← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10657

تنقيح التحقيق - ابن عبد الهادي - ط أضواء السلف

ابن عبد الهادي

Полный текст (2 696 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فإن قالوا: قد قال يحيى بن معين: سليمان بن داود ليس بشيءٍ (١). قلنا: قد قال أبو حاتم بن حِبَّان: هو صدوق (٢). ز: قد قال غير واحد من الأئمة أنَّ سليمان راوي هذا الحدبث إنَّما هو سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في المجلد الأوَّل بما فيه كفاية (٣)، والله أعلم O. احتجُّوا: ٢٠٨٦ - بما رواه الإمام أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معاوية ثنا الحجَّاج ابن أرطأة عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: أتى النَّبيَّ ﷺ أعرابيٌّ، فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبةٌ هي؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، وأن تعتمر خيرٌ لك» (٤). والجواب: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، كان زائدة يأمر بترك حديث الحجَّاج (٥)، وقال أحمد: كان يزيد في الأحاديث، ويروي عن من لم يلقه، لا يحتجُّ به (٦). وقال يحيى: لا يحتجُّ بحديثه (٧). وقال ابن حِبَّان: تركه ابن

стр. 1752

المبارك وابن مهدي ويحيى القطَّان ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل (١). وقد رووا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «العمرة تطوَّع». قال الدَّارَقُطْنِيُّ: والصَّحيح أنَّه موقوفٌ على أبي هريرة (٢). ز: حديث جابر: رواه التِّرمذيُّ عن محمَّد بن عبد الأعلى الصَّنعانيِّ عن عمر بن عليٍّ المقدميِّ عن الحجَّاج، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). كذا قال، وقد أنكر عليه تصحيح هذا الحديث، وقد ضعَّفه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ عنه. وقد روي هذا الحديث مرفوعًا من وجه آخر عن أبي الزُّبير عن جابر. والصَّواب أنَّه موقوفٌ على جابر، كذلك رواه يحيى بن أيوب قال: أخبرني ابن جريج والحجَّاج بن أرطأة عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله

стр. 1753

أنَّه سُئل عن العمرة: أواجبة؟ فريضةٌ كفريضة الحجِّ؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك. وقال التِّرمذيُّ: وقال الشَّافعيُّ: العمرة سنَّة، لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها، وليس فيها شيءٌ ثابتٌ بأنَّها تطوُّع. قال الشَّافعيُّ: وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو ضعيفٌ، لا تقوم بمثله الحجَّة، وقد بلغنا عن ابن عبَّاس أنَّه كان يوجبها (١). وفي قول ابن حِبَّان في حجَّاج: (تركه ابن المبارك وفلان وفلان) نظرٌ. وقد روى الإمام أحمد حديث حجَّاج في «المسند» (٢)، وقال أبو طالب عنه: كان من الحفاظ. قيل: فلم ليس هو عند النَاس بذلك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث النَّاس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة (٣). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: حجَّاج: صدوقٌ، ليس بالقويِّ، يدلِّس عن محمَّد بن عبيد الله العرزميُّ عن عمرو بن شعيب (٤). وقد روى ابن حِبَّان في «الضُّعفاء» حديث جابرٍ هذا عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية (٥)، والله أعلم. ٢٠٨٧ - وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا جرير عن معاوية بن إسحاق

стр. 1754

عن أبي صالح ماهان قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوُّعٌ» (١). ٢٠٨٨ - وقال عبد الرَّزَّاق: عن الثَّوريِّ عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفيِّ قال: قال رسول الله- ﷺ : «الحجُّ جهادٌ، والعمرةُ تطوُّعٌ». وقال البيهقيُّ: وقد روي من حديث شعبة عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح عن أبي هريرة موصولاً، والطريق فيه إلى شعية طريقٌ ضعيفٌ (٢). وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: رواه غُنْدر ومحمَّد بن كثير وعفَّان عن شعية عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح مرسلاً عن النَّبيِّ ﷺ . وكذلك رواه شَريك عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح مرسلاً. وهو الصَّواب (٣). كذا قال الدَّارَقُطْنِيُّ، وهو مخالفٌ لما نقله المؤلِّف عنه، والله أعلم O. * * * * *

стр. 1755

مسائل التَّمتع مسألة (٤٠٠): التَّمتع أفضل من الإفراد والقِران. وقال أبو حنيفة: القِران أفضل. وقال مالك والشَّافعيُّ: الإفراد أفضل. والأحاديث التي يحتجُّ بها قسمان: أحدها: ما يدلُّ على أنَّ رسول الله ﷺ تمتع. والثَّاني: يدلُّ على أنَّه أمر بالتمتع. فأمَّا القسم الأوَّل: ففيه أربعة أحاديث: ٢٠٨٩ - الحديث الأوَّل: قال البخاريُّ: حدَّثنا قتيبة بن سعيد ثنا حجَّاج بن محمَّد الأعور (١) عن عمرو بن مرَّة عن سعيد بن المسيَّب قال: اختلف عليٌّ وعثمان- وهما بعُسفان- في المتعة، فقال له عليٌّ: ما تريد أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله ﷺ ؟ فقال له عثمان: دعنا عنك. ولمَّا رأى ذلك عليٌّ أهلَّ بهما جميعًا (٢). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٣).

стр. 1756

ز: هذا الحديث لمن قال بالقِران، فإنَّ عليًّا أهلَّ- بالحجِّ والعمرة جميعًا، والتَّّمتُّع في عرف أصحاب رسول الله- ﷺ يدخل فيه القِران، ويدخل فيه التمتع الخاص، ولم يحجّ النبيُّ- ﷺ متمتعًا التمتع الخاص، لأنَّه لم يحلَّ من عمرته، بل المقطوع به أنَّه قرن بين الحجِّ والعمرة، لأنَّه قد ثبت عنه أنَّه اعتمر أربع عُمر، وأنَّ العمرة الرَّابعة كانت مع حجَّته، وقد ثبت عنه أنَّه لم يحلَّ منها قبل الوقوف بقوله: «لولا أنَّ معي الهدي لأحللت»، وثبت أنَّه لم يعتمر بعد الحجِّ، فإنَّ ذلك لم ينقله أحدٌ عنه، وإنَّما اعتمر بعد الحجِّ عائشةُ وحدها، فتحصَّل من مجموع ذلك أنَّه كان قارنًا، وعلى هذا تجتمع جميع أحاديث الباب، والله أعلم O. ٢٠٩٠ - الحديث الثاني: قال البخاريُّ: حدَّثنا يحيى بن بُكير ثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنَّ ابن عمر قال: تمتَّع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة الى الحجِّ وأهدى، فساق معه الهديَّ من ذي الحُليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثُمَّ أهلَّ بالحجِّ، فتمتع النَّاس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فكان من النَّاس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ مكَّة قال للنَّاس: «من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحلُّ لشيء (١) حرم منه حتَّى يقضي حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصَّفا والمروة، وليقصِّر وليحلل، ثُمَّ ليهلُّ بالحجِّ» (٢). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٣). ٢٠٩١ - الحديث الثَّالث: قال التِّرمذيُّ: حدَّثنا قتيبة عن مالك بن

