← Книги сунны

Книги сунны · id 10660

شعب الإيمان - ط الرشد

أبو بكر البيهقي

Полный текст (7 093 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

[١٦٠] أخبرنا الشيخ أبوإلحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا أبو حامد أحمد

стр. 317

ابن محمد ابن الحسن الحافظ، حدثنا العباس بن محمد الدوري وإبراهيم بن الحارث البغدادي قالا: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد اللّه بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇ و أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال اللّه تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف تعملون قالوا: ربنا هاروت (١) وماروت. فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا واللّه حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، قالا: لا واللّه لا نشرك بالله شيئًا أبدا. فذهبت عنهم ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها

стр. 318

فقالت (١): لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا والله لا نقتله. فذهبت عنهما ثم رجعت بقدخ خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما مما أبيتما علي إلا وقد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا". كذا رواه زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع. ورواه سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير. [١٦١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب أخبرنا محمد ابن يونس بن موسى، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن

стр. 319

جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدم يعصون، فقالوا: يا رب ما أجهل هؤلاء ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك فقال: لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: فاختاروا منكم ملكين قالوا (١): فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الدنيا، وركبت فيهما شهوات بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله لهما: فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ما تقول قال: أقول إن عذاب الدنيا منقطع وأن عذاب الآخرة لا ينقطع. فاختارا عذاب الدنيا فهمًا اللذان ذكرهما اللّه في كتابه. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الاية. ورويناه من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا عليه (٢) وهو أصح فإن ابن عمر إنما أخذه، عن كعب. [١٦٢] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان، حدثنا أحمد ابن يوسف السلمي، حدثنا محمد بن يوسف قال: ذكر سفيان، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، عن كعب قال: "ذكرت الملائكة بني آدم وما يأتون من الذنوب قال قال: فاختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما: إني أرسل رسولي إلى الناس وليس بينى وبينكم رسل انزلا فلا تشركا بي شيئا ولا تسرقا ولا تزنيا". قال عبد الله: قال كعب: فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا فيه بما

стр. 320

حرم عليهما وهذا أشبه أن يكون محفوظا. وروي في ذلك عيط علي بن أبي طالب (١) ﵁. ومن قال بالقول الاخر (٢) أشبه أن يقول: إذا كان التوفيق للطاعة والمعصية من الله وجب أن يكون الأفضل من كان توفيقه له وعصمته إياه أكثر، ووجدنا الطاعة التي وجودها بتوفيقه وعصمته من الملائكة أكثر، فوجب أن يكونوا كذلك. وذكر الحليمي (٣) ﵀ توجيه القولين ولم أنقله واختار تفضيل الملائكة وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول والأمر فيه سهل وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشئ على ما هو به وبالله التوفيق. [١٦٣] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس الأصم

стр. 321

حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: " إنما قوله جبريل وميكائيل كقوله عبد اللّه وعبد الرحمن". [١٦٤] أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الحسن عبد الصمد بن علي ابن مكرم البزار ببغداد، حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن

стр. 322

أبيه، عن عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب جاء والصلاة قائمة فذكر قصة امتناع أبي جحش الليثى عن الصلاة مع النبي ﷺ وفيها أن النبي ﷺ قال: هلم يا عمر اجلس حتى أحدثك بغنى الرب ﵎ عن صلاة أبي جحش، إن لله في سمائه ملائكة خشوعا لا يرفعون (١) رءوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودا لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك". قال البيهقي رحمه الله تعالى: قد أخرجته بطوله في مناقب عمر ﵁. [١٦٥] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد بن شريك، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا عبد الله بن فروخ، أخبرني أسامة بن زيد، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا (٢) عباد الله يرحمكم الله تعالى".

