أخرجاه في «الصحيحين» (١).
٣٠٦٥ - وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو المغيرة ثنا صفوان بن عمرو قال: حدَّثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك وخالد ابن الوليد أنَّ رسول الله ﷺ لم يخمس السلب (٢).
ز: رواه أبو داود عن سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عيَّاش عن صفوان بن عمرو، وزاد فيه: (قضى بالسَّلب للقاتل) (٣).
٣٠٦٦ - وهذا القول قد روي في «صحيح مسلم» أن عوف بن مالك قال لخالد بن الوليد: ألم تعلم أنَّ النبيَّ ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى (٤) O.
مسألة (٧٤٣): يصحُّ أمان العبد.
وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ، إلا أن يأذن له السيد في القتال.
٣٠٦٧ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم التيميِّ عن أبيه قال: خطبنا عليٌّ، فقال: من زعم أنَّ عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة- صحيفة فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات-،
فقد كذب، وفيها: «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» (٥).
стр. 2487
ز: رواه مسلم عن أبي بكر وغيره عن أبي معاوية (١)، ورواه هو أيضًا والبخاريُّ من رواية جماعة عن الأعمش (٢) O.
٣٠٦٨ - قال أحمد: وحدَّثنا منصور بن سلمة الخزاعيُّ ثنا سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «يجير على أمَّتي أدناهم» (٣).
ز: هذا إسنادٌ حسنٌ.
وكثير: صدوقٌ، وقد تكلَّم فيه بعض الأئمة O.
٣٠٦٩ - وقال مسلمٌ: حدَّثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر ثنا أبو النضر ثنا عبد الله الأشجعيُّ عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم».
انفرد بإخراجه مسلمٌ (٤).
٣٠٧٠ - وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا أبو معاوية ثنا عاصم الأحول عن فضيل بن زيد أنَّ عبدًا أمَّن قومًا، فأجاز عمر أمانه (٥).
ز: فضيل بن زيد الرَّقاشيُّ: وثَّقه ابن معين (٦).
стр. 2488
٣٠٧١ - وقد روى البيهقيُّ بإسناد ضعيفٍ عن عليٍّ مرفوعًا: «ليس للعبد من الغنيمة شيء إلا خُرْثِي (١) المتاع، وأمانه جائز، وأمان المرأة جائز إذا هي أعطت القوم الأمان» (٢) O.
* * * * *
стр. 2489
مسائل الخيل (١)
مسألة (٧٤٤): يستحق الفارس ثلاثة أسهم.
وقال أبو حنيفة: سهمين.
لنا أربعة أحاديث:
٣٠٧٢ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عتَّاب ثنا عبد الله أنا فليح بن محمَّد عن المنذر بن الزبير عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ أعطى الزبير سهمًا، وأمه سهمًا، وفرسه سهمين (٢).
ز: كذا رواه عن أحمد (٣): (عن فليح بن محمَّد عن المنذر بن الزبير).
وفليح والمنذر: ليسا بمشهورين.
وقال البخاريُّ في «تاريخه»: فليح بن محمَّد بن المنذر بن الزبير بن العوَّام، القرشيُّ، المدينيُّ، عن أبيه مرسل، روى عنه ابن المبارك (٤) O.
٣٠٧٣ - الحديث الثاني: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الآدميُّ ثنا محمَّد بن الحسين الحنينيُّ ثنا معلَّى بن أسد ثنا محمَّد بن حمران
стр. 2490
قال: حدَّثني عبد الله بن بسر (١) عن أبي كبشة الأنماريِّّ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكَّة كان الزبير على المجنبة اليسرى، وكان المقداد على المجنبة اليمنى، فلما دخل رسول الله ﷺ مكَّة، وهدأ الناس، جاءا بفرسيهما، فقام رسمول الله ﷺ يمسح الغبار عنهما، وقال: «إني قد جعلت للفرس سهمين، وللفارس سهمًا، فمن نقصهما نقصه الله » (٢).
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه.
وأبو كبشة: له صحبة، وقد اختلف في اسمه.
والراوي عنه: عبد الله بن بُسر السَّكْسَكيُّ، الحُبْرَانيُّ، الحمصيُّ، وقد تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة، قال يحيى بن سعيد: لا شيء (٣). وقال أبو حاتم (٤) والدَّارَقُطْنِيُّ (٥) وغيرهما: ضعيف الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس
بثقة (٦). وذكره ابن حِبَّان في «الثقات» (٧).
ومحمَّد بن حمران القيسيُّ: محلُّه الصدق، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ (٨). وذكره ابن حِبَّان في «الثقات» وقال: يخطئ (٩). وقال ابن
стр. 2491
عَدِيٍّ: له أفراد وغرائب، ما أرى به بأسًا (١) O.
٣٠٧٤ - الحديث الثالث: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا الحسين بن إسماعيل ثنا فضل بن سهل ثنا أحوص بن جواب ثنا قيس بن الربيع عن محمَّد بن عليٍّ عن أبي حازم عن أبي رُهْم قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أنا وأخي، ومعنا فرسان، فأعطانا ستة أسهم: أربعة أسهم لفرسينا، وسهمين لنا (٢).
