Полный текст (2 696 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام، وقال في الكلام عليه: (قال أبو محمد بن حزم: عبد الله بن عصمة مجهول. وصحح الحديث من رواية يوسف نفسه عن حكيم، لأنه قد جاء التصريح بسماعه منه في هذا الحديث في بعض الروايات، والصحيح أن بين يوسف وحكيم في هذا الحديث: عبد الله بن عصمة).
(٧)
موقفه من رواية المدلس
عند ورود رواية لأحد الموصفين بالتدليس فإن المنقح ﵀ يحرص على ذكر ما يدل على سماع هذا الراوي لهذا الحديث من شيخه، ومن الأمثلة على ذلك:
- ذكر المنقح (٤/ ٥٦) حديثًا من رواية ابن إسحاق قال: حدثني أبو الزناد عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمر، وقال في كلامه عليه: (إسناده جيد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، والله أعلم).
- وذكر المنقح (٤/ ١٠٠) أيضًا حديثًا من رواية بقية قال: ثنا خالد بن حميد عن العلاء بن كثير، وقال في التعليق عليه: (قد زال ما يخشى من تدليس بقية بتصريحه بالتحديث).
وفي مواضع أخرى نجده يتوقف في سماع الراوي الموصوف بالتدليس من شيخه الذي روى عنه، ومن الأمثلة على ذلك:
- قال المنقح (٤/ ٤٩٢): (وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق قال: وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن رجلاً بقرن في رجله … الحديث.
وليس فيه ذكر سماع ابن إسحاق من عمرو، فالظاهر أنه لم يسمعه منه، والله
стр. 177
أعلم).
ونجد المنقح أحيانًا يفصل في رواية بعض المدلسين، ومن ذلك:
- ذكر ابن الجوزي (١/ ٣٤٠) حديثًا من رواية الوليد بن مسلم قال: أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة، ثم قال: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي - مثل: نافع والزهري -، فيسقط أسماء الرواة الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عنهم ا. هـ، وتعقبه المنقح بقوله: (الوليد بن مسلم إمامٌ صدوق مشهور، لكنه يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: «ثنا الأوزاعي - أو غيره - أو أنا» فهو حجة، وليس علة الحديث ما ذكره المؤلف، ولم يرو الوليد هذا الحديث عن الأوزاعي، ولكن علة الحديث ما ذكره الترمذي من رواية ابن المبارك عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن كاتب المغيرة - مرسل - عن النبي ﷺ ، لم يذكر فيه المغيرة).
- وقال المنقح (٤/ ٦٥٨): (رواية بقية عن بحير حسنة أو صحيحة، سواء صرح بالتحديث أو لم يصرح).
* * *
منهجه في العلل:
الركن الثالث من الأركان التي يقوم عليها الحكم على الحديث: علم العلل، وهو من أدق علوم الحديث، وقد أولاه الحافظ ابن عبد الهادي عناية كبيرة ميزته عن كثير من علماء الحديث المتأخرين.
стр. 178
(١)
طريقة المنقح في التعليل
لقد كان الحافظ ابن عبد الهادي يسير في نقده للأحاديث على طريقة أئمة العلل النقاد، بل حتى نَفَسهُ في الكلام على علل الحديث يشبه نَفَس الأئمة.
والأمثلة على دقة المنقح في تعليل الأحاديث كثيرة، ومنها:
- قال ﵀ (٢/ ٤٤٧): (قال الحسن بن سفيان في «مسنده»: ثنا جعفر بن مهران السباك ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا عوف عن الحسن عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وخلف عمر فلم يزل يقنت في صلاة حتى فارقت.
ورواه أبو سعيد النقاش عن بشر بن أحمد بن منصور بن العباس ومحمد ابن أحمد العمري ومحمد بن أحمد بن القاسم الدهستاني قالوا: ثنا الحسن بهذا.
قال الحافظ أبو موسى: وجعفر بن مهران من جملة الثقات، فلم يبق في هذا الإسناد إشكال يطعن به عليه.
وقال أبو خليفة: ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث عن عمرو عن الحسن عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ فلم يزل يقنت بعد الركوع حتى فارقته، وصليت مع أبي بكر وعمر فلم يزالا يقنتان بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقتهما.
وكذا رواه أبو عمر الحوضي عن عبد الوارث فقال: عن عمرو، وهو ابن عبيد رأس الاعتزال.
وهذا هو المحفوظ عن عبد الوارث، وهو علة لحديث السباك، ولعله
стр. 179
عند عبد الوارث عن هذا وعن هذا لكنه بعيد، ولو كان عند أبي معمر عن عبد الوارث عن عوف ما تأخر البخاري عن إخراجه، والسباك ثقة، لكن الثقة يغلط).
- ومن الأمثلة أيضًا: ذكر المنقح (٣/ ٢٣٤) حديث جابر عن عمر قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي ﷺ فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا! قبلت وأنا صائم! فقال رسول الله ﷺ : «أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟» … الحديث، ثم ذكر تضعيف الإمام أحمد والنسائي له، ثم قال (٣/ ٢٣٦): (وإنما ضعف الإمام أحمد هذا الحديث وأنكره النسائي مع أن رواته صادقون، لأن الثابت عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن القبلة للصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم. فقال: من ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ ؟!).
- وأيضًا: ذكر المنقح (٤/ ٢٢٩) حديثًا من طريق ابن المبارك عن حماد ابن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها»، وعلق عليه بقوله: (واعلم أن حديث سمرة هذا رواته كلهم ثقات .... لكن الحديث منكر جدًا، وهو أنكر ما روي عن الحسن عن سمرة، والله أعلم).
- وأيضًا: ذكر المنقح (٤/ ٥٢١) حديثًا من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم، وقال في الكلام عليه (٤/ ٥٢٣): (وأما حديث الوقاصي عن الزهري فباطل، والمعروف بإسناده: «لا يرث المسلم الكافر»).
стр. 180
وانظر أيضًا أمثلة أخرى على دقته في التعليل في المواضع التالية: (١/ ١٠١، ١٧٣، ٣١٧؛ ٣/ ٩٤، ٣٨١؛ ٤/ ٨٠، ٢٢٤، ٤٢٨ - ٤٣٠، ٤٥٦؛ ٥/ ٥٨، ٩٤).
(٢)
زيادة الثقة
مسألة حكم زيادة الثقة من المسائل المهمة التي يقوم عليها علم العلل، وللحافظ ابن عبد الهادي كلام محرر فيها، ذكره في كتابه «الرد على الخطيب في مسألة الجهر بالبسملة» - كما في «نصب الراية» للزيلعي (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧) - وكان مما قال هناك: (من الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل … الخ).
ومن أمثلة تطبيقه للتفصيل الذي أشار إليه، ما يلي:
- ذكر ابن الجوزي (٣/ ١٣٠) حديثًا من رواية ابن عيينة عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد في صدقة الفطر صاع من دقيق، وعلق عليه المنقح بقوله: (هذا حديث حسن، لكن ذكر الدقيق قد أنكر على سفيان).
- وذكر المنقح في موضع أخر (٣/ ٤٢٣) الإسناد الذي رويت به زيادة: «وتعتمر» في حديث جبريل، وهي من طريق يونس بن محمد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر، ثم قال: (هذا الحديث رواه مسلم في «الصحيح» عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد إلا أنه لم يسق متنه، وهذه الزيادة فيها شذوذ، والله أعلم).
