← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أحاديث وأخبار في مكارم الأخلاق ١٧١ سوء الخلق وبخاصة الحسد ١٨٠ في الحقد ومساوئه ١٨٣ عود إلى مكارم الأخلاق: الحياء والمواساة والمروءة ١٨٥ حكايات وأشعار في مساوىء الأخلاق: القسوة والتشفي ٢٠٢ متنوعات في مكارم الأخلاق ٢٢٢ الحياء والبذاء ٢٢٨ التغاضي وسعة الصدر ٢٣٤ الصمت ٢٣٧ معاملة الأرقاء ٢٣٩ أشعار وأخبار في مساوىء الأخلاق ٢٤٣ نوادر من هذا الباب ٢٤٨ الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم ٢٥٥ خطبة الباب ٢٥٧ مقدمة الباب ٢٥٩ أحاديث وحكم في الجود والبخل ٢٥٩ أشعار في الجود ٢٦٤ حكايات عن بعض الأجواد (عبد الله بن جعفر) ٢٦٨ عود إلى رواية الأشعار ٢٧٩ عود إلى الحكايات ٢٨٢ جود عبيد الله بن العباس ٢٨٦ جود ابن أبي بكرة ٢٨٨ أجواد الجاهلية: حاتم، هرم، كعب بن مامة ٢٨٩

стр. 947

حكايات متنوعة في الجود ٢٩٢ عود إلى أخبار حاتم ٢٩٧ أقوال في الجود ٣٠٠ عبيد الله بن أبي بكرة ٣٠١ جود معن بن زائدة (وغيره) ٣٠٩ بخلاء العرب، وأخبار وأشعار في البخل ٣١٨ بخل أبي العتاهية ومروان بن أبي حفصة ٣٢٧ أقوال وحكايات في البخل ٣٣٠ بخل أبي الأسود والثوري والكندي و ٣٣٣ الحث على البخل ٣٣٥ بخل ابن الزبير (وغيره ... ) ٣٤٠ أخبار في جود يزيد بن المهلب وعود إلى الأجواد ٣٤٩ الأسخياء الذين عرفهم المؤلف ٣٥٩ عود إلى البخلاء (الحطيئة، خالد بن صفوان..) ٣٦٦ نوادر في الجود والبخل واللؤم ٣٦٩ الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضراعة ٣٩١ خطبة الباب ٣٩٣ مقدمة الباب ٣٩٥ أحاديث وحكم في الشجاعة ٣٩٦ أشعار في الشجاعة ٤٠٢ من أخبار الشجعان ٤٠٧ عود إلى الأشعار في الشجاعة ٤١٤ أخبار تاريخية ٤٢٠

стр. 948

أخبار في الجبن ٤٢٥ أشعار في وصف الشجاعة والشجعان ٤٢٩ شجاعة عمرو بن معد يكرب ٤٤٢ متنوعات في الثبات والفرار ٤٤٥ أبو محجن الثقفي في القادسية ٤٥٥ مواقف أخرى بطولية ٤٥٨ بعض السيوف المشهورة ٤٧٢ أشعار في الحماسة للمتنبي وغيره ٤٧٧ أبطال العرب الذين أدركوا الجاهلية ٤٨٠ أبطال العرب في العصر الأموي ٤٨٤ أبطال العرب في الدولة الهاشمية ٤٨٨ نوادر من هذا الباب ٤٨٩ محتويات الكتاب ٤٩٩.

стр. 949

الجزء الثالث الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة [خطبة الباب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* (وما توفيقي إلّا بالله [١] ) الحمد لله الوفّي عهده وميثاقه، المخشيّ عذابه ووثاقه، مبلي الصابرين بلاءهم، ومولي الموفين جزاءهم، جاعل النّكث عائدا على أهله، ومجازي المسيء بسوء فعله، لا يملّ من الإحسان حتى يملّ عبده ولا ينقطع عنه وإن فرط صنعه ورفده، أحمده على سبوغ نعمه، وألوذ به من نوازل نقمه، وأعوذ به من شيمة الغدر الوخيم ورده، وسجيّة المختر [٢] الذميم عهده، وأستمدّه توفيقا يهدينا إلى مرضيّ المساعي، وأن يكفّ عنّا يد المعتدي [٣] الباغي، وأشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله المحافظ على ذمّته، المؤدّي حقّ الرعاية في أمته، صلّى الله عليه وعلى آله الذين جعلهم على الناس شهداء، ولزموا في طاعته الحفاظ والوفاء.

стр. 950

(الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة) «١» - قال الله : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) (الإسراء: ٣٤) . وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) (النساء: ٥٨) . وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) (المؤمنون: ٨) . وعن ابن عباس في قوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر: ٤) . قال: أما إنه لم يأمره أن ينضحها بالماء ولكن قال: لا تلبسها على معصية ولا غدرة، أما سمعت قول غيلان بن سلمة [١] : [من الطويل] إني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنّع [أحاديث في الوفاء] ٢- روي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من أمّن رجلا ثم قتله وجبت له النار وإن كان المقتول كافرا. «٣» - وقال ميمون: ثلاث المؤمن والكافر فيهنّ سواء: الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبرّ الوالدين، والعهد تفي به لمن عاهدت من مسلم أو كافر.

стр. 951

«٤» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له. «٥» - وقال ﷺ لأبي بكر رحمة الله عليه: عليك بصدق الحديث، ووفاء العهد، وحفظ الأمانة فإنها وصية الأنبياء. «٦» - وعنه ﷺ أنه قال: القتل يكفّر الذنوب، وقال: يكفّر كلّ شيء إلّا الأمانة، قال: ويؤتى بصاحب الأمانة يوم القيامة فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: يا ربّ قد ذهبت الدنيا، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، ثم يصعد بها حتى إذا رأى أنه قد خرج زلّت فهوت وهوى في أثرها أبد الآبدين. «٧» - وروى عبد الله بن عمر عنه ﷺ أنه قال: إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان. «٨» - كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، ختن رسول الله ﷺ على ابنته زينب، تاجرا تضاربه قريش بأموالهم، فخرج إلى الشام سنة الهجرة، فلما قدم عرض له المسلمون فأسروه وأخذوا ما معه وقدموا به المدينة ليلا، فلما صلّوا الفجر قامت زينب على باب المسجد فقالت: يا رسول الله قد أجرت أبا العاص وما معه، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت، ودفع إليه جميع ما أخذ منه، وعرض عليه الإسلام فأبى، وخرج إلى مكة ودعا قريشا فأطعمهم ثم دفع إليهم أموالهم وقال: هل وفيت؟ قالوا: نعم قد أدّيت الأمانة

