وقد روينا، عن عبادة بن الصامت (١) وغيره في كيفية الإيمان بالقدر نحو ذلك. وفي ذلك بيان أن المراد بالحديث الأول أن على مقدور فالله قادره وأن الخير والشر وإن كانا ضدين فإن قادرهما واحد وليس قادر الشر غير قادر الخير كما تقوله الثنوية (٢) فإذا ثبت أن الإيمان بالقدر شعبة من شعب الإيمان فقد دل الكتاب ثم السنة على أن اللّه تعالى علم في الأزل ما يكون من عباده من خير وشر ثم أمر القلم فجرى في اللوح المحفوظ بما علم قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٣).
وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤).
وقال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (٥).
وروينا عن (٦) عمرادْ بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شئ
стр. 352
(غيره) (١) وكتب في الذكر على شئ ثم خلق السموات والأرض".
وروينا في هذا المعنى أحاديث كثيرة (٢) ثم إن الله جل ثناؤه خلق الخلق على ما علمه منهم وعلى ما قدره عليهم قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣).
يعني بحسب ما قدرناه قبل أن نخلقه (٤)، فجرى الخلق على علمه وكتابه والسبب في نزول هذه (ما):
[١٨٠] أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو نعيم ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا أبو المثنى حدثنا محمد
стр. 353
ابن كثير قالا: حدثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي، عن أبي هريرة قال: "كان مشركو قريش عند رسول الله ﷺ يخالفونه في القدر فنزلت هذه الآية":
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي (النَّارِ) (١) عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢). أخرجه مسلم في الصحيح (٣) من حديث سفيان.
[١٨١] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :"احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى اصطفاك
стр. 354
الله بكلامه وخط لك التوراة أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني قال: فحج آدم (١) موسى". أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح (٢) من حديث سفيان بن عيينة.
стр. 355
وفي هذا دليل على تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد (١)، وصدورها عن تقدير منه وأنه ليس لأحد من الَادميين أن يلوم أحدا على القدر المقدر الذي لا مدفع له إلا على وجه (٢) التحذير للوقوع في المعصية ولم يكن قول موسى بعد خروج آدم من دار الدنيا في وقت يكون للتحذير فيه معنى فصار بما عارضه به آدم محجوجا بقضية المصطفى ﷺ والله أعلم.
[١٨٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا الحسن بن محمد بن زياد، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "كنا في جنازة فلما انتهينا إلى بقيع الغرقد قعد رسول اللّه ﷺ وقعدنا حوله فأخذ عودا فنكت به الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار وشقية أم سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله ألا ندع العمل ونتكل (٣) على كتابنا، فمن كان منا من أهل السعادة صار إلى السعادة ومن كان من أهل الشقوة صار إلى الشقاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : اعملوا فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة ييسر (٤) لعملها ومن كان من أهل السعادة ييسر (٤) لعملها. ثم قال رسول الله ﷺ (٥):
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ
стр. 356
بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ رواه مسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه (٢) من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، ومن حديث الأعمش، عن سعد.
[١٨٣] أخبرنا أبو طاهر الفقيه أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآباذي، حدثنا أبو قلابة، حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا عزرة بن ثابت، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى ابن يعمر، عن أبي الأسود اّلدئلي قال: قال لي عمران بن حصين: "أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم من قدر قد سبق أو مما (٣) يستقبلون مما
стр. 357
أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ قلت (١): لا بل شيء قضي عليهم قال: فهل يكون ذلك ظلما قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: ليس شيئا إلا وهو خلق الله وملكه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال: فقال لي: يرحمك الله إني والله ما سألتك إلا لأحزر (٢) عقلك، إن رجلين أو قال: رجل من مزينة أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت ما يعملون (ويكدح) (٣) الناس فيه اليوم فيه شيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة؟ قال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال: وفيما نعمل إذًا؟ قال: من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتن فييسره لها وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٤) رواه مسلم في الصحيح (٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عثمان بن عمر.