стр. 323

(٤) الرابع من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين قال اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ (١) عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢). وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣). وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٤). وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وروينا في حديث (٥) ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله". والإيمان بالقرآن (٦) يتشعب شعبا فأولاها الإيمان بأنه كلام اللّه ﵎ وليس من وضع محمد ﷺ ولا من وضع جبريل ﵇. والثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم لو اجتمعت الإنس (٧) والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه. والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ (عنه) (٨) هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يفت منه شيء ولم يضع بنسيان ناس، ولا ضلال صحيفة، ولا موت قارئ ولا كتمان كاتم ولم يحرف منه شيء ولم يزد فيه حرف ولم ينقص منه

стр. 324

حرف فأما الوجه الأول فإن الله قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢). وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٣). وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٤). وقال (٥): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ومعناه والله أعلم أنزلنا الرسول المؤدى له به فيكون الرسول منتقلا من علو إلى سفل مؤديا للكلام الذي حفظه وذلك بين في الآية قبلها وهو أنه أخبر أنه نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ (فيكون جبريل ﵇ منتقلا به من مقامه المعلوم إلى الأرض مؤديا له إلى محمد ﷺ (٦) وأخبر في الآية قبلها أنه أنزله بعلمه وفي الآية قبلها أنه من عنده لا من عند غيره وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٧). ففصل بين المخلوق والأمر ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨). والسبق على الإطلاق (يقتضي) (٩) سبق كل شيء سواه وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١٠). فلو كان قوله مخلوقا تعلق- بقول أخر وذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا

стр. 325

يتناهى وذلك محال، قال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀: فيما عسى (أن) (١) يقال على هذا من السؤال الكلام على الحقيقة لا ينقل عنه إلا بدليل وقوله "كن" أمر تكوين للمعدوم لا أمر تكليف بمنزلة قوله: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ (٢). ﴿وكُونُوا قِرَدَةً خَاِسِئِينَ﴾ (٣). ويكون قوله "كن" متعلقا با يكون في الوقت الذي يكون في المعلوم أنه يكون فيه فلا يكون ذلك الوقت إلا كان كما يكون نفسه سامعا للصوت وقت وجود الصوت، وإن كان قبل ذلك سامعا أيضا إلا أنه يتعلق بالصوت وقت وجوده في أنه سمعه حينئذ لا قبله والفاء في قوله "فيكون" لا تقتضي أن يكون للتعقيب مع ما علق عليه لأن ذلك جواب "إنما" فكانه قال: لا يكون قوله "كن" متعلقا بما يكون إلا كان في الحال التي علم أنه يكون فيها وأن لا يوجب استقبال لأن ذلك مع ما بعده بمنزلة المصدر كما كان قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤). معناه والصيام خير (٥) لكم وذلك لا يقتضي استقبالا قلنا وقد قال: الله في إثبات صفة الكلامِ لنفسه ونفي النفاد عنه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٦). وإنما ذكرها بلفظ الجمع على طريق التعظيم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧). قال البيهقي رحمه الة قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٨). فذكره بالتكرار وأخبر الله بما كلم به موسى فقال: ﴿يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٩) إلى قوله ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفسِي﴾.

стр. 326

وقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). فهذا كلام سمعه موسى ﵇ من ربه بإسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه ودل بذلك على ربوبيته ودعاه إلى وحدانيته وعبادته وإقامة الصلاة لذكره وأخبره أنه اصطفاه لنفسه واصطفاه لرسالاته (٢) وبكلامه وأنه مبعوث إلى خلقه فمن زعم أنه إنما سمعه من غير الله فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية لنفسه ودعا موسى إلى وحدانية نفسه وذلك كفر وإن زعم أن ذلك الغير دعا إلى الله كذبه قوله: ﴿إِنَّي أَنَا رَبُّكَ﴾ و ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾. ولكان ذلك الغير يقول: ربي وربك فاعبده دل أنه إنما سمعه ممن له الربوبية والوحدانية ولأن الأمة اجتمعت مع سائر أهل الملل على أن موسى كان مخصوصا بفضل كلام الله ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية ولا شبه أن يكون من سمعه من جبريل أكثر خاصية منه لزيادة فضل جبريل على صوت يخلقه الله في الوقت لموسى. وقد روينا (٣) في حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ في قصة مناظرة آدم وموسى قال: "فقال آدم لموسى: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك (٤) الله من وراء الحجاب، لم يجعل الله بينك وبينه رسولا من خلقه". [١٦٦] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا

стр. 327

محمد ابن كثير، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم يعني ابن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللّه قال: "كان رسول الله ﷺ بعرض نفسه على الناس بالموسم فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ". وروينا عن (١) أبي بكو الصديق ﵁: "أنه لما قرأ سورة الروم على مشركي مكة فقالوا: هذا ما أتى به صاحبك قال: لا ولكنه كلام الله وقوله" وفي رواية أخرى (٢): "ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله " وروينا (٣) عن عامر بن شهر أنه قال: "كنت عند النجاشي فقرأ ابن له أية من الإنجيل فضحك فقال: أتضحك من كلام الله ". وروينا (٤) عن خباب بن الأرت أنه قال: "تقرب ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه".

стр. 328

وروينا عن ابن مسعود (١) أنه قال: "أصدق الحديث كلام الله ". وعن عمر بن الخطاب (٢) ﵁ قال: "القرآن كلام اللّه ". وعن عثمان بن عفان (٣) ﵁ قال: "لو أن قلوبنا طهرت لما شبعنا من كلام ربنا". وعن علي بن أبي طالب (٤) رضى الله عنه أنه قال: "ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن". وعن ابن عباس (٥) "أنه صلى على جنازة فقال رجل: اللهم رب القرآن العظيم اغفر له فقال ابن عباس: ثكلتك أمك إن القرآن منه إن القرآن منه". وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب الصفات مع سائر ما ورد فيه، عن النبي ﷺ وعن أصحابه والتابعين وأتباعهم. [١٦٧] أخبرنا أبو بكر محمد بن إبرهيم الفارسي في "التاريخ "، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم

стр. 329

ابن عبد الله الأصبهاني أخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثناه سمع ابن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق" كذا قال البخاري (١): عن الحكم ورواه سلمة بن شبيب (٢)، عن الحكم بن محمد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية. [١٦٨] أخبرنا أبو منصور الفقيه، أخبرنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو عروبة السلمي قال: أخبرنا سلمة بن شبيب فذكره. وكذلك (٣) رواه (غير) (٤) الحكم بن محمد، عن سفيان. قال البيهقي ﵀: مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة (٥) منهم عبد الله

стр. 330

ابن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير وأكابر التابعين. وروينا هذا القول (١) عن علي بن الحسين وجعفر بن محمد الصادق ومالك بن أنس

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 332

والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن ابن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ومحمد ابن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلة سواهم وإنما أحدث هذه البدعة الجعد ابن درهم ومنه كان ياخذ جهم فذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀: لو كان كلام الباري جل وعز محدثا كان قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل وآفة (١) مانعة منه ولو كان كذلك (لما) (٢) صح أن يتكلم في حال كما لا يصح أن يعلم لو كان لم يزل غير (٣) عالم فوجب أنه لم يزل متكلما و لم يلق به أضداد الكلام من السكوت والخرس والطفولية. و إن شئت قلت: كلام اللّه لو كان مخلوقا كان يجب أن يكون موصوفا بضده قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده وضد الكلام لو كان قديما لم يجز عدمه وكان يؤدي إلى إحالة وصفه بالأمر والنهي والخبر وذلك خلاف الدين.

стр. 333

ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن يخلقه في نفسه (وهذا محال) (١) لاستحالة أن يكون محلا للحوادث، ويستحيل أن يخلقه في غيره لأنه لو كان مخلوقا في غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير باخص أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم وقدرة وحياة إذا خلقها في غيره ولو كان كذلك لم يكن كلام الله ولا أمرا له. فإن قيل: يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له وإن كان في غيره. قيل: التفضل هو اسم يعم أجناسا، ونحن قلنا يضاف إليه باخص أوصافه فإن كان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه وإن كان سمعا وبصرا فكذلك فقولوا بأنه يضاف إليه باسم الأمر والنهي بلفظ الكلام والقول فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم ولا إلى الجملة ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما. فإن قيل: لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا: ﴿انَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (٢) ولم يزل يرسل وذلك كذب. قيل: أو ليس قد قال (٣): ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ ولم يقل بعد (٤) أفهو كذب فإن قال: معناه سيقول. قيل ذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. في أزله خبرا، عن أن "سنرسل نوحا" قبل إرساله فإذا أرسل يكذب (٥) خبرا، عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا كما أن علمه بان سيكون الدنيا علمه بأنه كائن واذا كان لم يحدث علم إنما حدث المعلوم والمخبر عنه، دون العلم والخبر، فإن قالوا: لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل أمرا وأمر من ليس بموجود محال. قيل: من قال من أصحابنا لم يزل أمرا فهو يقول: لم يزل أمرا له (٦) يكون على معنى إذا خلقت وبلغت وكمل عقلك فافعل كذا كأوامر الرسول ﷺ لمن (٧) يأتي بعده