стр. 952

ووفيت، فقال: اشهدوا جميعا أني أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، وما منعني أن أسلم إلّا أن تقولوا: أخذ أموالنا ثم هاجر. فأقرّه رسول الله ﷺ على النكاح، وتوفي سنة اثنتي عشرة. «٩» - وقال عليّ ﵇: إنّ الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل منه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله، قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين. [صور من الوفاء] «١٠» - لما قوي أمر بني العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنّا نجد في الكتب أنّ هذا الأمر زائل عنّا لا محالة، وسيضطر إليك هؤلاء القوم- يعني ولد العباس- فصر إليهم فإني لأرجو أن تتمكّن منهم فتنفعني في مخلّفيّ وفي كثير من أموري، فقال: وكيف لي بعلم الناس جميعا أنّ هذا عن رأيك وكلّهم يقول: إني غدرت بك وصرت إلى عدوك وأنشد: [من الطويل] أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره ثم أنشد: [من الوافر] ولؤم ظاهر لا شكّ فيه ... للائمة وعذري بالمغيب فلما سمع مروان ذلك علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إنّ الذي أمرتني به

стр. 953

أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، ولك عليّ الصبر معك إلى أن يفتح الله عليك أو أقتل معك. «١١» - كان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة اليرموك وبها أصيب فأثبتته الجراح، فاستسقى ماء، فأتي به، فلما تناوله نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا في مثل حاله، فردّ الإناء على الساقي وقال له: امض إلى عكرمة بن أبي جهل [١] يشرب أولا فإنه أشرف مني، فمضى به إليه فأبى أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث فوجده ميتا ورجع إلى عكرمة فوجده أيضا ميتا لم يشرب واحد منهما الماء. «١٢» - كان مرداس بن أديّة أحد بني ربيعة بن حنظلة رأسا من رؤوس الخوارج، فحبسه عبيد الله بن زياد، فرأى السجّان شدّة اجتهاده وحلاوة منطقه، فقال له: إنّي أرى مذهبا حسنا، وإني لأحبّ أن أوليك معروفا، أفرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج إليّ؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به. ولجّ عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلّم في بعضهم فأبى ولجّ وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع؛ فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشّرط، فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء، كلّما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتك بقاتله، لأقتلنّ من في حبسي منهم. فأخرج السّجّان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما

стр. 954

كان السحر تهيّأ للرجوع، فقال له أهله: اتّق الله في نفسك، فإنّك إن رجعت قتلت، فقال: إنّي ما كنت لألقى الله غادرا. فرجع إلى السجّان وقال: إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك، فقال: أعلمت ورجعت؟ قال: نعم. [وفاء السموأل] «١٣» - والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموأل، وهو ابن عريض بن عادياء الأزدي، وقيل هو من ولد الكاهن ابن هارون بن عمران. وكان من خبره أنّ امرأ القيس بن حجر أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم (ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني) ليأخذها منه، فتحصّن منه السموأل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما إن أسلمت إليّ الأدراع وإما إن قتلت ابنك، فأبى السموأل أن يسلم الأدراع إليه، فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه، فقال السموأل: [من الوافر] وفيت بأدرع الكنديّ إني ... إذا ما ذمّ أقوام وفيت وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدّم يا سموأل ما بنيت بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت «١٤» - قال محمد بن السائب الكلبي: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال: [من الوافر] بنو الشهر الحرام فلست منهم ... ولست من الكرام بني عبيد ولا من رهط جبّار بن قرط ... ولا من رهط حارثة بن زيد وهؤلاء كلهم من كلب، فقال: لا أبا لك، أشرف من هؤلاء أنا، قال:

стр. 955

فسبّه الناس بعد بهجاء الأعشى. وكان متغيّظا عليه، فأغار على قوم قد بات فيهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى، ولا يعرفه، فجاء حتى نزل بشريح بن السموأل صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق، فمرّ شريح بالأعشى فنادى به: [من البسيط] شريح لا تتركنّي بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القدّ أظفاري قد جلت ما بين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم ... عقدا أبوك بعرف غير إنكار كالغيث ما استمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرّار إذ سامه خطّتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار فقال غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار فشكّ غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... ربّ كريم وبيض ذات أطهار لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدرا ... وحافظات إذا استودعن أسراري فاختار أدرعه كي لا يسبّ بها ... ولم يكن وعده فيها بختّار قال: فجاء شريح الكلبيّ فقال: هب لي هذا الأسير المضرور، فقال: هو لك. فأطلقه، وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال الأعشى: من تمام صنيعتك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية وتخلّيني الساعة، قال: فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبيّ أنّ الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إليّ بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه، قال: قد مضى، فأرسل الكلبيّ في طلبه فلم يلحقه.

стр. 956

«١٥» - قال الأثرم: حجّ وفاء بن زهير المازنيّ في الجاهليّة، فرأى في منامه كأنه حاض، فغمّه ذلك، وقصّ رؤياه على قسّ بن ساعدة الإياديّ، فقال له: أغدرت بمن أعطيته ذماما؟ قال: لا. قال: فهل غدر أحد من أهلك بجار لك؟ قال: لا علم لي؛ وقدم على أهله فوجد أخاه قد غدر بجار له فقتله، فانتضى سيفه، وناشده أخوه الله والرّحم، وخرجت أمّه كاشفة شعرها قد أظهرت ثدييها تناشده الله في قتل أخيه، فقال لها: علام سمّيتني وفاء إذا كنت أريد أن أغدر؟ ثم ضرب أخاه بسيفه حتى قتله وقال: [من الطويل] يناشدني قيس قرابة بيننا ... وسيفي بكفّي وهو منجرد يسعى غدرت وما بيني وبينك ذمّة ... تجيرك من سيفي ولا رحم ترعى سأرحض عنّي ما فعلت بضربة ... عقيم البديّ لا تكرّ ولا تثنى «١٦» - قال صعصعة بن ناجية المجاشعي للنبي صلّى الله عليه وعلى آله: إني حملت حمالات في الجاهلية، فجاء الإسلام وعليّ منها ألف بعير، فأدّيت من ذلك سبعمائة، فقال له: إنّ الإسلام أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، فوفى بها. [وفاء حاجب بن زرارة] «١٧» - أتى حاجب بن زرارة التميميّ- في جدب أصاب قومه بدعوة رسول الله ﷺ كسرى- فسأله أن يأذن لهم في دخول بلاده حتى يمتاروا، فقال: إنكم معشر العرب قوم غدر، فقال: إنّي ضامن للملك أن لا يفعلوا، قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي، فضحك من حوله، فقال كسرى: ما كان ليخالف، فقبلها منه، وقال: يا حاجب إنّ قوسك لقصيرة معوجّة، قال: أيها الملك إنّ وفائي