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه.
وأبو رُهْم: مختلفٌ في صحبته.
وقيس: ضعَّفه غير واحد من الأئمة O.
٣٠٧٥ - الحديث الرابع: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: وحدَّثنا عثمان بن جعفر ثنا محمَّد بن عثمان بن كرامة ثنا أبو أسامة ثنا عبيد الله بن عمر (٣) عن نافع عن ابن عمر قال: أسهم رسول الله ﷺ للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا (٤).
ز: رواه البخاريُّ عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة (٥) O.
احتجُّوا بحديثين:
٣٠٧٦ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسحاق بن عيسى ثنا مُجمِّع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدِّث عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد
стр. 2492
الأنصاريِّ عن عمِّه مُجمِّع بن جارية (١) قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا (٢).
قال أبو داود: وحديث مُجمِّع فيه وهمٌ (٣).
ز: رواه أبو داود عن محمَّد بن عيسى عن مُجَمِّع، وذكر أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ.
ويحتمل أن يكون في هذا الحديث (أعطى الفارس سهمين) يعني بفرسه، (وأعطى الراجل سهمًا) يعني صاحبه، فتكون ثلاثة أسهم، والله أعلم O.
٣٠٧٧ - الحديث الثاني: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا أبو بكر النيسابوريُّ ثنا أحمد بن منصور ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن نمير ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا.
قال أبو بكر النيسابوريُّ: هذا عندي وهمٌ من أبي بكر بن أبي شيبة، أو من الرماديِّ، لأنَّ أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا. على ما تقدَّم (٤).
стр. 2493
قال النيسابوريُّ: وقد رواه نعيم بن حمَّاد عن ابن المبارك عن عبيد الله كما روى ابن أبي شيبة، ولعل الوهم من نعيم (١)، لأنَّ ابن المبارك من أثبت الناس (٢).
وقد رواه عبد الله بن عمر عن نافع أيضًا، وعبد الله ضعيفٌ.
قال خالد الحذَّاء: لا يختلف فيه عن النبيِّ ﷺ : أنَّ للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمٌ (٣).
ز: روى مسلمٌ في «صحيحه» عن محمَّد بن عبد الله بن نمير عن أبيه بإسناده أنَّ رسول الله ﷺ قسم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا (٤) O.
* * * * *
مسألة (٧٤٥): ويسهم لفرسين.
وقال أكثرهم: لا يسهم لأكثر من واحد.
٣٠٧٨ - قال سعيد بن منصور: حدَّثنا ابن عيَّاش عن الأوزاعيِّ أنَّ رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس (٥).
стр. 2494
٣٠٧٩ - قال سعيد: وحدَّثنا فرج بن فضالة ثنا محمَّد بن الوليد الزبيديُّ عن الزهريِّ أنَّ عمر بن الخطَّاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح أن أسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهمًا، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهو جنائب (١).
* * * * *
مسألة (٧٤٦): لا يفرَّق في السبي بين كلِّ ذي رحم محرَّم.
وقال أكثرهم: يجوز، مع اختلاف قولهم في التفريق في البيع.
وقد ذكرنا في البيع أحاديث في المنع من ذلك، منها: حديث أبي موسى: «لعن الله من فرَّق بين والدة وولدها» (٢).
* * * * *
مسألة (٧٤٧): إذا عدم أبوا الطفل أو أحدهما حكم بإسلامه، خلافًا لأكثرهم.
٣٠٨٠ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزَّاق ثنا معمر عن همَّام بن منبِّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه» (٣).
стр. 2495
أخرجاه في «الصحيحين» (١).
فوجه الحجَّة: أنَّه جعله تبعًا لهم.
مسألة (٧٤٨): إذا غلَّ من الغنيمة أحرق رحله، إلا السلاح، والمصحف، والحيوان.
وقال أكثرهم: لا يجوز.
٣٠٨١ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا عبد العزيز بن محمَّد ثنا صالح بن محمَّد بن زائدة عن سالم بن عبد الله أنَّه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلول، فسأل سالم ابن عبد الله، فقال: حدَّثني عبد الله عن (٢) عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من وجدتم في متاعه غلولا فأحرقوه». قال: وأحسبه قال: واضربوه. قال: فأُخرج متاعه إلى السوق، فوُجد فيه مصحف، فسأل سالمًا، فقال: بعه، وتصدق بثمنه (٣).
قالوا: تفرَّد به صالح، وقد ضعَّفه يحيى (٤) والدَّارَقُطْنِيُّ (٥).
وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمَّد.
стр. 2496
قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ (١).
قلنا: قد قال أحمد بن حنبل: ما أرى بصالح بأسًا (٢).
ز: هذا الحديث رواه أبو داود (٣) والترمذيُّ (٤) من حديث الدَّرَاوْرَدِيِّ، وهو عندهما من مسند ابن عمر (٥).
وقال الترمذيُّ: حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت
стр. 2497
محمَّدا عن هذا، فقال: إنما رواه صالح بن محمَّد، وهو منكر الحديث.
