← Книги сунны

Книги сунны · id 10660

شعب الإيمان - ط الرشد

أبو بكر البيهقي

Полный текст (7 093 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الله والله اسمه أن يكون عبد اسمه إما (١) غيره وإما لا. فقال: إنه هو وذلك محال. وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما" معناه تسميات العباد لله لأنه في نفسه واحد قال الشاعر (٢): إلى الحول ثم اسم السلام عليكما قال أبو عبيد: أراد ثم (٣) السلام عليكما لأن اسم السلام هو السلام ومن أصحابنا من أجرى الأسماء مجرى الصفات وقد مضى الكلام فيها والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى. [١٠٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعمت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل وسئل عن قوله تعالى ﴿تبَارَكَ﴾ فقال: ارتفع وعلا. فصل في الإشارة إلى أطراف الأدلة في معرفة الله وفي حدث العالم العالم عبارة عن كل شيء غير الله، هو جملة الأجسام والأعراض وجميع ذلك موجود عن عدم بإيجاد الله واختراعه إياه قال الله (٤): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.

стр. 247

وسئل نبينا ﷺ عن بدء هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شئ غيره، ثم ذكر الخلق" (١). فإن قال قائل (٢): فهل في العقل دليل على حدث الأجسام؟ قيل: نعم وقد وجدنا الأجسام لا تنفك عن الحوادث المتعاقبة عليها كالاجتماع والافتراق، والسكون والحركة، والألوان، والطعوم، والأرايح (٣) وما لم ينفك من الحوادث ولم يسبقها محدث مثلها … وإن قال (٤): وهل فيه دليل على حدث الأعراض؟ قيل: نعم قد وجدناها تتضاد في الوجود ولا يصبح وجود جميعها معا في محل فثبت (٥) أن بعضها يبطل ببعض وما يجوز عليه البطلان لا يكون إلا حادثا لأن القديم لم يزل ولا يصح (٦) عليه العدم. فإن قال: فهل فيه دليل على أن الحوادث لابد لها من محدث؟ قيل: نعم. حقيقة المحدث ما وجد عن عدم، ولولا أن موجودا أوجده لم يكن وجوده أولى من عدمه؛ و (٧) يتقدم بعضها على بعض، فلولا أن مقدما قدم ما تقدم منه لم يكن حدوثه متقدما أولى من حدوثه متاخرا وكذلك وجود بعضه على بعض الهيئات المخصوصة يدل على جاعل خصه بتلك (٨)، لولاه لم يكن بعض الهيئات أولى من بعض ولأنا شاهد الأجسام ينتقل أسبابها وتتبدل أحوالها فلولا أن منقلا (٩) نقلها، لم يكن انتقالها أولى من بقائها عليها وفي ذلك دليل على (١٠) تعلقها بمن نقلها

стр. 248

وحاجتها إلى من غيرها وأنها مصنوعة وأن لها صانعا غيرها ونحن نصوره في الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام بأنه (١) كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما ودما، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر على أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ولا أن يخلق لنفسه جارحة فدل ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوته عن ذلك أعجز وقد رأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال (فدل على أن ناقلا نقله من حال إلى حال) (٢) ودبره على ما هو عليه، ومما يبين ذلك: أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا من غير صانع ولا مدبر، والطين والماء لا يجوز أن يصيرا لَبِنا مشيدا من غير بان، وكما لا يجوز صانع (٣) لا صنع له لا يجوز صنع إلا من صانع، وقد نبهنا الله تعالى يف غير موضع من كتابه العزيز على ما ذكرنا من العبر فقال (٤): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا (٥) لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ. وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. وان قال قائل: ومن لكم بأن أثر الصنع موجود في السماوات والأرض قال الحليمي رحمه الله تعالى (٦): قيل له إن السماء جسم محدود متناه فالمحدود المتناهي لا يجوز أن يكون قديما؛ لأن

стр. 249

القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده وما لا سبب (١) لوجوده، فلا جائز أن يكون له نهاية لأنه لا يكون وجوده إلى تلك النهاية أولى (٢) من وجوده دونها أو ورائها ولأن المتناهي لا يكون خالص الوجود لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته معدوما، والقديم لا يعدم، فصح أن المتناهي لا يجوز أن يكون قديما والسماء متناهية فثبت أنهاليست بقديم. فإن قيل: وما الدليل على أنها متناهية؟ قيل: الدليل على ذلك (٣) أنها متناهية عيانا (٣) من الجهة التي تلينا فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي لا نراها ولا نشاهدها لأن تناهيها من هذه الجهة (٤) قد أوجب أن لا يكون ما يلينا منها قديما موجودا إلا بسبب، فصح (٥) أن ما لا تلينا منها فهي كذلك أيضا لأنه (٦) لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم (٧) وبعضه غير قديم. وأيضا فإن السماء جسم ذو أجزاء على جزء منه محدود متناه فدل ذلك على أن جميعها محدود متناه ثم ساق الكلام إلى أن قال (٨): وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين لأن أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعا من الاستحالة وكذلك الماء والهواء لأن أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة ويفترق (٩) أخرى وينتقل من حال إلى حال فصار حكمها حكم غيرها من الأجسام (١٠) التي ذكرنا في الحاجة إلى مغير غيرها وناقل نقلها وهو الله الواحد القهار. قال البيهقي (١١) رحمه اللّه تعالى: فإن قال قائل: وهل في العقل دليل على أن محدثها

