البخاريّ؛ قال لها: هيهات! ما ترينه إلا على سريره، وضرب دابّته. فقالت بالفارسية: فأين الله؟ فسمعها فقال: يا إبراهيم، ما قالت العجوز؟ قلت:
ما أدري أيّها الأمير. قال: ولكني أدري، أحضروها؛ فأحضرت بين يديه وإنّ فرائصها لترعد حتى أوقفت بين يديه. فقال: كيف قلت؟ قالت: ما قلت شيئا، قال: بلى، قولي وليس عليك بأس. قالت: قلت فأين الله؟
قال: صدقت والله، عليّ بابنها. قال: فكأني أنظر إليه وقد جيء به على أعناق الرجال مكبّلا في الحديد. فقال: أطلقوا عنه. فأطلق! وقال لها:
خذيه. ثم التفت إلى الشّعرانيّ فقال: انظر كم لزمها من النفقة منذ حبس ابنها فأضعفه لها، وأعطها ما تتحّمل به إلى بخاري.
«٥١٨» - قال مجاهد، قال عمر بن عبد العزيز: ماذا يقول الناس يا مجاهد؟
قلت: يقولون هو مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ولكني سقيت السّمّ؛ ثم دعا غلامه، فقال: أعطيت ألف دينار على أن أسقيك السّمّ وأعتق. قال: اذهب لا يراك أحد، والألف اجعلها في بيت المال. وكان لعمر مناد ينادي كلّ يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ وكان يبكي حتى يبلّ لحيته ويقول: يا ربّ، ما جعلني أحقّ هذه الأمة بهذا الأمر؟
٥١٩- قال محمود بن الحسن الورّاق: دخلت على أصرم بن حميد، وكان لي صديقا. فلما أردت الانصراف من عنده قام لي وودّعني، فقلت: وأين تقصد؟ قال: أريد الحجّ، فودّعته وانصّرفت. ثم اجتزت ببابه بعد أيّام، فرأيت عليه دوابّ، وخبّرت أنّه حاضر، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: ألم تخبرني أنّك حاجّ؟ قال: بلى، ولكني فكّرت وقلت: أموت في الطريق ضيعة، ويتولّاني غلماني، ويصلّي عليّ الأعراب؛ فقلت له: ألا أنشدك أبياتا حضرتني وقتي هذا؟ فأنشدته: [من الوافر]
стр. 3712
أقام عن المسير وقد أثيرت ... ركائبه وغرّد حادياها
وقال: أخاف عاقبة الليالي ... على نفسي، وأن تلقى رداها
فقلت له: عزمت عليك إلا ... بلغت من العزيمة منتهاها
فمن كتبت منيّته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
فقال: يا غلماني، جهّزوني، ثم حجّ ورجع معافى.
«٥٢٠» - قال معاوية لابنه يزيد: هل بقي في نفسك من النساء شيء؟ قال نعم، هند بنت سهيل بن عمرو، وكانت يومئذ عند عبد الله بن عامر. فكتب معاوية إلى عبد الله: إنّك إن طلّقتها زوّجتك بنتي هندا. قال: فطلّقها ابن عامر، فقدمت المدينة، فأرسل معاوية بأبي هريرة يخطبها على يزيد ابنه ويتلطّف لها في ذلك. قال: فلقيه الحسن فقال: لأمر ما قدمت له يا أبا هريرة، لا وقت حجّ ولا غيره! قال: بعثني معاوية أخطب هندا بنت سهيل بن عمرو على ابنه يزيد. قال:
فإذا ذكرت يزيد فاذكرني لها بعده. قال: فدخل عليها أبو هريرة فأبلغها عن الحسن بن عليّ. فقالت: ما ترى لي يا أبا هريرة؟ قال: أرى أن تتزوّجي الحسن، وإن استطعت أن تضعي فاك حيث رأيت رسول الله ﷺ وضع فاه، فافعلي، فتزوّجت الحسن.
فمكثت عنده، ثم قدم ابن عامر المدينة، فاستأذن الحسن بن عليّ في الدخول عليها وقال: إنّ لي عندها ودائع؛ فأذن له، فدخل عليها فكلّمها، فدمعت عينه وعيناها! فقال له الحسن: إن شئتما كنت لكما خير محلّل؛ قال ابن عامر: لا والله، ما لذاك بكائي. وطلبت إلى ابن عامر أن يدع ابنته منها عندها. وكلّمه الحسن فأجابه، وقال: والله لو غيرك يا أبا محمد من الناس كلّمني ما فعلت.
стр. 3713
«٥٢١» - حدّث الأصمعيّ عن وصيف حاجب المهدي قال: كنا مع المهدي بزبالة وقد خرج حاجّا، فإذا أعرابيّ يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، إني عاشق، (قال الأصمعي: وكان يحبّ ذكر العشّاق) . فدعا بالأعرابي فلما دخل عليه قال: أنت المنادي بالعشق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو ميّاس، قال: يا أبا مياس، من عشيقتك؟ قال: ابنة عمّي، وقد أبى أبوها أن يزوّجها مني. قال: لعله أكثر منك مالا، قال: لا بل أنا أكثر منه مالا. قال: فما قصّتك؟ قال: فقال له الأعرابي: أدن رأسك مني. قال:
فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه برأسه، فقال: إني هجين، قال: فليس يضرّك ذلك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجين؛ قال ما أقلّ منفعة هذا لي إذا، فإنّ عمّي لا يزوّجني. قال: وأين عمك؟ قال: منا على ثلاثة أميال. قال:
فأرسل الخيل في طلبه، فجاءوا به. قال: ما لك لا تزّوج أبا مياس فإني أرى عليه نعمة؟ قال: متاع سوء، وليس منا زوّج مثله. قال: فإن الذي كرهت ليس بعيب عندنا، وأنا معط صداق ابنتك عشرة آلاف، ومعوّضك ممّا كرهت عشرة آلاف. قال: فذلك لك. فخرج أبو ميّاس، وهو يقول: [من الكامل]
ابتعت ظبية بالغلاء وإنّما ... يعطي الغلاء بمثلها أمثالي
وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي
«٥٢٢» - قال أبو عثمان سعيد بن محمد: وجّهني المنتصر في إمارته إلى مصر في بعض أمور السلطان، فعشقت جارية كانت لبعض النّخّاسين عرضت على البيع، محسنة في الصّنعة ومقبولة في الخلقة، قائمة على الوزن من المحاسن والكمال.
فساومت مولاها بها، فأبى أن يبيعني إلا بألف دينار؛ ولم يكن ثمنها متهيّئا معي، وأزعجني الشخوص، وقد علقها قلبي. فأخذني المقيم المقعد، وندمت على ما
стр. 3714
فاتني من اشترائها. فلما قدمت وقد فرغت ممّا وجّهني له، وأدّيت إليه ما عملت به وحمد أثري فيه، سألني عن حالي وخبري، فأخبرته بمكان الجارية وكلفي بها. فأعرض عني وجعل ما بي لا يزداد إلا حدّة، وقلبي لا يزداد إلا كلفا، وصبري لا يزيد إلا ضعفا، [وسليت] نفسي بغيرها فلم تسل عنها. وجعل المنتصر كلّما دخلت عليه وخرجت من عنده يذكرها، ويهيّج شوقي إليها، وتحمّلت عليه بندمائه وأهل الأنس به، وخاصّ من تحظى من جواريه وأمهات أولاده، وأمّ الخليفة، على أن يشتريها لي، ولا يجيبني إلى ذلك، ويعيرّني بقلّة الصبر. وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى مصر في ابتياعها وحملها إليه من حيث لا أعلم، فحملت وصارت إليه، ونظر إليها وسمع منها، فعذرني فيها، ودفعها إلى قيّمة جواريه، فأصلحت من شأنها. فلما كان يوم من الأيام استجلسني وأمر بها أن تخرج إلى ستارته، فلما سمعت غناءها عرفتها، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها حتى ظهر مني ما قد كتمت، وغلبت على صبري. فقال لي:
ما لك يا سعيد؟ قلت: خيرا أيها الأمير! قال: فاقترح عليها صوتا كنت أعلمته أني سمعته منها وأني استحسنته من غنائها، فغنّته، فقال لي: هل تعرف هذا الصوت؟
قلت: إي والله أيها الأمير! وكما تكون المعرفة، وقد كنت أطمع في صاحبته، فأما الآن فقد يئست منها، وكنت كالقاتل نفسه بيده، والجالب الحتف إلى حياته.
فقال: والله يا سعيد ما اشتريتها إلا لك، ويعلم الله أني ما رأيت لها وجها إلا ساعة أدخلت إليّ وقد استراحت من تعب السفر واستراحت من شحوب التّبذّل، فهي لك. فدعوت له بما أمكنني من الدعاء، وشكره عني من حضره من الجلساء؛ وأمر بها فهيّئت، فردّت إليّ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة.
«٥٢٣» - حدّث محمد بن صالح العلويّ قال: حدثني نمير بن قحيف
стр. 3715
الهلاليّ وكان حسن الوجه نجيبا، قلّما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منّا فتى يقال له بشر بن عبد الله يعرف بالأشتر، وكان سيّد فتيان بني هلال، أحسنهم وجها، وأسخاهم نفسا، وأطولهم لمّة، وكان معجبا بجارية من قومه يقال لها: جيداء، وكانت بارعة الجمال جدّا. فلما شهر أمره وأمرها، وظهر خبره وخبرها، وقع الشرّ بين أهل بيته وأهل بيتها في سببها حتى قتلوا بينهم القتلى، وقطّعت بينهم الأيدي والأرجل، وافترقوا فريقين لا يحل واحد منهما مع الآخر. قال نمير: فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني يوما، فقال: يا نمير، [هل] فيك خير؟ [قلت] : عندي كلّ ما أحببت. قال:
أسعدني على زيارة جيداء، قلت: نعم بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت.
قال: فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا والغد، حتى كان أصيل العشيّ، ثم نظر إلى أدنى سرب أهلها، فأنخنا رواحلنا في شعب خفيّ، وقعد عندها وقال: يا نمير اذهب- رضي الله عنك- فتأنّس للناس واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالة، ولا تعرّض بذكري بين شفة ولا لسان إلا أن تلقى جاريتها فلانة راعية ضأنهم فتقرؤها السلام وتسألها الخبر وتعلمها بمكاني.
قال: فخرجت لا أعدو ما أمرني حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: هي والله مشدّد عليها محتفظ بها، وعلى ذاك فموعد كما أولئك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء. قال: فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم نهضت أنا وهو نقود راحلتينا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه. فلم نلبث إلا قليلا إذا جيداء تمشي حتى دنت منا فوثب الأشتر فصافحها وسلّم عليها.
فوثبت مولّيا عنهما، فقالا: نقسم عليك إلا رجعت! فو الله ما بيننا ريبة ولا قبيح نخلو به دونك، فانصرفت راجعا إليهما حتى جلست معهما. فقال لها الأشتر: أما فيك حيلة يا جيداء فنتعلّل الليلة؟ قالت: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشرّ. فقال لها: لا بد من ذاك
стр. 3716
وإن وقعت السماء على الأرض. قالت: فهل في صاحبك هذا خير؟ قالت:
يا فتى هل فيك خير؟ قلت: سلي ما بدا لك فإني منته إلى رأيك ولو كان في ذلك ذهاب نفسي.
