عثمان فأشرك والله في دمه إذ ولد مثلك؛ ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره. وضحك أبان حتى سقط، وضحك كلّ من كان معه. وكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول: هلم إليّ يا ابن الخبيثة حتى أكافيك على قيمتك المتاع يوم قوّم، فيهرب أشعب منه.
«٦٦٦» - تزوج نديم لأبي شراعة القيسيّ يقال له تبّان [١] امرأة فاتّفق عرسه في ليلة طلّق فيه أبو شراعة امرأة كانت له، فعوتب في ذلك وقيل له: بات تبّان عروسا وبتّ عزبا، فقال في ذلك: [من الطويل]
أتت عرس تبّان فهبّت تلومني ... رويدك لوما فالمطلّق أحوط
رويدك حتى يرجع البرّ أهله ... وترحم ذات العرس من حيث تغبط [٢]
إذا قال للطحان عند حسابه ... أعد نظرا إني إخالك تغلط
فما راعه إلا دعاء وليدة ... تعلم إلى السّوّاق إن كنت تنشط [٣]
هنالك يدعو أمّه فيسبّها ... ويلتبس الأجر العقوق فيحبط
فنادى العلى إني لفضلك شاكر ... أبيت وحيدا كلما شئت أضرط [٤]
ثم بلغه عن تبّان هذا أنه عجز عن امرأته ولم يصل إليها ولقي منها شرّا، فقال فيه: [من الطويل]
رمى الدهر في صحبي وفرّق جلّاسي ... وأبعدهم عني بظعن وإعراس
وكلّهم يبغي غلافا لأيره ... وأقعدني عن ذاك فقري وإفلاسي
стр. 3782
فشكرا لربّي خان تبّان أيره ... وأسعى بأيري في الظلام على الناس
يمسّحه بالكفّ حتى يقيمه ... فهل ينفع الكفّان من ثقل الراس [١]
«٦٦٧» - قال حماد بن الزبرقان: حفظت ما لم يحفظ أحد ونسيت ما لم ينس أحد. كنت لا أحفظ القرآن فأنفت أن أجيء بمن يعلّمني، فحفظته من المصحف في شهر واحد، ثم قبضت يوما على لحيتي لأقصّ ما فضل عن قبضتي فنسيت أني أحتاج أن أقصّ ما دون القبضة فقصصت أعلاها، فاحتجت أن أجلس في البيت سنة حتى استوت.
«٦٦٨» - قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو في يوم واحد، ودخلنا سرّ من رأى في وقت واحد، فولي هو القضاء وصرت أنا صفعان، فمن أين يصحّ علم النجوم؟
«٦٦٩» - ابن الرومي: [من الكامل المجزوء]
كم تائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيّب ... وخماره صعب شديد
«٦٧٠» - قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد: دخلت البيمارستان فرأيت جماعة من المجانين على أحوال مختلفة، ومررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق جبهته بالدهن عليها، وهو جالس على حصير نظيف، وجهه إلى القبلة
стр. 3783
وكأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره، فنادى: سبحان الله أين السلام؟ من المجنون أنا أو أنت؟ فاستحييت وقلت: السلام عليكم؛ فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا الردّ الحسن عليك، غير أنّا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر، لأنه يقال: للداخل على القوم دهشة، اجلس أعزّك الله عندنا، وأو مأ إلى حصيره فنفضه كأنّه يوسّع لي، فعزمت على الدنوّ منه، فبادأني القيّم بأمرهم:
إياك إيّاك! فأحجمت. ثم قال وقد كانت معي محبرة: ما هذا؟ أتجالس أصحاب الحديث الأغثياء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء، قال: أفتعرف الذي يقول فيه: [من المديد المجزوء]
وفتى من مازن ... ساد أهل البصره
أمّه معرفة ... وأبوه نكره
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ، قد برّز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرّد؟ قلت:
والله أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك شيئا من شعره؟ فقلت: لا أحسبه يقول الشعر؟ قال: يا سبحان الله! أليس هو الذي يقول: [من الرمل المجزوء]
حبّذا ماء العناقي ... د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ... ودمي أيّ نبات
أيّها الطالب أشهى ... من لذيد الشهوات
كل بماء المزن تفّا ... ح الخدود الناعمات
قلت: قد سمعته ينشد في مجالس الأنس؟ قال: يا سبحان الله! أو يستحي أن ينشد هذا حول الكعبة؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من الأزد، أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره، أتعرف قوله:
[من الوافر]
стр. 3784
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمّد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرّد خلّ قومي ... فقومي معشر فيهم نذاله
قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذّل يهجوه بها، فقال: كذب والله كلّ من ادّعى هذه غيره، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبا. قلت: أنت أعلم، قال لي: يا هذا قد غلبت لخفّة روحك على قلبي، وتمكّنت بفصاحتك من استحساني، وقد أخّرت ما كان يجب أن أقدّمه، ما الكنية أصلحك الله؟ قلت: أبو العباس، قال: ما الاسم؟
قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبّحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدّمت، ثم وثب باسطا يده ليصافحني، فرأيت القيد في رجليه قد شدّ إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك غائلته؛ فقال: يا أبا العباس: صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهّيا لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على هذه الحال الجميلة، أنت المبرّد؛ وأخذ يصفّق، وانقلبت عيناه وتغيّرت خلقته. فبادرت مسرعا وقبلت والله قوله، فلم أعاود الدخول عليهم بعد ذلك.
«٦٧١» - قال أبو العيناء: كان بالبصرة مقيّن له جوار فغشي الناس منزله لأجلهنّ، فحضر يوما عنده جماعة فيهم قوم من المهالبة. فلما كان وقت العشاء جاء غلام لبعض المهالبة الحاضرين بمئزر مقلوب فوضعه بين يدي صاحبه، وإذا فيه بسر مسكّر باكورة، ولم يكن رأوا قبله منه شيئا، وكان فيمن حضر العطويّ الشاعر، فقال للمهلبي: أطعمني فديتك من هذه الباكورة، فتغافل عنه فقال المقيّن صاحب الدار: فأطعمني أنا منها. فتناول منها شيئا فأعطاه، فقال له العطوي: أطعمني ممّا أعطاك، فقال: لا أفعل، فقال في الحال: [من المتقارب]
стр. 3785
جواريك أطعمنك السكّرا ... وأنزلنك المنزل الأكبرا
ولولا جواريك ما أطعموك ... على قبح وجهك إلا خرا
فضحك كلّ من حضر منه، وأخذ المهلبي جميع ما في المئزر من البسر فرمى به إلى العطوي.
«٦٧٢» - قال أحمد بن أبي طاهر: خرجت من دار الوزير أبي الصقر القاسم اسماعيل بن بلبل نصف نهار يوم في تموز، فملت إلى دار أبي العباس المبرّد لقربها، فأدخلني خيشا له، وقدّم إليّ شيئا أكلته، وسقاني ماء باردا، وحدثني أحسن حديث إلى أن نمت، فحضرني لشقائي وقلة شكري بيتان فاستأذنته في إنشادهما فقال: ذاك إليك وهو يظنّني مدحته فأنشدته: [من الطويل]
ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشق ... على أنّه منه أحرّ وأوقد [١]
ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت في ألفاظه أتبرّد
فقال لي: قد كان يسعك إذ لم تحمد أن لا تذمّ، وما لك عندي جزاء إلا إخراجك، ووالله لا جلست، فأخرجني فمشيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت ممّا نالني من الحرّ وقعدت ألوم نفسي.
«٦٧٣» - حمّ المنصور في بعض الليالي فأرق فقال للربيع: أحتاج إلى إنسان يحدّثني ويؤنسني، فقال: قد وجدته، فقال: من هو؟ قال ابن عياش [٢] المنتوف؛ قال: يبرمني بالأسئلة ويضاعف عليّ العلّة، قال: قد أعطيته من مالي ألف درهم وأمرته أن لا يسألك شيئا. قال: هات حدّثني قال: نعم يا أمير
стр. 3786
المؤمنين، خرجت يوما للصيد إلى وادي القرى، فألجأني الحرّ إلى موضع فيه طاق كبير، وإذا بامرأة عجوز جالسة، فقلت لها: هل عندك شيء يؤكل؟ قالت:
لا، وإذا في البيت زنبيل معلّق، فقلت لها: خذي هذه الدراهم فاشتري لي لحما وفاكهة. وخرجت فحذفت الزنبيل بالسيف فسقط قطع العود قد عشب، فأكلته كلّه، وإذا هو أحلى من السكر، فلما رجعت قلت لها: يا كذّابة! زعمت أنّه ليس عندك ما يؤكل، وكان في الزنبيل ما فيه. قالت: أو أكلته؟ فقلت:
نعم. قالت لي: هذه جارية ختّانة كانت تجيء بالبظور فتلقيها في هذا الزنبيل، فهنأك الله ما أكلته. فضحك المنصور ضحكا شديدا وقال: يا ربيع، ادفع إليه ألف درهم. فلما خرج قال ابن عياش للربيع: ارجع إليه وحسّ عرقه، فإني أخشى أن يكون محموما فيرجع فيها إذا أفاق. فعاد الربيع وحدّث المنصور بذلك فقال: أضعفها له وعجّلها.