- وذكر ابن الجوزي (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣) حديثًا من رواية محمد بن عبد الباقي بن سليمان عن أحمد بن أحمد عن أبي نعيم عن محمد بن علي عن الحسين بن
стр. 181
محمد عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون عن حماد عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة خطب أم سليم … وفيه أنها قالت: يا أنس، زوج أبا طلحة، فعلق عليه المنقح بقوله: (اعلم أن هذا الحديث - وإن كان إسناده صحيحًا - إلا أن قوله: «قالت: يا أنس، زوج أبا طلحة» شاذ منكر، وقد روى النسائي وغيره هذا الحديث من رواية جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، وليس فيه أن أنسًا كان وليًا، وهو الصحيح).
- وذكر ابن الجوزي (٤/ ٨٠) حديثًا عند الإمام أحمد من رواية الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أنها استفت النبي ﷺ في فأرة سقطت في سمن لهم جامد … الحديث وقال: انفرد بإخراجه البخاري، وعلق عليه المنقح بقوله: (هذا الحديث لم يخرجه البخاري من حديث الأوزاعي، إنما رواه من حديث سفيان وغيره عن الزهري، وليس عنده: «جامد» … ولم يخرجه أحد من أصحاب «السنن» أيضًا من حديث الأوزاعي، وقد روى هذه اللفظة - وهي قوله: «جامد» - النسائي من رواية ابن مهدي عن مالك عن الزهري، والبيهقي من رواية حجاج بن منهال عن سفيان، والظاهر أنها خطأ، فإن أكثر أصحاب مالك وسفيان لم يذكروا هذه اللفظة … الخ).
(٣)
الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع
ومما يتصل بمسألة زيادة الثقة: الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع، وقد صرح المنقح ﵀ باختياره في هذه المسألة في موضعين من «التنقيح»، وإليك نص كلامه:
قال المنقح (١/ ١٨٨): (إذا روى بعض الثقات حديثًا فأرسله، ورواه بعضهم فأسنده، فقد اختلف أهل الحديث في ذلك:
стр. 182
فحكى الخطيب أن أكثر أصحاب الحديث يرون: أن الحكم في هذا للمُرْسِل.
وعن بعضهم: أن الحكم للأكثر.
وعن بعضهم: أن الحكم للأحفظ.
وصحح الخطيب أن الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطًا، وسواء كان المخالف له واحدًا أو جماعة.
والصحيح أن ذلك يختلف: فتارة يكون الحكم للمُرْسِل، وتارة يكون للمُسنِد، وتارة للأحفظ).
وقال في موضع آخر (١/ ٢٠٧): (وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف - يريد ابن الجوزي - ومن تبعه «في أن الأخذ بالمرفوع في كل موضع» طريقة ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل).
وقد سار على هذه الطريقة في تطبيقاته العملية كما يظهر بمراجعة الأمثلة التي ذكرناها تحت الكلام عن طريقته في التعليل.
(٤)
الغرابة والتفرد
مصطلح «الغريب» من المصطلحات الشائعة عند علماء الحديث المتقدمين، ولكنه أصبح من المصطلحات الغريبة عند المتأخرين فضلاً عن المعاصرين.
ولا شك أن الغرابة لها أثر كبير في الحكم على الحديث، ونصوص علماء الحديث في ذلك كثيرة.
стр. 183
وكان من منهج النقاد النظر في الإسناد هل هو معروف ومشهور، أم أنه غريب؟! وقد شرح الإمام الترمذي ﵀ هذه القضية بكلام نفيس في كتاب «العلل الصغير»، وأشار إليها الإمام أبو داود في «رسالته لأهل مكة».
ولكن غاب هذا عند المتأخرين إلا قلة ممن سلك نهج الأئمة المتقدمين، ومن هؤلاء القلة الحافظ ابن عبد الهادي ﵀، فكانت قضية الغرابة من الأمور التي يلاحظها في الإسناد قبل الحكم عليه.
وقد ظهر ذلك من خلال ثلاثة أمور:
١) النظر في المصدر الذي خرج الحديث، فمعلوم أن جل الأحاديث المشهورة قد جمعها أصحاب الكتب الستة، ولا يكاد يفوتهم منها إلا النزر اليسير - وبالذات أحاديث الأحكام -، وهذا اليسير لا يخرج أيضًا في الغالب عن أمهات السنة الأخرى كمسند أحمد ومسند أبي يعلى.
ولذا فإنا نجد الحافظ ابن عبد الهادي يعتني بذكر من خرج الحديث من أصحاب الكتب الستة، لأن في ذلك دليل على شهرته وعلى أنه حديث معروف، كما أنه يشير في بعض الأحيان إلى أن الحديث غير مخرج في شيء من الكتب الستة، وهذا - والله أعلم - إشارة منه ﵀ إلى استغرابه للحديث، لأننا لا نجد أن ذلك مطردًا عنده في كل حديث يكون في خارج الكتب الستة.
ومن أمثلة ذلك:
ذكر المنقح (٣/ ٢٣٢) حديثًا عند الإمام أحمد من طريق عبد الصمد عن بشار بن عبد الملك عن أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أن النبي ﷺ قال لها بعد أن كانت قد نسيت فأكلت وهي صائمة: «أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك»: (هذا حديث غريب غير مخرج في «السنن»، وبعض رواته
стр. 184
ليس بمشهور).
كما نجده أحيانًا ينص على ضعف الحديث وشذوذه ويذكر في ضمن القرائن التي تدل على ذلك عدم تخريج أصحاب أمهات السنة له، ومن أمثلة ذلك:
ذكر المنقح حديث أنس في نسخ الفطر بالحجامة، وقال في التعليق عليه (٣/ ٢٧٦): (هذا الحديث حديث منكر لا يصلح الاحتجاج به، لأنه شاذ الإسناد والمتن، ولم يخرجه أحد من أصحاب المسانيد المعروفة، ولا يعرف في الدنيا أحد رواه إلا الدارقطني عن البغوي، وقد ذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «المستخرج» ولم يروه إلا من طريق الدارقطني وحده، ولو كان عنده من حديث غيره لذكره كما عرف من عادته أنه يذكر الحديث من المسانيد التي رواها كمسند أحمد وأبي يعلى الموصلي ومحمد بن هارون الروياني و «معجم الطبراني» وغير ذلك من الأمهات، وكيف يكون هذا الحديث صحيحًا سالمًا من الشذوذ والعلة ولم يخرجه أحد من أئمة الكتب الستة ولا المسانيد المشهورة وهم محتاجون إليه أشد حاجة؟!
والدارقطني إنما جمع في كتابه «السنن» غرائب الأحاديث، والأحاديث المعللة والضعيفة فيه أكثر من الأحاديث الصحيحة السالمة من التعليل).
٢) النظر في رواية الراوي عن شيخه، فمعلوم أن رواية الراوي عن شيخ ما قد تستغرب إما لقلة روايته عنه، أو لروايته عنه ما يستنكر، أو لورودها بإسناد فيه نظر، ونحو ذلك، وكان الحافظ ابن عبد الهادي ينبه على هذه القضية، فنجده في بعض الأحيان ينص على أن رواية فلان عن فلان غريبة.
ومن أمثلة ذلك:
стр. 185
ذكر المنقح (٣/ ١١٢) حديثًا من رواية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وعلق عليه بقوله: (الحارث لا يحتج به، وقد رواه سلامة ابن روح ثنا عقيل بن خالد عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفًا، ورواية عقيل عن أبي إسحاق غريبة جدًا).
ونجد في «الصارم المنكي» كلامًا كثيرًا حول قضية تفرد الراوي عن راو من الرواة (انظر: ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٨، ٦٩، ٧٠، ٧٨، ١١٩، ٢٥٠، ٢٥٣، ٣٦٣).
٣) النظر في الإسناد الذي روي به الحديث، فمعلوم أيضًا أن هناك سلاسلاً معروفة تروى بها الأحاديث، وإذا روي الحديث بسلسلة مشهورة فهذا مما يقوي الحديث إلا إذا وقعت مخالفة من أحد الأثبات فقد يرجح النقاد الطريق المخالف لتلك السلسلة، ويعدون من روى الحديث بتلك السلسة مخطئًا، وهو ما يسمى بـ «سلوك الجادة».