وفي هذا والذي قبله دلالة على أن العبد إنما ييسر (٦) و خلق له وإن التيسير إنما هو بحق الملك و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ويشبه (٧) أن يكونوا إنما تعبدوا بهذا النوع من التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم فلا يتكلوا على ما يظهر من أعمالهم، ورجاءهم بالظاهر البادي لهم فيرجوا به حسن أحوالهم والخوف والرجاء مدرجا (٨)
стр. 358
العبودية فيستكملوا بذلك صفة الإيمان، وفي مثل هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ :
[١٨٤] أخبرناه علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن منصور أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر باربع: بكتمب رزقه وعمله وأجله، وشقي هو أم سعيد فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها". رواه مسلم في "الصحيح" (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن أبي معاوية وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن الأعمش.
стр. 359
[١٨٥] حدثنا الشيخ أبو بكر بن فورك، حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال: حدثني أبي، حدثنا عمرو بن علي أبوحفص، حدثنا أبو عبد الله الأسفاطي قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله بلغنا عنك حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود في القدر؟ فقال: نعم أنا قلته رحم الله الأعمش ورحم الله زيد بن وهب ورحم الله عبد الله بن مسعود ورحم الله من حدث بهذا الحديث".
[١٨٦] أخبرنا أبو علي الروذباري أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي بالبصرة إملاء، حدثنا أبو داود هو السجستاني، حدثنا محمد بن يزيد الأعور قال: "رأيت رسول الله ﷺ في المنام جالسا مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فقلت يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود وحديث الصادق المصدوق أريد حديث القدر، قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو حدثته به فاعادها ثلاثا غفر الله للأعمش كما حدث به غفر الله لمن حدث به قبل الأعمش وغفر الله لمن حدث به بعد الأعمش"
стр. 360
قال البيهقي ﵀: وفي الحديث دلالة على أن الاعتبار بما يختم عليه عمله، وإنه إنما يختم بما سبق كتابه وفي ذلك كله دلالة على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن أعمال عباده مخلوقة له مكتسبة للعباد ومما دل عليه قوله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وما يعمله ابن آدم ليس هو الصنم وإنما هو حركاته واكتساباته وقد حكم بأنه خلقنا وخلق ما نعمله وهو حركاتنا واكتساباتنا.
وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).
وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٣).
وأفعال الخلق بينهما ولا يتناول ذلك شيئا من صفات ذاته لأن صفات ذاته ليست بأغيار له فلا يتناولها كما لا يتناول ذاته وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٤).
كما قال: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٥).
فكما لا إله إلا هو كذلك لا خالق إلا هو وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) وهذه الآية كما هي حجة في الهداية والإضلال فهي حجة في خلق الهداية والضلال لأنه قال: "يشرح" و "يجعل" وذلك يوجب الفعل والخلق، والَايات في هذا المعنى كثيرة، وروينا عن النبي ﷺ أنه قال (٧): "اعملوا فكل ميسر و خلق له".
وعن حذيفة بن اليمان، عن النبي ﷺ : "إن الله خالق على صانع وصنعته":
[١٨٧] أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف أخبرنا أبوسهل الإسفراييني أخبرنا
стр. 361
أبو جعفر الحذاء، حدثنا علي بن المديني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله صانع كل صانع وصنعته".
وروينا عن (١) أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخير والشر خليقتان تنصبان للناس يوم القيامة".
وروينا في هذا الباب أحاديث كثيرة وهي في "كتاب القدر" مذكورة من أراد الوقوف عليها رجع إليها إن شاء الله تعالى.