«٦٧٤» - قال محمد بن عبد الرحمن العزمي [١] : كنت عند أبي بكر بن عيّاش وجاءه أصحاب الحديث فآذوه فبعث إلى صاحب الربع فجاءه، فقال له:
حاجتك يا أبا بكر؟ قال: أقم هؤلاء عني. قال: وما حالهم؟ قال: قد آذوني فأضجروني. قال: ارفق بهم يا أبا بكر، وقال: فقد قصدوك ولهم حقّ. فغضب وقال: انظروا إلى هذا الشبارك! ثم قال: أتدرون ما الشبارك؟ قالوا: لا. قال:
كانت امرأة بالكوفة ولها زوج قد عسر عليه المعاش، فقالت له: لو خرجت فضربت في البلاد وطلبت من فضل الله. فخرج إلى الشام فتكسّب ثلاثمائة درهم، فاشترى بها ناقة سمينة فارهة، فركبها وسار عليها، فأضجرته وحلف بطلاق امرأته ليبيعها بدرهم يوم يقدم الكوفة، فقالت امرأته: ما جئت به؟ قال:
стр. 3787
أصبت ثلاثمائة درهم فاشتريت هذه الناقة فأضجرتني، فحلفت بطلاقك ثلاثا أني أبيعها يوم أقدم الكوفة بدرهم، قالت: أنا أحتال لك. فعلّقت في عنق الناقة سنّورا، وقالت: أدخلها السوق فناد من يشتري السنّور بثلاثمائة درهم والناقة بدرهم، ولا أفرّق بينهما. قال: ففعل؛ فجاء أعرابيّ فجعل يدور حول الناقة ويقول: ما أسمنك! ما أفرهك! ما أرخصك لولا هذا الشبارك! «٦٧٥» - قيل لما حضرت الفرّاء النحويّ الوفاة دخل إليه بعض أصحابه فقال له: ما قال لك الطبيب؟ فقال: وما عسى أن يقول الطبيب إن صحة وإن مرضا، إن رفعا فرفعا، وإن نصبا فنصبا، وإن خفضا فخفضا. قال:
فكان هذا آخر ما تكلّم به، ثم مضى، ﵀.
«٦٧٦» - دخل رجل على مغنّية وقد حضرتها الوفاة، فقال لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت [من الكامل] :
أزف الرحيل وشدّت الأحداج
«٦٧٧» - ودخل رجل على زفر، ﵀، وهو يجود بنفسه، فشاهده فقال: الجواب عن هذا أن يدفع إلى إحدى المرأتين ستة أسباع الصّداق.
٦٧٨- واحتضر رجل كان يجيد اللعب بالشطرنج. فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاه مات.
«٦٧٩» - قيل إن الحجاج بعث بالغضبان بن القبعثرى ليأتيه بخبر عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث وهو بكرمان، وبعث عليه عينا، وكذاك كان يفعل، فلما انتهى الغضبان إلى عبد الرحمن قال له: ما وراءك؟ قال: شرّ، تغدّ بالحجاج قبل
стр. 3788
أن يتعشّى بك. وانصرف الغضبان فنزل رملة كرمان، وهي أرض شديدة الرمضاء، فبينا هو كذلك إذ ورد عليه أعرابي من بني بكر بن وائل على فرس له يقود ناقة، فقال: السلام عليك، فقال الغضبان: السلام كثير وهي كلمة مقولة. قال الأعرابيّ: ما اسمك؟ قال: أخذ. قال: أفتعطي؟ قال: لا أحبّ أن يكون لي اسمان. قال: من أين أقبلت؟ قال: من الدلول. قال: وأين تريد؟
قال: أمشي في مناكبها. قال: من عرض اليوم؟ قال: المتقون. قال: فمن سبق؟ قال: الفائزون. قال: فمن غلب؟ قال: حزب الله. قال: فمن حزب الله؟ قال: هم الغالبون. فعجب الأعرابي من منطقه، قال له: أتقرض؟ قال:
إنما تقرض الفارة. قال: أفتسمع؟ قال: إنما تسمع القينة. قال: أفتنشد؟
قال: إنما تنشد الضالّة. قال: أفتقول؟ قال: إنما يقول الأمير. قال: تتكلم؟
قال: كلّ متكلم. قال: أفتنطق؟ قال: إنما ينطق كتاب الله. قال: أفتسمع؟
قال: حدّثني حتى أسمع. قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة. قال الأعرابي: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، قال: بلى ولكنك نسيت. قال الأعرابي:
فكيف أقول؟ قال: لا أدري والله. قال الأعرابي: كيف ترى فرسي هذا؟ قال الغضبان: هو خير من آخر شرّ منه وآخر خير منه وأفره منه. قال الأعرابي: إني قد علمت ذاك، قال: لو علمت لم تسألني. قال الأعرابي: إنك لمنكر، قال الغضبان: إني لمعرّف. قال: ليس ذلك أريد، قال: فما تريد؟ قال: أردت إنك لعاقل، قال: أفتعقل بعيرك هذا؟ قال: لا، أفتأذن لي فأدخل عليك؟ قال الغضبان: وراءك أوسع لك. قال الأعرابي: قد أحرقتني الشمس، قال: الساعة يفيء عليك الفيء. قال الأعرابي: إن الرمضاء قد آذتني، قال: بل على قدمك.
قال: قد أوجعني الحرّ، قال الغضبان: ما لي عليك سلطان. قال الأعرابي: إني لا أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تعرّض بهما، فو الله لا تذوقهما. قال الأعرابي: أما عندك غير هذا، قال: بلى هراوتان أضرب بهما رأسك. قال الأعرابي: والله إني لأظنّك مجنونا، فقال الغضبان: اللهمّ اجعلني ممّن يرغب
стр. 3789
إليك. قال: إني لأظنّك حروريّا قال: اللهم اجعلني ممّن يتحرى الخير. ثم قال له الغضبان: أهذا البعير لك يا أعرابيّ؟ قال: نعم، فما شأنه؟ قال: أرى فيه داء فهل أنت بائعه ومشتر ما هو شرّ منه؟ فولى الأعرابي وتركه وهو يقول: والله إنك لبذخ أحمق.
فلما قدم الغضبان على الحجاج قال: كيف تركت أهل كرمان؟ قال:
أصلح الله الأمير، أرض ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصّها بطل، والجيش فيها ضعاف، إن كثروا بها جاعوا، وإن قلّوا بها ضاعوا. قال له الحجاج:
أما إنّك صاحب الكلمة التي بلغتني عنك حين قلت: تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشّى [بك] . قال الغضبان: أما إنها جعلني الله فداك لم تنفع من قيلت له، ولم تضرّ من قيلت فيه. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن. فمكث فيه إلى أن بنى الحجاج قبة خضراء في واسط أعجبته كما لم يعجبه بناء قطّ. فقال لمن حوله: كيف ترون قبّتي هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير ما بنى ملك مثلها.
