وقد يقال: إنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلد، ولا يقضى على الغائب الحاضر في البلد مع إمكان إحضاره وسماعه الدعوى عليه، في المشهور من مذاهب العلماء، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٨١٠): حكم الحاكم لا يحيل الشيء عن صفته.
وقال أبو حنيفة: يحيله في العقود والفسوخ.
٣٢٤٤ - قال البخاري: حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنَّ زينب بنت أمِّ سلمة أخبرته عن أمِّها أمِّ سلمة زوج النبيِّ ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنَّه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: " إنما أنا بشرٌ، وإنَّه يأتيني
الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه قد صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحقِّ مسلمٍ فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها " (١).
[أخرجاه في «الصحيحين»] (٢).
٣٢٤٥ - قال المؤلف: وأخبرناه عاليًا عليُّ بن عبيد الله أنا عبد الصمد ابن المأمون أنا حبابة ثنا ابن صاعد ثنا عبد الجبَّار بن العلاء ثنا سفيان ثنا هشام بن
стр. 2627
عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّها أنَّ النبيَّ ﷺ قال للناس: «إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حقِّ أخيه المسلم شيئًا، فإنَّما أقطع له قطعة من النار».
احتجُّوا:
٣٢٤٦ - بما روي: أنَّ شاهدين شهدا عند عليٍّ ﵇ (١) على امرأة بالنكاح، فقالت المرأة: أنَّه لم يكن بيننا نكاحٌ، فإن كان ولا بد فزوجني منه، فقال عليٌّ ﵇: شاهداك زوَّجاك.
وجواب هذا:
أنَّ عليًّا ﵇ لم يطلع على الباطن، أنَّما حكم بالظاهر، فأمَّا الأخذ بالظاهر مع العلم بمنافاة الباطن له فقبيحٌ.
* * * * *
مسألة (٨١١): إذا شهد شاهدان على قضاء الحاكم، وهو لا يذكر، قبل شهادتهما.
وقال الشافعيُّ: لا يرجع إلى قولهما.
لنا:
٣٢٤٧ - أنَّ النبيَّ ﷺ رجع إلى قول غيره في قصة ذي اليدين، وقد
стр. 2628
ذكرناه بإسناده في الطهارة (١).
وذكرنا في أوَّل النكاح أنَّ جماعة حدَّثوا ونسوا، وكان أحدهم يقول: حدَّثني فلان عنِّي (٢).
* * * * *
стр. 2629
من مسائل القسمة
مسألة (٨١٢): إذا طلب أحدهما القسمة وفيها ضرر على الآخر لم يقسم، وتباع، ويقتسمان الثمن.
وقال أبو حنيفة: إذا كان لأحدهما في ذلك منفعة أجبرا على القسمة.
وقال مالك: يجبر على القسمة بكلِّ حالٍ.
وقال الشافعي: إن كان المطالب ينتفع بذلك أجبر، وإن كان يستضر فعلى وجهين.
٣٢٤٨ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا الحسين بن إسماعيل ثنا خلاد بن أسلم ثنا روح بن عبادة ثنا ابن جريج قال: أخبرني صُديق بن موسى عن محمد ابن أبي بكر عن أبيه عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تعصبة على أهل الميراث، إلا ما حمل القسم» (١).
ز: هذا حديثٌ لا يثبتُ، وهو مرسلٌ.
وصُديقٌ: ليس بذاك المشهور، وقد ذكره ابن أبي حاتم في «كتابه»، فقال: صُديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير، تيميٌّ، كان أصله جزريًّا، ثم تحوَّل إلى مكَّة، روى عن: أبي بردة بن أبي موسى ومحمد بن أبي بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم، روى عنه: ابن جريج وجعفر بن ميسرة. سمعت أبي
стр. 2630
يقول ذلك (١) O.
٣٢٤٩ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: وحدَّثنا إسماعيل بن محمد الصفَّار ثنا عباس ابن محمد ثنا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو ابن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (٢).
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه.
وعثمان بن محمد: لا أعرف حاله.
وقد رواه الحاكم وزعم أنه صحيح الإسناد (٣)، وفي قوله نظرٌ.
والمشهور فيه الإرسال، كذلك رواه مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً، والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2631
من مسائل الدعاوى
مسألة (٨١٣): إذا تداعيا شيئًا في يد ثالث، فأقر به لأحدهما لا يعينه، قرع بينهما، فمن خرجت قرعته حلف واستحقه.
وقال أكثرهم: يوقف الأمر حتى ينكشف.
لنا ثلاثة أحاديث:
٣٢٥٠ - الحديث الأول: قال أبو داود: حدَّثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزَّاق ثنا معمر عن همَّام بن منبِّه عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها، فليستهما عليها» (١).
ز: هذا الحديث رجاله رجال «الصحيحين».
وقد رواه البخاري (٢) والنسائي (٣) من حديث عبد الرزَّاق بغير هذا اللفظ، والله أعلم O.
