خمس عجر، ففعلت فقال: أين تحبّ أن أضع سهمي، فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم، فرددت نبلي وحططت قوسي، ووقفت له مستسلما فدنا مني، فأخذ السيف والقوس ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الذي شربت عنده اللبن، فقال: ما ظنّك بي؟ قلت: أحسن الظنّ، قال: وكيف ذاك؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك وقد أظفرك الله بي، فقال: أترانا نهيجك وقد بتّ تنادم مهلهلا؟ فقلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، فقلت: كن خير آخذ، فقال: ليس عليك بأس، فمضى إلى موضعه الذي كان به ثم قال:
أما لو كانت هذه الإبل لي لسلّمتها إليك ولكنها لبنت مهلهل، فأقم عليّ فإني على شرف غارة، فأقمت أياما [١] ، فمضى فأغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير فقال: هذه أحبّ إليك أم تلك؟ قلت: بل هذه، قال: دونكها، وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء حتى وردت الحيرة، فلقيني نبطيّ فقال:
أيسرّك أنّ لك بإبلك هذه بكلّ بعير منها [٢] بستانا من هذه البساتين؟ فقلت:
وكيف ذلك؟ قال: هذا قرب مخرج نبيّ يخرج فيملك هذه الأرض ويحول بين أربابها وبينها حتى إنّ أحدكم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير، قال: فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى مواطننا، فبينا نحن في الشّيطين على ماء لنا وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم، فجاءنا خبر رسول الله ﷺ فأسلمنا فما مضت أيّام حتى اشتريت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة.
«٥١٦» - أسلم أبو خراش الهذلي فحسن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا [فنزلوا بأبي خراش] والماء غير بعيد عنهم، فقال: يا بني
стр. 667
عمي ما أمسى عندنا ماء ولكن هذه برمة وشاة وقربة فردوا الماء ثم كلوا شاتكم ودعوا برمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذهما، فقالوا: لا والله ما نحن بسارين في ليلتنا هذه وما نحن ببارحين حيث أمسينا. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى، ثم أقبل صادرا فنهشته حيّة. فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا، ولم يعلمهم ما أصابه، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، فبلغ خبره عمر بن الخطاب فغضب غضبا شديدا وقال: لولا أن تكون سنّة لأمرت أن لا يضاف يمان أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق، إنّ الرجل ليضيف أحدهم فيبذل له مجهوده فيتسخطّه ولا يقبله منه ويطالبه بما لا يقدر عليه، كأنه يطالبه بدين، أو يتعنّته ليفضحه فهو يكلّفه التكاليف حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما وقتله، ثم كتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرّمهم ديته ويؤدّبهم بعد ذلك بعقوبة يمسّهم بها جزاء لفعلهم.
«٥١٧» - قال أعرابيّ: أسوأ ما في الكريم أن يكفّ عنك خيره [١] ، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك شرّه [٢] .
«٥١٨» - قال عبد الملك بن مروان: يا بني أمية ابذلوا نداكم، وكفّوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، فإن خير المال ما أفاء حمدا
стр. 668
أو نفى ذمّا، ولا يقولنّ أحدكم ابدا بمن تعول فإنما الناس عيال الله قد كفل بأرزاقهم فمن وسّع أخلف الله عليه ومن ضيّق ضيق الله عليه.
«٥١٩» - وقال أعرابي: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الملول ذا أخدان [١] ، ولا الحرّ حريصا، ولا الشّره غنيا.
٥٢٠- وقال أعرابي: صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك بمجانبة الخيلاء، ومحلك بالإجمال في الطلب.
«٥٢١» - شاعر: [من الطويل]
أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح
إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح
وفي العفو ضعف والعقوبة قوة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح
«٥٢٢» - قال رجل للأحنف: دلّني على رجل كثير العيوب، قال:
اطلبه عيّابا فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه.
«٥٢٣» - وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
стр. 669
«٥٢٤» - ومثله: [من الوافر]
وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
«٥٢٥» - ويقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الاعطاء.
٥٢٦- وقال سفيان بن عيينة، وذكر عنده البغي: أراد إخوة يوسف أن يذلّوه فما برح بهم الدهر حتى قالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
(يوسف: ٨٨) .
٥٢٧- الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
يطّيب نفسي أنني غير مجرم ... وأني إذا ناجيتها لا ألومها
«٥٢٨» - زهير: [من الطويل]
وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشرّ فاصدق
ومن يلتمس حسن الثناء بماله ... يصن عرضه من كلّ شنعاء موبق
ومن لا يصن قبل النوافذ عرضه ... فيحرزه يعرر به ويخرّق
«٥٢٩» - العرزمي: [من الطويل]
وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشرّ دعّاء وللغيّ جالب
стр. 670
والأصل فيه قوله تعالى وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
(الأنفال: ٤٦) .
«٥٣٠» - عدي بن زيد: [من الطويل]
وإياك من فرط المزاح فإنّه ... جدير بتسفيه الحليم المسدّد
٥٣١- يحيى بن زياد: [من البسيط]
لا يلبث الهزل أن يجني لصاحبه ... ذما ويذهب عنه بهجة الأدب
«٥٣٢» - طريح بن إسماعيل: [من الطويل]
إذا كنت عيّابا على الناس فاحترس ... لنفسك مما أنت للناس قائله
«٥٣٣» - بشار: [من الرجز]
وصاحب كالدمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي
أرقب منه مثل يوم الورد ... حتى مضى غير حميد الفقد
وما درى ما رغبتي من زهدي
٥٣٤- نافع بن لقيط الاسدي: [من الطويل]
إذا أنت اكثرت المجاهل كدّرت ... عليك من الأخلاق ما كان صافيا
стр. 671
«٥٣٥» - هدبة بن الخشرم: [من الطويل]
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب
وقد علل سقراط هذا المعنى، قيل له: لم لا تهتمّ على فائتة و [لا] تفرح بعائدة؟ قال: لأن تلك لا تتلافى بالعبرة، وهذه لا تستدام بالحبرة [١] .