قال أصحابنا: ولأن الإنسان لو صح أن يحدث شيئا (٢) مما يصح أن يحدث لم يكن بعض ما يصح أن يحدث بأن يكون محدثه بأولى من بعض كما أن الله لما
стр. 362
صح أن يحدث لم يكن بعض ما يصح أن يحدث بأن يصح منه إحداثه باولى من بعض، ولأن الإنسان محدث والمحدث لا يصح أن يحدث كما أن الحركة لا يصح أن تتحرك (١) ولأن هذه الحوادث التي هي تقع على وجوه لا يقصدها ككون الكفر قبيحا من الكافر غير واقع على قصده، لأن الكافر يقصد أن يقع كفره حسنا غير قبيح ولا يقع إلا قبيحا فدل أن قاصدا قصد إيقاعه قبيحا لأنه يستحيل أن يقع كذلك من غير فاعل فعله على ما هو به وكذلك الإيمان يقع متعبا مؤلما ولو قصد (المؤمن) (٢) أن يقع على خلاف هذا الوجه لم يتأت منه ذلك دل (على) (٢) أنه وقع كذلك لقصد موقع أوقعه كذلك غير الذي لو جهد لخلافه أن يقع لم يقع.
ولأنا نجد الإنسان غير عالم بحقائق أفعاله كلها وكمياتها وعدد أجزائها ولا يجوز أن يكون مخترعا لها وهو لا يحيط بها علما إذ لو ساغ ذلك لم ينكر أن يكون سائر المخترعين كذلك وأن يكون كذلك حكمة الباري في اختراعه ولا يدخل عليه الكسب لأن الكسب هو اختراع عالم بحقائقه من (جميع) (٣) وجوهه جعله كسبا لنا ونحن مكتسبون له غير مخترعين له والذي يؤكد هذه الطريقة قوله : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ (٤).
وظاهر هذا أنه خلق الإسرار والجهر اللذين يكتسبان بالقلب وأنه عليم كما وكيف لا يعلم وهو خلقهما؟ فدل (على) (٢) أن الخلق يقتضي علم الخالق بالخلق من كل (٥) الوجوه.
ولأن الدلالة قد قامت أن على مقدور فالله قادر عليه لقيام (٦) الدلالة على أن القدرة من صفات ذاته كالعلم فوجب أن يقدر على كل مقدور كما يعلم كل معلوم وإذا كان كذلك فوجب أن يكون إذا وجد وهو مقدور أن يكون (٧) مرادا له، وأن يكون فعله كما إذا وجد مقدور الإنسان مرادا له ألم يكن فعله.
стр. 363
فإن قيل إذا كان الله خالقا لكسب العباد أفتقولون إن الفعل وقع من فاعلين؟
(قيل) (١): لا فاعل في الحقيقة إلا الله كما أنه لا خالق إلا هو والإنسان مكتسب على الحقيقه غير فاعل ولا محدث العين عن العدم.
وكان الشيخ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان يقول: فعل القادر القديم خلق وفعل القادر المحدث كسب، فتعالى القديم عن الكسب وجل، وصغر المحدث عن الخلق وذل.
فإن قيل: أفتقولون هو مقدور لقادرين؟
قيل: نعم أحدهما يخلقه ويخترعه ويخرجه عن العدم، وهو الله .
والثاني يكتسبه ولا يخلقه وهو العبد والخلق ما تعلقت به قدرة حادثة فالقدرة الأزلية تؤثر في الاختراع والقدرة الحادثة تؤثر في الاكتساب.
فإن قالوا: فإذا كان الله تعالى خلق أعماله كلها أعمالا له فكيف يثيبه ويعاقبه؟
قيل: ليس الثواب من الله إلا بتفضل عليه (٢) وأما العقاب فهو لو ابتلاه في العذاب كان له أن يفعله لأنه ملكه وفي قبضته وليس الكفر علة العقاب ولا الإيمان علة الثواب إنما هما أمارتان جعلتا (٣) علمين لهما.
فقيل: إن كنت كافرا عذبت في الآخرة وإن كنت مؤمنا عوفيت وأثبت وجمغ ذلك من الثواب والعقاب والكفر والإيمان خلقه واختراعه لا لعلة يفعل ما يشاء.
فإن قيل: فإذا عاقبه على ما خلقه له كان ظالما له.