٣٢٥١ - الحديث الثاني: قال أبو داود: وحدَّثنا الربيع بن نافع ثنا ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أمِّ سلمة عن أمِّ سلمة قالت: أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم يكن لهما بيِّنة،
стр. 2632
فقال النبيُّ ﷺ : «إنكم لتختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته، فمن قضيت له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذ منه شيئًا، فأنما أقطع له قطعة من النار».
فبكى الرجلان، وقال كلُّ واحدٍ منهما: حقِّي له! فقال لهما رسول الله ﷺ : «أما إذ فعلتما، فاقتسما، وتوخَّيا الحقَّ، ثم استهما، ثم تحالا» (١).
ز: هذا الحديث انفرد به أبو داود.
وأسامة بن زيد هو: الليثيُّ، [وهو حسن الحديث] (٢)، وقد تكلَّم فيه أحمد (٣) وغيره، ووثَّقه ابن معين (٤) وغيره، وقال ابن عَدِيٍّ: ليس بحديثه بأسٌ (٥) O.
٣٢٥٢ - الحديث الثالث: قال أبو داود: حدَّثنا محمد بن منهال أنا يزيد بن زريع ثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة أنَّ رجلين اختصما في متاعٍ إلى النبيِّ ﷺ ، ليس لواحدٍ منهما بيِّنة، فقال النبيُّ ﷺ : «استهما على اليمين ما كان أحبَّا ذلك او كرها» (٦).
ز: رواه النسائي (٧) وابن ماجه (٨) من رواية ابن أبي عروبة، والله أعلم O.
стр. 2633
احتجُّوا:
٣٢٥٣ - بما رواه الإمام أحمد، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة (١) عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبيه أنَّ رجلين اختصما إلى نبيِّ الله ﷺ في دابة ليس لواحد منهما بيِّنة، فجعلها بينهما نصفين (٢).
ز: رواه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) من رواية سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة.
وقال النسائي: إسناد هذا الحديث جيِّدٌ (٦) O.
* * * * *
مسألة (٨١٤): يجوز للجار أن يضع خشبه في جدار جاره عند الحاجة إلى ذلك، بشرط أن لا يضر بالحائط، فإن امتنع الجار أجبره الحاكم عليه، وبه قال الشافعيُّ إلا أنَّه قال: لا يحكم عليه الحاكم بذلك.
وقال أكثرهم: لا يجوز ذلك إلا بإذن المالك.
٣٢٥٤ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزَّاق أنا معمر عن الزهريِّ عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره». ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم
стр. 2634
معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم (١).
أخرجه البخاريُّ ومسلم في «الصحيحين» (٢).
* * * * *
مسألة (٨١٥): إذا وطئا أمة بشبهة، فأتت بولدٍ، عرض على القافة، فإن ألحقوه بأحدهما - أو بهما - لحق، وإن أشكل عليهم وقف حتى يبلغ، فينتسب إلى أيهما شاء.
وقال أبو حنيفة: لا يعرض على القافة.
٣٢٥٥ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا أبو بكر النيسابوري ثنا أحمد بن عبد الرحمن ثنا عمِّي ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهريِّ عن عروة عن عائشة قالت: دخل قائفٌ ورسول الله ﷺ شاهدٌ، وأسامة وزيد بن حارثة
مضطجعان، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض! قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ، وأعجبه، وأخبر به عائشة. قال إبراهيم بن سعد: وكان زيد أشقر أبيض، وكان أسامة مثل الليل (٣).
ز: رواه البخاري عن يحيى بن قزعة (٤)، ورواه مسلمٌ عن منصور بن
стр. 2635
أبي مزاحم (١)، كلاهما عن إبراهيم بن سعد به O.
* * * * *
مسألة (٨١٦): لا تردُّ اليمين في شيءٍ من الدعاوى، ويقضى بالنكول.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: تردُّ اليمين، ولا يقضى بالنكول.
لنا ثلاثة أحاديث:
٣٢٥٦ - الحديث الأوَّل: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: كتب إليَّ ابن عبَّاس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لو أنَّ الناس أعطوا بدعواهم، ادَّعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه» (٢).
أخرجاه في «الصحيحين» (٣).
٣٢٥٧ - الحديث الثاني: قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا أحمد بن محمد بن أبي شيبة ثنا محمد بن هشام المرُّوذِيُّ ثنا محمد بن الحسن ثنا حجَّاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «البيِّنة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه» (٤).
стр. 2636
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه من رواية حجَّاج عن عمرو.
وحجَّاج هو: ابن أرطأة، ولم يسمعه من عمرو، أنَّما أخذه عن العرزميِّ عنه، والعرزميُّ متروكٌ.
وقد رواه الترمذي عن علي بن حُجْر عن علي بن مُسهر وغيره عن محمد بن عبيد الله عن عمرو.
وقال: في إسناده مقالٌ، ومحمد بن عبيد الله العرزميُّ يضعَّف في الحديث من قبل حفظه، ضعَّفه ابن المبارك وغيره (١) O.
٣٢٥٨ - الحديث الثالث: قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا ابن صاعد ثنا عباس بن محمد الدُّوري ثنا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة الرأي ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر، إلا في القسامة» (٢).
قال المصنِّف: مسلم بن خالد ضعيفٌ.
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه، وزيادة الاستثناء فيه منكرةٌ.
ومسلم بن خالد الزنجي: تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث:
فقيل: عنه هكذا.
وقال بشر بن الحكم وغيره: عنه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب
стр. 2637
عن أبيه عن جدِّه به.
وقد رواه ابن عَدِيٍّ من الوجهين، وقال: هذان الإسنادان يعرفان بمسلم عن ابن جريج، وفي المتن زيادة قوله: (إلا في القسامة)، والله أعلم (١) O.
احتجُّوا:
٣٢٥٩ - بما رواه الدَّارَقُطْنِيّ، قال: حدَّثنا أبو هريرة محمد بن علي الأنطاكي ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي ثنا سليمان بن عبد الرحمن ثنا محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ اليمين على طالب الحق (٢).
والجواب:
أنَّ فيه جماعةٌ مجاهيلٌ.
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه، وجواب المؤلِّف غير صحيحٍ، فإنَّ رواة هذا الحديث ليس فيهم مجهولٌ، لكن الحديث فيه نكارةٌ.
وإسحاق بن الفرات: قال عبد الحقِّ: هو ضعيفٌ (٣). وفي قوله نظرٌ، وقد وثَّق إسحاق: أبو عوانة الإسفرايني (٤)، وقال أبو حاتم: هو شيخٌ ليس بالمشهور (٥)، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأيت فقيهًا
стр. 2638
أفضل منه، وكان عالمًا (١). وقال ابن يونس: كان فقيهًا، ولي القضاء بمصر، خليفة لمحمد بن مسروق الكندي، وفي أحاديثه أحاديث كأنها منقلبة (٢) O.
* * * * *
стр. 2639
من مسائل الشهادات
مسألة (٨١٧): لا تجب الشهادة في البيع، خلافًا لداود.
لنا:
أنَّ النبيَّ ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يشهد:
٣٢٦٠ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهريِّ قال: حدَّثني عمارة بن خزيمة أنَّ عمَّه حدَّثه - وهو من أصحاب رسول الله ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبيُّ ﷺ ليقبضه ثمن فرسه، فأسرع النبيُّ ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومون بالفرس، لا يشعرون أنَّ النبيَّ ﷺ ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبيُّ ﷺ ، فنادى الأعرابي
النبيَّ ﷺ ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته. فقام النبيُّ ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، فقال: «أوليس قد ابتعتُه منك؟!». قال: لا، والله ما بعتك. فقال النبيُّ ﷺ : «بلى، قد ابتعته منك». فطفق الناس يلوذون برسول الله ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك أنَّ
رسول الله ﷺ لم يكن ليقول إلا حقًّا! حتَّى جاء خزيمة، فاستمع لمراجعة النبيِّ ﷺ ومراجعة الأعرابي، وطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أنِّي بايعتك.
فقال خزيمة: أنا أشهد أنَّك قد بايعته. فأقبل النبيُّ ﷺ على خزيمة فقال: «بم تشهد؟». فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة
стр. 2640
خزيمة بشهادة رجلين (١).
ز: رواه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس عن الحكم بن نافع (٢)، ورواه النسائي من رواية الزبيديِّ عن الزهريِّ (٣)، وهو حديث صحيح.
وعمارة بن خزيمة: ثقةٌ، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٨١٨): يقبل في الولادة شهادة امرأة واحدة، وكذلك في كلِّ ما لا يطَّلع عليه الرجال.
وعنه: لا يقبل إلا امرأتين، كقول مالك.
وقال الشافعيُّ: لا يقبل إلا أربع نسوة.
٣٢٦١ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا عثمان بن أحمد الدَّقَّاق ثنا أحمد بن القاسم بن مساور ثنا محمد بن إبراهيم بن معمر ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أنَّ النبيَّ ﷺ أجاز شهادة القابلة.
قال الدَّارَقُطْنِيّ: محمد بن عبد الملك لم يسمع من الأعمش، بينهما رجلٌ مجهولٌ، وهو أبو عبد الرحمن المدائني (٤).
٣٢٦٢ - وقد روى أصحابنا من حديث ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ
стр. 2641
قال: يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة.
ز: حديث حذيفة لم يخرِّجوه، وهو حديثٌ باطلٌ لا أصل له.
وحديث ابن عمر: رواه الإمام أحمد، فقال:
٣٢٦٣ - حدَّثنا عبد الرزَّاق أنا شيخٌ من أهل نجران قال: حدَّثني محمد ابن عبد الرحمن بن البَيلماني عن أبيه عن ابن عمر أنَّه سأل النبيَّ ﷺ أو: أنَّ رجلاً سأل النبيَّ ﷺ فقال: ما الذي يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال النبيُّ ﷺ : «رجلٌ أو (١) امرأةٌ» (٢).
هكذا رواه.
وقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي ثناه ابن أبي شيبة عن معتمر عن محمد بن عُثَيم عن محمد بن عبد الرحمن. يعني هذا الحديث.
٣٢٦٤ - قال عبد الله: وثنا أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة ثنا معتمر عن محمد بن عُثَيم عن محمد بن عبد الرحمن بن البَيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ : ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ فقال: «رجلٌ وامرأةٌ» (٣).
كذا قال: (رجلٌ وامرأةٌ).
ولم يخرِّج هذا الحديث أحدٌ من أصحاب «الكتب الستَّة»، وهو حديثٌ ضعيفٌ.
стр. 2642
وابن البَيلماني: ليس بشيءٍ. قاله ابن معين (١)، وقال ابن عَدِيٍّ: الضعف على حديثه بَيِّنٌ (٢).
وروى هذا الحديث في ترجمته، ولفظه: سئل نبيُّ الله ﷺ : ما يجوز في الرضاع من الشهود؟ قال: «رجلٌ وامرأة» (٣).
وقد روى البخاري في «صحيحه» عن عقبة بن الحارث أنَّه تزوَّج أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأعرض عنِّي، قال: فتنحَّيت، فذكرت ذلك له، فقال: «فكيف وقد زعمت أنَّها أرضعتكما؟!». فنهاه عنها (٤).
وفي لفظ: «دعها عنك» (٥).
وللدَّارَقُطْنِيّ: «دعها عنك، لا خير لك فيها» (٦) O.
* * * * *
مسألة (٨١٩): لا تقبل شهادة العدوِّ على عدوِّه، خلافًا لأبي حنيفة.
لنا حديثان:
٣٢٦٥ - الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزَّاق ثنا محمد
стр. 2643
ابن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمرْ (١) على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، وتجوز شهادته لغيرهم».
والقانع: الذي ينفق عليه أهل البيت (٢).
قال المصنِّف: محمد بن راشد ضعيفٌ.
ز: رواه أبو داود عن حفص بن عمر عن محمد بن راشد (٣).
وقد وثَّق محمدًا: أحمدُ بن حنبل (٤) ويحيى بن معين (٥) وغيرهما، وتكلَّم فيه بعض الأئمة.
وقد تابعه غيره عن سليمان.
وقد روى ابن ماجه نحوه من رواية حجَّاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب (٦)، والله أعلم O.
٣٢٦٦ - الحديث الثاني: قال الترمذي: حدَّثنا قتيبة ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدًّا،
стр. 2644
ولا ذي غِمْر لأخيه، ولا القانع لأهل البيت لهم، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ".
قال الفزاري: القانع التابع (١).
قال أبو عبيد: هو التابع للقوم، كالخادم لهم؛ والظنين: المتهم في دينه (٢).
قال المصنِّف: يزيد بن زياد ضعيفٌ لا يحتجُّ به. قاله الدَّارَقُطْنِيّ (٣).
ز: هذا الحديث انفرد به الترمذي، وقال: غريبٌ، لا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه. يعني يزيد بن زياد.
وقال النسائي: يزيد بن زياد متروك الحديث (٤).
وقد روي بإسنادٍ ضعيفٍ من حديث ابن عمر، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٨٢٠): لا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده.
وعنه: تجوز شهادة الابن لأبيه.
وعنه: تجوز شهادة أحدهما للآخر، فيما لا تهمة فيه، كالنكاح والطلاق والمال، وكلُّ واحد مستغن عن صاحبه.
وقال داود والمزني وأبو ثور: تجوز على الإطلاق.
стр. 2645
لنا:
الحديث المتقدِّم.
* * * * *
مسألة (٨٢١): لا تقبل شهادة بدويٍّ على قرويٍّ.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: تقبل.
وقال مالكٌ كقولنا فيما عدا الجراح، فإنه تقبل شهادته احتياطًا للدماء.
٣٢٦٧ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا عبد الملك بن أحمد الدَّقَّاق ثنا يونس ابن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أنا يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن ابن الهاد عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبل شهادة البدويِّ على القرويِّ» (١).
ز: رواه أبو داود عن أحمد بن سعيد الهمداني عن ابن وهب، ولفظه: «لا تجوز شهادة بدويٍّ على صاحب قرية» (٢).
ورواه ابن ماجه عن حرملة عن ابن وهب عن نافع وحده (٣).
وإسناده جيِّدٌ.
وقال البيهقي: وهذا الحديث مما تفرَّد به محمد بن عمرو بن عطاء عن
стр. 2646
عطاء بن يسار O.
* * * * *
مسألة (٨٢٢): لا تقبل شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بعض.
وقال أبو حنيفة: تقبل.
٣٢٦٨ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا أحمد بن عبد الله وكيل أبي صخرة ثنا علي بن حرب ثنا الحسن بن محمد (١) ثنا عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا ترث ملَّة ملَّة، ولا تجوز شهادة أهل ملَّة على ملَّة، إلا أمَّتى فإنه تجوز شهادتهم على من سواهم».