وقال البخاريُّ أيضًا في صالح: تركه سليمان بن حرب، روى عن سالم عن أبيه عن عمر رفعه: «من وجدتموه قد غلَّ فاحرقوا متاعه»، لا يتابع عليه، وقال النبيُّ ﷺ : «صلُّوا على صاحبكم» ولم يحرِّق متاعه (١).
وقد سئل الدَّارَقُطْنِيُّ أيضًا عنه، فقال: يرويه أبو واقد صالح بن محمَّد ابن زائدة عن سالم عن أبيه عن عمر عن النبيِّ ﷺ ، وأبو واقد هذا ضعيفٌ، والمحفوظ أنَّ سالمًا أمر بهذا، ولم يرفعه إلى النبيِّ ﷺ ، ولا ذكره عن أبيه، ولا عن عمر (٢).
٣٠٨٢ - وقال أبو داود: حدَّثنا أبو صالح الأنطاكيُّ ثنا أبو إسحاق عن صالح بن محمَّد قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبد الله بن
стр. 2498
عمر وعمر بن عبد العزيز، فغلَّ رجلٌ متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه.
قال أبو داود: وهذا أصحُّ الحديثين (١). وقد روى إحراق متاع الغال من حديث عمرو بن شعيب، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٧٤٩): هدايا الأمراء كبقية أموال الفيء، لا يختصون بها.
وعنه: يختصون، كقول أبي حنيفة.
لنا حديثان:
٣٠٨٣ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا سفيان عن الزهريِّ عن عروة عن أبي حميد الساعديِّ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً يقال له: ابن اللتبية على صدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقام
رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: «ما بال العامل نبعثه فيقول: (هذا لكم، وهذا أهدي لي)؟! أفلا جلس في بيت أبيه وأمِّه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء، إلا جاء به يوم القيامة على رقبته» (٢).
أخرجاه في «الصحيحين» (٣).
стр. 2499
٣٠٨٤ - الحديث الثاني: قال أحمد: وحدَّثنا إسحاق بن عيسى ثنا إسماعيل بن عيَّاش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعديِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «هدايا العمال غلول» (١).
ز: إسماعيل: ضعيفٌ في روايته عن الحجازيين، ولم يخرِّجوا حديثه هذا، والله أعلم O.
٣٠٨٥ - طريق آخر: [أخبرنا ابن ناصر أنا المبارك] (٢) بن عبد الجبار أنا عبيد الله بن عمر بن شاهين ثنا محمَّد بن الحسين بن كوثر ثنا إبراهيم الحربيُّ ثنا محمَّد بن هارون ثنا يعقوب بن كعب عن محمَّد بن حمير عن خالد بن حميد عن يحيى بن نعيم عن عطاء عن ابن عبَّاس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «هدايا الأمراء غلول».
ز: لم يخرِّجوه بهذا الإسناد.
ويحيى: لا أعرفه.
ومحمَّد بن الحسن بن كوثر أبو بحر البَرْبَهَارِيُّ: شيخٌ تكلَّموا فيه، والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2500
مسائل الأراضي (١)
مسألة (٧٥٠): مكَّة فتحت عنوة.
وعنه: أنَّها فتحت صلحا، كقول الشافعيِّ (٢).
لنا ثلاثة أحاديث:
٣٠٨٦ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا حجَّاج ثنا ليث قال: حدَّثني سعيد المقبريُّ عن أبي شريح عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في الغد من يوم الفتح: «إنَّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنَّما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلِّغ الشاهد الغائب» (٣).
٣٠٨٧ - الحديث الثاني: قال البخاريُّ: حدَّثنا يحيى بن موسى ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعيُّ قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثير قال: حدَّثني أبو سلمة قال: حدَّثني أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: " إنَّ الله حبس عن مكَّة
стр. 2501
الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنَّها لا تحلُّ لأحد من بعدي، وإنَّما أحلَّت لي ساعة من نهار " (١).
الحديثان في «الصحيحين».
٣٠٨٨ - الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدَّثنا بهز وهاشم قالا: ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البُنانيِّ عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنَّه ذكر فتح مكَّة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكَّة، فبعث الزبير على إحدى المُجَنِّبتين، وبعث خالدًا على المُجَنِّبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر (٢)، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبته. قال: وقد وبَّشَت قريش أوباشها (٣)، وقالوا: نقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. قال أبو هريرة: ففطن (٤)، فقال لي: «يا أبا هريرة».
قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «اهتف لي بالأنصار، ولا يأتني إلا أنصاريّ».
فهتفت بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله ﷺ ، فقال: «ترون إلى أوباش قريس وأتباعهم». ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا، حتَّى توافوني بالصفا». قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، فقال أبو سفيان: أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله ﷺ : «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فغلق الناس أبوابهم، فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحَجَر، فاستلمه، ثم
стр. 2502
طاف بالبيت، وفي يده قوس أخذ بسِيَةِ (١) القوس، فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، فجعل يطعن بها في عينه، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل». ثم أتى الصفا، فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل
يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه (٢).
انفرد بإخراجه مسلمٌ (٣).
