صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر.
١٦٨٥ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنا سفيان عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة (١): لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر.
١٦٨٦ - أخبرنا أحمد بن حرب ثنا (٢) سفيان عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله عن حفصة (٣) قالت: لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر.
قال أبو عبد الرَّحمن النَّسائيُّ: والصَّواب عندنا موقوفٌ، ولم يصحَّ رفعه - والله أعلم-، لأنَّ (٤) يحيى بن أيُّوب ليس بذاك القويِّ، وحديث ابن جريجٍ عن الزُّهريِّ غير محفوظٍ، والله أعلم.
أرسله مالك:
١٦٨٧ - الحارث بن مسكين قراءةً عليه عن ابن القاسم قال: حدَّثني مالك عن ابن شهاب عن عائشة وحفصة مثل (٥): لا يصوم إلا من أجمع الصِّيام قبل الفجر.
ورواه نافع عن ابن عمر قوله:
стр. 1507
١٦٨٨ - الحارث بن مسكين قراءةً عليه عن ابن القاسم قال: حدَّثني مالكٌ عن نافع عن ابن عمر أنَّه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصِّيام قبل الفجر.
١٦٨٩ - أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله قال: إذا لم يجمع الرَّجل الصَّوم من الليل فلا يصوم (١).
وقد روى حديث عبد الله عن حفصة مرفوعًا: أبو داود عن أحمد بن صالح عن ابن وهبٍ عن ابن لهيعة ويحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن ابن شهابٍ عن سالمٍ عن أبيه (٢).
ورواه التِّرمذيُّ عن إسحاق بن منصور عن سعيد بن أبي مريم عن يحيى ابن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر بإسناده مثله.
وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافعٍ عن ابن عمر قوله، وهو أصحُّ (٣).
ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن إسحاق ابن حازم عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا (٤).
وقال الميمونيُّ: قلت: لأبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل-: كيف
стр. 1508
إسناد حديث النَّبيِّ ﷺ : «لا صوم لمن لم يجمع الصِّيام … »؟ قال: أخبرك، ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنَّه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيِّدان (١).
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله- وذكر قول ابن عمر وحفصهْ: لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر- قلت له: قد رفعه يحيى بن أيُّوب المصريُّ عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ- ﷺ .
فكأنَّه لم يثبته.
وقال عبد الرَّحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن حديثٍ رواه معن القزَّاز عن إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا صيام لمن لم ينو من الليل».
ورواه يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ- ﷺ .
قلت لأبي: أيُّهما أصحُّ؟
قال: لا أدري، لأنَّ عبد الله بن أبي بكر قد أدرك سالمًا وروى عنه، ولا أدري هذا الحديث ممَّا سمع من سالم، أو سمعه من الزُّهريِّ عن سالم؛ وقد روي عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة قولها غير مرفوع، وهذا عندي أشبه، والله أعلم (٢) O.
١٦٩٠ - الحديث الثَّالث: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدَّثنا محمَّد بن مخلد ثنا
стр. 1509
إسحاق بن أبي إسحاق ثنا الواقديُّ ثنا محمَّد بن هلال عن أبيه أنَّه سمع ميمونة بنت سعدٍ تقول: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من أجمع الصَّوم من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم» (١).
قال المؤلِّف: الواقديُّ ضعيفٌ.
احتجُّوا بحديثين:
١٦٩١ - أحدهما: أنَّهم رووا أن أعرابيًّا شهد عند رسول الله ﷺ برؤية الهلال، فأمر مناديه أن ينادي: «من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم».
وهذا لا يعرف، وإنَّما المعروف أنَّه شهد عنده برؤية الهلال، فأمر أن يُنادى في النَّاس أن يصوموا غدًا.
وسيأتي هذا بإسناده- إن شاء الله- (٢).
وقد رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بلفظٍ صريحٍ: أنَّ أعرابيًا جاء ليلة رمضان … فذكر الحديث (٣).
١٦٩٢ - الحديث الثَّاني: قال البخاريُّ: ثنا مكيُّ بن إبراهيم ثنا يزيد عن سلمة بن الأكوع قال: أمر النَّبيُّ ﷺ رجلاً من أسلم أن أذِّن في النَّاس: أنَّ من كان أكل فليصم بقيَّة يومه، ومن لم يكن كل فليصم، فإنَّ اليوم يومُ عاشوراء (٤).
стр. 1510
أخرجاه في «الصَّحيحين» (١).
فحجَّتهم أنَّه أمر بالصَّوم في أثناء النَّهار، فدلَّ على أنَّ النِّيَّة تجوز بالنَّهار.
وجوابه: أنَّ صوم عاشوراء لم يكن واجبًا، فله حكم النافلة، يدلُّ عليه:
١٦٩٣ - ما روى الإمام أحمد قال: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق ثنا معمر عن الزُّهريِّ قال: حدَّثني حُميد بن عبد الرَّحمن بن عوف أنَّه سمع معاوية يخطب بالمدينة يقول: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يفرض علينا صيامه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، فإني صائم». فصام النَّاس (٢).
أخرجاه في «الصَّحيحين» (٣).
ز: أكثر الأحاديث تدلُّ على أنَّ صوم عاشوراء كان واجبًا ثمَّ نسخ.
١٦٩٤ - كحديث عائشة ﵂ قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله- ﷺ يصومه، فلمَّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمَّا فرض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه».
أخرجاه في «الصَّحيحين» (٤).
стр. 1511
١٦٩٥ - وأخرجا أيضًا حديث ابن عبَّاس قال: قدم النَّبيُّ ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» [قالوا:] (١) يومٌ صالح نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه (٢).
وقال القاضي أبو يعلى: لم يكن صوم عاشوراء واجبًا لحديث معاوية المتقدِّم (٣)؛ ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر من لم يأكل بالصَّوم، والنِّيَّة في الليل شرطٌ في الواجب؛ ولأنَّه لم يأمر من أكل بالقضاء.
وأجيب عن حديث معاوية: بأنَّه محمولٌ على أنَّه ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يُكتب عليكم بعد أن فُرض رمضان.
وهذا ظاهرٌ، فإنَّ معاوية من مسلمة الفتح، وهو إنَّما سمعه من النَّبيِّ ﷺ بعدما أسلم في سنة تسع أو عشر، بعد أن نسخ صوم عاشوراء، فإنَّه نسخ بعد أن فرض رمضان، ورمضان فرض في السَّنة الثَّانية.
