وهبته لك، فقال له الحضور: أتهب خمسة آلاف ألف درهم وليس في بيت المال درهم واحد، وأنت محتاج إلى ما دون ذلك بكثير، فلو أخذته قرضا، فإذا جاءك مال رددته عليه؟ فقال لهم: أنا على المال أقدر من يحيى وقد وهبت له، فرددت إلى القوم ما كانوا حملوه إليّ، وتخلّصت.
«٥٧٢» - وذكر محمد بن عبدوس أنّ الفضل بن مروان حدّث قال: سعى محمد بن يزداد إلى المأمون بعمرو بن بهنوي، فقال له المأمون: يا فضل، خذ عمرا إليك فقيّده و؟؟ ضيّق عليه ليصدق عمّا صار إليه من مال الفيء، فإنّه قد احتاز منه مالا جليلا، وطالبه بذلك. فقلت: نعم، وأمرت بإحضار عمرو فأحضر، وأخليت له حجرة في داري، فأقمت له ما يصلح له، وتشاغلت عنه بأمور السلطان في يومي وغده؛ فلما كان اليوم الثالث أرسل إليّ عمرو يسألني الدخول إليه، فدخلت، فأخرج إليّ رقعة قد أثبت فيها كلّ ما يملكه من الدّور والعقار والأموال والفرش والكسوة والجوهر والكراع وما يحوز معه من الرقيق، فكان قيمة ذلك عشرين ألف ألف درهم، وسألني أن أوصل رقعته إلى المأمون وأعلمه أنّ عمرا قد جعله من جميع ذلك في حلّ وسعة. فقلت له: مهلا، فإنّ أمير المؤمنين أكبر قدرا [من] أن يسلبك نعمتك كلّها؛ فقال عمرو: إنّه كما وصفت في كرمه، ولكنّ الساعي لا ينام عنّي ولا عنك، وقد بلغني ما تقدّم به في شأني من الغلظة، وقد عاملتني بضدّ ذلك، وقد طبت نفسا بأن أشتري عذل أمير المؤمنين لك في أمري ورضاه عني بجميع مالي. فلم أزل أنزله حتى وافقته على عشرة آلاف ألف درهم وقلت له: هذا شطر مالك وهو صالح للفريقين، وأخذت خطّه بالتزام ذلك صلحا عن جميع ما جرى على يديه؛ وصرت إلى المأمون فوجدت محمد بن يزداد قد سبقني إليه، وإذا هو يكلّمه، فلما رآني قطع كلامه وخرج. فقال المأمون: يا فضل، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، أنا عبد
стр. 3747
طاعتك، وغرس أيّامك. فقال: أمرتك بالتضييق على النبطيّ عمرو بن بهنوي، فقابلت أمري بالضدّ، ووسّعت عليه، وأقمت له الأنزال! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ عمرا يطالب بأموال عظيمة، فلم آمن أن أجعل محبسه في بعض الدواوين، فيبذل مالا يرغب في مثله فيتخلّص، فجعلت محبسه في داري، وأشرفت على طعامه وشرابه لأحرس لك نفسه، فإنّ كثيرا من الناس اختانوا السلطان، وتمتّعوا بالأموال، ثم طولبوا بها، فاحتيل عليهم ليتلفوا ويفوز بالأموال غيرهم.
قال الفضل: وإنّما أردت بذلك تسكين غضب المأمون عليّ، ولم أعرض الرقعة عليه، ولا أعلمته ما جرى بيني وبين عمرو لأني لم آمن سورة غضبه في ذلك الوقت لاشتداده. فقال لي: سلّم عمرا إلى محمد بن يزداد، فتسلّمه ولم يزل يعذّبه بأنواع العذاب ليبذل له شيئا، فلما رأى أصحابه وعمّاله ذلك وما قد ناله جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف درهم، وسألهم عمرو أن يبذلوها لمحمد؛ وصار محمد إلى المأمون متبجّحا بها، فأوصل الخطّ بها إلى المأمون، وكنت واقفا، فقال المأمون: يا فضل، ألم نعلمك أنّ غيرك أقوم بأمورنا، وأطوع لما نأمر به؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أرجو أن أكون في حال استبطائك أبلغ في طاعتك من غيري؛ فقال المأمون: هذه رقعة عمرو بن بهنوي بثلاثة آلاف ألف درهم.
فقلت له- وما اجترأت عليه قطّ جرأتي في ذلك اليوم، فإني أخرجت عليه إضبارة كانت مع غلامي، فأخذت الرقعة منها مسرعا- وقلت: والله لأعلمنّ أمير المؤمنين أني مع رفقي أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته، وأريته رقعة عمرو التي كان كتبها لي وحدّثته حديثه عن آخره، فلما تبيّن الخطّين وعلم أنّهما جميعا خطّ عمرو قال: ما أدري أيّكما أعجب؟ أعمرو حين شكر برّك وطابت نفسه بالخروج عن ملكه بهذا السبب، أم أنت ومحافظتك على أهل النّعم وسترك عليه في ذلك الوقت، والله لا كنتما يا نبطيّان أكرم مني، ودفع إليّ الرقعة التي أخذها محمد بن يزداد من عمرو، وأمرني بتخريقها وبتخريق الأولى، وأنفذ
стр. 3748
من يتسلّم عمرا من محبسه، وأمره بتسليمه لي، وأمرني بإطلاقه، ففعلت ذلك.
«٥٧٣» - قيل: كانت محابس أحمد بن طولون مملوءة، وكان الوالي عليها موسى بن مفلح [١] ، فأمره أحمد بن طولون بتعرّف أخبار المحبوسين، قال موسى:
فرأيت رجلا منهم له هيئة وله في الحبس سنون، وعرفته بكثرة صلاته وصيامه، فعرضت عليه الشفاعة وكتب الرّقاع إلى من يرى، فكتب رقعة، ثم استأذنني في الذّهاب إلى منزله ليدّبر أمره ويعود، وواثقني بعهود وقال: ما أعرف أحدا غير أبي طالب فليح [٢] والد محمد بن فليح، ولو قدرت عليه لاستعنت به، وكان فليح والي شرطة أحمد بن طولون. قال موسى بن مفلح: فرحمته ورثيت له. وفكّرت في أحمد بن طولون وشدّة بأسه، وأني أخرج من محبسه رجلا بغير أمره ثم آثرت الله ورضاه وحمّلت نفسي خطّة عظيمة، فأذنت له في الذهاب إلى منزله، وأن يقيم ثلاثا يدبّر أمره ويحتال ثمّ يعود.
وأطلقته ليلة الجمعة لما شاهدت من حسن طريقته واجتهاده في العبادة، فعاد إليّ غداة يوم السبت فسألته عن خبره، فقال: سألت فليحا وسألته فوعدني ومضى في حاجتي، وعاد إليّ قرب العتمة مغموما وقال لي: كلّمت فيك الأمير فقال: أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة، ثم تقدّم إلى بعض أسبابه أن يعرضك يوم السبت، ثم قال لي فليح: وددت أني ما تكلّمت في أمرك؛ فلما سمعت هذا من أمري جئت إليك خوفا عليك أن يأتيك الرسول فيطلبني فلا أكون في الحبس، فبادرت لئلا تلقى مكروها.
قال موسى بن مفلح: فلما أضحى النهار وافى رسول أحمد بن طولون في
стр. 3749
طلب الرجل، فركبت وسرت إليه، فحدّثته بالحديث ووصفت له اجتهاد الرجل، وأنّي أطلقته بغير أمره، وأنّه عاد إليّ خوفا عليّ، فاستحسن أحمد بن طولون ذلك، وزال غضبه عليه، وكان السبب في العفو عنه والإحسان إليه.
«٥٧٤» - سعى ولد لسليمان بن ثابت بأبيه إلى أحمد بن طولون، وكان سليمان يكتب لشقير الخادم غلام الخليفة وخليفته على الطراز. وكان ولد سليمان بن ثابت يقول لأحمد بن طولون: إنّ شقيرا أودع أبي أربعمائة ألف دينار. فأحضر أحمد بن طولون سليمان بن ثابت وقال: اصدقني عن هذا المال، فحلف له سليمان أنّ شقيرا ما أودعني شيئا من هذا؛ فقال أحمد بن طولون: ابنك عرّفني هذا، فأمسك عنه ولا تجبه، واطوه عن ابنك. ثم أمسك أحمد بن طولون عن ابنه ومقته. فلم يمض حول حتى توفي سليمان بن ثابت، فأظهر ابن طولون غمّا، وولّى ابنه الساعي به عملا، وضمّ إليه رجالا. فأقام شهورا ثم دعا به، فقال: قد أحسنت إليك، فاحمل إليّ الأربعمائة الألف الدينار التي أودعها شقير لأبيك. فلجلج واضطرب وهلع، فسلّمه أحمد بن طولون إلى إسماعيل بن عمّار فضربه خمسين سوطا، واصطفى أمواله، ثم عاوده الضّرب حتى مات.
٥٧٥- وروي أن أحمد بن طولون في أول أمره رأى في منامه أنّه أنزل رجليه في بئر مملؤة دما، وأنّ السماء تمطر على رأسه، فنظر فإذا هي عذرة.
فهالته الرؤيا ودعا بمعبّر فذكرها له، فقال له: تحصل في بلد بعيد من السلطان بمنزلة البئر، وتتناول من الدماء ما يعظم أمره، وتقبل عليك الدنيا لأنّها مذمومة مرذولة وهو تعبير ما سقط على رأسك، فكانت البئر مصر، وكانت الدماء ما عمل، وكانت العذرة الأموال التي أقبلت عليه.