стр. 250

واحد؟ قيل: نعم وهو استغناء الجميع في حدثه (١) بمحدث واحد، والزيادة عليه لا ينفصل منها عدد من عدد ولأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظم (٢) ولا يتسق (٣) على أحكام، كما قال الله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (٤) ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك أنه لو أراد أحدهما إحياء جسم، أراد (٥) الآخر إماتته كان لا يخلو من أن يتم مرادهما وهذا مستحيل أو لا يتم (مرادهما أو) (٦) مراد أحدهما دون صاحبه ومن لم يتم مراده كان عاجزا والعاجز لا يكون إلها (٧) ولا قديما. وبعبارة (٨) أخرى وهي أن حال الاثنين لا يخلو من صحة المخالفة أو تعذر المنازعة، فإن صحت المخالفة (٩) كان الممنوع من المراد موصوفا بالقهر وان تعذرت المنازعة كان على واحد منهما موصوفا بالنقص والعجز، وذلك يمنع من التشبيه وقد دعانا الله إلى توحيده في غير موضع من كتابه بما أرانا من الآيات وأوضح لنا من الدلالات فقال (١٠): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قرأها إلى قوله ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. إلى سائر ما ورد في الكتاب من الدلالات (١١) على صنعه وتوحيده. [١٠٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن الفضل

стр. 251

الصائغ، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى (في قوله) (١): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. لما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إن محمدا يقول: وإلهكم إله واحد فليأتنا باية إن كان من الصادقن فأنزل اللّه : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية يقول: إن في هذه الآيات … ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. [١٠٤] حدثنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال: وجدت في كتاب (٢) للشافعي ﵀: فيا عجبا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده جاحد؟ وللّه في كل تحريكة … وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد ويقال إن هذه الأبيات لأبي العتاهية (٣). [١٠٥] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: سمعت أبا الحسين عبد الواحد بن أبي عبد الرحمن ناقله أي القسم المذكور يقول: حكى جدي في كتبه، عن شيوخه أن

стр. 252

أبا العتاهية (١) إسماعيل بن قاسم جاء إلى دكان سقيفة الوراق فجلس وتحدث ثم ضرب بيده إلى دفتر فكتب في ظهره: فيا عجبا كيف يعصى الإ … له أم كيف يجحده الجاحد ولله (٢) في كل تحريكة … وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه وأحد ثم ألقاه ونهض فلما كان من الغد (٣) أو بعد ذلك جاء أبونواس فجلس وتحدث وضرب بيده إلى ذلك الدفتر فقال: أحسن قاتله الله (٤) والله لوددته لي بجميع ما قلته. لمن هي؟ قلت: لأبي العتاهية. فقال هو أحق به. ثم أخذ أبونواس الدفتر فكتب: سبحان (٥) من خلق … الخالق من ضعيف مهين يسوقه من قرار … إلى قرار مكين يحول (٦) شيئا فشيئا … في الحجب دون العيون حتى بدت حركات … مخلوقة من سكون فلما عاد أبو العتاهية نظر فيه فقال: أحسن قاتله (٧) الله والله لوددت أنهالي بجميع ما قلت وما أقول لمن هي؟ فقلنا: لأبي نواس.

стр. 253

فقال: الشيطان، ثم كتب أبو العتاهية: فإن أك حالكا فالمسك أحوى … ومالسوادجلدي من بقاء ولكني عن الفحشاء ناء … كبعد الأرض من جو السماء [١٠٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (٢). قال: خلقوا في أصلاب الرجال ثم صوروا في أرحام النساء. [١٠٧] حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، حدثنا عبد الله بن محمد ابن علي بن زياد الدقيقي، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن المديني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا بقية بن الوليد، حدثنا بحير بن سعيد، عن خالد ابن معدان قال: قال أبوذر ﵁: قال رسول اللّه ﷺ : "قد أفلح من أخلص اللّه قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا ونفسه مطمئنة وخليقته

стр. 254

مستقيمة (وجعل أذنه مستمعة) (١) وعينه ناظرة فأما الأذن فقمع وأما العين فمقرة لما يوعى القلب وقد أفلح من جعل الله قلبه واعيا". [١٠٨] أخبرنا أبو الحسن بن بشران، حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: "القلب ملك وله جنود فإذا صلح الملك صلحت جنوده وإذا فسد الملك فسدت جنوده والأذنان قمع والعينان مسلحة (٢) واللسان ترجمان واليدان جناحان والرجلان بريدان (٣) والكبد رحمة والطحال ضحك والكليتان مكر والرية نفس". قال البيهقي (٤) رحمه الله تعالى: هكذا (٥) جاء موقوفا ومعناه في القلب جاء في حديث النعمان بن بشير مرفوعا (٦). أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد النسوى، حدثنا.