قيل: لم قلت ذلك وما ينكر أن حقيقة الظلم هو تعدي الحد (٤) والرسم الذي يرسمه الامر الذي لا آمر فوقه وأن لا يكون للظلم منه معنى إذ أفعاله كلها تقع على غير وجه التعدي والتحكم فيما لا يملك فلا يستحق اسم الظالم ولو ساغ ما قلته لم
стр. 364
ينفصل ممن قال إذا أمكنه من الكفر وعلم أنه لا يأتي إلا بالكفر لم يصح أن يعقابه لأنه يكون ظالما له حينئذ وما الفصل وكذلك إذا خلق له الآلات والحياة والقدرة والشهوة للمعاصي وعلم أنه لا يفعل بها إلا كفرا به عرضه للهلاك والعطب فيكون له ظالما ووجب أن يكون في إيلام الأطفال والمجانين والبهائم ظالما ولا معنى لتقدير العوض فيه فإن العوض لا يحسن به القبيح في الشاهد إلا بمرضاه (١) فإذا كان جميع ذلك منه غير منسوب إلى الظلم لأنه المالك على الحقيقة وهو فيما يفعله في ملكه غير متعد ذلك ما قلنا لا فصل بينهما.
فإن قيل: من خلق الكفر كان كافرا ومن خلق الظلم كان ظالما.
قيل له: ما ينكر على من يقول: من خلق النوم كان نائما ومن خلق الخوف كان خائفا ومن خلق المرض كان مريضا ومن خلق الموت كان ميتا فإذا لم يلزم ذلك من هذه الأشياء لم يلزم في الكفر والظلم.
فإن قيل أفتقولون: إن الله يشاء الكفر والظلم قيل له: إن أردت بقولك يشاء
الكفر نفي الغلبة والعجز والإكراه على ما يشاء فنعم يشاء أن يكون ما يريد.
وجواب أخر: وهو أن يشاء أن يكون موجودا و لم يزل عالما بأنه يكون موجودا فلا يكون خلاف ما علم والكفر مما لم يزل كان عالما به أنه يكون موجودا ألا تراه يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) وفيه جواب آخر وهو أنه شاء أن يكون الكفر من الكافر خلاف الإيمان من المؤمن ألا ترى أن موسى وهارون سألا إضلال فرعون. وقومه والشد على قلوبهم فلا يؤمنوا فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (٣) فشاء إضلالهم والشد على قلوبهم فلا يؤمنوا و أجاب دعوتهما.
وفيه جواب أخر يشاء (٤) أن يكون الكفر قبيحا ضلالا عمى خسارا لا نورا وهدى وحقا وبيانا وإن أردت تقول يشاء الكفر أي يامر به فتقول ذلك.
стр. 365
فإن قيل: الحكيم من يريد أن يشتم ويذكر بسوء؟
قيل: الحكيم من يجري الشتم على لسان النائم والمبرسم ولا فعل لهما الحكيم من يخلق عبدا يعلم أنه لا يزال يشتمه ويجحده ثم يحدث له كل ساعة قوة جديدة. وقيل (١): من كان الشتم ينقصه فليس بحكيم ومن لم ينقصه فحكيم؛ لأنه يشاء ما لم يكن ولأن من يريد أن يكون شتم الشاتم له بخلاف مدح المادح له فحكيم؛ ومن أراد أن يكون شتم الشاتم له معصية من الكافر لا طاعة فحكيم، لأن من يريد الشيء على ما لا يكون خلافه فحكيم، ومن أراد أن يكون الشتم موجودا في الوقت الذي لم يزل به عالما أنه يكون فيه موجودا فحكيم، لأنه أراد الشيء في الوقت الذي كان يكون فيه، ومن أراد أن لا يكون مغلوبا مقهورا مكرها على كون ما لا يريد فحكيم والكلام في هذا يطول.
فإن قيل: ما تقولون في استطاعة العبد؟
قيل: نقول هي قدرته وهي مع فعل العبد وهي توفيق من الله تعالى للطاعة
وخذلان منه في المعصية قال الله (٢): ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
وقد كانوا لسبيل الباطل مستطيعين فدل على أنه نفى عنهم استطاعة الحق لأنهمِ لم يكونوا فاعلين له، وقال مخبرا عن صاحب موسى عليه (٣) السلام: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٤) فنفى عنه استطاعة الصبر حين أراد أن ينفي عنه الصبر وقال النبي ﷺ : "كل ميسر لما خلق له".