«٥٣٦» - تأبط شرا: [من البسيط]
لكنّما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سبّاق
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجّع الصوت هدّا بين أرفاق
حمّال ألوية شهّاد أندية ... هبّاط أودية جوّال آفاق
وفيها يقول [٢] :
لتقرعن عليّ السنّ من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
«٥٣٧» - قيس بن الخطيم: [من الطويل]
سلي من جليسي في النديّ [٣] ومألفي ... ومن هو لي عند الصفاء خدين
وأيّ أخي حرب إذا هي شمّرت ... ومدره خصم يا نوار [٤] أكون
стр. 672
وهل يحذر الجار الغريب فجيعتي ... وخوني وبعض المقرفين خؤون
وما لمعت عيني لغرّة جارة ... ولا ودّعت بالذمّ حين تبين
أبى الذمّ آباء نماني مجدهم [١] ... ومجدي لمجد الصالحين معين
فهذا كما قد تعلمين وإنني ... لجد على ريب الخطوب متين
وإني لأعتام الرجال بخلتي ... أولي الرأي في الأحداث حين تحين
فأبري بهم صدري وأصفي مودّتي ... وأترك [٢] عهدي دون ذاك مصون
أمرّ على الباغي ويغلظ جانبي ... وذو القصد أحلولي له وألين
«٥٣٨» - المتنبي: [من الطويل]
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى
«٥٣٩» - سأل الرشيد أبا يوسف عن أخلاق أبي حنيفة فقال: إن الله يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
(ق: ١٨) وهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذبّ عن محارم الله أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحبّ أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في دنياهم، لا ينافسهم في عزها، طويل الصمت دائم الفكر على عمل واسع، لم يكن مهذارا ولا ثرثارا، إن
стр. 673
سئل عن مسألة كان عنده فيها علم نطق فيها وأجاب عنها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحقّ واتبعه، لا يميل إلى طبع [١] ، بعيد [عن] الغيبة لا يذكر أحدا إلا بخير؛ فقال الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها، ثم قال: احفظها حتى أسألك عنها.
«٥٤٠» - وكان أبو حنيفة سهل الأخلاق جوادا سمحا حسن الجوار مغضيا عمن يسيء إليه مسامحا له؛ وقيل: إن رجلا أتاه فقال: معي عشرة آلاف درهم كتبت على لسانك كتابا إلى الأمير بجرجان فوهبها لي، وهي لك وقد أحضرتها، فقال: بارك الله لك فيها، ومن استطاع منكم أن يفعل كما فعل فقد أذنت له في ذلك.
«٥٤١» - ورأى على بعض جلسائه ثيابا رثّة، فأمره فجلس حتى تفرّق الناس وبقي وحده، فقال: ارفع المصلّى وخذ ما تحته، فرفع المصلّى فكان تحته ألف درهم فقال: خذ هذه الدراهم فغيّر بها حالك، فقال الرجل: إني موسر وأنا في نعمة ولست أحتاج إليها، فقال: أما بلغك الحديث: إنّ الله يحبّ أن يرى أثر النعمة على عبده؟ فينبغي لك أن تغير حالك حتى لا يغتمّ بك صديقك.
٥٤٢- وكان أبو حنيفة يفضل ويعطي من كسب تجارته، وكان قوته في الشهر درهمين لخاصّه.
«٥٤٣» - قال خارجة بن مصعب: خرجت إلى الحجّ وخلّفت جارية لي
стр. 674
عند أبي حنيفة وأقمت بمكة نحوا من أربعة أشهر، فلما قدمت قلت لأبي حنيفة: كيف وجدت خدمة هذه الجارية وخلقها؟ فقال: من قرأ القرآن وحفظ على الناس علم الحلال والحرام احتاج أن يصون نفسه عن الفتنة، والله ما رأيت جاريتك منذ خرجت إلى أن رجعت، فسألت الجارية عنه فقالت:
ما رأيت ولا سمعت مثله [١] ، ما رأيته [نام] على فراش منذ دخلت إليه، ولا رأيته اغتسل في ليل ولا نهار، ولقد كان يوم الجمعة يخرج يصلي [٢] صلاة الصبح، ثم يدخل إلى منزله فيصلي صلاة الضحى صلاة خفيفة، وذاك أنه كان يبكر إلى المسجد ويغتسل غسل الجمعة ويمسّ شيئا من الدهن، ثم يمضي إلى الصلاة، وما رأيته يفطر النهار قط، وكان يأكل في آخر الليل، ثم يرقد رقدة خفيفة، ثم يخرج إلى الصلاة.
٥٤٤- قال بعض أهل الأدب: عشر فيهنّ الكمال: كرم الحسب، وشدّة العقل، وصحة الدين، والسخاء، والمال، والحياء، والرفق، والتواضع، والشجاعة، وحفظ القرآن.
وعشر خصال تزري ومنها تتفرّع النذالة: الحسب الرديء، والخلق الدنيء، وقلة العقل، وسوء الفعل، ودناءة النفس، والجبن، والبخل، والفجور، والكذب، والغش للناس والوقيعة فيهم.
وعشر يجتلبن ودّ الناس ويذهبن الضّغن: العفو، والحلم، والاغضاء، وترك التأنيب والتوبيخ، والأخذ بالحزم، والعفة، وترك الغيبة، وكتمان السرّ، وقضاء الحقوق، وحسن اللقاء.
وعشر يمحقن الشكر ويجتلبن البغضة: الامتنان بالعطاء، وسوء الخلق، وتنكيد الهبة، ووضع الصنيعة في غير موضعها، وكمون الحقد، وبذاء
стр. 675
اللسان، والامساك عند الحاجة، وقلة الانصاف، والشماتة عند المصيبة، وترك العفو عند الزلة.
وعشر يفسدن المروءة ويقطعن الأخوّة: كثرة العتاب، وكثرة الهجران، والتعنت، والحمية، وقلة اللقاء، وقبح اللفظ، والحدة، وقلة المواساة، وقلة الحفاظ، وخلف الوعد.
وعشر يورثن المحبة: كثرة السلام، واللطف بالكلام، واتباع الجنائز، والهدية، وعيادة المرضى، والصدق، والوفاء، وانجاز الوعد، وحفظ المنطق، وتعظيم الرجال.
وعشر ينفين الذلّ: اقتصاد في الكثير، والقنوع بالقليل، ولزوم المنزل، وحضور الصلوات، ومجانبة السفل، والتفقه في الدين، وقلة سؤال الرجال، وترك النبيذ، وكثرة الصمت، ورأسهن ترك الدّين.
وعشر يورثن العز: مجالسة السراة، وكثرة الصدقة، وإسعاف الناس في حوائجهم، وتحمل الغرم، وأداء الأمانة، وطاعة الله، وحبّ المساكين، وترك المعازة [١] للسلطان، وقلة المشي في الأسواق، وترك الشتم.
وعشر يورثن الكرم: خفة المؤونة على الإخوان، وبذل المعروف، وقلة الأيمان، وترك ما لا تطيق، والتحمل لما أطقت، وإبقاء الرجل على ضيعته، وقلة دخوله فيما لا يعنيه، وقلة حرصه، واغضاؤه عن [٢] المسيء يراه، وصبره على المكروه.
وعشر يورثن حميد العاقبة: حسن الجوار، وصحة المحاورة، وسلامة الصدر، وحفظ المودة، وكثرة المعونة، وقلة المشارّة، وقول الخير في كل أحد، ومجانبة السّفه، وترك المشورة على أحد، والتخلي عن الناس.