ولا نعلم للعرب مأثرة أفضل منها. قال الحجاج: أما إن لها عيبا وسأبعث إلى من يخبرني به. فبعث إلى الغضبان فأقبل يرسف في قيوده، فلما دخل عليه سلّم فقال له الحجاج: كيف ترى قبّتي هذه؟ قال: أصلح الله الأمير، هذه قبّة بنيت في غير بلدك لغير ولدك، لا يسكنها وارثك ولا يدوم لك بقاءها، كما لم يدم هالك ولم يبق فان، وأما هي فكأن لم تكن. قال: صدق ردّوه إلى السجن فإنه صاحب الكلمة التي بلغتني عنه، قال: أصلح الله الأمير، ما ضرّت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له. وقال: أتراك تنجو مني! لأقطعنّ يديك ورجليك ولأكوينّ عينيك. قال: ما يخاف وعيدك البريء، ولا ينقطع منك رجاء المسيء. قال: لأقتلنّك إن شاء الله، قال: بغير نفس والعفو أقرب للتقوى. قال الحجاج: إنك لسمين، قال: لم كان القيد والرّتعة، ومن يك جار الأمير يسمن. قال له الحجاج: ردّوه إلى السجن، قال: أصلح الله الأمير، قد أثقلني الحديد فما أطيق المشي، قال: احملوه لعنه
стр. 3790
الله. فلما حملته الرجال على عواتقها، قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(الزخرف: ١٣) قال: أنزلوه أخزاه الله. قال: اللهمّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
(المؤمنون: ٢٩) قال: جرّوه أخزاه الله، قال: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
(هود:
[٤١) قال الحجاج: ويحكم! أتركوه فقد غلبني بخبثه، ثم أمر بإطلاقه.
«٦٨٠» - قال زيد بن جدعان: قدمت على معاوية فأنزلني عليه، فكنت أتغدّى عنده وأتعشّى معه. فبينا أنا عنده إذ خرجت من داره وصيفة فدخلت بيتا من بيوته، فقال لي معاوية: لولا مكانك لقد كنت أشتهي أن أصيب منها.
قلت: يا أمير المؤمنين، فلا يمنعك مكاني. قال: فقام فدخل عليها. فبينما هو يريد منها ذاك إذ علمت امرأته وهجمت عليه وأنا جالس، فخرجا وقد لبّب كلّ واحد منهما صاحبه. قال: فجعل معاوية يقول: يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام.
قال: فلم تكلّمه حتى أدخلته قصره. قال: وبقيت في موضعي إلى العشاء، وراح الناس إليه، فذهب بي النوم فلم أنتبه إلّا في جوف الليل. قال: وهو في موضعه الذي يبيت فيه. قال: فقمت فإذا الأبواب مغلقة والسّرج تزهر. قال:
فدخلت تحت السرير، فلما ذهب هويّ من الليل جاء معاوية، فجلس على السرير ثم دعا امرأته فعرّاها، فجعلت تقبل وتدبر. قال: فبينا هي مقبلة إليه إذ قالت: يا سوأتا! تحت السرير، رجل. قال: فقام معاوية فأخرجني من تحت السرير، وقال: ويحك! رأيت الذي رأيت؟ قلت: نعم. قالت امرأته: ما زال هذا ... [١] منذ اليوم والليلة. قال: فقال: ويحك! ارفع إلينا حوائجك ولا تخبر بما رأيت أحدا. قال: فقضى لي حوائجي وخرجت من عنده.
стр. 3791
«٦٨١» - وروي عن الأحنف أنه دخل على معاوية يوما فخرجت من داره وصيفة فدخلت بيتا من بيوته، فقال: يا أبا بحر، أنا والله أحبّ هذه الوصيفة وقد أمكنني منها الخلوة لولا مكانك. قال، فقال الأحنف: فأنا أقوم، فقال: لا بل تجلس لئلا تستريب بنا ابنة قرظة؛ وكأنها قد أوذنت به، فقالت للأحنف: يا قوّاد! أين هذا الفاسق؟ فأمأ الأحنف إلى البيت الذي هو فيه: فأخرجته ولحيته في يدها، فقال: الأحنف: ارفقي بأسيرك يرحمك الله. فقالت: يا قوّاد! وتتكلّم أيضا؟! وقام الأحنف فانصرف.
«٦٨٢» - كان عند إبراهيم الحربي رجل ضرير فقرأ ولم يكن طيّب الصوت فقال إبراهيم: [من الهزج]
هما اثنان إذا عدّا ... فخير لهما الموت
فقير ما له زهد ... وأعمى ما له صوت
٦٨٣- قال الجاحظ: ما خجّلني إلا امرأة حملتني إلى صائغ فقالت: مثل هذا. فبقيت مبهوتا، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوّره، فأتت بك، وقالت: مثله.
٦٨٤- وقد اتّفق في عصرنا مثل هذا. كان من حواشي دار الخلافة حاجب يعرف بابن الحسام، عظيم الخلقة وحشيّها، ومع هذا يميل إلى النساء ويظنّ أنهنّ يهوينه. فتعرّضت له امرأة وأطمعته في نفسها، وواعدته دكان بعض الصاغة وأن يكون اجتماعهما هناك. فتزيّن وتأهّب وقصد ذلك الدكان ينتظرها، وأبطأت المرأة، فلما فرغ الصائغ من مراده قال له: يا سيدي قم في دعة الله، قال له: ويلك! وما ذاك؟ قال: إن امرأة استعملتني صورة جنّيّ، فقلت: ما رأيت جنّيّا قطّ، فقالت: أنا أنفذ إليك رجلا هو الصورة
стр. 3792
المطلوبة، وقد رسمت لها ما أرادت. فشتمه وانصرف.
«٦٨٥» - قال العتبي: سرّح المهديّ لحيته ثم قبض عليها فكأنه استصغرها، فأحسّ به أعرابيّ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ لحيتك لجميلة أصيلة، لم تطل فتسمج ولم تصغر فتستقبح، بل خرجت بمقدار من صانع أحكم صنعتها وأحسن نباتها، فمن رأى صاحبها أفلح، ومن طلب إلى حاملها أنجح، ثم قال:
[من الكامل المجزوء]
لا تعجبنّ بلحية ... كثّت منابتها طويله
يهوي بها عصف الريا ... ح كأنها ذنب السّخيله
قد يرزق الشرف الفتى ... يوما ولحيته قليله
فأعجب بكلامه ووصله.
«٦٨٦» - قال المنصور لابن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك، أما ترى عبد الله ابن الربيع ما أحسنه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لأنا أحسن منه. قال: يا سبحان الله وتحلف أيضا؟ قال [ابن عياش] : لئن لم تصدّقني فاحلق لحيته وأقمه إلى جانبي ثم انظر أيّنا أحسن.
«٦٨٧» - عبد الله بن إسحاق بن سلام المكاري [١] : [من الكامل]
وتكيد ربّك في مغارس لحية ... الله يزرعها وكفّك تحصد
تأبى السجود لمن براك تمرّدا ... وترى العبيد الأرذلين فتسجد
стр. 3793
«٦٨٨» - آخر: [من الكامل المرفل]
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحرية قمن بها السفح
فانجابت السحب التي نشأت ... فكأنّما خرجوا ليستصحوا
٦٨٩- وقع أعرابي إلى أرض أصبهان في أيام الربيع فاستطاب الهواء وأنس بالأشجار، فلما جاء الشتاء [....] الأشجار [....] الأقطار فجعل يرتعد من البرد وتخفق أحشاؤه فقال: [من الرجز]
بأصبهان شعثت أموري ... لما تقضّى الصيف ذو الحرور
ورمّت الآفاق بالهرير ... والثلج مقرون بزمهرير
جاءت بشرّ مجنب عاثور ... لولا شعار البرّة البرور
أمّ الكبير وأبي الصغير
البرة: الشمس، والمجنب: الكبير، والعاثور: المهلك من قولهم وقع في عاثور شر.
٦٩٠- أنشد الحافظ لرجل من بني نمير وكانت امرأته حضرية:
[من الطويل]
لعمري لأعرابية بدويّة ... تظل بروقي بيتها الريح تخفق
أحبّ إلينا من ضناك صفيّة ... إذا وضعت عنها المراوح تعرق
كبطيخة البستان ظاهر جلدها ... صحيح ويبدو داؤها حين تفلق
стр. 3794
«٦٩١» - كان لبني عدي بن عبد مناة بالبصرة رجل شاب ينزل به يقال إن جمل عائشة ﵂ في موضعه، فابتنى على ذلك [الموضع مسجدا] فقال رجل منهم يهجوهم: [من السريع]
قوم كرام غير ما أنّهم ... سطوتهم تغدو على جارهم
ليس لهم فخر سوى مسجد ... به تعدّوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم
«٦٩٢» - كانت لأعرابي امرأتان فولدت إحداهما جارية والأخرى غلاما فرقّصته أمّه وقالت مضارّة لضرّتها: [من الرجز]
الحمد لله الحميد العالي ... أنقذني العام من الخوالي
من كلّ شوهاء كشنّ بالي ... لا تدفع الضّيم عن العيال
وسمعت الأخرى فأقبلت ترقّص بنتها وتقول: [من الرجز]
وما عليّ أن تكون جاريه ... تغسل رأسي وتكون الغاليه
وترفع الساقط من خماريه ... حتى إذا ما بلغت ثمانيه
أزّرتها بنقبة يمانيه ... أنكحها مروان أو معاويه
أصهار صدق ومهور غاليه
فتزوجها مروان على مائة ألف وقال: إن أمها لحقيقة أن لا يكذب ظنها ولا يخاس بعهدها. وقال معاوية: لولا أن مروان سبقنا إليها لأضعفنا لها المهر، ولكن لا تحرم الصلة، فبعث إليها بمائتي ألف درهم.