стр. 255

[١٠٩] وقد رواه عبد الله بن المبارك، عن معمر بإسناده وقال رفعه. إسماعيل بن إبراهيم النيسابوري قال: سئل الحسن بن عيسى، عن حديث ابن المبارك فقال: حدثني أبو الأسود، حدثنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ فذكره. ورواه أيضا الحكم بن فضيل وعن عطية، عن أبي سعيد (١) مرفوعا. [١١٠] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن

стр. 256

المرتفع، عن عبد الله بن الزبير ﵁: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١). قال: سبيل الخلاء والبول". [١١١] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن (٢) عبد الله بن الزبير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال: سبيل الخلاء والبول كذا قال. [١١٢] وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن المرتفع، عن ابن الزبير فذكره. [١١٣] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله

стр. 257

الأديب، حدثنا محمود بن محمد، حدثنا عبد الله بن الهيثم، حدثنا الأصمعي قال: سمعت ابن السماك يقول لرجل: "تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم وتسمع بعظم وتتكلم بلحم". [١١٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في أخرين قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو عاصم، حدثنا صالح الناجي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب في قوله تعالى (١): ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: حسن الصوت.

стр. 258

[١١٥] قال: وحدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن سليمان البصري، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، عن عمر بن حفص العسقلاني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. قال: الملاحة في العينين. [١١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق قال: سمعت أبا عثمان الخياط يقول: حدثنا ذو النون بن إبراهيم المصري قال: "إن الله خلق القلوب أوعية للعلم، ولولا أن الله سبحانه وبحمده أنطق اللسان بالبيان وافتتحه بالكلام ما كان الإنسان إلا بمنزلة البهيمة يومئ بالرأس ويشير باليد". [١١٧] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان

стр. 259

ابن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء (١) قال: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة". [١١٨] وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد: "قيل لأم الدرداء: ما كان أفضل أعمال أبي الدرداء؟ قالت: التفكر". [١١٩] أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أخبرنا أبوالفضل عبدوس بن الحسين بن منصور،

стр. 260

حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمي المؤدب، أخبرنا علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، (عن سالم) (١)، عن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تفكروا في آلاء الله يعني عظمته ولا تتفكروا في الله" هذا إسناد فيه نظر. [١٢٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا علي بن محمد المروزي، حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي، حدثنا يحيى بن معاذ قال: "جملة التوحيد في كلمة واحدة وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا (٢) إلا واعتقدت أن الله (٣) مالكه من جميع الجهات". قال البيهقي (٤) رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: وأين (٥) الدليل على أنه سبحانه موجود؟

стр. 261

قيل: قد بينا أنه أوجد العالم وأحدثه والفعل لا يصح وقوعه إلا من ذوي قدرة والقدرة (١) لا تقوم بنفسها فوجب أنها تقوم بقادر موجود. ولأن استحالة وقوع (٢) الفعل من معدوم كاستحالة وقوعه لا من فاعل (فلما استحال فعل لا من فاعل استحال) (٣) فعل من معدوم وفى ذلك دليل على وجوده. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سبحانه قديم لم يزل؟ قيل: قد ثبت (٤) أنه موجود ولو كان محدثا لتعلق بغيره لا إلى نهاية، فالموجود (٥) لا ينفك من أن يكون قديما أو محدثا فلما فسد كونه محدثا ثبت أنه قديم. وإن شئت قلت قد بينا احتياج المحدثات إلى مقدم يقدم ما تقدم منها ومؤخر يؤخر ما تأخر منها ومخصص يخصص بعضها ببعض الهيئات دون بعض، فلو كان الذى يفعل ذلك بها مشاركا لها فى الحدوث لشاركها في الحاجة إلى المقدم والمؤخر والمخصص ولو كان بهذا الوصف لاقتضى على محدثا قبله ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أول لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء فثبت أنه قديم لم يزل. فإن قال قائل: فما الدليل على أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض؟ قيل: لأنه لو كان جسما لكان مؤلفا والمؤلف شيئان وهو سبحانه شيء واحد ولا يحتمل التأليف. وليس بجوهر، لأن الجوهر هو الحامل للأعراض المقابل للمتضادات، ولو كان كذلك لكان ذلك دليلا على حدوثه وهو سبحانه تعالى قديم لم يزل. وليس بعرض لأن العرض لا يصح بقاؤه ولا يقوم بنفسه وهو سبحانه قائم بنفسه لم يزل موجودا فلا يصح عدمه.