стр. 676
٥٤٥- اشترى فائق غلام أحمد بن طولون دارا عظيمة بمصر، وأراد أن يدخل فيها دار العمريين وما يليها، فاستأذن مولاه في شراء ذلك فأذن له، فاشتراها وما حولها بعشرين ألف دينار، وأقبضهم الثمن وأشهد عليهم وأجّلهم شهرين، فلما انقضى الشهران ركب أحمد بن طولون إلى صلاة الجمعة ثم رجع، وانصرف فائق إلى داره فسمع صياحا عظيما فأنكره، وقال: ما هذا الصياح؟ فقالوا: صياح العمريين ينتقلون ويبكون، فدعاهم وقال: أليس بطيب أنفسكم بعتم؟ قالوا: نعم، قال: وقبضتم الثمن؟ قالوا: نعم، قال: فما هذا البكاء والصياح حتى يظنّ مولاي أنكم ظلمتم؟ قالوا: ما نبكي إلا على جوارك، فأطرق وأمر بالكتب فردّت عليهم، ووهب لهم الثمن، وركب إلى مولاه فأخبره فصوّب رأيه واستحسن فعله.
«٥٤٦» - قال عبد الملك لسعيد بن المسيب: صرت أعمل الخير فلا أسرّ به، وأعمل الشرّ فلا أساء به، فقال: الآن تكامل فيك الموت، يعني موت القلب.
«٥٤٧» - دخل محمد بن عباد على المأمون فجعل يعممه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون: مم تضحكين؟ فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين تتعجّب من قبحي واكرامك لي، فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمّة مجدا وكرما.
«٥٤٨» - شاعر: [من الطويل]
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأعراض غير حسان
стр. 677
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كلّ مصقول الحديد يماني
«٥٤٩» - ابن الرومي: [من البسيط]
كلّ الخلال التي فيكم محاسنكم ... تشابهت فيكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق
٥٥٠- استعان عمر بن عبد العزيز برجل كريه المنظر فوجده حسن المخبر، فقال وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
(هود:
٣١) .
«٥٥١» - قال بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسيّىء الخلق أجنبيّ عند أهله.
«٥٥٢» - الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيّىء [الخلق] . إن الفاسق إذا حسن خلقه خفّ على الناس وأحبوه، والعابد إذا ساء خلقه ثقل عليهم ومقتوه.
«٥٥٣» - وقال النبيّ ﷺ : ثلاثة يعذرون بسوء الخلق: المريض والصائم والمسافر.
стр. 678
«٥٥٤» - قال فرقد: بلغني أنه قيل يا رسول الله على من تحرم النار؟
قال: على الهين اللين القريب السهل.
٥٥٥- قيل: من أحبّ المحمدة من الناس بغير مرزئة فليتلقّهم ببشر حسن.
«٥٥٦» - وقال الأحنف: رأس المروءة طلاقة الوجه والتودّد إلى الناس.
«٥٥٧» - وقال معاذ: إن المسلمين إذا التقيا فضحك كلّ واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كتحاتّ ورق الشجر.
٥٥٨- البشر دالّ على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر.
«٥٥٩» - من حسن الخلق أن يحدّث الرجل صاحبه وهو مبتسم.
«٥٦٠» - قال علي بن الحسين ﵉: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم ﵇ بنفسه وأهله، ألم تسمع قوله وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ
(هود: ٧١) .
«٥٦١» - قال الأصمعي: سألت عنبسة بن وهب الدارمي عن مكارم الأخلاق فقال: أما سمعت قول عاصم بن وائل المنقري: [من الطويل]
وإنا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
стр. 679
مدح قوم سوء الظنّ ورأوه حزما، وكرهه آخرون، ولكلّ مقام:
٥٦٢- قيل لعالم من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
«٥٦٣» - سهل الأحول كاتب إبراهيم بن المهدي: ما أحسن حسن الظنّ إلا أن فيه العجز، وما أقبح سوء الظنّ إلا أنّ فيه الحزم.
٥٦٤- وقيل لبعضهم: أسأت الظن، فقال: إن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا.
«٥٦٥» - قال المأمون: لم أر أحدا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره به أنه كان لا يتوضأ إلا بماء مسحّن، فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة، فلما أخذ يحيى مضجعه قام الفضل إلى قمقم فأدناه من المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح، فشعر السجّان بذلك فغيّب المصباح فبات متأبّطه إلى الصباح.
«٥٦٦» - قال الأحنف: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال الا بجود، ولا في صدق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في حياة إلا بصحة وأمن.
٥٦٧- قال ابن مسعود: جاء رجل إلى فاطمة ﵍ فقال: يا بنت رسول الله، هل ترك رسول الله ﷺ شيئا تطرفينيه؟ فقالت: يا جارية هاتي تلك الجريدة، فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطليبها فإنها تعدل عندي حسنا أو حسينا، فطلبتها فإذا هي: قال محمد ﷺ : ليس من المؤمنين
стр. 680
من لم يأمن جاره بوائقه. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت؛ إن الله يحبّ الحليم المتعفف ويبغض الفاحش السآل الملحف؛ إن الحياء من الإيمان، والايمان في الجنة، وإن الفحش من البذاء، والبذاء في النار.
«٥٦٨» - وجاء في الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: الحياء والعيّ شعبتان من الايمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. ويشبه أن يكون العيّ في هذا الموضع في معنى الصمت، والبيان في معنى التشدق والتقعير، كما جاء في الحديث الآخر: أبغضكم الثرثارون المتفيهقون المتشدّقون.
«٥٦٩» - قال إياس بن معاوية بن قرة المزني: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر عنده الحياء، فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر: بل هو الدين كلّه. قال إياس قلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي عن قرة المزني قال:
كنا عند النبيّ ﷺ فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين، فقال ﷺ : بل هو الدين كله، ثم قال ﷺ : إنّ الحياء والعفاف والعيّ- عيّ اللسان لا عيّ القلب- والعمل من الايمان، وهنّ يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا؛ وإن الفحش والبذاء من النفاق وانهن ينقصن من الآخرة ويزدن في الدنيا؛ قال إياس:
فأمرني عمر فأمليته عليه فكتبه بخطه، ثم صلّى الظهر وإنها لفي كفه ما يضعها إعجابا بها.
«٥٧٠» - وجاء في حديث آخر: الحياء من الايمان، والايمان في
стр. 681
الجنة، والبذاء من النفاق، والنفاق في النار.
«٥٧١» - قال بعض أهل العلم: إنما جعل الحياء- وهو غريزة- من الايمان، وهو اكتساب، لأن المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي، وإن لم يكن له تقية، فصار كالايمان الذي يقطع عنها، ولذلك قال بعض الشعراء:
[من الوافر]
وربّ قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلّب في الأمور كما يشاء
٥٧٢- ويقال: القناعة دليل الامانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل على الخير كلّه.
«٥٧٣» - وقال الأحنف: أربع من كنّ فيه كان كاملا، ومن تعلّق بواحدة منهنّ كان من صالحي أهله: دين يرشده، أو عقل يسدّده، أو حسب يصونه، أو حياء يفثأه.