وقد استدلَّ أصحابنا بحديث لا يصلح الاستدلال به:
٣٠٨٩ - قال أبو أحمد بن عَدِيٍّ: حدَّثنا أبو يعلى ثنا زهير بن حرب ثنا محمَّد بن الحسن المدينيُّ قال: حدَّثني مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «فتحت القرى بالسيف، وفتحت المدينة بالقرآن» (٤).
قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، لم يسمع من حديث مالك ولا هشام، إنما هذا قول مالك، لم يروه عن أحد، قد رأيت هذا الشيخ- يعني محمَّد بن الحسن- وكان كذَّابًا (٥).
стр. 2503
قال المصنِّف: قلت: وكذا قال أبو داود (١) ويحيى بن معين (٢): كان هذا الشيخ كذَّابًا.
ز: محمَّد بن الحسن هذا، هو: ابن زَبَالة، المخزوميُّ، قال ابن عَدِيٍّ: أنكر ما روى حديث هشام بن عروة: (فتحت القرى بالسيف) (٣).
وقال معاوية بن صالح: قال لي يحيى بن معين: محمَّد بن الحسن الزَّبَاليُّ - والله- ما هو بثقة، حدَّث- عدو الله- عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبيِّ ﷺ : «فتحت المدينة بالقرآن، وفتحت سائر البلاد بالسيف» (٤). وقال أحمد بن صالح المصريُّ: كتبت عنه مائة ألف حديث، ثم تبيَّن لي أنَّه كان يضع الحديث، فتركت حديثه (٥). وقال أبو حاتم: عنده مناكير، وليس بمتروك الحديث (٦). وقال أبو داود: كذَّابًا المدينة: محمَّد بن الحسن بن زَبَالة ووهب بن وهب أبو البَختريِّ، بلغني أنَّه كان يضع الحديث بالليل على السراج (٧). وقال النَّسائيُّ في ابن زَبَالة: متروك الحديث (٨). والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2504
مسألة (٧٥١): لا يجوز بيع رباع مكَّة.
وعنه: يجوز كقول الشافعيِّ.
وهذه مبنيَّة على التي قبلها، إن قلنا: إنَّها فتحت عنوة، صارت وقفًا على المسلمين؛ وإن قلنا: صلحًا، فهي باقية على أهلها.
وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب البيع (١).
""طيه طيه طيه
مسألة (٧٥٢): إذا ملكت الأرض عنوة، فالإمام مخيَّر بين: قسمتها بين الغانمين؛ وبين إيقافها على جماعة المسلمين.
وعنه: تجب قسمتها بين الغانمين، كقول الشافعيِّ.
وعنه: أنَّها تصير وقفًا على جماعة المسلمين بنفس الظهور، ولا يجوز قسمتها، كقول مالك.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخيَّر بين: قسمتها؛ وبين إقرار أهلها عليها بالخراج؛ وبن صرفهم عنها، ويأتي بقوم آخرين يضرب عليهم الخراج؛ وليس له أن يقفها.
لنا على الشافعيِّ (٢):
стр. 2505
٣٠٩٠ - ما رواه أبو داود، قال: حدَّثنا الربيع بن سليمان المؤذِّن ثنا أسد بن موسى ثنا يحيى بن زكريا قال: حدَّثني سفيان عن يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار عن سهل بن أبي حَثْمة قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصف لنوائبه وحاجته، ونصف بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا (١).
ز: هذا الحديث انفرد به أبو داود، وإسناده جيِّد.
ويحيى بن زكريا المؤذِّن، أبي زائدة: أحد الثقات.
ورواه الطبرانيُّ عن المقدام بن داود عن أسد (٢) O.
* * * * *
مسألة (٧٥٣): يجوز إخراج النفل من أربعة أخماس الغنيمة.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: يكون ذلك من خمس الخمس الذي للمصالح.
لنا حديثان:
٣٠٩١ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا سفيان عن أيُّوب عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ بعث سرية إلى نجد، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (٣).
стр. 2506
أخرجاه (١).
٣٠٩٢ - الحديث الثاني: قال أحمد: وحدَّثنا حمَّاد بن خالد الخيَّاط عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن زياد بن جارية (٢) عن حبيب بن مسلمة أنَّ رسول الله ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بداته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (٣).
ز: رواه أبو داود عن القواريريِّ عن ابن مهديٍّ عن معاوية (٤).
وقد رواه غير واحدٍ عن مكحول، وفي إسناده اختلافٌ.
ورواه سليمان بن موسى عن زياد، ورواه أيضًا عن مكحول عنه.
وقد روي من حديث عبادة بن الصامت، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٧٥٤): ما فضل من أموال الفيء عن المصالح، فإنَّه لجميع المسلمين، غنيهم وفقيرهم.
وقال الشافعيُّ: يختص بالمصالح.
٣٠٩٣ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزَّاق ثنا معمر عن الزهريِّ عن
стр. 2507
مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال عمر: إنَّ الله خصَّ نبيه ﷺ من هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره، فقال: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) [الحشر: ٦] فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، والله ما اختارها (١) دونكم، ولا استأثر بها عليكم، وكان ينفق على أهله منه
سنة، ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله (٢).