فدل أنه في حال كسبه ميسر وتيسيره قدرته ولأن المسلمين يقولون إنه لا يستطيع الخير إلا بالله وهو قبل كونه ليس بخير فدل على أن استطاعتهم تكون معه ولأن الاستطاعة سبب للفعل يوجد بوجودها ويعدم بعدمها فجرت مع الكسب مجرى العلة مع المعلول ولا يصح تقدم العلة على المعلول (٥) فلا يصح (٦) تقدم الاستطاعة (على) (٧) الكسب.
стр. 366
[١٨٨] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا علي بن حكيم الأودي أخبرنا شريك، عن يحيى بن سعيد وعاصم، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت النبي ﷺ فاتبعته فانتهى إلى المقابر فقال: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين أنتم فرط لنا. ثم التفت إلي فقال: ويحها لو استطاعت ما فعلت وما استطاعت". وهذا يدل على ما قلنا في الاستطاعة لأنه نفى عنها الاستطاعة في المكث دون الاتباع.
فإن قيل: يقولون إن الله كلف العبد ما لا يطيقه إلا به وهذا معنى قول المسلمين: لا حول ولا قوة إلا بالله ولذلك أمر الله عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولا تكون عبادة العبد إلا بمعونة الرب وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
فمعناه إلا ما يحل لها، أو لا تعجز عن فعله بزمانه أو غيرها أو لا يكلف الله نفسا مؤمنة إلا وسعها لأنها نزلت في العفو عن المؤاخذة بحديث النفس وقد قال فيما علمنا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٢).
стр. 367
ولولا جواز ذلك و علمنا هذه المسألة واذا جاز تكليف ما قد علم أنه لا يكون فقد جاز تكليف ما لا يوفق له ولا يعان عليه.
فإن قيل: أفتقولون إن في مقدور الله لطفا لو فعله بالكافر لآمن؟
قيل: نعم وذلك اللطف هو القدرة التي بها يفعل الطاعة وهو ضد ما فعله بالكافر قال اللّه : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١).
قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)
وقال: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).
والآيات في هذا المعنى كثيرة وكذلك الأخبار ولا يجب على الله ذلك وهو متفضل في فعله إن شاء فعل وإن شاء ترك ومن زعم أنه سوى بإن الكافر في النظر بطل قوله بنفسين أمات أحدهما قبل البلوغ وأمات الآخر بالغا كافرا مع علمه بأنه لو بلغ كان كافرا ونفسين أمات أحدهما مؤمنا وأبقى الآخر سنة أخرى حتى كفر مع علمه بأنه يكفر والكلام في هذا يكثر.
[١٨٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: سمعت أبا عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول: " ثلاثة من علامات التوفيق: الوقوع في أعمال البر بلا استعداد له، والسلامة من الذنب مع الميل إليه، وقلة الهرب منه، واستخراج الدعاء والابتهال وثلائة من علامات الخذلان: الوقوع في الذنب مع الهرب منه، والامتناع من الخير مع الاستعداد له، وانغلاق باب الدعاء والتطوع".
قال البيهقي ﵀: وقد روينا في هذه المسائل ما جاء في الأخبار والآثار في "كتاب القدر" وأجبنا عما يحتجون به من الآيات والأخبار واقتصرنا على ما قلنا في هذا الكتاب نحو الاختصار وباللّه التوفيق.
стр. 368
ومما تحق معرفته في هذا الباب أن الله لا يجب عليه شيء، ولا علة لصنعه، ولا يقال لم فعل لأنه لو كان لفعله علة فإن كانت قديمة اقتضت قدم معلولها وذلك محال وإن كانت حادثة كانت لها علة أخرى ولتلك العلة علة أخرى، حتى تؤدي إلى ما لا يتناهى وذلك محال، وإن استغنت العلة عن العلة، استغنى الحوادث عن العلة وذلك محال، فدل أن ربنا فعال لما يريد لا علة (١) لفعله ولا معقب لحكمه وأنه علم في الأزل ما يكون من الحوادث بخلقه فقدره على ما لم يزل عالما به، ثم خلقه على ما قدره فلا تبديل لحكمه ولا مرد لقضائه، وفي الإيمان به وجوب التبري من الحول والقوة إلا إليه والاستسلام للقضاء والقدر بالقلب واللسان أما بالقلب بأن لا يبطر ولا يأشر (٢) مما يجري به القضاء مما يوافقه، ولا يأسف ولا يحزن و يأتي به القضاء مما لا يوافقه.