стр. 957

طويل مستقيم. فمات حاجب وطلبها ابنه عطارد فردّت عليه، وكساه كسرى حلّة، فلما أسلم أهداها إلى رسول الله ﷺ فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم، وبقيت فخرا لبني تميم عامّة، ولبني دارم منهم خاصة. «١٨» - لما طالب المنصور عيسى بن موسى بتقديم المهديّ عليه في العهد قال: [من الطويل] بدت لي أمارات من الغدر شمتها ... أظنّ رواياها ستمطركم دما وما يعلم العالي متى هبطاته ... وإن سار في ريح الغرور مسلّما [يوم ذي قار] «١٩» - ومن وفاء العرب ما فعله هانىء بن مسعود الشيبانيّ حتى جرّ ذلك يوم ذي قار. وكان من خبره أنّ النعمان بن المنذر حيث خاف كسرى وعلم أنه لا ملجأ له منه رأى أن يضع يده في يده، فأودع ماله وأهله وحلقته في بكر بن وائل عند هانىء بن مسعود، فلما أتى كسرى حبسه بساباط المدائن ثم قتله. ثم إنّ كسرى أرسل إلى هانىء بن مسعود يطالبه بوديعة النعمان، فقال له: إنّ النعمان كان عاملي فابعث إليّ بوديعته ولا تكلّفني أن أبعث إليك بالجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فبعث إليه هانىء: إنّ الذي بلغك باطل، وما عندي قليل ولا كثير، وإن يكن الأمر كما قيل فأنا أحد رجلين: إمّا رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردّها على من استودعه إيّاها، ولن يسلم الحرّ أمانته، أو رجل مكذوب عليه فليس ينبغي للملك أن يأخذه بقيل عدوّ وحاسد؛ فبعث كسرى إليهم

стр. 958

الجيوش: عقد للنعمان بن زرعة التغلبيّ على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة الطائي على جميع العرب ومعه كتيبتاه الشهباء والدّوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخنابزين على ألف، وبعث معهم باللّطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البزّ والعطر والألطاف توصل إلى باذام عامله على اليمن. وعهد إليهم كسرى إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن اتقوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما أحدث سفهاؤكم فاقبلوا منهم وإلا قاتلوهم. وكان كسرى قبل ذلك قد أوقع بيني تميم يوم الصّفقة، فالعرب منه خائفة وجلة. فلما بلغ هانىء بن مسعود الخبر جاء حتى نزل بذي قار، وجاءهم النعمان بن زرعة، وكانت جدّته عجليّة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنكم أخوالي وأحد طرفيّ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب، والكتيبتان: الشّهباء والدوسر، وإنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، فانظروا هذه الحلقة فادفعوها، وادفعوا رهنا من أبنائكم. فقال له القوم: ننظر في أمرنا، ونبعث إلى من يلينا من بكر بن وائل. وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين. (قال الأثرم: جلهة الوادي ما استقبلك منه واتسع، وقال ابن الأعرابيّ: جلهة الوادي مقدّمه مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره، يقال رأس أجله) . ثم انتظروا أصحابهم، كلّما جاء سيّد انتظروا الآخر حتى جاء ثعلبة بن حنظلة بن سيّار العجليّ فقالوا له: يا أبا معدان، قد طال انتظارنا، وقد كرهنا أن نقطع أمرا دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاءنا، والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع عليه رأيكم واتفق عليه ملؤكم؟ قالوا: قلنا إنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضنا بعضا خير من أن نصطلم جميعا. فقال حنظلة: قبّح الله هذا رأيا، ثم نزل ونزل الناس. ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج

стр. 959

هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأيسر مفقود. فأمر بها فأخرجت ففرّقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى قومك سالما، فرجع النعمان، وبات الفريقان يتأهبون للحرب. وأمر حنظلة بالظّعن جميعا فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بكر ابن وائل قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا؛ وانصرفت بنو قيس بن ثعلبة فلم يشهدوها. وقال لهم ربيعة بن عراك السكونيّ ثم التجيبي، وكان نازلا في بني شيبان: أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العكم، فقالوا: فأنت والله من أوسطنا فأشر علينا، فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس يشدّ عليهم كردوس كردوس، فإذا أقبلوا عليه شدّ الآخر، فقالوا إنك قد رأيت رأيا، ففعلوا. وقام هانىء بن مسعود وقال [١] : يا قوم مهلك معذور خير من منجى مغرور، إنّ الحذر لا يدفع القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة ولا الدنيّة، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر؛ يا آل بكر شدّوا واستعدّوا، وإلا تشدّوا تردّوا. ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى وضين راحلة امرأته فقطعه، ثم تتبّع النساء فقطع وضينهنّ لئلّا يفزعهنّ الرجال، فسمّي يومئذ مقطّع الوضين- والوضين بطان الناقة- ثم إنّ القوم اقتتلوا صدر نهارهم أشدّ قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشدّ الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك، على الهامرز فقتله، وقتلت بنو عجل خنابزين، وضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل، وقتل خالد بن يزيد البهرانيّ، قتله الأسود بن شريك بن عمرو، وقتل عمرو بن عدي ابن زيد العبادي الشاعر، ولحق أسود بن بحتر بن عائد بن شريك العجلي النعمان ابن زرعة فقال له: يا نعمان هلمّ إليّ فأنا خير آسر، أنا خير لك من العطش. قال: ومن أنت؟ قال: الأسود بن بحتر، فوضع يده في يده فجزّ ناصيته وخلّى

стр. 960

سبيله، وحمله الأسود على فرس له وقال له: انج على هذه فإنها أجود من فرسك، وجاء الأسود بن بحتر على فرس النعمان، وأفلت إياس بن قبيصة، وتبعتهم بكر بن وائل حتى شارفوا السواد فلم يفلت منهم كبير أحد، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: قد هزمنا بكر بن وائل وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة. ثم إنّ إياسا استأذنه عند ذلك وقال: إنّ أخي مريض بعين التمر، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فأذن له كسرى، فترك فرسه الحمامة وهي التي نجا عليها، وركب نجيبة له فلحق بأخيه، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ قالوا: نعم، إياس، قال: ثكلت إياسا أمّه، وظنّ أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم، فأمر به فنزعت كتفاه. وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله ﷺ بالمدينة، وكان شعارهم: يا محمد. وروي أنه ﷺ تمثلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه ودعا لبني شيبان، ولما بلغته الوقعة قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وفي وفائهم بالأمانة والوديعة يقول الأعشى: [١] [من المنسرح] آليت بالملح والرماد وباك ... عزى وباللات تسلم الحلقه حتى يظلّ الهمام منجدلا ... ويقرع النبل طرّة الدّرقه [وفاء عبد الملك بن مروان] «٢٠» - قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت أجالس في ظلّ الكعبة أيام