стр. 262

فإن قال قائل: فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟ قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور وجسدا لا كالأجساد وجوهرا لا كالجواهر فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا. وبعد: فإن الشيء سمة لكل موجود وقد سمى الله سبحانه نفسه شيئا قال الله (١): ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ولم يسم نفسه جسما (ولا سماه رسول الله ﷺ ولا اتفق المسلمون عليه) (٢) قال الله عز وجلا (٣): ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فإن قال قائل: وما (٤) الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصور في الوهم؟ قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع (٥) ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص

стр. 263

وأمارات الحدث والحاجة إلى محدث غيره وذلك يقتضي نفيه فوجب أنه كما وصف نفسه (١): ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه (٢) صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب والبناء لا يشبه الباني فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنا وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه قائم بنفسه، مستغن عن غيره؟ قيل: لأن خلاف (٣) هذا الوصف يوجب حاجته إلى غيره والحاجة دليل الحدث لأنها تكون إلى وقت ثم تبطل بحدوو ضدها وما جاز دخول الحوادث عليه كان محدثا مثلها وقد قامت الدلالة على قدمه. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي عالم قادر؟ قيل: ظهور فعله دليل على حياته وقدرته وعلمه لأن ذلك لا يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل به (٤) فدل ذلك على أنه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه ولا يكون بخلاف ذلك إلا وهو حي قادر عالم. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟ قيل: لأنه حي عالم ليس بمكره ولا مغلوب ولا به آفة تمنعه من ذلك وكل حي خلا مما يضاد العلم ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة كان مريدا مختارا قاصدا. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟ قيل: لأنه حي ويستحيل وجود حي يتعرى (٥) عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي أو بالآفة المانعة منه ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفين بالآفة لأنها منع والمنع يقتضي مانعا وممنوعا ومن كان ممنوعا كان مغلوبا، وذلك صفة الحدث والباري قديم لم يزل فهو سميع بصير لم يزل ولا يزال.

стр. 264

فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلم؟ قيل: لأنه حي ليس بساكت ولا به أفة تمنعه من الكلام وكل حي كان كذلك كان متكلما ولأنه (١) يستحيل لزوم الخطاب ووجود الأمر عمن لا يصح منه الكلام فوجب أن يكون متكلما. فإن قال قائل: فما (٢) الدليل على أنه لم يزل حيا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا متكلما؟ قيل: لأنه لو لم يكن كذلك لكان موصوفا باضدادها من موت أو عجز أو آفة ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك. فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم له الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام؟ قيل: لأنه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الصفات له قال الله (٣): ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقال تعالى (٤): ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال (٥): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. أي علمه قد أحاط بالمعلومات كلها إلى سائر الآيات التي وردت في هذا المعنى. وقال (٦): ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة وأثبت العلم فدل على أنه عالم بعلم قادر بقدرة ولأنه لو جاز عالم لا علم له لجاز علم ل العالم (٧) به كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له لجاز فعل لا لفاعل (٨) فلما استحال فاعل لا فعل له كما استحال فعل لا فاعل له كذلك يستحيل عالم لا علم له كما يستحيل علم لا العالم (٩).

стр. 265

ولأن العلم لو لم يكن شرطا في كون العالم عالما لم يضر عدمه في كل عالم حتى يصح على عالم أن يكون عالما مع عدم العلم وحين كان شرطا في كون بعضهم (١) عالما وجب ذلك في كل عالم لامتناع اختلاف الحقائق في الموصوفين. ولأن إحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منا به كما يمتنع (مع) (٢) كوننا غير عالمين به، فكما وجب استواء جميع المحكمين في كونهم علماء كذلك يجب استواؤهم في كون العلم لهم لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منا كاستحالة وقوعه من غير عالم به منا. ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم وبعدمه يخرج عن كونه عالما فلو كان القديم عالما بنفسه كانت نفسه علما له ولا يجوز أن يكون العالم (٣) في معنى العلم. فإن عارضوا ما ذكرنا من الآيات بقول الله (٤): ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قلنا: لسنا نقول إن الله ذو علم على التنكير (٥) وإنما نقول: إنه ذو العلم على التعريف كما نقول إنه ذو الجلال والإكرام على التعريف ولا نقول إنه ذو جلال واكرام على التنكير. فمعنى الآية إذا "وفوق على ذي علم محدث من هو أعلم منه". فإن قالوا: فيقولون: إن علمه قديم وهو قديم؟ قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته له أزليا ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه، لأن القديم هو المتقدم في وجوده بشرط المبالغة والتقدم في الوجود هو الوجود، والوجود لا يوجب (٦) الاشتباه عند أحد فكذلك التقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه ولأن القدم وصف مشترك (٧) يقال "شيخ قديم" و"بناء قديم" و"عرجون قديم". فالاشتباه لا يقع بالاشتراك في الوصف المشترك. ولأنه لو كان الاشتباه يقع بالاشتراك في القدم لكان يقع بالاشتراك في الحدث فلما لم قع بالاشتراك في الحدث لم قع بالاشتراك في القدم.