«٥٧٦» - ورأى أحمد بن طولون، وهو والي مصر، في منامه محمد بن
стр. 3750
سليمان الكاتب- وهو يومئذ يكتب لغلامه لؤلؤ- كأنه يهدم ميدانه وقصره.
فلما أصبح قال للؤلؤ: ما فعل كاتبك محمد بن سليمان؟ فقال خيرا، فقال:
جئني به، فإني رأيت البارحة وهو يهدم قصري وميداني. فقال: هو بالريف، فقال: اكتب إليه ليجيء. فلما انصرف لؤلؤ أحضر كاتبه وقال له: طر في الدنيا، فمن خبرك كذا وكذا، وقد طلبك الأمير وهو والله قاتلك. فهرب محمد بن سليمان إلى العراق، وقضي إلى أن خرج في أيام المكتفي إلى مصر، وقلع آل طولون، وهدم الميدان. وقد قيل إنّه كان وقع في يد محمد بن سليمان وضربه بالسوط وأفلت من يده.
«٥٧٧» - وجاءه ابن دشومة فقال له: أيّها الأمير، فعلك فعل الجبّارين، ونفسك نفس الزّهاد. فقال له أحمد بن طولون: وما الخبر؟ فقال له ابن دشومة: في البلد أموال تالفة مبلغها كذا وكذا؛ فقال له: تجيئني في غد. فغدا عليه فقال له: ويحك، إني رأيت البارحة في منامي فلانا- شيخا له من أهل طرسوس- وهو يقول لي: لا تقبل من ابن دشومة ما قال لك، فهو غاشّ لك، والله يعوّضك، فاتركه لله. فقال له ابن دشومة: قول ذلك منام، وقولي يقظة.
فلما كان بعد أيام وجد أحمد بن طولون كنزا مبلغه ألف ألف دينار سوى الجوهر، فأحضر ابن دشومة فقال: أنت غاشّ لي، وسخط عليه.
«٥٧٨» - حدّث محرز بن القاسم وكان هو وآخر من الخراسانية [من رجال عبد الله بن علي قال: كانت عبدة] بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام بن عبد الملك، وكان هشام وهب لها بدنة [١] من جوهر. فأخذها عبد الله بن علي-
стр. 3751
وكانت من أجمل النساء- فوضع الوهق [١] على رجليها، وكانت تقول: إنّا لله! عروس بالليل ومعذّبة بالنهار! فبلغ ذلك أبا العباس، وكان عبد الله قد استخرج منها البدنة. قال: فبعثني وبعث معي رجلا وأمرنا أن نحملها من دمشق ونحمل معها البدنة، وأوصانا بقتلها في الطريق لئلا ترد على أبي العباس فتخبره بما كان منه إليها. فسرنا بها مراحل، فبينا نحن في ليلة ظلماء إذ عدلنا بها عن الطريق، ثم استنزلناها فظنّت أنّا نريدها لفاحشة، فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! اتقيا الله ولا تفضحاني. فقلنا لها: ما يراد بك أعظم من ذلك. فقالت: القتل؟
فقلنا: نعم. قالت: الحمد لله ربّ العالمين! دعاني أصلح من شأني؛ فعقدت كمّيها ولفّت رأسها في مقنعتها، وجثت على ركبتيها، فقتلناها ثم حفرنا لها حفيرة وواريناها فيها، ثم قدمنا على أبي العباس فدفعنا إليه البدنة وقلنا له: ماتت في الطريق، فلم يسألنا عن غير ذلك.
٥٧٩- قال أبو الطفيل: ولد لرجل غلام على عهد رسول الله ﷺ فأتي به فدعا له وأخذ ببشرة جبهته فقال بها هكذا، غمر جبهته ودعا له بالبركة فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس. فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أحبّهم فسقطت الشعرة عن جبهته. فأخذه أبوه فقيّده، ودخلنا عليه فوعظناه؛ وقلنا له: ألم تر أنّ بركة دعوة رسول الله ﷺ قد وقعت من جبهتك؟ فما زلنا به حتى رجع وتاب فردّ الله الشعرة في جبهته.
«٥٨٠» - قيل للاسكندر: لو استكثرت من النّساء ليكثر ولدك ويدوم بهم ذكرك. فقال: دوام الذّكر بتحسين السّير والسّنن، ولا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النّساء.
стр. 3752
«٥٨١» - خطب عمر ﵁ أمّ كلثوم بنت عليّ من فاطمة [١] ﵉، وقال: زوّجنيها فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد. فقال:
هي صغيرة وأنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوّجتكها. فبعثها إليه ببرد وقال لها: قولي له هذا البرد الذي قلت لك. فقال: قولي له قد رصدت رضي الله عنك. فتناول قناعها، فقالت: لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك.
وقالت لأبيها: بعثتني إلى شيخ سوء فقال: مهلا يا بنيّة، فإنه زوجك. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين الأوّلين في الروضة وقال: رفّئوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كلّ سبب ونسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري، فصار لي به السبب والنسب، فأردت أن أجمع إليه الصهر. وولد منها لعمر زيد ورقية. وأما زيد الأصغر وعبد الله بن عمر فقد ولدا من أمّ كلثوم بنت جرول من قضاعة.
«٥٨٢» - وخرج زيد من عند معاوية فأبصر بسر بن أرطأة على دكّان ينال من عليّ، فصعد الدكان فاحتمله وضرب به الأرض وصفر عليه فدق ضلعين من أضلاعه، فقال معاوية: أبعد الله بسرا يشتم جد الرجل وهو يسمع! أما علم أنّ زيدا ابن عليّ وعمر.
وماتت أمّ كلثوم وزيد في وقت واحد وصلّى على جنازتيهما سعيد بن العاص، وكان والي المدينة. وقال له الحسين بن علي ﵉: تقدّم، ولولا أنّك أمير ما قدّمتك.
«٥٨٣» - قال إسحاق بن اليمان: رأيت رجلا نام وهو أسود الرأس واللحية
стр. 3753
شابّ يملأ العين، فرأى في منامه كأنّ الناس قد حشروا، وإذا بنهر من نار وجسر يمرّ عليه الناس. فدعي فدخل الجسر، فإذا هو كحدّ السيف يمور به يمينا وشمالا، فأصبح أبيض الرأس واللحية.
«٥٨٤» - رأى رجل في منامه كأنه يصب الزيت في الزيتون، فقال له ابن سيرين: إن صدقت رؤياك فأنت تفعل بأمّك، وكان كما قال.
«٥٨٥» - أتى دومة بنت مغيث آت في المنام فقال لها [من الرجز] :
ألا ابشرن بولد ... أشبه شيء بالأسد
إذا الرجال في كبد ... تغالبوا على [بلد]
كان له حظّ الأسد
فولدت المختار بن أبي عبيد، وذلك في سنة الهجرة.
«٥٨٦» - رأى عليّ بن الحسين مكتوبا على صدره «قل هو الله أحد» ، فاستعبر سعيد بن المسيّب، فقال: بضعة من رسول الله ﷺ نعيت إليه نفسه.
«٥٨٧» - وقال رجل لسعيد بن المسيّب: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرات. قال: كذبت لست صاحبها، قال: فهو عبد الملك؛ قال: يلي أربعة من صلبه الخلافة.
«٥٨٨» - وقال الشافعي: رأيت عليّا ﵇ في المنام فقال لي: ناولني كتبك، فناولته فأخذها فبدّدها؛ فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك.
стр. 3754
«٥٨٩» - وقال أبو حنيفة: رأيت كأنّي نبشت قبر رسول الله ﷺ فضممت عظامه إلى صدري، فهالني، فسألت ابن سيرين فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا. قلت أنا رأيتها؛ قال: لئن صدقت رؤياك لتحيينّ سنّة نبيّك.
«٥٩٠» - قال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي، فقال:
تحتك محرم. فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاع.
«٥٩١» - كان مع صلة بن الأشيم أعرابيّ فقال: يا أبا الصهباء، رأيت كأنّك أتيت بثلاث شهادات فأخذت اثنتين وأعطيتني واحدة؛ فقال: الشهادة إن شاء الله. فغزوا فاستشهد هو وابنه والأعرابي.
«٥٩٢» - ورأى نوف البكاليّ صاحب عليّ ﵇ كأنّه يسوق جيشا ومعه رمح طويل في رأسه شمعة تضيء للناس فتأوّلها بالشهادة. فخرج إلى الغزو، فلما وضع رجله في الرّكاب قال: اللهمّ أرمل المرأة وأيتم الولد وأكرم نوفا بالشهادة. فوجدوه وفرسه مقتولين، مختلطا دمه بدم الفرس وقد قتل رجلين.
«٥٩٣» - رأى عبد الملك في منامه أنّ أمّ هشام شقّت رأسه فطلعت من دماغه عشرون قطعة، فطلّقها. ثم بعث إلى سعيد بن المسيب فسأله، فقال: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فندم.
«٥٩٤» - قدم عليّ بن عيسى بن ماهان على الرشيد من خراسان فسأله أن يركب مع خواصّه إلى الميدان لينظر إلى هداياه، وقد أمر عليّ بكنس الميدان وفرشه
стр. 3755
بالرياحين والآس، وأقام في أحد جانبيه أربعة آلاف غلام تركيّ عليهم اللّباس المرتفع والمناطق المعرّقة بالفضة، وبيد كل واحد شهريّ من أفره الدّوابّ، كلّها مجلّلة مبرقعة بالديباج، وعلى رأس كلّ غلام عمامة من جنس لباسه، وفي الجانب الآخر أربعة آلاف وصيفة تركيّة عليهن ثياب من الملحم الفاخر وغيره، وقد بسط في صدر الميدان بسط عليها الأنطاع صبّت عليها الأموال حتى صارت جبلا عظيما، وبحذائها نوافج المسك مثلها.