قال الدَّارَقُطْنِيّ: عمر بن راشد ليس بالقويِّ (٢).
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه.
وعمر بن راشد: ضعَّفه يحيى بن معين (٣) وغيره، وقال النسائي: ليس بثقةٍ (٤). وقال ابن عَدِيٍّ: هو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. وروى هذا الحديث في ترجمته، فقال:
٣٢٦٩ - أخبرنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي ثنا علي بن الجعد ثنا
стр. 2647
عمر بن راشد اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة - أحسبه قال: قال رسول الله ﷺ : «لايرث أهل ملَّة ملَّة، ولا تجوز شهادة ملَّة على ملَّة، إلا أمَّتي تجوز شهادتهم على من سواهم».
حدَّثنا جعفر بن أحمد بن عاصم ثنا ابن مصفَّى ثنا بقيَّة ثنا الأسود بن عامر عن عمر بن راشد بإسناده نحوه (١) O.
احتجُّوا بحديثين:
٣٢٧٠ - الحديث الأول: قال ابن ماجه: حدَّثنا محمد بن طريف ثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن عامر عن جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض (٢).
٣٢٧١ - الحديث الثاني: قال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا البغوي وأحمد بن الحسين بن الجنيد قالا: ثنا الحسن بن عرفة ثنا عبد الرحيم (٣) بن سليمان عن مجالد عن الشعبيِّ عن جابر قال: أُتي النبيُّ ﷺ بيهوديٍّ ويهوديَّة قد زنيا، فقال لليهود: «ما يمنعكم أن تقيموا عليهما الحدَّ؟». فقالوا: كنا نفعل إذ كان الملك لنا، فلما أن ذهب ملكنا فلا نجترئ على الفعل. فقال لهم: «ائتوني بأعلم رجلين فيكم». فأتوه بابني صوريا، فقال لهما: «أنتما أعلم من وراءكما؟».
قالا: يقولون. قال: " فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى: كيف
стр. 2648
تجدون حدَّهما في التوراة؟ «. فقالا: إذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كما يدخل الميل في المُكْحُلَةُ (١)، رجم. قال:» ائتوني بالشهود ". فشهد أربعة، فرجمهما النبيُّ ﷺ (٢).
والجواب:
هذان الحديثان تفرَّد بهما مجالد، قال أحمد: ليس بشيءٍ (٣). وقال يحيى: لا يحتجُّ بحديثه (٤). وكذلك قال ابن حِبَّان: لا يجوز الاحتجاج به (٥).
ز: الحديث الأول: انفرد به ابن ماجه، وهو مختصرٌ من الحديث الذي بعده.
والحديث الثاني: رواه أبو داود عن يحيى بن موسى البلخي عن أبي أسامة عن مجالد بنحوه.
وعن وهب بن بقيَّة عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم والشعبيِّ عن النبيِّ ﷺ نحوه، ولم يذكر: فدعا بالشهود فشهدوا.
وعن وهب عن هشيم عن ابن شبرمة عن الشعبيِّ عن النبيِّ ﷺ بنحو منه (٦).
وهذا الذي تفرَّد به مجالد من الزيادة في الحديث لم يتابع عليه، ومجالد لا
стр. 2649
يحتجُّ بما انفرد به، قال الفلاس: سمعت يحيى بن سعيد القطَّان يقول: لو شئت أن يقول لي مجالد فيها كلها عن الشعبيِّ عن مسروق عن عبد الله عن النبيِّ ﷺ لقال. وقال ابن عَدِيٍّ: ومجالد له عن الشعبيِّ عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصحابة أحاديث صالحة، وجملة ما يرويه عن الشعبيِّ، وقد روى عن غير الشعبيِّ، ولكن أكثر روايته عنه، وعامَّة ما يرويه غير محفوظٍ (١) O.
* * * * *
مسألة (٨٢٣): يجوز الحكم بشاهد ويمين في المال، وما يقصد به المال، خلافًا لأبي حنيفة.
٣٢٧٢ - وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الوهَّاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أنَّ رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد (٢).
ز: رواه الترمذي عن ابن بشَّار ومحمد بن أبان عن عبد الوهَّاب به، وعن علي بن حُجْر عن إسماعيل بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد. قال: وقضى بها عليٌّ ﵇ (٣).
قال: وهذا أصحُّ.
стр. 2650
وهكذا روى الثوري عن جعفر عن أبيه عن النبيِّ ﷺ مرسل.
وروى عبد العزيز بن أبي سلمة ويحيى بن سليم هذا الحديث عن جعفر عن أبيه عن علي عن النبيِّ ﷺ (١).
ورواه ابن ماجه عن بندار عن الثقفيِّ به (٢) O.
٣٢٧٣ - وقال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا ابن مخلد ثنا عبَّاس بن محمد ثنا شبابة ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵇ (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد، ويمين صاحب الحقِّ، وقضى به عليٌّ ﵇ (٤) بالعراق (٥).
ز: هذا إسناد منقطعٌ، فإنَّ محمد بن عليِّ بن الحسين لم يدرك جدَّ أبيه علي بن أبي طالب ﵁.