وأما باللسان فهو أن لا يفتخر بما يعجبه على غيره، ولا ينسب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى نفسه، ولا يتضجر مما يسوءه فعل من يشكو أحدا، أو ينسبه إلى ظلم أصابه من قبله لكن يضيف الأمرين إلى الله جل ثناؤه، وينسبهما إلى فضله وقدره ويذعن ويستسلم لما يكرهه ويحمد الله على ما يسره:
قال البيهقي ﵀: وقد روينا أحاديث وحكايات في الترغيب في الاستسلام للقضاء والقدر والتبري من الحول والقوة من ذلك ما.
[١٩٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني عبد الرحمن بن الحسن الهمداني، حدثنا إبراهيم
стр. 369
ابن الحسين، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت عمرو بن ميمون، يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أعلمك أو أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة الا حول) (١) ولا قوة إلا بالله يقول: الله أسلم عبدي واستسلم".
[١٩١] وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخرني أبو بكر بن عبد الله أخبرنا الحسن بن
стр. 370
سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان،
عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللّه ولا تعجز، وإن أصابك شر، فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". رواه مسلم في الصحيح (١) عن ابن نمير.
وروينا، عن أنس بن مالك قال (٢): "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما أرسلني في حاجة قط فلم تتهيأ إلا قال، لو قضى الله كان ولو قدر كان".
стр. 371
[١٩٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أخبرنا محمد بن محمد ابن حيان الأنصاري، حدثنا أبوالوْليد، حدثنا الليث بن سعد، حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فقال:
стр. 372
"يا غلام أو يا غليم احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك قضي القضاء، وجفت الأقلام وطويت الصحف".
وروينا (١) في دعاء النبي ﷺ "اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر".
وفي حديث أخر (٢) "وأسألك الرضا بعد القضاء".
[١٩٣] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله الرازي يقول: "سئل أبو عثمان، عن قول النبي ﷺ : أسألك الرضا بعد القضاء. فقال: الرضا قبل القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا".
[١٩٤] أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني أخبرنا علي بن الحسن المصري قال:
стр. 373
سمعت أبا عثمان سعيد بن عثمان المصري يقول: سمعت أباسعيد الخراز يقول: "الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا بعد القضاء تسليم".
[١٩٥] أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري أخبرنا جدي يحيى بن منصور، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا".
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبوالنضر الفقيه، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا المعلى بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد بهذا الحديث.
أخرجه مسلم في الصحيح (١) عن عبد العزيز.
стр. 374
[١٩٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الحسن محمد بن الحسن بن علي الوراق بمرو كتبه لي بخطه، حدثنا علي بن يزداد الجرجاني وكان قد أتى عليه مائة وخمسة وعشرون سنة قال: سمعت عصام بن الليث الليثي السدوسي من بني مرارة في البادية يقول: سمعت أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: "من لم يرض بقضائي وقدري فليلتمس ربا غيرى".
[١٩٧] أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن إسحاق
стр. 375
المقرئ بالكوفة قالا: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن إسحاق القاضي، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن العلاء، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "أد ما افترض الله عليك تكن من أعبد الناس، واجتنب ما حرم عليك تكن من أورع الناس، وارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس".
[١٩٨] أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو عتبة، حدثنا بقية، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن يزيد بن مرثد، عن أيى الدرداء قال: "ذووة الإيمان أربع: الصبر للحكم (١) والرضا بالقدر والإخلاص للتوكل والاستسلام للرب ".