стр. 3795
«٦٩٣» - رفعت امرأة زوجها إلى القاضي تبغي الفرقة، وزعمت أنه كلّ ليلة يبول في الفراش. فقال الرجل: أصلحك الله لا تعجل حتى أقصّ عليك قصتي:
إني أرى في منامي كأني بجزيرة في البحر، وفيها قصر وفوق القصر علّيّة، وفوق العلّيّة قبّة، وفوق القبّة جمل، وأنا على ظهر الجمل، وإن الجمل يتطأطأ ليشرب من البحر فإذا رأيت ذلك بلت فرقا. فبال القاضي وقال: يا هذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه، فكيف بمن رأى الأمر عيانا؟
٦٩٤- شكا رجل إلى الطبيب وجع البطن وقال: قد أكلت سمكا ولحم بقر وبيضا ومامشا فقال: انظر فإن متّ من هذا وإلا فارم نفسك من حالق.
«٦٩٥» - ركب يزيد بن نهشل بعيرا له لا يكاد ينهض، فلما استوى عليه قال: اللهم إنك قلت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(الزخرف: ١٣) ، وإنّي أشهدك أنّي بهذا [١] ، فنفر البعير وتعلّقت رجله بالغرز والبعير يجمز به حتى مات [٢] .
٦٩٦- وكانت جماعة من طلاب الحديث يمشون إلى شيخ لهم، فقال خليع منهم: امشوا رويدا فإن طالب الحديث يطأ على أجنحة الملائكة حتى لا تكسروها، فعثر عثرة فعرج منها.
«٦٩٧» - وكان بالمغرب ورّاق فكتب مصحفا في أسبوع فقيل له: في كم كتبته؟ فقال: في ستة أيام وما مسنا من لغوب [٣] ، فحشّت يده، فسّر قوله تعالى:
стр. 3796
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
(التوبة: ٦٥) .
«٦٩٨» - أبو نواس: [من الطويل]
خلعت مجوني واسترحت من العذل ... وكنت وما لي في التّماجن من مثل
أيا ابن أبان هل سمعت بفاسق ... يعدّ مع النّساك فيما مضى قبلي
ألم تر أني حين أغدو مسبّحا ... بسمت أبي ذرّ وقلب أبي جهل
وأخشع في مشيي وأحفظ ناظري ... وسجادتي في الوجه كالدرهم البغلي
وآمر بالمعروف لا عن تقيّة ... وكيف وقولي لا يصدّقه فعلي
ومحبرتي رأس الرّياء ودفتري ... ونعلاي في كفيّ من آلة الختل
أؤمّ فقيها ليس دهري فقهه ... ولكن لديه المرد مجتمع الشّمل
فكم أمرد قد قال والده له ... عليك بهذا إنه من أولي الفضل
يفرّ به من أن يشاطر صاحبا ... كمن فرّ من حرّ الجراح إلى القتل
«٦٩٩» - كتب الحمدوني إلى صديق له حبس عليه دفاتره: [من الكامل]
ما بال كتبي في يديك رهينة ... حبست علي كذا الزمان الأطول
ايذن لها في الإنصراف فإنها ... كنز عليه والزمان معوّلي
فلقد تغنّت حين طال ثواؤها ... طال الثواء على رسوم المنزل
«٧٠٠» - أبو بكر الخوارزمي: [من الكامل]
لا غرو من صيد الأمير بعده ... إن الأسود تصاد بالخرفان
стр. 3797
قد غرّقت أملاك حمير فارة ... وبعوضة قتلت بني كنعان
«٧٠١» - قال المتوكل يوما: أتعلمون ما عاب الناس على عثمان؟ فقال بعض جلسائه: لما قبض رسول الله ﷺ قام أبو بكر على المنبر دون مقامه بمرقاة، ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد في مقعد رسول الله ﷺ فأنكروا عليه ذلك. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين، ما أجد أعظم منّة عليك ولا أسبغ معروفا من عثمان. قال: وكيف ويلك؟ فقال: لأنه صعد ذروة المنبر، ولولا ذلك لكان كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدّمه مرقاة لكنت تخطبنا أنت من بئر جلولاء.
«٧٠٢» - قدمّ إلى عبادة رغيف يابس فقال: هذا نسج في أيام بني أمية ولكن محي طرازه.
«٧٠٣» - قيل جاء ابن قريعة فاتفق أن مداما كان يلعب بالأربعة عشر من يرسل له، فانتظره إلى أن يفرغ من دسته، ثم نهض مدام فاستأذن له، وخرج فأوصله. وقال له الوزير: أين كنت؟ قال: عند مدام، قال: وماذا كان يصنع؟ قال القاضي: كان مقابلا لخادم آخر وبين أيديهما [دست] كشرائح البدور، موزعة جنسا من الحبوب الرياحية على لونين مختلفين، وفي أيديهما كفتان يصكّان بهما الأرض صكّا، فإذا انتصبا ماثلين، وتخالفا في الحالين، سرّ أحدهما واستبشر [واغتاظ الآخر] واستشاط، وإذا اضطجعا في....
غمّ صاحبهما إياسا، ونكّس رأسه، وهذى وسواسا، ودعا عليهما، ولا ذنب لهما. فقال المهلبي: لو نظم هذا شعرا لحسن.
٧٠٤- وقال أبو إسحاق الصابي: كنّا ليلة بحضرة الوزير أبي محمّد المهلبي
стр. 3798
نتذاكر والقاضي أبو بكر بن قريعة حاضر، فأنشدت قطعة من أراجيز المعاني أو غيرها، فاستحسنها المهلبي ومن حضر، وأعجبت القاضي، فقال: يا أبا إسحاق من قائل هذه؟ فقلت له عبثا به: أبو العباس درستويه؛ فقال: أبو العباس صاحب أبي سهل ديرويه؟ قلت: نعم؛ قال: وهو بهذه المنزلة من الأدب والعلم؟ فقلت:
وأكثر. وكان هذا الرجل طغامة [١] ، وقد أوردت حكايات عنه في كتابي الذي ألّفته ولقّبته ببدائع ما نجم من مختلفي كتّاب العجم، وهو الذي حضر مجلس أبي الفرج ابن فسانجس وهو جالس للعزاء بأبيه أبي الفضل وقد ورد نعيه من الأهواز، وعند أبي الفرج رؤساء الدولة يعزّونه، وقد قلّد الديوان مكان أبيه، فلما تمكّن درستويه في مجلسه تباكى وقال: اللهمّ ارحم أبا الفضل، كان تربي، وكان وكان، وعدّد كثيرا من أحواله، ثم التفت إلى أبي الفرج وقال له: أطال الله بقاء سيّدنا، دع ما يقول الناس، ورد كتاب بهذا؟ فقال أبو الفرج: قد وردت كتب عدّة؛ فقال: دع هذا كلّه، ورد كتابه بخطّه؟ ما جلسنا للعزاء بكما، وأطرق وهو كالمتبسم، وضحك الحاضرون، وانقطع العزاء، ونهض أبو الفرج ولم يعد إلى مجلسه.
قال أبو إسحاق، فقال القاضي: ما علمنا أن أبا العباس بهذه المنزلة من العلم، فيجب أن نقصده ونأخذ عنه فوائده، ونستدعي ديوانه، ونكتب عنه.