стр. 961

الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير، وكنّا نخوض في الفقه مرّة، وفي المذاكرة مرّة، وفي أشعار العرب وأمثال الناس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك: من الاتساع في المعرفة، والتصرّف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث. فخلوت معه ذات ليلة فقلت: والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك، فقال لي: إنك إن تعش قليلا سترى العيون طامحة إليّ، والأعناق قاصدة، فلا عليك أن تعمل إليّ ركابك فلأملأنّ يديك. فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده، فوافقته يوم جمعة وهو يخطب الناس على المنبر، فلما وقعت عينه عليّ بسر في وجهي وأعرض عنّي، فقلت: لم يثبتني معرفة أو عرفني فأظهر لي نكرة، لكني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أين مالك بن عمارة؟ فقمت وأخذ بيدي وأدخلني عليه، فلما رآني مدّ إليّ يده وقال: إنك تراءيت لي في موضع لم يجز فيه إلّا ما رأيت من الإعراض والانقباض، فأما الآن فمرحبا وأهلا، كيف كنت بعدي، وكيف كان مسيرك؟ قلت: بخير وعلى ما يحبّه أمير المؤمنين. فقال: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قال، قلت: نعم وهو الذي أعملني إليك. فقال: والله ما هو بميراث ادّعيناه ولا أثر رويناه، ولكني أخبرك من نفسي بخصال سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى: ما لا حيت ذا ودّ قط، ولا شمتّ بمصيبة، ولا قصدت كبيرة من محارم الله متلذّذا بها واثبا عليها، وكنت من قريش في بيتها، ومن بيتها في واسط قلادتها، فكنت آمل بهذه أن يرفع الله لي، وقد فعل، يا غلام بوّئه منزلا في الدار. فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق إلى رحلك، فكنت في أخفض حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر عشاؤه وغداؤه أتاني الغلام فقال: إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس، فأمشي بلا حذاء ولا رداء، فيرفع من مجلسي ويقبل على مجالستي، ويسألني عن العراق مرة وعن الحجاز مرّة، حتى مضت لي عشرون

стр. 962

ليلة، فتغديت يوما عنده، فلما تفرّق الناس نهضت للقيام فقال: على رسلك أيها الرجل، فقعدت فقال: أيّ الأمرين أحبّ إليك: المقام عندنا، ولك النّصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة أم الشخوص ولك الحباء والكرامة؟ فقلت: فارقت أهلي وولدي على أني زائر لأمير المؤمنين وعائد إليهم، فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد. فقال: بل أرى لك الرجوع إليهم فإنهم متطلّعون إلى رؤيتك، فتحدث بهم عهدا ويحدثون بك مثله، والخيار بعد في زيارتنا والمقام فيهم إليك، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار وكسوناك وحملناك، أتراني ملأت يديك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أراك ذاكرا ما رأيت عن نفسك، قال: أجل ولا خير في من ينسى إذا وعد، ولا ينسى إذا أوعد، ودّع إذا شئت، صحبتك السلامة. [حكايات مختلفة عن الوفاء] «٢١» - أحضر الحجاج رجلا من الخوارج فمنّ عليه وأطلقه، فلما عاد إلى أصحابه قالوا له: إنّ الله تخلّصك من يده ليزيدك بصيرة في مذهبك، فلا تقصّر في الخروج عليه، فقال: هيهات غلّ يدا مطلقها، واسترقّ رقبة معتقها. «٢٢» - دخل هارون بن أبي زياد مؤدب الواثق على الواثق، فأكرمه وأظهر من برّه ما شهره به، فقيل له: يا أمير المؤمنين من هذا الذي فعلت به ما فعلت؟ قال: هذا أوّل من فتق لساني بذكر الله تعالى وأدناني من رحمته. «٢٣» - ومن الوفاء المستحسن ما روي عن أبي زكّار الأعمى، وهو مغنّ منقطع إلى آل برمك، قال مسرور الكبير: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت وعنده أبو زكار الأعمى الطّنبوريّ يغنيه: [من الوافر]

стр. 963

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي فقلت له: في هذا والله أتيتك، ثم أخذت بيده فأقمته وأمرت بضرب رقبته، فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلّا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك؟ فقال: إنه أغناني عما سواه بإحسانه فما أحبّ أن أبقى بعده، فقلت: أستأذن أمير المؤمنين في ذلك، فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصة أبي زكار فقال: هذا رجل مصطنع فاضممه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه فأقمه له. «٢٤» - لقي الفضل بن يحيى إبراهيم الموصلّي وهو خارج من دار الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشماسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى؟ هذان والله أمران لا يجتمعان لك، فقال: والله لئن لم يكن فيّ ما يتّسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعا واحدا ما فيّ خير، والله لا أترك واحدا منكما لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، ومن لم يقبلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهم، والأمر كما قلت، وقد قبلتك على ذلك. «٢٥» - قيل إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. ٢٥ ب- قال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا وخزانتك أمينة سدت في دنياك وآخرتك.

стр. 964

٢٦- قيل: أكرم الوفاء ما كان عند الشدة، وألأم الغدر ما كان عند الثقة. ٢٧- كان يحيى بن خالد إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي جعل الوفاء أعزّ ما برأ. «٢٨» - أبو فراس بن حمدان: [من الطويل] بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب وقد صار هذا الناس إلّا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب «٢٩» - وله: [من البسيط] أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس «٣٠» - عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأرذنّ وضربه وحلقه وأقامه للناس، وقال للموكلين به: من أتاه متوجعا فائتوني به، فأتاه عديّ ابن الرقاع العامليّ، وكان عبيدة إليه محسنا، فوقف عليه وقال: [من الوافر] فما عزلوك مسبوقا ولكن ... إلى الغايات سبّاقا جوادا وكنت أخي وما ولدتك أمي ... وصولا باذلا لا مستزادا فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا فوثب الموكلون إليه فأدخلوه إلى الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيّظ عليه الوليد وقال له: أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إليّ محسنا، ولي مؤثرا، وبي برّا، ففي أيّ وقت كنت أكافيه بعد هذا اليوم؟ فقال: صدقت وكرمت، وقد عفوت عنه لك وعنك، فخذه وانصرف.

стр. 965

«٣١» - ولما حمل رأس مروان بن محمد إلى السفّاح وهو بالكوفة جلس مجلسا عامّا، وجاءوا بالرأس فوضع بين يديه، فقال لمن حضره: أفيكم من يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعد بن هبيرة فأكبّ عليه فتأمّله مليّا ثم قال: نعم هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس ﵀، وعاد إلى مجلسه فقعد. ووثب أبو العباس فطعن في حجزته، وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدّث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرّضتنا ونفسك للبوار فقال: اسكتوا، قبّحكم الله، ألستم الذين أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلّف عن مروان ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما كان ليغسل عني عار تلك الفعلة إلّا هذه، وإنما أنا شيخ هامة اليوم أو غد، فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غدا. فجعل بنوه وأهله يتوقعون رسل السفاح أن تطرقه في جوف الليل، وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد، فلما بصر به قال: ألا أسرّك يا ابن جعدة بجميل رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك فقال: أما والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلّا الوفاء، ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما منه بمروان إن أحسنّا إليه، قال: أجل والله. «٣٢» - وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في بعض حروبه مع الخوارج فقال: فعل كذا وصنع كذا ﵀، فقال المنصور: قم عليك لعنة الله، تطأ بساطي وتترحّم على عدوي؟! فقام الرجل وهو يقول: والله إنّ نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلّا غاسلي، فقال المنصور: ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نهيض حرّة وغراس شريف، ودعا له بمال فأخذه وقال: لولا جلالة عزّ أمير المؤمنين وامتطاء طاعته ما لبست بعده لأحد نعمة، فقال له المنصور:

стр. 966

مت إذا شئت، لله أنت، فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلّدا. «٣٣» - قيل: بينما عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في مقدمه به على أبي جعفر إذ أنشد عيسى: [من الطويل] لينهك ما أفنى القرون التي خلت ... وما حلّ في أكناف عاد وجرهم ومن كان أنأى منك عزّا ومنعة ... وأنهد بالجيش اللهام العرموم فقال أبو مسلم: علام أعطيتني عهد الله يا أبا موسى؟ قال: أعتق ما يملك إن كان أرادك بما قال، وإنما هو خاطر جرى على لساني، قال: ذاك شرّ. «٣٤» - ومن شعر عيسى بن موسى لما خلع من العهد: [من الطويل] أينسى بنو العباس ذبّي عنهم ... بسيفي نار الحرب ذاك سعيرها فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذلّ معاديها وعزّ نصيرها أقطّع أرحاما عليّ عزيزة ... وأسدي مكيدات لها وأنيرها فلما وضعت الأمر في مستقرّه ... ولا حت له شمس تلألأ نورها دفعت عن الحقّ الذي أستحقّه ... وسيقت بأوساق من الغدر عيرها [أعرق العرب في الغدر] «٣٥» - يقال: أعرق العرب في الغدر آل الأشعث بن قيس، أغار قيس بن معدي كرب غدرا بمراد، وكان بينهم ولث- أي عهد- أن لا يغزوهم إلى انقضاء رجب، فوافاهم قبل الأمد بكندة. فجعل يحمل عليهم ويقول: [من الرجز]

стр. 967

أقسمت لا أنزل حتى يهزموا ... أنا ابن معدي كرب فاستسلموا فارس هيجا ورئيس مصدم فقتل قيس بن معدي كرب وارتدّ الأشعث بن قيس عن الإسلام. وغدر محمد بن الأشعث بمسلم بن عقيل بن أبي طالب، وغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يوم دير الجماجم، وأتيح له غادر فأسلمه، وهو رتبيل ملك الترك، لجأ إليه لما انهزم من حرب دير الجماجم فغدر به وسلّمه إلى أصحاب الحجاج، فألقى نفسه في طريقه من سطح فمات. [حكايات في الغدر] «٣٦» - ذكر هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ أنّ بابك بن ساسان كان يغشى البيت، وآخر ما زاره دفن فيه غزالا من ذهب عيناه ياقوتتان [١] ، وفي أذنيه شنفان من ذهب بدرّتين، والسيوف القلعية التي لم تكن إلّا لفارس، وهو الغزال الذي سرقه أبو لهب، وذاك أنّ أبا لهب كان يشرب ومعه ديك ودييك، موليان لخزاعة، فنفد شرابهم فقال أبو لهب: والله ما نعوّل على شيء إلّا على غزال الكعبة، فسرقوه، فعظم ذلك على قريش وقطعوا الموليين ولم يقووا على أبي لهب لمكان بني هاشم، وفيه يقول حسان: [من البسيط] أبا لهيب فبيّن لي حديثكم ... أين الغزال عليه الدرّ من ذهب «٣٧» - كان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عمّ له، فتسوّر عليها فأخذه إخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري، وسرّقوه، فسأله فصدقهم

стр. 968

ليدفع الفضيحة عن الجارية، فأراد خالد قطعه، فقال عمرو: [من الطويل] أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق أقرّ بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاتق فزوّجه خالد الجارية. «٣٨» - قال العلاء بن منهال الغنويّ: [من الكامل] إنّ العفيف [١] إذا استعان بخائن ... كان العفيف [٢] شريكه في المأثم «٣٩» - كان أحمد بن يزيد المهلبيّ نديما للمنتصر، فطلبه أبوه المتوكل لمنادمته، فلم يزل نديمه حتى قتل. فلما ولي المنتصر حجبه، ثم أذن له وأمر بنان ابن عمرو فغّنى: [من الطويل] غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... ورمت بديلا بي ولم أتبدّل والبيت للمنتصر، فاعتذر المهلبي فقال المنتصر: إنما قلته مازحا، أتراني أتجاوز بكم حكم الله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: ٥) . «٤٠» - كان أبو بشر رزام مولى خالد بن عبد الله القسري يكتب لمحمد بن خالد، وهو يتولّى الحرمين لأبي جعفر، فصرف محمد بن خالد برياح بن عثمان المري، فحبس رزاما وطالبه بأن يرفع على صاحبه فامتنع، فكان يخرجه في كلّ

стр. 969

يوم ويضربه خمسة عشر سوطا حتى صار جسمه كالقرحة. فأحضره يوما ليضربه فلم يجد فيه موضعا فضربه على كفّه. ولما بلغ به ما بلغ أحضره رزام كتابا يوهمه أنّ فيه رفائع على محمد بن خالد، وقد [١] جمع له رياح الناس، فلما اجتمعوا قال لهم رزام: أيها الناس إن الأمير أمرني أن أرفع على محمد بن خالد، وقد أحضرني [٢] كتابا كلّ ما فيه باطل، وقد صدقت عما عندي، فأمر به فضرب مائة سوط وحبسه. فلم يزل محبوسا حتى غلب محمد بن عبد الله بن حسن بن علي على المدينة، فقتل رياحا وأطلق محمد بن خالد ورزاما كاتبه هذا. ٤» - لما حلف محمد الأمين للمأمون في البيت الحرام، وهما وليّا عهد، طالبه جعفر بن يحيى بأن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرّات. قال الفضل بن الربيع، قال لي في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أنّ أمري لا يتمّ، فقال له: ولم ذاك أعزّ الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك. «٤٢» - قال مسرور الكبير: دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى، وقد خرج من مرقده وهو يريد الخلاء، فلما رآني أمر بكرسيّ فطرح وجلس عليه ثم قال: إني سائلك عن أمر فلا تطوّل عليّ فإني أريد الطهور [٣] ، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه، فقلت له: ليسأل أمير المؤمنين عما أحبّ، قال: أخبرني عما وجدته من المال والجوهر للبرامكة، فقلت له: ما وجدت شيئا من