وأجيب عن تصحيحه بنيَّةٍ من النَّهار وترك الأمر بقضائه: بأن من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه، كما قيل في من أسلم وبلغ في أثناء يومٍ من رمضان، على أنَّه قد رُوي الأمر بالقضاء في حديثٍ غريبٍ:
١٦٩٦ - قال أبو داود: حدَّثنا محمَّد بن المنهال ثنا يزيد ثنا سعيد عن
стр. 1512
قتادة عن عبد الرَّحمن بن مسلمة عن عمِّه أنَّ أسلم أتت النَّبيّّ ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا؟» قالوا. لا. قال: «فأتمُّوا بقيَّة يومكم واقضوه» (١).
هذا الحديث مختلفٌ في إسناده ومتنه، وفي صحَّته نظرٌ والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٣٥٣): يصحُّ صوم التَّطوُّع بنيَّةٍ من النَّهار.
وقال مالكٌ وداود: لا يصحُّ.
١٦٩٧ - ما روى أبو داود قال: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عاثشة بنت طلحة عن عائشة قالت: كان النَّبيُّ ﷺ إذا دخل عَلَيَّ قال: «هل عندكم طعامٌ؟». فإذا قلنا: لا، قال: «إنِّي صائمٌ».
فدخل علينا يومًا، فقلت: يا رسول الله أهدي لنا حسيسٌ (٢) فحبسناه لك.
فقال: «ادنيه». فأصبح صائمًا وأفطر (٣).
ز: وقد روى هذا الحديث مسلم والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ- وقال:
стр. 1513
حسنٌ- من حديث طلحة بن يحيى (١).
ورواه النَّسائيُّ أيضًا من رواية: طلحة عن عائشة (٢) ومجاهد عن عائشة (٣).
ورواه من رواية إسرائيل عن سماك بن حرب عن رجلٍ عن عائشة بنت طلحة (٤)، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٣٥٤): إذا حال دون مطلع الهلال غيمٌ أو قَتَرٌ (٥) ليلة الثَّلاثين من شعبان، فعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهن: أنَّه يجب صوم الثَّلاثين بنيَّةٍ من رمضان. وهذا مذهب عمر وعليٍّ وابن عمر ومعاوية وعمرو بن العاص وأنس وأبي هريرة وعائشة وأسماء؛ وقال به من كبار التَّابعن: طاوس ومجاهد وسالم وبكر بن عبد الله ومطرِّف
стр. 1514
وميمون بن مهران في آخرين.
فعلى هذه الرِّواية: هل يجوز أن يسمَّى يوم شكٍّ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يسمَّى يوم شكٍّ، بل هو يومٌ من رمضان من طريق الحُكْم، وهو ظاهر ما نقله مُهَنَّا، وبه قال الخلال والأكثرون من أصحابنا، فعلى هذا لا يتوجَّه النَّهي عن صوم الشَّكِّ إليه.
والثَّانية: أنَّه يسمَّى يوم شكٍّ، نقلها المرُّوذِيُّ، فعلى هذا يرجح جانب التَّعبُّد وإن كان شكّا.
والأولى أصحُّ.
فإن قيل: فما يوم الشَّكِّ؟
قلنا: قد فسَّره الإمام أحمد فقال: يوم الشَّكِّ أن يتقاعد النَّاس عن طلب الهلال، أويشهد برؤيته من يَردُّ الحاكم شهادته.
والرِّواية الثَّانية في المسألة: لا يجوز صيامه من رمضان ولانفلاً، بل يجوز: قضاءً وكفَّارةً ونذرًا ونفلاً يوافق عادةً، وهذا قول الشَّافعيِّ.
والرِّواية الثَّالثة: أنَّ المرجع إلى رأي الإمام في الصَّوم والفطر، وبهذه قال الحسن وابن سيرين.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز صيامه من رمضان، ويجوز صيامه ما سوى ذلك (١).
стр. 1515
ووجه الرِّواية الأولى:
١٦٩٨ - ما روى الإمام أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل ثنا أيُّوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إنَّما الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تروه، ولا تفطروه حتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له». قال نافع: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير ولم يَحُل دون مَنْظَرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ أصبح مفطرًا، وإن حال دون مَنْظَره سحابٌ أو قَتَرٌ أصبح صائمًا (١).
أخرجاه في «الصَّحيحين»، وأ يذكرا فعل ابن عمر (٢).
واحتجاج أصحابنا من هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: فعل ابن عمر، فإنَّ أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بمراده، فنحن نرجع إليه كما رجعنا في خيار المجلس، فإنَّه [كان] (٣) يفارق صاحبه ليتمَّ البيع.
والثَّانية (٤): أنَّ معنى: «اقدروا له»: ضيِّقوا له عددًا يطلع في مثله، وذلك يكون لتسعٍ وعشرين، ومن هذا قوله تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطَّلاق: ٧]. أي: ضُيِّق عليه.
قالوا: فقد روي عن ابن عمر ضدُّ هذا:
стр. 1516
١٦٩٩ - أنبأنا محمَّد بن عبد الباقي البَزَّارُ أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكيُّ ثنا محمَّد بن العبَّاس بن الفرات أنا حمزة بن القاسم ثنا حنبل بن إسحاق قال: حدَّثني أحمد بن حنبل ثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرميِّ قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنَّة كلَّها لأفطرت اليوم الذي يشكُّ فيه.
قلنا: جوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يصحُّ، وقد ضعَّف أبو حاتم الرَّازيُّ عبدَ العزيز بن حكيمٍ (١).
والثَّاني: أنَّ هذا ليس بيوم شكٍ- على ما سبق بيانه (٢) -.
ز: عبد العزيز بن حكيمٍ: صدوقٌ، قال إسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين: عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميُّ ثقةٌ (٣). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميِّ فقال: ثقةٌ. كذا ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنَّه وثَّقه، ثمَّ قال: سألت أبي عن عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميِّ الكوفيِّ فقال: ليس بقويٍّ، يكتب حديثه (٤). فيحتمل أن يكون سأله مرَّتين، ويحتمل أن يكون ذلك غلطًا في النُّسخة، والله أعلم (٥) O.
стр. 1517
أمَّا حجتهم، فلهم سبعة أحاديث:
١٧٠٠ - الحديث الأوَّل: قال البخاريُّ: حدَّثنا آدم ثنا شعبة ثنا محمَّد ابن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النَّبيُّ ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبِّي (١) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين».
انفرد بإخراجه البخاريُّ (٢).
والجواب: أنَّ أبا بكر الإسماعيليَّ ذكر هذا في «صحيحه» الذي خرَّجه على البخاريَّ:
١٧٠١ - أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار أنا أبي ثنا أبو بكر البَرْقَانيُّ ثنا
стр. 1518
أحمد بن إبراهيم الإسماعيليُّ ثنا الحسن بن علويه ثنا بُنْدَار ثنا غُنْدَر ثنا شعبة عن محمَّد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله- ﷺ : «لا تصوموا حتَّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتَّى ترو الهلال، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين».
قال الإسماعيليُّ: قد رواه البخاريُّ عن آدم عن شعبة، فقال فيه: «فاكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين».
قال: وقد رويناه عن غُنْدَر وعبد الرَّحمن بن مهدي وابن عُليَّة وعيسى ابن يونس وشَبَابة وعاصم بن عليٍّ والنَّضر بن شُميل ويزيد بن هارون وابن داود وآدم كلّهم عن شعبة، لم يذكر أحدٌ منهم: «فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين».
قال: وهذا يجوز أن يكون من آدم رواه على التَّفسير من عنده للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاريِّ عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجهٌ.
ورواه المقرئ عن ورقاء عن شعبة على ما ذكرنا أيضًا.
قال المؤلِّف: قلت: فعلى هذا يكون المعنى: فإن غُمَّ عليكم رمضان فعدُّوا ثلاثين؛ وعلى هذا لا يبقى لهم حجَّةٌ في الحديث، على أنَّ أصحابنا قد تأوَّلوا ما انفرد به البخاريُّ من ذكر شعبان (١)، فقالوا: نحمله على ما إذا غُمَّ هلال رمضان وهلال شوَّال، فإنَّا نحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين احتياطًا للصَّوم، فإنَّا وإن كنَّا قد صمنا يوم الثَّلاثين من شعبان فليس بقطعٍ منَّا على أنَّه رمضان، إنَّما صمناه حكمًا.
١٧٠٢ - الحديث الثَّاني: قال مسلم بن الحجَّاج: ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن محمَّد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله
стр. 1519
ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ (١) عليكم الشَّهر فعدُّوا ثلاثين».
انفرد بإخراجه مسلمٌ (٢).
والجواب: أنَّ المراد: فإن غُمَّ في رمضان، فعدُّوا رمضان ثلاثين؛ يدلُّ عليه شيئان:
أحدهما: أنَّ الكناية ترجع إلى أقرب المذكورَين، وأقربهما: «وأفطروا لرؤيته».
والثَّاني: أنَّ قد روي (٣) مفسَّرًا:
١٧٠٣ - قال الإمام أحمد بن حنبل: ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا» (٤).
انفرد بإخراجه مسلمٌ (٥).
١٧٠٤ - الحديث الثَّالث: قال الدَّارَقُطنِيُّ: حدَّثنا محمَّد بن موسى بن سهل ثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقدّموا الشَّهر حتَّى تروا الهلال و (٦) تكملوا العدَّة قبله، ثمَّ
стр. 1520
صوموا حتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدَّة قبله " (١).
ورواه منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا تصوموا حتَّى تروا الهلال، [أو تكملوا العِدَّة ثلائين، ثُمَّ تصوموا، ولا تفطروا حتَّى تروا الهلال،] (٢) أو تتمُّوا وتكملوا العدَّة ثلاثين».
والجواب: أنَّ أحمد ضعَّف حديث حذيفة وقال: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظٍ (٣). ثمَّ هو محمولٌ على حالة الصَّحو، لأنَّه لم يذكر فيه الغيم، وقد حمله أصحابنا على ما إذا غُمَّ هلال رمضان وهلال شوَّال- على ما سبق (٤) -.
١٧٠٥ - الحديث الرابع: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن زيادٍ ثنا عبد الرَّحمن بن بشر بن الحكم ثنا عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيسٍ عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثُمَّ يصوم رمضان لرؤيته، فإن غُمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثمَّ صام (٥).
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: هذا إسنادٌ صحيحٌ (٦).
قال المؤلِّف: قلت: وهذه عصبيَّةٌ من الدَّارَقُطْنِيِّ، كان يحيى بن سعيد
стр. 1521
لا يرضى معاوية بن صالحٍ (١)، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: لا يحتجُّ به (٢).
والذي حُفظ في هذا: «فعدُّوا ثلاثين ثمَّ أفطروا»:
١٧٠٦ - قال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدَّثنا ابن صاعد ثنا محمَّد بن زُنْبُور المكيُّ ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين ثمَّ أفطروا» (٣).
[و] (٤) رواه أبو بكر بن عيَّاش وأسامة بن زيدٍ عن محمَّد بن عمرو بهذا.
قال الدَارَقُطْنِيُ: وهي أسانيد صحاح.
وقد ذكرنا من حديث أبي هريرة: «فصوموا ثلاثين» (٥).
١٧٠٧ - الحديث الخامس: قال التِّرمذيُّ: حدَّثنا أبو سعيد عبد الله ابن سعيدٍ الأشَجُ ثنا أبو خالدٍ الأحْمر عن عمرو بن قيسٍ عن أبي إسحاق عن صِلَة بن زُفَر قال: كنَّا عند عمَّار بن ياسرٍ فأُتِيَ بشاةٍ مَصْلِيَّةِ، فقالوا: كلوا.
فتنحَّى بعض القوم، فقال: إنِّي صائمٌ. فقال عمَّار: من صام اليوم الذي يُشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
стр. 1522
قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ (١).
١٧٠٨ - الحديث السَّادس: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: ثنا محمَّد بن عمرو بن البَخْتَري ثنا أحمد بن الخليل ثنا الواقديُّ ثنا داود بن خالد بن دينار ومحمَّد بن مسلم عن المقبريِّ عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم ستَّة أيَّام: اليوم الذي يُشكُّ فيه من رمضان، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيَّام التَّشريق (٢).
والجواب: أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ هذا اليوم ليس بيوم شكٍّ.
١٧٠٩ - الحديث السَّابع: أنبأنا محمَّد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أحمد بن عليّ بن ثابتٍ الخطيب قال: أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح أنا أبو بكر ابن شاذان ثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلديُّ قال: حدَّثني هاشم بن القاسم الحرَّانيُّ ثنا يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد قال: أصبحنا يوم الثَّلاثين صيامًا، وكان الشَّهر قد أغمي علينا، فأتينا النَّبيَّ ﷺ فأصبناه مفطرًا، فقلنا: يا نبيَّ الله صمنا اليوم. فقال: «افطروا إلا أن يكون رجلٌ يصوم هذا اليوم فليتمَّ صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يُتمارى فيه، أحبُّ إليَّ من أن أصوم يرومًا من شعبان ليس منه» يعني: ليس من رمضان.
قال الخطيب: ففي هذا الحديث كفايةٌ عمَّا سواه (٣).
قال المؤلِّف: قلت: لا تكون عصبيَّةٌ أبلغ من هذا! فليته روى الحديث
стр. 1523
وسكت، فأمَّا أن يعلم عيبه ولا يذكره، ثمَّ يمدحه ويثني عليه ويقول: فيه كفاية عمَّا سواه. فهذا ممَّا أزرى به على علمه، وأثَّر به في دينه، أتُراه ما علم أنَّ أحدًا يعرف قبح ما أتى؟! كيف وهذا الأمر ظاهرٌ لكلِّ من شَدَا شيئًا من علم الحديث (١)؟! فكيف من أوغل فيه؟! أتُراه ما علم أنَّه في الصَّحيح عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «من روى حديثًا يُرى أنَّه كذبٌ فهو أحد الكاذبِينَ» (٢)؟!
وهذا الحديث موضوعٌ على ابن جراد، لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا ذكره أحدٌ من الأئمة الذين جمعوا السُّنن، وترخَّصوا في ذكر الأحاديث الضِّعاف، وإنَّما هو مذكورٌ في نسخة يعلى بن الأشدق عن ابن جراد، وهي نسخةٌ موضوعةٌ، قال أبو زرعة (٣) الرَّازيُّ: يعلى بن الأشدق ليس بشيءٍ (٤).
وقال أبو أحمد بن عديٍّ (٥) الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن عمِّه عبد الله بن جراد عن النَّبيِّ- ﷺ أحاديث كثيرةً منكرةً، وهو وعمُّه غير معروفين (٦). وقال البخاريُّ: يعلى لا يكتب حديثه (٧). وقال أبو حاتم بن حِبَّان الحافظ: لقي يعلى عبدَ الله بن جراد، فلمَّا كبر (٨) اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له (٩)
стр. 1524
شبيهًا بمائتي حديث، نسخة عن ابن جراد، فجعل يحدِّث بها وهو لا يدري، لا تحلُّ الرِّواية عنه بحالٍ (١).
قال المؤلِّف: قلت: وما كان هذا يخفى على الخطيب غير أنَّ العصبيَّة تغطِّي على الذِّهن، وإنَّما يُبَهْرج بما يخفى، ومثل هذا لا يخفى! نعوذ بالله من غلبات الهوى.
ز: الذي دلَّت عليه الأحاديث في هذه المسألة وهو مقتضى القواعد أنَّ أيَّ شهرٍ غُمَّ أكمل ثلاثين، سواء في ذلك شهر شعبان وشهر رمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: «فإن غُمَّ عليكم فاكملوا العدَّة» يرجع إلى الجملتين- وهما: قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاكملوا العدَّة» - أي: غُمَّ عليكم في صومكم أو فطركم، وهذا هو الظَّاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث تدلُّ على هذا، كقوله: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» وليس المراد: ضيِّقوا، كما ظنَّه من ظنَّه من الأصحاب، بل المعنى: احسبوا له قدره، فهو من: قَدْر الشيء- وهو مبلغ كمِّيَّته-، لبس من: التَّضييق في شيءٍ.
стр. 1525
وقوله تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ) [الطلاق: ٧] هو من هذا، أي: كان رزقه بقدر كفايته لا يفضل منه شيءٌ، ليس (١) المراد ضيِّق عليه رزقه فلا يسعه، ولهذا قال: (فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) [الطلاق: ٧]، ومن كان رزقه أقلَّ من كفايته فمِنْ أين ينفق؟! والله تعالى يرزق العبد ما يسعه، ويرزقه ما يفضل عنه: فالأوَّل هو الذي قدر عليه رزقه- أي: قدَّر بكفايته-؛ والثَّاني: هو الغنيُّ الموسَّع عليه.
وقوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: ٨٧] ليس من التَّضييق، وإنَّما هو من التَّقدير، والمعنى: أن لن نُقدِّر عليه ما قدَّرناه من السِّجن في بطن الحوت، وهي لغتان: قدَر وقدَّر عليه- بالتَّخفيف والتَّشديد-، قال الله تعالى: أفَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٣] قرأ نافع والكسائيُّ: (فقدَّرنا) - بالتثقيل- وخفَّف الباقون لقوله: (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، ووجه التَّثقيل قوله: (مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه) [عبس: ١٩] أجمع على تشديده، أي: فنعم القادرون نحن على تقديره.
وقال تعالى: (وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: ٣] قرأ الجمهور بالتَّشديد، وقرأ الكسائيُّ بالتَّخفيف.
وقال الشَّاعر:
ولا عائذٌ ذاك الزَّمان الذي … مضى تباركت ما تقدرُ يكن ولك الأمر
أي: ما تقدِّره يقع.
وهذا معنى تفسير السَّلف: (فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيهِ) [الأنبياء: ٨٧]: أن لن نفعل به ما فعلناه.
стр. 1526
والتَّضييق لازمٌ لمعنى التَّقدير، فإنَّه اذا أعطي قَدْره- لا أزيد ولا أنقص- فقد ضُيِّق أن يدخل فيه غيره أو يسعه سواه (١)، فإذا جعل الشَّهر ثلاثين فقد قدر له قدرًا لم يدخل فيه غيره، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب «المستخرج على مسلم» في قوله: «فاقدروا له»: أي: اقصدوا بالنَّظر والطَّلب الموضع الذي تقدرون أنَّكم ترون (٢) فيه (٣). وهذا تفسيرٌ غريبٌ عجيبٌ!!
وما ذكره الإسماعيليُّ من الكلام على الحديث الذي رواه البخاريُّ (وأنَّ آدم بن أبي إياس يجوز أن يكون رواه على التَّفسير من عنده للخبر): غير قادحٍ في صحَّة الحديث، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إمَّا أن يكون قال اللفظين- وهذا مقتضى ظاهر الرِّواية-، وإمَّا أن يكون قال أحدهما وذكر الرَّاوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإنَّ اللام في قوله: «فاكملوا العدَّة» للعهد- أي: عدَّة الشَّهر-، وهو ﷺ لم يخصَّ شهرًا دون شهرٍ بالإكمال إذا غُمَّ، فلا فرق بين شعبان وغيره، إذ لو كان شعبان غير مرادٍ من هذا الإكمال لبيَّنه، لأنَّه ذكر الإكمال عقيب قوله: «صوموا … وأفطروا»، فشعبان وغيره مرادٌ من قوله: «فأكملوا العدَّة»، فلا تكون رواية من روى: «فأكملوا عدَّة شعبان» مخالفًا لمن قال: «فأكملوا العدَّة» بل مبيِّنة لها، أحدهما أطلق لفظًا يقتضي العموم في الشَّهر، والثَّاني ذكر فردًا من الأفراد؛ ويشهد لهذا قوله: «فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثيِن، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً» وهذا صريحٌ في أنَّ التَّكميل لشعبان كما هو لرمضان، فلا فرق بينهما.
стр. 1527
١٧١٠ - قال أبو داود الطَّيالسيُّ: حدَّثنا أبو عوانة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله عيهو قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غمامةٌ أو ضبابةٌ فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تسقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان» (١).
١٧١١ - وقال أبو يعلى الموصليُّ: حدَّثنا زهير ثنا إسماعيل عن حاتم بن أبي صغيرة عن سِماك بن حرب قال: أصبحت صائمًا في اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان، فأتيت عكرمة وهو يأكل خبزًا وبقلاً وعنبًا، فقال: ادْن فكل.
فقلت: إنِّي صائمٌ. فقال: أقسم بالله لتفطرنَّه. قلت: سبحان الله! قال: أحلف بالله لتفطرنَّه. فلمَّا رأيته يحلف ولا يستثني تقدَّمت [] (٢) وأنا شبعان، إنَّما تسحَّرت قبيل ذاك، ثمَّ قال: هات الآن ما عندك؟ فقال: قال ابن عبَّاس: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دوله سحابٌ فأكملوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً» (٣).
١٧١٢ - وقال الإمام أبو بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: حدَّثنا يحيى ابن محمَّد بن السَّكن البزَّار بخبرٍ غريب غريب: ثنا يحيى بن كثير ثنا شعبة عن سِماك قال: دخلت على عكرمة في اليوم الذي يُشكُّ فيه من رمضان- وهو يأكل- قال: ادن فكُلْ. فقلت: إنِّي صائمٌ. قال: والله لتَدْنُونَّ. فقلت: فحدَّثني. قال: حدَّثني ابن عبَّاس أنَّ رسول الله ﷺ يقال: " لا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم (٤) وبين منظره سحابٌ أو
стр. 1528
قترةٌ فأكملوا العدَّة ثلاثين " (١)
١٧١٣ - وقال أبو القاسم الطَّبرانيُّ: حدَّثنا محمَّد بن النَّظر الأزديُّ ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غباية (٢) فأكملوا العدَّة، والشَّهر تسعٌ وعشرون» (٣).
١٧١٤ - قال الطَّبرانيُّ: وحدَّثنا الحسين بن إسحاق التستريُّ ثنا عبَّاد بن يعقوب الأسديُّ ثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك بن حربٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاس عن النَّبيِّ- ﷺ : «لا تقدَّموا الشَّهر، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن كانت بينكم وبيبه غباية (٢) فأتمُّوا العدَّة» (٤).
١٧١٥ - قال الطَّبرانيُّ: وحدَّثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدَّد ثنا أبو الأحوص عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غباية (٢) فأكملوا ثلانين» (٥).
رواه الإمام أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن حاتم بن أبي صغيرة بإسناده: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً» (٦).
стр. 1529
ورواه أبو داود عن الحسن بن عليٍّ عن الحسن بن عليٍّ عن زائدة (١).
ورواه التِّرمذيُّ عن قتيبة عن أبي الأحوص بنحوه، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٢).
ورواه النَّسائيُّ: عن قتيبة أيضًا (٣)، وعن إسحاق بن إبراهيم عن إسماعيل بن إبراهيم عن حاتم بن أبي صغيرة بمعناه (٤).
وعن قتيبة عن ابن أبي عديٍّ عن أبي يونس عن سِماك بنحوه (٥).
ورواه "أبو حاتم البستيُّ: عن محمَّد بن عبد الله بن الجنيد عن قتيبة عن أبي الأحوص (٦)، وعن ابن خزيمة (٧).
وفي الجملة هذا الحديث نصٌّ في المسألة، وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال التِّرمذيُّ.
وسِماك بن حرب: وثَّقه يحيى بن معين (٨) وأبو حاتم الرَّازيُّ (٩)
стр. 1530
وغيرهما، وروى له مسلمٌ في «صحيحه» الكثير (١).
١٧١٦ - وقد روى مسلمٌ من حديث ابن عبَّاس أنَّ رسول الله ﷺ [قال: «إنَّ الله] (٢) قد أمَدَّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدَّة» (٣).
وفي الحديث الذي ذكرناه زيادة على هذا، والله أعلم.
وأمَّا حديث حذيفة: فرواه أبو داود عن محمَّد بن الصَّبَّاح البزَّاز عن جرير بن عبد الحميد (٤).
ورواه النَّسائيُّ عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير (٥).
ورواه عن محمَّد بن بشَّار عن عبد الرَّحمن بن مهديِّ عن سفيان عن منصور عن رِبعيٍّ عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ (٦).
وعن محمَّد بن حاتم بن نعيم عن حِبَّان عن عبد الله عن الحجَّاج بن أرطأة عن منصور عن رِبعيٍّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ مرسلاً (٧).
وقال النَّسائيُّ: لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث: (عن حذيفة) غير جرير (٨).
стр. 1531
ورواه أبو حاتم البستيُّ عن الحسين بن إدريس الأنصاريِّ عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير (١).
وقول المؤلِّف (أنَّ أحمد ضعَّف حديث حذيفة) وهمٌ منه، فإنَّ أحمد إنَّما أراد أنَّ الصَّحيح قول من قال: عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ- ﷺ ، وأنَّ تسمية حذيفة وهمٌ من جرير؛ فظنَّ المؤلِّف أنَّ هذا تضعيفٌ من أحمد للحديث وأنَّه مرسلٌ، وليس هو بمرسلٍ، بل متصلٌ: إمَّا عن حذيفة، وإمَّا عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؛ وجهالة الصَّحابي غير قادحةٍ في صحة الحديث- كما ظنَّه بعضهم-، والله أعلم.
وأمَّا حديث معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة: فرواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهديٍّ عن معاوية (٢)، وهو حديثٌ صحيحٌ، ورواته ثقاتٌ محتجٌّ بهم في الصَّحيح، وقد صحَّح الدَّارَقُطْنيُّ إسناده كما تقدَّم (٣).
وقول المؤلِّف (هذه عصبيَّةٌ من الدَارَقُطْنِيِّ، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: لا يحتجُّ به) غير صحيحٍ، وإنَّما العصبيَّة منه، فإنَّ معاوية بن صالح: ثقةٌ صدوقٌ، وثَّقه عبد الرَّحمن بن مهديٍّ (٤) وأحمد بن حنبل (٥) وأبو زرعة (٦) وغيرهم، وروى له مسلمٌ في
стр. 1532
«صحيحه» محتجًّا به (١)، وما روى شيئًا خالف فيه الثِّقات، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادحٍ فيه، فإنَّ يحيى شَرْطُه شديدٌ في الرِّجال، ولذلك قال: لو لم أرو إلا عن من أرضى ما رويت إلا عن خمسة! (٢) وأمَّا قول أبي حاتم: (لا يحتجُّ به) فغير قادح فيه أيضًا، فإنَّه لم يذكر السَّبب، وقد تكرَّرت هذه اللفظة منه في رجالٍ كثيرين من أصحاب الصَّحيح من الثِّقات الأثبات من غير بيان السَّبب، كخالد الحذَّاء (٣) وغيره؛ وقد قال عبد الرَّحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن معاوية بن صالح فقال: صالح الحديث، حسن الحديث (٤).
وأمَّا حديث عمَّار: فرواه أبو داود عن محمَّد بن عبد الله بن نُمير عن أبي خالد الأحمر (٥).
ورواه النَّسائيُّ عن الأشج (٦).
ورواه ابن ماجة عن ابن نُمير (٧).
وقد رُوي عن أبي إسحاق قال: حدِّثت عن صِلَة بن زُفَر. وهذه علَّةٌ في الحديث (٨).
стр. 1533
وأمَّا الحديث السَّادس- حديث أبي هريرة-: ففي إسناده الواقديُّ وهو
ضعيفٌ.
١٧١٧ - وقد روى البيهقيُّ من حديث الثَّوريِّ عن أبي عبَّاد عن أبيه عن
أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن صيامٍ قبل رمضان بيوم، والأضحى، والفطر،
وأيام التشريق- ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر- (١).
وأبو عبَّاد هو: عبد الله بن سعيد المقبريُّ، وقد أجمعوا على ضعفه، وعدم الاحتجاج بحديثه، والله أعلم.
وأمَّا الحديث السَّابع: فهو حديثٌ موضوعٌ لا يُشكُّ في وضعه، فلا يجوز الاحتجاج به بحالٍ، وقد شفى المؤلِّف فيه، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٣٥٥): يكره صوم يوم الشَّكِّ.
وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا يكره.
وقد استدلَّ أصحابنا بالحديث المتقدِّم (٢): نهى رسول الله ﷺ عن صوم ستَّة أيَّام … - منها: يوم الشَّكِّ-.
стр. 1534
مسألة (٣٥٦): يجب صوم رمضان بشاهدٍ واحدٍ.
وقال مالكٌ وداود: لا يجب.
وعن الشَّافعيِّ كالمذهبين.
وقال أبو حنيفة: إن كان في السَّماء عِلَّةٌ قُبِل شاهدٌ واحدٌ، وإن لم يكن لم يُقبل إلا الجمُّ الغفير.
لنا أربعة أحاديث:
١٧١٨ - االأوَّل: قال التِّرمذيَّ: حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل ثنا محمَّد بن الصَّبَّاح ثنا الوليد بن أبي ثور عن سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي رأيت الهلال. فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟
وتشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ «قال: نعم. قال:» يا بلال، أذِّن في النَّاس أن يصوموا غدًا " (١).
فإن قيل: هذا الحديث أرسله إسرائيل وحمَّاد بن سلمة عن عكرمة عن رسول الله ﷺ .
قلنا: قد اتَّفق الوليد بن أبي ثور وحازم بن إبراهيم وزائدة على رفع هذا الحديث، واختلف أصحاب سفيان بن عيينة عنه، ومن رفع فقد زاد، والزيادة من الثِّقة مقبولةٌ، والرَّاوي قد يسند ويرسل.
ز: ١٧١٩ - قال محمَّد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه»: ثنا محمَّد بن عثمان العجليُّ ثنا أبو أسامة ثنا زائدة ثنا سِماك بن حربٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أبصرت الهلال الليلة. فقال:
стр. 1535
«أتشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله». قال: نعم. قال: «قم يا فلان، فأذِّن في النَّاس فليصوموا غدًا».
قال ابن خزيمة: ثناه موسى بن عبد الرَّحمن المَسْروقيُّ ثنا حسين بن عليٍّ الجُعْفيُّ عن زائدة بهذا الإسناد نحوه، قال: وأمر بلالاً فأذَّن بالنَّاس (١).
١٧٢٠ - وقال أبو يعلى الموصليُّ: ثنا أبو بكر- هو ابن أبي شيبة- ثنا حسين بن عليٍّ عن زائدة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ- صلم فقال: أبصرت الهلال الليلة. قال: «تشهد أن لا إلى إلا الله وأنَّ محمَّدًا عبد» ورسوله؟ «قال: نعم. قال:» قم يا بلال، فناد في النَّاس فليصوموا غدًا " (٢).
١٧٢١ - وقال الطَّبرانيُّ: ثنا يعقوب بن إسحاق [المخرمِيُّ] (٣) ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حازم بن إبراهيم عن سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عبَّاس تال: تمارى النَّاس في الهلال على عهد رسول الله ﷺ فجاء أعرابيٌّ فشهد أنَّه رآه. فقال النَّبيُّ ﷺ : «تشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله؟». قال: نعم. فأمر النَّبيُّ ﷺ بلالاً فنادى أنَّ الصَّوم غدًا (٤).
رواه أبو داود عن محمَّد بن بكَّار بن الرَّيَّان عن الوليد بن أبي ثورِ، وعن الحسن بن عليٍّ عن الحسين الجُعْفيِّ (٥).
وعن موسى عن حمَّاد، عن سِماك بمعناه، ولم يذكر ابن عبَّاس (٦).
стр. 1536
ورواه البيهقيُّ عن الحاكم عن أحمد بن محمَّد بن سلمة العنزيِّ عن عثمان ابن سعيدٍ الدَّارميِّ عن موسى بن إسماعيل عن حمَّاد بن سلمة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس موصولاً (١).
قال أبو داود: رواه جماعة عن سِماك عن عكرمة مرسلاً (٢).
ورواه التِّرمذيُّ أيضًا عن أبي كريب عن الحسين الجُعْفيِّ عن زائدة.
وقال: رواه الثَّوريُّ وغيره عن سماك عن عكرمة عن النَّبيِّ- ﷺ مرسلاً (٣).
ورواه النَّسائيُّ: عن محمَّد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة عن السِّيناني عن سفيان عن سِماك مسندًا.
وعن موسى بن عبد الرَّحمن عن حسين به.
وعن أحمد بن سليمان عن أبي داود، وعن محمَّد بن حاتم عن حِبَّان عن ابن المبارك، جميعًا عن سفيان عن سماك عن عكرمة مرسلاً (٤).
وقال: هذا أولى بالصَّواب من حديث الفضل بن موسى السِّينانيِّ، لأنَّ سِماك بن حرب كان رُبَّما لقِّن، فقيل له: عن ابن عبَّاس؛ وابن المبارك أثبت في سفيان من الفضل؛ وسماك إذا انفرد بأصلٍ لم يكن حجَّةً، لأنَّه كان يلقَّن فيتلقَّن (٥).
стр. 1537
ورواه ابن ماجة عن عمرو بن عبد الله الأودي ومحمَّد بن إسماعيل الأحمسيِّ عن أبي أسامة عن زائدة (١).
ورواه ابن حِبَّان عن أبي يعلى (٢).
قال الحافظ محمَّد بن عبد الواحد: رواية زائدة وحازم بن إبراهيم العجليِّ ممَّا يقوِّي رواية الفضل السِّينانيِّ، وقد رأيتُ غير حديثٍ من حديث «الصَّحيح» يرويه ابن المبارك فيوقفه.
وقال البيهقيُّ بعد ذكر رواية الفضل بن موسى: وكذلك روي عن أبي عاصم عن الثَّوريِّ موصولاً، ورواه غيرهما عن الثَّوريِّ مرسلاً (٣).
والله أعلم O.
١٧٢٢ - الحديث الثَّاني: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا ابن صاعد ثنا إبراهيم بن عتيق ثنا مروان بن محمَّد الدِّمشقيُّ ثنا ابن وهبٍ ثنا يحيى بن عبد الله ابن سالمٍ عن أبي بكرٍ بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: تراءى النَّاس الهلال فأخبرتُ رسول الله ﷺ أنِّي رأيتُه، فصام رسول الله ﷺ ، وأمر النَّاس بالصِّيام.
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: تفرَّد به مروان بن محمَّد عن ابن وهبٍ، وهو ثقةٌ (٤).
ز: وقد روى أبو داود هذا الحديث فقال:
١٧٢٣ - حدَّثنا محمود بن خالدٍ وعبد الله بن عبد الرَّحمن السَّمرقنديُّ - وأنا لحديثه أتقن- قالا: ثنا مروان- هو ابن محمَّد- عن عبد الله بن وهبٍ
стр. 1538
عن يحيى بن عبد الله بن سالمٍ عن أبي بكر بن نافعٍ عن أبيه عن ابن عمر قال: تراءى النَّاس الهلال، فأخبرت رسول الله- ﷺ أنِّي رأيته، فصام وأمر النَّاس بصيامه (١).
ورواه أبو حاتم بن حِبَّان عن الحسن بن سفيان عن الدَّارميِّ عن مروان (٢).
قال البيهقيُّ: هذا الحديث يعدُّ في أفراد مروان بن محمَّد الدِّمشقيِّ، رواه عنه الرَّبيع بن سليمان، وقد اخبرناه أبو عبد الله الحافظ. ثنا محمَّد بن صالح بن هانئ ثنا محمَّد بن إسماعيل بن مهران ثنا هارون بن [سعيد] (٣) الأيليُّ ثنا عبد الله بن وهبٍ أخبرني يحيى … فذكره بمثله إلا أنَّه قال: فصام رسول الله ﷺ ، وأمر النَّاس بالصِّيام (٤) O.
١٧٢٤ - الحديث الثَّالث: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدثنا محمَّد بن مخلد ثنا يحيى بن عيَّاش القطَّان ثنا حفص بن عمر الأبليُّ ثنا مِسْعَر بن كِدَام وأبو عوانة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عبَّاس، فجاء رجلٌ إلى واليها، فشهد عنده على رؤية الهلال- هلال رمضان-، فسأل ابن عمر وابن عبَّاس عن شهادته، فأمراه أن يجيزها، وقالا: إنَّ رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجلٍ واحدٍ على رؤية هلال رمضان. قالا: وكان رسول الله ﷺ لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين.
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: تفرَّد به حفص بن عمر، وهو ضعيف الحديث (٥).
стр. 1539
قال المؤلِّف: قلت: وقال النَّسائيُّ: ليس بثقةٍ. وقال ابن حِبَّان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
ز: كلام النَّسائيِّ (١) وابن حِبَّان (٢) في حفص بن عمر بن ميمون العدني الفَرْخ، وهو غير راوي هذا الحديث، راوي هذا الحديث هو حفص بن عمرو (٣) بن دينار الأُبليُّ، وهو ضعيفٌ بالاتفاق، ولم يخرِّج له أحدٌ من أصحاب «السُّنن»، وأمَّا الفَرْخ: فروى له ابن ماجة (٤)، ووثَّقه بعضهم.
وقال البيهقيُّ في هذا الحديث- بعد أن رواه عن أبي نصر بن قتادة عن أبي أحمد الحسين بن عليٍّ التَّميميِّ عن ابن مخلد-: وهذا ممَّا لا ينبغي أن يحتجَّ به (٥) O.
١٧٢٥ - الحديث الرَّابع: قال الإمام أحمد: ثنا يزيد أنا ورقاء عن عبد الأعلى الثَّعلبيِّ عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قال: كنت مع البراء بن عازبٍ وعمر بن الخطَّاب في البقيع ننظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقاه عمر، فقال: من أين جئت؟ قال: من المغرب. فقال: أهللت؟ قال: نعم. قال عمر: الله أكير، إنَّما يكفي المسلمين الرَّجل (٦).
ز: عبد الأعلى هو: ابن عامر الثَّعلبيُّ، وقد تكلَّم فيه غير واحدٍ من الأئمة.
стр. 1540
١٧٢٦ - وقال الشَّافعيُّ: أنا عبد العزيز بن محمَّد الدَّراورديُّ عن محمَّد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمِّه فاطمة بنت حسين أنَّ رجلاً شهد عند عليٍّ ﵁ على رؤية هلال رمضان، فصام- وأحسبه قال: وأمر النَّاس أن يصوموا- وقال: أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (١) O.
احتجُّوا:
١٧٢٧ - بما رواه الدَّارَقُطْنِيُّ: ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا سعيد بن سليمان ثنا عبَّاد بن العوَّام ثنا أبو مالك الأشجعيُّ ثنا حسين ابن الحارث الجَدلَيُّ أنَّ أمير مكَّة خطبنا فقال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نَنْسك، فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشاهديهما (٢)، فسألت الحسين بن الحارث: من أمير مكَّة؟ فقال: لا أدري. ثمَّ لقيني بعدُ فقال: هو الحارث ابن حاطب.
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: هذا إسنادٌ متصلٌ صحيحٌ (٣).
١٧٢٨ - وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدَّثنا أبو بكر النَّيسابوريُّ ثنا أبو الأزهر ثنا يزيد بن هارون أنا الحجَّاج بن أرطأة عن الحسن بن الحارث قال: سمعت عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطَّاب يقول: إنَّا صحبنا أصحاب رسول الله ﷺ وتعلَّقنا (٤) منهم، وإنَّهم حدَّثونا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين، فان شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا وأنسكوا» (٥).
стр. 1541
والجواب:
أنَّا نقول: ينطق الخبر، لأنَّه يقتضي أن تصوموا بشهادة ذوي عدلٍ، ودليله ينقي ذلك (١)، ونصُّ خبرنا يعارض هذا الدَّليل، وهو أولى، لأنَّ النَّصَّ لا يسقط إلا بنصٍّ ينسخه، والدَّليل يسقط من غير نسخٍ، فصار كالقياس المعارض للنَّصِّ.
ز: الحديث الأوَّل: رواه أبو داود عن محمَّد بن عبد الرَّحيم أبي يحيى البزَّاز عن سعيد بن سليمان (٢).
والحديث الثَّاني: رواه الإمام أحمد بن حنبل عن يحيى بن أبي زائدة عن حجَّاج بن أرطأة عن حسين (٣).
والحجَّاج: فيه كلامٌ، لكن رواه النَّسائيُّ من غير ذكره، عن إبراهيم ابن يعقوب عن أبي عثمان سعيد بن شبيب- وكان شيخًا صالحًا- عن ابن أبي زائدة عن حسين بن الحارث الجَدَليِّ (٤).
كذا رواه النَّسائيُّ، ولم يذكر في روايته الحجَّاج بن أرطأة بين يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وبن حسين، وكأنَّه وهمٌ، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم في سعيد بن شبيب: سمع منه أبي بمصر وطرسوس، وروى عنه (٥) O.
* * * * *
стр. 1542
مسألة (٣٥٧): إذا رأى الهلال أهل بلدٍ لزم جميع البلاد الصَّوم.
وقال الشَّافعيُّ: لا يلزم إلا ما قاربه.
[دليلنا:
قوله ﵇: «فإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا».
وقد سبق بإسناده]. (١)
احتجُّوا:
١٧٢٩ - بما روى الإمام أحمد: حدَّثنا سليمان بن داود الهاشميُّ أنا إسماعيل بن جعفر ثنا محمَّد بن أبي حرملة قال: أخبرني كُريب أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشَّام، قال: قدمت الشَّام فقضيت حاجتها، فاستُهِل عليَّ هلال رمضان وأنا بالشَّام، فتراءينا الهلال ليلة الجمعة، ثمَّ قدمت المدينة في آخر الشَّهر، فسألني ابن عبَّاس، ثمَّ ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلت: رآه النَّاس، وصاموا، وصام معاوية. قال: لكن رأيناه ليلة السَّبت، فلا نزال نصوم حتَّى نكمل ثلاثن يومًا أو نراه. فقلت: ألا تكتفي (٢) برؤية معاوية وصِيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (٣).
قال الِّترمذيُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ (٤).
стр. 1543
ز: هذا الحديث رواه مسلمٌ في «صحيحه» (١)، وهو ظاهرٌ في الاستدلال، ولم يذكر المؤلِّف الجواب عنه.
وقد أجاب عنه أصحابنا بأن قالوا: إنَّما يدلُّ على أنهم لا يفطرون بقول كريبٍ وحده، ونحن نقول به، وإنَّما محلُّ الخلاف: (وجوب قضاء اليوم الأوَّل) وليس هو في الحديث O.
* * * * *
مسألة (٣٥٨): يجب على المطاوعة على الوطء في نهار رمضان كفَّارة الجماع.
وعنه: لا يجب.
وعن الشَّافعيِّ كالرِّوايتن.
١٧٣٠ - قال الإمام أحمد بن حنبل: حدَّثنا عبد الرَّزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن شهابٍ عن حميد بن عبد الرَّحمن أنَّ أبا هريرة حدَّثه أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعن (٢) أو يطعم ستين مسكينًا (٣).
أخرجاه في «الصَّحيحين» (٤).
стр. 1544
قال أصحابنا: ووجه الاحتجاج: أنَّه علَّق التَّكفير بالفطر.
وليس قولهم هذا بمعتمد، فإنَّهم لا يقولون: إنَّ الكفَّارة تجب على كلِّ مفطرٍ، وإنَّما المراد بالإفطار في هذا الحديث: الإفطار بالجماع- على ما سيأتي بيانه في مسألة الإفطار بالأكل (١) -.
احتجُّوا:
بحديث الأعرابي:
١٧٣١ - قال أحمد: ثنا سفيان عن الزُّهريِّ عن حميد بن عبد الرَّحمن (٢) عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: هلكتُ! قال: «وما أهلكك؟!» قال: وقعت على امرأتي في رمضان! قال: «أتجد رقبة؟».
قال: لا. قال: «أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. قال: «تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟». قال: لا. قال: «اجلس». فأُتي النَّبيُّ ﷺ بعَرَق فيه تمرٌ- والعَرَق: المكتل الضَّخم- فقال: «تصدَّق بهذا».
فقال: على أفقر منا؟! ما بين لابتيها أفقر منا! قال: فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: «اطعمه أهلك» (٣).
стр. 1545
أخرجاه في «الصَّحيحين» (١).
وحجَّتهم أنَّه لم يأمر في حقِّ المرأة بشيءٍ.
وجواب هذا من عشرة أوجه:
أحدها: أنَّه استدلالٌ بالعدم، والعدم لا صيغة (٢) له فيستدلُّ به.
والثَّاني: أنَّه يحتمل أنه يكون قد ذكر حكمها ولم ينقل.
والثَّالث: أنَّه إنَّما يجب البيان للسائل عن الحكم اللازم له، والمرأة لم تأته ولم تسأله، ولا سأله زوجها عنها، فلا يجب عليه البيان.
فإن قالوا: فقد بيَّن ما لم يسأل عنه في حديث العسيف:
١٧٣٢ - قال البخاريُّ: ثنا عليُّ بن عبد الله ثنا سفيان قال: حفظناه من الزُّهريِّ قال: أخبرني عبيد الله أنَّه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ فقام رجلٌ فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه - وكان أفقه منه- فقال: اقض بيننا بكتاب الله وأْذَنْ لي. قال: «قل». قال: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاةٍ وخادمٍ، ثمَّ سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أنَّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرَّجم. فقال النَّبيُّ ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله جلَّ ذكره، المائة شاة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مائةٍ وتغريب عامٍ، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». فغدا عليها فاعترفت، فرجمها (٣).