فقلت قصّر القاضي حيث لم يفعل هذا إلى الآن. قال وانقطع المجلس وبكّر القاضي وقصد دار درستويه، واستأذن عليه، وبدأه بالسلام ومعرفة خبره والاعتذار إليه من تقصيره في حقّه، وذاك يجيبه بما يقتضيه لفظه، ثم قال له القاضي: كنّا البارحة بحضرة الوزير، أطال الله بقاءه، نسمر، فأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير أعزّه الله وجميع من حضر، فقلت ما يجب على مثلي من أصدقاء الشيخ وأودّائه من يستتبعها بالوصف لها والطرب عليها، وموفيها الحقّ من استحسانها بذلك المجلس، وحضرت الآن لآخذ هذه
стр. 3799
الأرجوزة من فيه، وأضيف إليها من محاسنه ما تقرّ عين مواليه، واسأله إحضار ديوانه لأطالعه وأستزيد منه. فشخص درستويه لا يعلم ما يسمع، ولا يدري بماذا يجيب، وكان له ابنان يزيدان عليه في التخلّف، فاستدعى الأصغر منهما وكان يكنى أبا نصر، وقال له: اسمع قول القاضي وانظر ما حاجته؛ فسأل الصبيّ القاضي عن حاجته، واستشعر السخرية في القصة، وأعاد ذكر الأرجوزة وما جرى، واختصر اللفظ وقلّل العبارة، فلم يعلم الآخر مراده فأحضرا أخاه الأكبر، وقال: القاضي يعيد على أخي ويذكر حاجته؛ فاختصر القاضي اللفظ جميعه، وذكر الأرجوزة، فقطع عليه الكلام وقال: حسبك، قد عرفت ما أراد القاضي، والتفت إلى أبيه فقال له بالفارسية: ولو يكلاه جورد، وتفسيره يطلب خرقة يعملها قلنسوة، فقال الشيخ: وكرامة وعزازة. ثم استدعى خازنه وتقدّم إليه بأن يحمل ما عنده من الخرق إلى بين يدي القاضي ليختار ما يريده. وكان درستويه هذا حسن التجمّل ظاهر المروءة. فحمل الخازن رزمتين كبيرتين فيهما خرق من أصناف الديباج والسقلاطون والحلل. ففتح القاضي واختار منها عشرين خرقة تساوي عشرين دينارا، ووضعها في كمّه وقال: الله يطيل عمر الشيخ، فإنه وولده بقيّة الفضل في بلدنا. ونهض ودرستويه يشكره.
قال أبو إسحاق: وراح القاضي إلى دار المهلبي على رسمه واجتمعنا، فقال: يا عيّار، عملت عليّ مكيدة لم تضرّني، وأعاد الحديث على سرحه، وأخرج الخرق من كمّه. فضحك المهلبي حتى فحص برجليه الأرض وضحك الحاضرون، وردّ الخرق إلى كمّه، ٧٠٥- وكان القاضي يوما بحضرة عضد الدولة، فسمع استغاثة فقال:
انظروا ما هي! فقالوا: أحد العمال يعرف بابن النّفّاط قد جرت له قصة أو معه.
فعجب الملك من اللقب الذي نسب هذا الرجل إليه، وكيف هو راض بأن يكتب نسبه في رقاعه وحسابه وكتبه. فقال القاضي: أطال الله بقاء مولانا، لقب تعريف. فقال عضد الدولة: يا قاضي، ما معنى لقب تعريف؟ فقال القاضي:
стр. 3800
الألقاب، أدام الله نعمة مولانا، ثلاثة: لقب تعريف ولقب تشريف ولقب تسخيف؛ فأما لقب التشريف فعضد الدولة وتاج الملّة ومعزّ الأمّة وما أشبه ذلك، وأما لقب التعريف فابن النفّاط وابن الخياط وابن الخرّاط وما أشبه ذلك.
وأما لقب التسخيف فابن قطقط وابن زرقط وما أشبه ذلك. فضحك عضد الدولة وقال: القاضي مفتنّ في كل باب أدخلناه أحسن الخروج منه.
تم الباب السابع والأربعون
стр. 3801
الباب الثّامن والأربعون في الملح والسّنوادر
стр. 3802
[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وبه الإعانة والتوفيق وأسأله حسن الختام الحمد لله الذي شرّفنا بآدابه، وضرب لنا الأمثال في كتابه، وجعل لكلّ خلق حدّا، وبمقدار كلّ ذنب عقوبة وحدّا. نهانا عن اللهو، ولم يؤاخذنا باللغو، وأبرانا من الأوزار والمآثم، ما لم نتعمّد عاقدات العزائم، مسامحة منه وعطفا، إذ علم منا عجزا عن إصدار الحدّ وضعفا. وصلواته على نبيّه المخصوص بأسهل الشّيم وأشرفها، وأرقّ الأخلاق وألطفها، ندب إلى ترك الكلوح والعبوس، وحذّر من اليوم القمطرير العبوس، مزج لنا في دعوته عنفا ورفقا، ومزح ولم يقل إلا حقّا، ونهانا عن الهزل جدا بنا وصدقا، وعلى آله ومتّبعيه، أهل العزم الصريح ومبتغيه.
стр. 3803
[بداية الباب الثامن والأربعون]
(الباب الثامن والأربعون في الملح والنوادر) النوادر روّاحة، وبها للمكدود استراحة، لا سيما إذا أثقله عبء الجدّ، وعاد باحتماله كليل الحدّ. وهي صادرة عن مزح قد رخّص فيه، ودعابة لم يخل منها كل شريف ونبيه؛ ولا بأس بها ما لم تكن سفها، ولا غرو والله قد وعد في اللّمم بالتجاوز والعفو.
«٧٠٦» - كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا.
«٧٠٧» - وقيل لسفيان: المزاح هجنة؟ فقال: بل سنّة، لقوله ﵊: إني لأمزح ولا أقول إلا الحقّ.
«٧٠٨» - ومن مزحه ﵊ قوله لخوّات بن جبير الأنصاري ما فعل جملك الشرود؟ قال: عقله الاسلام.
«٧٠٩» - وسمع ﷺ رجلا يقول: [من الخفيف المجزوء]
هل عليّ ويحكما ... إن لهوت من حرج
فقال: لا حرج إن شاء الله.
стр. 3804
وروي أنه قال هذا لسيرين [١] جارية حسان بن ثابت، وكانت سيرين أخت مارية أمّ ابنه إبراهيم ﵇. وكان المقوقس أهداهما إليه ﷺ ، فوهب سيرين لحسان وسمعها تغنّي بهذا الشعر في أطم حسّان، فقال ذلك.
«٧١٠» - وقال ﷺ لرجل استحمله: نحن حاملوك على ولد النوق قال: لا تحملني، قال: أليس الإبل من ولد النوق؟
«٧١١» - وقال ﷺ : ينال العبد بحسن الخلق أجر الصائم القائم.
«٧١٢» - ووجد ﷺ صهيبا يوما وعينه تشتكي، فقال: يا صهيب تأكل التمر على علة عينك؟ فقال يا رسول الله إنما آكله من شقّي الصحيح. فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه.
«٧١٣» - وأصبح ﷺ يوما متغير الوجه، فقال بعض أصحابه لأضحكنّه، فقال: بأبي أنت وأمي، بلغني أنّ الدجال يخرج والناس جياع فيدعوهم إلى الطعام، أفترى إن أدركته أن أضرب في ثريدته حتى اذا تضلّعت آمنت بالله وكفرت به أم أتنزّه عن طعامه؟ فضحك ﷺ وكان ضحكه التبسّم- وقال:
بل يغنيك الله تعالى يومئذ بما يغني المؤمنين.
«٧١٤» - وقال ﷺ لامرأة من الأنصار: إلحقي زوجك ففي عينه بياض.
فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة، فقال لها: ما دهاك؟ قالت: إن النبيّ ﷺ قال لي إن في عينك بياضا. قال الرجل: إن في عيني بياضا لا لسوء.
стр. 3805
«٧١٥» - وأتته عجوز أنصارية فقالت يا رسول الله: ادع لي بالجنة، فقال لها: أما علمت أنّ الجنّة لا يدخلها العجز، فصرخت، فتبسّم ﷺ وقال لها: أما قرأت إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً
(الواقعة: ٣٥- ٣٧) .
«٧١٦» - وروي أن رجلا عدا على امرأة فقبلها فأتت النبي ﷺ فشكت ذلك إليه فقال: ما تقول هذه؟ قال: صدقت يا رسول الله فأقصّها. فتبسّم ﷺ وقال:
أو لا تعود. فقال: لا أعود.
نظر إلى هذا المعنى ابن سيابة فقال من أبيات هزل فيها: [من المجتث]
لئن لمتك يوما ... فأبصرتني رحاص
هجرتني وأتتني ... مسبّة وانتقاص
فهاك فاقتصّ مني ... إن الجروح قصاص
«٧١٧» - نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى أعرابيّ يصلّي صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهمّ زوّجني بالحور العين. فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة.