فلما رجع ونزل بهم قال: يا أبا جعفر أين كنّا عن هذه الاموال؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسرّك أن أخذ عليّ بن عيسى أموال الفقراء والأرامل وجاءك بها نارا يتقرب بها إليك؟ والله لتعلم إذا وضحت لك عواقب الأمور أنّك تستوخم فائدتها، ولتفقنّ بدل كلّ درهم دينارا ثم لا تنجو. فقال: عادلت الرشيد حين خرج إلى خراسان فتنفّس تنفّسة كادت نفسه تخرج، ثم قال: لله جعفر بن يحيى، وذكر كلمته، وقال: كانت أقوى الأسباب في تغيّري للبرامكة، وقد والله أنفقت بدل كلّ درهم دينارا وأراني لا أنجو.
«٥٩٥» - لما أصاب زيادا الطاعون في يده أحضر له الأطباء، فدعا شريحا فقال له: لا صبر لي من شدّته فلقد رأيت أن أقطعها، فقال شريح: أتستشيرني في ذلك؟
فقال: نعم؛ قال: لا تقطعها، فالرزق مقسوم والأجل معلوم، وأنا أكره أن تقدم على ربّك مقطوع اليد، فإذا قال: لم قطعتها قلت: بغضا للقائك وفرارا من قضائك. فمات زياد من يومه، فقال الناس لشريح: لم نهيته عن قطعها؟ فقال:
استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوما ورجله يوما.
«٥٩٦» - لما نزل قوله تعالى وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
(الحاقّة: ١٢) قال النبيّ ﷺ لعليّ: سألت الله أن يجعلها أذنك، فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه.
стр. 3756
وأنشده عمر بن أبي ربيعة قصيدته التي أولها: [من الطويل]
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
وهي ثمانون بيتا فحفظها وسئل عنها فأعادها؛ وقال له رجل: ما رأيت أروى منك، فقال: ما رأيت أروى من عمر.
«٥٩٧» - وقيل: كان عمر بن هبيرة يضبط حساب العراق وهو أمّيّ.
«٥٩٨» - قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء إلا حفظته. وقال: أحفظ كلّ حديث سمعته وموضعه الذي سمعته فيه.
وقال الأصمعي: أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، فقال رجل: منها البيت والبيتان، فقال: ومنها المائة والمائتان.
«٥٩٩» - ورد أبو مسعود الرازي أصفهان، ويقال إنّه أملى عن ظهر قلبه مائة ألف حديث. فلما وصلت كتبه قوبلت بها، فلم يعثر منها على سقطة إلا في متن حديثين.
«٦٠٠» - وادّعى الخوارزميّ أنه يحفظ كتاب الأمثال لأبي عبيد في ليلة.
وقد ذكر في موضع آخر من هذا الباب حفظ المتنبّي لكتاب خلق الانسان في اطّلاعة واحدة.
«٦٠١» - وقيل: جرى ذكر الحفظ لما كان أبو مسعود بأصفهان، فقرىء عليه أوراق من حساب البقالين وأعادها على الترتيب.
стр. 3757
«٦٠٢» - وقد حكي مثل ذلك عن أبي العلاء المعرّي.
«٦٠٣» - بدر من أبي عمر الصبّاغ إلى الصاحب جفاء، وكان مؤدّبه، فقام من عنده وكتب إليه: [من السريع]
أودعتني العلم فلا تجهل ... كم مقول يجني على مقتل
أنت وإن علّمتني سوقة ... والسيف لا يبقى على الصّيقل
فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد فتعجّب منه وكتبه، وقال: ابن ثمانين يكتب شعر ابن عشرين، ثم تلا وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
(مريم: ١٢) .
«٦٠٤» - قال محمّد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. وكان يقال:
حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين ووضعت تراجمه بين قبر رسول الله ﷺ ومنبره. وكان يصليّ لكلّ ترجمة ركعتين.
وقال: أخرجته من ستمائة ألف حديث، وصنّفته في ست عشرة حجّة وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله.
«٦٠٥» - معن بن أوس المزني: [من الطويل]
رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهنّ- لا يكذب- نساء صوالح
وفيهن- الأيام تعثر بالفتى- ... نوادب لا يمللنه ونوائح
стр. 3758
«٦٠٦» - دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب، قال: انبذها عنك، فإنهنّ يلدن الاعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل يا عمرو، فو الله ما مرّض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان إلا هن، وإنّك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته. فقال عمرو: ما أراك يا أمير المؤمنين إلا وقد حبّبتهنّ إليّ.
«٦٠٧» - قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما بقي من لذّتك؟ قال: عين خرّارة في أرض حرّارة، وعين ساهرة لعين نائمة.
وقال عمرو: أن أبيت معرّسا بعقيلة من عقائل العرب.
وقال وردان: الإفضال على الإخوان.
«٦٠٨» - وقال عبد الملك: محادثة الإخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر.
«٦٠٩» - وقال سليمان ابنه: صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
٦١٠- وقيل لأعرابي: فيم اللّذة؟ قال: في قبلة على غفلة.
٦١١- وقال آخر: سيف كبرق ثاقب، ولسان كمخراق لاعب.
٦١٢- وقال طفيلي: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع ولا يحبس نفسه من الجزع.
٦١٣- وقال آخر: في ندامى تغلق دورهم وتغلي قدورهم.
٦١٤- وقال عالم: في حجّة تتبختر إيضاحا وحجة (شبهة) تتضاءل افتضاحا.
٦١٥- وقال الراعي: في واد عشيب ولبن حليب.
стр. 3759
٦١٦- وقال عابد: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمّة إلى الله تعلو.
٦١٧- وقال أعرابي: أشتهي محضا رويّا، وضبّا مشويّا.
٦١٨- وقال مضياف: في كوم تنحر، ونار تسعر، وضيف ينزل، وآخر يرحل.
٦١٩- وقال معن: في مجلس يقل هذره، وعود ينطق وتره، ورجل عقول يفهم ما أقول.
٦٢٠- وقال شجاع: طرف سريع وقرن صريع.
٦٢١- وقال بحّار: شربة من ماء الفنطاس بقشر النّارجيل، ونومة في ظلّ الشراع.
«٦٢٢» - لم يكن في العجم أرمى من بهرام جور الملك. فتصيّد وهو مردف حظيّة له يتعشّقها، فعرضت له ظباء، فقال: في أيّ موضع تريدين أن أضع السهم؟ فقالت: أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذّكران. فرمى ذكرا بنشّابة ذات شعبتين، فاقتلع قرنيه، ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع بين ظلف الظبي وأذنه بنشابة، فوصل أذنه بظلفه.
ثم رمى بالجارية إلى الأرض ووطئها، وقال: شدّ ما اشتططت وأردت إظهار عجزي.
«٦٢٣» - روي عن ابن عباس ﵁ قال: كنّا عند أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ فمرّت به امرأة تحمل شيخا على عنقها. فقال لها: من الشيخ منك؟ فقالت: أبي. قال: كم يعدّ؟ قالت: سمعته قبل أن يكون على هذه
стр. 3760
الحال وقد سئل عن سنّه، فقال: نيف وثلاثون ومائة سنة؛ فقيل له: من أدركت؟ قال: أدركت أحسن الناس وجها، وأسخاهم كفّا، وأتّمهم طولا، وأكرمهم كرما، وأشرفهم شرفا، أبا نضلة هاشم بن عبد مناف. فقال لها عمر:
لو رعيته في منزلك كان أودع له. فقالت: يا أمير المؤمنين، إنه قد حدث به حدث من خلق الصّبيان، إذا جاع بكى؛ وقد أدرّ الله له ثديي فأنا أرضعه.
فقال لأصحابه: أجازته؟ قالوا: نعم، فقالت: لا والله ما جازيته يا أمير المؤمنين. فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنّي قد كنت في مثل حاله يتمنّى بقائي، وأنا اليوم أتمنّى موته. قال: فبكى عمر وبكينا معه، وأمر فزاد في عطائها وعطائه. ثم قال لأصحابه: أيّما أبرّ: الوالد بالمولود أم المولود بالوالد؟ فقالوا:
إن البرّ يزيد وينقص. قال: فإذا استويا في البرّ؟ قالوا: الوالد أبرّ. فقال: بل الولد أبرّ لأنّ برّ الوالد طبيعة لا يملك غيرها، وبرّ الولد تكلّف.
وهذا معلوم محقّق. وممّا يقارب معناه قول الشاعر: [من الطويل]
يقرّ بعيني- وهو ينقص مدّتي- ... مرور الليالي كي يشبّ حكيم
مخافة أن يغتالني الموت قبله ... فينشو مع الصبيان وهو يتيم
«٦٢٤» - وكتب إبراهيم بن داحة إلى أبيه: جعلني الله فداك. فكتب إليه: لا تكتب مثل هذا، فأنت على يومي أصبر مني على يومك.
«٦٢٥» - ضرب رجل وطولب بمال فلم يسمح به، فأخذ ابنه وضرب. فجزع، فقيل له في ذلك، فقال: ضرب جلدي فصبرت وضرب كبدي فلم أصبر.
«٦٢٦» - كان يزيد بن [أبي] مسلم- واسم أبي مسلم دينار- من موالي
стр. 3761
ثقيف، ويقال ليس مولى عتاقة، وكنيته أبو العلاء، وكان أخا الحجاج، يجري له في كل شهر ثلاثمائة درهم: يعطي امرأته خمسين درهما وينفق في ثمن اللّحم خمسة وأربعين درهما، وينفق باقيها في ثمن الدقيق وباقي نفقاته، فإن فضل شيء ابتاع به شيئا وسقاه المساكين، وربما ابتاع به وطفا فرّقها فيهم، وهو مع ذلك يقتل الخلق للحجاج.