ووجه الحجَّة: أنَّ الآيات استوعبت كلَّ النَّاس.
ز: هذا الحديث مخرَّج في «الصحيح» من رواية معمر وغيره عن الزهريِّ (٣)، والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2508
مسائل الجزية
مسألة (٧٥٥): المجوس لا كتاب لهم، خلافًا لأحد قولي الشافعيِّ.
٣٠٩٤ - قال أبو داود: حدَّثنا أحمد بن سنان الواسطيُّ ثنا محمَّد بن بلال عن عمران القطَّان عن أبي جمرة (١) عن ابن عبَّاس قال: إنَّ أهل فارس لمَّا مات نبيُّهم، كتب لهم إبليس المجوسيَّة (٢).
ز: عمران القطَّان: مختلفٌ في توثيقه.
ومحمَّد بن بلال الكنديُّ التمَّار: وثَّقه ابن حِبَّان (٣)، وقال أبو داود: ما سمعت إلا خيرًا (٤). وقال ابن عَدِيٍّ: يُغرب عن عمران، وأرجو أنَّه لا بأس به (٥) O.
٣٠٩٥ - وقال الشافعيُّ: ثنا سفيان عن سعيد بن المرزبان عن نصر بن عاصم قال: قال فروة بن نوفل: على ما تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا بأهل كتاب؟! فقام إليه المستورد، فأخذ بتلابيبه، وقال: يا عدو الله، تطعن
على أبي بكر وعمر وعلى أمير المؤمنين- يعني عليًّا- وقد أخذوا منهم الجزية.
فذهب به إلى القصر، فخرج عليهم عليٌّ، فقال: ألبدا (٦) أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علمٌ يعلمونه، وكتابٌ يدرسونه، وإنَّ ملكهم سَكِر فوقع
стр. 2509
على ابنته أو أمِّه (١)، فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلمَّا صحا (٢)، جاءوا يقيمون عليه الحدَّ، فامتنع منهم، فدعا أهل مملكته، فقال: تعلمون دينا خيرا من دين آدم؟! قد كان يُنكح بنيه من بناته، فأنا على دين آدم، وما يرغب بكم عن دينه؟! فبايعوه (٣)، وقاتلوا الذين خالفوهم حتَّى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية (٤).
قال المصنِّف: سعيد بن المرزبان: مجروحٌ، قال يحيى بن سعيد: لا أستحل أن أروي عنه (٥). وقال يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه (٦).
وقال الفلاس: متروك الحديث (٧). وقال أبو أسامة: كان ثقة (٨). وقال أبو زرعة: صدوقٌ، مدلِّسٌ (٩).
стр. 2510
٣٠٩٦ - قال الشافعيُّ: وأنا مالك عن جعفر بن محمَّد عن أبيه أنَّ عمر ابن الخطَّاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري ما أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب (١).
ز: هذا منقطعٌ، لأنَّ محمَّد بن عليٍّ: لم يلق عمر، ولا عبد الرحمن ابن عوف.
وقد رواه عبيد الله بن عبد المجيد الحنفيُّ عن مالك عن جعفر عن أبيه عن جدِّه، فزاد ذكر جعفر، وهو أيضًا منقطعٌ، لأنَّ عليَّ بن الحسين لم يلق عمر ولا عبد الرحمن.
وقد روي في هذا عن عبد الرحمن من وجه آخر متصل، لكن في إسناده من تجهل حاله:
٣٠٩٧ - قال ابن أبي عاصم: ثنا إبراهيم- يعني: ابن الحجَّاج- الساميُّ ثنا أبو رجاء- جار كان لحمَّاد بن سلمة- ثنا الأعمش عن زيد بن وهب قال: كنت عند عمر بن الخطَّاب، فذكر من عنده علم من المجوس، فوثب عبد الرحمن بن عوف، قال: أشهد بالله على رسول الله ﷺ لسمعته يقول: «إنَّما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب» (٢) O.
٣٠٩٨ - وقال الإمام أحمد: حدَّثنا سفيان عن عمرو سمع بَجَالة يقول: لم يكن عمر قَبِل الجزية من المجوس، حتَّى شهد عبد الرحمن بن عوف
стр. 2511
أنَّ رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر (١) انفرد بإخراجه البخاريُّ (٢).
* * * * *
مسألة (٧٥٦): إذا مرَّ الحربيُّ بمال التجارة على عاشر المسلمين، أخذ منه العشر، وإن كان ذميًّا نصف العشر.
وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منهم، إلا أن يكونوا يأخذون منا.
وقال مالكٌ: يؤخذ منهم إذا باعوا امتعتهم.
وقال الشافعيُّ: إن اشترط ذلك عليهم جاز أخذه.
٣٠٩٩ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا جرير عن عطاء بن السائب عن حرب بن هلال عن أبي أميَّة- رجل من تغلب- أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليس على المسلمين عشور، إنَّما العشور على اليهود والنصارى» (٣).