стр. 970

ذلك لهم، فقال: وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني؟ فقلت له: أنفقوه في المكارم، وأصيب لهم من الجوهر ما لا يشبه أمثالهم، قال لي: فما يقول الناس فينا؟ فقلت: الله الله في أمري، فقال: ما لك؟ قلت: الصدق يغضبك، وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كلّ شيء يسألنا عنه، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه، لأني كنت قد صدقته عن شيء من أمر الحرم فغضب وحجبني أربعين يوما، فأذكرته بذلك فقال: كان ذلك مني غلطة ولن أعود لمثلها. فقلت له: يقول الناس لم تف لهم، وانك طمعت في أموالهم، قال: فأيّ شيء حصلت منها؟ قلت: ضياعهم هي مال، فقال: البس سيفك وأحضرني يحيى بن خالد فأقمه وراء الستر، فقلت في نفسي: إنا لله وإنّا إليه راجعون، ماذا صنعت؟ قتلت ابنه وأقتله؟ ثم أحضرت يحيى، فلما خرج الرشيد من الخلاء قال لي: اخرج إليه فقل له ما حملك على أن حملت إلى يحيى بن عبد الله بالديلم مائتي ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال: أليس قد صفحت عن هذا؟ فقال لي: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ فقلت له ذاك، فقال: أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد الله فيظفر به الفضل بعد قوّته فيكون أحظى له عندك، قال فقلت له: فما كان يؤمّنك أن يقوى فيقتل الفضل ويقتلني؟ وما حملك على أن حملت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع غلامك رباح سبعين ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال، قل له: أفليس قد صفحت عن ذلك؟ فقال: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ ثم قال: قل له: أنت تعلم موقع عيالي منّي، وطلبت منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم فقلت لي: إن أخذت منها درهما واحدا لهذا الشأن ذهبت هيبتك، فأمسكت، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمسماية ألف ففرّقتها في عيالك، واحتلت أنا بقرض تولّاه يونس ما فرّقته فيهم، ثم قال لي: قل له كذا وقل له كذا حتى عدّ أربعة عشر شيئا، ثم أمرني بردّه إلى محبسه وقال: يا مسرور، يقول الناس إني ما وفيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما أحبّ أن تستجهلني فقال: وكيف؟ قلت: كيف لك بأن يعلم الناس كعلمي، لبودّي

стр. 971

أنهم علموا ذلك، على أني أعلم أنه لو نودي فيهم دهرا من الدهور ما حفظوه. «٤٣» - خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام، وإذا امرأة جالسة عند قبر تبكي، فجاء سليمان فرفعت البرقع عن وجهها، فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجبين ينظران إليها، فقال لها يزيد بن المهلب: يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فنظرت إليهما ثم نظرت إلى القبر فقالت: [من الطويل] فلا تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني «٤٤» - كانت عند الحسن بن الحسن بن عليّ امرأة، فضجر يوما وقال: أمرك في يدك، فقالت: أما والله لقد كان في يدك عشرين سنة فحفظته، أفأضيّعه في ساعة صار في يدي؟! قد رددت إليك حقّك، فأعجبه قولها وأحسن صحبتها. «٤٥» - ومن أحسن الوفاء ما روي عن نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص الكلبي، تزوّجها عثمان بن عفّان، وكان أبوها نصرانيّا، فأمر ابنه ضبّا بتزويجها وحملها إليه بالمدينة، فلما أدخلت إليه قال لها: أتقومين إليّ أم أقوم إليك؟ قالت: ما قطعت إليك عرض السماوة وأنا أريد أن أكلّفك طول البيت. فلما جلست بين يديه قال: لا يروعنّك هذا الشيب، قالت: أما إني من نسوة أحبّ أزواجهنّ إليهنّ الكهل السيّد، قال: حلّي إزارك، قالت: ذاك بك أحسن. فلما قتل أصابتها ضربة على يدها، وخطبها معاوية فردّته وقالت: ما يعجب الرجل مني؟

стр. 972

قالوا: ثناياك، فكسرت ثناياها وبعثت بها إلى معاوية، فكان ذلك مما رغّب قريشا في نكاح نساء كلب. «٤٦» - مرّ أبو بكر ﵁ بجارية سوداء تطحن لمولاتها، فقالت له مولاتها: يا أبا بكر اشترها فإنها على دينك، فلما علم أنها مسلمة حكّم مولاتها فاشتراها على المكان، فدفع ثمنها وقال: قومي يا جارية، قالت: يا أبا بكر إنّ لها عليّ حقّا بقدم ملكها، فائذن لي أن أستتمّ طحينها، ففعل. «٤٧» - لما أحسّ مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه زياد فصّ ياقوت قام عليه بألف ألف، وقال له: انج بهذا، فأخذه ودقّه بين حجرين وقال: والله لا أنتفع به بعدك. «٤٨» - المتنبي: [من الطويل] أقلّ اشتياقا أيّها القلب إنني ... رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبّا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا [أشعار في الغدر] «٤٩» - وقال الرضيّ الموسويّ: [من الطويل] ومولى يعاطيني الكؤوس تجمّلا ... وقد ودّ لو أنّ العقار نجيع خبأت له ما بين جنبيّ فتكة ... دهته ويوم الغادرين شنيع فلا كان مولى لا يدوم وفاؤه ... وإنّ وفاء في الزمان بديع وبعض مقال القائلين تكذّب ... وبعض وداد الأقربين خدوع «٥٠» - وقال أيضا: [من الطويل]

стр. 973

وما صحبك الأدنون إلّا أباعد ... إذا قلّ مال أو نبت بك حال ومن لي بخلّ أرتضيه وليت لي ... يمينا تعاطيها الوفاء شمال «٥١» - وقال أيضا: [من الطويل] أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة ... وما واحد قلبا مشوق وشائق وعندي من الأحباب كلّ عظيمة ... تزهّد في قرب الضجيع المعانق فكم فيهم من واعد غير منجز ... وكم فيهم من قائل غير صادق وفاء كأنبوب اليراع لصاحب ... وغدر كأطراف الرّماح الدّوالق «٥٢» - قال إسحاق الموصلي: كان لزلزل الضارب جارية قد ربّاها وعلّمها الضرب، وسأل إبراهيم فطارحها، وكانت مطبوعة حاذقة، قال: فكان يصونها أن يسمعها أحد، فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه، فصرت إليها لأعترضها فغنّت: [من السريع] أقفر من أو تاره العود ... والعود للأوتار معمود فأوحش المزمار من صوته ... فما له بعدك تغريد من للمزامير وعيدانها ... وعامر اللذّات مفقود الخمر تبكي في أباريقها ... والقينة الخمصانة الرّود قال: وهذا شعر رثاه به صديق له كان يألفه [١] ، قال: فأبكت والله عيني وأوجعت قلبي. فدخلت على الرشيد فحدثته بحديثها فأمر بإحضارها فأحضرت، فقال لها: غنّي الصوت الذي حدثني عنك أنك غنيّته، فغنّته وهي تبكي، فتغرغرت

стр. 974

عينا الرشيد وقال لها: أتحبّين أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين لقد عرضت عليّ ما يقصّر عنه الأمل، ولكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد بعد سيدي فينتفع بي، فازداد رقّة عليها وقال: غنّي صوتا آخر فغنّت: [من البسيط] العين تظهر كتماني وتبديه ... والقلب يكتم ما ضمّنته فيه فكيف ينكتم المكنون بينهما ... والعين تظهره والقلب يخفيه فأمر بأن تبتاع وتعتق، ولم يزل يجري عليها الى ان مات. [حكاية الضّيزن صاحب الحضر وبنته] «٥٣» - ويروى في أخبار العرب أنّ الضّيزن بن معاوية من قضاعة كان ملكا ما بين دجلة والفرات، وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالحضر حيال تكريت، وملك الجزيرة وبلغ ملكه الشام، فأغار فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف، وفتح مدينة بهرسير [١] وقتل فيهم. قالوا: ثم إنّ سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم، فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منهم إلى شيء، ثم إنّ النضيرة بنت الضّيزن عركت، أي حاضت، فأخرجت إلى الرّبض، وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ قال: حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهنّ، قالت: عليك بحمامة مطوّقة ورقاء، فاكتب في رجلها بحيض جارية زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة، وكان ذلك طلّسمها لا يهدمها إلا هو. ففعل وتأهّب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة. ففعل، فتداعت المدينة وفتحها

стр. 975

سابور عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأباد بني العبيد قبيلته الدنيا، وأفنى قضاعة الذين كانوا معه، واحتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من حشيّة في فراشها، وهي من حرير محشوّة بالقزّ. فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثّرت فيها. قال: وكان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها. فقال لها سابور: ويحك بأيّ شيء كان أبوك يغذوك؟ [١] قالت: بالزبد والمخّ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك وأوتر لك في أبيك الذي غذاك بما تذكرين. فكان عاقبة غدرها بأبيها وعشيرتها أنّ سابور غدر بها، فأمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطّعها قطعا. [جزاء سنمار] «٥٤» وتقول العرب أيضا: جزاني جزاء سنمّار، وهو بنّاء غدر به النعمان ابن الشقيقة اللخمي، والشقيقة أمه، وهو الذي ساح وتنصّر. وكان من حديث غدره بسنمّار أنّ يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن منزل صحيح مريء فدلّ على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وهو عامله على أرض العرب، وأمره أن يبني الخورنق مسكنا له ولا بنه، وينزله إيّاه، وأمره بإخراجه إلى وادي العرب. وكان الذي بنى الخورنق رجل يقال له سنمّار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال: لو علمت أنكم توفّوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقّه لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت، فقالوا: وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه؟ ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق.

стр. 976

وروي أنه قال: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال: أم والله لا تدلّ عليه أبدا، فذلك قول أبي الطّمحان القيني: [من الطويل] جزاء سنمار جزاها وربّها ... وباللّات والعزّى جزاء المكفّر وقول سليط بن سعد: [من البسيط] جزى بنوه أبا غيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار وقول عبد العزيز بن امرىء القيس الكلبي: [من الطويل] جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب سوى رصّه البنيان عشرين حجة ... يعلّ عليها بالقراميد والسكب «٥٥» - قال رجل للمبرد: أسمعني فلان في نفسي [مكروها] فاحتملته، ثم أسمعني فيك فجعلتك أسوتي فاحتملته فقال: ليسا سواء، احتمالك في نفسك حلم وفي صديقك غدر. «٥٦» - ومن كلام أبي محمد المهلبي: قد لبست سملا من عهده، وشربت وشلا من ودّه. [عمرو بن جرموز والزبير] «٥٧» - وممّن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز، غدر بالزبير بن العوام. وكان لما انصرف من حرب الجمل مرّ بناد من أندية البصرة ممسيا، فرآه الأحنف بن قيس، وكان قد اعتزل الحرب فقال: هذا الزبير بن العوام منصرفا، والله ما هو بجبان، فمن يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا آتيكم بخبره، وركب

стр. 977

فرسه وأخذ سلاحه واتّبعه حتى أدركه بوادي السباع، وهو على سبعة أميال من البصرة، وقد نزل الزبير يصلّي، فلما دنا ابن جرموز قال له الزبير: وراءك. فقال: إنما بعثني من ورائي لأسألك عمّا صنع القوم، فقال: تركتهم يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف. قال ابن جرموز: فقلت في نفسي جاء هذا من الحجاز فضرب بعضنا ببعض، وألقى بيننا الشرّ ثم ينجو سالما؟! كلّا وربّ الكعبة. وأراد الزبير الصلاة فقال: إني أريد الصلاة فتأخّر عنّي أصلّ، فقال: أنت آمن فصلّ. فلما افتتح الصلاة طعنه في جربّان درعه فقتله، فقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تحت الزبير: [من الكامل] غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش السنان ولا اليد [عضل والقارة] «٥٨» - ومن الغدر الشنيع ما فعلته عضل والقارة. قال قتادة: قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاما وخيرا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلّمونا شرائع الإسلام. فبعث معهم رسول الله ﷺ ستة نفر من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنويّ، وخالد بن البكر [١] حليف بني عديّ بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عديّ أخا بني جحجبا بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنّة أخا بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفا لبني ظفر من بليّ، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لبني هذيل بناحية

стр. 978

من الحجاز، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلا. فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلّا الرجال في أيديهم السيوف قد غشوا، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنّا والله ما نريد قتالكم، ولكنّا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألّا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكر وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا. فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما إلى مكة فباعو هما، فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمّه، ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف. وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليحملوه إلى سراقة بنت سعد بن سهيل ليبيعوه منها، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر، فمنعته الدّبر، فلما حالت بينه وبينهم قالت: دعوه حتى نمسي فيذهب الدبر عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وكان عاصم قد أعطى الله عهدا لا يمسّه مشرك أبدا ولا يمسّ مشركا في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته. وكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أنّ الدّبر منعته: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته. وروي أنّ خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة لها صبيّ يدرج إلّا بخبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أني أقتله؟

стр. 979

إنّ الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإنّ في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلّا رزقا رزقه الله خبيبا. ولما خرج بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: ذروني أصلّ ركعتين، ثم قال: لولا أن يقال جزع لزدت، وما أبالي على أيّ شقّيّ كان مصرعي، وقال: [من الطويل] وذلك في ذات الإله ولو يشا ... لبارك في أوصال شلو ممزّق اللهم أحصهم عددا، وخذهم بددا، ولا تفلت منهم أحدا. وأخبر عون بن أمية عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون، فرقيت إليها فحللت خبيبا فوقعت إلى الأرض، فاستدرت غير بعيد ثم إني التفتّ فلم أر لخبيب أثرا، فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تذكر لخبيب رمّة حتى الساعة. وبعث صفوان بن أمية مولى له يقال له نسطاس، فأخرج زيد بن الدّثنّة من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك يا زيد أتحبّ أنّ محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك الآن؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه فتصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال، يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس. «٥٩» - قال مسعود بن عبد الله الأسدي يحسّن الغدر: [من الكامل] سائل بني يربوع إن لاقيتهم ... عن ضيفهم يخبرك منهم خابر

стр. 980

قالوا غدرت فقلت إنّ وربما ... نال العلى وشفى الغليل الغادر «٦٠» - وقال حرب بن جابر الحنفي: [من الطويل] رأيت أبا القيّار للغدر آلفا ... وللجار وابن العمّ جمّا غوائله وإنّ أبا القيار كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دما فهو آكله «٦١» - وقال عارق الطائي [من الطويل] غدرت بأمر أنت كنت دعوتنا ... إليه وشرّ شيمة الغدر بالعهد وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى جلّه من دم الفصد «٦٢» - أغار حنتمة بن مالك الجعفيّ على حيّ من بني القين بن جسر، فاستاق منهم إبلا، فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم إنه ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان في يده وولّى منصرفا. فنادوه وقالوا: إنّ المفازة أمامك ولا ماء معك، وقد فعلت جميلا فانزل ولك الذمام والحباء، فنزل. فلما اطمأنّ واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، فقالت عمرة ابنته: [من الطويل] غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم ... بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب لذادكم عنه بضرب كأنّه ... سهام المنايا كلهنّ صوائب [بنو مفروق] «٦٣» - تلاحى بنو مفروق بن عمرو بن محارب وبنو جهم بن مرّة بن محارب على ماء لهم، فعلتهم بنو مفروق فظهرت عليهم، وكان في بني جهم شيخ له تجربة وسنّ، فلما رأى ظهورهم قال: يا بني مفروق، نحن بنو أب واحد فلم

стр. 981

نتفانى؟ هلمّوا إلى الصّلح ولكم عهد الله وذمة آبائنا أن لا نهيجكم أبدا، ولا نزاحمكم في هذا الماء؛ فأجابتهم بنو مفروق إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، فقال أبيّ بن ظفر المحاربي في ذلك: [من البسيط] هلا غدرتم بمفروق وأسرته ... والبيض مصلتة والحرب تستعر لما اطمأنوا وشاموا من سيوفهم ... ثرتم إليهم وغبّ الغدر مشتهر غررتموهم بأيمان موكّدة ... والورد من بعده للغادر الصّدر [الوفاء في النساء] «٦٤» - تزوج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أمّ هشام بنت عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان يجد بها وجدا شديدا. فمرض مرضته التي هلك فيها، فجعل يديم النظر إليها وهي عند رأسه، فقالت له: إنك تنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: اي والله، إنّ لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه، قالت: وما هي؟ قال: أخاف أن تتزوجي بعدي، قالت: فما يرضيك من ذلك؟ قال: أن توثّقي لي بالأيمان المغلّظة، فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه، ثم هلك. فلما انقضت [١] عدّتها خطبها عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فأرسلت إليه: ما أراك إلّا وقد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد وأمة عبدان وأمتان، ومكان كلّ علق علقان، ومكان كلّ شيء ضعفه، فتزوّجته فدخل عليها بطّال بالمدينة، وقيل بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال: [من الطويل]

стр. 982

تبدّلت بعد الخيزران جريدة ... وبعد ثياب الخزّ أحلام نائم فقال عمر: ويحك، جعلتني جريدة وأحلام نائم؟! فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، ولكن كما قال أرطأة بن سهيّة: [من الطويل] وكائن ترى من ذات شجو وعولة ... بكت شجوها بعد الحنين المرجّع وكانت كذات البوّ لما تعطّفت ... على قطع من شلوه المتمزّع متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو تعمد لإلف فتربع [١] [عن الدهر فاصفح إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع] «٦٥» - لما قدّم هدبة بن الخشرم للقتل قودا قالت زوجته: إنّ لهدبة عندي وديعة، وذلك بحضرة مروان بن الحكم، فأمهله حتى آتيك بها فقال: أسرعي فإنّ الناس قد كثروا، وكان جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السوق فانتهت إلى قصّاب فقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردّها عليك، فقرّبت من حائط وأرسلت ملحفتها على وجهها ثم جدعت أنفها من أصله وقطعت شفتيها وردّت الشفرة، ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس فقالت: أتراني يا هدبة متزوّجة بعد ما ترى؟ فقال: لا، الآن طابت نفسي بالموت، وخرج يرسف في قيوده، فإذا هو بأبويه يتوقّعان الثّكل، فهما بسوء حال، فأقبل عليهما وقال: [من الرمل] أبلياني اليوم صبرا منكما ... إنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ

стр. 983

لا أرى ذا اليوم إلّا هيّنا [١] ... إنّ بعد الموت دار المستقرّ اصبرا اليوم فإني صابر ... كلّ حيّ لقضاء وقدر وقد روي أنها تزوجت بعده على تشويه خلقتها ولم تدم على وفائها. «٦٦» - كان للنمر بن تولب العكلي أخ يقال له الحارث بن تولب، وكان سيّدا معظما. فأغار الحارث على بني أسد فسبى امرأة منهم يقال لها جمرة [٢] بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر، ففركته فحبسها حتى استقرّت، وولدت له أولادا. ثم قالت له في بعض أيامها: أزرني أهلي فإني قد اشتقت إليهم، فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى أهلك أن تغلبيني على نفسك، فواثقته لترجعنّ إليه. فخرج بها في الشهر الحرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطلّ على الحيّ تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث [٣] طويلا فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت وأنها اختدعته، فانصرف وقال: [من الطويل] جزى الله عنّا جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب لهان عليها أمس موقف راكب ... إلى جانب السّرحان أخيب خائب وقد سألت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد أبليتها في النّوائب وصدّت كأنّ الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب «٦٧» - ومن أخبار العرب ما رواه أبو عبيدة أنّ رجلا خرج إلى جبّانة بلده مع

стр. 984

أخيه وجار له ينتظرون الرفاق، وتبعه كلب له فضربه ورماه بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدوّ له يطلبه بطائلة، فجرح جراحات وطرح في بئر قريبة القعر وحثي عليه التراب، وقد فرّ أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله، ثم أتاه عند انصراف العدوّ فكشف التراب عن رأسه حتى تنفّس، ومرّ ناس فاستشالوه وأدّوه إلى أهله، وسمي الموضع بئر الكلب، وقيل فيه: [من الطويل] يعرّد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه [وفاء كلب] «٦٨» - ويحكون في ضدّه أنّ قوما خرجوا للصيد فطردوا ضبعا حتى ألجأوها إلى خباء أعرابيّ، فأجارها وجعل يطعمها، فبينما هو نائم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه ومرّت، وجاء ابن عمّ له يطلبه، فإذا هو بقير، فتبعها حتى قتلها وقال: [من الطويل] ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير امّ عامر أعدّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدرائر وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر

стр. 985

نوادر من هذا الباب «٦٩» - دخل ابن أبي زهير المديني الحمام فرأى رجلا منعظا، فقال: ما شأن هذا؟ قال: ذكر صديقا له بالعراق، فقال: إيذن لي في تقبيله فقد انقطع الوفاء [١] إلّا منه. «٧٠» - قال المنصور لعامل بلغته عنه خيانة: يا عدوّ الله وعدوّ أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ قال: يا أمير المؤمنين نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمال من نأكل إذن؟ فضحك وقال: خلّوه ولا تولّوه. «٧١» - أمر الإسكندر بصلب سارق فقال: أيّها الملك، إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، قال: وتصلب وأنت أيضا للصلب كاره. ٧» - وسرق مدنيّ قميصا فأعطاه ابنه ليبيعه، فسرق منه، فجاء إلى أبيه فقال له: بكم بعته؟ قال: برأس المال. «٧٣» - كان لمروان بن الحكم غلام قد وكله بأمواله، فقال له يوما: أظنّك
следующие страницы →