«٥٧٤» - وقال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه، خفي على [١]- الناس عيبه.
٥٧٥- وقال الشاعر: [من المنسرح]
إياك أن تزدري الرجال فما ... يدريك ماذا تجنّه الصّدف
стр. 682
نفس الجواد العتيق باقية ... فيه وإن كان مسّه العجف
والحرّ حرّ وإن ألمّ به ال ... ضرّ ففيه الحياء والأنف
«٥٧٦» - قيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: أن لا تعمل في السرّ شيئا تستحيي منه في العلانيّة.
٥٧٧- ومنه حديث حرملة العنبريّ، قال: قلت للنبيّ ﷺ : دلّني على شيء ينفعني، قال: انظر ما تكره أن يتحدّث به الناس فإذا خلوت فلا تفعله.
«٥٧٨» - نازع المهلب رجلا من كبار بني تميم فأربى على المهلب، فقيل له في ذلك فقال: كنت إذا سبّني أستحيي من سخف المسابّة، وأرغب عن غلبة اللئام والسفلة، وكان إذا سبّني تهلّل وجهه لنبذ المروءة وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء، وثلج بذلك صدره، وطلق له وجهه، وبرد له غليله.
«٥٧٩» - قال رسول الله ﷺ : من كثر همّه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذّب نفسه، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته.
٥٨٠- قيل كان ملك في بني اسرائيل، فجمع المشيخة وأهل العلم وقال: هاتوا ما عندكم وأشيروا علي، فقام شيخ منهم فقال: أيها الملك إن فيما حدّثنا إذا كان علينا الامام السمح الحليم عادت علينا السماء والأرض وإذا كان
стр. 683
علينا البخيل السفيه أمسكت علينا السماء والأرض، وانه من خلق الامام ان يقبل من المحسن، ويعفو عن المسيء، ويعطي كلّ ذي حقّ حقه.
«٥٨١» - يقال: الأدب خير ميراث، والاجتهاد أربح بضاعة، وحسن الخلق خير قرين، والتوفيق خير قائد، والرأي أعظم البذل.
«٥٨٢» - وكان إياس بن معاوية يقول: إنه إن يكن في فعال الرجل فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله.
«٥٨٣» - وروي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: اللهم ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال.
٥٨٤- وقيل: ثلاث هي أحسن شيء فيمن كنّ فيه: جود لغير ثواب، ونصب لغير الدنيا، وتودد من غير ذلّ.
٥٨٥- قال أنس بن مالك، زكاة الرجل في داره أن يجعل فيها بيتا للضيافة.
«٥٨٦» - روي عن النبيّ ﵇ أنه قال: إنّ الله جعل للمعروف وجوها من خلقه حبّب إليهم المعروف وحبّب إليهم فعاله، ووجّه طلّاب المعروف إليهم، ويسّر إعطاءه كما ييسّر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي بها أهلها، وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه، بغّض إليهم المعروف، وبغّض إليهم فعاله، وحظر على طلّاب المعروف الطلب إليهم وحظر
стр. 684
عليهم إعطاءه، كما يحظر الغيث على الأرض الجدية ليهلكها ويهلك بها أهلها، وما يعفو الله أكثر، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أوّل أهل الجنة دخولا أهل المعروف، وإن صدقة السرّ لتطفىء غضب الربّ، وإن صلة الرحم لتزيد في العمر.
«٥٨٧» - ذكر أنّ بهرام بن بهرام خرج يوما للصيد، فانفرد وراء طريدة وتبعها طامعا في لحاقها، حتى بعد عن أصحابه، فدفع إلى راع في أصل شجرة وقد احتاج إلى البول فنزل عن فرسه وقال للراعي: احفظ عليّ رأس فرسي حتى أبول، فوثب وأخذ برأس دابته، وقعد بهرام ناحية يبول، وكان عنان الدابة ملبسا ذهبا، فاغتنم الراعي غفلة بهرام، فأخرج سكينا وقطع أطراف اللجام، فرفع بهرام رأسه فنظر إليه، فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض، وأطال الجلوس حتى أخذ الراعي حاجته، وقام بهرام فوضع يده على عينه وقال للراعي: قدّم إليّ فرسي فإنه قد دخل في عيني من سافي الريح، فما أقدر على فتحها، وغمّض عينه ليوهمه [١] أنه لا يرى حلقة اللجام، فلما ولّى قال له الراعي: أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا- وذكر موضعا بعيدا- قال له بهرام: وما سؤلك عن ذلك الموضع؟ قال: هناك منزلي وما وطئت هذه الأرض قبل يومي هذا، ولا أراني أعود إلى موضعي هذا ثانية، فضحك بهرام وفطن لما أراد وقال: أنا رجل مسافر، وأنا أحقّ بأن لا أعود إلى ها هنا أبدا، ثم مضى، فلما نزل قال لصاحب مراكبه: إن معاليق اللجام وهبتها لسائل فلا تتهمنّ بها أحدا.
«٥٨٨» - وذكر أن أنوشروان وضع الموائد للناس في يوم نوروز أو
стр. 685
مهرجان، وجلس ودخل وجوه أهل [١] المملكة الايوان، فلما فرغوا من الطعام جاءوا بالشراب، وحضر الملهون، وأحضرت الأنقال والمشموم في آنية الذهب والفضة، فلما رفعت آلة المجلس أخذ بعض أولئك جام ذهب وزنه ألف مثقال، فطواه وأخفاه تحت ثيابه، وأنوشروان يراه، وافتقد صاحب الشراب الجام فقال بصوت عال: لا يخرجنّ أحد من الدار حتى يفتّش، فقال كسرى ولم ذاك؟ قال: قد افتقدت جام ذهب، فقال كسرى: لا تعرض لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينمّ عليه، وأخذ الرجل الجام فكسره، وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وسكينه، وجدّد به كسوة جميلة، فلما كان في يوم جلوس الملك لمثل ما كان جلس له دخل ذلك الرجل بتلك الحلية والزينة، فدعاه كسرى فقال له: هذا من ذاك؟ فقبّل الأرض وقال: نعم.
«٥٨٩» - وقعد معاوية للناس في يوم عيد، ووضعت الموائد، وأحضر أكياسا فيها دنانير ودراهم، صلات وجوائز، ووضعت بالقرب من مجلسه، فجاء رجل فجلس على بعض تلك الأكياس، فصاح به الخدم تنحّ فليس لك هذا بموضع، فسمع ذلك معاوية فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به مجلسه، فأخذ كيسا فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله وقام، فلم يجترىء أحد أن يدنو منه، فقال الخازن: أصلح الله أمير المؤمنين إنه قد نقص من المال كيس دنانير، فقال: أنا صاحبه وهو محسوب لك.