ونجد أن الحافظ ابن عبد الهادي قد اعتنى بهذا الأمر كثيرًا في كتابه، فيذكر في مواضع عدد الأحاديث التي رويت بتلك السلسلة، وذلك لأن كثرة الأحاديث المروية بها مما يدل على شهرتها، وأما قلة الأحاديث التي تروى بها فهو يدل على غرابتها.
وكذلك أيضًا وجود بعض أسانيد تلك السلسلة في أحد الكتب الستة مما يقويها، لاسيما ما كان منها في الصحيحين، ولهذا كان الحافظ ابن عبد الهادي يلاحظ هذا أيضًا.
ومن أمثلة ذلك:
- قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٧٨): (تفرد به أبو داود وإسناده
стр. 186
حسن غريب، وقد روى به أبو داود أحاديث).
وانظر أيضًا: (٤/ ١٨٦).
(٥)
نقد المتون
العلاقة بين المتن والإسناد علاقة وثيقة بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر عند النظر في الحديث والحكم عليه، ومما يميز الأئمة المتقدمين أنهم يجمعون أثناء حكمهم على الأحاديث بين نظرين: النظر إلى الإسناد والنظر إلى المتن، ولا يكتفون بأحدهما عن الآخر، بينما نجد أن المتأخرين في الغالب يقتصرون على النظر في الإسناد ويغفلون عن النظر في المتن، وهذا مما أوجد خللاً كبيرًا في حكمهم على كثير من الأحاديث بما يخالف أحكام المتقدمين.
والحافظ ابن عبد الهادي ﵀ من قلائل علماء الحديث المتأخرين الذين جمعوا في حكمهم على الأحاديث بين النظر في الإسناد والنظر في المتن.
ومن أمثلة ذلك:
- قال المنقح (٢/ ٥٢٠) - عن حديث عائشة: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان -: (هذا حديث منكر، وقوله: «في عمرة رمضان» باطل، فإن النبي ﷺ لم يعتمر في رمضان قط).
- ذكر المنقح (٤/ ٤٠) حديث جابر عند النسائي قال: أخبرنا محمد بن منصور ثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: أدركني رسول الله ﷺ وكنت على ناضح لنا، فقلت: لا يزال لنا ناضح سوء، يا لهفاه. فقال النبي ﷺ : «تبيعنيه يا جابر؟» قلت: بل هو لك يا رسول الله. قال: " اللهم اغفر له،
стр. 187
اللهم ارحمه، قد أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره إلى المدينة ". وقال في التعليق عليه: (هذا إسناد صحيح، لكن إسناد الاشتراط أصح وأثبت، وقد ذكر البخاري الاختلاف في لفظ هذا الحديث … ثم قال: … الاشتراط أكثر وأصح عندي).
فنجده هنا لم يكتف بالنظر إلى الإسناد بل نظر في المتن أيضًا، وبين مخالفته للأصح والأثبت، وتبع في ذلك طريقة الإمام البخاري.
- ذكر المنقح (٥/ ٥٤ - ٥٥) حديثًا رواه الدارقطني، فقال: حدثنا أحمد ابن محمد بن زياد القطان ثنا جعفر بن محمد بن كزال ثنا محمد بن نعيم بن هارون ثنا كثير بن مروان ثنا غالب بن عبيد الله العقيلي عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من جعل عليه نذرًا في معصية فكفارة يمين، ومن جعل عليه نذرًا فيما لا يطيق فكفارة يمين، ومن جعل عليه نذرًا فيما لم يسمه فكفارة يمين، … الخ».
ثم علق عليه بقوله: (هذا الحديث لا يصح ولا يثبت، وفيه غير واحد من الضعفاء … وليت هذا الحديث يصح عن عطاء من قوله! والله أعلم).
فالمنقح ﵀ لم يكتف بالنظر في الإسناد، بل نظر في المتن أيضًا فوجده لا يشبه كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من جنس كلام الفقهاء كعطاء وغيره، فأشار إلى ذلك بقوله: «ليته يصح عن عطاء من قوله»، والله أعلم.
- ذكر المنقح حديثًا من رواية معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في قصة صيده الحمار الوحشي وفيه: فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له. ثم قال المنقح (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩): (الظاهر أن هذا الذي انفرد به معمر غلطٌ، فإن في «الصحيحين» أن
стр. 188
النبي ﷺ أكل منه).
وانظر: (٢/ ٣٨؛ ٣/ ١٥، ٢٧٦؛ ٤/ ٣٧٠، ٤٠٣).
(٦)
المتابعات والمخالفات
هذه المسألة من المسائل الشائكة جدًا في علم الحديث، وذلك أن تعدد طرق الحديث موجود بكثرة، ولكن هذا التعدد تارة يكون مقويًا للحديث، وتارة أخرى يكون معلاً للحديث، والتفريق بين الحالين يحتاج إلى دقة وطول مراس في هذا الفن، ومن خلال دراسة أمثلة هذه المسألة في كتاب «التنقيح» يظهر دقة المنقح رحمه الله تعالى، وسوف نشير إلى بعض الملامح المتعلقة بذلك: فابتدأ نقول: إن المنقح ﵀ قد قوى جملة من الأحاديث - وإن كانت ليست بالكثيرة - بتعدد طرقها، ومن الأمثلة على ذلك:
- ذكر المنقح (٤/ ٧٥) حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتركا»، وقال في الكلام عليه: (الذي يظهر أن حديث ابن مسعود في هذا الباب بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف كما ترى، والله أعلم).
- وذكر المنقح (٤/ ٢٧٣) حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: «المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، والولد الذي لاعنت عليه»، وقال في الكلام عليه: (واعلم أن هذا الحديث قد تكلم فيه الشافعي وغيره، لكن له شواهد تقويه، والقياس يشهد له ولشواهده بالصحة … الخ).
стр. 189
- وذكر المنقح (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥) حديثًا من طريق الأعمش عن سالم عن ثوبان، وعلق عليه بقوله: (رواه ابن ماجه من رواية منصور عن سالم، وهو ابن أبي الجعد، ولم يسمع من ثوبان، بينهما معدان. قاله أحمد بن حنبل، وقد رواه أبو كبشة السلولي وسلمان بن شمير وعبد الرحمن بن ميسرة عن ثوبان، فهو إذا حديث صحيح).
وأيضًا نجد المنقح يشير إلى التفريق بين الراوي الضعيف الذي يصلح حديثه للمتابعة، والراوي الضعيف الذي لا يصلح حديثه للمتابعة، ومن الأمثلة على ذلك:
- ذكر المنقح حديثًا من رواية ابن المبارك عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء، وقال في التعليق عليه (٣/ ١٢٠): (حديث أسماء من رواية إمام عن ابن لهيعة - وهو ابن المبارك - وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة).
فتجده هنا قد لاحظ مكانة الراوي عن ابن لهيعة، وحال حديث ابن لهيعة.
ومما ينبغي أن ينتبه له: أن حديث الراوي الضعيف الذي يصلح حديثه للمتابعة قد يرد ولا يقبل، وذلك عند وجود دليل أو قرينة على خطئه، ومن الأمثلة على ذلك عند المنقح:
- سبق لنا قريبًا أن المنقح نص على أن حديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة، ولكننا نجده في موضع آخر لا يقبل متابعة ابن لهيعة، بل يردها، فذكر حديثًا عند الترمذي قال: حدثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح
стр. 190
ابنتها … «الحديث، قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، إنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو، وابن لهيعة والمثنى يضعفان. فعلق عليه المنقح (٤/ ٣٤٦) بقوله: (الأشبه أن يكون ابن لهيعة أخذه عن مثنى، ثم أسقطه، وقال:» عن عمرو"، وقد قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا).
- ومن الأمثلة أيضًا: ذكر المنقح (٤/ ٣١٤) حديثًا من رواية عبد الرزاق عن معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير عن ابن عباس، وأن الدارقطني قال عنه: لم يسمعه صالح من نافع، وإنما سمعه من عبد الله بن الفضل عنه، قال النيسابوري: والذي عندي أن معمرًا أخطأ فيه. وعلق عليه المنقح بقوله: (رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن عبد الرزاق به، ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال: لعل صالح بن كيسان سمعه من عبد الله بن الفضل. ورواه عن أحمد بن سعيد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل.
وقال ابن حبان في «الأنواع»: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير بن مطعم.
ثم ذكره من رواية صالح عن نافع ولم يصنع شيئًا، فإن صالحًا إنما سمعه من عبد الله بن الفضل، والله أعلم).
- ومن الأمثلة على ذلك أيضًا أن المنقح (٣/ ٣٧٦) ذكر حديثًا من طريق محمد بن إسحاق السوسي عن عبد الله بن محمد بن نصر الرملي عن محمد بن يحيى عن عبد العزيز عن أبي سهيل عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، وقال في التعليق عليه: (هذا الحديث رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، وإن كان السوسي قد تابعه غيره).
стр. 191
ونجده في بعض المواضع يضعف الحديث رغم تعدد طرقه، ولكنها تكون شديدة الضعف، وبالتالي هي غير قابلة للتقوية، ومن أمثلة ذلك:
- ذكر المنقح حديثًا من رواية خالد بن الوضاح عن أبي الخصيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا بد في النكاح من أربعة: الولي والزوج والشاهدين»، وعلق عليه بقوله: (هذا الحديث منكر جدًا، والأشبه أن يكون موضوعًا، وقد روي نحوه من وجهن ضعيفين عن أبي هريرة مرفوعًا، ومن وجه آخر ضعيف عن ابن عباس مرفوعًا، وروي من وجه آخر صحيح عن قتادة عن ابن عباس موقوفًا، إلا أنه منقطع، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس، والله أعلم).
وانظر (٤/ ٢٦١).
* * *
منهجه في مسائل أخرى من علوم الحديث:
(١)
رواية صاحبي الصحيحين لأحاديث ليست على شرطهما
قال المنقح (٢/ ١٥٠): (روى مسلم في «صحيحه»: ثنا محمد بن مهران الرازي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
стр. 192
وهو منقطع، فإن عبدة - وهو ابن أبي لبابة - لم يدرك عمر، وإنما رواه مسلم لأنه سمعه مع حديث غيره، فرواهما جميعًا وإن لم يكن على شرطه).
(٢)
الأحكام الضمنية على الأحاديث
سبق الكلام عن عناية المنقح بالأحكام الضمنية في الجرح والتعديل، وفي هذه الفقرة سوف نشير إلى عنايته بها في الحكم على الأحاديث، وذلك من خلال الصور التالية:
١ - رواية أحد صاحبي الصحيح، أو أحد أصحاب السنن الأربعة، لحديث أو أكثر بنفس إسناد حديث آخر، ومن أمثلة ذلك قال المنقح (٢/ ١٢٨) - في كلامه على حديث من رواية علي بن يحيى عن أبيه عن رفاعة -: (وقد روى البخاري حديثًا من رواية علي بن يحيى عن أبيه عن رفاعة بن رافع).
ومن أمثلة ذلك أيضًا: ذكر المنقح (٢/ ٥٠٤) حديثًا من رواية قتيبة عن عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ثم قال: (هذا الإسناد روى به مسلم نحوا من أربعة عشر حديثًا).
وانظر: (٣/ ٢٥٣).
٢ - ذكر كلام الناقد في حديث للراوي عن شيخ من شيوخه، من أمثلة ذلك: ذكر المنقح حديثًا من رواية نعيم بن حماد عن الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال، ثم قال في تعليقه عليه (٣/ ٨٧): (نعيم والدراوردي لهما ما ينكر، والحارث لا يعرف حاله، وقد تكلم الإمام أحمد بن حنبل في حديث رواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث).
стр. 193
ومن أمثلة ذلك أيضًا: قال المنقح (٤/ ٢١٧) معلقًا على حديث من رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر: (قد صحح الترمذي حديثًا من رواية حبيب عن ابن عمر).
٣ - احتجاج الناقد بالحديث (انظر مثلاً: ١/ ٢٢٣، ٢٢٥؛ ٢/ ٦٦٥؛ ٤/ ١٦٧؛ ٥/ ٥٨، ٦٨).
(٣)
الموقوف الذي له حكم الرفع
ذكر ابن الجوزي (٤/ ٦٤١) حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان … »، وعلق عليه المنقح بقوله: (الصحيح في هذا الحديث ما رواه سليمان بن بلال - الثقة الثبت - عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال: أحلت لنا ميتتان … وهو موقوف في حكم المرفوع، والله أعلم).
(٤)
التصحيف
ذكر المنقح (٤/ ١٥٨) حديثًا من طريق صالح بن العلاء بن بكير عن إسحاق بن عبد الواحد، وقال في الكلام عليه: (صالح بن العلاء: لا أعرفه، وكأنه مصحف، والظاهر أنه: صالح بن محمد الحافظ).
وانظر: (٣/ ٦٥).
(٥)
لطائف الإسناد
هناك مسائل في علوم الحديث قد لا يكون لها أثر ني الحكم على الحديث
стр. 194
أو الراوي، ولكن يكون فيها لطافة، فيعتني العلماء أحيانًا بذكرها، وقد سار المنقح على طريقتهم، فنجده يذكر في «التنقيح» بعض اللطائف، ومن الأمثلة على ذلك:
- رواية الصحابة عن التابعين: ١/ ٣٥٣.
- ذكر أن رواة الإسناد من أولاد المحدثين: ٣/ ٩٠.
* * *
стр. 195
الاختيارات الفقهية للمنقح
نص المنقح في بعض المسائل الفقهية المذكورة في الكتاب على اختياره فيها، ولقد كان ﵀ متحريًّا للدليل فيما يرجحه من الأقوال، وإليك قائمة بالمسائل التي كان للمنقح فيها اختيارًا، وقد بلغت (١٣) مسألة، وهي:
١ - حكم الماء المستعمل في رفع الحدث:
قال المنقح (١/ ٣٦): (المستعمل في رفع الحدث فيه ثلاث روايات عندنا، وفيه خلاف عند الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح من حيث الدليل أنه طهور، وقد استدل أصحابنا بأحاديث في الاستدلال بها نظر) ا. هـ.
٢ - إذا خاف الحاضر ضرر البرد تيمم:
قال المنقح (١/ ٣٨٤): (الصحيح أنه يجوز له التيمم، وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث عمرو بن العاص.
فإن تيمم وصلى، ثم قدر على استعمال الماء، فهل تلزمه الإعادة؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا تلزمه، وهو قول أبي حنيفة ومالك لحديث عمرو، فإن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، ولو وجبت لأمره بها، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والثانية: تلزمه الإعادة في الحضر دون السفر، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
والأول أصح).
стр. 196
٣ - صيغة التشهد في الصلاة:
قال المنقح (٢/ ٢٧٤): (بأي تشهد تشهد مما صح عن النبي ﷺ جاز).
٤ - بداية وقت النهي عن الصلاة:
قال المنقح (٢/ ٣٨١): (الصحيح أن النهي في الفجر لا يتعلق بطلوعه، بل بفعل الصلاة كالعصر، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد).
٥ - المسافة التي يجوز فيها القصر:
قال المنقح (٢/ ٥١٦): (والصحيح جواز القصر في السفر الطويل والقصير).
٦ - مقدار المجزئ في زكاة الفطر:
قال المنقح (٣/ ١٢٠): (القول بإيجاب نصف صاع من بر قول قوي، وأدلته كثيرة).
٧ - الكحل للصائم:
قال المنقح (٣/ ٢٥٠): (الأظهر في الجملة أن الكحل لا يفطر الصائم، لعدم الدليل الدال على ذلك من نص أو قياس صحيحين، والله الموفق للصواب).
٨ - اشتراط للصيام لصحة الاعتكاف:
قال المنقح (٣/ ٣٦٦): ( … وهذا القول هو القوي - إن شاء الله - وهو أن الصيام شرط في الاعتكاف، فإن الاعتكاف لم يشرع إلا مع الصيام، فإن غالب اعتكاف النبي ﷺ وأصحابه إنما كان في رمضان، وقول عائشة: " أن
стр. 197
النبي ﷺ اعتكف في العشر الأول من شوال «ليس بصريح في دخول يوم الفطر، بجواز أن يكون أول العشر الذي اعتكفه باقي يوم الفطر، بل هذا هو الظاهر، وقد جاء مصرحًا به في حديث» فلما أفطر اعتكف "، والله أعلم).
٩ - نوع النسك الذي حج به النبي ﷺ :
قال المنقح (٣/ ٤٣٤): (التمتع في عرف أصحاب رسول الله ﷺ يدخل فيه القران، ويدخل فيه التمتع الخاص، ولم يحج النبي ﷺ متمتعًا التمتع الخاص، لأنه لم يحل من عمرته، بل المقطوع به أنه قرن بين الحج والعمرة، لأنه قد ثبت عنه أنه اعتمر أربع عمر، وأن العمرة الرابعة كانت مع حجته، وقد ثبت عنه أنه لم يحل منها قبل الوقوف بقوله: " لولا أن معي الهدي لأحللت، وثبت أنه لم يعتمر بعد الحج، فإن ذلك لم ينقله أحد عنه، وإنما اعتمر بعد الحج عائشة وحدها، فتحصَّل من مجموع ذلك أنه كان قارنًا، وعلى هذا تجتمع جميع أحاديث الباب، والله أعلم).
وقال أيضًا (٣/ ٤٤٥): (والصواب أنه صلوات الله عليه كان قارنًا، أحرم بالحج والعمرة جميعًا، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا).
١٠ - ميراث الجد مع الإخوة:
قال المنقح (٤/ ٢٦٧): (الصحيح أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب، وهذا قول أكثر أصحاب رسول الله ﷺ .
١١ - الصيغة التي ينعقد بها النكاح:
قال المنقح (٤/ ٣٣٨): (النكاح ينعقد بكل واحد منها - أي: صيغة
стр. 198
زوجتكها وملكتكها وأنكحتكها - على الصحيح).
١٢ - مقدار الكفارة:
قال المنقح (٤/ ٤٣٣): (الصحيح أن الإطعام في الكفارة غير مقدر بالشرع، بل يرجع فيه إلى العرف، والله أعلم).
١٣ - ما يكون به القود:
قال ابن الجوزي: (مسألة: لا قود إلا بالسيف، وعنه: يقتل بمثل الآلة التي قتل بها، وهو قول مالك والشافعي).
قال المنقح (٤/ ٤٩٣): (الصحيح في هذه المسألة هو الرواية الثانية، قال أحمد: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل … الخ).
هذه هي المسائل التي نص الحافظ ابن عبد الهادي على اختياره فيها، وثَمَّ مسائل أخرى ذكر فيها بعض الفوائد أو ظهر ميله فيها إلى قول من الأقوال ولكنه لم ينص على اختياره فيها (انظر: ١/ ١٣ - ١٥، ١٢٨، ٣٤٧، ٣٥٦؛ ٢/ ٣٤٨، ٣٦٠، ٤٤٦، ٤٦٧، ٥٦٢؛ ٣/ ١٥١، ١٨٥، ١٩٩، ٢٧٨، ٣٨٧، ٤٢٤، ٥٣٣؛ ٤/ ١٢١، ١٢٩، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٦٥، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٣٦، ٤١٦، ٥٢٣، ٦٠٠، ٦٢٧؛ ٥/ ٤٠).
* * *
стр. 199
المبحث الرابع: موارد المنقح
(١)
المصادر الأصلية والمصادر الفرعية
المعلومات التي ينقلها المؤلف عن غيره منها ما ينقله من مصادره الأصلية، ومنها ما ينقله من مصادر فرعية، وتارة يسمي المصدر الذي ينقل منه وتارة لا يسميه، ومن أراد الوقوف على أسماء الموارد التي صرح باسمها فسيجدها في فهرس الكتب (١).
وسوف نشير هنا إلى أهم الموارد التي اعتمدها المنقح، كما سنذكر بعض المواضع التي تعقب فيها المنقح أصحاب الكتب التي ينقل عنها، وذلك أن تتبع هذه المواضع مما يظهر مكانة المنقح العلمية، وأنه عالم محقق وليس مجرد ناقل كما زعم بعضهم!
أولاً: كتب الأحاديث المسندة:
- الموطأ للإمام مالك:
يعد «الموطأ» من أقدم موارد المنقح، وقد أفاد منه في تخريج بعض الأحاديث.
- الصحيحان (صحيح البخاري، وصحيح مسلم):
وهما من أهم موارد المنقح في تخريج الأحاديث.
_________
(١) مع ملاحظة أن فهرس الكتب يشمل الكتب الواردة في كلام ابن الجوزي أيضًا.
стр. 200
وأيضًا في الترجمة للرواة وذلك من خلال النص على رواية الشيخين أو أحدهما للراوي، وصفة تلك الرواية، كما سبق بيانه في الكلام عن المنهج العلمي للمنقح.
وأيضًا نجد المنقح يستفيد من كلام الإمام البخاري - بالذات - في «صحيحه» على علل بعض الأحاديث.
- السنن الأربعة (سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه):
تعد هذه الكتب من أهم موارد المنقح أيضًا في تخريج الأحاديث.
وكذلك في الترجمة للرواة من خلال النص على رواية أصحاب هذه الكتب للراوي.
وهي أيضًا من أهم مصادره في نقل كلام أصحابها على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، فكان لا يترك حكمًا للترمذي على حديث من الأحاديث إلا ويذكره، ومعلوم أن الترمذي لا يكاد يترك حديثًا من الأحاديث التي يخرجها إلا ويحكم عليه.
ويعد كتاب «السنن الكبير» للنسائي من أكثر المصادر التي نقل عنها فيما يتعلق بتعليل الأحاديث (انظر مثلاً: ٣/ ١٧٩ - ١٨٢، ٢٥٨ - ٢٦٠، ٢٦٠ - ٢٦٦، ٢٦٦ - ٢٦٨).
وقد تعقب المنقح بعض هؤلاء الأئمة (انظر مثلاً: ٢/ ٢٧؛ ٣/ ٩٢، ١٠٩، ٢٥٦، ٢٦٢، ٣٦٠، ٤٣٠).
стр. 201
- مسند الإمام أحمد:
هو أيضًا من المصادر المهمة للمنقح في تخريج الأحاديث، وفي ذكر كلام الإمام أحمد على بعض الأحاديث والرواة.
- صحيح ابن خزيمة:
هو أيضًا مصدر مهم من مصادر المنقح في تخريج الأحاديث والكلام على الرواة.
وهو أيضًا من مصادره في نقل فقه ابن خزيمة (انظر: ١/ ١٢٨).
وقد تعقبه في بعض المواضع (انظر: ٢/ ٧٢).
- الأنواع والتقاسيم لابن حبان (صحيح ابن حبان):
هو من مصادره المهمة في تخريج الأحاديث والكلام عليها.
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر: ٤/ ٣١٤، ٤٥٢).
- معاجم الطبراني الثلاثة:
هي من مصادره أيضًا، وأكثرها من جهة النقل عنه «المعجم الكبير».
وقد تعقبه في مواضع يسيرة (انظر: ٤/ ٣٦٠).
- مسند أبي يعلى:
هو من المصادر المهمة للمنقح في تخريج الأحاديث، ويغلب على ظننا أن المنقح كان ينقل عنه بواسطة «المختارة» للضياء، والله أعلم.
و «مسند أبي يعلى» له روايتان: رواية مختصرة من طريق ابن حمدان
стр. 202
- وهي المطبوعة -، ورواية أخرى أكبر منها برواية ابن المقرئ، والمنقح كان ينقل عن رواية ابن المقرئ ولذا فإن جملة من الأحاديث والأسانيد التي ذكرها المنقح عن أبي يعلى لم نقف عليها في الرواية المطبوعة (انظر مثلاً: ١/ ٣٩٢؛ ٢/ ٥٦، ٢٢٣، ٣١٦، ٥٢٣؛ ٣/ ٢٠٢، ٣٤٦).
ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن المنقح ينقل أيضًا عن كتاب آخر لأبي يعلى هو «المعجم» (انظر: ٣/ ٤٠٧، ٤٠٩؛ ٤/ ٢٩٧).
- سنن الدارقطني:
كما كان كتاب «السنن» من أهم موارد ابن الجوزي في «التحقيق» فقد كان كذلك في «التنقيح» لابن عبد الهادي، فكان المنقح يراجعه للتحقق من دقة نقل ابن الجوزي، وقد ظهر من خلال ذلك وجود عدة أوهام عند ابن الجوزي فيما نقله عن «السنن» (انظر مثلاً: ١/ ٢٨١).
وأيضًا أفاد منه في تخريج الأحاديث والكلام على الأحاديث والرواة.
ويبدو أن نسخة المنقح من كتاب «السنن» كان فيها خرمًا، إذ نجده في بعض المواضع يستشكل بعض نقول ابن الجوزي عن الدارقطني ولا يبين وجه الصواب.
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر مثلاً: ٢/ ٣٠٨؛ ٣/ ٢٧٦).
- المستدرك للحاكم:
هو من مصادر المنقح المهمة في التخريج والحكم على الأحاديث والرواة.
وقد تعقب المنقحُ الحاكمَ في مواضع كثيرة (انظر: ١/ ٢١٣؛ ٢/ ١٩٣، ١٩٤، ١٩٧، ٢٠٢، ٢٥١، ٥٣٩، ٦١٧؛ ٣/ ٥٤، ٨٥، ٨٧، ١٠١،
стр. 203
١٠٦، ٢٣٦؛ ٤/ ١٠٢، ١٨٤، ٤٢٩؛ ٥/ ٦٨).
وقد ظهر من خلال التتبع أن جل النقول التي في «التنقيح» عن «المستدرك» إنما أخذها عن «تلخيصه» للحافظ الذهبي، ولذا تجد فرقًا ظاهرًا بين النصوص التي ينقلها من كلام الحاكم وبين ما في مطبوعة «المستدرك»، وفي المقابل تجد اتفاقًا بينها وبين «تلخيص المستدرك» للذهبي (انظر مثلاً: ١/ ١٠٢، ٣١٩ - ٣٢٠، ٣٣٢، ٣٨٠).
نعم هناك مواضع نقل فيها المنقح عن الحاكم أحاديث رواها الحاكم بإسنادها (انظر مثلاً: ٢/ ١٩٣)، فهذه المواضع إما أن يكون قد أخذها من «المستدرك» أو من مصدر آخر غير «التلخيص» للذهبي، والله تعالى أعلم.
- السنن الكبير للبيهقي:
وهو من أهم مصادر المنقح في التخريج، وفي الكلام على الأحاديث، وكان ينقل عنه نصوصًا طويلة.
وللمنقح عناية خاصة بكتاب البيهقي هذا، فهو يكثر من النقل عنه، وأيضًا يجمع بين كلامه المتفرق في الكتاب في موضع واحد، وفي هذا دليل على مزيد عنايته به.
وقد تعقبه في مواضع (انظر: ١/ ٤٠، ٢٢٥؛ ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨؛ ٤/ ١٢٣، ١٦٦، ٦٧٣).
- المختارة للضياء:
هو من مصادر المنقح المهمة، ونجد المنقح يشير إليه في بعض المواضع، وذكر المنقح (٢/ ٥٦٦) حديثًا، ثم علق عليه بقوله: (رواه الحافظ أبو عبد الله
стр. 204
محمد بن عبد الواحد في كتاب «المختارة» ولم يتكلم عليه) ا. هـ، فقد يفهم من هذا أن الضياء إذا نقل عن أحد الأئمة كلامًا في حديث من الأحاديث فإن ذلك يدل على تعليله للحديث أو توقفه عن تصحيحه، وإنما ذكره مع بيان ما فيه من علة حتى لا يستدرك عليه، وعليه فلا يكون مجرد تخريج الضياء للحديث في «مختارته» تصحيحًا منه له، بل لا بد من تقييد ذلك بأنه لم ينقل شيئًا في تعليله، وهو قد أشار إلى هذا في مقدمة كتابه بكلام محتمل، والمسألة تحتاج إلى مزيد تحرير، والله أعلم.
ونجد المنقح أيضًا يستأنس على ضعف الحديث بعدم ذكر الضياء له في «المختارة» كما سيأتي ذكر مثال على ذلك تحت الكلام عن تقويم المنقح لموارده.
ثانيًا: كتب الرجال والتراجم:
- التاريخ الكبير للبخاري:
هو من مصادره المهمة في الترجمة للرواة، وكان المنقح لا يكتفي بالنقول عنه في المصادر الفرعية، بل كان يرجع إليه بدون واسطة، وفي حالة وجود اختلاف بين ما فيه وبين ما نقل عنه فإن المنقح ينبه على ذلك.
وقد تعقبه المنقح في بعض المواضع (انظر: ٣/ ٣٤٢).
- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:
هو من أهم موارده في الترجمة للرواة.
ونجد المنقح أحيانًا ينص على أنه لم يجد للرجل ذكرًا في «الجرح والتعديل» (انظر: ١/ ٩٥؛ ٢/ ١٤).
وأحيانًا يذكر أن ابن أبي حاتم ذكره ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً (انظر: ١/ ١٠٥؛ ٥/ ٤٥).
стр. 205
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر: ٢/ ٤١٥؛ ٣/ ٣٤٢؛ ٤/ ٥٨٠).
- الضعفاء للعقيلي:
هو من موارده في الترجمة للرواة، وأيضًا في الكلام على بعض الأحاديث وفي تخريجها.
- الكامل لابن عدي:
هو من موارده المهمة في الترجمة للرجال، وأيضًا في تخريج بعض الأحاديث، والكلام عليها.
وقد تعقبه المنقح في بعض المواضع: (انظر: ٣/ ٢٤٩).
- الثقات لابن حبان:
هو من الموارد التي أكثر المنقح من النقل عنها فيما يتعلق بالترجمة للرواة، ونلاحظ أن المنقح يعتني بذكر كلام ابن حبان على الراوي، ولا يكتفي بأن ابن حبان ذكره في كتابه (انظر: ١/ ١٤٤؛ ٣/ ٢٣، ٧٧، ١٢٧؛ ٥/ ٥٥).
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر: ٤/ ٤٢٩).
- المجروحين لابن حبان:
هو من موارده أيضًا في الترجمة للرجال.
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر: ١/ ١٤٦، ٢٤٩؛ ٢/ ٥٢٠؛ ٣/ ٢٣، ٧٦، ١٤٢، ٤٣١).
- تاريخ بغداد للخطيب:
стр. 206
هو من موارده المهمة في الترجمة للرجال، وفي تخريج الأحاديث، وفي ذكر بعض الفوائد العلمية والأدبية الأخرى.
- الضعفاء لابن الجوزي:
وذكره المنقح في مواضع باسم «الجرح والتعديل» (٣/ ٤٠٧؛ ٤/ ٢٩٧).
وهو من الموارد التي كان يرجع إليها المنقح في تراجم الرواة.
وكان المنقح ينبه أحيانًا على اختلاف كلام ابن الجوزي في «التحقيق» مع كلامه في «الضعفاء» (انظر: ٣/ ١٢٦ - ١٢٧؛ ٤/ ٢٥٨، ٢٨٩).
وقد تعقبه في بعض المواضع (انظر: ٢/ ٦٣٧).
- تهذيب الكمال للمزي:
وهو أهم مصدر من مصادر المنقح في نقل كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة، فجل نقوله عن علماء الجرح والتعديل هي مأخوذة عنه، نعم كان المنقح يراجع ما تيسر له من أصول هذا الكتاب، كـ «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، و «الثقات» لابن حبان، و «تاريخ بغداد» للخطيب وغيرها.
وقد كان المنقح ينقل أحيانًا ترجمة الراوي كاملة من «التهذيب» (انظر مثلاً: ٣/ ٩٨).
ونجده في بعض المواضع ينبه على الاختلاف الذي يقع بين ما في «تهذيب الكمال» وما في مصادره الأصلية (انظر مثلاً: ٣/ ١٩٢).
وقد تعقبه المنقح في بعض المواضع (انظر: حاشية ٣/ ٧٨).
وقد وقفنا خلال عملنا في الكتاب على بعض السقوط التي في مطبوعة
стр. 207
«تهذيب الكمال» والتي يمكن استدراكها من «التنقيح» (انظر: ١/ ١١٢).
ثالثًا: كتب العلل:
- العلل للإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله -
هو من مصادره المهمة في الكلام على العلل، وفي الكلام على الرجال أيضًا.
- العلل للترمذي:
هو من موارد المنقح التي ينقل عنها كلام البخاري.
وقد وقفنا على عدة مواضع منسوبة له ولم نجدها في النسخة المطبوعة من ترتيب أبي طالب للعلل (انظر مثلاً: ١/ ١٥١؛ ٣/ ٩).
- العلل لابن أبي حاتم:
كانت للمنقح عناية كبيرة بهذا الكتاب، فهو كثيرًا ما ينقل عنه في تعليل الأحاديث والكلام على الرواة، فلا يكاد يمر حديث ويكون لأبي حاتم أو أبي زرعة فيه كلام إلا ويذكره بنصه.
ونجد المنقح أيضًا يجمع الكلام المتفرق على الحديث في موضع واحد (انظر: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
وللمنقح تعليقة على أول «العلل» كما سبق في ذكر مؤلفاته.
- العلل للخلال:
هو من الكتب التي نقل عنها المؤلف في بعض المواضع.
стр. 208
- العلل للدارقطني:
هو من أكثر كتب العلل التي نقل عنها المنقح في كتابه هذا، وأغلب إفادته من هذا الكتاب كانت فيما يتعلق بالعلل والطرق والأسانيد، وربما أفاد منه في تخريج بعض الأحاديث، أو الكلام على بعض الرجال.
والمنقح ينقل عنه نصوص طويلة (انظر: ١/ ٢٩ - ٣١).
وقد تعقبه المنقح في مواضع (انظر مثلاً: ٤/ ٢١٨).
والذي يبدو- والله أعلم - أن كتاب العلل لم يكن عنده كاملاً، ولذا نجده في بعض الأحيان ينقل عنه بواسطة «المختارة» للضياء المقدسي فيما يظهر، والله أعلم.
وقد اكتشفنا بعض المواضع التي سقطت من مطبوعة أو مخطوط «العلل» من خلال نقول المنقح (انظر: ١/ ٣١؛ ٣/ ١٣٩؛ ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
رابعًا: كتب الأطراف:
- الأطراف لابن عساكر:
وقفنا على بعض النقول عن هذا الكتاب، ولكن هل كان المنقح ينقل عنه مباشرة أم بواسطة تحفة الأشراف للمزي؟ الله أعلم.
وقد تعقبه المنقح في بعض ما نقله عنه (انظر: ١/ ٢٣٧، ٣/ ٤٦٩، ٤/ ٢٥٩).
- تحفة الأشراف للمزي:
هذا الكتاب كتاب مهم وقد استفاد منه المنقح كثيرًا، فقد ظهر من خلال
стр. 209
التتبع أنه ﵀ كان يرجع إليه في تخريج كل حديث من أحاديث الكتب الستة المذكورة في الكتاب.
وقد كان المنقح ينقل أيضًا كلام المزي في تخريج الأحاديث (انظر: ١/ ٢٣٧).
وتعقب المنقح الحافظ المزي في بعض المواضع (انظر: ٣/ ٤٦٩، ٤/ ١٨٤).
خامسًا: كتب التخريج:
- بيان الوهم والإيهام لابن القطان:
هو من الكتب التي ينقل عنها المنقح في بعض المواضع، وكثيرًا ما يتعقبه المنقح في أحكامه على الأحاديث والرواة التي ينقلها عنه (انظر: ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧؛ ٢/ ١٠٩، ٣٠٠؛ ٣/ ٨٣؛ ٥/ ١٥).
- مختصر سنن أبي داود للمنذري:
صرح بالنقل عنه في بعض المواضع (١/ ٣٩٨)، ويبدو - والله أعلم - أنه من الكتب التي استفاد منها ولم يلتزم بالنص على إفادته منها.
- الإمام لابن دقيق العيد:
لم ينص المؤلف على اسم هذا الكتاب، وإنما نص على اسم مؤلفه (الحافظ ابن دقيق العيد)، فهو من الكتب التي استفاد منها دون الإشارة إليها، والله أعلم.
- تنقيح التحقيق للذهبي:
هناك أيضًا بعض الأمارات التي تدل على إطلاع المنقح على كتاب
стр. 210
«التنقيح» للذهبي، وإن كان لم ينص على ذلك، ونجده أحيانًا ينقل كلام الذهبي ولا يصرح باسمه بل يقول: (قال بعضهم) ثم يتعقبه، ولكن هذه النقول يسيرة وليست بالكثيرة (انظر مثلاً: ١/ ١٠٢، ٣٣٢، ٣٨٠؛ ٢/ ٨٠؛ ٤/ ٤٠٣).
سادسًا: كتب الفقه:
- المغني لابن قدامة:
هو من مراجعه الفقهية التي كان يرجع إليها فأكثر الفوائد الفقهية التي يذكرها إنما هي من «المغني»، وأيضًا ربما نقل عنه أحيانًا شيئًا من نصوص الإمام أحمد في الكلام على الأحاديث.
- الكافي لابن قدامة:
هو مرجع آخر من مراجعه في الكلام على الفقه، وقد تعقبه المنقح في بعض المواضع في عزو بعض الأحاديث.
(٢)
تقويم المنقح لموارده
مما تميز به المنقح عنايته بتقويم الكتب التي ينقل عنها، وبيان مناهج أصحابها، وله في ذلك عبارات موجزة ودقيقة، وهذا أيضًا مما يظهر مكانته العلمية، وملكته النقدية، ولذا جمعنا نصوصه في تقويم موارده وبيان مناهج أصحابها في هذه الفقرة لتسهل الإفادة منها (١).