[١٩٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا يحيى بن منصور القاضي، حدثنا الحسن بن
стр. 376
علي بن القاسم الشاذياخي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي حميد ح.
وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو الحسن بن صبيح، حدثنا عبد الله
стр. 377
ابن محمد بن عبد الرحمن، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا محمد بن (أبي) حميد، عن إسماعيل بن محمد بن سعد يعني ابن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "من سعادة ابن آدم استخارته الله، ورضاه بما قضى الله عليه، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، وسخطه بما قضى الله ". ورواه عمر بن علي المقدمي، عن محمد بن أبي حميد وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله، عن إسماعيل.
[٢٠٠] أخبرنا أبو علي بن شاذان البغدادي بها أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو بشر حاتم بن سالم القزاز، حدثنا زنفل العرفي يكنى أبا عبد الله، حدثنا عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، عن أبي بكر الصديق رضى الله
стр. 378
عنهما "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي". وقد ذكرنا دعاء الاستخارة في غير هذا الموضع.
[٢٠١] أخبرنا محمد بن موسى أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن ليث، عن أبى وائل قال: قال عبد الله: "يستخير أحدكم فيقول اللهم خر لي فيخير الله له فلا يرضى ولكن ليقل اللهم خر لي برحمتك وعافيتك ويقول اللهم اقضي بالحسنى، ومن القضاء بالحسنى قطع اليد والرجل وذهاب المال والولد ولكن ليقل اللهم اقفلي بالحسنى في يسر منك وعافية".
[٢٠٢] أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا
стр. 379
أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال: حدثثي عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمر بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمرا فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم ان كان كذا وكذا للأمر الذي يريد خيرا لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري وإلا فاصرفه عني واصرفني عنه ثم اقدر لي الخير أين كان ولا حول ولا قوة إلا بالله".
[٢٠٣] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإمام أخبرنا أبو بكر أحمد بن
стр. 380
إبراهيم بن إسماعيل أخبرنا علي بن … (١) روحان العسكري، حدثنا علي بن محمد بن مروان السدي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن قيس الملائي ح.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا محمد بن يزيد أخبرنا محمد بن خلف وكيع، حدثنا علي بن شعيب، حدثنا موسى بن بلال، حدثنا أبو عبد الرحمن السدي، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم علي رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كره كاره، إن الله بحكمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط".
محمد بن مروان ضعيف، وروي ذلك عن ابن مسعود من قوله مرة ومرفوعا أخرى أما المرفوع فما.
[٢٠٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا جعفر بن
стр. 381
شعيب الشاشي، حدثنا أبو حمة، حدثنا أبو قرة، عن سفيان بن سعيد، عن منصور بن المعتمر، عن خيثمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال:" لا ترضين أحدا بسخط الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك (١) الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كره كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك". وأما الموقوف:
[٢٠٥] فأخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا سفيان، عن أبي هارون المدني قال: قال ابن مسعود: "الرضا أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على
стр. 382
رزق الله، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقن والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط".
[٢٠٦] أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن شبانة الهمذاني بها، حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي أخبرنا محمد بن الحسن بن سماعة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا فإنما له ما قدر له ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه فيقطع ظهره".
[٢٠٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد قال: قال عبد الله هو ابن مسعود: "إن في طلب الرجل إلى أخيه الحاجة فتنة إن هو أعطاه حمد غير الذي أعطاه وإن منعه ذم غير الذي منعه".
стр. 383
[٢٠٨] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، حدثنا جدي، (حدثنا) (١) أبو الوليد هشام بن إبراهيم المخزومي، حدثنا موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه قال: بلغني في قول الله : ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ أن الكنز الذي كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: "عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول اللّه".
[٢٠٩] أخبرنا أبو عبد اللّه ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
стр. 384
حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن المستورد، حدثنا حكم بن سليمان القرشي، حدثني عمرو بن جميع، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي بن أبي طالب في قول الله ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.
قال: كان لوح من ذهب مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله عجبا لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح وعجبا لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك وعجبا لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن وعجبا لمن يرى الدنيا وتصرفها باهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها.