стр. 266

ولأن عندنا حقيقة المشتبهين هما الغيران اللذان يجوز على أحدهما جميع ما يجوز على صاحبه وينوب منابه وصفات الله تعالى ليست بأغيار له. فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل من أن يكون هو أو غيره أو بعضه؟ قيل: هذه دعوى بل ما ينكر من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالما، ولا يجوز أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ومعنى الغيرين ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه ولا يجوز أن يقال بعضه إذ ليس الموصوف به متبعضا. فإن قال (١): لو كان له علم لكان عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه وكان اعتقادا من جنس علومنا (٢) لأن ذلك حكم (٣) العلم المعقول. قيل: ليس الأمر كذلك لأن العلم لم يكن علما لأنه عرض أو بصفة (٤) مما ذكرتم وإنما كان (٥) علما لأن العالم به (٦) يعلم ثم ينظر (٧) فإن كان العلم محدثا كان علمه عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه. وإن لم يكن محدثا لم يصح وصفه بما يوجب الحدث ولما وجب أن يكون عالما غير معتقد ولا مكتسب ولا مضطر وجب أن يكون له علم لا يصح وصفه بشيء مما ذكرتم. فإن قالوا: لو كان عالما بعلم لكان محتاجا إلى علمه. قيل: لا تجوز عليه الحاجة لأنه غني ليس علمه ولا سائر صفاته الذاتية أغيارا له ولا أبعاضا- حتى يصح وصفه بالحاجة إلى غيره أو إلى بعضه. فإن قالوا: فيقولون إن علمه علم بكل ما يصح أن يعلم. قيل: كذلك نقول، ولذلك وصف الله تعالى علمه فقال (٨): ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ

стр. 267

﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وأما غير الله فإنه لا يصح أن يكون عالما بكل معلوم فلم يصح أن يكون له علم بذلك، فالله يجب كونه عالما بكل معلوم وكذلك يجب أن يكون علمه علما بكل ما يصح أن يعلم. والكلام في سائر الصفات الذاتية كالكلام في العلم، ولا يجوز في شيء من ذلك أن يقال إنه يجاوره (١) لأن المجاورة تقتيها المماسة أو القاربة في المكان، وذلك (٢) صفة للأجسام التي هي محل الحوادث، ولا يقال إنها تحله، لأن الحلول يقتضي المجاورة وقد قامت الدلالة على بطلانها، ولا يقال إنها تخالفه أو تفارقه، لأن المفارقة والمخالفة فرع للغيرية والتغاير بينه وبين صفاته محال، ولا يقال إنه ملكه، لأن ما يملك يصح أن يفعل، وصفاته أزلية لا يصح أن تفعل، ولا يقال في صفات ذاته إنها في أنفسها مختلفة لا متفقة لأنها ليست بمتغايرة. ولا يقال إنها مع الله أو في الله بل هي مختصة بذاته قائمة به لم يزل كان (٣) موصوفا بها ولا يزال هو موصوفا بها. وللّه تعالى صفات خبرية (٤) منها الوجه واليد وطريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فنثبتها ولا نكيفها، وأما صفات الفعل كالخلق والرزق فإنها أغيار (٥) وهي فيما لا يزال ولا يصح وصفه بها في الأزل، وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا (فى) (٦) اللّه جل ثناؤه أنه لم يزل خالقا ورازقا، ولكن يقولون: خالقنا لم يزل ورازقنا لم يزل قادرا على الخلق والرزق، لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سمي خالقا بعد وجود الخلق لم يوجب ذلك تغيرا في ذاته كما أن الرجل إذا سمي أبا بعد أن لم يسم أبا لم يوجب ذلك تغيرا في نفسه ومن أصحابنا من قال: يجوز القول بأنه لم يزل خالقا رازقا على معنى أنه سيخلق وسيرزق وبالله التوفيق.

стр. 268

[١٢١] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١) هل تعلم للرب (٢) مثلا أو شبها. [١٢٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب "ح" وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتي قالا: حدثنا أحمد بن حازم بن أبى غرزة الغفاري، حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنه في قوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.

стр. 269

(٢) الثاني من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان برسل الله صلوات اللّه عليهم عامة اعتقادا واقرارا إلا أن الإيمان بمن عدا نبينا (١) ﷺ هو الإيمان بأنهم كانوا مرسلين إلى الذين ذكروا لهم أنهم رسل الله إليهم وكانوا في ذلك صادقين محقين (٢). والإيمان بالمصطفى نبينا ﷺ هو التصديق بأنه نبيه ورسوله إلى الذين بعث فيهم وإلى من بعدهم من الجن والإنس إلى قيام الساعة. قال الله (٣): ﴿آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ و فقرن الإيمان برسوله بالإيمان به. وقال (٤): ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وقال (٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ … ﴾ الآية إلى أخرها. ففي هذه الآية أن الله (٦) جعل الكفر ببعض رسله كفرا بجميعهم ثم جعل الكفر بجميعهم كفرا به وقال بعد ذلك (٧): (وَالَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه﴾ الآية. فثبت أن حسن المآب إنما يكون لمن لم يفرق بين رسل الله وآمن بجماعتهم وقد روبنا في حديث ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكلتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن (٨) بالقدر كله خيره وشره".

