← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10657

تنقيح التحقيق - ابن عبد الهادي - ط أضواء السلف

ابن عبد الهادي

Полный текст (2 696 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والصواب عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً، كذلك رواه جعفر بن عون عن سعيد، وكذلك رواه يونس بن عبيد عن الحسن، والله أعلم). ٣) تصحيح بعض الأحاديث التي يضعفها: أحيانًا يضعف ابن الجوزي بعض الأحاديث، وتكون عند المنقح صحيحة فيبين المنقح صحتها عنده، ومن أمثلة ذلك: ذكر ابن الجوزي (٣/ ١٩٥) حديثًا من طريق ابن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه عدّ ثلاثين يومًا ثم صام. وعلق عليه بقوله: (قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. قلت: وهذه عصبية من الدارقطني، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به). فتعقبه المنقح (٣/ ٢٠٦) بقوله: (حديث معاوية بن صالح عن عبد الله ابن أبي قيس عن عائشة: رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي عن معاوية، وهو حديث صحيح، ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح، وقد صحح الدارقطني إسناده كما تقدم. وقول المؤلف «هذه عصبية من الدارقطني .... » غير صحيح، وإنما العصبية منه، فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق … الخ). ٤) تعديل بعض الرواة الذين جرحهم أو تضعيف بعض الرواة الذين وثقهم أو سكت عن بيان حالهم:

стр. 142

يضعف ابن الجوزي أحيانًا بعض الرواة، فيتعقبه المنقح ويبين ثقة هؤلاء الرواة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها ما سبق في الفقرة السابقة من الكلام في معاوية بن صالح. وأحيانًا يحدث العكس فيوثق ابن الجوزي بعض الضعفاء أو يسكت عن بيان حالهم، فيتعقبه المنقح مبينًا ضعف هؤلاء الرواة، وأيضًا الأمثلة على هذا كثيرة جدًا. ٥) بيان أحوال بعض الرواة الذين فيهم تفصيل أو خلاف وأجمل القول فيهم: يقتصر ابن الجوزي أحيانًا في بيان حال الراوي على بعض أقوال النقاد، ولا يتتبع اختلافهم، فينبه المنقح على ذلك، ومن الأمثلة: قال المنقح (٢/ ٦٥٩): (وفي قول المؤلف: «وأما حديث أم شريك: ففيه شهر، وقد ضعفوه» نظر، فإن شهرًا لم يضعفه الكل، بل ضعفه جماعة، ووثقه آخرون، وممن وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وأحمد بن عبد الله العجلي، والله أعلم) (١). ٦) التناقض في تضعيف بعض الرواة في موضع وتقويتهم في آخر: الحافظ ابن الجوزي ربما احتج براو في موضع، ثم يضعفه في موضع آخر، فيتعقبه المنقح على ذلك، ومن أمثلة ذلك: قال في «التنقيح» (١/ ١٨٧): (جابر الجعفي: ضعفه الجمهور، _________ (١) وانظر أيضًا: ٢/ ٣٥٨.

стр. 143

والمؤلف يحتج به في موضع إذا كان الحديث حجة له، ويضعفه في موضع آخر إذا كان الحديث حجة عليه!) (١). ٧) التناقض في الاحتجاج ببعض الأحاديث في موضع وتضعيفها في موضع آخر: يقع من الحافظ ابن الجوزي ﵀ بعض التناقض، ومن ذلك: أنه أحيانًا قد يحتج بالحديث في مسألة، ثم يضعفه في مسألة أخرى إذا احتج به المخالف، فيتعقبه المنقح في ذلك، ومن الأمثلة عليه: احتج ابن الجوزي (٢/ ٦٢٨) بحديث كعب بن مالك قال: جاء ثابت ابن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن أمه توفيت وهي نصرانية، وهو يحب أن يحضرها، فقال رسول الله ﷺ : «اركب دابتك وسر أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها». فتعقبه المنقح بقوله: (هذا حديث لا يصح، وأبو معشر ضعيف). ثم ذكر ابن الجوزي هذا الحديث تحت مسألة أخرى (٢/ ٦٤٦) ضمن أدلة المخالف، فقال في الجواب عنه: (فيه أبو معشر، وقد ضعفه يحيى، وقال النسائي: ليس إسناده بشيء). فتعقبه المنقح بقوله: (حديث كعب لا يصح كما تقدم، لكن المؤلف احتج به ثم ضعفه!). ٨) الخطأ في تحديد العلة التي يعل بها الحديث: _________ (١) وانظر أيضًا: ٢/ ٢١، ٢١٦، ٢٢٣، ٦٢٦.

стр. 144

يضعف أحيانًا ابن الجوزي بعض الأحاديث بعلة، وعند التحقيق لا تكون هي سبب تضعيف الحديث، فيبين المنقح ذلك، ومن الأمثلة: أورد ابن الجوزي (١/ ٣٤٠) ضمن حجج المخالف حديثًا من طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، ثم قال: (قال الترمذي: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور غير الوليد، وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن الحديث فقالا: ليس بصحيح. قلت: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي - مثل: نافع عن الزهري -، فيسقط أسماء الرواة الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عنهم). فتعقبه المنقح بقوله: (الوليد بن مسلم إمام صدوق مشهور، لكنه يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: «ثنا الأوزاعي - أو غيره - أو أنا» فهو حجة، وليس علة الحديث ما ذكره المؤلف، ولم يرو الوليد هذا الحديث عن الأوزاعي، ولكن علة الحديث ما ذكره الترمذي من رواية ابن المبارك عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن كاتب المغيرة - مرسل - عن النبي ﷺ ، لم يذكر فيه المغيرة. وقال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء. وقال الإمام أحمد: لم يسمعه ثور من رجاء، وليس فيه المغيرة. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح. وقال الدارقطني: لا يثبت، لأن ابن المبارك رواه عن ثور مرسلاً، والله أعلم) (١). ٩) الخطأ في تمييز الرواة في الأسانيد: هذا الوجه من أكثر الأمور التي دخل منها الدخل على ابن الجوزي، _________ (١) وانظر أيضًا: ٢/ ١١٨، ١٩٩.

стр. 145

فكثيرًا ما كان يخطئ ﵀ في تمييز رواة الإسناد، وقد تعقبه المنقح في ذلك، ومن الأمثلة: ذكر الحافظ ابن الجوزي (٢/ ٣٩٤) في حجج المخالفين حديثًا من رواية سهم بن منجاب عن قزعة عن القرثع عن أبي أيوب، ثم قال في الجواب عنه: (إن هذا الحديث ضعيف .... وأما قزعة فهو: ابن سويد، قال أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال الرازي: لا يحتج به). فقال المنقح متعقبًا: (قزعة هو: ابن يحيى - ويقال: ابن الأسود -، أبو الغادية البصري، تابعي، روى عن ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما، واحتج به البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وأما قزعة بن سويد بن حجير الباهلي، أبو محمد البصري، فمتأخر عن ابن يحيى، روى عن ابن المنكدر وأبي الزبير وغيرهما، وروى له الترمذي وابن ماجه، وتكلم فيه الإمام أحمد ويحيى - في رواية - وأبو حاتم الرازي والبخاري وأبو داود والنسائي، ووثقه ابن معين - في رواية الدارمي -، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به) (١). ١٠) الخطأ في بعض المعلومات التي يذكرها في تراجم بعض الرواة: أحيانًا يذكر ابن الجوزي بعض المعلومات في تراجم بعض الرواة الخاطئة، فينبه المنقح على ذلك، ومن أمثلته: _________ (١) وانظر أيضًا: ١/ ٢٣٨، ٢٧١، ٣٨١؛ ٢/ ١٧٣، ١٩٩، ٤٨٤ - ٤٨٥.