стр. 334

ومن قال: لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى فنقول لا يجب إذا كان لم يزل متكلما أن يكون لم يزل أمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر ولم يكن كلاما لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم وينفي السكوت ويكون أمر العلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله. فإن قيل لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا أحد يسمع كلامه. قيل: أليس المسبح لا يسمع كلامه أحد ولا يكون هذيا فإن قيل: الله يسمعه قيل: فهو يسمع الهذيان أيضا ولايخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد وكلام الله يفيد المعاني الجليلة. فإن احتج محتج بالحروف وتاخر بعضها عن بعض، وفي ذلك دلالة على الحدث وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه والحروف تكون أدلة عليه كما تكون الكتابة أمارات الكلام ودلالات عليه وكما يعقل (١) متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢) دليلنا لأنه لولا أن في الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال: جاءني رجل له رأس ما كانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل. ومعنى الذكر كلام الرسول ﷺ أو نفس الرسول لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة وأما النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الإحكام وإلى القراءة الدالة على الكلام لا إلى عين الكلام وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه والقراءة غير المقروء كما أن ذكر الله غير الله وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣). يريد به سميناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٤) أي وصفوا الملائكة إناثا.

стр. 335

قال الحليمي (١) ﵀: وقوله : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ و في سورة أخرى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٣). فإنما معناه إنه لقول رسول كريم، أي قول تلقاه، عن رسول كريم، أو قول سمعه، عن رسول كريم أو نزل به عليه رسول كريم، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤). فاثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه و كلام جبريل معا فدل أن معناه ما قلنا. قال البيهقي ﵀: والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين فيما كانوا يزعمون من وضع النبي ﷺ هذا القرآن ثم قد أخبر الله أنه هو الذي نزل به الروح الأمن ﵇ على قلب محمد ﷺ وأن جبريل نزل به من عنده وباللّه التوفيق. وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه، والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه القديم، ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله، والملائكة أيضا عاجزون عن الإتيان بمثله، لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ولا يهتدى إلى وجهه (ليحتذى) (٥) ويمثل وهو كزكيب الجواهر لتصير أجساما وقلب (٦) الأعيان إذ كما (٧) لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة، وإنما وقع التحدي عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي ﷺ إنما أرسل إلى الجن والإنس دون الملائكة وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف الخبير وهذا معنى كلام (٨) الحليمي ﵀.

стр. 336

الوجه الثالث: فبيانه أن الله ضمن حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢). فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد كذب الله في خبره وأجاز الخلف فيه وذلك كفر. وأيضا فإن ذلك لو كان ممكن لم يكن أحد من المسلمين على ثقة مما في دينه ويقين مما هو متمسك به لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أو ضاع بنسخ شيء مما هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره، وبسط الحليمي (٣) ﵀ الكلام فيه فصح أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بان جميعه هو هذا المتوارث (٤) خلفا عن سلف، لا زيادة فيه ولا نقصان منه وبالله التوفيق. ذكر حديث جمع القرآن [١٦٩] أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن

стр. 337

سختويه، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، عن إبراهيم بن سعد الزهري، عن ابن شهاب -ح-. وأخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي بن مقاتل الهاشمي الفروي، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إلي أبو بكر الصديق رضى الله عنه مقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل (١) فقد أستحر وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو واللّه خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله (٢) لذلك صدري ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ﵁". قال زيد قال أبو بكر: "إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ﷺ فتتبع القرآن واجمعه". قال زيد: "فواللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن قال قلت: وكيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو واللَه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللَه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع (٣) والعسب (واللخاف) وصدور الرجال حتى وجدت أخر سورة التوبة مع أبى خزيمة".

стр. 338

وفي رواية أبي الوليد: "مع خزيمة (١) أو أبي خزيمة (٢) الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره". ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ خاتمة سورة براءة. قال: وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين. انتهى حديث الأشيب وزاد أبو الوليد (٣) في روايته قال إبراهيم بن سعد: حدثني ابن شهاب، عن أنص بن مالك: " أن حذيفة قدم على عثمان بن عفان وكان بغازى أهل الشام مع أهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان فافزع حذيفة (٤) اختلافهم فى القراءة فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى. فبعث عثمان إلى حفصة: أرسلي المصحف أو قال الصحف

стр. 339

ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فبعثت بها إليه فدعا زيد بن ثابت وأمره وأمر عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص". وقال غير أبي الوليد وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام: "وأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف وقال لهم: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانكم". فكتبت الصحف في المصاحف فبعث إلى على أفق بمصحف وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يمحى أو يحرق. قال ابن شهاب (١): وأخبرني خارجة بن زيد أنه سمع زيد بن ثابت يقول: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف كنا نسمع رسول الله ﷺ يقرأها فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فالحقتها به في سورتها في المصحف. قال ابن شهاب (٢): فاختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد بن ثابت: التابوه وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص: التابوت فرفع كلامهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت. رواه البخاري في الصحيح (٣) عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد دون

стр. 340

قول ابن شهاب قال البيهقي ﵀: وتأليف القرآن على عهد النبي ﷺ . روينا عن زيد بن ثابت (١) أنه قال: "كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع". وإنما أراد- والله تعالى أعلم- تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورتها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللخف والعسب، فجمعت منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار ثم نسخ ما جمع في الصحف في مصاحف باشارة عثمان بن عفان على مارسم المصطفى ﷺ . وروينا عن سويد بن غفلة (٢) أنه قال: قال علي بن أبي طالب: يرحم الله عثمان لو كنت أنا لصنعت (٣) في المصاحفط ما صنع عثمان. وقد ذكرنا في كتاب المدخل (٤) وفي أخر كتاب دلائل النبوة ما يقوي هذا الإجماع ويدل على صحته والحمد لله على حفظ عباده وتركهم على الواضحة وفقنا لمتابعة السنة ومجانبة البدعة (٥). [١٧٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى

стр. 341

أخبرنا الفضل بن محمد بن المسيب، حدثنا النفيلي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز بن رفيع قال: "دخلت مع شداد بن معقل على ابن عباس فسألناه: هل ترك رسول الله ﷺ شيئا سوى القرآن؟ قال: ما ترك سوى ما بين هذين اللوحين ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه فقال مثل ذلك ". رواه البخاري في الصحيح (١) عن قتيبة عن سفيان. [١٧١] أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، حدثنا أبو حامد أحمد بن

стр. 342

الحسن الحافظ، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي وأبوحاتم الرازي قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، حدثنا يزيد بن سنان يعني أباه، عن عطاء قال: سمعت أبا الحجاج مجاهد بن جبر يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت صهيبا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أمن بالقرآن من استحل محاومه". [١٧٢] وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا محمد بن