«٥٩٠» - وخرج سليمان بن عبد الملك في حياة أبيه إلى منتزه له، فنزل
стр. 686
بعض المروج المعشبة، فبسط له فتغدّى، وأقام فيه إلى حين الرواح، فلما حان انصرافه تشاغل غلمانه بالترحال، فجاء أعرابي فوجد منهم غفلة، فأخذ دوّاجا [١] لسليمان مثمنا فوضعه على عاتقه، وسعى وسليمان ينظر إليه، ورآه بعض حشم سليمان فصاح به: ألق ما معك، فقال الأعرابي: لا ألقيه ولا كرامة لك، وهذا كسوة الأمير وخلعته، فضحك سليمان وقال: صدق أنا كسوته، فمرّ كأنه إعصار ريح.
٥٩١- حكى بعض أسباب عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير أنه كان في أيام وزارته يذكر موسى بن بغا فيترحم عليه، ويتلهف على أيامه وطيبها، فقلت له يوما: قد أسرفت في هذا الباب، ولو رآك موسى بن بغا في حالك هذه لرضي أن يقف على سيفه بين يديك، فقال لي: أنا أحدّثك الآن بحديث واحد من أحاديثه فإن استحقّ ما أنا عليه وإلا فلمني، وأنشأ يحدثني قال: كنا بالري، وكنت قد عرّفته أني قد استفدت معه مائة ألف دينار، ورحلنا نريد سرّ من رأى، فلما نزلنا همذان دعاني يوما وإذا هو مشمئزّ مقطّب، فقال لي:
أريد مائة ألف دينار لا بدّ منها، فقلت له: قد استخرجنا مال البلاد وأخذناه وأجحفنا بأهلها فمن أين؟ قال: لا أدري لا بدّ منها البتة، فقام في نفسي أنه يريد المال الذي عرّفته أني قد أفدته، فقلت له: عندي المال الذي قد علمته، وهو مائة ألف دينار، خذه، فقال: تلك دعها بحالها لست أريدها، ولي فيها تدبير، وما أبرح من ها هنا أو تحصّل لي من مال البلاد مائة ألف دينار، فما زلت قائما وقاعدا ومكاتبا، وهو مقيم بهمذان لا يبرح منها، حتى حصّلتها وعرّفته خبرها، فلما عرفه أمسك عني، حتى إذا صار بخانقين دعاني فسألني عن المال، فعرّفته حصوله وحضوره، فقال لي: كنت عرّفتني أنك حصلت من الفائدة معي مائة ألف، فعلمت أن أبا أيوب- يعني أباه سليمان- يلقاك فيقول
стр. 687
لك: أيّ شيء معك؟ وكم مقدار ما أفدت؟ فتعرفه ذلك، فيقول لك:
عليّ ديون ومؤن، وقد امتدت عيون أهلك ومواليك ومؤمّليك إلى ما تنصرف به، ويأخذ منك المائة الألف وتحصل أنت على غير شيء، فأردت المائة الأخرى لتكون لك بعد الذي أخذ منك أبو أيوب، فهذا يا فلان لا يجب أن يتذكّر في كلّ وقت ويترحّم عليه؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.
ومما يعد من محاسن الأخلاق الصمت: وقد ورد ما جاء فيه مكانا آخر مع الآداب الدنيويّة، ونجدّد من ذكره ها هنا لئلا يخلو الباب منه من غير تكرير للأوّل:
«٥٩٢» - قال عمرو بن العاص: الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل.
«٥٩٣» - لما خرج يونس ﵇ من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت.
«٥٩٤» - وقال علي ﵇: إذا تمّ العقل نقص الكلام.
«٥٩٥» - تحدثوا عند الأوزاعي وفيهم أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم، فقيل له: بحقّ ما سميتم خرس العرب، أما تحدث؟ فقال: إنّ الحظ للمرء في أذنه، وإن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: لقد حدثكم فأحسن.
стр. 688
«٥٩٦» - كان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام؛ إن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتمام.
«٥٩٧» - قيل: كان بهرام جور قاعدا ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان، لو حفظ هذا لسانه ما هلك.
٥٩٨- شاعر: [من البسيط]
أقلل من القول تسلم من غوائله ... وارض السكوت شجى في الحلق معترضا
٥٩٩- قيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة، فقال: ولكنه قفل الفهم.
٦٠٠- وقال الشاعر في مثله: [من الكامل]
خلق اللسان لنطقه وكلامه ... لا للسكوت وذاك صوت الأخرس
٦٠١- وقال أبو عطاء: [من الطويل]
أقلّبه كيلا يكلّ بحبسه ... وأبعثه في كلّ حقّ وباطل
٦٠٢- قال علي ﵇: أكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير، وانك بهم تصول وبهم تطول، وهم العدّة عند الشدة، فأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورك ويسّر عن معسرهم.
стр. 689
«٦٠٣» - قال زادان: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من الأرض عودا فقال: مالي من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لطم مملوكه أو ضربه فكفّارته أن يعتقه.
«٦٠٤» - وقال ﷺ : عاقبوا أرقاءكم على قدر عقولهم.
«٦٠٥» - قال المعرور بن سويد: دخلنا على أبي ذرّ بالرّبذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة، وكسوته ثوبا غيره، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يلبس، ولا يكلّفه ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه.
«٦٠٦» - أبو هريرة رفعه: لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي، كلّكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. ولا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضّىء ربك، ولا يقل أحدكم: ربي ولكن سيدي ومولاي.
«٦٠٧» - وعن النبيّ ﷺ : حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شوم.
«٦٠٨» - أبو مسعود الأنصاري: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من
стр. 690
خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتّ فإذا هو النبيّ ﷺ . فقلت: يا رسول الله، هو حرّ لوجه الله فقال:
أما لو لم تفعل للفحتك [١] النار.
«٦٠٩» - وقال هلال بن يساف: كنا نزولا في دار سويد بن مقرن، وفينا شيخ فيه حدة ومعه جارية، فلطم وجهها، فما رأيت سويدا أشدّ غضبا منه ذلك اليوم قال: أعجز عليك إلّا حرّ وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من ولد مقرن ما لنا إلا خادم فلطم أصغرنا وجهها، فأمرنا النبيّ ﷺ بعتقها.
«٦١٠» - قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين، فنادى بالخادم: يا غلام يا غلام بأعلى صوته، فدخل غلام تركي فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضّأ أو يصلي؟ كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام؟! فنكس رأسه طويلا فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، فقال: يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسن أخلاق خدمنا.
«٦١١» - وكان للمأمون خادم يتولى وضوءه فيسرق طساسه، فقال له يوما: كم تسرقها، فهلا تأتيني بها فأشتريها منك، قال فاشتر مني هذه التي بين يديك، قال: بكم؟ قال: بدينارين، فاشتراها منه وقال: فهذه الآن في أماني، قال: نعم قال: فلنا فيها كفاية إلى دهر.
