له: اسمع: [من الرجز] يا أيّها المشعر همّا لا تهمّ ... إنّك إن يقدر لك الحمّى تحم ولو علوت سامقا من العلم ... ممتنعا لم يعله الطير أشمّ كيف توقّيك وقد جفّ القلم ... وخطّ أيّام الصحاح والسّقم فقال الرشيد: ويحك يا عباسيّ! لقد أحسن الأعرابيّ. فقال له الفضل: أعد ما قلت. فتأمّلهما ساعة ثم قال: أمّا بقولك فلا، ولكن إن قال ذاك أعد، أعدت، وأشار إلى الرشيد. فقال الرشيد: كيف تعيد بقولي ولا تعيد بقوله؟ فقال الأعرابي: أما سمعت قول الشاعر: [من الطويل] متى ما رأى الناس العتيق ومقرفا ... وقد جريا قالوا عتيق ومقرف فضحك الرشيد واستوقفهما، وقرب الجند وهرثمة، فقال الرشيد لهرثمة: أمعك شيء؟ قال: نعم، قال: كم هو؟ قال: أربعمائة دينار، قال: أعطها الأعرابيّ، فقال رفيقه: يا سيّدي، أما سمعت قول الشاعر: [من الوافر] وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس فقال: وأعط هذا مائتي دينار. «٥١٧» - قال إبراهيم بن غسان: خرجنا يوما مع عبد الله بن طاهر إلى الميدان، فاعترضته امرأة برزة، فقالت له: أيّها الأمير، كادّي وكاسبي وواحدي من الدنيا ابن لي في حبس الأمير منذ أربع سنين، فإن رأى الأمير أن يمنّ به على ضعفي، فعل. قال لها: ومن ابنك؟ قالت: إبراهيم بن الحكم

стр. 3711

البخاريّ؛ قال لها: هيهات! ما ترينه إلا على سريره، وضرب دابّته. فقالت بالفارسية: فأين الله؟ فسمعها فقال: يا إبراهيم، ما قالت العجوز؟ قلت: ما أدري أيّها الأمير. قال: ولكني أدري، أحضروها؛ فأحضرت بين يديه وإنّ فرائصها لترعد حتى أوقفت بين يديه. فقال: كيف قلت؟ قالت: ما قلت شيئا، قال: بلى، قولي وليس عليك بأس. قالت: قلت فأين الله؟ قال: صدقت والله، عليّ بابنها. قال: فكأني أنظر إليه وقد جيء به على أعناق الرجال مكبّلا في الحديد. فقال: أطلقوا عنه. فأطلق! وقال لها: خذيه. ثم التفت إلى الشّعرانيّ فقال: انظر كم لزمها من النفقة منذ حبس ابنها فأضعفه لها، وأعطها ما تتحّمل به إلى بخاري. «٥١٨» - قال مجاهد، قال عمر بن عبد العزيز: ماذا يقول الناس يا مجاهد؟ قلت: يقولون هو مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ولكني سقيت السّمّ؛ ثم دعا غلامه، فقال: أعطيت ألف دينار على أن أسقيك السّمّ وأعتق. قال: اذهب لا يراك أحد، والألف اجعلها في بيت المال. وكان لعمر مناد ينادي كلّ يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ وكان يبكي حتى يبلّ لحيته ويقول: يا ربّ، ما جعلني أحقّ هذه الأمة بهذا الأمر؟ ٥١٩- قال محمود بن الحسن الورّاق: دخلت على أصرم بن حميد، وكان لي صديقا. فلما أردت الانصراف من عنده قام لي وودّعني، فقلت: وأين تقصد؟ قال: أريد الحجّ، فودّعته وانصّرفت. ثم اجتزت ببابه بعد أيّام، فرأيت عليه دوابّ، وخبّرت أنّه حاضر، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: ألم تخبرني أنّك حاجّ؟ قال: بلى، ولكني فكّرت وقلت: أموت في الطريق ضيعة، ويتولّاني غلماني، ويصلّي عليّ الأعراب؛ فقلت له: ألا أنشدك أبياتا حضرتني وقتي هذا؟ فأنشدته: [من الوافر]

стр. 3712

أقام عن المسير وقد أثيرت ... ركائبه وغرّد حادياها وقال: أخاف عاقبة الليالي ... على نفسي، وأن تلقى رداها فقلت له: عزمت عليك إلا ... بلغت من العزيمة منتهاها فمن كتبت منيّته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها فقال: يا غلماني، جهّزوني، ثم حجّ ورجع معافى. «٥٢٠» - قال معاوية لابنه يزيد: هل بقي في نفسك من النساء شيء؟ قال نعم، هند بنت سهيل بن عمرو، وكانت يومئذ عند عبد الله بن عامر. فكتب معاوية إلى عبد الله: إنّك إن طلّقتها زوّجتك بنتي هندا. قال: فطلّقها ابن عامر، فقدمت المدينة، فأرسل معاوية بأبي هريرة يخطبها على يزيد ابنه ويتلطّف لها في ذلك. قال: فلقيه الحسن فقال: لأمر ما قدمت له يا أبا هريرة، لا وقت حجّ ولا غيره! قال: بعثني معاوية أخطب هندا بنت سهيل بن عمرو على ابنه يزيد. قال: فإذا ذكرت يزيد فاذكرني لها بعده. قال: فدخل عليها أبو هريرة فأبلغها عن الحسن بن عليّ. فقالت: ما ترى لي يا أبا هريرة؟ قال: أرى أن تتزوّجي الحسن، وإن استطعت أن تضعي فاك حيث رأيت رسول الله ﷺ وضع فاه، فافعلي، فتزوّجت الحسن. فمكثت عنده، ثم قدم ابن عامر المدينة، فاستأذن الحسن بن عليّ في الدخول عليها وقال: إنّ لي عندها ودائع؛ فأذن له، فدخل عليها فكلّمها، فدمعت عينه وعيناها! فقال له الحسن: إن شئتما كنت لكما خير محلّل؛ قال ابن عامر: لا والله، ما لذاك بكائي. وطلبت إلى ابن عامر أن يدع ابنته منها عندها. وكلّمه الحسن فأجابه، وقال: والله لو غيرك يا أبا محمد من الناس كلّمني ما فعلت.

стр. 3713

«٥٢١» - حدّث الأصمعيّ عن وصيف حاجب المهدي قال: كنا مع المهدي بزبالة وقد خرج حاجّا، فإذا أعرابيّ يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، إني عاشق، (قال الأصمعي: وكان يحبّ ذكر العشّاق) . فدعا بالأعرابي فلما دخل عليه قال: أنت المنادي بالعشق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو ميّاس، قال: يا أبا مياس، من عشيقتك؟ قال: ابنة عمّي، وقد أبى أبوها أن يزوّجها مني. قال: لعله أكثر منك مالا، قال: لا بل أنا أكثر منه مالا. قال: فما قصّتك؟ قال: فقال له الأعرابي: أدن رأسك مني. قال: فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه برأسه، فقال: إني هجين، قال: فليس يضرّك ذلك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجين؛ قال ما أقلّ منفعة هذا لي إذا، فإنّ عمّي لا يزوّجني. قال: وأين عمك؟ قال: منا على ثلاثة أميال. قال: فأرسل الخيل في طلبه، فجاءوا به. قال: ما لك لا تزّوج أبا مياس فإني أرى عليه نعمة؟ قال: متاع سوء، وليس منا زوّج مثله. قال: فإن الذي كرهت ليس بعيب عندنا، وأنا معط صداق ابنتك عشرة آلاف، ومعوّضك ممّا كرهت عشرة آلاف. قال: فذلك لك. فخرج أبو ميّاس، وهو يقول: [من الكامل] ابتعت ظبية بالغلاء وإنّما ... يعطي الغلاء بمثلها أمثالي وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي «٥٢٢» - قال أبو عثمان سعيد بن محمد: وجّهني المنتصر في إمارته إلى مصر في بعض أمور السلطان، فعشقت جارية كانت لبعض النّخّاسين عرضت على البيع، محسنة في الصّنعة ومقبولة في الخلقة، قائمة على الوزن من المحاسن والكمال. فساومت مولاها بها، فأبى أن يبيعني إلا بألف دينار؛ ولم يكن ثمنها متهيّئا معي، وأزعجني الشخوص، وقد علقها قلبي. فأخذني المقيم المقعد، وندمت على ما

стр. 3714

فاتني من اشترائها. فلما قدمت وقد فرغت ممّا وجّهني له، وأدّيت إليه ما عملت به وحمد أثري فيه، سألني عن حالي وخبري، فأخبرته بمكان الجارية وكلفي بها. فأعرض عني وجعل ما بي لا يزداد إلا حدّة، وقلبي لا يزداد إلا كلفا، وصبري لا يزيد إلا ضعفا، [وسليت] نفسي بغيرها فلم تسل عنها. وجعل المنتصر كلّما دخلت عليه وخرجت من عنده يذكرها، ويهيّج شوقي إليها، وتحمّلت عليه بندمائه وأهل الأنس به، وخاصّ من تحظى من جواريه وأمهات أولاده، وأمّ الخليفة، على أن يشتريها لي، ولا يجيبني إلى ذلك، ويعيرّني بقلّة الصبر. وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى مصر في ابتياعها وحملها إليه من حيث لا أعلم، فحملت وصارت إليه، ونظر إليها وسمع منها، فعذرني فيها، ودفعها إلى قيّمة جواريه، فأصلحت من شأنها. فلما كان يوم من الأيام استجلسني وأمر بها أن تخرج إلى ستارته، فلما سمعت غناءها عرفتها، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها حتى ظهر مني ما قد كتمت، وغلبت على صبري. فقال لي: ما لك يا سعيد؟ قلت: خيرا أيها الأمير! قال: فاقترح عليها صوتا كنت أعلمته أني سمعته منها وأني استحسنته من غنائها، فغنّته، فقال لي: هل تعرف هذا الصوت؟ قلت: إي والله أيها الأمير! وكما تكون المعرفة، وقد كنت أطمع في صاحبته، فأما الآن فقد يئست منها، وكنت كالقاتل نفسه بيده، والجالب الحتف إلى حياته. فقال: والله يا سعيد ما اشتريتها إلا لك، ويعلم الله أني ما رأيت لها وجها إلا ساعة أدخلت إليّ وقد استراحت من تعب السفر واستراحت من شحوب التّبذّل، فهي لك. فدعوت له بما أمكنني من الدعاء، وشكره عني من حضره من الجلساء؛ وأمر بها فهيّئت، فردّت إليّ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة. «٥٢٣» - حدّث محمد بن صالح العلويّ قال: حدثني نمير بن قحيف

стр. 3715

الهلاليّ وكان حسن الوجه نجيبا، قلّما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منّا فتى يقال له بشر بن عبد الله يعرف بالأشتر، وكان سيّد فتيان بني هلال، أحسنهم وجها، وأسخاهم نفسا، وأطولهم لمّة، وكان معجبا بجارية من قومه يقال لها: جيداء، وكانت بارعة الجمال جدّا. فلما شهر أمره وأمرها، وظهر خبره وخبرها، وقع الشرّ بين أهل بيته وأهل بيتها في سببها حتى قتلوا بينهم القتلى، وقطّعت بينهم الأيدي والأرجل، وافترقوا فريقين لا يحل واحد منهما مع الآخر. قال نمير: فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني يوما، فقال: يا نمير، [هل] فيك خير؟ [قلت] : عندي كلّ ما أحببت. قال: أسعدني على زيارة جيداء، قلت: نعم بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت. قال: فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا والغد، حتى كان أصيل العشيّ، ثم نظر إلى أدنى سرب أهلها، فأنخنا رواحلنا في شعب خفيّ، وقعد عندها وقال: يا نمير اذهب- رضي الله عنك- فتأنّس للناس واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالة، ولا تعرّض بذكري بين شفة ولا لسان إلا أن تلقى جاريتها فلانة راعية ضأنهم فتقرؤها السلام وتسألها الخبر وتعلمها بمكاني. قال: فخرجت لا أعدو ما أمرني حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: هي والله مشدّد عليها محتفظ بها، وعلى ذاك فموعد كما أولئك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء. قال: فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم نهضت أنا وهو نقود راحلتينا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه. فلم نلبث إلا قليلا إذا جيداء تمشي حتى دنت منا فوثب الأشتر فصافحها وسلّم عليها. فوثبت مولّيا عنهما، فقالا: نقسم عليك إلا رجعت! فو الله ما بيننا ريبة ولا قبيح نخلو به دونك، فانصرفت راجعا إليهما حتى جلست معهما. فقال لها الأشتر: أما فيك حيلة يا جيداء فنتعلّل الليلة؟ قالت: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشرّ. فقال لها: لا بد من ذاك
следующие страницы →