стр. 270

[١٢٣] أخبرناه أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، حدثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا كهمس بن الحسن قال: سمعت عبد الله بن بريدة، يحدث عن يحيي بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر (١) ﵄ بذلك. أخرجه مسلم في الصحيح (٢) من حديث كهمس. [١٢٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا محمد ابن إبراهيم البوشنجي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " (أمرت أن) (٣) أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله

стр. 271

ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ربهم ". رواه مسلم في الصحيح (١) عن أمية بن بسطام. [١٢٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن الليث، حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل فقال: "يا معاذ قال: لبيك يا رسول اللّه وسعديك! قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذًا يتكلوا قال: وأخبر بها معاذ عند موته تأثما". رواه مسلم في الصحيح (٢) عن إسحاق بن منصور. [١٢٦] أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، حدثنا أبو عمرو

стр. 272

عثمان بن أحمد بن السماك، حدثنا عبد الله بن روح المدائني، حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يحدث عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه وأن محمدا رسول الله دخل الجنة". [١٢٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا أبو قلابة "ح"

стр. 273

وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، حدثنا عبد الملك بن محمد يعني أباقلابة، حدثنا قريش بن أنس، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن حميد بن هلال، عن هصان بن كاهل، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"من مات يشهد أن لا اله إلا اللّه وأني رسول الله يرجع ذلك الى قلب موقن دخل الجنة". [١٢٨] وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، حدثنا قريش بن أنس … فذكره بإسناده نحوه. غير أنه قال: عن عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ . [١٢٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن

стр. 274

يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا وكيع، عن المسعودي قال: أنباني أبو عمر الدمشقي (عن) (١) عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر: "قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا. قال: قلت أدم نبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم". [١٣٠] (قال) (٢): وحدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي

стр. 275

هريرة قال قال رسول اللّه ﷺ : "صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني". [١٣١] وروى يحيى بن سعيد السعدي البصري وهو ضعيف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي ذر ﵁: "اقال: قلت:

стр. 276

يا رسول اللّه كم النبيون؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي. قال: قلت كلم المرسلون منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر". أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسن علي بن الفضل السامري ببغداد، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن سعيد السعدي البصري فذكره. وروي ذلك من وجه آخر غير قوي، عن أبي ذر. [١٣٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عمرو بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ قال: كان الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وصالح وهود ولوط وشعيب وإبراهيم و إسماعيل إسحاق ويعقوب ومحمد ﷺ ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى فإسرائيل يعقوب وعيسى المسيح. قال: البيهقي رحمه الله تعالى (١): والإيمان برسول الله ﷺ يتضمن الإيمان له وهو قبول ما جاء به من عند اللّه عنه والعزم على العمل به لأن تصديقه في أنه رسول الله التزام لطاعته وهو راجع إلى الإيمان بالله والإيمان له لأنه من (٢) تصديق الرسل وفي طاعة الرسول طاعة المرسل، لأنه بأمره أطاعه.

стр. 277

قال الله تعالى (١): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. قال (٢): والنبوة اسم مشتق من النبأ وهو الخبر إلا أن المراد به في هذا الموضع خبر خاص وهو الذي يكرم الله به أحدا من عباده فيميزه عن غيره بإلقائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد، فتكون النبوة على هذا الخبر والمعرفة بالمخبرات الموصوفة. والنبي (٣) ﷺ هو المخبر بها فإن انضاف إلى هذا التوقيف أمر بتبليغه الناس ودعائهم إليه كان نبيا رسولا وإن ألقي إليه ليعمل به في خاصته ولم يؤمر بتبليغه والدعاء إليه كان نبيا ولم يكن رسولا فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. قال: وقد (٤) أرشد اللّه تعالى إلى أعلام النبوة في القرآن كما أرشد إلى آيات الحدث الدالة على الخالق والخلق فقال عز اسمه (٥): ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقال (٦): ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال (٧): ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾. فأخبر (تعالى) (٨) أنه بعث الرسل لقطع حجة العباد وقيل في ذلك وجوه: أحدها: أن الحجة التي قطعت على العباد هي أن لا (٩) يقولوا إن الله جل ثناؤه إن كان خلقنا لنعبده فقد كان ينبغي أن يبين لنا العبادة التي يريدها منا ويرضاها لنا ما هي؟ وكيف هي؟ فإنه وإن كان في عقولنا الاستجداء (١٠) له والشكر على نعمه التي