стр. 691
«٦١٢» - قال الشعبيّ: جاءت خادم لعليّ ﵇ تشكو إليه مؤذنا له، فقالت له: يا أمير المؤمنين إنه يؤذيني، وقلّ ما أمرّ إلا قال لي: أنا والله لك محبّ. قال علي: فإذا قال لك ذلك فقولي له: وأنا أيضا محبة، ففعلت ذلك، وقالت له: فمه؟ فقال: تصبرين ونصبر حتى يوفّي الله الصابرين أجرهم بغير حساب، قال: فجاءت الجارية فأخبرت بذلك عليا ﵇، فاستعبر لقوله: «تصبرين ونصبر» ، ثم أرسل إليه فوهبها له وجعل الجمع بينهما ثواب صبرهما [١] .
٦١٣- وروي أن رجلا من بني عبد الأشهل يقال له معاذ القاري أبو حليمة كان يصلي بالناس القيام في ولاية عمر وعثمان، وكان عابدا قليل الكلام، وأنه رأى جارية لزيد [٢] بن ثابت ﵁ فأعجبته، فكانت إذا مرّت به نظر إليها نظرا شديدا، فاخبرت به زيدا، فأمرها فتهيأت وبعث إليه فأجلسه معها، وقال لها: إذا قمت فكلّميه وانظري ما يقول لك، فقام زيد معتلا بالوضوء، فأقبلت عليه فقالت: يا معاذ، أنا والله أحبك، قال: وأنا والله، قالت: فما الحيلة؟ قال: تصبرين كما أصبر، ثم خرج زيد إليهما، فانصرف معاذ، فأخبرته بما قالت له وقال لها، فبعث بها زيد إليه ووهبها له.
٦١٤- قيل: جاء رجل من قريش إلى محمد بن عبد العزيز فسأله، فقال: والله ما وجدت الحاجة حاضرة، ولكن تروح العشية تجدها مهيأة إن شاء الله. وأرسل فادّان وهيأ حاجة الرجل ووضعها تحت مصلّاه وقد حضر إخوانه، فجاء الرجل بالعشيّ فقال: قوموا بنا، وأقام إخوانه وقال للرجل:
стр. 692
حاجتك تحت المصلّى، فقال له أبو ثابت: سبحان الله قد هيّأت له مالا فهلّا أعطيته إياه؟ فقال: والله ما كنت لأجمع عليه خصلتين: ذلّ المسألة والإعطاء من يدي إلى يده.
«٦١٥» - مرض أحمد بن أبي دواد فعاده المعتصم وقال: نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين فاجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا، فقال: نويت أن أتصدق بها على من ها هنا وأطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال أحمد: أمتع الله الإسلام وأهله بك، فإنك كما قال النمريّ لأبيك الرشيد: [من البسيط]
إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع [١]
من لم يكن بأمين الله معتصما [٢] ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
فقيل للمعتصم: عدته ولا تعود جلّة أهلك؟ فقال: كيف وما وقعت عليه عيني قط إلا ساق إلى أجرا أو أوجب لي شكرا، وما سألني حاجة لنفسه قط.
«٦١٦» - قال علي بن الجنيد: كانت بيني وبين يحيى بن خالد مودة وأنس، وكنت أعرض الرقاع في الحوائج، فكثرت رقاع الناس عندي واتصل شغله، فقصدته يوما فقلت: يا سيدي قد كثرت الرقاع وامتلأ خفي وكمي، فإما تطوّلت بالنظر فيها وإما رددتها، قال فقال لي: أقم عندي حتى أفعل ما سألت، فأقمت وجمعت الرقاع في خفي، وأكلنا وغسلنا أيدينا وقمنا للنوم،
стр. 693
واستحييت من إذكاره، ويئست من عرضها، لأني علمت أنا نقوم ونتشاغل بالشرب، فنمت، ودعا هو بالرقاع من خفّي فوقع في جميعها وردّها إليه، ونام وانتبه، ودخلت إليه في مجلس الشرب فلم أستجز ذكر الرقاع له، وشربت وانصرفت بالعشي، وبكّر إليّ أصحاب الرقاع لما وقفوا على إقامتي عنده، فاعتذرت إليهم وضاق صدري بهم، فدعوت بالرقاع لأميزها وأخفّف منها ما ليس بمهمّ، فوجدت التوقيعات في جميعها، فلم يكن لي همة إلا تفريقها والركوب إليه لشكره، وقلت له: يا سيدي قد تفضّلت وقضيت حاجاتي فلم علّقت قلبي ولم تعرّفني حتى يتكامل سروري؟ فقال: سبحان الله، أردت منّي أن أمتنّ عليك بأن أخبرك بما لم يكن يجوز أن يخفى عليك؟! «٦١٧» . (١) وقال الرضيّ في ذم الأخلاق السيئة: [من الطويل]
وأكثر من شاورته غير حازم ... وأكثر من صاحبت غير الموافق
إذا أنت فتشت القلوب وجدتها ... قلوب الأعادي في جسوم الأصادق
رمى الله بي من هذه الأرض غيرها ... وقطّع من هذا الأنام علائقي
يظنّون أنّ المجد ممن له الغنى ... وأنّ جميع العلم فضل التشادق
(٢) وقال: [من الطويل]
أكلّ قريب لي بعيد بودّه ... وكلّ صديق بين أضلعه حقد
(٣) وقال: [من الوافر]
بأخلاق كما دجت الليالي ... وأحساب كما نغل الأديم
«٦١٨» - ارسطاطاليس: سوء العادة كمين لا يؤمن وثوبه.
стр. 694
٦١٩- قال عبد الله الدارمي [١] : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
«٦٢٠» - قال أبو عبيدة: ألأم الناس الأغفال الذين لم يهجوا ولم يمدحوا.
٦٢»
- قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان انسان لا عيب فيه لكان لا يموت.
«٦٢٢» - شاعر: [من الطويل]
إذا نلت يوما صالحا فانتفع به ... فأنت ليوم السوء ما عشت واجده
«٦٢٣» - قال هاشم بن عبد مناف: أكرموا الجليس يعمر ناديكم.
«٦٢٤» - قال روح بن زنباع: أقمت مع عبد الملك تسع عشرة سنة فما أعدت عليه حديثا إلا مرّة، فقال: قد سمعته منك.
«٦٢٥» - وقال الشعبي: ما حدثت بحديث مرتين رجلا بعينه.
стр. 695
«٦٢٦» - مرّ العبّاس بن عبد المطلب بابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وقال: قم لا أنام الله عينك، أتنام في ساعة يقسم الله فيها الرزق بين عباده؟ أو ما سمعت ما قالت العرب: انها مكسلة مهزلة منساة للحاجة.
«٦٢٧» - والنوم على أنواع ثلاثة: نومة الخرق، ونومة الخلق، ونومة الحمق؛ نومة الخرق: نومة الضحى، ونومة الخلق هي التي أمر رسول الله ﷺ بها أمته: قيلوا فإن الشيطان لا يقبل، ونومة الحمق: النوم بعد العصر، لا ينامها إلا سكران أو مجنون.