وقد أطال الدَّارَقُطْنِيّ الكلام في كتاب «العلل» على حديث جعفر هذا في «مسند عليٍّ»، ثم قال: وكان جعفر بن محمد ربَّما أرسل هذا الحديث، وربَّما وصله عن جابر، لأنَّ جماعة من الثقات حفظوه عن أبيه عن جابر، والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنَّهم زادوا، وهم ثقات، وزيادة الثقة مقبولةٌ (٦) O.
وقد روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ : عمر بن الخطَّاب وابن
стр. 2651
عبَّاس وأبو هريرة وابن عمر وابن عمرو وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وسعد بن عبادة وعامر بن ربيعة وسهل بن سعد وعمارة بن حزم وعمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث وسلمة بن قيس وأنس بن مالك وتميم
الداريُّ وزبيب بن ثعلبة وسُرَّق.
* * * * *
стр. 2652
من مسائل الإقرار
مسألة (٨٢٤): إذا ترك ابنًا واحدًا لا وارث له غيره، فأقرَّ بأخٍ ثبت نسبه.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يثبت النسب حتى يقرَّ اثنان.
لنا:
حديث ابن زمعة، قال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي … فأثبت النسب بإقراره، وقد سبق هذا الحديث بإسناده في أنَّ الأمة تكون فراشًا.
* * * * *
стр. 2653
من مسائل العتق (١)
مسألة (٨٢٥): إذا أعتق الموسر نصيبه من العبد عتق عليه نصيب شريكه.
وقال أبو حنيفة: يخيَّر الشريك بين أن يعتق، أو يستسعي العبد، أو يقومه على شريكه.
فإن أعتق المعسر نصيبه من العبد لم يجب عليه عتق الباقي.
وقال أبو حنيفة: يجب بالاستسعاء أو بعتق الشريك.
لنا حديثان:
٣٢٧٤ - الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد أنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من أعتق نصيبًا له في مملوك، كلف أن يتم عتقه بقيمة عدل، فإن لم يكن له مال يعتقه به، فقد جاز ما عتق» (٢).
ز: رواه مسلم عن محمد بن المثنَّى عن عبد الوهَّاب الثقفيِّ عن يحيى (٣)، ورواه البخاري تعليقًا، فقال: ورواه يحيى بن سعيد عن نافع مختصرًا (٤).
стр. 2654
ورواه أبو داود (١) والنسائي (٢) من رواية يزيد بن هارون.
وهو مخرَّج في «الصحيحين» من رواية مالك وغيره عن نافع (٣)، والله أعلم O.
٣٢٧٥ - الحديث الثاني: قال أحمد: وحدَّثنا عبد الرزاق ثنا عمر بن حوشب قال: حدَّثني إسماعيل بن أميَّة عن أبيه عن جدِّه قال: كان لهم غلام فأعتق جدَّه نصفه، فجاء العبد إلى النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : «تعتق في عتقك، وترق في رقك». قال: فكان يخدم سيده حتى مات (٤).
قال المصنِّف: جدُّ أميَّة هو: عمرو بن سعيد، وله صحبة.
ز: هذا الحديث مرسلٌ، وليس هو مخرَّج في شيء من «الكتب الستَّة».
وعمرو بن سعيد هو: المعروف بـ «الأشدق»، وليست له صحبة.
وعمر بن حوشب: ليس بالمشهور، وقد ذكره ابن أبي حاتم في «كتابه»، فقال: عمر بن حوشب الصنعاني، روى عن: إسماعيل بن أميَّة، روى عنه: عبد الرزَّاق، سمعت أبي يقول ذلك (٥) O.
احتجُّوا بثلاثة أحاديث:
стр. 2655
٣٢٧٦ - الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد بن هارون أنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نَهيك عن أبي هريرة عن النبيَّ ﷺ قال: «من كان له شقص في مملوك، فأعتق نصيبه، فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، استسعى العبد في ثمن رقبته، غير مشقوق عليه» (١).
٣٢٧٧ - الحديث الثاني: قال أحمد: حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي ثنا سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه أنَّ رجلاً من هذيل أعتق شقيصًا له من مملوك، فقال رسول الله ﷺ : «هو حرٌ كلُّه، ليس لله تعالى شريكٌ» (٢).
٣٢٧٨ - الحديث الثالث: قال أحمد: وحدَّثنا يزيد بن هارون أنا حجَّاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب قال: حفظنا من ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «من أعتق شقيصًا له في مملوك ضمن بقيته» (٣).
قال المصنِّف: بشير بن نَهيك: مجروحٌ، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتجُّ به (٤).
وحجَّاج: ضعيفٌ جدًّا.
وحديث أبي المليح: محمولٌ على عتق الغني.
стр. 2656
ز: هذا الذي أجاب به المؤلف ليس بشيءٍ، فإنَّ حديث أبي هريرة مخرَّج في «الصحيحين» من رواية بشير بن نَهيك عنه، رواه البخاري من رواية يزيد بن زريع وغيره عن سعيد بن أبي عروبة (١)، ورواه مسلمٌ من رواية عيسى ابن يونس وغيره عن سعيد (٢).