стр. 278

أنعمها علينا فلم يكن فيها أن التذلل والعبودية منا بماذا ينبغي أن يكون وعلى أي (١) وجه ينبغي أن يظهر (٢) فقطعت حجتهم بان أمروا ونهوا وشرعت لهم الشرائع ونهجت لهم المناهج فعرفوا ما يراد منهم وزالت الشبهة عنهم. والآخر: أن الحجة التي قطعت هي ألا يقولوا إنا ركبنا تركيب سهو (٣) وغفلة وسلط علينا الهوى (٤) ووضعت فينا الشهوات (٥) فلو أمدنا بمن إذا سهونا (٦) نبهنا واذا مال بنا الهوى إلى وجه قومنا و كان (٧) منا إلا الطاعة ولكن لما خلينا ونفوسنا ووكلنا إليها وكانت أحوالنا ما ذكرنا غلبت الأهواء علينا ولم نملك قهرها وكانت المعاصي منا لذلك. والثالث: أن الحجة التي قطعت هي ألا يقولوا قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق (٨) والعدل وشكر المنعم وقبح الكذب والكفر والظلم، ولكن لم يكن فيها أن من ترك الحسن إلى القبيح عذب بالنار خالدا مخلدا فيها (وأن من ترك القبيح إلى الحسن أثيب بالجنة خالدا مخلدا فيها) (٩) لأنه إذا كان لا يدرك بالعقل أن لله ﷻ خلقا هو الجنة أو خلقا هو النار الغائبة فكيف يدرك أن أحدهما معد (١٠) للعصاة (١١) والآخر لأهل طاعة. ولو علمنا أنا (١٢) نعذب على معاص وذنوب متناهية عذابا متناهيا أو غير متناه أو نثاب (١٣) على الطاعة (١٤) المتناهية ثوابا غير متناه و كان منا إلا الطاعة (١٥). فقطع الله ﵎ هذه الحجج كلها ببعثة الرسل وبالله التوفيق.

стр. 279

ثم إن الحليمي رحمه الله تعالى احتج (١) في صحة بعث الرسل بما عرف من بروج الكواكب وعددها وسيرها، ثم بما في الأرض مما يكون قوتا وما يكون دواء لداء (٢) بعينه وما يكون سما وما يختص بدفع ضرر السم وما يختص بجر الكسر وغير ذلك من المنافع والمضار التي لا تدرب إلا بخبر. ثم بوجود الكلام من الناس فإن من ولد أصم لم ينطق أبدا ومن سمع (٣) لغة ونشأ عليها تكلم بها، فبان بهذا أن أصل الكلام سمع وأن أول من تكلم من البشر تكلم عن تعليم ووحي، كما قال الله (٤): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وقال تعالى (٥): ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ثم إن كل رسول أرسله الله تعالى إلى قوم فلم يخله من أية أيده بها وحجة آتاها إياه، وجعل تلك الآية مخالفة للعادات إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله (٦) أمرا خارجا عن العادات ليستدل لاقتران (٧) تلك الآية بدعواه أنه رسول الله. وبسط الحليمي رحمه الله تعالى الكلام في ذلك إلى أن قال (٨): والكذب على الله تعالى (والافتراء) (٩) عليه بدعوى الرسالة من عنده من أعظم الجنايات، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر على من تعاطى ذلك آية ناقضة للعادات فيفتتن العباد به وقد نزل (١٠) الله تعالى من هذا الصنع (١١) نصا في كتابه فقال يعني نبيه ﷺ (١٢): ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١٣). قال: وكل آية آتاها الله رسولا فإنه يقرر بها عند الرسول أولا أنه رسول حقا ثم عند غيره، وقد يجوز أن يخصه (١٤) بان يعلم بها نبوة نفسه ثم يجعل له

стр. 280

على قومه دلالة سواها. ومعجزات (١) الرسل (٢) كانت أصنافا كثيرة وقد أخبر الله أنه أعطى موسى ﵇ (٣) تسع آيات بينات: العصا، واليد، والدم، والطو فان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس، والبحر. فأما العصا فكانت حجته على الملحدين والسحرة جميعا، وكان السحر في ذلك الوقت فاشيا فلما انقلبت (٤) عصاه حية تسعى وتلقفت حبال السحرة وعصيهم علموا أن حركتها عن حية (٥) حادثة فيها حقيقة (٦) وليست (٧) من جنس ما يتخيل بالحيل فجمع ذلك الدلالة على الصانع وعلى نبوته جميعا. وأما سائر الآيات التي لم يحتج إليها مع (٨) السحرة فكانت دلالات على فرعون وقومه القائلين (٩) بالدهر، فأظهر الله تعالى بها صحة ما أخبرهم به موسى (عليه أفضل الصلاة والسلام) (١٠) من أن له ولهم ربا وخالقا، وألان الله الحديد لداود وسخر له الجبال والطير فكانت تسبح معه بالعلشي والإشراق. وأقدر الله (١١) عيسى بن مريم (عليه أفضل الصلاة والسلام) (١٢) على الكلام في المهد فكان يتكلم فيه كلام الحكماء وكان يحيى له الموتى ويبرئ بدعائه أو بيده إذا مسح الأكمه والأبرص، وجعل له أن يجعل من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، ثم إنه رفعه من بين اليهود لما أرادوا قتله وصلبه فعصمه الله تعالى بذلك (١٣)