«٧١٨» - وقال علي ﵇: لا بأس بالفكاهة يخرج منها الرجل عن جدّ العبوس.
«٧١٩» - وأتاه رجل برجل فقال: إن هذا زعم أنه احتلم على أمّي، فقال:
أقمه في الشمس فاضرب ظله.
стр. 3806
«٧٢٠» - روي عن أبي الدرداء أنه كان لا يتحدث إلا وهو يبتسم في حديثه.
«٧٢١» - وكان ابن عباس ﵁ إذا أكثر عليه في مسائل القرآن والحديث يقول: أحمضوا، يريد خذوا في الشعر وأخبار العرب.
«٧٢٢» - وقيل: ضاف سلمان الفارسي ﵀ رجل فقدم إليه كسرا وملحا، فلما أكل وشبع قال: رضيت بما قسم الله تعالى لك لم ترهن للزكاة.
«٧٢٣» - وقال ابن عمر ﵁ لجارية وأراد مزاحها: خلقني خالق الكرام وخلقك خالق اللئام.
«٧٢٤» - سئل النخعي: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟
قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي.
«٧٢٥» - وكان نعيمان أحد الصحابة البدريين مزّاحا. روي أنه خرج مع أبي بكر ﵁ فضحك، وكان في الجملة سويبط- وهو بدريّ أيضا وكان سويبط على الزاد- فقال نعيمان: أطعمني، فقال لا حتى يأتي أبو بكر، فقال نعيمان: والله لأغيظنّك، وجاء إلى ناس جلبوا ظهرا، فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيّا فارها، وهو دعّاء له لسان لعلّه يقول: أنا حرّ، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي. قالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل
стр. 3807
بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال لهم: دونكم! هو هذا. فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك، فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حرّ. قالوا: قد أخبرنا خبرك. فوضعوا الحبل في عنقه وذهبوا به. فجاء أبو بكر ﵁ فأخبر بذلك، فذهب هو وأصحاب له فرّدوا القلائص، وأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فضحك منه حولا.
«٧٢٦» - وأهدى نعيمان إلى النبي ﷺ جرّة عسل اشتراها من أعرابيّ بدينار، وأتى بالأعرابي باب النبي ﷺ وقال: خذ الثمن من ههنا. فلما فتحها النبي ﷺ نادى الأعرابيّ: ألا أعطى ثمن عسلي؟ فقال رسول الله ﷺ : إحدى هنات نعيمان، وسأله: لم فعلت هذا؟ قال: أردت برّك ولم يكن معي شيء.
فتبسم النبي ﷺ وأعطى الأعرابيّ حقه.
«٧٢٧» - شكى عيينة بن حصن إليه صعوبة الصيام عليه، فقال: صم بالليل. وروي أنه دخل عيينة على عثمان وهو يعطي في شهر رمضان، فقال:
العشاء! فقال: أنا صائم. قال عثمان: أتصوم بالليل؟ قال: هو أخفّ عليّ.
فيقال إن عثمان قال: إحدى هنات نعيمان.
«٧٢٨» - ومرّ نعيمان يوما بمخرمة بن نوفل الزبيري وهو ضرير فقال له: قدني حتى أبول. فأخذ بيده حتى إذا كان في مؤخّر المسجد قال: اجلس، فجلس يبول.
وصاح به الناس يا أبا المسور، إنك في المسجد. فقال: من قادني؟ قيل: نعيمان؛ قال: لله عليّ أن أضربه ضربة بعصاي إن وجدته. فبلغ ذلك نعيمان، فجاء يوما فقال يا أبا المسور: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم، قال: هو ذا يصلي، وجاء بيده وأتى به إلى عثمان وهو يصلّي، فقال: هذا نعيمان، فعلاه بعصاه، وصاح به الناس
стр. 3808
ضربت أمير المؤمنين. فقال: من قادني؟ قال: نعيمان قال: لا جرم لا عرضت له بشرّ أبدا.
«٧٢٩» - وقال عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير يقصّ علينا حتى يبكينا وربما لم يقم حتى يضحكنا.
«٧٣٠» - قيل إن عمر بن عبد العزيز لم يمزح بعد الخلافة إلا مرتين: إحداهما أن عديّ بن أرطأة كتب إليه يستأذنه في أن يتزوّج ابنة أسماء بن خارجة، فكتب إليه عمر: أما بعد فقد أتاني كتابك تستأذن في هند، فإن يك بك قوة فأهلك الأوّلون أحقّ بك وبها، وإن يك بك ضعف فأهلك الأوّلون أعذر لك، ولكن الفزاري والسلام. يريد بذلك قول الفزاري: [من البسيط]
إنّ الفزاريّ لا ينفكّ مغتلما ... من النواكة دهدارا بدهدار [١]
وأما الثانية [٢] فإن رجلا من أهل أمج [يقال له حميد] هجاه ابن عم له فقال:
[من المتقارب]
حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر والشيبة الأصلع
فقدم حميد بعد ذلك على عمر [فلم يعرفه فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد.
فقال عمر:] الذي أمج داره. فقال: والله ما شربتها منذ عشرين سنة. فقال:
صدقت، وإنما أردت ان أبسطك. وجعل يعتذر إليه.
стр. 3809
«٧٣١» - سأل رجل الشعبيّ عن المسح على اللّحية فقال: خلّلها بأصابعك فقال: أخاف أن لا تبلّها. قال الشعبيّ: إن خفت فانقعها من أولّ الليل.
«٧٣٢» - وسأله آخر هل يجوز للمحرم أن يحكّ بدنه؟ قال: نعم؛ قال:
مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم.
«٧٣٣» - وروي في حديث النبي ﷺ تسحّروا ولو بأن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثم يضعها في فيه. فقال رجل: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي [إبهام رجله] وقال: هذه. وأشار بيده إلى المرأة [١] .
«٧٣٤» - قيل لسفيان الثوري: المزح هجنة؟ قال: بل سنّة.
«٧٣٥» - وجاء رجل إلى أبي حنيفة ﵁ فقال له: اذا نزعت ثيابي ودخلت النهر لأغتسل، فإلى القبلة أفضل أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى ثيابك التي تنزعها لئلا تسرق.
«٧٣٦» - قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائك يوم عيد فقال: يا أبا إسحاق، ما تقول في رجل صلّى صلاة العيد ولم يشتر ناطفا، ما الذي يجب عليه؟ فتبسّم إبراهيم ثم قال: يتصدق بدرهمين. فلما مضى قال: ما علينا أن نفرّح المساكين من مال هذا الأحمق.
стр. 3810
«٧٣٧» - أقرّ رجل عند شريح بشيء ثم ذهب لينكر، فقال شريح: فقد شهد عليك ابن [أخت] خالتك.
«٧٣٨» - واشترى رجل من رجل شياها فإذا هي تأكل الذباب، فخاصمه إلى شريح فقال: لبن طيّب وعلف مجان.
«٧٣٩» - قال الأعمش لجليس له: تشتهي بنانيّ [١] زرق العيون، بيض البطون، سود الظهور، وأرغفة باردة لينة وخلا حاذقا؟ قال: نعم قال:
فانهض بنا. قال الرجل: فنهضت معه. ودخل ودخلت معه، فقال: جرّ تلك السلّة، فكشطتها فإذا فيها رغيفان يابسان وسكرّجة كامخ نبيت، فجعل يأكل وقال: تعال وكل. قال، فقلت: فأين السمك؟ قال: ما قلت لك عندي وإنما قلت لك: تشتهي ذلك؟
«٧٤٠» - قال المنصور يوما لعبد الله بن عياش المنتوف: قد بغّضت إليّ صورتك عشرتك، وكفرت بالله لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعنّ يدك.
فأعفاها حتى اتّصلت. فكان عنده يوما وحدّثه بأحاديث استحسنها، فقال له:
سل حاجتك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، لحيتي تقطعني إياها أعمل بها ما أريد. فضحك المنصور وقال له: قد فعلت.
«٧٤١» - مرّ شريح برجل بمجلس لهمدان فسلّم فردّوا السلام عليه، وقاموا فرحّبوا به، فقال: يا معشر همدان، إني لأعرف أهل بيت منكم لا يحلّ لهم
стр. 3811
الكذب. قالوا: من هم يا أبا أمية؟ فقال: ما أنا بالذي أخبركم. فجعلوا يسألونه وتبعوه ميلا أو قرابة ميل يقولون: يا أبا أمية من هم؟ وهو يقول: لا أخبركم.