وقد تكلَّم جماعة من الأئمة في حديث سعيد هذا، وضعَّفوا ذكر الاستسعاء، وقالوا: الصواب أنَّ ذكر الاستسعاء من رأي قتادة، كما رواه همَّام عنه فجعله من قوله.
وفي قول هؤلاء الأئمة نظرٌ، فإنَّ سعيد بن أبي عروبة من الأثبات في قتادة، وليس هو بدون همَّام، وقد تابعه جماعة على ذكر الاستسعاء ورَفْعِه إلى النبيِّ ﷺ ، وهم: جرير بن حازم وأبان بن يزيد العطَّار وحجَّاج بن حجَّاج وموسى بن خلف وحجَّاج بن أرطأة ويحيى بن صبيح الخراساني، والله أعلم.
وأمَّا حديث أبي المليح عن أبيه: فرواه أبو داود (٣) والنسائي (٤) من رواية همَّام عن قتادة عنه.
ورواه النسائي من رواية سعيد بن أبي عروبة وهشام عن قتادة عن أبي المليح أنَّ رجلاً … ، ولم يذكر أباه (٥).
قال النسائي: هشام وسعيد أثبت في قتادة من همَّام، وحديثهما أولى
стр. 2657
بالصواب (١).
كذا قال، وقد تقدَّم أنَّ عبد الله بن بكر رواه عن سعيد، وقال فيه: عن أبيه، والله أعلم
وأمَّا حديث حجَّاج بن أرطأة: فلم يخرِّجوه، وحجَّاج مدلسٌ، لكن حديثه شاهدٌ لغيره، والله أعلم O.
* * * * *
مسألة (٨٢٦): إذا أعتق في مرض موته عبيدًا لا مال له سواهم، ولم يجز الورثة جمع العتق في الثلث بالقرعة.
وقال أبو حنيفة: يعتق من كلِّ واحدٍ ثلثه، ويستسعي في الباقي.
لنا:
٣٢٧٩ - ما رواه الإمام أحمد، قال: حدَّثنا إسماعيل ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلَّب عن عمران بن حصين أنَّ رجلاً أعتق ستَّة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولاً شديدًا (٢).
انفرد بإخراجه مسلم (٣).
* * * * *
стр. 2658
مسألة (٨٢٧): إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه.
وقال مالك: يعتق الوالدان والمولودون، دون الإخوة والأخوات.
وقال الشافعيُّ: يعتق عمودا النسب.
٣٢٨٠ - قال أحمد: حدَّثنا يزيد وأبو كامل قالا: ثنا حمَّاد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبيِّ ﷺ قال: «من ملك ذا رحم فهو عتيق» (١). وقال أبو كامل: «من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ» (٢).
قالوا: قد قال يحيى بن سعيد: أحاديث الحسن عن سمرة من كتاب (٣). وقال ابن حبَّان: لم يشافه الحسن سمرة (٤).
قلنا: قد قال علي بن المديني: أحاديث سمرة صحاح، قد سمع الحسن من سمرة (٥). وقول ابن المديني مقدَّمٌ.
ز: قد تكلِّم في هذا الحديث بسبب آخر، وهو انفراد حمَّاد به، وشكِّه فيه، ومخالفة غيره ممن هو أثبت منه له.
وقد رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث حمَّاد (٦).
стр. 2659
وفي رواية أبي داود: عن الحسن عن سمرة - فيما يحسب حمَّاد -.
وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حمَّاد بن سلمة.
وقال البيهقي: والحديث إذا انفرد به حمَّاد بن سلمة، ثم يشكُّ فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه (١).
وقد رواه سعيد عن قتادة عن عمر بن الخطاب من قوله.
وقتادة لم يدرك عمر.
وقد رواه الطحاوي من رواية الأسود عن عمر موقوفًا (٢).
وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ مختلفٍ فيه.
وروي بإسنادٍ ضعيفٍ من حديث عائشة.
وبإسنادٍ ساقطٍ من حديث علي.
وقد كتبت الكلام على جميع ذلك محررًا في مكان آخر، والله أعلم O.
* * * * *
стр. 2660
من مسائل المدبَّر
مسألة (٨٢٨): بيع المدبَّر جائزٌ.
وعنه: يجوز بشرط أن يكون على السيِّد دَينٌ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، إذا كان التدبير مطلقًا.
وقال مالكٌ: لا يجوز في حال الحياة، ويجوز بعد الموت إن كان على السيِّد دَينٌ.
٣٢٨١ - قال الترمذي: حدَّثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر أنَّ رجلاً من الأنصار دبَّر غلامًا له، فمات ولم يترك مالاً غيره، فباعه النبيُّ ﷺ ، فاشتراه نعيم بن النَّحَّام.
قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيحٌ (١).
ز: رواه البخاري عن قتيبة (٢)، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم (٣)، ثلاثتهم عن سفيان به O.