стр. 343

إسحاق بن خزيمة، حدثنا أحمد بن سعيد الرباطى، قال حدثنا صدقة بن صادق مولى بني هاشم، حدثنا مفضل بن مهلهل، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت صهيبا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". قال البيهقي ﵀: وأما الإيمان بسائر الكتب مع الإيمان بالقرآن فهو نظير الإيمان بسائر الرسل مع الإيمان بنبينا ﷺ وعليهم أجمعن، والذي يحق علينا معرفته في كلام الله أن نعرف أن كلامه صفة من صفات ذاته يقوم به وكلامه مقروء في الحقيقة بقراءتنا محفوظ في قلوبنا، مكتوب في مصاحفنا غير حال فيها كما أن الله تعالى مذكور في الحقيقة بالسنتنا، معلوم في قلوبنا معبود في مساجدنا غير حال فيها وكلام الله إذا قرئ بالعربية سمي قرأنا وإذا قرئ بالسريانية سمي إنجيلا واذا قرئ بالعبرانية سمي توراة وإنما يجوز في هذه الشريعة قراءة ما سمي قرآنا دون ما سمي توراة وإنجيلا، لأن الله تعالى كذب أهل التوراة والإنجيل الذين كانوا على عهد نبينا ﷺ وأخبر عن (١) خيانتهم وتحريفهم الكلام عن مواضعه، ووضعهم الكتاب ثم يقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون فلا يأمن السلم إذا قرأ شيئا من كتبهم أن يكون ذلك من وضع اليهود والنصارى. [١٧٣] وقد أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبد الله بن الصقر بن نصر السكري، حدثنا أبو مروان، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث

стр. 344

الأخبار تقرءونه محضا لم يشب ثم يخبركم اللّه في كتابه أنهم قد غيروا كتاب اللّه وبدلوه وكتبوا الكتاب بايديهم ثم قالوا هو من عند الله ليشتروأ به ثمنا قليلا ألا ينهاكم العلم الذي (١) جاءكم عن مسألتهم، والله ما رأينا رجلا منهم قط سألكم عما أنزل الله إليكم". [١٧٤] وأخبرنا علي بن (٢) أحمد بن عبيد، حدثنا عبيد بن بشر، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد اللّه، عن ابن (٣) عباس قال: "يا معشر المسلمين (٤) كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله تقرءونه" فذكر نحوه. رواه البخاري في الصحيح، عن يحيى بن بكير (٥) وعن موسى بن إسماعيل (٦)، عن إبراهيم بن سعد وقد روينا، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أن عمر أتاه فقال: "إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى أن نكتب (٧) بعضها؟ فقال: أمتهوكون (٨) أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! لقد جئثكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي".

стр. 345

[١٧٥] أخبرناه أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو الحسن الكارزي أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا هشيم أخبرنا مجالد فذكر نحوه. قال أبو عبيد: وحدثنا معاذ، عن ابن عون، عن الحسن يرفعه نحو ذلك قال قال: ابن عون فقلت للحسن: ما متهوكون؟ قال: متحيرون. [١٧٦] حدثنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني إملاء أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن

стр. 346

زياد البصري بمكة، حدثنا الهيثم بن سهل التستري، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا مجالد ابن سعيد. وأخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسالوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا". زاد القاضي في روايته: "واللّه لو كان موسى ﵇ حيا ما حل له إلا أن يتبعني" وروي عن جبير بن نفير، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ في محو ما كتب من قول اليهود بريقه والنهي عن ذلك.

стр. 347

(٥) الخامس من شعب الإيمان "وهو باب في القدر خيره وشره من اللّه " قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) قرأها. وفي هذه الآية دلالة على أن قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢). معناه ما أصابك من شيء يسرك من صحة بدن أو ظفر بعدو وسعة رزق ونحو ذلك فالله مبتديك بالإحسان به إليك وما أصابك من شيء يسوءك ويغمك فبكسب يدك لكن الله مع ذلك سابقه إليك والقاضي به عليك، وهو كما قال في أية أخرى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣). وقد يكون فيما يسوءه جراحات تصيبه أو قتل أو أخذ مال أو هزيمة وقد أمر في الآية الأخرى بأن يقول فيها وفيما يصيبه من خلافها ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤). فدل أن ذلك كله بتقدير الله غير أنه في أية أخرى أخبر أنه إنما يصيبه جزاء له بما جناه. على نفسه بكسبه وليس ذلك بخلاف و أمر به في الآية الأولى. [١٧٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى ابن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر معبد الجهني بالبصرة قال: فانطلقنا حجاجا أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري فلما قدمنا المدينة وافقنا عبد الله بن عمر

стр. 348

وهو في المسجد فقلت: يا أباعبد الرحمن إن قبلنا ناسا يقرءون القرآن ويتقفرون (١) العلم ويقولون لا قدر وإنما الأمر أنف (٢) قال: فإذا لقيت أولئك فاخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره". حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر سفر (٣)، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرتي، عن الإيمان ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال: صدقت" وذكر الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه من وجه أخر (٤) عن كهمس. ورواه يزيد بن زريع (٥) عن كهمس وقال في الحديث: "أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وبالبعث بعد الموت قال: صدقت".