وكان مستوليا على أمره وهو الذي قال لسليمان بن عبد الملك، وقد حمله موثقا بعد موت الحجاج، فقال له سليمان: لعن الله امرءا أجرّك رسنه! أترى الحجاج استقرّ في جهنم. فقال: لا تقل هذا، فإنه يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك فضعه حيث شئت.
وحكي أنّ الحجاج عاده من علّة اعتلّها، فوجد بين يديه كانونا من طين ومصباحا من خشب، فقال: يا أبا العلاء، ما أرى أرزاقك تكفيك. قال: إن كانت ثلاثمائة لا تكفيني فثلاثون ألفا لا تكفيني.
ويزيد هذا أنذر الحسن البصريّ ونبّهه حتى استتر من الحجاج. وذاك أنّه لقيه خارجا من عنده فقال له: توار يا أبا سعيد، فإني لست آمنه عليك أن تتبعك نفسه. فتوارى عنه تسع سنين.
٦٢٧- كان عراك بن عياض يكتب لهشام على ديوان الجند بخراسان، فلما تحرّكت الدعاة بخراسان واتّصل الخبر بهشام دعا بعراك وقال: إني مفش إليك سرّا فهل أنت كاتمه ومعين عليه؟ قال عراك: يا أمير المؤمنين! قال: قد دخلت بلاد خراسان وضربت قطريها، ورأيت كبراءها، فسمّ لي الأشراف من غير أهل الديوان. فسمّيت له ما عرفت ممّن دون النهر ووراءه عربا ودهاقين وولاة. قال: ويحك أتعرف بها زريقا أمّ بني أسعد؟ فقلت: ما أعرف هؤلاء، ولا كلّ أهل خراسان أعرف. قال: فإن عرفتهم أو جهلتهم فإنّ لهم شأنا وسيكون لهم شأن، وقد أظل أوان ذلك، وسيزول أمرنا هذا على أيديهم. فقلت: وكيف قلت هذا، أصلحك الله يا أمير المؤمنين؟ فقال:
стр. 3762
أنشدني أخي مسلمة أبيات شعر سمعها من أمير المؤمنين عبد الملك، وذكر عنه أنّه وجدها في كتب الملاحم: [من الطويل]
إذا ما بغت شرق البلاد على الغرب ... نظرت إلى الأطواد تسحل كالربّ
وكان الأقاصي والأداني كلاهما ... على دول للشرق جاءت من الغرب
يدير رحاها من خراسان عصبة ... وآل زريق في رحى القوم كالقطب
بني أسعد قد هبّت الريح بالتي ... تريدونها ممّا يسطّر في الكتب
ومضى الدهر وظهر أمر ولد العباس، فحدّث الحارث بن عبدان البصري في أيام المنصور بهذا الحديث، فقال: لقد سمعت أبا مسلم يحكي هذا الخبر، وزادني في الشعر بيتين وهما:
على ولد العبّاس بعد أميّة ... فصونوا جمالا لا تزحزح بالجذب
إلى أن ينادي صارخ الله فيهم ... بعيسى إماما فالقيامة بالقرب
قال الحارث: فقلت له: من آل زريق؟ فقال: مصعب بن زريق أحد السبعين، وقد روينا لهم دولة تكون بيننا وبينها ستون سنة.
٦٢٨- طلب أبو جعفر الربيع يوما فلم يجده، فلما دخل عليه سأله عن خبره فقال: كنت عند سليمان الكاتب- يعني أبا أيوب المورياني- فقال: من رأيت عنده؟ قال: عبد الملك بن مروان بن محمد، وقد كلّمه في حاجة فقضاها، فقام عبد الملك فقبّل رأس سليمان. وكان أبو جعفر متكئا فاستوى جالسا وقال:
يا ربيع قبّل عبد الملك رأس سليمان؟ فقال: نعم؛ فقال: الحمد لله، وخرّ ساجدا، فأطال ثم رفع رأسه، فقال لي: يا ربيع، أيّ نعمة جدّد الله عند أمير المؤمنين في هذا الوقت؟ قلت: لا أعلم، وأسأل الله أن يجدّد عنده النعم ويواليها ويزيد فيها. فكشف عن ساقيه فإذا فيهما أثر وحش. قال: إنّي لبدمشق في أيام مروان إذ رأيت للناس حركة فقلت: من هذا؟ فقيل: عبد الملك ابن أمير المؤمنين يركب، وما ركب قبل ذلك، فقد أمر الجند والخيول بالزينة. وانجفل الناس
стр. 3763
للنظر إليه. فخرجت في من خرج، فازدحم الناس على بعض الطريق زحمة شديدة، وكانت دابّتي صعبة، فسقطت عنها، وغشيني الناس، فمكثت دهرا عليلا، وها هو ذا اليوم يقبّل رأس كاتبي؛ فأحمد الله على نعمته وحسن إدالته.
٦٢»
- قيل: إن المنصور لما كان مستترا بالأهواز نزل على بعض الدهاقين فاستتر عنده، فأكرمه الدّهقان بجميع ما يقدر عليه حتى أخدمه ابنته، وكانت في غاية الجمال. فقال أبو جعفر: لست أستحلّ استخدامها والخلوة بها وهي جارية حرّة، فزوّجه إياها، فعلقت منه. وأراد أبو جعفر الخروج إلى البصرة فودّعهم، ودفع إلى الجارية قميصه وخاتمه، وقال: إن ولدت فاحتفظي بولدك، فمتى سمعت أنه قام في الناس رجل يقال له عبد الله بن محمد يكنى أبا جعفر فصيري إليه بولدك وبهذا الخاتم والقميص، فإنه يعرف حقّك ويحسن الصنيع إليك. وفارقهم فولدت ابنا ونشأ الغلام وترعرع، وكان يلعب مع أقرانه. وملك أبو جعفر، فعيّره أقرانه بأنّه لا يعرف له أب. فدخل إلى أمّه حزينا كئيبا، فسألته عن حاله، فذكر لها ما قال أقرانه، فقالت: بلى والله، إنّ لك أبا فوق الناس كلّهم؛ قال لها: ومن هو؟ قالت: القائم بالملك. قال: هذا أبي وأنا على هذه الحال؟ هل من شيء يعرفني به؟ فأخرجت القميص والخاتم.
وشخص الفتى فصار إلى الرّبيع فقال له: نصيحة! قال: هاتها! قال: لا أقولها إلا لأمير المؤمنين. فأعلم المنصور الخبر، فأدخله إليه، فقال: هات نصيحتك.
قال: أخلني، فنحّى من كان عنده وبقي الربيع. فقال: هات، قال: أويتنحّى، فنحّاه، وقال: هات. قال: أنا ابنك. قال: وما علامة ذلك؟ فأخرج القميص والخاتم، فعرفهما المنصور. قال: وما منعك أن تقول هذا ظاهرا؟ قال: خفت أن تجحد فيكون سبّة آخر الدهر. فضمّه إليه وقبّله، وقال: أنت الآن ابني حقا. ودعا المورياني فقال: يكون هذا عندك، [ما] تفعله بولد لو كان لي عندك
стр. 3764
فافعله به؛ وتقدّم إلى الربيع أن يسقط الإذن عنه، وأمر بالبّكور إليه في كل يوم والرواح إلى أن تظهر أمّه فإن له فيه تدبيرا. فضمّه إليه المورياني، وأخلى له منزلا وأوسعه من كلّ شيء، وكان يغدو ويروح إلى المنصور يخلو به، فيسأله المورياني عما يجري بينهما فلا يخبره، فيقول له: إن أمير المؤمنين لا يكتمني شيئا، فيقول: ما حاجتك إلى ما عندي إذن؟ فحسده المورياني واستوحش منه، وثقل عليه مكانه، وأطعمه شيئا فمات؛ وصار إلى المنصور فأعلمه أنه مات فجاءة ثم ولى. فقال المنصور: قتلته قتلني الله إن لم أقتلك به، فكان ذلك من أقوى أسباب سخط المنصور على أبي أيوب المورياني وقتله إياه.
«٦٣٠» - بنى جعفر بن يحيى قصرا وأعظم النفقة عليه وبالغ، ولما عزم على الانتقال إليه جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا من الليل. فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان ينزله إلى قصره والطرق خالية والناس هادون، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلا قائما وهو يقول: [من الوافر]
يدبّر بالنجوم وليس يدري ... وربّ النّجم يفعل ما يشاء
فاستوحش وتوقّف ودعا بالرجل فقال له: أعد عليّ ما قلت فأعاده، فقال: ما أردت بهذا؟ فقال: والله ما أردت به معنى من المعاني، ولكن شيء عرض لي وجاء على لساني في هذا الوقت. فأمر له بدنانير ومضى لوجهه وقد تنغّص عليه سروره.
«٦٣١» - وحكي أن السبب كان في بناء جعفر هذا القصر أن متظلّما من أهل أصفهان تظلّم إلى يحيى بن خالد من عامله بها وقال: إنه ظلمني وأساء معاملتي، وأخذ ما لا يجب له مني، وهدم شرفي، فقال يحيى: قد عرفت جميع ما تظلمت منه خلا قولك هدم شرفي، ففسّر لي ذلك. فقال له المتظلّم: أنا من بني
стр. 3765
رجل كان بنى القصر المهدوم، وكان ينسب إليه، وكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته وعلم أني من ولد الباني له عرف بذلك قديم نعمتي وجلالة أوّلي.
فاستحسن ذلك يحيى منه وقال للفضل وجعفر: لا شيء أبقى من البناء، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرا. فاتّخذ جعفر قصره، وكذلك الفضل. وأمر يحيى بإنفاذ كتاب مع المتظلّم يطالب العامل بإعادة قصره وإنصافه في ظلامته.