_________
(١) وللمنقح كلام نفيس في تقويم الكتب عمومًا في مواطن متفرقة من كتبه، ومن ذلك كلامه عن كتاب «الفصل» لابن حزم في كتابه «طبقات الحفاظ» (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١).
стр. 211
من أمهات كتب السنة:
نقل المنقح (٣/ ٢٥٥) عن بعض الحفاظ أنه قال: الحديث في أفطر الحاجم والمحجوم متواتر، ثم علق على ذلك بقوله: (وليس ما قاله ببعيد، ومن أراد معرفة ذلك فليطالع ما روي في ذلك في «مسند أحمد»، و «معجم الطبراني»، وكتاب النسائي، و «المستدرك» للحاكم، و «المستخرج» للحافظ أبي عبد الله المقدسي، وغير ذلك من الأمهات).
ذكر المنقح (٣/ ٢٧٦) حديثًا رواه الدارقطني، وقال في الكلام عليه:
(قد ذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «المستخرج» ولم يروه إلا من طريق الدارقطني وحده، ولو كان عنده من حديث غيره لذكره كما عرف من عادته أنه يذكر الحديث من المسانيد التي رواها كمسند أحمد وأبي يعلى الموصلي ومحمد بن هارون الروياني و «معجم الطبراني» وغير ذلك من الأمهات، وكيف يكون هذا الحديث صحيحًا سالمًا من الشذوذ والعلة ولم يخرجه أحد من أئمة الكتب الستة ولا المسانيد المشهورة وهم محتاجون إليه أشد حاجة؟!).
سنن النسائي:
قال المنقح (٣/ ٢٦٧): (لم يسند النسائي ﵀ حديث ابن لهيعة كما أسند غيره، لأنه لا يجيء من قبله، ولم يخرج من حديثه شيئًا مسندًا إلا حديثًا واحدًا في غير «السنن»).
كتابي «الثقات» و «الضعفاء» لابن حبان:
قال المنقح (٣/ ٢٣): ( … هكذا يفعل ابن حبان كثيرًا، يدخل الرجل في كتابيه «الثقات» و «الضعفاء»).
стр. 212
سنن الدارقطني:
قال المنقح (٣/ ٢٧٦): (الدارقطني إنما جمع في كتابه «السنن» غرائب الأحاديث، والأحاديث المعللة والضعيفة فيه أكثر من الأحاديث الصحيحة السالمة من التعليل).
المختارة للضياء:
قال المنقح (٢/ ٤٨٠): (في «المختارة» أحاديث كثيرة ضعيفة، وهذا الحديث منها).
قال المنقح (٢/ ٥٦٦): (رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتاب «المختارة» ولم يتكلم عليه).
ذكر المنقح (٣/ ٢٧٦) حديثًا رواه الدارقطني، وقال في الكلام عليه:
(قد ذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «المستخرج» ولم يروه إلا من طريق الدارقطني وحده، ولو كان عنده من حديث غيره لذكره كما عرف من عادته أنه يذكر الحديث من المسانيد التي رواها كمسند أحمد وأبي يعلى الموصلي ومحمد بن هارون الروياني و «معجم الطبراني» وغير ذلك من الأمهات).
بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية:
قال المنقح (٤/ ٣٦٤): (وقد صنف شيخنا العلامة أبو العباس في هذه المسألة كتابًا جليلاً سمَّاه «كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل» ينبغي لكل ذي لب أن ينظر فيه، لتقر عينه، وينشرح صدره، والله الموفق).
стр. 213
(٣)
المصادر التي لم يصرح بأسمائها
لقد ظهر لنا من خلال توثيق نصوص الكتاب أن المنقح كان يرجع إلى بعض المصادر الفرعية في نقل بعض المعلومات، ولكنه كان يحرص على مراجعة المصدر الأصلي في حال توفره بين يديه كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وأما إذا لم يتوفر له المصدر الأصلي فيكتفي بالنقل عن ذلك المصدر الفرعي دون الإشارة إليه في الغالب، وهذا من الأمور التي يتسامح فيها أهل العلم.
ومن المصادر التي كان يرجع إليها المنقح ولا يشير إليها أو نادرًا ما يشير إليه ما يلي:
- «الضعفاء والمتروكون» لابن الجوزي.
- «مختصر السنن» للمنذري.
- «المجموع» للنووي.
- «المختارة» للضياء.
- «المنتقى» للمجد ابن تيمية.
- «تهذيب الكمال» للمزي.
- «تحفة الأشراف» للمزي.
- «ميزان الاعتدال» للذهبي.
* * *
стр. 214
المبحث الخامس: القيمة العلمية للتنقيح
تظهر قيمة الكتاب من خلال ثلاثة أمور:
١ - متانة المادة العلمية التي يحويها.
٢ - مكانة المؤلف.
٣ - الإفادة منه.
وقد جمع كتاب «التنقيح» بين هذه الأمور الثلاثة، وبيان ذلك كما يلي: أولاً: متانة المادة العلمية.
إن الناظر في «التنقيح» يجده قائمًا على الرجوع إلى المصادر الأصلية العالية، ولا يكاد يوجد فيه شيء من الحشو أو ما تقل فائدته، بل ما تضمنه من معلومات هي الجوانب المهمة في الحكم على الحديث والاستدلال به.
فالمنقح اقتصر على المصادر المعتمدة في السنة النبوية، واعتمد على أقوال الأئمة المعتد بهم في هذا الفن.
ولم يجمع في كتابه كل ما هبّ ودبّ من الأسانيد والروايات، وكذلك لا نجده يشتغل بأقوال من هم ليسوا من أهل الفن.
وفي حالة ورود بعض المعلومات التي تحتاج إلى نظر نجده لا يتركها ﵀ دون أن يحقق فيها ويحرر.
ومن هذا وذاك اكتسب هذا الكتاب متانة علمية عالية، ويمكن إجمال مزايا المادة العلمية لـ «التنقيح» فيما يلي:
стр. 215
١ - أصالة المصادر وعلوها.
٢ - الاختصار غير المخل.
٣ - التحقيق والتحرير في المعلومات المنقولة.
ثانيًا: مكانة المؤلف العلمية.
الحافظ ابن عبد الهادي - كما سبق - قد أجمع العلماء على تمكنه في علم الحديث وتميزه فيه، وهذه المكانة كان لها أثر كبير في القيمة العلمية للكتاب، فالحافظ ابن عبد الهادي - فيما نحسب - كان موفقًا في التمييز بين الغث والثمين، وبين ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وكان ﵀ دقيقًا في ما ينقله، وكان ﵀ صاحب تحرير وتحري في ما يناقشه ويطرحه من مسائل كلية وجزئية، كما كان أئمة الحديث المتقدمين، ولهذا تجد أن كثيرًا من كلامه يضاهي كلامهم رحمهم الله تعالى جميعًا.
ومصداق ذلك أنك إذا وازنت بين الانتقادات التي وجهت إلى كتاب التنقيح وغيره من كتب التخريج - لا سيما السابقة له - وجدت أن ما وجه إلى التنقيح هو قليل جدًا بالنسبة لما وجه للكتب الأخرى، بل ستجد أن الكثير من تلك الانتقادات التي وجهت إلى غيره مأخوذة من «التنقيح»!!
ثالثًا: الإفادة منه.
إن الناظر في كتب أهل العلم بعد التنقيح يجدها قد أفادت من هذا الكتاب، بين مقل ومستكثر، ولا يكاد كتاب من الكتب المشاركة له في موضوعه إلا كان «التنقيح» من موارده، وهذه الإفادة كانت منذ زمن مبكر.
ولعل من أول من أفاد من «التنقيح» الحافظ الزيلعي في كتابه الشهير
следующие страницы →