٣٢٨٢ - وقال النسائي: أخبرنا قتيبة ثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: أعتق رجل عبدًا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " ألك
стр. 2661
مال غيره؟ «. قال: لا. فقال رسول الله ﷺ :» من يشتريه مني؟ ".
فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل من أهلك شيء فلذوي قرابتك، فإن فضل من قرابتك شيء فهكذا وهكذا وهكذا». يقول: من بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (١).
ز: رواه مسلمٌ عن قتيبة ومحمد بن رُمْح، كلاهما عن الليث به (٢) O.
٣٢٨٣ - وقال الدَّارَقُطْنِيّ: حدَّثنا يوسف بن يعقوب ثنا إبراهيم بن عبد العزيز ثنا سلم بن قتيبة ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أمر رسول الله ﷺ ببيع المدبَّر (٣).
ز: لم يخرِّجوه من رواية سلم بن قتيبة عن ابن أبي ذئب.
وقد رواه النسائي من حديث ابن أبي ذئب بغير هذا اللفظ، فقال:
٣٢٨٤ - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم قال: ثنا أبي وعمِّي قالا: ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلاً أعتق عبدًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فردَّه عليه رسول الله ﷺ ، وابتاعه نعيم بن النَّحَّام (٤).
كذا رواه بهذا اللفظ.
стр. 2662
ورواه البخاري عن عاصم بن علي عن ابن أبي ذئب (١)، وهذا أصحُّ من رواية سلم، والله أعلم O.
٣٢٨٥ - قال الدُّارَقُطْنِيّ: وحدَّثنا أبو بكر النيسابوري قال: ثنا أحمد ابن يوسف السلمي والعبَّاس بن محمد وإبراهيم بن هانئ قالوا: ثنا أبو نعيم ثنا شَريك عن سلمة بن كُهيل عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أنَّ رجلاً مات وترك
مدبَّرًا ودَينًا، فأمرهم النبيُّ ﷺ أن يبيعوه في دينه، فباعوه بثمانمائة درهم.
قال أبو بكر النيسابوري: قول شَريك: (مات) خطأ، لأنَّ في حديث الأعمش عن سلمة بن كُهيل: (ودفع إليه ثمنه، وقال: «اقض دينك»)، وكذلك رواه عمرو بن دينار وأبو الزبير عن جابر أنَّ سيِّد المدبَّر كان حيًّا يوم بيع
المدبَّر (٢).
ز: لم يخرِّجوه من حديث شَريك.
ورواه النسائي من رواية الأعمش عن سلمة عن عطاء وحده، فقال:
٣٢٨٦ - أخبرنا أبو داود ثنا محاضر ثنا الأعمش عن سلمة بن كُهيل عن عطاء عن جابر قال: أعتق رجل من الأنصار غلامًا له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دَين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه، قال: «اقض دينك» (٣) O.
٣٢٨٧ - قال الدَّارَقُطْنِيّ: وحدَّثنا الحسين بن إسماعيل المَحاملي ثنا
стр. 2663
يوسف بن موسى ثنا جرير عن عبد الغفَّار بن القاسم عن أبي جعفر قال: ذكر عنده أنَّ عطاءً وطاوسًا يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله ﷺ : كان أعتقه عن دبر، فأمره أن يبيعه ويقضيى دينه، فباعه بثمانمائة درهم، فقال أبو جعفر: شهدت الحديث من جابر، إنَّما أذن في بيع خدمته (١).
قال المصنِّف: وهذا الحديث لا يصحُّ، فإنَّ عبد الغفَّار قد كذَّبه سِماك ابن حرب (٢) وأبو داود (٣)، وقال أحمد: ليس بثقة، عامَّة حديثه بواطيل (٤).
وقال ابن المديني: كان يضع الحديث (٥).
ز: هذا الحديث لم يخرِّجوه.
ورواه ابن عَدِيٍّ في ترجمة عبد الغفَّار عن محمد بن يوسف بن عاصم عن يوسف بن موسى (٦).
وعبد الغفَّار: من غلاة الشيعة، وقد روى عنه شعبة حديثين، قال ابن عَدِيٍّ: ويكتب حديثه مع ضعفه (٧).
وقول المؤلِّف: (كذَّبه سِماك بن حرب) وهمٌ، إنَّما الذي كذَّبه سِماك
стр. 2664
الحنفيُّ، وهو سماك بن الوليد، فقال أبو داود الطيالسي: سمعت شعبة يقول: سمعت سماكًا الحنفيَّ يقول لأبي مريم - يعني عبد الغفَّار - في شيءٍ ذكره: كذبت والله (١) O.
* * * * *
стр. 2665
من مسائل المكاتب
مسألة (٨٢٩): يجوز بيع رقبة المكاتب.
وقال أكثرهم: لا يجوز.
٣٢٨٨ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسحاق بن عيسى ثنا ليث قال: حدَّثني ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنَّ بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقال النبيُّ ﷺ : «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق» (١).
ز: رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) عن قتيبة عن ليث O.
* * * * *