«٦٣٢» - وقيل: لما قارب جعفر بن يحيى الفراغ من بناء قصره هذا صار إليه ومعه أصحابه، وفيهم مويس بن عمران، وكان عاقلا كاملا، فطاف به واستحسنه، وقال فيه من حضره من أصحابه في ذلك وأكثر القول ومويس ساكت. فقال جعفر: ما لك لا تتكلم؟ قال له: في ما قال أصحابنا كفاية، وتكرار القول ممّا لا يحتاج إليه. وكان جعفر زكنا، فعلم أن تحت قوله شيئا. قال: وأنت فقل؛ فقال: هو ما قالوا. قال: أقسم لتقولن. قال: إن أبيت إلا أن أقول فتعتزل، ففعل. فقال: تصبر على الصدق؟ قال: نعم قال: فأطيل أم أختصر؟ قال: بل اختصر. قال: اسألك بالله إن خرجت من دارك هذه فمررت بدار لبعض أصحابك تشبهها أو تقاربها فما أنت قائل؟
قال: قد فهمت فما الرأي؟ قال: هو رأي واحد، إن أخّرته عن ساعتك هذه فات فلم تلحقه. قال: وما هو؟ قال: لا أشك أن أمير المؤمنين قد طلبك، وسأل عن خبرك، وضجر بتخلّفك، فأطل اللبث وامض إليه من فورك، وادخل عليه وعليك أثر الغبار، فإذا سألك عن خبرك فقل: صرت إلى الدار التي بنيتها للمأمون، ثم أتبع ذلك من القول ما أنت أعلم به.
قال: وقد كان جعفر اتّخذ في هذا القصر ثلاثمائة وستين مقصورة، وكتب إلى كل ناحية يعمل فيها الفرش بأمر أن يتّخذ لبنائه ما يحتاج إليه من الفرش على ذرعه ومقاديره. وكان قد كثر القول في البناء والفرش. فأقام في الدار ساعة ثم مضى من فوره، ودخل على الرشيد فسأله عن خبره، فقال: كنت في الدار التي اتّخذتها للمأمون على دجلة، وتفقدت بعض ما احتجت إلى تفقّده منها. قال:
стр. 3766
وللمأمون بنيتها؟ قال: نعم، لما شرّفتني أن جعلته في حجري واستخدمتني له، وعرفت محلّه من قلبك، أردت أن أبني له بناء يشبه هذا المحلّ، ومع هذا فإنني كتبت إلى النواحي بأن يتّخذ لجميع البناء فرش في النواحي التي يستعمل فيها الفرش على مقاديرها، وبقي شيء لم يتهيّا اتّخاذه، فقدّرنا أن نعوّل فيه على خزائن أمير المؤمنين إما عارية وإما هبة، قال: بل هبة. وزال بذلك الشنع الواقع كلّه، وأمره بنزولها، وأبى أن يطلق للمأمون الانتقال إليها.
«٦٣٣» - قال ميمون بن هارون: قلت لعتّابة أمّ جعفر بن يحيى بعد نكبتهم، وهي بالكوفة في يوم أضحى: ما أعجب ما رأيت؟ قالت: أمرنا! لقد رأيتني في مثل هذا اليوم وعلى رأسي مائة وصيفة، لبوس كلّ واحدة منهنّ وحليّها خلاف لبوس الأخرى وحليّها، وأنا في يومي هذا أشتهي لحما لا أقدر عليه.
٦٣٤- قال حمزة بن عفيف: كنا مع علي بن عيسى بن ماهان في الوقت الذي نزل فيه بالبرامك ما نزل، وكان من معاداتهم والانحراف عنهم إلى ما لا غاية وراءه، وكان مسرورا بنكبتهم. فغدونا يوما إليه من الأيام فوجدنا على قصره بيتين من الشعر وهما: [من السريع]
إن المساكين بني برمك ... صبّت عليهم عبر الدّهر
وللورى في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر
فلم يبعد ما بين نكبته ونكبتهم.
«٦٣٥» - قال نصير الوصيف: غدوت إلى يحيى بن خالد في آخر أمرهما أريد عيادته من علّة كان يشكوها، فوجدت في دهليز بغلا مسرجا، فدخلت إليه، وكان يأنس بي ويفضي إليّ بسرّه، فوجدته مفكّرا مهموما، ورأيته متشاغلا بحساب النجوم، وهو ينظر فيه. قال: فقلت له: إني لما رأيت البغل مسرجا فسرّني لأني قدّرت انصراف العلّة وأنّ عزمك الركوب، ثم غمّني ما أراه من
стр. 3767
همّك. قال، فقال لي: لهذا البغل قصة: إني رأيت البارحة في النوم كأنّي راكبه حتى وافيت رأس الجسر، الجانب الشرقي، فوقفت فإذا أنا بصائح يصيح من الجانب الآخر: [من الطويل]
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
قال: فضربت بيدي على قربوس السّرج وقلت:
بلى نحن كنّا أهلها فأصابنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قال: فانتبهت فلم أشكّ [أني] أنا المراد بالمعنى، فلجأت إلى أخذ الطالع، وضربت الأمر ظهرا لبطن، ووقفت على أنه لا بدّ من انقضاء مدّتنا وزوال أمرنا.
قال: فما كاد يفرغ من كلامه حتى دخل عليه مسرور ومعه جونة مغطّاة وفيها رأس جعفر بن يحيى، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين وكيف رأيت نقمة الله في الفاجر؟ فقال له يحيى: قل له: يا أمير المؤمنين، أرى أنّك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.
٦٣٦- أنفذ ملك الروم إلى المنصور رسولا، فورد عند فراغه من الجانبين من مدينة السّلام. فأمر المنصور عمارة بن حمزة أن يركب معه إلى المهدي وهو نازل في الرصافة. فلما صار إلى الجسر رأى الرسول عليه من الزّمنى والسّؤّال عالما، فقال لترجمانه: قل لهذا- يعني عمارة بن حمزة- إني أرى عندكم قوما يسألون، وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء ويكفيهم مؤنهم ومؤن عيالاتهم. فقال له عمارة: قل له إنّ الأموال لا تسعهم.
ومضى إلى المهديّ وعاد إلى المنصور فخبره عمارة بذلك فقال أبو جعفر:
كذبت، ليس الأمر على ما ذكرت، والأموال واسعة، لكن العذر ما أنا ذاكره له، فأحضرنيه. فأحضره إياه، فقال له: قد بلغني ما قلته لصاحبنا وما قاله لك، وكذب لأنّ الأموال واسعة، ولكنّ أمير المؤمنين يكره أن يستأثر على أحد من رعيّته وأهل سلطانه بشيء من حظّ أو فضل في دنيا أو آخرة،
стр. 3768
وأحبّ أمير المؤمنين أن يشركوه في ثواب السّؤال والزّمنى، وأن ينشلوهم من آفات الدنيا وممّا أعطاهم الله من الرزق، وليكون ذلك تجارة لهم وممحّصا لذنوبهم. فقال الرومي: الحقّ ما قاله أمير المؤمنين.
٦٣٧- قال أبو إسحاق الصابيء: كنت يوما جالسا في دار المهلبي والقاضي أبو بكر بن قريعة على قرب مني يصلّي. فلما فرغ من صلاته نهض وبسط يديه يدعو، ورفعهما حتى كشف إبطيه، ثم سجد سجدة طويلة وهو يشدّ بجبهته الأرض ويمحي وأنا أتأمله، فلما فرغ من صلاته ودعائه قال لي: لم كنت تحدّ النظر إليّ وتوفّر فكرك عليّ وأنا أصلي؟ أصبوت يا شيخ الصابئة إلى شريعة الملّة الصافية؟ فقلت: لا، بعد، ولكن كنت أعجب من القاضي وهو يرفع يديه حتى يعلو رأسه ثم يحطّ جبهته الأرض حتى كأنّه يحفر بها، فاستشعرت أنه بمثابة من يبتغي طلبته من موضعين متنافيين، وكان عندي أني قد قطعته. فقال: وما ذاك يا شيخ الصابئة بعجيب، وإنّ له من الصواب لأوفر نصيب. فقلت: وكيف ذاك؟ فقال: لأنا نشير بأيدينا إلى مطالع رغبتنا رافعين، قال الله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
(الذاريات: ٢٢) ، ونخفض جباهنا إلى مصارع أجسامنا خاضعين، قال الله وهو أصدق القائلين:
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
(طه: ٥٥) فنحن نستنزل بالأولى لطيف الأرزاق، ونستدفع بالأخرى عنيف الإرهاق، والله كريم. ودمعت عيناه فأبكاني، وعظم في عيني. فدخلت على الوزير وأعدت عليه ذلك، فعجب منه وقال: هو واحد زمانه.
٦٣٨- قال الوليد بن سريع مولى ابن حريث: وجّهني الجرّاح بن عبد الله من العراق إلى سليمان بن عبد الملك، فخفت أن يسألني عن المطر. فإني لأسير بالسماوة إذا بأعرابي من كلب اسمه شملة، فقلت: يا أعرابيّ، هل لك في درهمين؟ قال: إني والله حريص عليهما فما سببهما؟ قلت: صف لي المطر.
قال: أتعجز أن تقول أصابتنا سماء بمطر يعقد منه الثرى، واستؤصل منه العرق،
стр. 3769
وامتلأت منه الحفر، وفارت منه الغدران، وكنت في مثل وجار الضبع حتى وصلت إليك. فلما قدمت على سليمان قال: هل كان وراءك من غيث؟ فقلت ذلك. فضحك وقال: هذا كلام لست بأبي عذره. فقلت: صدق فوك، يا أمير المؤمنين، اشتريته والله بدرهمين.