стр. 146

ذكر ابن الجوزي (٢/ ٦١) بكير بن عبد الله بن الأشج، وقال عنه: (من كبار التابعين)، وذكر أيضًا (٢/ ٦٠) الأسود بن يزيد وسويد بن غفلة وقال: (لم يدركا بلالاً). فتعقبه المنقح بقوله: (وفي بعض كلام المؤلف في هذه المسألة نظر، كقوله: «إن بكيرًا من كبار التابعين»، وقوله: «إن الأسود بن يزيد وسويد ابن غفلة لم يدركا بلالاً»، والله أعلم). ١١) الوهم في جعل الرجلين رجلاً واحدًا: نظرًا لاشتراك بعض الرواة في الاسم واسم الأب أو الاشتراك والتشابه في النسبة، فإن الحافظ ابن الجوزي قد يظن أن الرجلين رجلاً واحدًا، فينبه المنقح على ذلك، ومن الأمثلة عليه: ظن ابن الجوزي أن إسحاق بن محمد الفروي وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة شخص واحد، فتعقبه المنقح بقوله (١/ ٢٧١): (وحديث ابن عمر في إسناده إسحاق بن محمد الفروي، وهو غير إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الذي في حديث أبي أيوب، وظنهما المؤلف واحدًا، وهو وهم. فأما إسحاق بن محمد فروى عنه البخاري في «صحيحه»، ووهاه أبو داود، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، ولكن ذهب بصره فربما لقن، وكتبه صحيحة. ووثقه ابن حبان. وأما إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة فهو متروك باتفاقهم، وقد اتهمه بعضهم). ١٢) حكاية قول لأحد أئمة الجرح والتعديل في رجل تحت ترجمة رجل

стр. 147

آخر: أحيانًا يشتبه على الحافظ ابن الجوزي قول إمام من أئمة الجرح والتعديل في رجل غير المذكور في الإسناد فيتوهم أن الكلام في الرجل الذي في الإسناد، فينبه المنقح على ذلك، ومن الأمثلة عليه: ذكر ابن الجوزي (٢/ ٣١٩) ضمن أدلة المخالف حديثًا من رواية صخر ابن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث عن أنس وساق الحديث، ثم أجاب عنه بقوله: (فيه صخر بن عبد الله، قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالأباطيل، عامة ما يرويه منكر أو من موضوعاته. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه). فتعقبه المنقح بقوله (١/ ٣٢٠): (صخر بن عبد الله بن حرملة - الراوي عن عمر بن عبد العزيز -: لم يتكلم فيه ابن عدي ولا ابن حبان، بل ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال النسائي: هو صالح. وإنما ضعف ابن عدي: صخر ابن عبد الله الكوفي، المعروف بـ «الحاجبي»، وهو متأخر عن ابن حرملة، روى عن مالك والليث وغيرهما) (١). ١٣) الخطأ في عزو بعض الأحاديث: قد يعزو الحافظ ابن الجوزي حديثًا من الأحاديث إلى أحد الكتب، وقد يكون ذلك العزو خطأ، فيتعقبه المنقح في ذلك، ومن أمثلته: ذكر ابن الجوزي بإسناده (١/ ١٩٥) حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح بناصيته، ومسح على الخفين والعمامة، ثم قال: (أخرجاه في _________ (١) وانظر أيضًا: ٢/ ٢٢٥، ٢٩٤، ٣٢٠ - ٣٢١، ٣٣٤، ٣٧١، ٤١٠، ٤٤٨ - ٤٤٩، ٦٣٧، ٦٨٠.

стр. 148

«الصحيحين»). فتعقبه المنقح بقوله: (ذكر الحافظ ضياء الدين وغيره أن حديث المغيرة انفرد به مسلم، وهو كما قالوا) (١). ١٤) الخطأ في النقل عن الكتب: الحافظ ابن الجوزي أحيانًا يتصرف في النقل عن الكتب فيقع في بعض الأوهام والأخطاء، وقد نبه المنقح على أشياء من ذلك، وأغفل أشياء (٢)، ومن الأمثلة: روى ابن الجوزي (١/ ٢٧٧) حديثًا بإسناده إلى الدارقطني من طريق الفضل بن المختار عن الصلت بن دينار عن عصمة بن مالك الخطمي، فتعقبه المنقح بقوله (١/ ٢٨١): (حديث عصمة بن مالك يرويه الفضل بن المختار عن _________ (١) وانظر أيضًا: ١/ ٢٨٣؛ ٢/ ٣٦٨. (٢) هذا الأمر مما يحتاج إلى تتبع أكثر في كتاب «التحقيق»، فإن الحافظ ابن الجوزي قد ظهر لنا أنه يتصرف كثيرًا في النقل عن الكتب، ولم يلتزم المنقح بالتنبيه على كل ما وقع لابن الجوزي في هذا، فعلى من يرجع إلى كتاب «التحقيق» أن يتحقق من أسانيد ومتون الأحاديث التي فيه بمراجعة مصادرها الأصلية، ومما ووقفنا عليه ولم ينبه إليه المنقح ما يلي: - أنه أحيانًا يسوق إسناد حديث لأحد الأئمة - كأحمد مثلاً - ثم يذكر لفظ إمام آخر - كالبخاري مثلاً -. - أنه أحيانًا يقتصر على راو واحد في الإسناد، ويكون المصنف الذي روى ابن الجوزي الحديث من طريقه قد جمع في الإسناد عددًا من الرواة، وربما يكون قد حمل روايتهم على رواية آخر غير الذي اقتصر عليه ابن الجوزي، فيحدث ذلك لبسًا. ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لالتزمنا بالتنبيه على ما وقفنا عليه من ذلك في أثناء التعليق على الكتاب، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

стр. 149

عبيد الله بن موهب عنه - لا عن الصلت -، ولو نقله المؤلف من كتاب الدارقطني ولم يتصرف فيه لم يقع له الوهم فيه، والله أعلم) (١). ومن الأمثلة أيضًا: ذكر ابن الجوزي (٣/ ١٣) حديثًا من طريق الإمام أحمد قال: ثنا معاوية ابن عمرو عن حيوة عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمين … الحديث. فعلق عليه المنقح بقوله: (وقد اختصر المؤلف لفظ الحديث، وأسقط من الإسناد رجلاً، فإن الإمام أحمد رواه مطولاً عن شيخين: أحدهما: معاوية بن عمرو، والآخر: هارون بن معروف، كلاهما عن عبد الله بن وهب عن حيوة، وهو ابن شريح المصري، فأسقط المؤلف (ابن وهب) من الإسناد، لأمر ذكره الإمام أحمد يشتبه على من لم يتبحر في العلم، واختصر الحديث، وذكره عن أحد الشيخين وهو معاوية بن عمرو، مع أن بعض الألفاظ التي ذكرها من رواية هارون بن معروف وحده، والله الموفق للصواب). ١٥) الخطأ في فهم كلام العلماء: قد ينقل ابن الجوزي في بعض الأحيان كلامًا عن بعض العلماء بالمعنى الذي يفهمه، ويكون ذلك المعنى غير مطابق لمراد العالم، فيتعقبه المنقح في ذلك، وهذا ليس بالكثير، ومن الأمثلة عليه: قال ابن الجوزي (٣/ ١٩٤) في تعليقه على حديث حذيفة: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال وتكملوا العدة قبله»: (والجواب: أن أحمد ضعف _________ (١) وانظر أيضًا: ١/ ٣٠٧، ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.

стр. 150

حديث حذيفة وقال: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ). فتعقبه المنقح (٣/ ٢٠٦) بقوله: (قول المؤلف: … وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وأن تسمية حذيفة وهم من جرير، فظن المؤلف أن هذا تضعيف من أحمد للحديث وأنه مرسل، وليس هو بمرسل، بل متصل … الخ). ١٦) بيان اختلاف ألفاظ الحديث عند مخرجيه: قد يورد ابن الجوزي حديثًا من الأحاديث من طريق أحد الأئمة، ثم يعزوه إلى غيره دون بيان أوجه الاختلاف بين الرواية التي ساقها ورواية من عزى إليه الحديث، فينبه المنقح على ذلك، ومن أمثلة ذلك: روى ابن الجوزي (١/ ٢١٩) حديث عمرو بن عبسة في فضل الوضوء بإسناده إلى الإمام أحمد، ثم قال: (انفرد بإخراجه مسلم)، فتعقبه المنقح بقوله: (أخرج مسلم أصل هذا الحديث، ولم يخرج بعض ألفاظه، وهو حديث طويل .. ) ثم بين الألفاظ التي لم يخرجها مسلم. ١٧) بيان النظر في بعض الأدلة التي يحتج بها من جهة الاستدلال: مما اعتنى ببيانه المنقح في بعض المواضع ما يكون من النظر في الدليل الذي يحتج به ابن الجوزي من جهة الاستدلال، ومن أمثلة ذلك: احتج ابن الجوزي (١/ ٢٤٥) بحديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» على أن التكبير بعد الافتتاح والتسميع والتحميد وقول: «رب اغفر لي» والتشهد الأول واجب. فقال المنقح: (وقد صح عنه ﷺ أنه كان يقول ويفعل في الصلاة أشياء

стр. 151

غير واجبة مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي») (١). ١٨) السقط الواقع في بعض الأسانيد: يسقط أحيانًا من إسناد الحديث الذي يسوقه ابن الجوزي رجل أو أكثر، فينبه المنقح على ذلك، ومن الأمثلة: ذكر ابن الجوزي (٤/ ٣٤٠) حديثًا من رواية ابن شاذان عن محمد بن نهار، فعلق عليه المنقح بقوله: (محمد بن نهار ضعفه الدارقطني، ولم يدركه ابن شاذان، بل سقط بينهما رجل، إما أبو بكر الشافعي أو ابن أبي نجيح أو غيرهما، والله أعلم) (٢). * * * _________ (١) وانظر أيضًا: ٢/ ٤٨٣، ٦٧٢. (٢) انظر: ٤/ ٧، ١٠٤، ٤٢٢.

стр. 152

المبحث الثالث: المنهج العلمي للمنقح إن من أهم النتائج التي يصل إليها الدارس لآثار الحافظ ابن عبد الهادي أنه صاحب منهج علمي متميز، وبيان ذلك هو موضوع هذا المبحث، وذلك من خلال العناصر التالية: - الصفات العامة لمنهجه العلمي. - منهجه في علوم الحديث (الجرح والتعديل، تمييز الرواة، التحقق من اتصال السند، العلل، مسائل أخرى). - اختياراته الفقهية. الصفات العامة لمنهج المنقح: لقد اتسم المنهج العلمي للمنقح بعدة صفات، يمكن إجمالها فيما يلي: (١) الدقة والتحري هذه الميزة من أهم الميزات التي تميز بها الحافظ ابن عبد الهادي، وقد ظهرت دقته وتحريه ﵀ في أمور كثيرة: - كالعناية بالأحكام الضمنية، وسوف يأتي بسط الكلام حول ذلك. - وعدم التسرع بالجزم عند وجود الاحتمال، وسنذكر بعض الأمثلة على ذلك فيما يأتي. - وكذلك تنبهه للسقط الذي يقع في بعض الأسانيد مع عدم اطلاعه على

стр. 153

مصادرها الأصلية (انظر: ٣/ ٣٣٠، ٤٢١؛ ٤/ ٧، ١٩٣، ٣٢٤، ٣٤٠). - وكذلك عنايته بالرجوع إلى المصادر الأصلية وعدم الاكتفاء بالمصادر الفرعية (انظر: ٣/ ١٩١ - ١٩٢). وغير ذلك. (٢) التحرير والتحقيق من مزايا الحافظ ابن عبد الهادي أنه ﵀ صاحب تحرير وتحقيق، وهذا ظاهر لمن طالع كتبه ﵀، وقد شهد له بهذا عدد من العلماء كما سبق في عبارات ثناء العلماء عليه، فهو ليس مجرد ناقل كما يتوهم البعض، بل هو ناقل وناقد لما ينقل، فتجده تارة ينقل ويذكر ما يؤيد ما نقله، وتارة ينقل ويعترض على ما نقله، وتارة ينقل ويسكت، وكونه لا يعترض أو يؤيد ما ينقله في بعض الأحيان لا ينفي عنه صفة التحرير والتحقيق، لاسيما أن علم الحديث - بالذات - قائم بشكل كبير على النقل. (٣) وحدة المنهج من يطالع كتاب «التنقيح» لابن عبد الهادي وغيره من كتبه، يجد أنه ﵀ كان يسير على منهج واحد مطرد، وهذه ميزة مهمة تدل على تمكن العالم، وأن علمه مبني على أصول متينة عنده.

стр. 154

(٤) حسن الانتخاب والانتقاء هذه الميزة ظاهرة في جميع آثار الحافظ ابن عبد الهادي ﵀، فتجده لا يذكر إلا الشيء المهم وما يحتاج إليه، ولا يطيل بذكر ما لا فائدة فيه أو يكون مجرد تكرار. (٥) الإنصاف والتجرد للحق هذه الميزة من آثار الاشتغال بعلم الحديث، فإن المشتغل بعلم الحديث في الغالب يكون متجردًا للحق، ومنصفًا للخلق عند نظره في المسائل العلمية، ونجد هذا ظاهرًا عند الحافظ ابن عبد الهادي، فلا تجد عنده ﵀ تعصبًا لشيخ أو لمذهب، وأيضًا عند كلامه على الأشخاص والأقوال يتكلم بإنصاف. والأمثلة على إنصافه وتجرده للحق كثيرة، ومنها: أن ابن الجوزي (٣/ ١٩٥) أورد حديثًا من طريق الدارقطني، ونقل عنه أنه حكم على إسناده بالصحة، ثم قال: هذه عصبية من الدارقطني، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، فتعقبه المنقح (٣/ ٢٠٦) بقوله: (قول المؤلف … غير صحيح، وإنما العصبية منه، فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق). وانظر أيضًا: (٤/ ٤٦٩). ومن إنصافه ﵀ أنه إذا مر موضع من المواضع ويكون كلام ابن الجوزي فيه جيدًا فإن المنقح يشير إلى ذلك، ومن الأمثلة:

стр. 155

ذكر ابن الجوزي (٣/ ١٩٢) في مسألة صوم يوم الشك سبعة أحاديث يحتج بها المخالف، فتعقبه المنقح في كلامه على خمسة منها، ووافقه على تضعيفه لحديثين منها، وقال في كلامه على الحديث السابع (٣/ ٢٠٨): (هو حديث موضوع لا يشك في وضعه، فلا يجوز الاحتجاج به بحال، وقد شفى المؤلف فيه، والله أعلم). وقال المنقح في موضع آخر (٢/ ١٤٢): (وما ذكره المؤلف في هذه المسألة من الاستدلال والجواب حسن، وإن كان عليه فيه مناقشات في غير موضع، والله أعلم). (٦) الاستقراء مما تميز به الحافظ ابن عبد الهادي عنايته بالاستقراء، وقد ظهرت ثمار كثيرة لذلك، فتجده يجمع لك كلام العالم الواحد المتفرق في مكان واحد سواء كان من كتاب واحد أو من أكثر من كتاب (انظر مثلاً: ٢/ ٢٧٨؛ ٣/ ٣٣٢ ح). وأيضًا تجده يتكلم على مناهج المؤلفين والعلماء بكلام قائم على الاستقراء، وستأتي الإشارة إلى أمثلة من كلامه في ذلك. (٧) قلة الكلام وكثرة الفائدة من صفات السلف ﵏ ومن سار على طريقتهم قلة الكلام وكثرة الفائدة، وهذه الصفة منطبقة على الحافظ ابن عبد الهادي، فهو قليل الكلام، ولكن كلامه متين وغاية في الإفادة.

стр. 156

(٨) إجلال العلماء والأدب معهم مما تميز به الحافظ ابن عبد الهادي إجلاله لأهل العلم، وتنزيله للناس منازلهم، ولكن ذلك لا يمنعه من بيان الحق بأدب إذا وقع أحد من العلماء في خطأ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها: قال المنقح (٢/ ٣٠٨): (فالعجب من الإمام الحافظ الدارقطني مع كثرة حديثه ومعرفته بالحديث، قال: لا نعلم حدث به عن أبي أسامة غير أحمد بن سنان. وقد رواه عنه أبو كريب وأبو همام وبشر بن خالد العسكري وغيرهم). وانظر أيضًا: (٣/ ٢٧٦). وذكر المنقح سعيد بن ميسرة، فقال (٢/ ٦٣٦): (أخطأ ابن حبان في قوله: «روى عنه يحيى القطان» فإن الراوي عنه إنما هو يحيى بن سعيد العطار الحمصي، وهو شيخ متكلم فيه، يروي عن الضعفاء كثيرًا، ويحيى بن سعيد القطان أجل قدرًا من أن يروي عنه، وقد كذبه هو وغيره). وذكر ابن الجوزي حديثًا من رواية عمر بن إبراهيم عن قتادة، وعلق عليه بقوله: (فإن قالوا: قد قال أبو حاتم الرازي: عمر بن إبراهيم لا يحتج به. قلنا: لعله ظنه الكردي، وذاك كذاب، إنما هو عمر بن إبراهيم العبدي، قال يحيى بن معين: هو ثقة) فتعقبه المنقح (٤/ ١٢٦): (عمر بن إبراهيم هو أبو حفص العبدي، وهو الذي قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وأبو حاتم أجل من أن يشتبه عليه العبدي بالكردي! فإن العبدي معروف بالرواية عن

стр. 157

قتادة، والكردي لا يروي عن قتادة) (١). (٩) الورع الورع من الصفات البارزة عند الحافظ ابن عبد الهادي، فتجده ﵀ في بعض المواضع يتورع عن الجزم بوضع الحديث، فيقول مثلاً: والأشبه أن هذا الحديث موضوع، وأحيانًا أيضًا يقول: لعل، وأحيانًا يعلق الحكم على الحديث فيقول: إن شاء الله. وأيضًا نجده يتورع عن الجزم بعدم وجود إسناد للحديث الذي لم يقف له على إسناد - كما يفعل غيره -، بل يقول: هذا الحديث لم أقف على إسناده. وربما سمى الكتب التي رجع إليها في البحث عن الحديث ولم يجده فيها (انظر: ٤/ ٥١، ١٣٨، ٢٠١، ٣٤٥). ومن ورعه ﵀ عدم الجزم بالخطأ عند وجود الاحتمال، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها أنه ذكر حديثًا من رواية ابن إسحاق وابن عجلان، وعلق عليه (٢/ ٣٣) بقوله: (رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وأبو حاتم البستي بطرق عن ابن إسحاق وابن عجلان؛ ورواه الإمام أحمد أيضًا عن يزيد بن هارون عن ابن إسحاق عن ابن عجلان؛ فيحتمل أن يكون (وابن عجلان) كما رواه النعمان بن عبد السلام عن سفيان عن محمد بن إسحاق ومحمد بن عجلان عن عاصم؛ ويحتمل أن يكون محمد بن إسحاق إنما سمعه من ابن عجلان، وكان يدلسه، والله أعلم). _________ (١) وانظر: ٢/ ٢٥٦؛ ٤/ ٦٣٨.

стр. 158

وأيضًا من ورعه ﵀ أنه كان كثيرًا ما ينهي الكلام على المسائل بقوله: (والله أعلم) كما في المثال السابق. وسوف نذكر فيما يلي بعض النبذ حول منهجه في أنواع من علوم الحديث، ونلحق ذلك بما وقفنا عليه من اختيارات فقهية له في كتابه هذا، ونؤكد على أن ما يأتي إنما هو مجرد نبذ حول المنهج العلمي للمنقح، وإلا فهذا الموضوع بحاجة إلى دراسة موسعة ومعمقة (١)، يسر الله القيام بذلك. * * * _________ (١) هناك رسالة علمية قدمت لكلية أصول الدين بجامعة الإمام سنة (١٤١١) بعنوان (الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي وآثاره الحديثية) للشيخ/ محمد بن سليمان الشارح، ولكن لم يتسن لنا الإطلاع عليها.

стр. 159

منهجه في علوم الحديث الناظر في كتاب «التنقيح» يجد أن الحافظ ابن عبد الهادي قد أتقن وبرز في جميع علوم الحديث، وهذا ما سنحاول إبراز أهم ملامحه هنا، من خلال الإشارة إلى منهجه في الجرح والتعديل، ومنهجه في تمييز الرواة، ومنهجه في التحقق من اتصال الإسناد، ومنهجه في العلل، ومنهجه في مسائل متفرقة من علوم الحديث. * * * منهجه في الجرح والتعديل: علم الجرح والتعديل هو الركن الأول من أركان الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف، فلا يمكن الحكم على الحديث إلا بعد التحقق من ثقة رواته، وهذا هو موضوع علم الجرح والتعديل. (١) الحكم على الراوي المنقح أحيانًا يذكر جملة من أقوال علماء الجرح والتعديل في الرجل، وأحيانًا يذكر خلاصة أقوالهم، فيحكي إجماعهم في الحكم على الراوي بالتوثيق أو بالتضعيف، وأحيانًا يذكر الحكم الذي يختاره هو، فيقول: فلان ثقة، أو: فلان ضعيف، ونحو ذلك. ونجد المنقح يدقق في ثبوت بعض الأقوال عن الأئمة، ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 160

قال المنقح (٣/ ٣٩٦): (وقد روي عن ابن معين أنه قال: عباد بن صهيب أثبت من أبي عاصم النبيل! وما أظن ذلك يثبت عنه، والله أعلم). وانظر أيضًا: (١/ ٥٩). كما نجد المنقح في بعض المواضع يبين معاني بعض ألفاظ الجرح والتعديل الصادرة من علماء الفن، ومن أمثلة ذلك: قال المنقح في ترجمة أبي زيد - الراوي عن ابن مسعود حديث النبيذ - (١/ ٦٠): (وأما أبو زيد: فقد قال فيه أبو بكر عبد الله بن أبي داود: كان نباذًا بالكوفة. وهذا يحتمل أن يكون تحسينًا لأمر أبي زيد، فيكون قد ضبط الحديث لكونه نباذًا، ويحتمل أن يكون تضعيفًا له). وكان ﵀ يحقق في تمييز الراوي الذي تكلم فيه الناقد، ومن أمثلة ذلك: أنه ترجم لداود بن عبد الله الأودي (١/ ٤١ - ٤٢) وذكر أن عباس الدوري روى عن ابن معين أنه قال عنه: ليس بشيء، ثم عقب المنقح على ذلك بقوله: (كذا ذكر غير واحد من المصنفين رواية عباس عن يحيى في ترجمة داود هذا، والظاهر أن كلام يحيى إنما هو في داود بن يزيد الأودي - عم عبد الله بن إدريس - فإنه المشهور بالضعف). (٢) اختلاف علماء الجرح والتعديل في حالة وجود اختلاف في الحكم على الراوي نجد المنقح يشير إلى ذلك الاختلاف.

стр. 161

وكذلك عند وجود اختلاف في الروايات عن أحد الأئمة فإنه يشير إلى ذلك أيضًا، ومن الأمثلة على ذلك: قال المنقح (٢/ ٣٠ - ٣١) - تحت ترجمة أسامة بن زيد الليثي -: (واختلفت الرواية فيه عن يحيى بن معين، فقال مرة: ثقة صالح. وقال مرة: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة حجة. وقال مرة: ترك حديثه بأخرة) (١). وانظر أيضًا: (٢/ ٧٤). ومن الأمثلة التي يظهر فيها تحرير وتحقيق المنقح كلامه في ترجمة عبد الملك ابن أبي سليمان، قال ﵀ (٤/ ١٧٤ - ١٧٦): (هو ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة، من أجل هذا الحديث - أي حديث الشفعة - .... وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك، فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه، ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إمامًا في الحفظ، وطعن من طعن عليه سواه إنما هو اتباع لشعبة، وقد احتج مسلم في «صحيحه» بحديث عبد الملك، وخرج له أحاديث، واستشهد به البخاري، وكان سفيان يقول: حدثني الميزان عبد الملك بن أبي سليمان، وقد وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين والعجلي وابن عمار والنسائي وغيرهم … الخ). (٣) قواعد الجرح والتعديل هناك جملة من القواعد المتعلقة بالجرح والتعديل تستفاد من كلام المنقح _________ (١) وانظر: (٢/ ٧٤).

стр. 162

وتطبيقاته عند مناقشته لاختلاف الأئمة في الحكم على الراوي، ومن ذلك: ١ - الجرح إنما يحتاج إلى بيان سببه إذا عارضه تعديل (انظر: ٢/ ٢٥٦، ٣/ ٥١١). ٢ - اختصاص بلدي الراوي بأهل بلده (انظر: ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣). ٣ - التفصيل في حال الراوي (انظر: ٣/ ١٠، ١٨؛ ٥/ ٤١). ٤ - تقديم قول الأعلم بالجرح والتعديل عند الاختلاف (انظر: ٣/ ١٠٤، ١٢٢). ٥ - الأخذ بقول الأكثر عند الاختلاف (انظر: ٣/ ١٤٢ - ١٤٣). ٦ - تفرد الراوي عن مثل الزهري بإسنادين نظيفين مما يضعف الراوي (انظر: ٣/ ٥١١). ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن إعمال قواعد الجرح والتعديل في الترجيح بين أقوال العلماء المختلفين في الحكم على الراوي ليس على درجة واحدة، بل بعض هذه القواعد أقوى من بعضها الآخر، وبعضها يستأنس به ولا يكتفى بها في الحكم على الراوي، والله أعلم. (٤) الأحكام الضمنية على الرجال أحكام العلماء على الرواة تنقسم إلى قسمين: أحكام صريحة، وأحكام ضمنية، والمقصود بالأحكام الضمنية الأحكام التي تكون غير صريحة ولكنها مضمنة في حكم آخر، فمثلاً عندما يصحح البخاري حديثًا، فهذا يتضمن: ثقة رواة الإسناد، وسماع بعضهم من بعض.

стр. 163

والأحكام الضمنية من المصادر المهمة في علم الحديث، وإن كانت بلا شك تأتي في المرتبة الثانية بعد الأحكام الصريحة، وقد أولاها المنقح عناية كبيرة، وتظهر هذه العناية في الصور التالية: ١ - ذكر رواية من وصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة عن الراوي (انظر مثلاً: ١/ ١٦٢، ٣٧٨؛ ٣/ ٢٨٤؛ ٤/ ٣٢٠). ٢ - رواية أحد الأئمة الذين ينتقون الرجال من طريق الراوي، ومن أمثلة ذلك: ذكر المنقح أبو الغريف عبيد الله بن خليفة، وقال عنه (١/ ٣٣٧): (قال ابن أبي حاتم: كان على شرطة علي بن أبي طالب، ليس بالمشهور، قلت: هو أحب إليك أو الحارث الأعور؟ قال: الحارث أشهر، وهذا قد تكلموا فيه، وهو شيخ، من نظراء أصبغ بن نباتة. وقد ذكر البخاري أبا الغريف فلم يذكر فيه شيئًا، ورواية النسائي من طريقه مما يقوي أمره، ولم يبين أبو حاتم من تكلم فيه، ولا بين الجرح ما هو؟). وانظر أيضًا: (٣/ ٣٣٧). ويندرج تحت هذا رواية صاحبي الصحيحين للراوي، وهو ما سنتحدث عنه في الفقرة التالية. ٣ - تصحيح أو تحسين أحد العلماء لحديث راو من الرواة، ومن أمثلة ذلك: قال المنقح (٤/ ١١٤) في كلامه عن عطية العوفي: (والترمذي يحسن حديثه)، وذكر أيضًا في موضع آخر (٤/ ٢٦٢) أن الترمذي يحسن حديث عمر

стр. 164

ابن راشد اليمامي. (٥) تخريج صاحبي الصحيحين للراوي مما اعتنى به المنقح في كلامه على الرجال بيان هل لهم رواية في «الصحيحين» أم لا؟ لما يتضمنه ذلك من تقوية لهذا الراوي، وقد نبه المنقح على بعض التنبيهات الهامة حول هذه المسألة، وهي: ١ - الانتقاء، قال ﵀ (٣/ ٢٧٧): (وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن قد تكلم فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما لم ينفرد به، بل وافق فيه الثقات، قامت شواهد صدقة). ٢ - التفريق بين الرواية في الأصول، والرواية في المتابعات، فنجده ﵀ لا يكتفي بذكر أن البخاري أو مسلم خرج للراوي، بل يبين الكيفية التي روى له بها (انظر: ٣/ ٣٥، ٧٧ - ٧٨، ١٠٦، ٣٤١، ٣٤٩). ونجده في بعض الأحيان (٣/ ٣١٦) يقول: لا أدري هل روى له متابعة أم أصلاً؟). ٣ - مقدار الأحاديث التي رويت له، فنجد المنقح يعتني ببيان عدد الأحاديث التي رويت لذلك الراوي، ومن أمثلة ذلك: قال المنقح (٢/ ١٤٦) عن أبي يوسف بن أبي الزينب: (روى له مسلم في «صحيحه» حديثًا واحدًا).

стр. 165

(٦) مناهج علماء الجرح والتعديل من الأمور التي ظهرت عناية الحافظ ابن عبد الهادي بها: مناهج علماء الجرح والتعديل، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - يحيى بن سعيد القطان: قال المنقح (٣/ ٢٠٧): (يحيى شرطه شديد في الرجال). ٢ - أبو حاتم الرازي: قال المنقح (٣/ ٢٠٧): ( … وأما قول أبي حاتم: " لا يحتج به فغير قادح فيه أيضًا، فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح من الثقات الأثبات من غير بيان السبب، كخالد الحذاء وغيره). ٣ - الدارقطني: قال المنقح (٢/ ٢٥٦): (الدارقطني قَلَّ أن يضعف رجلاً ويكون فيه طبٌّ!). ٤ - الحاكم: قال المنقح (٤/ ٢٨٧): (الحاكم قد عرف تساهله). (٧) الاعتدال في الجرح والتعديل من خلال النظر في الأحكام التي يختارها نجد أن الحافظ ابن عبد الهادي من المعتدلين في أحكامه على الرواة، ونجده كثيرًا ما يتعقب المتشددين والمتساهلين، ومن الأمثلة التي ظهر فيها اعتداله ما يلي: ورد ذكر معاوية بن صالح في إسناد حديث، فقال ابن الجوزي: (كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به)

стр. 166

فتعقبه المنقح (٣/ ٢٠٦) بقوله: (قول المؤلف … غير صحيح … فإن معاوية ابن صالح ثقة صدوق، وثقه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وغيرهم، وروى له مسلم في «صحيحه» محتجًا به، وما روى شيئًا خالف فيه الثقات، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال، ولذلك قال: لو لم أرو إلا عن من أرضى ما رويت إلا عن خمسة! وأما قول أبي حاتم: لا يحتج به فغير قادح فيه أيضًا، فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح من الثقات الأثبات من غير بيان السبب، كخالد الحذاء وغيره، وقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن معاوية بن صالح فقال: صالح الحديث، حسن الحديث). (٨) أخطاء الثقات من القضايا المهمة في علم الجرح والتعديل وفي علم العلل، أنه ليس من شرط الثقة أن لا يخطئ، فالثقة قد يخطئ، ولما غفل كثير من المتأخرين والمعاصرين عن هذا الأمر، أخذوا يصححون كل حديث رواه ذلك الثقة حتى وإن قامت الأدلة والقرائن على خطئه، وقد كان الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ ممن يراعي هذه القضية، ومن الأمثلة على ذلك: - ذكر المنقح (٢/ ٢٨٩) حديثًا من رواية زهير بن محمد، وقال في الكلام عليه: (زهير بن محمد من رجال «الصحيحين» لكن له مناكير، وهذا الحديث منها، قال أبو حاتم الرازي: هو حديث منكر). - وذكر المنقح (٤/ ٤٥٣) أيضًا حديثًا من رواية الهيثم بن جميل، وقال في الكلام عليه: (الهيثم بن جميل وثقه الإمام أحمد والعجلي وابن حبان وغير واحد، وكان من الحفاظ إلا أنه واهم في رفع هذا الحديث، فإن الصحيح وقفه على ابن

стр. 167

عباس، رواه سعيد بن منصور عن سفيان موقوفًا). وانظر أيضًا: (٢/ ١١٤؛ ٣/ ٣٨١). وستأتي أمثلة أخرى على ذلك أثناء الكلام عن منهجه في العلل، فهذه المسألة ألصق بعلم العلل منها بعلم الجرح والتعديل، وإنما أردنا التنبيه عليها هنا في باب الجرح والتعديل. * * * منهجه في تمييز الرواة: من الأمور المهمة عند النظر في الأسانيد تمييز رواة الإسناد، وعدم العناية بذلك توقع في كثير من الأخطاء والأوهام، وقد كانت أكثر أوهام الحافظ ابن الجوزي في «التحقيق» من هذه الجهة، وقد ظهرت دقة المنقح في هذا الباب بشكل عجيب، وهذا ما سنشير إلى ملامح حوله في الفقرات التالية. (١) النظر إلى شيخ وتلميذ الراوي من الطرق المهمة لتمييز الراوي المذكور في الإسناد: تمييزه من خلال النظر إلى تلميذه وشيخه، ومن أمثلة ذلك عند المنقح: - ذكر ابن الجوزي (١/ ١٣٥) حديثًا من طريق شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء، فمن محمد بن عبد الرحمن هذا؟ قال المنقح: (محمد بن عبد الرحمن: هو ابن أبي ليلى، وهو صدوق، وقد تكلم في حفظه، وفي طبقته: محمد بن عبد الرحمن بن عبيد مولى آل طلحة، وهو ثقة، روى له مسلم، وروى

стр. 168

عنه شريك، لكن لا يعرف أنه روى عن عطاء). - وأيضًا ذكر المنقح (٢/ ٦١٧) حديثًا من رواية أبي معاوية عن أبي بردة عن علقمة بن مرثد، وقال في الكلام عليه: (أبو بردة هو عمرو بن يزيد، وهو ضعيف، تكلم فيه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وغيرهم، وذكر الحاكم أن هذا الحديث على شرط الشيخين، وهو واهم في ذلك، وكأنه ظن أن أبا بردة هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة، أحد الثقات المشهورين، المخرج لهم في «الصحيحين»، وليس به، وإن كان أبو معاوية يروي عن بريد، فإن بريدًا لا تعرف له رواية عن علقمة بن مرثد، والله أعلم). وانظر أيضًا: (٣/ ٣٣٤، ٤١٨). (٢) النظر إلى طبقة الراوي ومن الطرق المهمة أيضًا: النظر في طبقة الراوي، ومن أمثله ذلك: نقل المنقح (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠) عن النسائي الإسناد التالي: أخبرنا محمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الرحمن بن حويطب بن عبد العزى الحراني قال: حدثني عثمان - وهو ابن عمرو الحراني - ثنا عمر - يعني: ابن ثابت - عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب، وعلق عليه في الحاشية بقوله: (هذا إسناد غريب، ويبعد أن يكون بين عمر بن ثابت - الراوي عن أبي أيوب - وبين النسائي رجلان، فإما أن يكون راوي هذا الحديث عمر بن ثابت آخر، أو يكون تعينه بـ «ابن ثابت» غلطًا، والله أعلم). وانظر أيضًا: (٤/ ٢٠٤، ٦٤٦).

стр. 169

(٣) تعين الراوي على وجه الاحتمال أحيانًا قد لا يتمكن الناظر في إسناد الحديث من تعيين الراوي الذي في الإسناد على وجه الجزم، فالموقف السديد من ذلك هو تعيين الراوي على جهة الاحتمال، وهذا ما كان يسلكه المنقح، ومن الأمثلة على ذلك: ذكر المنقح (٢/ ٣١٦) حديثًا من طريق المحاملي عن محمد بن موسى البصري، وقال في الكلام عليه: (يحتمل أن يكون شيخ المحاملي: محمد بن يونس بن موسى الكديمي، وهو ضعيف). وانظر أيضًا: (٣/ ٦٦). (٤) استقصاء جميع الاحتمالات في حالة وجود أكثر من احتمال في الراوي الوارد في الإسناد، فعلى من يتكلم في الحكم على ذلك الإسناد أن يذكر جميع الاحتمالات ولا يقتصر على بعضها، ومن أمثلة تطبيق المنقح لذلك: ذكر المنقح (٣/ ٢٨٧) حديثًا من طريق محمد بن عمران عن أحمد بن موسى عن هارون بن مسلم، وقال في التعليق عليه: (أحمد بن موسى: يحتمل أن يكون الشطوي، وهو أبو جعفر البزار، نزيل سامراء، روى عن محمد بن سابق وزكريا بن عدي، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. ويحتمل أن يكون أحمد بن موسى صاحب اللؤلؤ، وهو ابن أبي مريم، أبو عبد الله البصري، روى عن ابن عون وعاصم الجحدري وأبيه موسى، روى

стр. 170

عنه محمد بن المثنى ونصر بن علي وغيرهما. ويحتمل أن يكون غيرهما). فلم يقتصر بذكر أحد الاحتمالين، بل ذكرهما، ولم يكتف بذلك، بل قال: (ويحتمل أن يكون غيرهما) وهذا منتهى الدقة والتحري في مثل هذا، فرحمه الله تعالى. وانظر أيضًا: (٤/ ٥٥). (٥) نسبة الراوي إلى جده من أسباب الخطأ في تعيين الراوي الذي في الإسناد: نسبة الراوي إلى جده، وهذا كثير في رجال الحديث، فعلى المشتغل بالتخريج التنبه لذلك، ومن أمثلة عناية المنقح بهذا: - قوله (٣/ ٧٨): (محمد بن عمرو بن عطاء ليس بمجهول، لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك). * * * منهجه في التحقق من اتصال الإسناد: التحقق من اتصال الإسناد هو الركن الثاني الذي يقوم عليه الحكم على الحديث، ولذا نجد أئمة الحديث اعتنوا كثيرًا بمسألة سماع الرواة بعضهم من بعض، بل قد ألف بعضهم كتبًا مفردة في هذا الباب، ككتاب «المراسيل» لابن

стр. 171

أبي حاتم وغيره. وقد اعتنى المنقح بهذا الركن عناية كبيرة، وهذا ما سنبينه في الفقرات التالية: (١) مرسل التابعي قال المنقح في «شرح قصيدة غرامي صحيح» (٣٤): (والمرسل ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور، والصحيح فيه التفصيل). وقد شرح ذلك بالتفصيل في كتابه «الصارم المنكي» (١٤١ - ١٤٧). ونجد المنقح في «التنقيح» ينص على الاحتجاج ببعض المراسيل، ومن ذلك: - ذكر المنقح حديثًا من رواية سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ ، وعلق عليه بقوله (٣/ ١٢٨): (إسناده صحيح كالشمس، لكنه مرسل، ومرسل سعيد حجة). (تنبيه) مما يحسن التنبيه عليه هنا أن المنقح يستخدم. مصطلحات الأئمة المتقدمين بمعانيها الواسعة، ومن ذلك مصطلح المرسل، فهو يطلقه على مطلق الانقطاع (انظر مثلاً: ٢/ ٥٥٨). (٢) إبهام الصحابي كان الحافظ البيهقي يذهب إلى أن الإسناد الذي يبهم فيه التابعيُّ الصحابيَّ

стр. 172

بمعنى المرسل، وهذا مخالف لما عليه أئمة الحديث كالإمام أحمد وغيره، وقد نبه المنقح على خطأ البيهقي فيما ذهب إليه، وأن إبهام الصحابي لا يضر، ومن الأمثلة على كلامه في ذلك ما يلي: - ذكر المنقح (١/ ٤٠) حديثًا من رواية حميد الحميري عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ثم نقل عن البيهقي أنه قال: رواته ثقات، إلا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدثه، فهو بمعنى المرسل، ثم تعقبه بقوله: (هذا الحديث ليس بمرسل، وجهالة الصحابي لا تضر). - وذكر المنقح (٣/ ٢٤٤) حديثًا من رواية مالك عن سمي عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وقال في التعليق عليه: (رواته أئمة، وجهالة الصحابي لا تضر). وانظر: (٣/ ٢٠٦). (٣) إدراك الراوي لشيخه من أظهر ما يبين الانقطاع في الأسانيد عدم إدراك الراوي لمن يروي عنه، والأمثلة على هذا عند المنقح كثيرة، ومنها: - ذكر المنقح (٤/ ١٠٦) حديثًا من رواية خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، ثم قال في التعليق عليه: (إسناده صالح، لكنه منقطع، فإن خالدًا لم يدرك معاذًا). وفي المقابل نجد المنقح ينص في بعض المواضع على إدراك الراوي لشيخه، ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 173

- ذكر المنقح (٣/ ١٧٩) حديثًا من رواية سالم عن حفصة، وعلق في الحاشية: (سالم أدرك حفصة). (٤) القرائن التي تفيد عدم السماع من الأمور المهمة في الاتصال والانقطاع العناية بالقرائن التي تفيد عدم سماع الراوي من شيخه، وهذه بعض نصوص المنقح في ذكر بعض القرائن التي يعمل بها في هذا الباب: - ذكر المنقح (٤/ ٢٠٢) حديثًا من طريق مجاهد عن رافع بن خديج، وعلق عليه بقوله: (مجاهد لم يسمع من رافع هذا، بل بينهما واسطة، كما جاء ذلك من غير وجه، والله أعلم هل سمع منه شيئًا أم لا؟). - ومن الأمثلة أيضًا: ذكر المنقح (٤/ ١٣٩ - ١٤٠) حديثًا عند الإمام أحمد أنه قال: ثنا يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: أتي النبي ﷺ بجنازة ليصلي عليها، فقال: «أعليه دين؟». قالوا: نعم، ديناران. قال: «أترك لهما وفاء؟». قالوا: لا. قال: «صلوا على صاحبكم» الحديث، وقال في الكلام عليه: (وقد روي عن عمرو بن الحارث عن بكير عن عبد الله بن أبي قتادة أن رجلاً سأله عن الحديث الذي ذكر في الرجل الذي كان عليه ديناران، فدعي رسول الله ﷺ ، فأبى أن يصلي، هل سمعت أباك يذكر ذلك؟ قال: لا، ولكن حدثنيه من أهلي من لا أتهم. فلعل هذا هو السبب في كون هذا الحديث لم يخرج في «الصحيح»، مع أن الترمذي قد صححه، والله أعلم).

стр. 174

- وأيضًا ذكر المنقح (٣/ ٥٤) حديثًا من طريق موسى بن طلحة عن معاذ ابن جبل، وعلق عليه بقوله: (زعم الحاكم أن موسى بن طلحة تابعي كبير، لا ينكر أن يدرك أيام معاذ، وفي قوله نظر، وقد ذكر أبو زرعة أن رواية موسى عن عمر مرسلة، ومعاذ توفي في خلافة عمر، فرواية موسى عنه أولى بالإرسال، والله أعلم). وانظر: (١/ ٣٧٦؛ ٣/ ٤٢٨). (٥) تتبع أحاديث الراوي عن شيخه المنقح ﵀ لا يقتصر في كلامه عن اتصال الأسانيد وانقطاعها على أقوال علماء الرجال، بل يعتني كثيرًا بتتبع روايات ذلك الراوي عن شيخه، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: - ذكر المنقح (٣/ ١٢٤) حديثًا من رواية الحسن عن ابن عباس، وعلق عليه بقوله: (رواته ثقات مشهورون، لكن فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع ابن عباس فيما قيل، وقد جاء في «مسند أبي يعلى الموصلي» في حديث أنه قال: «أخبرني ابن عباس» وهو - إن ثبت - يدل على سماعه منه). - وذكر المنقح (٣/ ٣٨٨) حديثًا من رواية أيوب عن ابن سيرين عن ابن عباس، وقال في التعليق عليه: (قال الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم: لم يسمع ابن سيرين من ابن عباس. وقد روى البخاري في «صحيحه» حديثًا من رواية أيوب عن ابن سيرين عن ابن عباس، فالله أعلم).

стр. 175

(٦) التحقيق في صيغ الرواية كان المنقح ﵀ يدقق في الصيغ التي يروى بها الحديث، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: - ذكر المنقح (١/ ١٥٢) حديثًا من رواية عراك عن عائشة في الترخيص في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وقال في التعليق عليه: (قال أحمد: أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك - وإن كان مرسلاً - فإن مخرجه حسن. سماه مرسلاً لأن عراكا لم يسمع من عائشة، وقد روى أحمد والدارقطني في بعض طرق هذا الحديث أن عراكًا قال: حدثتني عائشة، وهو يدل على سماعه منها، قال بعضهم: ويقوي ذلك أن مسلمًا أخرج في «صحيحه»: … حدثنا عراك عن عائشة، والمراسيل والمنقطعات ليست من شرط الصحيح. وقد سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: لم أزل أقفو أثر هذا الحديث حتى كتبت بمصر: عن إسحاق بن بكر بن مضر - أو غيره - عن بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة موقوف، وهذا أشبه). - وذكر المنقح (٣/ ٣٩٧) أيضًا حديثًا من رواية قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال في التعليق عليه: (وكذلك رواه عمرو بن الحارث المصري عن قتادة، وقال في روايته: «عن قتادة أن سعيد بن جبير حدثه» وذلك معدود في أوهامه، فإن قتادة لم يلق سعيد بن جبير فيما قاله يحيى بن معين، والله أعلم). - وذكر المنقح (٤/ ٥٤) أيضًا حديثًا من رواية يوسف بن ماهك عن

стр. 176

عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام، وقال في الكلام عليه: (قال أبو محمد بن حزم: عبد الله بن عصمة مجهول. وصحح الحديث من رواية يوسف نفسه عن حكيم، لأنه قد جاء التصريح بسماعه منه في هذا الحديث في بعض الروايات، والصحيح أن بين يوسف وحكيم في هذا الحديث: عبد الله بن عصمة). (٧) موقفه من رواية المدلس عند ورود رواية لأحد الموصفين بالتدليس فإن المنقح ﵀ يحرص على ذكر ما يدل على سماع هذا الراوي لهذا الحديث من شيخه، ومن الأمثلة على ذلك: - ذكر المنقح (٤/ ٥٦) حديثًا من رواية ابن إسحاق قال: حدثني أبو الزناد عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمر، وقال في كلامه عليه: (إسناده جيد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، والله أعلم). - وذكر المنقح (٤/ ١٠٠) أيضًا حديثًا من رواية بقية قال: ثنا خالد بن حميد عن العلاء بن كثير، وقال في التعليق عليه: (قد زال ما يخشى من تدليس بقية بتصريحه بالتحديث). وفي مواضع أخرى نجده يتوقف في سماع الراوي الموصوف بالتدليس من شيخه الذي روى عنه، ومن الأمثلة على ذلك: - قال المنقح (٤/ ٤٩٢): (وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق قال: وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن رجلاً بقرن في رجله … الحديث. وليس فيه ذكر سماع ابن إسحاق من عمرو، فالظاهر أنه لم يسمعه منه، والله

стр. 177

أعلم). ونجد المنقح أحيانًا يفصل في رواية بعض المدلسين، ومن ذلك: - ذكر ابن الجوزي (١/ ٣٤٠) حديثًا من رواية الوليد بن مسلم قال: أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة، ثم قال: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي - مثل: نافع والزهري -، فيسقط أسماء الرواة الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عنهم ا. هـ، وتعقبه المنقح بقوله: (الوليد بن مسلم إمامٌ صدوق مشهور، لكنه يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: «ثنا الأوزاعي - أو غيره - أو أنا» فهو حجة، وليس علة الحديث ما ذكره المؤلف، ولم يرو الوليد هذا الحديث عن الأوزاعي، ولكن علة الحديث ما ذكره الترمذي من رواية ابن المبارك عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن كاتب المغيرة - مرسل - عن النبي ﷺ ، لم يذكر فيه المغيرة). - وقال المنقح (٤/ ٦٥٨): (رواية بقية عن بحير حسنة أو صحيحة، سواء صرح بالتحديث أو لم يصرح). * * * منهجه في العلل: الركن الثالث من الأركان التي يقوم عليها الحكم على الحديث: علم العلل، وهو من أدق علوم الحديث، وقد أولاه الحافظ ابن عبد الهادي عناية كبيرة ميزته عن كثير من علماء الحديث المتأخرين.

стр. 178

(١) طريقة المنقح في التعليل لقد كان الحافظ ابن عبد الهادي يسير في نقده للأحاديث على طريقة أئمة العلل النقاد، بل حتى نَفَسهُ في الكلام على علل الحديث يشبه نَفَس الأئمة. والأمثلة على دقة المنقح في تعليل الأحاديث كثيرة، ومنها: - قال ﵀ (٢/ ٤٤٧): (قال الحسن بن سفيان في «مسنده»: ثنا جعفر بن مهران السباك ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا عوف عن الحسن عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وخلف عمر فلم يزل يقنت في صلاة حتى فارقت. ورواه أبو سعيد النقاش عن بشر بن أحمد بن منصور بن العباس ومحمد ابن أحمد العمري ومحمد بن أحمد بن القاسم الدهستاني قالوا: ثنا الحسن بهذا. قال الحافظ أبو موسى: وجعفر بن مهران من جملة الثقات، فلم يبق في هذا الإسناد إشكال يطعن به عليه. وقال أبو خليفة: ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث عن عمرو عن الحسن عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ فلم يزل يقنت بعد الركوع حتى فارقته، وصليت مع أبي بكر وعمر فلم يزالا يقنتان بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقتهما. وكذا رواه أبو عمر الحوضي عن عبد الوارث فقال: عن عمرو، وهو ابن عبيد رأس الاعتزال. وهذا هو المحفوظ عن عبد الوارث، وهو علة لحديث السباك، ولعله

стр. 179

عند عبد الوارث عن هذا وعن هذا لكنه بعيد، ولو كان عند أبي معمر عن عبد الوارث عن عوف ما تأخر البخاري عن إخراجه، والسباك ثقة، لكن الثقة يغلط). - ومن الأمثلة أيضًا: ذكر المنقح (٣/ ٢٣٤) حديث جابر عن عمر قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي ﷺ فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا! قبلت وأنا صائم! فقال رسول الله ﷺ : «أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟» … الحديث، ثم ذكر تضعيف الإمام أحمد والنسائي له، ثم قال (٣/ ٢٣٦): (وإنما ضعف الإمام أحمد هذا الحديث وأنكره النسائي مع أن رواته صادقون، لأن الثابت عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن القبلة للصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم. فقال: من ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ ؟!). - وأيضًا: ذكر المنقح (٤/ ٢٢٩) حديثًا من طريق ابن المبارك عن حماد ابن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها»، وعلق عليه بقوله: (واعلم أن حديث سمرة هذا رواته كلهم ثقات .... لكن الحديث منكر جدًا، وهو أنكر ما روي عن الحسن عن سمرة، والله أعلم). - وأيضًا: ذكر المنقح (٤/ ٥٢١) حديثًا من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم، وقال في الكلام عليه (٤/ ٥٢٣): (وأما حديث الوقاصي عن الزهري فباطل، والمعروف بإسناده: «لا يرث المسلم الكافر»).

стр. 180

وانظر أيضًا أمثلة أخرى على دقته في التعليل في المواضع التالية: (١/ ١٠١، ١٧٣، ٣١٧؛ ٣/ ٩٤، ٣٨١؛ ٤/ ٨٠، ٢٢٤، ٤٢٨ - ٤٣٠، ٤٥٦؛ ٥/ ٥٨، ٩٤). (٢) زيادة الثقة مسألة حكم زيادة الثقة من المسائل المهمة التي يقوم عليها علم العلل، وللحافظ ابن عبد الهادي كلام محرر فيها، ذكره في كتابه «الرد على الخطيب في مسألة الجهر بالبسملة» - كما في «نصب الراية» للزيلعي (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧) - وكان مما قال هناك: (من الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل … الخ). ومن أمثلة تطبيقه للتفصيل الذي أشار إليه، ما يلي: - ذكر ابن الجوزي (٣/ ١٣٠) حديثًا من رواية ابن عيينة عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد في صدقة الفطر صاع من دقيق، وعلق عليه المنقح بقوله: (هذا حديث حسن، لكن ذكر الدقيق قد أنكر على سفيان). - وذكر المنقح في موضع أخر (٣/ ٤٢٣) الإسناد الذي رويت به زيادة: «وتعتمر» في حديث جبريل، وهي من طريق يونس بن محمد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر، ثم قال: (هذا الحديث رواه مسلم في «الصحيح» عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد إلا أنه لم يسق متنه، وهذه الزيادة فيها شذوذ، والله أعلم). - وذكر ابن الجوزي (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣) حديثًا من رواية محمد بن عبد الباقي بن سليمان عن أحمد بن أحمد عن أبي نعيم عن محمد بن علي عن الحسين بن
следующие страницы →