«٦٢٨» - شاعر: [من الطويل]
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه
«٦٢٩» - قال رسول الله ﷺ : حسب امرىء من الشر أن يخيف أخاه المسلم.
«٦٣٠» - الحسن: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم.
«٦٣١» - وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت.
стр. 696
«٦٣٢» - حميد شر الكوفي: [من البسيط]
إني امرؤ فوق رأس الشرّ مضطجعي ... أغفي عليه ولا أغفي على السّرر
الشرّ يعلم أني إن ظفرت به ... لم ينج مني بأنياب ولا ظفر
«٦٣٣» - قيل لأرسطاطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه يأخذ بنفسه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمّه لسرور الناس.
«٦٣٤» - قال مالك بن دينار: شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فأنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر.
«٦٣٥» - قيل لعبد الله بن عروة: لزمت البدو وتركت قومك، قال:
وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت على نكبة؟! «٦٣٦» - المتنبيّ: [من البسيط]
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود
«٦٣٧» - سئل الحسن رحمة الله عليه: أيحسد المؤمن؟ قال: وما أنساك بني يعقوب؟
стр. 697
«٦٣٨» - كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي يهوى جارية لأخيه عبيد بن صالح، فسقى أخاه سما فقتله وتزوجها، فقال ابن برد الشاميّ وقد ظلمه في أرض له: [من الطويل]
لئن كان فضل بزّني الأرض ظالما ... فقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعيا من السمّ ناقعا ... ولم يتّئب من مخزيات الفضائح
«٦٣٩» - كان أسلم بن زرعة والي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة، فقال يهس بن صهيب الجرميّ: [من الطويل]
تعوّذ بحجر واجعل القبر في الصّفا ... من الأرض لا ينبش عظامك أسلم
هو النابش القبر المحيل عظامه ... لينظر هل تحت السقائف درهم
«٦٤٠» - وكان [١]- في عصرنا زنكي بن آق سنقر والي الموصل والشام، أقسى الناس وأعظمهم تجبرا، أما قسوته وغلظه على من ناوأه واتهمه فما يقصر فيهما عن الحجاج، وزاد عليه بأنه كان يعامل نداماه ومطربيه ونساءه وذوي هواه بما يعامل به أعداءه: خلا بجارية له بكر ليفتضّها فتلوّت تحته فضربها بالسيف حتى قتلها. واستدعى أخرى بكرا فرأت صاحبتها متشحطة في دمائها فكادت تموت فرقا. وكان له نديم محدث يتعاطى كثرة الشراب والزيادة على غير
стр. 698
نداماه، فسقاه الخمر العتيق الشاميّ صرفا وأكثر عليه وهو يستقيله ويستعطفه فلا يرجع، فتقطعت كبده ومات. وركب بغلة كان يؤثرها فحمحمت تحته فضرب عنقها بالسيف. وهو راكبها، ونزل فانتقل إلى أخرى.
وكان إذا رأى صبيا وضيئا خصاه وتركه في قلعة من قلاعه، ظنا منه أن نفسه تدعوه إليه فيما بعد، فيكون قد التحى، ولعله لا يذكره ولا يعلم ما يكون منه.
وسقى يوما بعض أصحابه خمرا صرفا في أقداح دسّها عليه في أثناء شربه، وأراد قتله سرا بذلك، فمرض ولم يهلك سريعا، وعالجه طبيب كان من أصحابه ولم يشعر بالقصة، فبرأ، فأحضره زنكي وقال له: عالجت فلانا وقد أردت قتله، فقال: كيف لي بعلم ذاك؟ وإنما أنا طبيب دخلت إلى مريض فداويته بما أخذ علينا في صناعتنا، ولو علمت أنك سقيته واعتمدت قتله ما دخلت إليه، فقال: اسقوه الخمر صرفا، فقال: الله الله اقتلني بالسيف ولا تعذبني، فلم يلتفت إلى تضرّعه، وسقاه حتى تقطعت كبده ومات بعد أيام.
(ومن مساوىء الأخلاق العقوق:) «٦٤١» - قيل لبعض الفلاسفة: لم تعق والديك؟ قال: لأنهما أخرجاني إلى الكون والفساد.
(نوادر من هذا الباب) ٦٤٢- ورد على الصاحب بن عباد بعض كتّاب العراق ممن كان عرفه وقت مقامه ببغداد، وشكا سوء حاله، فأحسن إليه وولّاه عملا، وأجرى له في كلّ شهر خمسمائة درهم وكتب صكه بذلك، فحسده بعض الحاضرين
стр. 699
وقال للصاحب: إن هذا رجل مأبون معروف الطريقة بالفساد، وجميع ما تصله به وتوصله إليه ينفقه على من يرتكب منه الفضيحة، وأفرط في ذمّ الرجل والدلالة على قبائحه حتى ظنّ أنه قد أفسد حاله، فلما ردّ الصكّ إليه للتوقيع فيه لم يشكّ الساعي أنه يبطله أو يمزّقه، فلما نظر فيه كتب تحت ما كان قرّر [١] له في كل شهر: ولغلام يخدمه ويستعين به خمسون درهما، ووقع في الصكّ وردّه إليه.
«٦٤٣» - اجتمع ثلاثة حسّاد فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ فقال ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط، قال الثاني: أنت رجل صالح، ولكني ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط، قال الثالث: ما في الأرض أصلح منكما، ولكني ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط.