٦٣٩- قال بشير أخو بشّار، وكانوا ثلاثة إخوة لأم: حنفي وسدوسي وعقيليّ: لو خيّرك الله أن تكون شيئا من الحيوان، إلى أيّ شيء كنت تحب أن تكون؟ قال: عقاب، لأنها تبيت بحيث لا ينالها سبع ولا ذو جناحين، وهي معمّرة، وإن شاءت كانت فوق كلّ شيء، وإن شاءت كانت بقرب كلّ شيء، تغدّى بالعراق وتعشّى باليمن، ريشها فروها في الشتاء وخيشها في الصيف، وهي أبصر خلق الله.
«٦٤٠» - ابن نباتة: [من الكامل]
وإذا عجزت عن العدوّ فداره ... وامزج له إنّ المزاج وفاق
فالنار بالماء الذي هو ضدّها ... تعطي النّضاج وطبعها الإحراق
«٦٤١» - البغاء ويروى للرضي ما يماثلها في موضع آخر: [من الكامل]
الظلم بين الأقربين مضاضة ... والذّلّ ما بين الأقارب أروح
فإذا أتتك من الرجال قوارص ... فسهام ذي القربي القريبة أجرح
«٦٤٢» - وقال محمد بن هانىء: [من الطويل]
جهلت الهوى حتى اختبرت عذابه ... كما اختبر الرّعديد بأس المصمّم
وقدت إلى نفسي منيّة نفسها ... كما احترقت في نارها كفّ مضرم
стр. 3770
«٦٤٣» - وقال أيضا: [من الكامل]
هل آجل ممّا أؤمّل عاجل ... أرجو زمانا والزمان حلاحل
وأعزّ مفقود شباب عائد ... من بعد ما ولّى وإلف واصل
ما أحسن الدنيا بشمل جامع ... لكنّها أمّ البنين الثّاكل
جرت الليالي والتّنائي بيننا ... أمّ الليالي والتنائي هابل
وكأنما يوم ليوم طارد ... وكأنّما دهر لدهر آكل
في كلّ يوم أستزيد تجاربا ... كم عالم بالشيء وهو يسائل
«٦٤٤» - محمد بن بشير: [من البسيط]
خلوت بالبيت أرضى بالذي رضيت ... به المقادير لا شكوى ولا شغب
فردا تحدثني الموتى وتنطق لي ... عن علم ما غاب عنّي منهم الكتب
هم مؤنسون وألّافّ غنيت بهم ... فليس لي في أنيس غيرهم أرب
لله من جلساء لا جليسهم ... ولا عشيرهم للشرّ مرتقب
لا بادرات الأسى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطق ذرب
حتى كأنّي قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرهم حقب
«٦٤٥» - ومن المقاصد الغريبة للشعراء قول الرضيّ يوم خلع الطائع، وكان حاضرا القبض عليه: [من البسيط]
أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه ... لقد تقارب بين العزّ والهون
ومنزل كان بالسّراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضّراء يبكيني
هيهات أغترّ بالسلطان ثانية ... قد ضلّ ولّاج أبواب السلاطين
стр. 3771
«٦٤٦» - وقال: [من البسيط]
كم من غلام ترى أطماره مزقا ... والعرض أملس والأحساب غرّان
إذا الفتى كان في أخلاقه شوه ... لم يغن إن قيل أنّ الوجه حسّان
«٦٤٧» - ومن غريب شعره قوله: [من السريع]
متى أرى الزّوراء مرتجّة ... تمطر بالبيض الظّبا أو تراح
يصيح فيها الموت عن ألسن ... من العوالي والمواضي الفصاح
بكلّ روعاء عصيبيّة ... يحثّها أروع شاكي السّلاح [١]
كأنّما ينظر من ظلّها ... نعامة رائغة بالجناح
متى أرى الأرض وقد زلزلت ... بعارض أغبر دامي النّواح
يلتفت الهارب في عطفه ... مروّعا يرقب وقع الجراح
متى أرى البيض وقد أمطرت ... سيل دم يغلب سيل البطاح
متى أرى البيضة مصدوعة ... عن كلّ نشوان طويل المراح
مضمّخ الجيد نؤوم الضّحى ... كأنّه العذراء ذات الوشاح
إذا رداح الرّوع عنّت له ... فرّ إلى ضمّ الكعاب الرّداح
قوم رضوا بالعجز واستبدلوا ... بالسّيف يدمى غربه كأس راح
توارثوا الملك ولو أنجبوا ... توارثوه عن طعان الرّماح
غطّى رداء العزّ عوراتهم ... فافتضحوا بالذّلّ أيّ افتضاح
«٦٤٨» - وقال: [من الطويل]
تغاوت على عرضي عصائب جمّة ... ولو شئت ما التفّت عليّ غواتها
стр. 3772
أوليهم صمّاء أذن سميعة ... إذا ما وعت ألوت بها غفلاتها
يطول إذن همّي إذا كنت كلّما ... سمعت نباحا من كلاب خساتها
هم استلدغوا رقش الأفاعي ونبهوا ... عقارب ليل نائمات حماتها
وهم نقلوا عنّي الذي لم أفه به ... وما آفة الأخبار إلا رواتها
أريد لأن أحنو على الضّغن بيننا ... وتأبى قلوب أنغلتها هناتها
وما النفس في الأهلين إلا غريبة ... إذا فقدت أشكالها ولداتها
بني مطر خلّوا نفوسا عزيزة ... تنام فأولى أن يطول سباتها
غرست غروسا كنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غير ما كنت آملا ... فلا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها
«٦٤٩» - وقال أيضا: [من الطويل]
وما قولي الأشعار إلا ذريعة ... إلى أمل قد آن قود جنيبه
وإني إذا ما بلّغ الله منيتي ... ضمنت له هجر القريض وحوبه
فهل عابني قول عقدت بفضله ... فخاري وحصّنت العلا بضروبه
«٦٥٠» - وقال محمد بن هانىء: [من الطويل]
أمّا وقد لاح الصباح بلمّتي ... وانجاب عمّا يبتني وتكشّفا
فلئن صبرت لأصبرنّ تصنّعا ... ولئن لهوت لألهونّ تكلّفا
ولئن ذكرت الغانيات فخطرة ... تعتاد قلبا بالحسان مكلّفا
ولقد هززت غصونها بثمارها ... وهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا
والبان في الكثبان طوع يدي إذا ... أومأت إيماء إليه تعطّفا
ولقد هززت الكأس من يد مثلها ... وصحوت عّما رقّ منها أو صفا
стр. 3773
نوادر من هذا الباب
٦٥١- كبر رجل من الخوارج وهرم حتى لم يكن فيه نهوض، فأخذ منزلا على ظهر الطريق، فلما جاء مطر وابتلّت الأرض أخذ زجاجا وكسره ورماه في الطريق فإذا مرّ به رجل وعقر رجله الزجاج، قال الخارجي من وراء الباب: لا حكم إلا لله، اللهمّ هذا مجهودي.
٦٥٢- وكان بالمدينة آخر منهم فرؤي وهو يحذف قناديل المسجد بالحصباء فيكسرها، فقيل له: ما تفعل؟ قال: أنا كما ترى شيخ كبير لا أقدر على أكثر من هذا، أغرّمهم قنديلا أو قنديلين في كل يوم.
٦٥٣- قال المدائني: تضيّف أعرابي قوما فأبطأوا بالطعام، فقام يدور في.
الحيّ فأصاب دبّة فيها سمن، فأدخل يده فيها بلزوجة السّمن، ثم ذهب ليخرجها فلم يقدر؛ فاشتمل عليها، فلما خاف أن يفتضح جلس في المجلس وجعل يعتمد عليها ليخرجها، فتدور عيناه في رأسه وينعصر. فقال شيخ: كأن الحواء علينا دائر ورب الكعبة لا والله لا أبيت في الحواء. فخرج إلى غيضة ثم دخل في غصن منها ملتفّ، وجاء إلى فجوة منه فاستلقى على صخرة؛ وجاء الضيف يطلب شيئا يكسر به الدّبة. فجعل يدور في الغيضة فبصر بصلعة الشيخ تبرق في القمر، فظنّها صخرة فاعتمدها، فضرب بالدبّة رأسه ليكسرها، فصاح الشيخ صيحة اجتمع لها الحيّ، وهرب الرجل، وأدركوا الشيخ مرتاعا لا يدري ما أصابه.