٣١٠٠ - طريق آخر: قال أبو داود: حدَّثنا محمَّد بن إبراهيم البزَّاز ثنا أبو نعيم ثنا عبد السلام عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفيِّ عن جدِّه- رجل من بني تغلب- قال: أتيت النبيَّ ﷺ فأسلمت، وعلَّمني الإسلام، وعلَّمني كيف آخذ الصدقة من قومي، فقلت: يا رسول الله، أعشرهم؟ قال: «لا، إنَّما العشور على النصارى واليهود» (٤).
стр. 2512
ز: رواه أبو داود أيضًا عن مسدَّد عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن جدِّه- أبي أمِّه- عن أبيه بنحوه مختصر.
وعن محمَّد بن عبيد المحاربيِّ عن وكيع عن سفيان عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن النبيِّ ﷺ بمعناه.
وعن ابن بشَّار عن عبد الرحمن عن سفيان عن عطاء عن رجل من بكر ابن وائل عن خاله، قال: قلت: يا رسول الله أعشِّر قومي … بمعناه (١).
وحرب: روى له أبو داود هذا الحديث وحده، تفرَّد به عنه عطاء بن السائب، وكان ممن اختلط، واختلف عليه فيه على وجوه كثيرة، أشبهها ما رواه الثوريُّ عنه، فيما قيل، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٧٥٧): إذا ذكر الذميُّ الله تعالى ورسوله وكتابه بما لا ينبغي انتقضت ذمَّته.
وقال أبو حنيفة: لا تنتقض بذلك.
٣١٠١ - قال أبو داود: حدَّثنا عبَّاد بن موسى ثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدَّثني إسرائيل عن عثمان الشحَّام عن عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّ أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت له أمُّ ولد، وكانت تشتم رسول الله ﷺ ، وتقع فيه، فيزجرها فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة، ذكرت النبيَّ ﷺ فوقعت فيه، فأخذ المعول، فوضعه في بطنها واتكأ
стр. 2513
عليه، فقتلها، فذُكر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فجمع الناس، وقال: «أنشد الله رجلا لي عليه حقٌّ فعل ما فعل إلا قام» (١). فأقبل الأعمى يتزلزل، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، فلما كان البارحة، جعلت تشتمك، فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليها، حتَّى قتلتها، فقال رسول الله ﷺ : «ألا اشهدوا أنَّ دمَها هدرٌ» (٢).
ز: رواه النَّسائيُّ عن عثمان بن عبد الله عن عبَّاد (٣)، وإسناده جيِّد، فإنَّ عكرمة احتجَّ به البخاريُّ (٤) وكثر الأئمة.
وعثمان الشحَّام: احتجَّ به مسلمٌ (٥) وغيره.
وباقي الإسناد: مخرَّج لهم في «الصحيحين».
وقد رواه أبو بكر بن أبي عاصم عن إسماعيل بن سالم عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل (٦) O.
٣١٠٢ - وقال النَّسائيُّ: حدَّثنا (٧) عمرو بن عليٍّ ثنا معاذ بن معاذ ثنا شعبة عن توبة العنبريِّ عن عبد الله بن قدامة عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصدِّيق، فقلت: أقتله؟ فانتهرني، وقال: ليس هذا لأحد بعد
стр. 2514
رسول الله ﷺ (١).
ز: عبد الله بن قدامة: وثَّقه النَّسائيُّ (٢)، وروى هذا الحديث أيضًا من غير وجه عن أبي برزة (٣)، ورواه أحمد (٤) وأبو داود (٥) والنَّسائيُّ (٦) من رواية عبد الله بن مطر عن أبي برزة O.
* * * * *
مسألة (٧٥٨): إذا شرط الإمام في عقد الهدنة: من جاءه من الرجال مسلمًا رد إليهم، أو صالح الأمير أهل الحرب على أن يبعث إليهم بمال فإن لم يقدر رجع إليهم، لزم الوفاء بالشرطين.
وقال الشافعيُّ: لا يلزم الوفاء بذلك، إلا أن يكون من جاءه من الرجال مسلمًا له عشيرة تمنع منه، فإنَّه يردُّه.
٣١٠٣ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزَّاق عن معمر عن الزهريِّ عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ زمان الحديبية، وكتبوا بينهم كتابًا، وردَّ أبا جندل، ورجع إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، فردَّه (٧).
стр. 2515
انفرد بإخراجه البخاريُّ (١).
* * * * *
مسألة (٧٥٩): يمنع الذمِّيُّ من استيطان الحجاز.
وقال أبو حنيفة: لا يمنع.
٣١٠٤ - قال الترمذيُّ: حدَّثنا الحسن بن عليٍّ الخلال ثنا عبد الرزَّاق أنا ابن جريج أنا أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني عمر بن الخطَّاب أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلمًا».
قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ (٢).
ز: رواه مسلمٌ عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزَّاق، ورواه من غير وجه عن أبي الزبير (٣) O.
* * * * *
مسألة (٧٦٠): ما تشعث من البِيَع والكنائس، أو انهدم لم يجز رمه، ولا بناؤه، في إحدى الروايات، وهي اختيار أبي سعيد الإصطخريِّ وأبي عليٍّ
стр. 2516
ابن أبي هريرة من الشافعيَّة.