قال: فجعلت عليّ ثيابها فلبستها وجعلت عليها ثيابي فلبستها، ثم قالت لي:
اذهب إلى بيتي وادخل في ستري، فإن زوجي سيأتيك مع العتمة فيطلب منك القدح ليحلب فيه الإبل فلا تعطه إياه من يدك، فكذاك كنت أفعل به، فسيذهب فيحلب ثم يأتيك عند [فراغه من] الحلب [والقدح] ملآن لبنا، فيقول: هاك غبوقك؛ فلا تأخذه منه حتى تطيل نكدك عليه ثم خذه أو دعه حتى يضعه؛ ثم لست تراه حتى تصبح إن شاء الله.
قال: فذهبت ففعلت كما أمرتني، حتى إذا جاء بالقدح فيه اللبن أمرني أن آخذه فلم آخذه حتى أطلت نكدي عليه، ثم أهويت آخذه وأهوى يضعه، فاختلفت يدي ويده فانكفأ القدح واندفق ما فيه من اللّبن، فقال: إن هذا لطماح مفرط وضرب بيده إلى مقدّم البيت فاستخرج سوطا ملويّا كمثل الثعبان المطوّق؛ ثم دخل عليّ فهتك السّتر عني وقبض بشعري، وضربني بذلك السّوط ثلاثين إن زادت فقليلا وإن نقصت فقليلا، ثم جاءت أمّه وإخوته وأخت له فانتزعوني من يده؛ ولا والله ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي، وهممت أن أجأه بالسكين، وإن كان فيها الموت؛ فلما خرجوا عني وهو معهم شددت ستري وقعدت كما كنت، فلم ألبث إلا قليلا وإذا أمّ جيداء قد دخلت عليّ، فكلمتني وهي تحسبني بنتها، فاتّقيتها بالسّكات والبكاء، وتغطيت بثوبي دونها فقالت: يا بنية! اتقي الله ربّك ولا تعرّضي للمكروه من زوجك فذاك أولى بك، فأما الأشتر فلك [١] آخر الدهر.
ثم خرجت من عندي وقالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة
стр. 3717
عندك. فلبثت غير ما كثير ثم إذا جارية قد جاءتني وجعلت تبكي وتدعو على من ضربني، وجعلت لا أكلّمها. ثم اضطجعت إلى جنبي فلما استمكنت منها شددت يدي على فمها وقلت: يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري الليلة بسببها، وأنت أولى بالسّتر عليها، فاختاري لنفسك ولها، فو الله لئن تكلّمت بكلمة لأصيحنّ بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملة؛ ثم رفعت يدي عن فمها فاهتزّت مثل القصبة من الزرع، وبات معي منها أصلح رفيق رافقته قطّ. فلم تزل تتحدث وتضحك منّي ومما بليت به حتى برق لي النور، ثم إذا جيداء تدخل عليّ من آخر البيت فلما رأتنا ارتاعت منا، وقالت: ويلك من هذا عندك؟ قلت: أختك. قالت: وما السبب؟ قلت: هي تخبرك، فلعمر الله إنها لعالمة.
وأخذت ثيابي ومضيت إلى صاحبي، فركبت أنا وهو خائفين، وخبّرته ما أصابني وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه كلّ ضربة تخرج الدّم وحدها. فلما رأى ذلك قال: لقد عظمت صنيعتك وأوجبت علينا شكرك، وخاطرت بنفسك فلا حرمنا الله مكافأتك.
«٥٢٤» - حدث محمد بن الفضل الجرجرائي في وزارته للمعتصم قال: كنت أتولّى ضياع عجيف بكسكر فرفع عليّ أنني خنته وأخرجت الناحية. فأنفذ إليّ من قيدني، فأدخلت عليه في داره بسرّ من رأى على تلك الحال، فإذا هو يطوف على ضياع فيها، فلما نظر إلي شتمني وقال: أخربت الضياع ونهبت الارتفاع؛ والله لأقتلنّك! هاتم السّياط، فأحضرت ونحّيت للضرب؛ فلما رأيت ذلك ذهب عليّ أمري وبلت في ثيابي. ونظر كاتبه إليّ فقال لعجيف: أعزّ الله الأمير! أنت مشغول القلب بهذا البناء، وضرب هذا الليلة في أيدينا ليس يفوت، فتأمر بحبسه وتنظر في أمره، فإن كانت الرفيعة صحيحة فليس يفوتك عقابه، وإن
стр. 3718
كانت باطلة لم نتعجّل الإثم والاشتغال عما أنت بسبيله. فأمر بي إلى الحبس فمكثت فيه أياما. وغزا أمير المؤمنين عمورية وقتل عجيفا في نوبة العباس بن المأمون، واتّصل الخبر بكاتبه فأطلقني، وخرجت فلم أهتد إلى حبّة فضة فما فوقها. فقصدت صاحب الديوان بسرّ من رأى لصداقة كانت بيني وبينه، فلما رآني سرّ بإطلاقي، وتوجّع من سوء حالي، وعرض عليّ ماله، فقلت: تتفضل بتصريفي في شيء أستر بجاريه. فقلّدني عملا بنواحي ديار ربيعة، واقترضت من التجار لما سمعوا بخبر ولايتي ما تحمّلت به إلى العمل، وخرجت. وكان في ضياع العمل ضيعة تعرف بعراثا، فنزلتها في بعض طرفي العمل ونزلت دارا منها. فلما كان السحر وجدت المستحمّ ضيّقا غير نظيف، فخرجت إلى ظاهر الدار، وإذا بتلّ، فجلست أبول عليه. وخرج صاحب الدار فقال: أتدري على أي شيء بلت؟ قلت: على تلّ تراب. فضحك وقال: هذا رجل يعرف بعجيف من قوّاد السلطان، كان سخط عليه وحمله مقيّدا، فلما صار إلى ههنا قتل وطرح في هذا المكان تحت حائط، فلما انصرف العسكر طرحنا الحائط عليه لنواريه من الكلاب، فهو تحت على هذا التلّ التراب. قال: فعجبت من بولي خوفا منه ومن بولي على قبره عليه.
«٥٢٥» - وأورد التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدة» ما هو بالأحداث الغريبة والاتفاقات العجيبة أليق، وبهذا المكان أشبه. قال: غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم، فسبى سبيا كثيرا، وأقام في بعض المنازل، فعرض السبي على السيف، فقتل خلقا، حتى عرض عليه شيخ ضعيف، فأمر بقتله؛ فقال له: ما حاجتك إلى قتل شيخ ضعيف مثلي؟ إن تركتني جئتك بأسيرين من المسلمين شابّين. قال: ومن لي بذلك؟ قال: إني إذا وعدت وفيت. قال: لست أثق بك. قال: فتدعني أطوف في عسكرك لعلي أعرف من يكفل بي إلى أن أمضي
стр. 3719
فأجيء بالأسيرين. فوكل به من أمره بالطواف معه في عسكره والاحتفاظ به.
فما زال الشيخ يطوف ويتصفح الوجوه حتى مرّ برجل من بني كلاب قائما يحسّ فرسا له، فقال له: يا فتى اضمنّي للأمير، وقصّ عليه القصة؛ قال:
أفعل. وجاء به معه إلى مسلمة وضمنه فأطلقه. فلما مضى قال: أتعرفه؟ قال:
لا والله! قال: فلم ضمنته، قال: رأيته يتصفّح الوجوه فاختارني من بينهم، فكرهت أن أخلف ظنّه. فلما كان من الغد عاد الشيخ ومعه أسيران من المسلمين شابان، فدفعهما إلى مسلمة، وقال: يأذن الأمير أن يصير معي إلى حصني لأكافئه على فعله بي، فقال مسلمة للفتى الكلابي: إن شئت فامض معه.
فلما صار إلى حصنه قال له: يا فتى تعلم والله أنّك ابني. قال: وكيف أكون ابنك وأنا رجل من العرب مسلم وأنت رجل من الروم نصراني؟ قال: أخبرني عن أمّك ما هي؟ قال: رومية؛ قال: فإني أصفها لك، فبالله إن صدقت إلا صدقتني؛ قال: أفعل. فأقبل الرومي يصف أمّ الفتى، فما خرم شيئا منها؛ قال:
هي كذلك فكيف عرفت أني ابنها؟ قال: بالشّبه وتعارف الأرواح، وصدق الفراسة، ووجود شبهي فيك؛ ثم أخرج إليه امرأة فلما رآها الفتى لم يشكّ أنّها أمّه لشدّة شبهها به، وخرجت معها عجوز كأنها هي؛ فأقبلتا تقبّلان رأس الفتى؛ وقال الشيخ: هذه جدّتك وهذه خالتك. ثم اطّلع من حصنه، ودعا بشباب في الصحراء، وكلّمهم بالرومية، فجعلوا يقبّلون رأسه ويده؛ قال الشيخ: هؤلاء أخوالك وبنو خالاتك وبنو عمّ والدتك؛ ثم أخرج حليّا كثيرا وثيابا فاخرة، فقال: هذا لوالدتك عندنا منذ سبيت، فخذه فادفعه إليها، فإنها ستعرفه؛ ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا وثيابا جليلة، وحمله على عدّة دواب وبغال، وألحقه بعسكر مسلمة وانصرف.
وأقبل الفتى قافلا حتى دخل منزله وأقبل يخرج الشيء بعد الشيء ممّا عرّفه الروميّ أنه لأمّه، فتراه فتبكي فيقول لها: قد وهبته لك؛ فلما أكثر عليها قالت: يا بنيّ، أسألك بالله من أيّ بلد صار إليك هذا الحليّ وهذه
стр. 3720
الثياب؟ وهل قتلتم أهل الحصن الذي كان فيه هذا؟ قال الفتى: صفته كذا وكذا، وصفة البلد كذا، ورأيت فيه قوما حالهم كذا، ووصف الأمّ والأخت وجميع الأهل، وهي تبكي وتقلق، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت:
الشيخ والله أبي، والعجوز أمّي، والشابّة أختي. فقص عليها الفتى الخبر وأخرج بقيّة ما كان معه فدفعه إليها.
«٥٢٦» - ذكر أنّ عاملا للمنصور على فلسطين كتب إليه أنّ بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة منهم وعاث في العمل. فكتب إليه أبو جعفر:
دمك مرتهن به إن لم توجّهه إليّ. فصمد له العامل فأخذه ووجّه به إليه. فلما مثل بين يدي أبي جعفر قال له: أنت المتوثّب على عامل أمير المؤمنين؟ لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا كبيرا ضئيل الصوت فقال: [من الكامل المرفل]
أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
فلم يفهم أبو جعفر ما قال فقال: يا ربيع ما يقول؟ قال: يقول: [من البسيط]
العبد عبدكم والمجد مجدكم ... فهل عذابك عنّي اليوم مصروف
قال: يا ربيع، خلّ عنه فقد عفوت عنه، وأحسن إليه واحتفظ به.
«٥٢٧» - أحضر هشام بن عبد الملك إبراهيم بن أبي عبلة [١] الذي كان يتولّى ديوان الخاتم لمروان بن محمد فقال له: إنّا قد عرفناك صغيرا وخبرناك كبيرا، وإني أريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك الخراج بمصر، فاخرج. فأبى
стр. 3721
إبراهيم عليه وقال: ليس الخراج من عملي ولا لي به بصر. فغضب هشام عليه غضبا شديدا حتى خاف إبراهيم بادرته، فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: قل؛ فقال: يقول الله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
(الأحزاب: ٧٢) لكن والله ما أكره السموات والأرض والجبال حين أبين من حملها ولا سخط عليها، ولقد ذمّ الانسان حين قبلها، فقال هشام: أبيت إلا رفقا وأعفاه.
٥٢٨- قال أبو عبيدة: كان فتى من الخوارج من بني يشكر مجتهدا، فتزوج بابنة عمّ له، فلما كان ليلة أراد البناء بها أتاه قوم من أصحابه على خيولهم، فوقفوا ببابه فلما علم بهم خرج إليهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: قوم من إخوانك، وخرجنا من الدنيا وتركناها لأهلها لنفنى على ما فني عليه السلف الماضون، قال: فانزلوا وأقيموا ليلتكم هذه حتى أخرج معكم غدا؛ قالوا: ما كنا لنعود إلى الدنيا بعد ما خرجنا منها وتركناها لأهلها، قال: فانتظروني. فألقى ثياب عرسه ولبس ثياب سفره، وركب فرسه وهو يقول: [من الرجز]
يا ربّ إنيّ مؤثر ذويكا ... إذ فارقوا الدنيا ويمّموكا
ثم خرج إلى أصحابه فقال: [من الرجز]
سيروا على اسم الله في سبيله ... على يقين الوعد من رسوله
إني به مصدّق وقيله ... لعلّنا نفوز من تمثيله
أو ندرك التفضيل من تفضيله
قالوا: بل أقم في منزلك وتمتّع من أهلك بقية ليلتك، ولا تشمت بهم عدوهم، ونحن مقيمون عليك حتى تصبح، فقال: ما كنت لأرجع إلى الدنيا بعد إذ خرجت منها، ثم أنشأ يقول: [من الرجز]
ما وعد الله من الحور العين ... ومن ثواب المسلمين الشارين
стр. 3722
خير من الأهل الأولى يموتون ... ويسخطون مرة ويرضون
ثم مضى معهم فلحقتهم خيل لمحمد بن مروان، فقتلوا الطائفة وأسروا الفتى في عدة من أصحابه؛ فبعث بهم محمد إلى الحجاج. فلما رأى الفتى استصغره فدعا به فقال: ويحك ما أخرجك؟ فو الله ما أظنّك تعرف مواقيت الصلاة. قال: ذاك لو كنت اتّكلت على تعليمك يا حجاج، كنت بالحري أن أنزل هذه المنزلة.
قال: فما أخرجك؟ قال: مخافة يوم أنا وأنت فيه نصير؛ قال: وما ذاك اليوم؟
قال: أول آخر وآخر أوّل، مستقبل أول لا آخر له، ومستدبر آخر لا يعود بعد نفاذه، لا بعده أجل، ولا فيه عمل، ولا عنده مستعتب، ولا إلى غيره مذهب، يأمن فيه الخائف، ويخاف فيه الآمن، ويعزّ فيه الذليل، ويذلّ فيه العزيز، وفي مثل هذا ما أقلق ذكري على فراشه هذا، والأئمة تعدل، فكيف إذا كانت تضلّ وتضلّل، فاقض ما أنت قاض؛ قال: أجزعت من الموت؟ قال: لا والله ما جزعت من قضاء، ولا أسفت على بلاء، ولا كرهت لربّي لقاء، وللموت ما خلقت، وما لي حاجة إلا فيه، فهل يجزع الرجل من قضاء حاجته؟ قال: أما والله لأعجلنّ لك من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر؛ قال: أما والله لو علمت أنّ بيدك تعجيله لعلمت أن بيدك تأخيره، لأن من يقدر على تعجيله يقدر على تأخيره؛ قال: والله لأقتلنّك؛ قال: إذن لا يعزّ الله بقتلي باطلا، ولا يبطل به حقّا، فلئن قتلتني لأخاصمنّك بحيث يزول عنك وعن ابن الزرقاء عزّكما، ولا يدفع عنكما سلطانكما، وحيث لا تقبل لكما عذرة، ولا تنفعكما حجّة؛ فأمر بقتله.
٥٢٩- قال علي بن حرملة: رأيت أبا حنيفة حين ورد عليه خبر إبراهيم الصائغ وتعرّضه لأبي مسلم حتى قتله، فقال: والله لقد كنت أتخوف عليه هذا الأمر حتى وقع فيه. قالوا: كيف يا أبا حنيفة؟ قال: صار إليّ وسألني خلوة فوعدته، ولم أقدر لاجتماع الحاجّ عليّ؛ فكان يتقاضاني ويذكر الموعد؛ فقلت له: ترى شغلي بالحاجّ، فقال: إن الله يسألك عن أمري. قال: فخلا معي ساعة
стр. 3723
فقال: ما تقول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أفرض هو أم نفل؟ قلت:
فرض. فعدّ عليّ من هذه الفرائض ما عدّ ثم قال: مثل هذا؟ قلت: نعم، قال:
ابسط يدك أبايعك عليه. قال: فأظلمت عليّ الأرض، وخفت إن أعطيته شيئا لا أقدر أن أقوم به. قال: ثم ذكرت فقلت: يا أبا إسحاق إنّ هذا فرض ليس كسائر الفرائض التي يؤدّيها الرجل وحده، فتحرّ عنه، وهذا متى عرض له رجل أشاط بيده بدمه وعرّض نفسه للقتل فلو كان قتل وخلص الحقّ إلى من يقوم به أجر في تلف نفسه، ولكن يقتل ولا يستوفى للناس أمرهم وتذهب نفسه؛ ولكن انتظر فإن منّ الله علينا بمن يقوم لله بذلنا له أنفسنا ومهجنا وما نالته أيدينا من القوة. فانصرف من عندي، وكان يتقاضاني تقاضي الغريم الملحّ حتى خرج إلى مرو، فتعرّض لأبي مسلم فأمره ونهاه، فأخذه وحبسه، فاجتمع عليه أهل مرو وقالوا: مثله تحبس ونحن نعرض ونؤمّل من الله به كلّ خير؟ فأخرجه. ثم تعرّض له ثانية وثالثة فقتله. فبلغني عنه أنه قال: أخاف أن أكون قد أعنت على نفسي فينقص ثوابي من الله إذ لم أقبل ممّن هو أعلم بالله مني.
٥٣٠- قال أبو حنيفة: وحدثني من أثق به من آل بيت محمد ﷺ عن أبيه عن عليّ ﵇ أنه قال: سيّد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ﵁ ورجل يقوم في آخر الزمان عند انقضاء ملك بني أمية إلى رجل جائر يقول له: أنا داعية الحق، فيأمره فيقتله، فكان هو الذي قام على أبي مسلم فأمره ونهاه، فأخاف أن أكون قد ضيعت حقّ الله فيه.
«٥٣١» - وقيل: إن ابن هبيرة حين اضطرب الحبل وظهرت الفتنة بالعراق جمع فقهاء أهل العراق وقضاته، منهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند، وعددا منهم، فولّى كلّ واحد منهم صدرا من عمله. وأرسل إلى أبي حنيفة فأراد أن يكون الخاتم في يده، فامتنع أبو حنيفة عليه؛ وحلف ابن هبيرة
стр. 3724
إن لم يفعل ما أراد ضربه كلّ جمعة سياطا حتى يقتله. قال: فأخرج والفقهاء جلوس، فمالوا به إلى إخوانه فوقف عليهم فقالوا له: ننشدك الله أن تتلف نفسك، وتغمّ إخوانك، وتعرض لهذا الجبّار، وإنا قد كرهنا هذا الأمر كما كرهت، ولكن نشتري الدين بعضه ببعض. فقال أبو حنيفة: لا والله لا آثرت على الله شيئا، ولا أدخل في عمل، لو سألني أن أعدّ له أساطين المسجد والله ما فعلت، فكيف ولو ترى أن نكتب في دم رجل لعله غير مستحقّ فأختم أنا على كتابه ونأخذ المال من غير حقّه فينفقه على معاصي الله وأعينه على حفظه. فقال ابن أبي ليلى: دعوا صاحبكم وما يحمل على نفسه، فهو والله المصيب ونحن المخطئون؛ يا أخي لو وطّنّا لأنفسنا على ما وطّنت نفسك عليه كان خيرا لنا.
فحبسه صاحب الشرطة عنده جمعتين ولم يضربه، ثم أخرجه واعتذر إليه وقال:
إن هذا الأمير لا يختار عليه، فإمّا أن تدخل فيما أمرك به أو أمضي فيك أمره؛ قال: من تقلّد شيئا كان عليه؛ فضربه. فقال ابن هبيرة: ألا ناصح لهذا المحبوس يستأجله فنؤجّله لينظر في أمره؟ فجيء إلى أبي حنيفة فأخبر، فلما كانت الجمعة الثانية أخرج، فقال: إنّ أثر السّياط طريّ في جنبي، ولي إخوان فدعوني أستشرهم وأنظر فيما يدعونني إليه. فاغتنم إليه. فاغتنم ابن هبيرة قوله وأمر بتخلية سبيله.
فركب دوابّه وهرب إلى مكة، فلم يزل مقيما بها حتى ظهرت الهاشمية وملكوا.
«٥٣٢» - فقدم أبو حنيفة الكوفة فأرسل إليه أبو جعفر فضمّه إليه ببغداد، وأمر له بجارية وبعشرة آلاف درهم. وكان عبد الملك بن حميد على وزارة أبي جعفر، وكان حسن الرأي فيه، فقال: لا حاجة لي في الجائزة ولا في الجارية.
فقال: أنشدك الله، فإنه أمير المؤمنين، وهو سريع الغضب، ولا آمن عليك غضبه، وأخاف أن يصدق عليك ما يظنّ بك. فأبى أن يقبض من ذلك شيئا.
قال: فأنا أردّ الدارهم إلى بيت المال وأعتذر لك؛ فالجارية أيّ عذر لك فيها؟
стр. 3725
قال: تقول إني شيخ كبرت وضعفت عن الجماع، فأكره أن أقبل جارية تحتاج إلى من يمسّها فلا أصل إليها وأبيع ملك الخليفة.
٥٣٣- ودعاه أبو جعفر فقال: إنّ شيعة أمير المؤمنين يحضرون فتسمع كلامهم. فحضروا فتكلموا وأكثروا، فقال لواحد: صن لسانك عن الكذب، وقال لآخر: هذا كلام من قد كفر النعمة؛ فقام أبو العباس الطوسي فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى الله عليه وقال قولا مختصرا جميلا، فقال أبو حنيفة: أصبت. فقال أبو جعفر: انصرفوا على قول أبي العباس سيّدكم.
«٥٣٤» - وظهر إبراهيم بالبصرة وأخوه بالمدينة. ودخل الحسن بن قحطبة على أبي حنيفة فقال: أنا ممّن عمل عملا لا يحلّ، فهل من توبة؟ قال: نعم.
قال: ما هي؟ قال: أن يعلم الله منك نيّة صادقة أنك نادم على ما فعلت، وأخرى إن خيّرت بين أن تقتل مسلما أو تعمل اخترت قتلك على عمله [١] ، وتجعل لله على نفسك عهدا ألا تعود في شيء ممّا كنت فيه؛ فإن وفيت قبلت توبتك إن شاء الله. قال: قد فعلت وعاهدت الله أني لا أعود. قال: فدعاه أبو جعفر وأمره بالسير إليهما، فجاء إلى أبي حنيفة فقال: إني أمرت بكذا وكذا، قال: أما إنك إن وفيت غفر لك ما مضى وإن عدت أخذت بما مضى وبما يستأنف. فدخل إلى أبي جعفر وتهيّأ للقتل، واستعفاه، واعتلّ عليه، فلم يقبل منه. فقال: لست أقتل هذين الرجلين، وحسبي ما مضى. قال: فغضب أبو جعفر، فوثب أخوه حميد بن قحطبة عليه وقال: يا أمير المؤمنين، إنا قد أنكرناه منذ سنة، وقلنا قد اختلط، وأنا أسير. فسار حميد وقال أبو جعفر: تعاهدوا الحسن وانظروا إلى من
стр. 3726
يدخل، ومن يجالس، ومن الذي يفسد هذا الرجل علينا. فأخبروه أنه يدخل على أبي حنيفة ويجالسه، فدعا بسمّ وسقى أبا حنيفة وسقى الحسن، فمات أبو حنيفة ﵀، وعولج الحسن فبرأ.
٥٣٥- وقد روي أن أبا حنيفة لما خاف التّلف وألحّ عليه ابن هبيرة بالضرب، وآلى أن لا يرفعه عنه حتى يلي له عملا، تولّى له عدّ أحمال التبن التي تخرج من ناحية السّواد وتدخل الكوفة.
«٥٣٦» - وروي أنّ ابن هبيرة أراده على القضاء وحلف إن هو لم يقبل ليضربنّه بالسّياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربه لي بالسياط في الدنيا أسهل علي من مقامع الحديد في الآخرة؛ والله لا فعلت ولو قتلني. فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ من قدره ما يعارض يميني بيمينه؟ فدعا به فقال له سفاها، وحلف له إن لم يل ليضربنّه على رأسه حتى يموت. فقال له أبو حنيفة: هي ميتة واحدة. قال: فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه. فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله فإنه أذلّ من مقامي بين يديك، ولا تهدّدني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جواب. فأومأ إلى الجلاد أن أمسك. وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب. قال: فقال ابن هبيرة: إني رأيت النبيّ ﷺ في النوم وهو يقول: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدّده؟ فأرسل إليه فاستخرجه واستحلّه.
«٥٣٧» - وقال الربيع بن يونس: جمع المنصور مالك بن أنس وابن أبي ذئب وأبا حنيفة فقال: كيف ترون هذا الأمر الذي أعطاني الله من أمر هذه الأمة؟ هل أنا لذلك أهل؟ قال: فسكت القوم؛ فقال لابن أبي ذئب: ما تقول في هذا الأمر
стр. 3727
الذي قلّدني الله من أمر أمة محمد ﷺ ؟ فقال: إنّ ملك الدنيا يؤتيه الله من يشاء وملك الآخرة يؤتيه الله من طلبه في الله ووفّقه، وإن التوفيق منك إذا أطعته قريب وإذا عصيته بعيد، وإن الخلافة تكون بإجماع أهل التقوى عليها والعون لمن وليها، وأنت وأعوانك خارجون من التوفيق، عالون على الخلق، فإن سألت الله السلامة، وتقرّبت إليه بالأعمال الزاكية، كان في ذلك نجاتك وإلا فأنت المطلوب. قال: فكنت أنا ومالك بن أنس نجمع ثيابنا أن يترشّش علينا من دمه. قال: فقال لأبي حنيفة: ما تقول؟ قال: المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب، إن أنت نصحت نفسك علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا، وإنما أردت أن تعلم العامة أنّا نقول فيك ما تهواه مخافة سيفك وحبسك، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك نفسان من أهل التقوى، والخلافة تكون عن إجماع المؤمنين ومشورة، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ أمسك عن الحكم ستة أشهر حتى أتته بيعة أهل اليمن. قال: وقال لمالك: ما تقول؟ قال: لو لم يرك الله أهلا لذلك ما قدّر لك ملك هذه الأمّة وأزال عنهم من بعد من بينهم، وقرّب هذا الأمر إلى أهل بيت نبيّه، والله لقد دحر الله الباطل، وأنجى أهل بيت نبيّه، أعانك الله على ما ولّاك، وألهمك الشكر على ما خوّلك، وأعانك على ما استرعاك. قال: فأمرهم فانصرفوا. وقال لي المنصور: خذ معك ثلاث بدر واتبع القوم، فإن أخذها مالك كلّها فادفعها إليه، وإن أخذ ابن أبي ذئب وأبو حنيفة منها شيئا فجئني برؤوسهما. قال: فأتيت ابن أبي ذئب فقال: ما أرضى هذا المال له، فكيف آخذه لنفسي؟ وقال أبو حنيفة: (ما أنفع له إن كان يعطي من يرحم أن يرحم نفسه ممن يعلم) [١] ، والله لو ضربت عنقي على أن أمسّ منها شيئا ما مسسته؛ فأتيت مالكا فأخذها كلّها. فأتيت المنصور فأعلمته وبهذه الصيانة حقنوا دماءهم.
стр. 3728
«٥٣٨» - وقال ابن المبارك: مات ابن أبي ليلى فقال الناس: لقد وهت الكوفة من حاكم عادل، من ترى يتولى عليها بعده؟ فحمل إلى أمير المؤمنين أبو حنيفة وسفيان ومسعر وشريك، وكانوا جلوسا في صلاة الصبح، حتى بعث إلى كلّ رجل منهم برجل، فحملهم الأمير إلى أمير المؤمنين ووصلوا في سفينة؛ فلما كان في بعض النهار قرب التهيو للصلاة. قال: فخرجوا، فقال سفيان لصاحبه: أريد أبول [في] الخلاء، وإذا قرب مني إنسان احتبس مني الغائط والبول. فتنحّي عنه فهرب، وهرب الذي كان معه. وجاء سفيان إلى سفينة فيها قتّ، فوهب للملاح دراهم حتى غيّبه. فلما دخلوا بغداد دفع مسعر إلى الملاح ثيابه وأخذ مدرعته. فلما دخلوا على المنصور ورأى عليه مدرعة صوف مقلوبة قال: يا شيخ، أتريد أن نولّيك القضاء؟ قال: مسنّاة الكوفة قد خربت؛ قال: يا شيخ، ما أنت وذكر المسنّاة؟ قال: إن بني أمية خرّبوا السور فتحتاج ان تعمّره. قال: أخرجوه فإن هذا مختلط. ثم قال لأبي حنيفة: تريد أن نولّيك القضاء؟ قال: أنا رجل من الموالي وأهل الكوفة من أشراف بني هاشم وقريش والأنصار والعرب، وإن ولّيت مثلي فتنت البلد ولم آمنهم أن يرموني بالآجرّ. فقال لشريك: فقال: أنا شيخ لا أبصر نقش خاتمي، فقال: استعن على أمورك بالشباب؛ قال: ودماغي قد تغيّر. قال:
خذ الدهن وكل الطعام الذي يردّ قوّتك، وتصنع في كلّ يوم رطلا من فالوذج فهو يزيد في قوّتك وقوّة دماغك إذا كان بالعسل؛ قال: يا أمير المؤمنين إني كنت في حداثتي أميل إلى النساء، فأخاف إن اختصمن إليّ أن أميل إليهن وتتجدّد شهوة الحداثة؛ قال: يتّسع عليك حتى ترغب فيك الحرائر وتشتري الإماء. ودعا بطعام فأطعمه وألبسه السواد، وسلم من سلم.
стр. 3729
«٥٣٩» - بيان قولهم إن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين قال: إليك عني: إنه لما قدم الضحاك الشاري الكوفة قال لهم: جيئوني بالفقهاء. فتفرق الناس ووجدوا أبا حنيفة فأتوه. فقال: يا شيخ تب إلى الله من الكفر، فقال: أنا تائب إلى الله من الكفر. فلما خرج قال له رجل من أصحابه كان قد جالس أبا حنيفة: إن مذهبك عنده الكفر ومنه تاب، قال: ردّوه فقال:
يا شيخ، تبت من مذهبي ومذهبي عندك الكفر. قال: فقال أبو حنيفة: أو ظننت بي ذلك؟ قال: نعم؛ قال: أظنّك ظنّ سوء فهو ذنب؟ قال: نعم، قال:
والذنب عندك كفر؟ قال: نعم، قال: فتب منه، قال: أنا تائب إلى الله، وأنت يا شيخ فتب إلى الله فقال: أنا تائب إلى الله. فلما خرج القوم قال قوم من أهل الكوفة: استتيب أبو حنيفة مرتين.
«٥٤٠» - قال أبو العيناء: ما رأيت أفصح لسانا ولا أجمع رأيا ولا أحضر حجّة من ابن أبي دواد. قال له الواثق: رفعت فيك رقعة فيها كذب كثير، فقال: ليس بعجيب أن أحسد بمنزلتي من أمير المؤمنين ويكذب عليّ. قال:
زعموا أنك ولّيت القضاء رجلا أعمى، قال: بلغني أنه إنما عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك وأمرته أن يستخلف؛ قال: وفيها أنك أعطيت شاعرا ألف دينار، قال: كان ذاك، وقد أثاب رسول الله ﷺ كعبا، وقال في آخر: اقطعوا عني لسانه؛ وهذا شاعر طائيّ مصيب محسن، لو لم أرع له إلا قوله فيك للمعتصم: [من الكامل]
فاشدد بهارون الخلافة إنّه ... سكن لوحشتها ودار قرار
стр. 3730
ولقد علمت بأنّ ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار
فقال الواثق: قد وصلته بخمسمائة دينار.
٥٤»
- صلى الحجاج إلى جنب ابن المسيّب، فرآه يرفع قبل الإمام ويضع، فلما سلّم أخذ بثوبه حتى فرغ من صلاته ودعائه، ثم رفع نعليه على الحجاج، وقال: يا سارق! يا خائن! تصلي هذه الصلاة؟ لقد هممت أن أضرب بهما وجهك! وكان الحجاج حاجّا، فرجع إلى الشام، وجاء واليا على المدينة، ودخل من فوره المسجد قاصدا مجلس سعيد، فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ قال: نعم أنا صاحبها، قال: جزاك الله من معلّم ومؤدّب خيرا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا ذاكر قولك.
«٥٤٢» - قال سعيد بن وهب على البطالة فدخلت قلبه رقّة، فحجّ ماشيا، فجهد، فقال: [من الرمل]
قدميّ اعتورا رمل الكثيب ... واطرقا الآجن من ماء القليب
ربّ يوم رحتما فيه على ... نضرة الدنيا وفي واد خصيب
فاحسبا ذاك بهذا واصبرا ... وخذا من كلّ فن بنصيب
«٥٤٣» - مطر مصر مثل في نافع يستضرّ به، لأنّها لا تمطر فإن مطرت كان المطر ضررا عليها، وفي ذلك يقول شاعر: [من الطويل]
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم ... بما فيه خصب العالمين من القطر
إذا بشّروا بالغيث ريعت قلوبهم ... كما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر
стр. 3731
«٥٤٤» - جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق ونهر الأبلّة وشعب بوّان وصغد سمرقند. قال أبو بكر الخوارزمي: قد رأيتها كلّها وكان فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهنّ، كأنها الجنّة صوّرت على وجه الأرض.
«٥٤٥» - البحتري: [من البسيط]
يمشي السّحاب على أرجائها فرقا ... ويصبح النّبت في صحرائها بددا [١]
فلست تبصر إلا واكفا خضلا ... أو يانعا خضرا أو طائرا غردا
٥٤٦- آخر في وصف النخل: [من الرجز]
إما تراها وإلى استوائها ... وحسنها في العين وامتلائها
لا ترهب الذئب على أطلائها ... وإن أحاط الليل من ورائها
٥٤٧- غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته، فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكنّي ذكرت قول الأسدي: [من البسيط]
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
«٥٤٨» - ذكر أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في كتابه [.....]
كانت بقرية [كشمير] من رستاق بست سروة من سرو الأزاذ من غرس يستاسف لم ير مثلها في حسنها وطولها وعظمها، [وكانت] ظلالها فرسخا، وكانت من مفاخر خراسان. فجرى ذكرها عند المتوكّل، فأحبّ أن يراها فلما لم يقدّر له المسير كتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر وأمره بقطعها وحمل قطع
стр. 3732
جذعها وأغصانها في اللبود على الجمال لتنصب بين يديه حتى يبصرها. فأنكر عليه ذلك، وخوّف بالطيرة فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين. وحكي أن أهل الناحية ضمنوا مالا جزيلا على إعفائها، فلم ينفع. فقطعت وعظمت المصيبة وارتفع الصياح والبكاء، ورثاها الشعراء، وقال علي بن الجهم: [من الكامل]
قالوا [١] سرى لسبيله المتوكل ... فالسرو يسري والمنية تنزل
ما سربلت إلا لأنّ إمامنا ... بالسيف من أولاده متسربل
فجرى الأمر على ذلك، وقتل المتوكل قبل وصول السروة إليه.
٥٤٩- اجتمع ببغداد عشرة فتية على لهو، فرفعوا أحدهم في حاجة فرجع وفي يده بطيخة يشمّها ويقبّلها. فقال لهم: جئتكم بفائدة: وضع بشر الحافي يده على هذه البطّيخة فاشتريتها بعشرين درهما تبرّكا بموضع يده. فأخذ كلّ واحد يقبّلها ويضعها على عينه. فقال أحدهم: ما الذي بلّغ بشرا ما أرى؟ قالوا:
تقوى الله والعمل الصالح. قال: فإني أشهدكم أنّي تائب إلى الله وأني داخل في طريقة بشر. فوافقوه على ذلك وخرجوا إلى طرسوس فاستشهدوا.
٥٥٠- روي أن الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردّها إليك فيأبى، حتى ألحّ عليه، فقال: لا آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين إن حدّدتها لم تردّها؛ قال: بحقّ جدّك إلا فعلت؛ قال: أما الحدّ الأول فعدن، فتغيّر وجه الرشيد وقال: هيه! قال: والحدّ الثاني سمرقند، فاربدّ وجهه، قال: والحدّ الثالث أفريقيّة، فاسودّ وجهه وقال: هيه! قال: والرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وأرمينية. قال الرشيد: فلم تبق لنا شيئا! فتحوّل من مجلسي. قال موسى: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد. فأراه بثرة خرجت في كفه، قال:
هذه علامة أهل بيتنا قد ظهرت فيّ، وأنا أقضي عن قرب، فقد كفيت أمري.
стр. 3733
فتركه يحيى ومات بعد أيام.
٥٥١- قال عمر بن عبد العزيز لأبيه: يا أبت ما لك إذا خطت مررت فيها مستحفزا لا تكفف ولا توقّف، حتى إذا صرت إلى ذكر عليّ تلجلج لسانك وامتقع لونك، واختلج بدنك؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا بنيّ؟ أما إن هؤلاء الحمير حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم ما تبعنا منهم رجلان.
«٥٥٢» - العباس بن ربطة الرّعلي: [من الطويل]
وأهلكني أن لا يزال يكيدني ... أخو حنق في القوم حرّان ثائر
وذلك ما جرّت علينا رماحنا ... وكلّ امرىء يوما به الجدّ عاثر
«٥٥٣» - عقّ أبا المنازل فرعان بن الأعرف السعديّ ابنه منازل فقال:
[من الطويل]
جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنزل الدّين طالبه
وما كنت أخشى أن يكون منازل ... عدوّي وأدنى شانىء أنا راهبه
حملت على ظهري وقرّبت صاحبي ... صغيرا إلى أن أمكن الطّرّ شاربه
وأطعمته حتى إذا آض شيظما ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تخوّن مالي ظالما ولوى يدي ... لوى يده الله هو غالبه
عقّ منازلا ابنه خليج فقال: [من الطويل]
تظلّمني مالي خليج وعقّني ... على حين صارت كالحنيّ عظامي
وكيف أرجّي العطف منه وأمّه ... حراميّة ما غرّني بحرام
تخيّرتها وازددتها لتزيدني ... وما بعض ما يزداد غير غرام
стр. 3734
لعمري لقد ربّيته فرحا به ... فلا يفرحن بعدي امرؤ بغلام
«٥٥٤» - قال عمر ﵁: تكثّروا من العيال فإنّكم لا تدرون ممّن ترزقون.
٥٥٥- وقال المأمون: أقرباء الرجل بمنزلة الشّعرة من جسده، فمنه ما يخفى ويتّقى وممنه ما يلزم ويخدم.
٥٥٦- وقيل لحكيم: لم لا تطلب الولد؟ قال: لحبّي له.
٥٥٧- وقال الحجاج لابن القرّيّة: أي الثّمار أشهى؟ قال: الولد، وهو من نخل الجنة.
«٥٥٨» - عن الكسائي أنه دخل على الرشيد فأمر بإحضار الأمين والمأمون.
قال: فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هديهما ووقارهما، وقد غضّا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا على مجلسه. فسلّما عليه بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدّعاء؛ فاستدناهما، فأجلس محمدا عن يمينه وعبد الله عن شماله؛ ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب عنه؛ فسرّه سرورا استبنته فيه، وقال: كيف تراهما؟ فقلت: [من الطويل]
أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبيّ محمّد
يسدّان أنفاق النّفاق بشيمة ... يؤيّدها حزم وعضب مهنّد
قلت: ما رأيت- أعزّ الله أمير المؤمنين- أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرّسالة وأغصان هذه الشجرة الزاكية أذرب منهما ألسنا، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشدّ
стр. 3735
اقتدارا على تأدية ما حفظا ورويا منهما؛ أسأل الله أن يزيد بهما الإسلام عزّا وتأييدا، ويدخل بهما على أهل الشّرك ذلا وقمعا. وأمّن الرشيد على دعائي، ثم ضمّهما إليه، وجمع عليهما يديه، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج. ثم قال: كأني بهما وقد حمّ القضاء ونزلت مقادير السماء، وقد تشتّت أمرهما، وافترقت كلمتهما حتى تسفك الدماء وتهتك السّتور.
٥٥٩- كانت بيحيى البرمكي علّة في جوفه عجز عنها أطباء العراق، فأشخص منويل أسقف فارس، وقد تقدّم قبل أن يدخل عليه إلى خواصّه بأخذ مائهم في قوارير؛ فأتوا بها، فأمر بتبديلها، وفيهم مدنيّ مضحك، وقد وهب له جارية فكان يدّعي في كثرة الباه الدعاوى العريضة. فأعطاه الوزير مجسته فقال:
تناولت المحرّم. فجحد فحلف منويل حتى أقر، ونظر في القوارير فردّ كلّ واحدة إلى صاحبها. فتعجب من لطف علمه.
وقال للمدني: أنت عنّين! فلجّ، فقال هو كافر بالمسيح إن كان خرج من صلبك شيء قط إلا البول. فاعترف وطلب العلاج؛ فقال هذا ما لا حيلة فيه. ثم قال: إن كان- وما أظنه يكون- فعليك بالكباب على الآجرّ مع نبيذ الصرفان.
«٥٦٠» - قال الرشيد حين كان بطوس لرجل: خذ هذه البدرة واعرض هذه القارورة على أسقف فارس وبختيشوع من غير أن يتشاعرا وازعم أنّها قارورة أخ لك. فقال الأسقف: ما أشبه هذا الماء بماء الرّشيد، فانتظر ولا ترحل فإنّ أخاك ميّت غداة غد، وقال بختيشوع مثله.
«٥٦١» - وعرض رجل على أيوب الطّبيب قارورته فقال: ما هي بقارورتك لأنّه ماء ميّت وأنت حيّ تكلّمني فما فرغ من كلامه أن خرّ الرّجل ميّتا.
стр. 3736
«٥٦٢» - صدع ملك فأمره الطّبيب أن يضع قدميه في الماء الحارّ. فقال خصيّ عنده: وأين القدم من الرّأس! فقال: أين رأسك من بيضتيك؟ نزعتا فذهبت لحيتك.
«٥٦٣» - قال عبد الملك عند موته: يا وليد! لا أعرفنّك إذا أنا متّ تجلس وتعصر عينيك وتحنّ كما تحنّ الأمة الوكعاء، لكن ائتزر وشمّر والبس جلد النّمر وضعني في حفرتي وخلّني وشأني وعليك وشأنك، وادع الناس إلى بيعتك، فمن قال بوجهه هكذا، فقل بسيفك هكذا. ثمّ بعث إلى محمّد وخالد ابني يزيد بن معاوية فقال: هل بكما من ندامة على بيعة الوليد؟ قالا: ما نعرف أحقّ بالخلافة منه. قال: أولى لكما! والله لو قلتما غير ذلك لضربت الذي فيه أعينكما. ثمّ رفع ثني فراشه، فإذا سيف مجرّد ونفسه تتردّد في حنجرته وهو يقول: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيرا أخذ من خلقه أم كبيرا حتّى فاضت نفسه. ودخل عليه الوليد ومعه بناته يبكين فتمثّل: [من الطويل]
ومستخبر عنا يريد بنا الرّدى ... ومستخبرات والدّموع سواجم
وكان الطّبيب قد حماه الماء فقال: اسقوني وإن كانت فيها نفسي، فسقوه فمات.
«٥٦٤» - جعل لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن بن عليّ ﵉ مائة ألف درهم على أن تسمّه، ومكث شهرين، وإنّه ليرفع من تحته كذا كذا طستا من دم. وكان يقول: سقيت السّمّ مرارا ما أصابني فيها ما أصابني
стр. 3737
في هذه المرّة، لقد لقطت كبدي فجعلت أقلّبها بعود كان في يدي. ورثته جعدة بأبيات: [من السريع]
يا جعد بكّيه ولا تسأمي ... بكاء حقّ ليس بالباطل
إنّك لن ترخي على مثله ... سترك من حاف ولا ناعل
وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاما؛ وكان الصّبيان يقولون له: يا ابن مسمّمة الأزواج. ولمّا كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه: أرقل المطيّ إليّ بخبر الحسن. ولمّا بلغه موته سمع تكبير من الخضراء، فكبّر أهل الشّام لذلك التّكبير. وقالت فاختة بنت قرظة لمعاوية: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين! ما الذي كبّرت له؟ قال: مات الحسن. قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبّر؟! قال: والله ما كبّرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة.
وكان ابن عبّاس في الشام فدخل عليه فقال له: يا ابن عبّاس، هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: لا أدري ما حدث إلا أني أراك مستبشرا ومن يطيف بك وقد بلغني تكبيرك وسجودك. قال: إنّا لله! يرحم الله أبا محمد ثلاثا. ثم قال:
والله يا معاوية لا تسدّ حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في يومك، ولكن [إن] كنّا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتّقين وخاتم النبيين، فسكّن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة، وكان الله الخلف علينا من بعده.
وقال لأخيه الحسين: إذا أنا متّ فادفني مع رسول الله ﷺ إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن منعوك فادفنّي ببقيع الغرقد. فلبس الحسين ومواليه السّلاح وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله ﷺ ، فخرج مروان في موالي بني أميّة فمنعوهم.
«٥٦٥» - قال أبو العرجاء جمّال موسى بن عيسى: لمّا نزلنا بستان بني عامر بعثني محمد بن سليمان إلى الحسين بن علي صاحب فخّ لأتجسّس عليه، فمضيت
стр. 3738
فما رأيت إلا مصلّيا أو مبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معدّا للسلاح، فرجعت وقلت: ما أظنّ القوم إلا منصورين، وأخبرته بخبرهم فصفّق بيديه وبكى حتّى ظننت أنّه سينصرف. ثمّ قال: هم والله أكرم خلق الله وأحق بما في أيدينا منّا، ولكنّ الملك عقيم، ولو أنّ صاحب القبر- يعني رسول الله ﷺ نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسّيف؛ ثمّ سار إليهم وفعل ما فعل. ولمّا احتضر محمّد بن سليمان كانوا يلقّنونه وهو يقول: [من الطويل]
ألا ليت أمّي لم تلدني ولم أكن ... شهدت حسينا يوم فخّ ولا الحسن
«٥٦٦» - أتى امروء القيس قتادة بن التّوأم اليشكريّ وإخوته، فقال للحارث: أجز: [من الوافر]
أحار ترى بريقا هبّ وهنا
فقال الحارث:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال قتادة: [من الوافر]
أرقت له ونام أبو شريح ... إذا ما قلت قد هدأ استطارا
أبو شريح: كنية الحارث.
فقال الحارث: [من الوافر]
كأنّ هزيزه بوراء غيب ... عشار ولّه لاقت عشارا
فقال أخوهما الثالث: [من الوافر]
فلمّا أن علا شرفي أضاخ ... وهت أعجاز ريّقه فحارا
стр. 3739
فلم يترك ببطن السّرّ ظبيا ... ولم يترك بقاعته حمارا
فقال امروء القيس: إني لأعجب من بيتكم هذا لا يحترق عليكم من جودة شعركم؛ فقيل لهم: بنو النار.
«٥٦٧» - قال عبد الله بن المعتزّ: شعر آل أبي حفصة كماء أسخن وصبّ في قدح. فكان أيّام مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن أبي السّمط، ففتر، ثم إلى إدريس وأبي الجنوب، فبرد، ثم إلى مروان الأصغر، فاشتدّ برده، فنحن لبرده، ثم إلى متوّج فجمد.
«٥٦٨» - حدّث عبيد الله بن سليمان قال: كنت بحضرة والدي في ديوان الخراج بسرّ من رأى وهو يتولاه، إذ دخل عليه أحمد بن أبي خالد الصّريفينيّ الكاتب، فقام والدي إليه قائما من مجلسه وأقعده في صدره، وتشاغل به. ولم ينظر في شيء من أمره حتى نهض، ثم قام معه وأمر غلمانه بالخروج بين يديه، فاستعظمت أنا وكلّ من حضر هذا، لأنّ رسم أصحاب الديوان صغارهم وكبارهم أن لا يقوموا لأحد من خلق الله ممّن يدخل إليهم، فتبيّن أبي في وجهي إنكار ذلك، فقال: يا بنيّ، إن خلونا فسلني عن السبب فيما عملته مع هذا الرجل.
قال: وكان أبي يأكل في الديوان وينام ويعمل عشيّا. فلما جلسنا نأكل لم أذكّره إلى أن رأيت الطعام قد كاد ينقضي، فقال هو: يا بنيّ، شغلك الطعام عمّا قلت لك أن تذكّرني به؟! فقلت: لا، ولكني أردت أن يكون ذلك على خلوة. ثم قال: أليس قد أنكرت أنت والحاضرون قيامي لأحمد بن أبي خالد في دخوله وخروجه وما عاملته به؟ فقلت: بلى. فقال: قد كان هذا يتقلّد مصر، فصرفته
стр. 3740
عنها وقد كانت مدّته فيها طالت، فوطئت آثار رجل لم أر أجمل آثارا منه، ولا أعفّ عن الأموال السلطانية والرعية، ولا رأيت رعيّة لعامل أشكر من رعيته له.
وكان عرق الموت الخادم، صاحب البريد بمصر، أصدق الناس له مع هذا، وكان من أبغض الناس [إلي] وأشدّهم اضطراب أخلاق، فلم أتعلّق عليه بحجّة، ووجدته قد أخّر رفع الحساب لسنة متقدّمة وسنته التي هو فيها، ولم يستتمّها بصرفي له عنها، ولم ينفذه إلى الديوان، فسمته أن يحطّ من الدّخل ويزيد في النفقات [والأرزاق] ، ويكسر من البقايا [في كل سنة مائة ألف دينار] ، فامتنع من ذلك؛ وأغلظت له وتوعّدته، ونزلت معه إلى مائة ألف واحدة للسنين كلّها، وحلفت له بأيمان مغلّظة أنني لا أقنع منه بأقلّ منها؛ فأقام على امتناعه وقال: أنا لا أخون لنفسي، فكيف أخون لغيري، وأزيل ما قام به جاهي من العفاف؟ فحبسته وقيّدته فلم يجب، ولم يزل مقيّدا في الحبس شهورا؛ وكتب عرق الموت صاحب البريد بمصر يعرّف المتوكّل ويحلف أنّ أموال مصر ليس تفي بنفقتي ومؤونتي، ويصف أحمد بن أبي خالد، ويذكر ميل الرعية إليه، ويصف عفّته؛ فبينا أنا ذات يوم على المائدة آكل إذ وردت رقعة أحمد بن أبي خالد يسألني استدعاءه لمهمّ يلقيه إليّ، فلم أشكّ أنّه غرض من الحبس والقيد، وقد عزم على الاستجابة لدعائي ومرادي. فلما غسلت يدي دعوته، واستخلاني فأخليته. فقال: أما آن لك أن ترقّ عليّ ممّا أنا فيه من غير ذنب إليك ولا جرم، ولا قديم ذحل ولا عداوة؟
فقلت، أنت اخترت لنفسك هذا، وقد سمعت يميني، وليس منها مخرج، فاستجب لما أريد منك واخرج. فأخذ يستعطفني فجاءني ضدّ ما كنت قدّرته، وغاظني فشتمته، وقلت له: الأمر المهمّ الذي ذكرت في رقعتك أنّك أردت إلقاءه إليّ هو أن تستعطفني وتسخر مني وتخدعني؟ فقال لي: الآن ليس عندك غير هذا؟ [فقلت: لا، فقال: إذا كان ليس عندك غير هذا فاقرأ يا سيدي هذا] [١] ،
стр. 3741
وأخرج رقعة وكتابا لطيفا مختوما في ربع قرطاس؛ ففضضته فإذا هو بخطّ المتوكّل الذي أعرفه إليّ [يأمرني فيه] بالانصراف وتسليم ما أتولاه إلى أحمد بن أبي خالد، والخروج ممّا يلزمني ورفع الحساب إليه. فورد عليّ [ذلك] أقبح مورد لقرب عهد الرجل بشتمي له، وأنّه في الحال تحت حديدي ومكارهي. فأمسكت مبهوتا، ولم ألبث أن دخل أمير البلد وأصحابه وغلمانه، فوكّل بداري وبجميع ما أملكه وبأصحابي وغلماني وجهابذتي وكتّابي، وجعلت أزحف من الصدر إلى أن صرت بين يدي أحمد بن أبي خالد. ودعا أمير البلد بحدّاد فحلّ قيوده؛ فوثب قائما وقال: يا أبا أيوب، أنت قريب عهد بعمالة هذا البلد ولا منزل لك فيه ولا صديق، ومعك حرم وحاشية كثيرة، وليس يسعك إلا هذه الدار وإن كانت دار العمالة، فأنا أجد عدّة مواضع وليس لي كبير حاشية، ومن نكبة خرجت، فأقم مكانك.
وخرج وصرف التوكيل عني وعن الدار، وأخذ كاتبي وأشيائي. فلما انصرف قلت لأصحابي: هذا الذي نراه في النوم؟ انظروا من وكّل بنا، فقالوا: ما وكّل بنا أحد، فعجبت من ذلك عجبا عظيما.
قال: وما صلّيت العصر حتى عاد إليّ من كان حمله معه من المتصرّفين والكتّاب والجهابذة مطلقين، فقالوا: أخذ منّا خطوطنا برفع الحساب، وأمرنا بالملازمة وأطلقنا. قال: فازددت تعجّبا؛ فلما كان من غد باكرني مسلّما، ورحت إليه في عشيّة ذلك اليوم، فأقمت ثلاثين يوما، إن سبقني عن المجيء رحت إليه، وإن راح إليّ باكرته، وكلّ يوم تجيئني هداياه وألطافه من البلح والفاكهة والحيوان والحلواء؛ فلما كان بعد ثلاثين يوما جاءني فقال: قد عشقت مصر يا أبا أيوب! والله ما هي طيّبة الهواء، ولا عذبة الماء، ولكن تطيب بالولاية والكسب، ولو قد دخلت إلى سرّ من رأى لما أقمت بها شهرا إلا وقد تقلّدت أجلّ الأعمال. فقلت: والله ما أقمت إلا متوقّعا أمرك في الخروج. فقال:
أعطني خطّ كاتبك بأنّ عليه القيام بالحساب، واخرج في حفظ الله.
قال: فأحضرت كلّ شيء وأخذت خطّه كما أراد، وسلّمته إليه. فقال لي:
стр. 3742
اخرج أيّ يوم شئت، فخرجت من غد، فخرج هو وأمير البلد وقاضيه ووجوه أهله، فشيّعوني إلى ظاهر البلد، وقال لي: أقم في ظاهر البلد على خمسة فراسخ إلى أن أزيح علّة قائد يصحبك برجاله إلى الرّملة، فإنّ الطريق فاسد. فلما قال ذلك استوحشت من قوله وقلت: هذا إنّما غرّني حتى أخرج كلّ ما أملكه فيتمكّن منه في ظاهر البلد، فيقبضه ثم يردّني إلى الحبس والتوكيل والمطالبة، ويحتجّ عليّ بكتاب ثان يذكر أنّه ورد إليه. فخرجت وأقمت بالمرحلة التي آثرها مستسلما متوقّعا للشرّ، إلى أن رأيت أوّل عسكر مقبل فقلت: لعلّه القائد الذي يريد أن يصحبني إيّاه، أو لعلّه الذي يريد أن يقبض عليّ. فأمرت غلماني بمعرفة الخبر، فقالوا: العامل أحمد بن أبي خالد قد جاء، فلم أشكّ إلا أنّه قد جاء الشّرّ والبلاء بوروده، فخرجت من مضربي، فتلقّيته وسلّمت عليه. فلما جلس قال:
أخلونا، فلم أشكّ إلا أنه للقبض عليّ، وطار عقلي، فقام من كان عندي فلم يبق عندي أحد، فقال لي: أنا أعلم أنّ أيّامك لم تطل بمصر، ولا حظيت بكبير فائدة، وذلك الباب الذي سألتنيه في ولايتك فلم أستجب له، إنّما أجزت الإذن لك في الانصراف منذ أوّل الأمر لأني تشاغلت لك بالفراغ منه. وقد حططت من الارتفاع، وزدت في النّفقات في كلّ سنة خمسة عشر ألف دينار ليكون للسنتين ثلاثون ألف دينار، وهو مقرّب ولا يظهر، ويكون أيسر ممّا أردته مني في ذلك الوقت، وقد تشاغلت به حتى جمعته لك، وهذا المال على البغال قد جئتك به، فتقدّم إلى من يتسلّمه، فتقدّمت بقبضه، وقبّلت يده وقلت: والله يا سيّدي فعلت ما لم تفعله البرامكة، فأنكر ذلك وتقبّض منه، وقبّل يدي ورجلي وقال: ههنا شيء آخر أريد أن تقبله؛ فقلت: ما هو؟ قال: خمسة آلاف دينار قد استحققتها من رزقي، فامتنعت من ذلك وقلت: في ما تفضّلت به زيادة على كفايتي؛ فحلف بالطلاق أنّي أقبلها منه، فقبلتها؛ فقال: ههنا ألطاف من هدايا مصر أحببت أن أصحبك إيّاها، فإنك تمضي إلى كتّاب الدواوين ورؤساء الحضرة، فيقولون لك: وليت مصر، فأين نصيبنا من هداياها؟ ولم تطل
стр. 3743
أيّامك، فيعدّوا لك الهمّ، وقد جمعت لك منه ما يشتمل عليه هذا الثّبت، وأخرج درجا فيه ثبت جامع لكلّ شيء حسن طريف جليل القدر من دبيقيّ، وقصب، وخدم، وبغال، ودوابّ، وحمير، وفرش، وطيب، وجوهر، ما يكون قيمة الجميع مال عظيم، فأمرت بتسلّمه وزدت في شكره فقال: يا سيدي، أنا أحبّ الفراش وأنا مغرى به، وقد استعمل لي بيت أرمنيّ بأرمينية وهو عشر مصلّيات بمخادّها، ومستندها، ومساورها، ومطارحها، وبسطها، وهو مذهّب بطرز مذهّبة قد قام عليّ بخمسة آلاف دينار على شدّة احتياطي، وقد أهديته إليك، فإن أهديته إلى الوزير عبدك، وإن أهديته إلى الخليفة ملكته، وإن أبقيته لنفسك وتجّملت به كان أحبّ إليّ.
قال: وحمله فما رأيت مثله قطّ، فشغفت به واستحسنته فلم تسمح نفسي بإهدائه إلى أحد، ولا استعماله فيما استبذل إلا في يوم إعذارك، فإني نجّدت منه الصّدر ومسنده ومساوره ومخادّه. أفتلومني يا بنيّ على أن أقوم لهذا الرجل؟
فقلت: لا والله يا أبي، ولا على أكبر من القيام لو كان مستطاعا.
قال: وكان أبي بعد ذلك إذا صرف رجلا عامله بكلّ جميل يقدر عليه وقال: علّمنا أحمد بن أبي خالد حسن التصرّف.
«٥٦٩» - قال: وجلس عبيد الله بن سليمان يوما للمظالم في دار المعتضد، وهو وزيره، فتقدّم إليه عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات يتظلّم من أحمد بن إسرائيل بسبب الضّيعة المعروفة بتناضب. فنظر في أمره وقال له: أنت عمر بن محمد؟ قال: نعم، قال: فأين كنت؟ فقصّ عليه أمره وخبره وقال له: أنت ابن سكران [١] ؟ قال: نعم.
стр. 3744
قال أبو عبد الله محمد بن داود بن الجرّاح: فلما كان عشيّ يومنا ذلك، وخلا وكنت أنا وابناه بين يديه، تحدّث واستروح، ثم قال لنا: سبحان الله! ما أعجب ما كنت فيه اليوم! فلم نسأله عن ذلك إجلالا له. [قال لي أبو أيوب ﵀] إنه كان في أيام الواثق في ذلك البلاء والضرب والقيد، وإنه حمل إلى محمد بن عبد الملك الزيات ليناظره ويردّه إلى محبسه. وكان بين يديه على تلك الحال، فجعل يناظره، والحسن بن وهب كاتبه جالس، وربما تكلّم بالكلمة ترقّقه عليه وربما أمسك، ومحمد دائب في الغلظة على أبي أيوب والدي والتشفّي منه، إذ مرّ بعض خدم محمد بن عبد الملك في الدار وعلى كتفه صبيّ قد خضب، وعليه لبوس مثله من أولاد الملوك، فلما رآه صاح بالخادم: هاته، فقرّبه إليه فقبّله وترشّفه وضمّه إليه، وجعل يلاعبه. وحانت منه التفاتة إلى والدي، فإذا دمعته قد سبقته وهو يمسح جبينه بالجبّة الصوف التي كانت عليه، فقال له: ما الذي أبكاك؟ فقال: خير أصلحك الله، إلى أن قال: لا تبرح أو تخبرني بالأمر على حقّه. فلما رأى ذلك الحسن بن وهب قال له: أنا أصدقك؛ لمّا رأى أبو محمد عمر، أسعد الله ببقائه وجعلنا جميعا فداءه، ذكر بنيّا له في مثل سنّه يقال له عبيد الله،- قال: وكانا ولدا في شهر واحد- فالتفت إليه محمد كالهازىء به ثم قال: أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا؟
قال الحسن: فلما أمر بحمله إلى محبسه، التفت إليّ وقال: لولا أنّ هذا من أمور السلطان التي لا سبيل إلى التقصير فيها ما سؤتك فيه، ولو أعانني على نفسه لخلّصته. فقال الحسن: فو الله ما رأيته منذ حبس، فإن رأيت أن تأمر بالعدول به إلى بعض المجالس والإذن لي في القيام إليه والخلوة معه لأشير عليه بامتثال أمرك. قال:
فأمر بذلك. فقمت إلى أبي أيوب وتعانقنا وبكينا، فقال لي قبل كلّ شيء: رأيت أعجب من بغيه، ومن قوله بالتباطر والهزء: أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا؟
وو الله إني لأرجو- بعون الله- أن يبلغ إلى الوزارة، فيتقدّم إليه عمر هذا متظلّما؛ فلما كان في يومنا هذا، تقدّم إليّ عمر فتظلّم، وما كنت عرفت له خبرا قبل ذلك.
стр. 3745
وقد روي أنّ هذا الولد اسمه عبد الملك، وكنيته أبو مروان، وأنّ عبيد الله بن سليمان ولاه ديوان البريد والخرائط، فتقلّده ثلاثين سنة أو أكثر حتى عرف بأبي مروان الخرائطي ونسي نسبه.
«٥٧٠» - وروي في هذا الخبر أنّ محمد بن عبد الملك قال لسليمان: كأني بك قد ذكرت عبيد الله وأمّلت فيه الآمال، وو الله لا رأيت فيه شيئا ممّا تأمله، وأنا أستحلفك بالله إن بلغ النك هذا إلا أوصيته إن جاءه ابني بشيء من هذا إلّا وأسرف بعد ذلك في الاستماع. فما مضت إلا مدّة يسيرة حتى سخط المتوكّل على ابن الزيّات، وتولّى سليمان مناظرته. ووصّى سليمان ابنه وقال: يا بنيّ، إن [رفعك] الله ووضعه حتى يحتاج إليك، فأحسن إليه.
«٥٧١» - قال يحيى بن خاقان: كان المأمون ألزمني خمسة آلاف ألف درهم، فأعلمته أني لا أملك إلا سبعمائة ألف، وحلفت على ذلك أيمانا مغلّظة اجتهدت فيها، فلم يقبل منّي وحبسني عند أحمد بن هشام؛ وكان بيني وبينه شرّ، وكان يتقلّد الحرس. فقال لأحد الموكّلين بي: احفظوه، واحذروا أن يسمّ نفسه. ففطن المأمون لمراده فقال له: يا أحمد، لا يأكل يحيى بن خاقان إلا ما يؤتى به من منزله. قال: فأقمت على ذلك، فوجّه إليّ فرج الرخّجي بألف ألف درهم، ووجّه الحسن بن سهل بألف ألف درهم، فأضفت ذلك إلى ما كان عندي، واضطربت حتى جمعت خمسة آلاف ألف درهم. فلما اجتمعت كتبت إلى المأمون بحصول المال الذي ألزمنيه، فأمر بإحضاري فدخلت إليه وبين يديه أحمد بن أبي خالد، وعمرو بن مسعدة، وعليّ بن هشام، فلما رآني قال لي: أفلم تخبرني وتحلف لي أنّك لا تملك إلا سبعمائة ألف، فمن أين لك هذا المال؟ فصدقته عن الأمر وقصصت عليه القصّة، فأطرق طويلا ثم قال لي: قد
стр. 3746
وهبته لك، فقال له الحضور: أتهب خمسة آلاف ألف درهم وليس في بيت المال درهم واحد، وأنت محتاج إلى ما دون ذلك بكثير، فلو أخذته قرضا، فإذا جاءك مال رددته عليه؟ فقال لهم: أنا على المال أقدر من يحيى وقد وهبت له، فرددت إلى القوم ما كانوا حملوه إليّ، وتخلّصت.
«٥٧٢» - وذكر محمد بن عبدوس أنّ الفضل بن مروان حدّث قال: سعى محمد بن يزداد إلى المأمون بعمرو بن بهنوي، فقال له المأمون: يا فضل، خذ عمرا إليك فقيّده و؟؟ ضيّق عليه ليصدق عمّا صار إليه من مال الفيء، فإنّه قد احتاز منه مالا جليلا، وطالبه بذلك. فقلت: نعم، وأمرت بإحضار عمرو فأحضر، وأخليت له حجرة في داري، فأقمت له ما يصلح له، وتشاغلت عنه بأمور السلطان في يومي وغده؛ فلما كان اليوم الثالث أرسل إليّ عمرو يسألني الدخول إليه، فدخلت، فأخرج إليّ رقعة قد أثبت فيها كلّ ما يملكه من الدّور والعقار والأموال والفرش والكسوة والجوهر والكراع وما يحوز معه من الرقيق، فكان قيمة ذلك عشرين ألف ألف درهم، وسألني أن أوصل رقعته إلى المأمون وأعلمه أنّ عمرا قد جعله من جميع ذلك في حلّ وسعة. فقلت له: مهلا، فإنّ أمير المؤمنين أكبر قدرا [من] أن يسلبك نعمتك كلّها؛ فقال عمرو: إنّه كما وصفت في كرمه، ولكنّ الساعي لا ينام عنّي ولا عنك، وقد بلغني ما تقدّم به في شأني من الغلظة، وقد عاملتني بضدّ ذلك، وقد طبت نفسا بأن أشتري عذل أمير المؤمنين لك في أمري ورضاه عني بجميع مالي. فلم أزل أنزله حتى وافقته على عشرة آلاف ألف درهم وقلت له: هذا شطر مالك وهو صالح للفريقين، وأخذت خطّه بالتزام ذلك صلحا عن جميع ما جرى على يديه؛ وصرت إلى المأمون فوجدت محمد بن يزداد قد سبقني إليه، وإذا هو يكلّمه، فلما رآني قطع كلامه وخرج. فقال المأمون: يا فضل، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، أنا عبد
стр. 3747
طاعتك، وغرس أيّامك. فقال: أمرتك بالتضييق على النبطيّ عمرو بن بهنوي، فقابلت أمري بالضدّ، ووسّعت عليه، وأقمت له الأنزال! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ عمرا يطالب بأموال عظيمة، فلم آمن أن أجعل محبسه في بعض الدواوين، فيبذل مالا يرغب في مثله فيتخلّص، فجعلت محبسه في داري، وأشرفت على طعامه وشرابه لأحرس لك نفسه، فإنّ كثيرا من الناس اختانوا السلطان، وتمتّعوا بالأموال، ثم طولبوا بها، فاحتيل عليهم ليتلفوا ويفوز بالأموال غيرهم.
قال الفضل: وإنّما أردت بذلك تسكين غضب المأمون عليّ، ولم أعرض الرقعة عليه، ولا أعلمته ما جرى بيني وبين عمرو لأني لم آمن سورة غضبه في ذلك الوقت لاشتداده. فقال لي: سلّم عمرا إلى محمد بن يزداد، فتسلّمه ولم يزل يعذّبه بأنواع العذاب ليبذل له شيئا، فلما رأى أصحابه وعمّاله ذلك وما قد ناله جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف درهم، وسألهم عمرو أن يبذلوها لمحمد؛ وصار محمد إلى المأمون متبجّحا بها، فأوصل الخطّ بها إلى المأمون، وكنت واقفا، فقال المأمون: يا فضل، ألم نعلمك أنّ غيرك أقوم بأمورنا، وأطوع لما نأمر به؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أرجو أن أكون في حال استبطائك أبلغ في طاعتك من غيري؛ فقال المأمون: هذه رقعة عمرو بن بهنوي بثلاثة آلاف ألف درهم.
فقلت له- وما اجترأت عليه قطّ جرأتي في ذلك اليوم، فإني أخرجت عليه إضبارة كانت مع غلامي، فأخذت الرقعة منها مسرعا- وقلت: والله لأعلمنّ أمير المؤمنين أني مع رفقي أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته، وأريته رقعة عمرو التي كان كتبها لي وحدّثته حديثه عن آخره، فلما تبيّن الخطّين وعلم أنّهما جميعا خطّ عمرو قال: ما أدري أيّكما أعجب؟ أعمرو حين شكر برّك وطابت نفسه بالخروج عن ملكه بهذا السبب، أم أنت ومحافظتك على أهل النّعم وسترك عليه في ذلك الوقت، والله لا كنتما يا نبطيّان أكرم مني، ودفع إليّ الرقعة التي أخذها محمد بن يزداد من عمرو، وأمرني بتخريقها وبتخريق الأولى، وأنفذ
стр. 3748
من يتسلّم عمرا من محبسه، وأمره بتسليمه لي، وأمرني بإطلاقه، ففعلت ذلك.
«٥٧٣» - قيل: كانت محابس أحمد بن طولون مملوءة، وكان الوالي عليها موسى بن مفلح [١] ، فأمره أحمد بن طولون بتعرّف أخبار المحبوسين، قال موسى:
فرأيت رجلا منهم له هيئة وله في الحبس سنون، وعرفته بكثرة صلاته وصيامه، فعرضت عليه الشفاعة وكتب الرّقاع إلى من يرى، فكتب رقعة، ثم استأذنني في الذّهاب إلى منزله ليدّبر أمره ويعود، وواثقني بعهود وقال: ما أعرف أحدا غير أبي طالب فليح [٢] والد محمد بن فليح، ولو قدرت عليه لاستعنت به، وكان فليح والي شرطة أحمد بن طولون. قال موسى بن مفلح: فرحمته ورثيت له. وفكّرت في أحمد بن طولون وشدّة بأسه، وأني أخرج من محبسه رجلا بغير أمره ثم آثرت الله ورضاه وحمّلت نفسي خطّة عظيمة، فأذنت له في الذهاب إلى منزله، وأن يقيم ثلاثا يدبّر أمره ويحتال ثمّ يعود.
وأطلقته ليلة الجمعة لما شاهدت من حسن طريقته واجتهاده في العبادة، فعاد إليّ غداة يوم السبت فسألته عن خبره، فقال: سألت فليحا وسألته فوعدني ومضى في حاجتي، وعاد إليّ قرب العتمة مغموما وقال لي: كلّمت فيك الأمير فقال: أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة، ثم تقدّم إلى بعض أسبابه أن يعرضك يوم السبت، ثم قال لي فليح: وددت أني ما تكلّمت في أمرك؛ فلما سمعت هذا من أمري جئت إليك خوفا عليك أن يأتيك الرسول فيطلبني فلا أكون في الحبس، فبادرت لئلا تلقى مكروها.
قال موسى بن مفلح: فلما أضحى النهار وافى رسول أحمد بن طولون في
стр. 3749
طلب الرجل، فركبت وسرت إليه، فحدّثته بالحديث ووصفت له اجتهاد الرجل، وأنّي أطلقته بغير أمره، وأنّه عاد إليّ خوفا عليّ، فاستحسن أحمد بن طولون ذلك، وزال غضبه عليه، وكان السبب في العفو عنه والإحسان إليه.
«٥٧٤» - سعى ولد لسليمان بن ثابت بأبيه إلى أحمد بن طولون، وكان سليمان يكتب لشقير الخادم غلام الخليفة وخليفته على الطراز. وكان ولد سليمان بن ثابت يقول لأحمد بن طولون: إنّ شقيرا أودع أبي أربعمائة ألف دينار. فأحضر أحمد بن طولون سليمان بن ثابت وقال: اصدقني عن هذا المال، فحلف له سليمان أنّ شقيرا ما أودعني شيئا من هذا؛ فقال أحمد بن طولون: ابنك عرّفني هذا، فأمسك عنه ولا تجبه، واطوه عن ابنك. ثم أمسك أحمد بن طولون عن ابنه ومقته. فلم يمض حول حتى توفي سليمان بن ثابت، فأظهر ابن طولون غمّا، وولّى ابنه الساعي به عملا، وضمّ إليه رجالا. فأقام شهورا ثم دعا به، فقال: قد أحسنت إليك، فاحمل إليّ الأربعمائة الألف الدينار التي أودعها شقير لأبيك. فلجلج واضطرب وهلع، فسلّمه أحمد بن طولون إلى إسماعيل بن عمّار فضربه خمسين سوطا، واصطفى أمواله، ثم عاوده الضّرب حتى مات.
٥٧٥- وروي أن أحمد بن طولون في أول أمره رأى في منامه أنّه أنزل رجليه في بئر مملؤة دما، وأنّ السماء تمطر على رأسه، فنظر فإذا هي عذرة.
فهالته الرؤيا ودعا بمعبّر فذكرها له، فقال له: تحصل في بلد بعيد من السلطان بمنزلة البئر، وتتناول من الدماء ما يعظم أمره، وتقبل عليك الدنيا لأنّها مذمومة مرذولة وهو تعبير ما سقط على رأسك، فكانت البئر مصر، وكانت الدماء ما عمل، وكانت العذرة الأموال التي أقبلت عليه.
«٥٧٦» - ورأى أحمد بن طولون، وهو والي مصر، في منامه محمد بن
стр. 3750
سليمان الكاتب- وهو يومئذ يكتب لغلامه لؤلؤ- كأنه يهدم ميدانه وقصره.
فلما أصبح قال للؤلؤ: ما فعل كاتبك محمد بن سليمان؟ فقال خيرا، فقال:
جئني به، فإني رأيت البارحة وهو يهدم قصري وميداني. فقال: هو بالريف، فقال: اكتب إليه ليجيء. فلما انصرف لؤلؤ أحضر كاتبه وقال له: طر في الدنيا، فمن خبرك كذا وكذا، وقد طلبك الأمير وهو والله قاتلك. فهرب محمد بن سليمان إلى العراق، وقضي إلى أن خرج في أيام المكتفي إلى مصر، وقلع آل طولون، وهدم الميدان. وقد قيل إنّه كان وقع في يد محمد بن سليمان وضربه بالسوط وأفلت من يده.
«٥٧٧» - وجاءه ابن دشومة فقال له: أيّها الأمير، فعلك فعل الجبّارين، ونفسك نفس الزّهاد. فقال له أحمد بن طولون: وما الخبر؟ فقال له ابن دشومة: في البلد أموال تالفة مبلغها كذا وكذا؛ فقال له: تجيئني في غد. فغدا عليه فقال له: ويحك، إني رأيت البارحة في منامي فلانا- شيخا له من أهل طرسوس- وهو يقول لي: لا تقبل من ابن دشومة ما قال لك، فهو غاشّ لك، والله يعوّضك، فاتركه لله. فقال له ابن دشومة: قول ذلك منام، وقولي يقظة.
فلما كان بعد أيام وجد أحمد بن طولون كنزا مبلغه ألف ألف دينار سوى الجوهر، فأحضر ابن دشومة فقال: أنت غاشّ لي، وسخط عليه.
«٥٧٨» - حدّث محرز بن القاسم وكان هو وآخر من الخراسانية [من رجال عبد الله بن علي قال: كانت عبدة] بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام بن عبد الملك، وكان هشام وهب لها بدنة [١] من جوهر. فأخذها عبد الله بن علي-