[٢١٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا:
стр. 385
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا أبو الجواب، حدثنا عمار بن رزيق، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق قال: قال عبد الله: "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بالقدر يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه (١) وما أخطاه لم يكن ليصيبه، ولأن أعض على جمرة حتى تطفأ أحب إلي من أن أقول لأمر قضاه الله ليته لم يكن".
[٢١١] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي، حدثنا عباس بن محمد الدوري، حدثنا الهيثم بن خارجة أخبرنا سليمان بن عتبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه".
стр. 386
[٢١٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: سمعت سعيد ابن عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول: "من وثق بالمقادير لم يغتم".
[٢١٣] وبهذا الإسناد قال: سمعت ذا النون يقول: "ارض عن الله وثق بالله فكل شيء بقضاء الله، وأثن على الله فإنه من عرف الله رضي بالله وسره ما قضى، ومن طلب المعروف من عند الله تيسر لجود كف الله، ولو عرف الإنسان ما قرب لما عصى الله لغير الله".
[٢١٤] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله ابن محمد القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر ابن سنان المجاشعي وكان من العابدين قال: "قلت لعابد: أوصني قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك فهو أحرى أن تفرغ قلبك وأن تقل همك واياك إن تسخط ربك فيحل بك السخط وأنت عنه في غفلة ولا تشعر به".
[٢١٥] أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد، حدثنا علي بن محمد بن الزبير
стр. 387
الكوفي، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه، عن الحسن قال: "يصبح المؤمن حزينا، ويمسي حزينا، وينقلب (١) في النوم، ويكفيه ما يكفي العنيزة" (٢).
[٢١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير قال: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "ذروا التدبير والاختيار، تكونوا و طيب من العيش، فإن التدبير والاختيار يكدر على الناس عيشهم".
قال: "سئل أبو العباس: أي منزلة إذا قام العبد بها قام مقام العبودية؟ قال: ترك التدبير".
قال: وسمعت أبا العباس يقول: ولا تحل السلامه حتى تكون في التدبير كأهل القبور".
стр. 388
قال: وسمعت أبا العباس يقول: "الفرح في تدبير الله تعالى لنا والشقاء في تدبيرنا".
[٢١٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو الزاهد، حدثنا أبو العباس محمد بن علي الأنصاري، حدثنا أبي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال العلماء: "من لم يصلح على تقدير الله لم صلح على تدبير (١) نفسه".
[٢١٨] أخبرنا أبو عبد الرحمن (٢) السلمي أنه سمع عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي يقول: "من ترك التدبير عاش في راحة".
[٢١٩] سمعت أبا العباس يقول: سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت عباس ابن عاصم يقول: سمعت سهلا يقول: "البلوى من الله على وجهين بلوى رحمة وبلوى عقوبة.
стр. 389
فبلوى الرحمة يبعث صاحبه على إظهار قدره إلى الله وترك التدبير، وبلوى العقوبة يبعث صاحبه على اختياره وتدبره".
[٢٢٠] حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدثنا محمد ابن إسماعيل الأصبهاني قال: سمعت أبا تراب يقول: سمعت حاتما يقول: سمعت شقيقا يقول، "يا فقير! لا تشتغل ولا تتعب في طلب الغنى، فإنه إذا قسم لك الفقر لا تكون غنيا".
[٢٢١] أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب ابن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد قال: قال أيوب "إذا لم يكن ما تريد فارد ما يكون".
[٢٢٢] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، حدثنا
стр. 390
العباس بن حمزة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ (١) بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال: بالرضا والتسليم.
[٢٢٣] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت علي بن أحمد بن عبد العزيز القزويني قال: سمعت جعفرا يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "الرضا ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد".
[٢٢٤] أخبرنا أبو نصر عمر بن قتادة أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الصبغي، حدثنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إسحاق الفروي، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز قال: "لقد تركني هؤلاء الدعوات ومالي في شيئ من الأمور كلها أردت في موضع قدر اللّه".