«٦٥٤» - كان مخارق المغني صديقا لأبي العتاهية الشاعر. قال مخارق:
فجاءني يوما فقال لي: قد عزمت على أن أتزوّد منك يوما فهبه لي، فمتى تنشط؟ قال، قلت: متى شئت، قال: أخاف أن تقطع بي، فقال: لا والله لا فعلت ولو طلبني الخليفة، فقال: يكون في غد؟ فقلت: أفعل. فلما كان
стр. 3774
من غد باكرني رسوله، فجئته، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخلّ وبقل وملح، وعليها جدي حنيذ. فأكلنا منه حتى اكتفينا، ثم أتينا بحلواء فأصبنا منها، ثم دعا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية [١] ، فأكلنا منها حتى اكتفينا، وغسلنا أيدينا، وجاءونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك، فاخترت وشربت؛ وصبّ قدحا ثم قال: غنّني في قولي: [من الخفيف]
قال لي أحمد ولم يدر ما بي [٢]
فغنّيته، فشرب قدحا وهو يبكي أحرّ بكاء. ثم قال: غنّني في قولي: [من السريع]
ليس لما ليست له حيلة
فغنيته وهو يبكي وينشج، وشرب قدحا آخر وقال: غنّني، فديتك، في قولي:
[من الطويل]
خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي [٣]
فغنّيته إيّاه. وما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه ويشرب ويبكي حتى صارت العتمة. فقال لي: أحبّ أن تصبر حتى ترى ما أصنع فجلست، فأمر ابنه وغلامه فكسرا كلّ ما بأيدينا من النبيذ وآلاته والملاهي، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النبيذ وآلاته، فأخرج جميعه، فما زال يكسره ويصبّ النبيذ ويبكي حتى لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل ولبس ثيابا بيضا من الصوف، ثم عانقني وبكى، وقال: عليك السّلام يا حبيبي وفرحي من الناس كلّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛
стр. 3775
وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدك بي في حال تعاشر أهل الدنيا، فظننت أنّها بعض حماقاته، فانصرفت فما لقيته زمانا. ثم تشوّقته فأتيته فاستأذنت عليه، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرّتين فثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه والوحشة لعشرته، وضحكت ضحكا ما ضحكت مثله قطّ. فقال: من أيّ شيء تضحك لا ضحكت! فقلت: سخنت عينك! هذا أيّ شيء هو؟ ومن بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء أو الزّهاد أو الصحابة أو المجانين؟
انزع هذا عنك يا سخين العين! فكأنّه استحيا منّي. ثم بلغني أنه جلس حجّاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره. ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنّيه، فأتيت عائدا، فخرج إليّ رسوله يقول: إن دخلت إليّ جدّدت لي حزنا وتاقت نفسي إلى سماعك وإلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به.
«٦٥٥» - قيل لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنّيني: [من الطويل]
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عني من الدهر مدّتي ... فإنّ غناء الباكيات قليل
«٦٥٦» - طلّق أعرابي امرأته فتزوّجها الأخطل، وكان الأخطل قبل ذلك قد طلّق امرأته الأولى، فتنفّست، فقال الأخطل: [من الطويل]
كلانا على همّ يبيت كأنّما ... بجنبيه من مسّ الفراش قروح
على زوجها الماضي تنوح وإنّني ... على زوحتي الأخرى لذاك أنوح
стр. 3776
«٦٥٧» - حدّث أبو ظبيان الحمامي قال: اجتمعت جماعة من الحيّ على شراب لهم فتغنّى رجل منهم بقول حسّان: [من الكامل]
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
فقال رجل من القوم: ما معنى قوله [١] : [من الكامل]
إنّ التي عاطيتني فرددتها
فجعلها واحدة ثم قال:
كلتاهما حلب العصير
فجعلهما اثنتين؟ فلم يقل أحد الجواب، فقال رجل من القوم: امرأته طالق ثلاثا إن بات أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن تفسير هذا الشعر. فأسقط في أيدينا ليمينه، ثم اجتمعنا على إتيان عبيد الله؛ قال: فأتيناه نتخطّى إليه الأحياء حتى أتيناه وهو في مسجده يصلّي بين العشائين، فلما سمع حسّنا أو جز في صلاته، ثم أقبل علينا وقال: ما حاجتكم، فبدأ رجل منا وكان أحسننا بقيّة، قال: نحن أعزّ الله القاضي قوم نزعنا إليك من طرق البصرة في حاجة مهمة فيها بعض الشيء، فإن أذنت لنا قلنا، قال: قولوا؛ فذكر يمين الرجل والشعر؛ فقال: أما قوله:
إن التي ناولتني
يعني الخمرة، وقوله: «قتلت» أي مزجت بالماء، وقوله:
كلتاهما حلب العصير
يعني الخمر ومزاجها فالخمر عصير العنب والماء عصير السحاب. قال الله تعالى:
стр. 3777
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً
(النبأ: ١٤) انصرفوا إذا شئتم.
«٦٥٨» - قال دليم بن مرّة الجهني لتاجر أخذ منه مالا وكان اسم التاجر عرابة: [من الطويل]
الله لقّى من عرابة بيعة ... على حين كان النقد يعسر عاجله
ولوّى بنان الكفّ يحسب ربحه ... ولم يحسب المطل الذي أنا ماطله
سيرضى من الربح الذي كان يرتجي ... ببعض الذي أعطى وما هو نائله
«٦٥٩» - وقال صهيب بن نبراس العنبري: [من الطويل]
ومصفرّة عيناه يرشح وجهه ... لحبّ القضاء قد لويت لياليا
وكلّ غريم حظّه جحد ماله ... إذا شحّ يوما أو أساء التقاضيا
«٦٦٠» - كان تاجر من أهل الثعلبية يقال له يحيى بن جابر يبيع الأعاريب ويعينهم. فتعيّن منه رجلان من بني أسد يقال لهما طريف بن منظور وحصن بن مطير، وفخّما له في الربح حتى بلغا ما أحبّ فلما انصرفا لحاجتهما قال طريف:
[من الطويل]
أقول غداة [الثعلبية] بعد ما ... حوينا على أوراق يحيى بن جابر [١]
لحصن وكان المرء يفضي بسرّه ... إليّ ولا أخفي عليه سرائري
أيطمع يحيى في الوفاء وقد عدا ... على مالنا في البيع عدوة فاجر [٢]
стр. 3778
فلا يحسب الكوفيّ أنّ عقولنا ... هفت عن حساب مثبت في الدفاتر
ولكنّني أغرقت في الربح وانثنى ... وليس له علم بصفقة خاسر
فلا يرجون يحيى اختبارا وقد رمى ... بسلعته المغبون في قعر زاخر
«٦٦١» - وقال عويف القوافي: [من البسيط]
أف لكم ولعقل بين أضلعكم ... ماذا وثقتم به منّي ومن ديني
من أفلس الناس من دين ومن حسب ... وأظلم الناس طرّا للمساكين
«٦٦٢» - وقال وبر بن معاوية الأسدي: [من البسيط]
إني وجدّك ما أقضي الغريم إذا ... حان القضاء ولا تأوي له كبدي
إلا عصا أرزن طالت برايتها ... تنوء ضربتها بالكفّ والعضد؟؟
«٦٦٣» - كان بالمدينة تاجر يقال له سيّار بن الحكم يداين الأعراب؛ فأخذ منه أبو النباش مالا وأرغبه في الربح وانصرف؛ فغاب عنه مدة ثم دخل المدينة مستخفيا، واتّصل خبره بالتاجر، فطلبه بماله عنده، واستغوى جماعة من التجار عليه؛ فلما رأى ما دفع إليه ولم يقدر على الجحود للصكّ الذي عليه وللجماعة الذين اجتمعوا، قال لهم: صيروا معي إلى شارع بني فلان فإن لي جلبا أقدر على موافاته ودفع المال إلى صاحبكم منه، ففعلوا. فلما تمكّن من الهرب سبقهم حضرا على رجليه، وطلبوه فأعجزهم، وانصرفوا يتذامرون ويرجعون باللوم على صاحبهم، فقال أبو النباش عند ذلك أبياتا شرح الحال فيها وقال في آخرها: [من البسيط]
لما رأوني وقد فتّ النجاء بهم ... سعيا يقصّر عنه كلّ طيار
стр. 3779
قالوا لصاحبهم هيهات نلحقه ... فارجع بنا ودع الأعراب في النار
إن القضاء سيأتي دونه أمد ... فاطو الصحيفة واحفظها من النار
«٦٦٤» - وقال أبو الرّبيس الكلابيّ في غريم له يقال له مكحول كان عند مبايعته إياه لم يسأله عن سعر ولا نقصان كيل، بل كان يستصلح جميع ما يدفعه إليه خديعة ومكرا. فلما بلغ منه ما أراد لحق بالبادية: [من الطويل]
أما راب مكحولا سماحي وأنّني ... إذا بلغ البيع المكاس أسامح
وقولي ولم يبلغ رضاي ولا دنا ... رضيت وهذا من شرا الناس صالح
سيعلم مكحول إذا ضمّ رقعة ... لها طينة أيّ الفريقين رابح
«٦٦٥» - كان أبان بن عثمان بن عفان من أهزل الناس وأعبثهم وأولعهم؛ وبلغ من عبثه أنه كان يجيء بالليل إلى منزل رجل من أهل المدينة له لقب يغضب منه فيقول: أنا فلان بن فلان ثم يقف فيلقبه فيشتمه أقبح شتم، وأبان يضحك.
فبينا هو ذات يوم جالس وعنده أشعب إذ أقبل أعرابيّ معه جمل، والأعرابيّ أشقر أزرق أزعر [١] يتلظّى كأنه أفعى ويتبيّن الشرّ في وجهه، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره. فقال أبان: هذا والله من البادية [٢] ، ادعوه لي. فدعوه له وقيل له:
إنّ الأمير أبان بن عثمان يدعوك. فأتاه فسلّم عليه وسأله أبان عن نسبه فانتسب له وقال: حيّاك الله يا خالي، حبيب ازداد حبّا، فجلس، فقال له: إني في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهي بهذه الصفة وهذه الهامة والصورة والورك والأخفاف، فالحمد لله الذي ظفّرني به عند من أحبّه، أتبيعه؟
стр. 3780
فقال: نعم أيّها الأمير؛ قال: فإني قد بذلت لك به مائة دينار؛ [وكان الجمل يساوي عشرة دنانير [١]] . فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ، وبان الطمع في وجهه، فقال أبان لأشعب: ويلك يا أشعب، إن خالي هذا من أهلك وأقاربك- يعني في الطمع- فأوسع له فيما عندك؛ فقال: نعم بأبي أنت وأمي وزيادة؛ فقال له أبان: يا خال إنما زدتك في الثمن على بصيرة أنّ الجمل يساوي ستّين دينارا، ولكني بذلت لك مائة لقلّة النقد عندنا، وأنا أعطيك به عروضا تساوي مائة.