والثانية: يجوز، كقول أكثر الفقهاء.
والثالثة: يجوز عمارة ما تشعث، فأمَّا إن استولى الخراب على جميعها، لم يجز إنشاؤها، وهي اختيار أبي بكر الخلال.
٣١٠٥ - أنبأنا ابن خيرون قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب قال: أنا ابن رزقويه بإسناد له عن عمر بن الخطَّاب عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تبنى كنيسة في الإسلام، ولا يجدَّد ما خرب منها» (١).
ز: هذا الحديث لا يثبت مرفوعًا، والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2517
مسائل الصيد
مسألة (٧٦١): إذا أكل الكلب من الصيد لم يبح.
وعنه: أنَّه يباح، كقول مالك.
وعن الشافعيِّ كالمذهبين.
٣١٠٦ - قال البخاريُّ: حدَّثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبيِّ عن عديِّ بن حاتم قال: سألت النبيَّ ﷺ ، فقال: " إذا أرسلت كلبك المعلَّم فقتل، فكل، فإذا أكل فلا تأكل، فإنَّما أمسكه على
نفسه " (١).
أخرجاه في «الصحيحين» (٢).
احتجُّوا:
٣١٠٧ - بما رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد الله بن مبشِّر ثنا أحمد بن المقدام ثنا يزيد بن زريع ثنا حسين (٣) المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ يقال له: أبو ثعلبة- فقال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال: «إن كانت لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك». قال: ذكيٌّ وغير ذكيٍّ؟ قال: " ذكيٌّ وغير
стр. 2518
ذكيٍّ «. قال: وإن أكل منه؟ قال:» وإن أكل منه «. قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي؟ قال:» كل ما رد عليك قوسك «. قال: ذكيٌّ وغير ذكيٍّ؟ قال:» ذكيٌّ وغير ذكيٍّ «. قال: وإن تغيب عني؟ قال:» وإن تغيب عنك،
ما لم يضل أو تجد فيه أثرًا غير سهمك " (١).
ز: كذا وجدته في نسخة: (يزيد بن حسين) (٢)، وفي نسخة أخرى: (عن حبيب المعلم) (٣) وهو الصواب، فإنَّ أبا داود رواه عن محمَّد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن حبيب (٤).
٣١٠٨ - وقال: ثنا محمَّد بن عيسى ثنا هشيم أنا داود بن عمرو عن بُسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولانيِّ عن أبي ثعلية قال: قال النبيُّ- ﷺ في صيد الكلب: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردَّت يدك- أو قال: وكل ما ردَّت عليك يدك-» (٥).
هذا إسنادٌ حسنٌ.
وداود بن عمرو الدمشقيُّ، عامل واسط: ثقةٌ مشهورٌ. قاله ابن معين (٦)، وقال أحمد: حديثه مقارب (٧). وقال العجليُّ: يكتب حديثه،
стр. 2519
وليس بالقويِّ (١). وقال أبو زرعة: لا بأس به (٢).
وحديث عمرو بن شعيب: إسناده صحيحٌ إليه، فمن احتجَّ بعمرو فهو عنده صحيحٌ.
وقال البيهقيُّ: إلا أنَّ حديث أبي ثعلبة مخرَّج في «الصحيحين» (٣) من حديث ربيعة بن يزيد الدمشقيِّ عن أبي إدريس الخولانيِّ عن أبي ثعلبة، وليس فيه ذكر الأكل.
وحديث الشعبيِّ عن عديٍّ أصحُّ من حديث داود بن عمرو الدمشقيِّ، ومن حديث عمرو بن شعيب، والله أعلم.
٣١٠٩ - وقد روى شعبة عن عبد ربِّه بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن رجل من هذيل أنَّه سأل النبيَّ ﷺ عن الكلب يصطاد، فقال: «كل، أكل أو لم يأكل» فصار حديث عمرو بهذا معلولا. انتهى كلامه (٤).
وقد يقال: ليس بين حديث عمرو وداود، وبين حديث عديٍّ المخرَّج في «الصحيحين» منافاة، لأنَّه علل الأكل في حديث عديٍّ بكونه أمسك على نفسه، وفي هذا الحديث يحتمل أنَّه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه، والله
أعلم O.
* * * * *
стр. 2520
مسألة (٧٦٢): إذا قتل الكلب من غير جرح- نحو: إن صدمه فمات- لم يحل، خلافًا لأحد قولي الشافعيِّ (١).
٣١١٠ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى عن سفيان قال: حدَّثني أبي عن عباية بن رافع بن خديج (٢) عن جدِّه رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنَّا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مدى؟ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السنّ والظفر، وسأحدثك، أما السنُّ: فعظمٌ، وأمَّا الظفر: فمدى الحبش» (٣).
أخرجاه في «الصحيحين» (٤).
* * * * *
مسألة (٧٦٣): لا يباح صيد الكلب الأسود البهيم، خلافًا لأكثرهم.
стр. 2521
٣١١١ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل أنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أنَّ الكلاب أمَّة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم» (١).