стр. 349

[١٧٨] وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أنبأنا أبو المثنى، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا كهمس فذكره. وقد روينا، عن أبي هريرة (١) عن النبي ﷺ في هذه القصة "وتؤمن بالقدر كله". وروينا في الإيمان بالقدر، عن علي بن أبي طالب (٢)، وعبد الله بن عمر (٣) وأنس بن مالك (٤)، وعدي بن حاتم (٥)، عن النبي ﷺ .

стр. 350

[١٧٩] وقد أخبرنا أبوعلا الحسين بن محمد الروذباري أخبرنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، عن أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي قال: " أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله جل ثناؤه أن يذهبه من قلبي فقال: لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار قال: ثم لقيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك ثم أتيت حذيفة ابن اليمان فقال مثل ذلك ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني، عن النبي ﷺ مثل ذلك".

стр. 351

وقد روينا، عن عبادة بن الصامت (١) وغيره في كيفية الإيمان بالقدر نحو ذلك. وفي ذلك بيان أن المراد بالحديث الأول أن على مقدور فالله قادره وأن الخير والشر وإن كانا ضدين فإن قادرهما واحد وليس قادر الشر غير قادر الخير كما تقوله الثنوية (٢) فإذا ثبت أن الإيمان بالقدر شعبة من شعب الإيمان فقد دل الكتاب ثم السنة على أن اللّه تعالى علم في الأزل ما يكون من عباده من خير وشر ثم أمر القلم فجرى في اللوح المحفوظ بما علم قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٣). وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤). وقال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (٥). وروينا عن (٦) عمرادْ بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شئ

стр. 352

(غيره) (١) وكتب في الذكر على شئ ثم خلق السموات والأرض". وروينا في هذا المعنى أحاديث كثيرة (٢) ثم إن الله جل ثناؤه خلق الخلق على ما علمه منهم وعلى ما قدره عليهم قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣). يعني بحسب ما قدرناه قبل أن نخلقه (٤)، فجرى الخلق على علمه وكتابه والسبب في نزول هذه (ما): [١٨٠] أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو نعيم ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا أبو المثنى حدثنا محمد

стр. 353

ابن كثير قالا: حدثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي، عن أبي هريرة قال: "كان مشركو قريش عند رسول الله ﷺ يخالفونه في القدر فنزلت هذه الآية": ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي (النَّارِ) (١) عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢). أخرجه مسلم في الصحيح (٣) من حديث سفيان. [١٨١] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :"احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى اصطفاك

стр. 354

الله بكلامه وخط لك التوراة أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني قال: فحج آدم (١) موسى". أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح (٢) من حديث سفيان بن عيينة.

стр. 355

وفي هذا دليل على تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد (١)، وصدورها عن تقدير منه وأنه ليس لأحد من الَادميين أن يلوم أحدا على القدر المقدر الذي لا مدفع له إلا على وجه (٢) التحذير للوقوع في المعصية ولم يكن قول موسى بعد خروج آدم من دار الدنيا في وقت يكون للتحذير فيه معنى فصار بما عارضه به آدم محجوجا بقضية المصطفى ﷺ والله أعلم. [١٨٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا الحسن بن محمد بن زياد، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "كنا في جنازة فلما انتهينا إلى بقيع الغرقد قعد رسول اللّه ﷺ وقعدنا حوله فأخذ عودا فنكت به الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار وشقية أم سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله ألا ندع العمل ونتكل (٣) على كتابنا، فمن كان منا من أهل السعادة صار إلى السعادة ومن كان من أهل الشقوة صار إلى الشقاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : اعملوا فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة ييسر (٤) لعملها ومن كان من أهل السعادة ييسر (٤) لعملها. ثم قال رسول الله ﷺ (٥): ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ
следующие страницы →