فزاد طمع الأعرابيّ وقال: لقد قبلت ذلك يا أمير المؤمنين. وأسرّ إلى أشعب، فأخرج شيئا مغطى فقال: أخرج ما جئت به، فأخرج جرد عمامة خلقة تساوي أربعة دراهم، فقال: قوّمها يا أشعب. فقال: عمامة الأمير تعرف به ويشهد فيها الأعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء: خمسون دينارا. قال: ضعها بين يديه وقال لابن رميح [٢] أثبت قيمتها، فكتب ذلك ووضعت العمامة بين يدي الأعرابيّ، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا، ولم يقدر على الكلام، ثم قال:
هات قلنسوتي، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ والوهن والدهن تساوي نصف درهم. فقال: قوّم، [فقال:] قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلّي فيها الصلوات الخمس، ويجلس فيها للحكم: ثلاثون دينارا. قال: أثبت، فأثبت ذلك، ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي، فترّبد وجهه وجحظت عيناه، وهمّ بالوثوب ثم تماسك وهو مقلقل. ثم قال لأشعب: هات ما عندك فأخرج خفين قد نقبا وتقشّرا وتفتّقا، فقال: قوّم، [فقال:] خفا الأمير يطّا بهما الروضة ويعلو بهما منبر النبيّ ﷺ : أربعون دينارا، قال: ضعها بين يديه.
ثم قال للأعرابي: اضمم إليك متاعك. وقال لبعض الأعوان: امض مع الأعرابي. فأخذ القماش فضرب به وجه القوم لا يألو في شدّة الرمي، ثم قال:
أتدري أصلحك الله من أيّ شيء أموت؟ قال: لا، قال: كيف لم أدرك أباك
стр. 3781
عثمان فأشرك والله في دمه إذ ولد مثلك؛ ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره. وضحك أبان حتى سقط، وضحك كلّ من كان معه. وكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول: هلم إليّ يا ابن الخبيثة حتى أكافيك على قيمتك المتاع يوم قوّم، فيهرب أشعب منه.
«٦٦٦» - تزوج نديم لأبي شراعة القيسيّ يقال له تبّان [١] امرأة فاتّفق عرسه في ليلة طلّق فيه أبو شراعة امرأة كانت له، فعوتب في ذلك وقيل له: بات تبّان عروسا وبتّ عزبا، فقال في ذلك: [من الطويل]
أتت عرس تبّان فهبّت تلومني ... رويدك لوما فالمطلّق أحوط
رويدك حتى يرجع البرّ أهله ... وترحم ذات العرس من حيث تغبط [٢]
إذا قال للطحان عند حسابه ... أعد نظرا إني إخالك تغلط
فما راعه إلا دعاء وليدة ... تعلم إلى السّوّاق إن كنت تنشط [٣]
هنالك يدعو أمّه فيسبّها ... ويلتبس الأجر العقوق فيحبط
فنادى العلى إني لفضلك شاكر ... أبيت وحيدا كلما شئت أضرط [٤]
ثم بلغه عن تبّان هذا أنه عجز عن امرأته ولم يصل إليها ولقي منها شرّا، فقال فيه: [من الطويل]
رمى الدهر في صحبي وفرّق جلّاسي ... وأبعدهم عني بظعن وإعراس
وكلّهم يبغي غلافا لأيره ... وأقعدني عن ذاك فقري وإفلاسي
стр. 3782
فشكرا لربّي خان تبّان أيره ... وأسعى بأيري في الظلام على الناس
يمسّحه بالكفّ حتى يقيمه ... فهل ينفع الكفّان من ثقل الراس [١]
«٦٦٧» - قال حماد بن الزبرقان: حفظت ما لم يحفظ أحد ونسيت ما لم ينس أحد. كنت لا أحفظ القرآن فأنفت أن أجيء بمن يعلّمني، فحفظته من المصحف في شهر واحد، ثم قبضت يوما على لحيتي لأقصّ ما فضل عن قبضتي فنسيت أني أحتاج أن أقصّ ما دون القبضة فقصصت أعلاها، فاحتجت أن أجلس في البيت سنة حتى استوت.
«٦٦٨» - قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو في يوم واحد، ودخلنا سرّ من رأى في وقت واحد، فولي هو القضاء وصرت أنا صفعان، فمن أين يصحّ علم النجوم؟
«٦٦٩» - ابن الرومي: [من الكامل المجزوء]
كم تائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيّب ... وخماره صعب شديد
«٦٧٠» - قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد: دخلت البيمارستان فرأيت جماعة من المجانين على أحوال مختلفة، ومررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق جبهته بالدهن عليها، وهو جالس على حصير نظيف، وجهه إلى القبلة
стр. 3783
وكأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره، فنادى: سبحان الله أين السلام؟ من المجنون أنا أو أنت؟ فاستحييت وقلت: السلام عليكم؛ فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا الردّ الحسن عليك، غير أنّا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر، لأنه يقال: للداخل على القوم دهشة، اجلس أعزّك الله عندنا، وأو مأ إلى حصيره فنفضه كأنّه يوسّع لي، فعزمت على الدنوّ منه، فبادأني القيّم بأمرهم:
إياك إيّاك! فأحجمت. ثم قال وقد كانت معي محبرة: ما هذا؟ أتجالس أصحاب الحديث الأغثياء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء، قال: أفتعرف الذي يقول فيه: [من المديد المجزوء]
وفتى من مازن ... ساد أهل البصره
أمّه معرفة ... وأبوه نكره
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ، قد برّز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرّد؟ قلت:
والله أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك شيئا من شعره؟ فقلت: لا أحسبه يقول الشعر؟ قال: يا سبحان الله! أليس هو الذي يقول: [من الرمل المجزوء]
حبّذا ماء العناقي ... د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ... ودمي أيّ نبات
أيّها الطالب أشهى ... من لذيد الشهوات
كل بماء المزن تفّا ... ح الخدود الناعمات
قلت: قد سمعته ينشد في مجالس الأنس؟ قال: يا سبحان الله! أو يستحي أن ينشد هذا حول الكعبة؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من الأزد، أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره، أتعرف قوله:
[من الوافر]
стр. 3784
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمّد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرّد خلّ قومي ... فقومي معشر فيهم نذاله
قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذّل يهجوه بها، فقال: كذب والله كلّ من ادّعى هذه غيره، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبا. قلت: أنت أعلم، قال لي: يا هذا قد غلبت لخفّة روحك على قلبي، وتمكّنت بفصاحتك من استحساني، وقد أخّرت ما كان يجب أن أقدّمه، ما الكنية أصلحك الله؟ قلت: أبو العباس، قال: ما الاسم؟
قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبّحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدّمت، ثم وثب باسطا يده ليصافحني، فرأيت القيد في رجليه قد شدّ إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك غائلته؛ فقال: يا أبا العباس: صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهّيا لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على هذه الحال الجميلة، أنت المبرّد؛ وأخذ يصفّق، وانقلبت عيناه وتغيّرت خلقته. فبادرت مسرعا وقبلت والله قوله، فلم أعاود الدخول عليهم بعد ذلك.
«٦٧١» - قال أبو العيناء: كان بالبصرة مقيّن له جوار فغشي الناس منزله لأجلهنّ، فحضر يوما عنده جماعة فيهم قوم من المهالبة. فلما كان وقت العشاء جاء غلام لبعض المهالبة الحاضرين بمئزر مقلوب فوضعه بين يدي صاحبه، وإذا فيه بسر مسكّر باكورة، ولم يكن رأوا قبله منه شيئا، وكان فيمن حضر العطويّ الشاعر، فقال للمهلبي: أطعمني فديتك من هذه الباكورة، فتغافل عنه فقال المقيّن صاحب الدار: فأطعمني أنا منها. فتناول منها شيئا فأعطاه، فقال له العطوي: أطعمني ممّا أعطاك، فقال: لا أفعل، فقال في الحال: [من المتقارب]
стр. 3785
جواريك أطعمنك السكّرا ... وأنزلنك المنزل الأكبرا
ولولا جواريك ما أطعموك ... على قبح وجهك إلا خرا
فضحك كلّ من حضر منه، وأخذ المهلبي جميع ما في المئزر من البسر فرمى به إلى العطوي.
«٦٧٢» - قال أحمد بن أبي طاهر: خرجت من دار الوزير أبي الصقر القاسم اسماعيل بن بلبل نصف نهار يوم في تموز، فملت إلى دار أبي العباس المبرّد لقربها، فأدخلني خيشا له، وقدّم إليّ شيئا أكلته، وسقاني ماء باردا، وحدثني أحسن حديث إلى أن نمت، فحضرني لشقائي وقلة شكري بيتان فاستأذنته في إنشادهما فقال: ذاك إليك وهو يظنّني مدحته فأنشدته: [من الطويل]
ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشق ... على أنّه منه أحرّ وأوقد [١]
ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت في ألفاظه أتبرّد
فقال لي: قد كان يسعك إذ لم تحمد أن لا تذمّ، وما لك عندي جزاء إلا إخراجك، ووالله لا جلست، فأخرجني فمشيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت ممّا نالني من الحرّ وقعدت ألوم نفسي.
«٦٧٣» - حمّ المنصور في بعض الليالي فأرق فقال للربيع: أحتاج إلى إنسان يحدّثني ويؤنسني، فقال: قد وجدته، فقال: من هو؟ قال ابن عياش [٢] المنتوف؛ قال: يبرمني بالأسئلة ويضاعف عليّ العلّة، قال: قد أعطيته من مالي ألف درهم وأمرته أن لا يسألك شيئا. قال: هات حدّثني قال: نعم يا أمير