стр. 281

من أن يخلص ألم القتل. والصلب إلى بدنه وكان الطب عاما غالبا في زمانه فأظهر الله تعالى بما أجراه على يده (١) وعجز الحذاق من الأطباء عما هو (٢) أقل من ذلك بدرجات كثيرة من أن التعويل على الطبائع وإمكان ما خرج عنها باطل، وأن للعالم خالقا ومدبرا ودل بإظهار ذلك له وبدعائه على صدقه وبالله التوفيق. وأما المصطفى (٣) نبينا ﷺ خاتم النبيين صلوات الله عليهم وعليه وعلى آله الطيبن (وصحبه أجمعين) (٤) فإنه (٥) أكثر الرسل آيات وبينات، وذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته تبلغ ألفا، فأما العلم الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته ودام في أمته بعد وفاته فهو القرآن المعجز المبين الذي هو كما وصفه به من أنزله فقال (٦): ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال تعالى (٧): ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال (٨): ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقال (٩): ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقال (١٠): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقال (١١): ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ وقال (١٢): ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ

стр. 282

بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ فأبان جل ثناؤه أنه أنزله على وصف مباين لأوصاف كلام البشر لأنه منظوم وليس بمنثور ونظمه ليس نظم (١) الرسائل ولا نظم الخطب ولا نظم الأشعار ولا هو كأسجاع الكهان وأعلمه أن أحدا لا يستطيع يأتي بمثله ثم أمره أن يتحداهم على الإتيان بمثله إن ادعوا أنهم يقدرون عليه (٢) أو ظنوه فقال لَعالى (٣): ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ثم نقصهم تسعا فقال (٤): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فكان (٥) ما يقصه من الأمر غير أن من قبل ذلك دلالة وهي أن النبي ﷺ كان غير مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحصافة والمتانة وقوة العقل (٦) والرأي ومن كان بهذه المنزلة وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه لم يعجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس: أن ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه. إن أتيتم به فانا كاذب وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه وإن ذلك (٧) إن كان بطلت دعواه فهذا إلى أن نذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب أن ائتوا بمثله إن استطعتموه ولن تستطيعوه إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه (٨) ولا يجوز أن يكون هذا اليقن وقع له إلا من قبل ربه الذي أوحى إليه به فوثق بخبره. وبالله التوفيق. وأما ما (٩) بعد هذا فهو أن النبي ﷺ قال لهم: ائتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين فطالت المهلة والنظرة لهم في ذلك وتواترت الوقائع والحروب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم وسبيت ذراريهم ونساؤهم، وانتهبت أموالهم، ولم يتعرض أحد لمعارضته فلو قدروا عليها لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهاليهم وأموالهم ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم إذ كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة، فلما لم

стр. 283

يأتوا بذلك ولا ادعوه صح أنهم كانوا عاجزين عنه وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم إذ كان بشرا مثلهم لسانه لسانهم وعادته عادتهم وطباعه طباعهم وزمانه زمانهم واذا كان كذلك وقد جاء بالقرآن فوجب القطع (١) أنه من عند اللّه تعالى جده لا من عنده وبالله التوفيق. فإن ذكروا سجع مسيلمة فكل ما جاء به مسيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاة وسوقة وبعضه كأساجيع الكهان وأراجيز العرب وكان (٢) النبى ﷺ يقول ماهو أحسن لفظا وأقوم معنى وأبين فائدة ثم لم تقل له العرب ها أنت تتحدانا على الإتيان بمثل القرآن وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ياتوا بمثله لم يقدروا عليه ثم قد جئت بمثله مفترى إنه ليس من عند اللّه وذلك قوله (٣): أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب وقوله (٤): تالله لولا الله ما اهتدينا … ولاتصدقناولاصلينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا وقوله (٥): إن العيش عيش الآخره … فارحم الأنصار والمهاجرة

стр. 284

وقوله (١): "تعس عبد الدينار والدرهم وعبد الخميصة إن أعطي منها رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكسو (وإن شيك) (٢) فلا انتقش" (٣) فلم يدع أحد من العرب أن شيئا من هذا يشبه القرآن وأن فيه كثيرا كقوله. وحكى الأستاذ أبو منصور الأشعري (٤) رحمه اللّه تعالى فيما كتب إلي عن بعض أصحابنا أنه قال: يجوز أن يكون هذا النظم قد كان فيما بينهم فعجزوا عنه عند التحدي فصار معجزة لأن إخراج ما في العادة عن العادة نقض للعادة كما أن إدخال ما ليس في العادة في الفعل نقض للعادة. وبسط الكلام في شرحه. وأيهما كان فقد ظهرت بذلك معجزته واعترفت العرب بقصورهم عنه وعجزهم عن الإتيان بمثله. [١٣٣] حدثنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن علي الصنعاني بمكة، حدثنا

стр. 285

إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأن رق له فبلغ ذلك أباجهل فذكر ما جرى بينهما إلى أن قال الوليد: "والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا والله إن لقوله الذى يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه (١) مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته" وذكر الحديث. قال البيهقي (٢) رحمه الله تعالى: هكذا حدثناه موصولا. ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا (٣)، وذكر الآية التي قرأها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٤) الآية. وروينا من وجه آخر (٥) عن ابن عباس أتم من ذلك حين اجتمع الوليد بن المغيرة
следующие страницы →