стр. 1757

أنس عن ابن شهاب عن محمَّد بن عبد الله بن نوفل أنَّه سمع سعد بن أبي وقَّاص يذكر التَّمتع بالعمرة فقال: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناه معه (١). انفرد بإخراجه مسلم (٢). ز: محمَّد بن عبد الله هو: ابن الحارث بن نوفل- أخو إسحاق وعبد الله-، ذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» (٣)، وروى له التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ هذا الحديث الواحد (٤)، ولم يخرِّجه مسلمٌ من طريقه، والله أعلم. وقد سئل عنه الدَّارَقُطْنِيُّ فقال: يرويه مالكٌ وأصحاب الزُّهريِّ عن الزُّهريِّ عن محمَّد أنَّه سمع سعد بن أبي وقَّاص والضَّحَّاك بن قيس وهما يذكران التَّمتع. ورواه روح بن عبادة عن مالك عن الزُّهريِّ، فقال فيه: أنَّه سمع سعدًا والضَّحَّاك بن سفيان. ووهم فيه روح، والصَّواب: الضَّحَّاك بن قيس. وأرسله ابن عيينه عن الزُّهريِّ عن سعدٍ (٥). ٢٠٩٢ - الحديث الرَّابع: قال الإمام أحمد: حدَّّثنا يونس بن محمَّد ثنا

стр. 1758

عبد الواحد بن زياد ثنا ليث عن طاوس عن ابن عبَّاس قال: تمتع رسول الله ﷺ حتَّى مات، وأبو بكر حتَّى مات، [وعمر حتَّى مات،] (١) وعثمان حتَّى مات، وكان أوَّل من نهى عنها معاوية. قال ابن عبَّاس: فعجبت منه وقد حدَّثني أنَّه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقصٍ! (٢). ز: رواه التِّرمذيُّ عن محمَّد بن مثنَّى عن ابن إدريس عن ليث- وهو ابن أبي سُليم (٣) -، وقد تقدَّم الكلام عليه غير مرَّةٍ (٤) O. القسم الثَّاني: أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالتَّمتع، وفيه عشرة أحاديث: ٢٠٩٣ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق أنا الثَّوريُّ عن قيس بن مسلم عن طارق بن شِهاب عن أبي موسى الأشعريِّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أرض قومي، فلمَّا حضر الحجُّ حجَّ رسول الله ﷺ وحججت، فقدمت عليه وهو نازلٌ بالأبطح، فقال لي: «بما أهللت، يا عبد الله ابن قيس؟» قال: قلت: لبيك بحجٍّ كحجِّ رسول الله ﷺ . قال: «أحسنت». ثُمَّ قال: «هل سقت هديًا؟» قلت: ما فعلتُ. قال: «اذهب فطف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة، ثُمَّ احلل». فانطلقت ففعلت ما أمرني، وأتيت امرأةً من قومي فغسلت رأسي بالخطمي وفلَّته، ثُمَّ أهللت بالحجِّ يوم التَّروية (٥). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٦).

стр. 1759

٢٠٩٤ - الحديث الثَّاني: قال أحمد: حدَّثنا يحيى بن آدم ثنا زهير (١) ثنا أبو الزُّبير عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة طفنا بالبيت، وبالصَّفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : «من لم يكن معه هديٌ فليحلل». قلنا: أيُّ الحلِّ؟ قال: «الحلُّ كلُّه». قال: فأتينا النِّساء، ولبسنا الثِّياب، ومسسنا الطِّيب؛ فلمَّا كان يوم التَّروية أهللنا بالحجِّ (٢). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٣). ٢٠٩٥ - الحديث الثَّالث: قال أحمد: حدَّثنا عفَّان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عبَّاس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِ من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرَّم صفر، ويقولون: إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه لصبيحة رابعة، مهلِّين بالحجِّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرةً، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحلِّ؟ قال: «الحِلُّ كلُّه» (٤). أخرجاه في " الصَّحيحين (٥). ٢٠٩٦ - الحديث الرَّابع: قال أحمد: حدَّثنا سهل بن يوسف عن حميد عن (٦) بكر عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ ، فلبَّى بالحجِّ ولبَّينا معه،

стр. 1760

فلمَّا قدم أمر من لم يكن معه الهديَّ أن يجعلوها عمرة (١). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٢). ٢٠٩٧ - الحديث الخامس: قال البخاريُّ: حدَّثنا عثمان ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ ولا نرى إلا أنَّه الحجُّ، فلمَّا قدمنا تطوَّفنا بالبيت فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهديَّ أن يحلَّ، فحلَّ من لم يكن ساق الهديَّ، ونساؤه لم يسقن فأحللن (٣). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٤). ٢٠٩٨ - الحديث السَّادس: قال أحمد: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدَّثني نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر قالت: لمَّا أمر رسول الله ﷺ نساءه أن يحللن بعمرة، قلت: فما يمنعك يا رسول الله، أن تحلَّ معنا؟ قال: «إنِّي أهديتُ ولبَّدت، فلا أحلُّ حتَّى أنحر هدي» (٥). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٦).

стр. 1761

٢٠٩٩ - الحديث السَّابع: قال أحمد: حدَّثنا ابن أبي عَدِيٍّ عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحجِّ صراخًا، حتَّى إذا طفنا بالبيت قال: «اجعلوها عمرةً إلا من كان معه هديٌ». قال: فجعلناها عمرةً، فحللنا، فلمَّا كان يوم التَّروية، صرخنا بالحجِّ، وانطلقنا إلى منى (١). انفرد بإخراجه مسلمٌ (٢). ٢١٠٠ - الحديث الثَّامن: قال أحمد: حدَّثنا روح ثنا أشعث عن الحسن عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله- ﷺ وأصحابه قدموا مكَّة وقد لبَّوا بحجِّ وعمرةٍ، فأمرهم رسول الله ﷺ بعدما طافوا بالبيت وسعوا بين الصَّفا والمروة أن يحلُّوا، وأن يجعلوها عمرةً، فكأن القوم هابوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «لولا إنِّي سقت الهديَ لأحللت». فحلَّ القوم وتمتَّعوا (٣). ز: رواه النَّسائيُّ من حديث أشعث (٤)، وهو حديثٌ حسنٌ O. ٢١٠١ - الحديث التَّاسع: قال أحمد: حدَّثنا يونس ثنا فُليح عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسول الله- ﷺ لبَّد رأسه وأهدى، فلمَّا قدم مكَّة أمر نساءه أن يحللن، قلن: مالك أنت لا تحلُّ؟ قال: «إنِّي قلَّدت هديي، ولبّدت رأسي، فلا أحلُّ حتَّى أحلَّ من حجّتي، وأحلق رأسي» (٥). ز: هذا الحديث لم يخرِّجه أحدٌ من أئمة «الكتب الستة» من رواية

стр. 1762

فُليح، وهو حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريِّ O. ٢١٠٢ - الحديث العاشر: قال أحمد: حدَّثنا عفَّان ثنا حمَّاد بن سلمة أنا حميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر أنَّه قال: قدم رسول الله- ﷺ مكَّة وأصحابه مهلِّين بالحجِّ، فقال رسول الله ﷺ : «من شاء أن يجلعها عمرة إلا من كان معه الهديُ» (١). ز: هذا الحديث لم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب «الكتب الستة»، ورواته ثقاتٌ، وقد رواه أحمد عن روح وعفَّان كلاهما عن حمَّاد بن سلمة، ولم يذكر المؤلِّف الحديث بكماله، بل ذكر قطعةً منه. ٢١٠٣ - وقد رواه أبو يعلى الموصليُّ بغير هذا اللفظ فقال: حدَّثنا أبو خيثمة ثنا عفَّان ثنا حمَّاد قال: حدَّث حميد عن بكر عن ابن عمر قال: قدم أصحاب رسول الله ﷺ بمكَّة ملبِّين بالحجِّ، فقال رسول الله ﷺ : «اجعلوها عمرةً إلا من كان معه الهَدْي». قالوا: يا رسول الله، يغدوا أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيًّا؟ قال: «نعم». فسطعت المجامر بالبطحاء: وقدم عليٌّ من اليمن، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «بما أهللت، فإنَّ معنا أهلك؟» قال: أهللت بما أهلَ به رسول الله- ﷺ . قال حميد: فأخبرت بذلك القوم وطاوس جالسٌ، فقال: هكذا كان الحديث (٢) O. فإن قال الخصم: فقد نقضتم أحاديثكم الأوائل بهذه الأواخر، لأنَّكم رويتم في الأوائل أنَّه تمتَّع، وفي الأواخر أنَّه تندَّم كيف ساق الهديَّ ولم يمكنه أن يفسخ؛ فأنتم بين أمرين: إمَّا أن تصحِّحوا الأوائل، فيبطل مذهبكم في فسخ الحجِّ إلى العمرة؛ أو تصحِّحوا الأواخر، فيبطل احتجاجكم بأنَّ رسول الله ﷺ تمتَّع.

стр. 1763

قالوا: ثُمَّ نتكلَّم على أحاديثكم فنقول: أمَّا الأوائل: فمعارضة بالأواخر، وبما نذكره في حجَّتنا. وأمَّا الأواخر: فإنَّه لم يأمر أصحابه بالفسخ لفضيلة التَّمتُّع، بل لأمرٍ آخر، وهو ما رويتم من حديث ابن عبَّاس أنَّ أهل الجاهليَّه كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة ليخالف المشركين. واستدلّوا عليه: ٢١٠٤ - بما روى الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا [سريج] (١) بن النُّعمان ثنا عبد العزيز بن محمَّد الدَّراورديُّ قال: أخبرني ربيعة (٢) بن أبي عبد الرَّحمن عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحجِّ لنا خاصةً أم للنَّاس عامةً؟ قال: «بل لنا خاصةً» (٣). ٢١٠٥ - وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدثنا أحمد بن عمرو بن عثمان ثنا أحمد بن عثمان بن حَكِيم ثنا أبو غسَّان ثنا قيس عن أبي حَصين عن إبراهيم التَّيميِّ عن أبيه عن أبي ذرٍّ أنَّه سئل عن متعة الحجِّ فقال: هي والله لنا أصحاب محمَّدٍ خاصةً، وليست لسائر النَّاس إلا لمحصر (٤). والجواب: أنَّه إذا صحَّت الأحاديث فلا وجه لردِّها، وإنَّما ينبغي التَّمحُّل لها، ووجه الجمع بين الأحاديث: أنَّه كان قد اعتمر وتحلَّل من العمرة، ثُمَّ أحرم بالحجِّ وساق الهديَّ، ثُمَّ أمر أصحابه بالفسخ ليفعلوا مثل

стр. 1764

فعله، لأنَّهم لم يكونوا أحرموا بعمرةٍ، ومنعَه من فسخ الحجِّ إلى عمرةٍ ثانيةٍ: عمرتُه الأولى وسوقه الهدي. فعلى هذا يجمع بين الأحاديث ولا يردُّ منها شيءٌ. فإن قالوا: كيف يصحُّ هذا التَّأويل وإنَّما عَلَّلَ بسوق الهدي، لا بفعل عمرةٍ متقدَّمةٍ. قلنا: ذكر إحدى العلَّتين دون الأخرى، وذلك جائزٌ. وقولهم: إنَّما أمرهم بالفسخ لمخالفة الجاهليَّة. قلنا: لو كان كذلك لم يفرِّق بين من ساق الهدي وبين من لم يسق، ثُمَّ إنَّه قد اعتمر في أشهر الحجِّ: ٢١٠٦ - ففي «الصَّحيحين» من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلَّها في ذي القعدة إلا التي مع (١) حجَّته (٢). ففعله هذا يكفي في البيان لأصحابه وللمشركين أنَّ العمرة تجوز في أشهر الحجِّ، فلم يحتج أن يأمر أصحابه بفسخ الحجِّ المحترم لذلك، وإنَّما فعل ذلك لأنَّه الأفضل. وأمَّا حديث ابن عبَّاس: فإنَّه لم يرد أنَّ رسول الله- ﷺ فسخ لأجل ما كان المشركون يعتمدونه، وإنَّما ذكر حال الجاهليَّة. وأمَّا حديث بلال: فقال أحمد: لا يثبت، ولا يرويه غير الدَّراورديُّ،

стр. 1765

ولا يصحُّ حديثٌ في أنَّ الفسخ كان لهم خاصةً (١). وقال: وحديث أبي ذرٍّ يرويه رجلٌ (٢) من أهل الكوفة لم يلق أبا ذرٍّ (٣). ثُمَّ (٤) إنَّه ظنٌّ من أبي ذرٍّ، يدلُّ عليه حديث ابن عبَّاس أنَّ العمرة قد دخلت في الحجِّ، وفي حديث جابر أنَّ سراقة قال: ألعامنا أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد». يريد أنَّ حكم الفسخ باقٍ على الأبد. ز: حديث الحارث بن بلال عن أبيه: رواه أبو داود (٥) والنَّسائيُّ (٦) وابن ماجة (٧) من حديث الدَّراورديِّ عن ربيعة. وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: تفرَّد به ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن عن الحارث عن أبيه، وتفرَّد به عبد العزيز الدَّراورديُّ عنه (٨). والحارث هذا: ليس بالمشهور، ولا نعلم روى عنه غير ربيعة. قال الإمام أحمد بن حنبل: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرَّجل - يعني الحارث بن بلال-. وقال: أرأيت لو عُرف الحارث بن بلال إلا أنَّ أحد عشر رجلاً من

стр. 1766

أصحاب النَّبيِّ ﷺ يروون ما يروون من الفسخ، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ وقال في رواية أبي داود: ليس يصحُّ حديث في الفسخ كان لهم خاصةً، وهذا أبو موسى الأشعريُّ يفتي به في خلافة أبي بكرٍ وشطر من خلافة عمر (١). وأمَّا حديث أبي ذرٍّ: فهو مخرَّجٌ في «الصحيح»: ٢١٠٧ - قال مسلمٌ: حدَّثنا سعيد بن منصور وأبو بكرٍ بن أبي شيبة وأبو كريب قالوا: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التَّيميِّ عن أبيه عن أبي ذرٍّ قال: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمَّد خاصةً (٢). هذا الحديث موقوفٌ على أبي ذرٍّ، وقد خالفه أبو موسى وابن عبَّاس وغيرهما. وقد قيل: إنَّ وجوب الفسخ كان خاصًا بأصحاب النَّبيِّ ﷺ ، وأمَّا غيرهم فلا يجب عليه الفسخ، بل يجوز له، والله أعلم. وأمَّا جمع المؤلِّف بين الأحاديث (بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد اعتمر وتحلَّل من العمرة، ثُمَّ أحرم بالحجِّ وساق الهديَّ) فجمعٌ ضعيفٌ جدًّا. وكذلك قول من قال: (أحرم بالحجِّ ثُمَّ أدخل عليه العمرة) ضعيفٌ أيضًا. وكذلك قول من قال: (إنَّه أفرد الحجَّ، ثُمَّ لمَّا فرغ منه اعتمر) ضعيفٌ أيضًا، لأنَّ أحدًا لم يعتمر معه بعد الحجِّ إلا عائشة.

стр. 1767

وكذلك قول من قال: (إنَّه أحرم بالعمرة أولاً وساق الهدي، ثُمَّ أدخل عليها الحجَّ، ولم يتحلَّل، لأجل الهدي) ضعيفٌ أيضًا، وإن كان أقرب من غيره. وكذلك قول من قال: (إنَّه كان قارنًا وطاف طوافن، وسعى سعيين) ضعيفٌ أيضًا. وقد ذكرنا الدَّليل على تضعيف هذه الأقوال في غير هذا الموضع، والصَّواب أنَّه صلوات الله عليه كان قارنًا، أحرم بالحجِّ والعمرة جميعًا، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا. ٢١٠٨ - وقد روى الإمام أحمد (١) والبخاريُّ (٢) وغيرهما عن عمر بن الخطَّاب قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ وهو بوادي العقيق- يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجَّة». وهذا الآتي أتاه قبل أن يصل إلى الموضع الذي أحرم منه، وهو ذو الحليفة، والله أعلم O. احتجَّ أصحاب أبي حنيفة بستَّة أحاديث: ٢١٠٩ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هُشيم ثنا عبد العزيز بن صُهيب عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة، يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا» (٣).

стр. 1768

أخرجاه في «الصَّحيحين» (١). ٢١١٠ - طريقٌ آخر: قال أحمد: حدَّثنا روح بن عبادة ثنا شعبة عن يونس بن عُبيد عن أبي قدامة الحنفيِّ قال: قلت لأنس بن مالك: بأيِّ شيءٍ كان رسول الله ﷺ يهلُّ؟ فقال: سمعته يقول سبع مرَّات: «بعمرةٍ وحجَّةٍ، بعمرةٍ وحجَّةٍ» (٢). ز: هذا الحديث لم يخرِّجه أحدٌ من أئمة «الكتب الستة» من حديث أبي قدامة عن أنس، والله أعلم O. ٢١١١ - طريقٌ آخر: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا ابن صاعد ثنا الحسين ابن الحسن المروزيُّ ثنا يزيد بن زُريع عن يونس بن عُبيد عن حُميد عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لبيك بحجَّةٍ وعمرةٍ معًا» (٣). ز: لم يخرجوه من حديث يونس عن حميد O. ٢١١٢ - الحديث الثَّاني: قال الإمام أحمد: حدَّثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعيُّ أن يحيى بن أبي كثير حدَّثه عن عكرمة مولى ابن عبَّاس قال: سمعت ابن عبَّاس يقول: سمعت عمر بن الخطَّاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو بالعقيق-: «أتاني الليلة آتٍ من ربي ؛ فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمرةٌ في حجَّةٍ».

стр. 1769

قال الوليد: يعني ذا الحليفة (١). انفرد بإخراجه البخاريُّ (٢). ٢١١٣ - الحديث الثَّالث: قال أحمد: وحدَّثنا سفيان عن عبدة بن أبي لبابة عن أبي وائل قال: قال الصُّبي بن معبد: كنت نصرانيًّا فأسلمت، وأهللت بالحجِّ والعمرة، فسمعني زيد بن صُوْحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهلُّ بهما، فقالا: لهذا أضلُّ من بعير أهله! فكأنَّما حُمل عليَّ بكلمتهما جَبَلٌ، فقدمت على عمر فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، ثُمَّ أقبل عَلَيَّ فقال: هديت لسنَّة النبيِّ ﷺ (٣). ز: رواه ابن ماجة من رواية ابن عيينة (٤)، وأخرجه أبو داود (٥) والنَّسائيُّ (٦) من حديث منصور عن أبي وائل. قال الدَّارَقُطْنِيُّ في كتاب «العلل»: وهو حديثٌ صحيحٌ (٧) O. ٢١١٤ - الحديث الرَّابع: قال أحمد: وحدَّثنا أبو معاوية ثنا حجَّاج عن الحسن بن سعد عن ابن عبَّاس قال: أخبرني أبو طلحة أنَّ رسول الله ﷺ جمع (٨) بين الحجِّ والعمرة (٩).

стр. 1770

ز: رواه ابن ماجة عن عليِّ بن محمَّد عن أبي معاوية (١)، وحجَّاج هو: ابن أرطأة، والله أعلم O. ٢١١٥ - الحديث الخامس: قال أحمد: وحدَّثنا يونس ثنا داود ابن عبد الرَّحمن عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء في ذي القعدة من قابل، والثَّالثة من الجعرانة، والرَّابعة التي مع حجَّته (٢). ز: رواه أبو داود (٣) والتِّرمذيُّ (٤) وابن ماجة (٥) من حديث داود. ورواه أبو حاتم بن حِبَّان البستيُّ من رواية داود (٦)، غير أنَّه جعله عن عمرو وعكرمة، وهو وهمٌ (٧). ورواه التِّرمذيُّ أيضًا عن سعيد بن عبد الرَّحمن عن ابن عيينة عن عمرو ابن دينار عن عكرمة أنَّ النَّبيَّ- ﷺ .... مرسل (٨). وقال عليُّ بن عبد العزيز: ليس أحدٌ يقول في هذا الحديث: (عن ابن

стр. 1771

عبَّاس (إلا داود بن عبد الرَّحمن (١). وقال البخاريُّ: داود بن عبد الرَّحمن صدوق إلا أنَّه ربَّما يهم في الشيءِ (٢) O. ٢١١٦ - الحديث السَّادس: قال أحمد: وحدَّثنا مكيُّ بن إبراهيم ثنا داود بن يزيد قال: سمعت عبد الملك الزَّزَّاد يقول: سمعت النَّزَّال بن سَبْرة يقول: سمعت سراقة يقول: قرن رسول الله- ﷺ في حجَّة الوداع (٣). ز: داود بن يزيد: هو الأوديُّ، عمُّ عبد الله بن إدريس، وقد تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة، كالإمام أحمد (٤) ويحيى بن معين (٥) وأبي داود (٦) وغيرهم. ولم يخرِّج هذا الحديث أحدٌ من أصحاب «السُّنن» من روايته. وقد رواه أخوه إدريس بن يزيد عن عبد الملك بن ميسرة عن عطاء عن طاوس عن سراقة، والله أعلم O. والجواب: أمَّا حديث أنس: فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّّ أحاديثنا أصحُّ وأكثر، ورواتها أكابر الصَّحابة، مثل عليٍّ وسعد وابن عمر. والثَّاني: أنَّ أنسًا كان صبيًّا حينئذٍ، فلعله ما فهم الحال، يدلُّ على هذا

стр. 1772

أنَّ ابن عمر ردَّ عليه ما قال: ٢١١٧ - فروى الجوزقيُّ في كتابه المخرَّج على «الصَّحيحين» من حديث بكر بن عبد الله قال: قال ابن عمر: ذهل أنس، إنَّما أهلَّ بالحجِّ. والثَّالث: أنَّ قول أنس قد تأوَّله بعض العلماء، فقال: يحتمل أن يكون أنس سمع رسول الله ﷺ يعلِّم بعض النَّاس. وأمَّا حديث عمر: ففي بعض ألفاظ «الصَّحيح»: «عمرةٌ وحجَّةٌ» (١) واللفظ الذي ذكرتموه محمولٌ على معنى تحصيلهما جميعًا، لأنَّ عمرة المتمتع واقعةٌ في أشهر الحجِّ، وعلى هذا تحمل باقي الأحاديث. وأمَّا حديث ابن عبَّاس: فقال التِّرمذيُّ: صحيحه موقوفٌ على عكرمة (٢). ز: لا يخفى على لبيب أنَّ جواب المؤلِّف هذا فيه خللٌ من وجوه عديدة، ولولا مخافة التَّطويل لذكرتها. وقوله: (أنَّ أنسًا صبيًّا حينئذٍ) غلطٌ، فإنَّه كان بالغًا بالإجماع، بل كان ابن نحو من عشرين سنة، وكأنَّ المؤلِّف نسي قوله في مسألة الجهر: (لأنَّ رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة ولأنس عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصوَّر أن يصلِّي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدَّهر يجهر؟). ٢١١٨ - وقد روى بكر عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا. قال بكر: فحدَّثت بذلك ابن عمر فقال: لبَّى بالحجِّ

стр. 1773

وحده. فلقيت أنسًا فحدَّثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما يعدونا (١) إلا صبيانًا! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبَّيك عمرةً وحجًّا». متفقٌّ عليه (٢)، وهذا لفظ مسلم O. احتجَّ أصحاب الشَّافعيِّ بثلاثة أحاديث: ٢١١٩ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرَّحمن عن مالك عن عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ أفرد بالحجِّ (٣). انفرد بإخراجه مسلم (٤). ٢١٢٠ - الحديث الثَّاني: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا البغويُّ ثنا صلت بن مسعود ثنا عبَّاد بن عبَّاد ثنا عبد الله (٥) عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحجِّ مفردًا (٦). ٢١٢١ - قال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدَّثنا ابن مخلد ثنا عليُّ بن محمَّد بن معاوية ثنا عبد الله بن نافع عن عبد الله (٧) بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 1774

استعمل عتَّاب بن أسيد على الحجِّ فأفرد، ثُمَّ استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحجَّ، ثُمَّ حجَّ النَّبيُّ ﷺ سنة عشر فأفرد الحجَّ، ثم استخلف أبا بكر (١) فبعث عمر فأفرد الحجَّ، ثم استخلف عمر فبعث عبد الرَّحمن بن عوف فأفرد الحجَّ، ثُمَّ حصر عثمان فأقام عبد الله بن عبَّاس للنَّاس فأفرد الحجَّ (٢). ٢١٢٢ - الحديث الثَّالث: قال أبو داود: حدَّثنا قتيبة ثنا الليث عن أبي الزُّبير عن جابر قال: أقبلنا مُهلِّين مع رسول الله ﷺ بالحجِّ مُفردًا (٣). والجواب: أمَّا حديث عائشة: فجوابه من سبعة أوجه: أحدها: أنَّه من أفراد مسلم، وقد روينا عنها في المتفق عليه ضدَّ هذا، وذلك مقدَّمٌ. والثَّاني: أنَّ أحاديثنا أصحُّ وأكثر. والثَّالث: أنَّ أحاديثنا تتضمَّن زيادةً، فهي أولى. والرَّابع: أنَّه محمولٌ (٤) على أنَّه أفرد أعمال العمرة عن أعمال الحجِّ، وكلذلك يفعل المتمتع. والخامس: أنَّا نحمله على أنَّه لمَّا فرغ من عمرة أحرم بحجٍّ مفردٍ، ولم يضف إليه عمرةً أخرى.

стр. 1775

والسَّادس: أنَّا نقول: قد روي أنَّه أفرد أو قرن، وأنَّ الأحاديث تعارضت، فقد بقي لنا ما لا خلاف فيه: أنَّه أمر أصحابه بالفسخ للتَّمتُّع، وتأسَّف إذ لم يمكنه ذلك لسوق الهدي، فقال: " لو أنِّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ". ولولا أنَّ التَّمتُّع هو الأفضل لم يأمر به، ولم يتأسَّف عليه. والسَّابع: أنَّه قد نقل أبو طالب عن أحمد أنَّه قال: كان هذا في المدينة - يعني ما نقل أنَّه أفرد-، فلمَّا وصل إلى مكَّة فسخ على أصحابه، وتأسَّف على التَّمتُّع، فدلَّ على أنَّه الأفضل، لأنَّه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . وهذا المعتمد عليه في جواب حديث جابر. وأمَّا حديث ابن عمر: ففي إسناده عبد الله بن نافع، قال يحيى: ليس بشيءٍ. وقال النَّسائيُّ: متروك الحديث (١). وفيه عبد الله (٢) بن عمر العُمريُّ، قال يحيى: ضعيف (٣). وقال ابن حِبَّان: يستحق التَّرك (٤). ز: حديث ابن عمر من رواية عبَّاد بن عبَّاد: رواه مسلمٌ في «صحيحه» فقال: ٢١٢٣ - حدَّثنا يحيى بن أيوب وعبد الله بن عون الهلاليُّ قالا: ثنا عبَّاد ابن عبَّاد المهلبيُّ ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في رواية يحيى:

стр. 1776

قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحجِّ مفردًا. وفي رواية ابن عون: أنَّ رسول الله- ﷺ أهلَّ بالحجِّ مفردًا (١). كذا رواه من حديث عبَّاد عن عبيد الله، والمؤلِّف ساقه من طريق الدَّارَقُطْنِيُّ وقال فيه: (عن عبد الله) كذا وجدته في النُّسخة التي نقلت منها، والصَّواب ما رواه مسلم، وكذا وجدته في نسخةٍ أخرى، والله أعلم. وأمَّا حديث ابن عمر من رواية ابن نافع: ٢١٢٤ - فروى التِّرمذيُّ عن قتيبة عن عبد الله بن نافع الصَّائغ عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفرد الحجَّ، وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (٢). وعبد الله بن عمر العمريُّ قد تكلَّم فيه غير واحدٍ من الأئمة من قبل حفظه. وأمَّا قول المؤلِّف: (وأمَّا حديث ابن عمر: ففي إسناده عبد الله بن نافع، قال يحيى: ليس بشيءٍ. وقال النَّسائيُّ: متروك الحديث) فخطأٌ منه، فإنَّ الذي تكلَّم فيه يحيى والنَّسائيُّ هو عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وأمَّا راوي هذا الحديث فهو الصَّائغ صاحب مالك، وقد روى له مسلمٌ في «صحيحه» (٣)، ووثَّقه يحيى بن معين (٤) والنَّسائيُّ (٥)، وقد تكلَّم بعض

стр. 1777

الأئمة في حفظه، وهو ممَّن يروي عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر؛ وقد ذكر المؤلِّف في كتابه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وذكر كلام يحيى والنَّسائيِّ وغيرهما فيه، ثُمَّ قال: وجملة من يجئ في الحديث (عبد الله بن نافع) سبعة، لم نر طعنًا في أحدٍ منهم سوى هذا (١)! وأمَّا حديث جابر: فرواه مسلمٌ في «صحيحه» عن قتيبة ومحمَّد بن رمح كلاهما عن الليث به (٢)، ورواه النَّسائيُّ عن قتيبة (٣). وغالب أجوبة المصنِّف عن حديث عائشة فيها نظرٌ، والله أعلم O. مسألة (٤٠١): الأفضل أن يحرم المتمتِّع بالحجِّ يوم التَّروية. وقال أبو حنيفة: يستحب تقديمه على يوم التَّروية. وقال الشَّافعيُّ: إن كان معه هديٌ أحرم يوم التَّروية بعد الزَّوال، وإن لم يكن معه هديٌ أحرم ليلة السَّادس من ذي الحجَّة. ٢١٢٥ - قال مسلم بن الحجَّاج: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حاتم ابن إسماعيل المدنيُّ عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالفسخ، فحلَّ النَّاس كلُّهم وقصَّروا إلا رسول الله ﷺ ومن كان معه هديٌ، فلمَّا كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحجِّ (٤).

стр. 1778

انفرد بإخراجه مسلمٌ. * * * * * مسألة (٤٠٢): المتمتع إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلَّل، ولكن إذا طاف وسعى للعمرة أهلَّ بالحجِّ، فإذا فرغ من الحجِّ تحلَّل منهما جميعًا. وروي عنه: أنَّه يحلُّ بالتَّقصير فقط. وروي عنه: أنَّه إن قدم قبل العشر جاز له التَّحلُّل، وإن قدم في العشر لم يجز له التَّحلُّل. قال القاضي أبو يعلى: والمذهب الصَّحيح عندي الأوَّل. لنا: حديث ابن عمر قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ متمتعين فقال: «من ساق الهدي فلا يتحلَّل، ومن لم يسق فليتحلَّل». وقد ذكرناه بإسناده في مسألة التَّمتُّع (١)، والله أعلم. * * * * * مسألة (٤٠٣): يجوز فسخ الحجِّ إلى العمرة إذا لم يسق الهديَّ، خلافًا لأكثرهم.

стр. 1779

وقد سبقت الأحاديث بأسانيدها في أنَّ رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يفسخوا الحجَّ إلى العمرة، وتأسَّف على كونه لم يفسخ لأجل سوق الهدي (١). قال أحمد بن حنبل: عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا في فسخ الحجِّ (٢). قال: ويروى في الفسخ عن عشرة من الصَّحابة. احتجَّ الخصم بحديث بلال بن الحارث، وبحديث أبي ذرٍّ، وأنَّ الفسخ كان خاصًا للصَّحابة، وقد سبق ذلك وجوابه (٣). وقال أحمد بن حنبل: حديث بلال لا أقول به، لا يعرف هذا الرَّجل ولم يروه إلا الدراورديّ، وأحد عشر رجلاً من الصَّحابة يروون عنه في الفسخ، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟! (٤). * * * * *

стр. 1780

مسائل الإحرام مسألة (٤٠٤): لا يجوز للمحرمة ليس القفَّازين. وقال أبو حنيفة: يجوز. وعن الشَّافعي كالمذهبين. ٢١٢٦ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا يعلى بن عبيد ثنا محمَّد بن إسحاق عن عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله نهى النِّساء في الإحرام عن القفَّازين والنِّقاب، وما مسَّه الورس (١) والزَّعفران من الثِّياب (٢). ٢١٢٧ - وقال التِّرمذيُّ: حدَّثنا قتيبة ثنا الليث عن نافع عن ابن عمر النَّبيِّ ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفَّازين». قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). ز: حديث ابن إسحاق: رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن يعقوب إبراهيم بن سعد عن أبيه بأطول من هذا (٤). وحديث الليث: رواه البخاريُّ عن عبد الله بن يزيد (٥)، ورواه

стр. 1781

أبو داود (١) والنَّسائيُّ (٢) جميعًا عن قتيبة كلاهما عنه به. قال البخاريُّ: تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النِّقاب والقفَّازين، وقال عبيد الله: (ولا ورس)، وكان يقول: (لا تنتقب المحرمة ولا تليس القفَّازين)، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: (لا تنتقب المحرمة)، وتابعه ليث بن أبي سليم. وقال أبو داود: وقد روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث، ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله ومالك وأيوب موقوفًا O. * * * * * مسألة (٤٠٥): لا ينقطع حكم الإحرام بالموت. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الجنائز فلتنظر من ثَمَّ (٣). * * * * * مسألة (٤٠٦): يجوز للرَّجل ستر وجهه في الإحرام. وعنه: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك.

стр. 1782

لنا: قوله ﵇ في المحرم: «ولا تخمِّروا (١) رأسه». وقد سبق في مسائل الجنائز (٢). وقد روى أصحابنا أنَّه قال في المحرم: «خمِّروا وجهه، ولا تخمِّروا رأسه». ز: في بعض ألفاظ مسلم: «ولا تغطوا وجهه، فإنَّه يبعث يلبِّي» (٣). وله أيضًا: «خارجٌ رأسُه ووجهُه» (٤). ٢١٢٨ - وقد روى الشَّافعيُّ من حديث إبراهيم بن أبي حُرَة (٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وخمِّروا وجهه، ولا تخمِّروا رأسه» (٦). وإبراهيم: وثَّقه يحيى (٧) وأحمد (٨) وأبو حاتم (٩). ٢١٢٩ - وقال الدَّارَقُطْنِيُّ في كتاب «العلل»: حدَّثنا أبو بكر الشَّافعيُّ ثنا موسى بن الحسن ثنا القَعْنَبِيُّ ثنا ابن أبي ذئب عن الزُّهريُّ عن أبان بن عثمان

стр. 1783

عن عثمان بن عفَّان: كان رسول الله ﷺ يخمِّر وجهه وهو محرمٌ. قال الدَّارَقُطْنِيُّ: هكذا كان في كتاب أبي بكر مرفوعًا، والصَّواب موقوف: ٢١٣٠ - أخبرنا إسماعيل الصَّفار وحمزة بن محمَّد قالا: ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا عليٌّ- يعني: ابن المدينيِّ- ثنا سفيان قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة أنَّه رأى عثمان بالعُرْج مخمِّرًا وجهه بقطيفة أرجوان في يوم صائفٍ وهو محرم (١). والله أعلم O. * * * * * مسألة (٤٠٧): إذا عدم الإزار وليس السَّراويل فلا فدية عليه (٢). لنا حديثان: ٢١٣١ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هُشيم أنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس قال: خطب رسود الله ﷺ فقال: «إذا لم يجد الحرم إزارًا فليلبس السَّراويل، وإذا لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين» (٣). أخرجاه في «الصَّحيحين» (٤).

стр. 1784

٢١٣٢ - طريقٌ آخر: قال أحمد: وحدَّثنا يحيى عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنَّ أبا الشَّعثاء أخبره أنَّ ابن عبَّاس أخبره أنه سمع رسول الله- ﷺ يقول: «من لم يجد إزارًا ووجد سراويل فليلبسه، ومن لم يجد نعلين ووجد خفَّين فليلبسهما». قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا (١). ز: رواه مسلم عن علي بن خَشْرَم عن عيسى بن يونس عن ابن جريج، ولم يسق متنه (٢) O. ٢١٣٣ - الحديث الثَّاني: قال أحمد: وحدَّثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن أبي الزُّبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبسهما سراويل» (٣). انفرد بإخراجه مسلمٌ (٤). احتجُّوا: ٢١٣٤ - بما رواه الإمام أحمد قال: حدَّثنا سفيان عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثِّياب؟ - وقال سفيان مرَّة: ما يترك المحرم من الثِّياب؟ - فقال: «لا يلبس القميص، ولا البُرنس، ولا السَّراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مسه الوَرْس ولا الزَّعفران، ولا الخفَّين، إلا لمن لا يجد نعلين، فمن لا يجد نعلين فليلبس الخفَّين، وليقطعهما حتَّى يكونا أسفل من الكعبين» (٥).

стр. 1785

أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في «الصَّحيحين» (١). والجواب: أنَّ الرُّواة لهذا الحديث اختلفوا، قال أبو داود: رواه موسى ابن عقبة وعبيد الله بن عمر ومالك وأيُّوب موقوفًا على ابن عمر (٢). ثُمَّ نقول: يجوز القطع (٣). * * * * * فصلٌ (٤٠٨): فإذا عدم النَّعلين ولبس الخفَّين فلا فدية. وقال أكثرهم: لا يجوز له لبسهما حتَّى يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن لبسهما لزمته الفدية. لنا: ما تقدَّم من الحديث.

стр. 1786

ز: قال صاحب «المغني» فيه: واحتجَّ أحمد: بحديث ابن عبَّاس وجابر: «من لم يجد نعلين فليلبس خفين». مع: ٢١٣٥ - قول عليٍّ ﵁: قطع الخفَّين فسادٌ، يلبسهما كما هما. مع موفقة القياس، فإنَّه ملبوسٌ أبيح لعدم غيره، فأشبه السَّراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإنَّ لبس المقطوع محرمٌ مع القدرة على النَّعلين كلبس الصَّحيح، وفيه إتلاف ماليّته، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن إضاعته. فأمَّا حديث ابن عمر: فقد قيل: إنَّ قوله: (وليقطعهما) من كلام نافع. ٢١٣٦ - كذلك رويناه في «أمالي أبي القاسم بن بشران» (١) بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ نافعًا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفَّين أسفل من الكعبن (٢). ٢١٣٧ - وروى ابن أبي موسى عن صفيَّة بنت أبي عبيد عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص للمحرم أن يليس الخفَّين ولا يقطعهما. وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفيَّة: فلمَّا أخبرته بهذا رجع. ٢١٣٨ - وروى أبو حفص في «شرحه» بإسناده عن عبد الرَّحمن بن عوف أنَّه طاف وعليه خفَّان، فقال له عمر: والخفَّان مع القباء؟! قال: قد لبستهما مع من هو خير منك- يعني رسول الله ﷺ . ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما منسوخًا، فإنَّ عمرو بن دينار روى

стр. 1787

الحديثين جميعًا، وقال: انظروا أيّهما كان قبلٌ. قال الدَّارَقُطْنِيُّ (١): قال أبو بكر النَّيسابوريُّ: حديث ابن عمر قَبلُ، لأنَّه قد جاء في بعض رواياته قال: (نادى رجلٌ رسول الله ﷺ وهو بالمسجد- يعني المدينة-) فكأنَّه كان قبل الإحرام، وفي حديث ابن عبَّاس يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات يقول: «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين»). فيدلُّ على تأخره عن حديث ابن عمر، فيكون ناسخًا له، لأنَّه لو كان القطع واجبًا لبيَّنه للنَّاس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه؟ والمفهوم من إطلاق لبسِهما: لبسُهما على حالهما من غير قطعٍ. والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصَّحيح، وخروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط (٢). انتهى كلامه O. * * * * * مسألة (٤٠٩): لا يجوز لبس الخفِّ المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النَّعل، فإن لبس افتدى، خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشَّافعيِّ. لنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شرط في جواز لبسهما عدم النَّعلين على ما تقدَّم. * * * * *

стр. 1788

مسألة (٤١٠): لا يجوز له تظليل المحمل، فإن ظلَّل ففي الفدية روايتان. وقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ: يجوز ولا فدية عليه. لنا: أنَّ رسول الله وأصحابه دخلوا مكة مُضْحِين، وقال: «خذوا عنِّي». احتجُّوا: ٢١٣٩ - بما رواه أبو داود، قال: حدَّثنا أحمد بن حنبل ثنا محمَّد بن [سلمة] (١) عن أبي عبد الرَّحيم عن زيد بن أبي أُنيسة عن يحيى بن حُصَين عن أم الحُصَين قالت: حججنا مع النَّبيِّ- ﷺ حجَّة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة النَّبيِّ ﷺ ، والآخر رافعٌ ثوبه يستره من الحرِّ، حتَّى رمى جمرة العقبة (٢). والجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ أبا عبد الرَّحيم ضعيفٌ. والثَّاني: أنَّه يحتمل أن يكون رافع الثَّوب لم يظلِّل به، وإنَّما رفعه من ناحية الشَّمس. ز: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، رواه مسلمٌ في «صحيحه» عن أحمد

стр. 1789

ابن حنبل (١)، ورواه النَّسائيُّ عن أبي أميَّة عمرو بن هشام الحرانيِّ عن محمَّد بن سلمة بإسناده نحوه (٢). وأبو عبد الرَّحيم هو: الحرانيُّ، واسمه: خالد بن أبي يزيد، وقد وثَّقه يحيى بن معين (٣) وغيره، واحتجَّ به مسلمٌ في «صحيحه» (٤) ولا نعلم أحدًا تكلَّم فيه، وقد أخطأ المؤلِّف في تضعيفه: وهو [راوية] (٥) زيد بن أبي أنيسة، وخال محمَّد بن سلمة- الرَّاوي عنه-، ومحمَّدٌ أروى النَّاس عنه. ولم يتفرَّد أبو عبد الرَّحيم بهذا الحديث عن زيد، فقد رواه مسلمٌ من رواية معقل بن عبيد الله عن زيد (٦). وقد قيل: إنَّ الوجه الثَّاني الذي ذكره المؤلِّف لا يستقيم، فإنَّ التَّظليل على النَّبيِّ ﷺ إنَّما كان بعد الزَّوال، والشَّمس في الصَّيف، وهي على أعلى الرؤوس، فتعيَّن كون التَّظليل على رأسه صلوات الله عليه (٧) O. * * * * *

стр. 1790

مسألة (٤١١): إذا ادَّهن بالشَيْرَج (١) والزَّيت فلا فدية عليه. وعنه: عليه الفدية، كقول أبي حنيفة. وقال الشَّافعيُّ: إن دهن رأسه أو وجهه فعليه الفدية، وفي بقية البدن كقولنا. ٢١٤٠ - قال التَّرمذيًّ: حدَّثنا هنَّاد ثنا وكيع عن حمَّاد بن سلمة عن فرقد السَّبخيِّ عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدّهن بالزَّيت- وهو محرمٌ- غير مُقَتَّت (٢). والمُقَتَّتُ: المطيَّب (٣). قال المصنِّف: لا يعرف إلا من حديث فرقد، وقد ضعَّفوه. ز: رواه الإمام أحمد (٤) وابن ماجة (٥) من حديث فرقد أيضًا، والأكثر على تضعيفه، وقد وثَّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد الدَّارميِّ عنه (٦).
следующие страницы →