فانصرفوا عنه وهم يتلهّفون [ويقولون] : ليته أخبرنا بهم.
«٧٤٢» - وحج الأعمش فلما أحرم لاحاه الجمّال في شيء فرفع عكّازه فشجّه بها، فقيل له: يا أبا محمد وأنت محرم؟ قال: إن من تمام الإحرام شجّ الجمّال.
«٧٤٣» - وقال ابن عياش: رأيت على الأعمش فروة مقلوبة صوفها إلى خارج، فأصابنا مطر فمررنا على كلب فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاة.
«٧٤٤» - وقال عيسى بن موسى، وهو يلي الكوفة، لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء واحضروني. فجاء الأعمش في جبة فرو، وقد ربط وسطه بشريط، [فأبطأوا] فقام [الأعمش] وقال: إن أردتم أن تعطونا شيئا وإلا فخلّوا سبيلنا.
فقال عيسى لابن أبي ليلى: قلت لك تأتيني بالفقهاء فجئتني بهذا؟ فقال: هذا سيّدنا الأعمش.
«٧٤٥» - وقيل للأعمش ما تصنع عند مظهر أخي يقطين؟ فقال: آتيه كما آتي الحشّ إذا لي إليه حاجة.
«٧٤٦» - وكان بين الأعمش وبين امرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه ان يرضيها ويصلح بينهما. فدخل إليها وقال: إن أبا محمد شيخنا وفقيهنا، فلا يزهّدنّك فيه عمش عينه وحموشة ساقيه، وضعف ركبتيه، وقزل رجليه، ونتوء جبينه، وبخر فيه. فقال الأعمش: قم عنا قبّحك الله فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه وتبصره.
стр. 3812
«٧٤٧» - كان ابن أبي عتيق- وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- مع عفافه وشرفه وورعه ماجنا ظريفا له نوادر مستظرفة تكاد أن تبلغ به حدّ الخلاعة.
قالت له جاريته يوما: إن فلانا القارىء- وكان يظهر النّسك- قد قطع عليّ الطريق وآذاني ويقول لي: أنا أحبّك. فقال لها: قولي له: وأنا أيضا أحبّك ثم واعديه المنزل. ففعلت وأدخلته المنزل؛ وكان قد واعد جماعة من أصحابه ليضحكوا من الرجل. ودخلت الجارية إلى البيت الذي فيه الرجل، فدعاها فاعتلّت عليه فاحتملها وضرب بها الأرض، فدخل عليه ابن أبي عتيق وأصحابه وقد تورّكها. فخجل وقام، وقال: يا فسّاق، ما تجمّعتم ههنا إلا لريبة. فقال ابن أبي عتيق: استر علينا ستر الله عليك.
«٧٤٨» - ومر ابن أبي عتيق بعبد الله بن عمر فقال له: ما تقول في إنسان هجاني فقال لي: [من الكامل المرفل]
أذهبت مالك غير متّرك ... في كل مومسة وفي الخمر [١]
ذهب الإله بما تعيش به ... وبقيت وحدك غير ذي وفر
فقال: أرى أن تأخذ بالفضل وتصفح. فقال له ابن أبي عتيق: أنا والله أرى غير ذلك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن أنيكه. فقال: سبحان الله، ما تترك الهزل! وافترقا ثم لقيه ابن أبي عتيق بعد ما ظنّ أن ابن عمر قد نسي، فقال له: أتدري ما فعلت بذلك الانسان؟ قال: أيّ إنسان؟ قال: الذي أعلمتك أنه هجاني؛ قال:
стр. 3813
ما فعلت به؟ قال: كل مملوك لي حرّ إن لم أكن نكته. فأعظم ذلك ابن عمر واضطرب؛ فقال له ابن أبي عتيق: امرأتي والله التي قالت الشعر وهجتني.
وامرأته أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.
«٧٤٩» - وقع بين حيين من قريش منازعة، فخرجت عائشة- ﵂ على بغل لها فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك؟ قالت:
أصلح بين هذين الحيين؛ فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل يوم البغل؟ فانصرفت.
«٧٥٠» - كان ابن أبي عتيق يتعشى ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر في الدار وآخر وثالث، فقال لجاريته: اخرجي فانظري اذّنوا للمغرب! فخرجت وجاءت بعد ساعة فقالت: أذنوا وصلّوا. فقال له الرجل الذي كان عنده: أليس قد صلّينا قبل أن تدخل؟ قال: بلى، لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرجمنا إلى الغداة. قال: أفهمت؟ قال: نعم فهمت.
٧٥١- كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: غفر الله له وأراحنا منه.
«٧٥٢» - جاء رجل إلى الشعبي فقال: أصاب ثوبي التوت، قال: اغسله، قال: بم أغسله؟ قال: بالخلّ والأنجذان.
«٧٥٣» - مرّ أبو سفيان بعد إسلامه بأحد فقيل له: أي ملك [١] ههنا؟ قال:
والآن لو وجدت رجالا.
وهذا الكلام وإن كان ظاهره المزح فغير مستبدع من أبي سفيان أن يكون جدّا.
стр. 3814
«٧٥٤» - قال رجل لأبي يعقوب فقيه سجستان: إذا شيّعنا جنازة فقدّامها أفضل أن نمشي أم خلفها؟ فقال: اجهد أن لا تكون عليها وامش حيث شئت.
«٧٥٥» - قيل للأعمش: ما أعمش عينيك؟ فقال: النظر إلى الثقلاء.
٧٥٦- ماشى شرحبيل بن السمط معاوية فراثت دابّته، وكان عظيم الهامة بسيط القامة، فقال له معاوية: يا أبا يزيد، يقال إن الهامة إذا عظمت دلّت على وفور الدماغ وصحّة العقل. فقال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ناقص ضعيف. فتبسّم معاوية وقال: كيف ذلك لله درّك؟ قال:
لإقضامي هذا النائك أمّه مكوكي شعير. فضحك وحمله على دابّة من مراكبه.
«٧٥٧» - أكل عذريّ مع معاوية فرأى ثريدة كثيرة السمن فجرّها بين يديه فقال معاوية: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
(الكهف: ٧١) فقال: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
(فاطر: ٩) .
«٧٥٨» - وروي عن بعض المسجونين قال: كنا مع ابن سيرين في السجن فكان يمر بنا ونحن نلعب الشطرنج فيقوم قائما فيقول: ادفع الفرس! افعل كذا!.
«٧٥٩» - ويروى أن ابن سيرين كان ينشد: [من البسيط]
نبّئت أنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصّوم في الطول
ويضحك حتى يسيل لعابه.
«٧٦٠» - وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: كنت ألعب الشطرنج مع
стр. 3815
صديق لي في بيته حين خفت الحجاج.
«٧٦١» - قال الأصمعي: شهرت بالأدب، ونلت بالملح.
«٧٦٢» - وقد مدح الشعراء اللعب في موضعه كما مدح الجدّ في موضعه. قال الأبيرد: [من الطويل]
إذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
وأنشد أبو تمام: [من الكامل]
الجدّ شيمته وفيه فكاهة ... طورا ولا جدّ لمن لم يلعب
«٧٦٣» - قيل للشعبي: كيف بتّ البارحة؟ فطوى كساءه في الأرض ثم نام عليه وتوسّد يده وقال: هكذا أبيت.
«٧٦٤» - قال المأمون ليحيى بن أكثم: يا أبا محمد من الذي يقول:
[من المنسرح]
قاض يرى الحدّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: من لعنه الله، أوما تعرفه يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هو أحمد بن [أبي] نعيم الذي يقول: [من المنسرح]
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس
فخجل المأمون وقال: لعنه الله! ينفى إلى السند.
стр. 3816
«٧٦٥» - وأولم المتوكل فلما أراد اللعب قال ليحيى بن أكثم: انصرف، قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنا نخلط، فقال: أحوج ما تكونون إلى قاض إذا خلّطتم. فاستظرفه المتوكل وأمر بغلف لحيته، ففعل. فقال: إنّا لله، ضاعت الغالية، هذه كانت تكفيني دهرا لو دفعت إلي. فضحك المتوكل وأمر له بزورق ذهب مملوء غالية ودرج بخور في كمه وانصرف.
«٧٦٦» - واستأذن يحيى على المتوكل وهو يلعب مع الفتح بن خاقان بالنرد، فغطّيت الرقعة بمنديل. فقال له المتوكل: إني كنت ألاعب الفتح فكره دخولك واحتشمك؛ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن خاف أن أعلّمك عليه، فضحك وأمر له بمال.
«٧٦٧» - وقال عبادة ليحيى بن أكثم، وهما عند المأمون: علمني فرائض الصلب فإني أشتهيها. فقال المأمون وتبسّم: ما تقول في مسألته؟ قال: قد أخطأ إنما يسأل هذا في الصبا، أما سمع قول القائل: [من السريع]
وإنّ من أدّبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
انما يعلّم الحدث بشرط أن يكون وضيئا زكيا سهل الأخلاق، فإن كان له ابن بهذا الشرط علمناه. وقال عبادة: لو دخلت في صناعتنا لم يقم بك [١] أحد. فقال يحيى: فأنا خارج عنها وما بأحد عليّ قوة.
«٧٦٨» - ما سمع للمهتدي مزحة سوى قوله لسليمان بن وهب، وفي رجله خف واسع يصوّت: يا سليمان خفّك هذا ضرّاط، وهو يعرض بضرطة وهب
стр. 3817
التي طار خبرها في الآفاق وعلى ألسن الشعراء. فقال: يا أمير المؤمنين ضرطة خير من ضغطة.
«٧٦٩» - سئل الشعبي عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.
فقيل له: ما تقول في [أكل] الذباب؟ قال: إن اشتهيته فكله.
٧٧٠- كان القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن قريعة من أهل الأدب والفضل والعلم، وكان حلو المداعبة وله نوادر مدونة. وكان في دار المهلبي وقد نزع القاضي دنّيته [١] وتركها إلى جنبه. فجاء أبو إسحاق الصابي وجلس إلى جانبه وأخذ المروحة ليتروح وضرب الدنّية بالمروحة دفعات كأنه ينفضها من التراب، والقاضي في الصلاة، فخفّف ثم قال له: يا أبا إسحاق أما إنها لو كانت في مقرّ عزّها لعزّ عليك ما هان من أمرها. ثم عاد إلى صلاته.
«٧٧١» - صنّف المرتضى كتابا وسماه الذخيرة فاستعاره البصروي ينسخه، فلما أراد الخروج قال له المرتضى: يا أبا الحسن، الذخيرة عندك؟ فعاد وقال: يا سيّدنا، هذا الكتاب! فقال له: لم عدت وأخرجت الكتاب؟ فقال له: يا سيّدنا، تقول لي بمحضر من السادة الأولاد: الذخيرة عندك! ما الذي يؤمّنني من مطالبتهم بعد أيام؟ فتبسم المرتضى.
وإذ قد ذكرت جملة من مزح الأفاضل والاشراف وفكاهتهم، وذكرت في آخر كلّ باب نوادر تناسبه وتليق به، فأنا أثبت ههنا من النوادر ما شذّ عن تلك الأبواب وأنسبه إلى قائله، وأفرد كلّ جنس منهم بفصل، فيشتمل الباب بعد الفصل على اثني عشر فصلا وهي: نوادر الأعراب، نوادر الشعراء
стр. 3818
والأدباء، نوادر الظرفاء، نوادر المواجن النساء، نوادر في التعصّب والتحزّب، نوادر المخنثين، نوادر ذوي العاهات، نوادر البلغاء، نوادر الأغبياء والجهلاء وتصحيفهم وغلطهم وغيّهم، نوادر المتنبّئين والقصّاص والمخرقين، نوادر المجانين، نوادر السّفلة وأصحاب المهن والسوقة.
نوادر الأعراب
٧٧٢- عشق أعرابي يكنى أبا الصباح أعرابية فجعل يطلبها ولا تمكّنه حتى تزوّجها؛ فلما أراد عجز عنها فقال: [من الرجز]
كان أبو الصباح ينزو في وهق ... من شدة النّعظ ومن طول القلق
حتى إذا صادف جحرا ذا طبق ... مارسه حتى إذا ارفض العرق
«٧٧٣» - سئل أعرابي عن جارية يقال لها زهرة فقيل له: أيسرّك أنّك الخليفة وأنّ زهرة ماتت؟ فقال: لا والله تذهب الأمة وتضيع الأمّة.
«٧٧٤» - أقبل عيينة بن حصن الفزاري قبل إسلامه إلى المدينة، فلقيه ركب خارجون منها، فقال لهم: أخبروني عن هذا الرجل (يعني النبي ﷺ فقالوا:
الناس فيه ثلاثة: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا والعرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله وبينهم التذابح، ورجل يظهر له الاسلام إذا لقيه ويظهر لقريش أنه معهم.
قال: ما يسمى هؤلاء؟ قالوا: المنافقون. قال: ليس فيمن وصفتم أحزم من هؤلاء، أشهدكم أني من المنافقين.
«٧٧٥» - قال الأصمعي: مر أعرابي بقوم [١] يختصمون [فقال: في ماذا
стр. 3819
يختصمون؟، قالوا: في مسيل ماء؛ قال: والله ما بلت في موضع مرتين.
«٧٧٦» - خرج المهدي يتصيد فعار به فرسه حتى دفع إلى خباء أعرابي، فقال:
يا أعرابي هل من قرى؟ قال: نعم، وأخرج فضلة من لبن في كرش فسقاه. ثم أتاه بنبيذ في زكرة فسقاه قعبا، فلما شرب المهديّ قال: أتدري من أنا؟ قال: لا والله، قال: أنا من خدم الخاصّة، قال: بارك الله لك في موضعك. ثم سقاه آخر فشربه، ثم قال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال: نعم زعمت أنك من خدم الخاصة، قال:
بل أنا من قوّاد أمير المؤمنين، قال: رحبت بلادك وطاب مزادك. ثم سقاه قدحا ثالثا فلما فرغ منه قال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال: زعمت آخرا أنك من القوّاد، قال: لا ولكني أمير المؤمنين. فأخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولنّ إنك لرسول الله. فضحك المهدي وأحاطت بهم الخيل، ونزل إليه الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك؛ وأمر له بصلة. فقال: أشهد أنك لصادق، لو ادعيت الرابعة لخرجت منها.
«٧٧٧» - قال بعضهم: رأيت أعرابيا في بعض أيام الصيف قد جاء إلى نهر وجعل يغوص في الماء، ثم يخرج، ثم يغوص، ثم يخرج، وكلما خرج مرّة حلّ عقدة من عقد في خيط كان معه. فقلت: ما شأنك؟ قال: جنابات الشتاء أحسبهن كما ترى وأقضيهنّ في الصيف.
«٧٧٨» - عضّ ثعلب أعرابيا فأتى راقيا، فقال له الراقي: ما عضّك؟ قال: كلب واستحى أن يقول ثعلب. فلما ابتدأ يرقيه قال: اخلط به شيئا من رقية الثعلب.
«٧٧٩» - وقال بعضهم: صلّيت في مسجد باهلة بالبصرة، فقام أعرابي يسأل، فأمر له إنسان منهم برغيفين، فرآهما صغيرين رقيقين فلم يأخذهما
стр. 3820
ومضى وجاء برغيف كبير حسن وقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف بخبزكم فلعله ينجب.
«٧٨٠» - قرأ إمام في صلاة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
(التكوير: ١) فلما بلغ إلى قوله «فأين تذهبون» أرتج عليه، فجعل يردّدها، وكان خلفه أعرابي معه جراب، فلما طال عليه الأمر ولم ينبعث تقدم الأعرابيّ فصفعه بالجراب، وقال:
أما أنا فإلى كلواذى وهؤلاء الكشاخنة فلا أدري أين يذهبون.
٧٨١- كان أعرابيّ يفلّي كساءه ويأخذ البراغيث ويدع القمل، فقيل له في ذلك فقال: أبدأ بالفرسان وأكرّ على الرّجالة.
«٧٨٢» - ورؤي أعرابي يأكل ويخرى ويفلي كساءه، فقيل له: ما تصنع؟
قال: أخرج عتيقا، وأدخل جديدا، وأقتل عدوا.
«٧٨٣» - رأى أعرابيّ قوما يطلبون الهلال لغرّة شهر رمضان، فقال: أما يكفيكم ظهوره إذا ظهر حتى تطلبوه مكانه، والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابى عيش أغبر.
«٧٨٤» - قيل لبعض الأعراب: قد جاء شهر رمضان، فقال: والله لأبدّدنّ شمله بالأسفار.
«٧٨٥» - دخل عقيل بن علّفة [١] المري على عمر بن عبد العزيز، وكان جافيا،