«٦٤٤» - قال المدائني: تذاكر قوم من ظراف أهل البصرة الحسد، فقال رجل منهم: إنّ من الناس من يحسد على الصّلب، فأنكروا ذلك عليه، ثم جاءهم بعد أيام فقال: الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف ومالك بن مسمع وقيس بن الهيثم وحمدان الحجام، فقال الحاضرون: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء؟! فضحك وقال: ألم أقل إن من الناس من يحسد على الصّلب؟! ٦٤٥- قال إبراهيم الموصليّ: كنت عند الرشيد يوما فرفع إليه في الخبر أنّ رجلا أخذه صاحب الجسر، رفع في قصته أنه يجمع بين الرجال والنساء في منزله، وأنه سئل عما رفع عليه فأقرّ بذلك على نفسه وذكر أنه يجمع بينهم على
стр. 700
تزويج لا على ريبة، وعلى نكاح لا على سفاح، وأنه شهد له بذلك جماعة من مستوري جيرانه وخلق كثير من وجوه الناس وأشرافهم، وشفع فيه من الكتّاب والقواد وأعيان العسكر قوم سمّاهم في آخر كتابه وما رفع من خبره؛ قال: فلما قرأ الرشيد الخبر واستوفاه تربّد واغتاظ وغضب واستشاط حتى أنكرناه وظننا أنه سينكّل بالرجل وبمن تكلم فيه، حتى قال: وما سبيلهم على رجل وسّع في منزله لصديقه، وأسبل عليه ستره، وسعى له فيما يطيب ويحلّ من لذته، وهو بعد مستراح للأحرار والأشراف وذوي الأقدار. ونحن نعلم أنّ الرجل الشريف المستور والأديب والأريب قد تكون عنده العقيلة بن بنات عمه وأشراف قومه ونظرائه، فتحظر عليه شهوته، وتملك عليه أمره، وهي أقبح من السحر، وأسمج من القرد، وأهرّ من الكلب، وأشدّ تعديا من الليث العادي، فبريد شراء الجارية أو تزويج الحرّة فلا يقدر على ذلك لمكانها، حتى يستريح إلى مثل هذا من الفتيان، ويغشى منزل مثله من الإخوان، يجعله سكنه، وينزل به مهمّه، فيساعده على حاجته، ويسعى له فيما يحبّ من لذته، ويستره بمنزله؛ اكتبوا في إطلاقه والسؤال عن حاله، فإن كان كما ذكر عنه من الستر وكان صادقا فيما حكى عن نفسه من الفعل أعين بألف دينار على مروءته، وأومن من روعته، وعرّف ما أمرنا به فيه، قال فقلنا جميعا:
سددك الله يا أمير المؤمنين ووفقك.
«٦٤٦» - قال أبو العيناء: رأيت جارية في النّخاسين تحلف لا ترجع إلى مولاها، فقلت: لمه؟ قالت: يا سيدي يواقعني من قيام ويصلّي من قعود، ويشتمني باعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
стр. 701
«٦٤٧» - ظلمة القوادة يضرب بها المثل، كانت صبية في المكتب تسرق دويّ الصبيان وأقلامهم، فلما شبّت زنت، فلما أسنّت قادت، فلما قعدت اشترت تيسا تنزيه.
«٦٤٨» - ابن الحجاج: [من البسيط]
إن تحسدوني فلا والله ما بلغت ... لولا الخساسة حالي موضع الحسد
وإنما في يدي عظم أمشّشه ... من المعاش بلا لحم ولا غدد
«٦٤٩» - ابن حازم الباهلي: [الكامل المجزوء]
مالي رأيتك لا تدو ... م على المودة للرجال
خلق جديد كل يو ... م مثل أخلاق البغال
(١) وله: [من الكامل]
ومتى اختبرت أبا العلاء وجدته ... متلونا كتلون البغل
«٦٥٠» - أبو تمام: [من الوافر]
مساوىء لو قسمن على الغواني ... لما جهّزن إلا بالطلاق
٦٥١- آخر: [من البسيط]
الليث ليث وإن جزّت براثنه ... والكلب كلب وإن طوّقته ذهبا
стр. 702
«٦٥٢» - حكي أن اعرابيا أخذ جرو ذئب فربّاه بلبن شاة عنده، فقال:
إذا ربيته مع الشاء أنس بها فيذبّ عنها ويكون أشدّ من الكلب، ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي: [من الوافر]
أكلت شويهتي ونشأت فينا ... فمن انباك [١] أن أباك ذيب
«٦٥٣» - قال رجل ملول: إنه ليبلغ من مللي أني أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين.
«٦٥٤» - وقال خالد بن صفوان: إنه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنى أن يؤخذ مني رأسي فلا يردّ إليّ إلا في كلّ أسبوع.
«٦٥٥» - وقال بشار في نحوه: [من الطويل]
إذا كان ذواقا أخوك من الهوى ... موجهة في كلّ أوب ركائبه
فخلّ له وجه الفراق ولا تكن ... مطية رحّال كثير مذاهبه
«٦٥٦» - شاعر يذم وقحا: [من الكامل المجزوء]
الصّخر هشّ عند وج ... هك [ ... ] في الوقاحه
стр. 703
«٦٥٧» - في مثله: [من الكامل]
يا ليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب
«٦٥٨» - آخر: [من الخفيف]
لك عرض مثلّم من قواري ... ر ووجه ململم من حديد
«٦٥٩» - تشاجر رجلان فقال كل واحد منهما أنا ألأم، فتحاكما إلى رجل فقال: قد حكمتماني فأخبراني بأخلاقكما، فقال أحدهما: ما مرّ بي أحد إلا اغتبته ولا ائتمنني أحد إلا خنته، وقال الآخر: أنا أبطر الناس في الرخاء، وأجبنهم عند اللقاء، وأقلهم عند الحياء، فقال الرجل: كلا كما لئيم، وألأم منكما الحطيئة فإنه هجا أباه وأمّه ونفسه.
(من نوادر العقوق [١] ) :
«٦٦٠» - ضرب رجل أباه فقيل له: أما عرفت حقّه؟ قال: لا فإنه لم يعرف حقّي، قيل: وما حقّ الولد على الوالد؟ قال: أن يتخير أمّه، ويحسن اسمه، ويختنه، ويعلمه القرآن، فكشف عن عورته فإذا هو أقلف، وقال:
اسمي برغوث، ولا أعلم حرفا من القرآن، وقد أولدني من زنجية، فقالوا للوالد: احتمله فانك تستأهل.
«٦٦١» - جفا جحا أمه فقالت له: هذا جزائي منك وقد حملتك في
стр. 704
بطني تسعة أشهر؟! فقال: ادخلي في استي حتى أحملك سنتين وخلصيني.
«٦٦٢» - وقالت امرأة لابنها: هذا جزائي وقد أرضعتك سنتين؟ فقال:
ارتجعي عن دورقين لبنا دورقين محضا وأعفيني.
«٦٦٣» - كان لحنظلة النميري ابن عاقّ اسمه مرة، فقال له يوما: إنك لمرّ يا مرة فقال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة، فقال: إنك خبيث كاسمك، فقال: أخبث مني من سمّاني به، فقال: كأنك لست من الناس، فقال:
من أشبه أباه فما ظلم، قال: ما أحوجك إلى أدب، قال: الذي نشأت على يده أحوج إليه مني، قال: عقمت أمّ ولدتّك، قال: إذا ولدت من مثلك، قال: لقد كنت مشؤوما على إخوتك، دفنتهم وبقيت، قال:
أعجبني كثرة عمومتي، قال: لا تزداد إلا خبثا، قال: لا يجتنى من الشوك العنب.
«٦٦٤» - أمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شرّ طائر ويشويه بشرّ حطب، ويبعثه على يد شرّ رجل، فصاد رخمة، وشواها ببعر، ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كلّ ما أمرك به الملك، صد بومة، واشوها بدفلى، وادفعها إلى نبطي ولد زنا، ففعل، وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت، ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا، فليس يزداد النبطيّ بذلك شرارة، فقد بلغ بجنسه الغاية.
تمّ الباب الرابع بحمد الله ومنّه يتلوه باب الجود والسخاء والبخل واللؤم