فوجه الحجَّة: أنَّه أمر بقتله، وذلك يقتضي النهي عن إمساكه وتعليمه والاصطياد به.
ز: روى هذا الحديث أصحاب «السنن الأربعة» من رواية يونس - وهو: ابن عبيد-، وصحَّحه الترمذيُّ (٢).
والحسن سمع من ابن مغفَّل. قاله الإمام أحمد فيما رواه ابنه صالح عنه (٣)، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٧٦٤): إذا أصاب صيدًا بالرمي فغاب عنه، ثم وجده ميتًا حلَّ.
وعنه: إن وجده في يومه حلَّ، وإن بات عنه لم يحلّ.
وعنه: إن كانت الإصابة موجبة (٤) حلَّ، وإلا فلا.
стр. 2522
وهكذا إذا أرسل الكلب فغاب عنه، ثم وجده قتيلاً.
وقال أبو حنيفة: إن اشتغل بطلبه حلَّ، وإلا فلا.
وقال الشافعيُّ- في أحد القولين-: لا يحلُّ بحالٍ.
لنا حديثان:
الحديث الأوَّل: حديث عمرو بن شعيب، وقد تقدَّم (١).
٣١١٢ - الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هشيم عن أبي بشر (٢) عن سعيد بن جبير عن عديِّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ ، قلت: يرمي أحدنا الصيد، فيغيب عنه ليلة أو ليلتين، فيجده وفيه سهمه،
قال: «إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره، وعلمت أنَّ سهمك قتله فكله» (٣).
ز: رواه النسائيُّ عن زياد بن أيُّوب عن هشيم (٤) O.
٣١١٣ - حديث آخر: قال الترمذيُّ: حدَّثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود أنا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن عديِّ بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، أرمي الصيد، فأجد فيه سهمي من الغد؟
قال: «إذا علمت أنَّ سهمك قتله، ولم تر فيه أثر سبع فكل» (٥).
ز: قال الترمذيُّ: روى شعبة هذا الحديث عن أبي بشر وعبد الملك بن
стр. 2523
ميسرة عن سعيد بن جبير عن عديِّ بن حاتم، وكلا الحديثين صحيحٌ (١).
وقد رواه النسائيُّ من رواية خالد بن الحارث عن شعبة عنهما (٢)، والله أعلم O.
٣١١٤ - طريق آخر: قال الترمذيُّ: حدَّثنا أحمد بن منيع ثنا عبد الله قال: أخبرني عاصم الأحول عن الشعبيِّ عن عديِّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصيد، فقال: " إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن
وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء فلا تأكل، فإنَّك لا تدري الماء قتله أو سهمك " (٣).
قال الترمذيُّ: الحديثان صحيحان.
ز: رواه مسلمٌ في «صحيحه» عن يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن المبارك به (٤) O.
٣١١٥ - طريق آخر: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم البزَّاز ثنا الحسن بن عرفة ثنا عبَّاد بن عبَّاد المهلبيُّ عن عاصم الأحول عن الشعبيِّ عن عديِّ بن حاتم أنَّه سأل رسول الله ﷺ ، فقال: أرمي بسهمي فأصيب، فلا أقدر عديه إلا بعد يوم أو يومين؟ فقال: " إذا قدرت عليه وليس فيه أثرٌ ولا خدشٌ إلا رميتك فكل، وإن وجدت فيه أثرًا غير رميتك فلا تأكله، فإنَّك لاتدري
стр. 2524
أنت قتلته أم غيرك " (١).
ز: هذا إسنادٌ صحيحٌ، ولم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب «الكتب السِّتَّة» من حديث عبَّاد، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٧٦٥): إذا توحشَّ الإنسيُّ من الحيوان- كالبعير يند، والفرس يشرد- فذكاته حيث يجرح من بدنه، وهكذا إذا تردَّى في بئر فلم يقدر على ذبحه.
وقال مالكٌ: لا تجوز ذكاته إلا في الحلق واللبَّة.
٣١١٦ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى عن سفيان قال: حدَّثني أبي عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج [عن جده رافع بن خديج] (٢) قال: أصابنا نهب إبل، فندّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيءٌ فافعلوا به هكذا» (٣).
أخرجاه في «الصحيحين» (٤).
احتجُّوا:
стр. 2525
بقوله: «لا ذكاة إلا في الحلق واللبَّة».
وسيأتي بإسناده (١)، وذلك في المقدور عليه.
* * * * *
مسألة (٧٦٦): متروك التسمية لا يحلُّ، سواء ترك التسمية عامدًا أو ساهيًا.
وعنه: إن تركها عامدًا لم يحل، وإن تركها ناسيًا حلَّ، وهو قول أبي حينفة ومالك.
وعنه: إن نسيها على الذبيحة حلَّت، فأمَّا على الصيد فلا (٢).
وعنه: إن نسيها على السهم حلَّت، فأمَّا على الكلب والفهد فلا.
وقال الشافعيُّ: يحلُّ، سواء تركها عامدًا أو ناسيًا.
لنا:
قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١].
ولنا حديثان:
أحدهما: حديث رافع بن خديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل».