← Книги сунны

Книги сунны · id 10660

شعب الإيمان - ط الرشد

أبو بكر البيهقي

Полный текст (7 093 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

[٢١٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: سمعت سعيد ابن عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول: "من وثق بالمقادير لم يغتم". [٢١٣] وبهذا الإسناد قال: سمعت ذا النون يقول: "ارض عن الله وثق بالله فكل شيء بقضاء الله، وأثن على الله فإنه من عرف الله رضي بالله وسره ما قضى، ومن طلب المعروف من عند الله تيسر لجود كف الله، ولو عرف الإنسان ما قرب لما عصى الله لغير الله". [٢١٤] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله ابن محمد القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر ابن سنان المجاشعي وكان من العابدين قال: "قلت لعابد: أوصني قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك فهو أحرى أن تفرغ قلبك وأن تقل همك واياك إن تسخط ربك فيحل بك السخط وأنت عنه في غفلة ولا تشعر به". [٢١٥] أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد، حدثنا علي بن محمد بن الزبير

стр. 387

الكوفي، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه، عن الحسن قال: "يصبح المؤمن حزينا، ويمسي حزينا، وينقلب (١) في النوم، ويكفيه ما يكفي العنيزة" (٢). [٢١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير قال: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "ذروا التدبير والاختيار، تكونوا و طيب من العيش، فإن التدبير والاختيار يكدر على الناس عيشهم". قال: "سئل أبو العباس: أي منزلة إذا قام العبد بها قام مقام العبودية؟ قال: ترك التدبير". قال: وسمعت أبا العباس يقول: ولا تحل السلامه حتى تكون في التدبير كأهل القبور".

стр. 388

قال: وسمعت أبا العباس يقول: "الفرح في تدبير الله تعالى لنا والشقاء في تدبيرنا". [٢١٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو الزاهد، حدثنا أبو العباس محمد بن علي الأنصاري، حدثنا أبي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال العلماء: "من لم يصلح على تقدير الله لم صلح على تدبير (١) نفسه". [٢١٨] أخبرنا أبو عبد الرحمن (٢) السلمي أنه سمع عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي يقول: "من ترك التدبير عاش في راحة". [٢١٩] سمعت أبا العباس يقول: سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت عباس ابن عاصم يقول: سمعت سهلا يقول: "البلوى من الله على وجهين بلوى رحمة وبلوى عقوبة.

стр. 389

فبلوى الرحمة يبعث صاحبه على إظهار قدره إلى الله وترك التدبير، وبلوى العقوبة يبعث صاحبه على اختياره وتدبره". [٢٢٠] حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدثنا محمد ابن إسماعيل الأصبهاني قال: سمعت أبا تراب يقول: سمعت حاتما يقول: سمعت شقيقا يقول، "يا فقير! لا تشتغل ولا تتعب في طلب الغنى، فإنه إذا قسم لك الفقر لا تكون غنيا". [٢٢١] أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب ابن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد قال: قال أيوب "إذا لم يكن ما تريد فارد ما يكون". [٢٢٢] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، حدثنا

стр. 390

العباس بن حمزة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ (١) بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال: بالرضا والتسليم. [٢٢٣] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت علي بن أحمد بن عبد العزيز القزويني قال: سمعت جعفرا يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "الرضا ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد". [٢٢٤] أخبرنا أبو نصر عمر بن قتادة أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الصبغي، حدثنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إسحاق الفروي، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز قال: "لقد تركني هؤلاء الدعوات ومالي في شيئ من الأمور كلها أردت في موضع قدر اللّه".

стр. 391

قال: "وكان كثيرا ما يدعو بهما: اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل يثيِء أخرته ولا تأخير شيء عجلته". [٢٢٥] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن يزيد القزويني بالري، حدثنا محمد بن أيوب بن يحيى أخبرنا سليمان العتكي، حدثنا حماد، حدثنا يحيى بن سعيد قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: "ما أصبح لي هوى في شيء سوى ما قضى الله عزوجل". [٢٢٦] أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا العباس ابن محمد، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا حجاج، عن شعبة قال: قال لي يونس بن عبيد: "ما تمنيت شيئا قط". [٢٢٧] أخبرنا أبو حازم الحافظ أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، حدثنا الهيثم بن خلف،

стр. 392

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "الراضي (١) لا شيء (٢) فوق منزلته". [٢٢٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: سمعت أبا عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول: "ثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، وثلاثة من أعلام التفويض: ترك الحكم في أقدار الله في وقت إلى وقت، وتعطيل الإرادة لإرادته في النوافل وأسباب الدنيا والنظر إلى ما يقع به من تدبير الله "، وثلاثة من أعلام ذكاء القلب: رؤية كل شئ من الله، وقبول كل شيء عنه، وأضافة كل شئ إليه". [٢٢٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: أخبرنا أبو عثمان

стр. 393

سعيد بن عبد العزيز الحلبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أباعبد الله النباجي يقول: "أجل العبادة عندي ثلاثة: لا ترد من أحكامه شيئا (١) ولا تسأل غيره حاجة ولا تدخر عنه شيئا". [٢٣٠] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن أحمد بن شمعون: "وكان قد سئل عن الرضا، فقال: الرضا بالحق والرضا عنه والرضا له فقال: الرضا به مدبرا ومختارا والرضا عنه قاسما ومعطيا والرضا له إلها وربا". [٢٣١] أخبرنا أبو عبد الرحمن أنه سمع منصور بن عبد الله يقول: سمعت العباس بن يوسف الشكلي يقول: سمعت ابن الفرجي يقول: "معنى الرضا فيه ثلاثة أقوال:

стр. 394

ترك الاختيار، وسرور القلب بمر القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها". [٢٣٢] أخبرنا أبو عبد الرحمن أنه سمع أبابكر بن شاذان يقول: سئل أبو عثمان البيكندي عن الرضا، قال: "من لم يندم على ما فات من (١) الدنيا ولم يتأسف عليها". [٢٣٣] أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو العباس بن حمكونة الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: "يا ابن آدم لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت". [٢٣٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٢) قال: "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن إذا أصابته مصيبة جعلها صبرا فإن أصابه خير جعله شكرا". قال البيهقي ﵀: وهذا يؤيد قول الحليمي (٣) ﵀ في هذه الآية إن المراد بالحزن التسخط والتفجر والمراد بالفرح فرح التبذخ والتكبر.

стр. 395

[٢٣٥] أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أبو محمد الحسن بن أبي الحسين العسكري، حدثنا محمد بن أحمد بن عبد العزيز العامري، حدثني عمر بن صدقة الحمال قال: "كنت مع ذي النون بإخميم فسمع صوت لهو ودفاف وأكبار (١) فقال: ما هذا؟ فقيل: عرس لبعض أهل المدينة. وسمع إلى جانبه بكاء وصياحا وولولة فقال: ما هذا؟ فقيل فلان مات فقال لي: يا عمر بن صدقة أعطوا هؤلاء فما شكروا وابتلوا هؤلاء فما صبروا وللّه علي إن بت في هذه المدينة. فخرج من ساعته من إخميم إلى الفسطاط". [٢٣٦] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عبد الله البوشنجي،

стр. 396

حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن بشر بن جابان الصنعاني، عن حجر بن قيس المدري قال: بت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فسمعته وهو يصلي من الليل يقرأ فمر بهذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (١). قال: بل أنت يا رب ثلاثا ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢). قال: بل أنت يا رب بل أنت يا رب بل أنت يا رب ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٣). قال: بل أنت يا رب ثلاثا ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ (٤). قال: بل أنت يا رب ثلاثا. [٢٣٧] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: "اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسوء بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط علي من لا يرحمني".

стр. 397

[٢٣٨] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي فيما قرئ عليه حكاية، عن بعضهم أنه قال: "كمال الدين في التبري من الحول والقوة والرجوع في الكل إلى من له الكل". [٢٣٩] قال وقال سهل: "ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ولا ادعى لنفسه حالا فتم له والسعيد من الخلق من صرف بصره عن أفعاله وفتح له سبيل الفضل والأفضال ورؤية منة الله عليه في جميع الأفعال والشقي من زين في عينه أفعاله وأقواله فافتخر بها وادعاها لنفسه فسوف تهلكه يوما إن لم تهلكه في الوقت ألا ترى الله كيف حكى عن قارون قوله ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١). نسي الفضل وادعى لنفسه فضلا فخسف الله به ظاهرا وكم قد خسف بالأشرار وأصحابها لا يشعرون بذلك وخسف الأشرار هو منع العصمة والرد إلى الحول والقوة وإطلاق اللسان بالدعاوى العريضة والعمى عن رؤية الفضل والقعود عن القام بالشكر على ما أولى وأعطى حينئذ يكلون وقت الزوال. [٢٤٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ، حدثنا

стр. 398

أبو العيناء، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن محمد بن الأشعث الكندي قال: "إن لكل شيء دولة حتى إن للحمق على العقل دولة". قال البيهقي ﵀: الدولة لمن وافقه القضاء والتقدير قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). [٢٤١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أباعبد الله محمد بن إبراهيم بن حمش يقول: سمعت أبي يقول: "إذا لم تطع ربك فلا تأكل رزقه، وإذا لم تجتنب نهيه فاخرج عن مملكته، وإذا لم ترض بفعله فاطلب ربا سواه، وإذا عصيته فاخرج إلى مكان لا يراك". [٢٤٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبامنصور الصوفي ابن ابنة إبراهيم ابن حمش الزاهد يقول: سمعت جدي يقول: "يضحك القضاء من الحذر ويضحك الأجل من الأمل ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة من الجهد والعناء". [٢٤٣] أنشدنا أبو عبد الله الحافظ أنشدني أبو محمد الحسين بن علي العلوي الشهيد

стр. 399

أنشدني المثنى لنفسه: وبعين مفتقر إليك رأيتني … فهجرتني (١) ونزلت بي من حانق لست الملوم أنا الملوم لأنني … أنزلت حاجاتي بغير الخالق [٢٤٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب المأموني يقول: سمعت أباعمر الزاهد ينشد للشافعي ﵀: وإذا سمعت بأن مجدودا حوى … عودا فأثمر في يديه فصدق وإذا سمعت بأن محروما أتى … ماء ليشربه فغاض فحقق ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق [٢٤٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبوالصقر أحمد بن الفضل الكاتب بهمذان

стр. 400

أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب أنشدنا عبد اللّه بن شبيب: ليس اختيار ولا عقل ولا أدب … يجدي عليك إذا لم يسعد القدر ما يقضه اللّه لا يعييك مطلبه … والسعي في نيل ما لم يقضه عسر كم مانع نفسه أرابها حذر … للفقر ليس له من ماله ذخر إن كان إمساكه للفقر يحذره … فقد يعجل فقرا قبل يفتقر؟ [٢٤٦] أخبرنا أبوعبدللّه الحافظ أنشدنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاقا النحوي أنشدنا أحمد بن عبيد اللّه الدارمي بأنطاكية لنفسه: يا لائم الدهر على ما بنا … لاتلم الدهرعلى غدره فالدهر مأمور له آمر … ينصرف الدهر إلى أمره كم كافر بالله أمواله … تزداد أضعافاعلى كفره ومؤمن ليس له دانق … يزداد إيمانا على فقره لا خير فيمن لم يكن عاقلا … يبسط رجليه على قدره [٢٤٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا محمد ابن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وذكر قصة سليمان بن داود

стр. 401

عليهما السلام في مسيره (١) قال: "فبينما هو يسير في فلاة إذ احتاج إلى الماء فجاءه الهدهد فجعل ينقر الأرض فاصاب موضع الماء فجاءت الشياطن فسلخت ذلك الموضع كما تسلخ الإهاب فاصابوا الماء". قال نافع بن الأزرق: قف أرأيت الهدهد كيف يجيء فينقر الأرض فيصيب موضع الماء وهو يجيء إلى الفخ وهو لا يبصره (٢) حتى يقع في عنقه؟! قال: ابن عباس إن القدر إذا جاء حال دون البصر. [٢٤٨] سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسن بن أحمد بن موسى القاضي يقول: سمعت الترمذي يقول: "إذا جاء القدر عمي البصر وإذا جاء الحين غطى العين". [٢٤٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن ثابت البغدادي قال: أنشدنا أبو عمرو الزاهد: إذا أراد الله أمرا بامرئ … وكان ذارأي وعقل وبصر

стр. 402

وحيلة يعملها في كل ما … يأتي به محتوم أسباب القدر أغراه بالجهل وأعمى عينه … فسله عن عقله سل الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه … ردعليه عقله ليعتبر. [٢٥٠] أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح الأوبري أنشدنا حماد بن علي البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كل حاجة … أردت فإن الله يقضي ويقدر متى ما يرد ذو العرش أمرا بعبده … يصبه وماللعبد ما يتخير وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه … وينجو بحمد الله من حيث يحذر قال: وأنشدني أبوالفوارس جنيد بن أحمد الطبري: العبد ذو ضجر والرب ذو قدر … والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا … وفي اختيار سواه اللوم والشوم.

стр. 403

(٦) السادس من شعب الإيمان "وهو (١) باب في الإيمان باليوم الآخر" قال الحليمي (٢) ﵀، ومعناه: التصديق بأن لأيام الدنيا آخرًا أي أن هذه الدنيا منقضية وهذا العالم منتقض يومًا صنعه، منحل (٣) تركيبه، وفي الاعتراف بانقضائه اعتراف بابتدائه لأن القديم لا يفنى ولا يتغير. قال: وفي اعتقاده وانشراح الصدر به ما يبعث على فضل الرهبة من الله- تعالى جده- وقلة الركون إلى الدنيا، والتهاون بأحزانها ومصائبها، والصبر عليها وعلى مضض الشهوات، واحتسابًا وثقة بما عند الله- تعالى جده- عنها من حسن الجزاء والثواب وقد ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥). إلى غير ذلك من الآيات سواها. قال البيهقي ﵀: وروينا في حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال: "أنْ تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيرهِ وَشَرِّهِ".

стр. 404

[٢٥١] أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن محمد الصوفي، حدثنا عبد الصمد ابن الفضل، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا كهمس بن الحسن، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر فذكره. قال الحليمي ﵀ (١): وقد أخبر الله على لسان نبيه ﷺ : أنه مفني ما على الأرض، ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، والبحار تسجر، والكواكب تنتثر، والسماء تنفطر (٢)، وتصير كالمهل، فتطوى كما يطوى الكتاب، وأن الجبال تصير كالعهن المنفوش، وينسفها الله (٣) نسفَا ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (٤) وكل ذلك كائن كما جاء به الخبر، ووعد الله صدق، وقوله حق. قال: والساعة التي تكرر ذكرها في القرآن على وجهين: أحدهما: الساعة الآخرة من ساعات الدنيا، قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٥)

стр. 405

فهذا على الساعة الآخرة لقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (١). وكذلك قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (٢). والآخر: الساعة الأولى من ساعات الآخرة قال الله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ (٣). يعني حتى يبعث من في القبور لقوله: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾. وكذلك قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٤). قال البيهقي ﵀: وقد نطق القرآن بأن النبي ﷺ كان لا يعلم متى تقوم الساعة، ولا يعلم أحد من خلق الله. وقول النبي ﷺ :"بُعِثتُ أنا وَالسَاعةُ كَهَاتَيْنِ" (٥). معناه- والله تعالى أعلم- أني أنا النبي الآخر لا يليني نبي آخر، وإنما يليني القيامة، وهي مع ذلك دانية (٦) لأن أشراطها متتابعة بيني وبينها غير أن ما بين أول أشراطها إلى أخرها غير معلوم، وقد ذكرنا في (٧) كتاب "البعث والنشور" ما ورد من الأخبار في أشراطها فاغنى ذلك عن إعادتها هاهنا. وروينا عن شعيب بن أبي حمزة (٨)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة

стр. 406

قال قال رسول الله ﷺ : "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَدِ بِيَدهِ لَتَقَوْمَن السَاعةُ وثوبهما بينَهماَ لا يتبايعانه (ولا يطويانه) (١) وَلتقومَن السَاعةُ وهو يَليط حوضَه لا يسقيه، ولتقومنّ السَّاعة وقد انصرت الرجل بلبن لِقْحَته من تحتها، لا يطعمُها، وقد رَفَعَ أكلتَه إلى فيه فلا يَطْعمُها". [٢٥٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في أخرين، قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن خالد، حدثنا بشر بن شعيب، عن أبيه فذكره. رواه البخاري في الصحيح (٢) عن أبي اليمان عن شعيب. وأخرجه مسلم (٣) من حديث سفيان عن أبي الزناد (٤).

стр. 407

(٧) السابع من شعب الإيمان "وهو باب في الإيمان بالبعث والنشور بعد الموت" وآيات القرآن في البعث كثيرة، فمنها قول الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (١). وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (٢) الآية. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). وروينا عن مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أنْ تُؤمِنَ باللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْبعث من بعد المَوت وَبِالقَدركلّه" [٢٥٣] أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد الأشناني، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن مطر فذكره. وهو مخرج في كتاب مسلم. والإيمان بالبعث هو أن يؤمن بأن (٤) الله تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات،

стр. 408

ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حية، فيقوم الناس كلهم بأمر الله تعالى أحياء، صغيرهم وكبيرهم حتى السقط الذي قد تم خلقه، ونفخ فيه الروح، فأما الذي لم يتم خلقه، أو لم ينفخ فيه الروح أصلاً، فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة واللّه تعالى أعلم. وأما قول الله في صفة القيامة: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ (١). فإنما أراد الحوامل (٢) اللاتي متن (٣) بأحمالهن، فإذا بعثن أسقطن تلك الأحمال من فزع يوم القيامة (ثم إن كانت الأحمال أحياء في الدنيا أسقطنها يوم القيامة) (٤) أحياء، ولا يتكرر عليها الموت، وإن كانت الأحمال لم ينفخ فيها الروحُ في الدنيا، أسقطنها أمواتًا، كما كانت، لأن الإحياءَ إنما هو إعادة الحياة إلى من كان حيًا فأميت، ومن لم يكن له في الحياة نصيب فلا نصيب له في الحياة الآخرة. وقد ذكر الله في غير أية من كتابه إثبات البعث منها قول الله ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (٥). وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦). فاحال بقدرته على إحياء الموتى على قدرته على خَلْقِ السموات والأرض التي هي أعظم جسمًا من الناس.

стр. 409

ومنها قوله : ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٠ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١). فجعل النشاة الأولى دليلًا على جواو النشاة الآخرة لأنها في معناها ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٢). فجعل ظهور النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر علما نداوته ورطوبته (دليلًا) (٣) على جواز خلقه الحياة في (٤) الرمة البالية والعظام النخرة. وقد نبهنا الله في غير آية من كتابه على إحياء الموتى بالأرض، تكون حية تنبت وتنمى وتثمر ثم تموت فتصير إلى أن لا تنبت، وتبقى خاشعة جامدة (٥)، ثم يحييها فتصير إلى أن تنبت وتنمي، وهو الفاعل لحياتها وموتها، ثم حياتها، فإذا قدر على ذلك لم يعجز أن يميت الإنسان، ويسلبه معاني الحياة، ثم يعيدها إليه، ويجعله كما كان. ونبهنا بإحياء النطفة التي هي ميتة، وخلق الحيوان منها على قدرته على إحياء الموتى فقال : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٦). يعني نطفًا في الأصلاب والأرحام، فخلقكم منها بشرَا تنتشرون. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ. فَقَدَرْنَا (٧) فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٨).

стр. 410

فأعلمنا (١) أنه إذا أخرج النطفة من صلب الأب فهي ميتة، ثم إنه جل ثناؤه جعلها حية في رحم الأم (٢)، يخلق من يخلق منها، ويركب الحياة فيه فهذا إحياء ميتة في المشاهدة، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق، ثم يعيده حيًّا. ثم بسط هذا المعنى في أية أخرى فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٣). ونبهنا على ذلك بفلق (٤) الحب والنوى فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (٥). وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء نمائه، وقع (٦) اليأس من ازدياده، وكذلك النوى إذا تناهى عظمه وجف ويبس كانا ميتين، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحية فلقهما الله تعالى، وأخرج منهما ما يشاهد من النخل والزرع حيًّا ينشأ وينمو إلى أن يبلغ غايته، ويدخل في هذا المعنى البيضة تفارق البائض، ويجري عليها حكم الموت، ثم يخلق الله منها حيًّا فهل هذا إلا إحياء الميتة، وهو أمر مشاهد والعلم به ضروري. وقد نبهنا الله على إحياء الموتى بما أخبر (٧) من إراءة إبراهيم ﵇ إحياء الأموات، وقد نقلته عامة أهل الملل. وبما أخبر (٨) به عن الذين خرجوا (٩) من ديارهم، وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم.

стр. 411

وبما أخبر به (١) عن الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيى هذه اللّه بعد موتها؟ فاماته الله مائة عام، ثم بعثه. وبما أخبر به (٢) عن عصا موسى ﵇ وقلبه إيّاها حية ثم إعادتها (٣) خشبة، ثم جعلها عند محاجة السحرة حية ثم إعادتها خشبة وقد اشتركت عامة أهل الملل في نقله. وبما أخبر به (٤) من شأن أصحاب الكهف الذين ضرب على آذانهبم زيادة على ثلاثمائة سنة، ثم أحياهم ليدل قومهم عندما أعثرهم عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت حق لا ريب فيه، وقد نقلنا الآثار في شرح ذلك في الأول من كتاب "البعث والنشور" (٥).

стр. 412

(٨) الثامن من شعب الإيمان وهو باب في حشر الناس بعدما يبعثون (١) من قبورهم إلى الموقف الذي بين (٢) لهم من الأرض فيقومون (٣) ما شاء الله تعالى فإذا جاء الوقت الذي يريد الله محاسبتهم فيه أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس فأوتوها (٤)، منهم يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره، وهؤلاء هم الأشقياء، قال الله تعالى في المطففين: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥). وأخبر أن الناس يكونون (٦) يوم القيامة واقفين على أقدامهم، وأبان أنه لا حال لهم يومئذ سوى القيامة. [٢٥٤] حدثنا أبو الحسن العلوي، أخبرنا أبو حامد هو ابن الشرقي، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، حدثنا نافع أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ :"يَقُومُ الناسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَب الْعَالمِيْنَ حَتى يَغِيبَ أَحَدهم في رَشَحِهِ إلى أنصافِ أُذُنيْهِ".

стр. 413

أخرجه مسلم في الصحيح (١) من حديث يعقوب. [٢٥٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تُدْنى الشَمْس يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخْلقِ حَئى يمونَ مِنهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلِ". قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما عَنَى (٢) بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين؟ قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى رُكبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه ومن يلجمه إلجامًا". قال وأوما رسول الله ﷺ إلى إلى فيه.

стр. 414

رواه مسلم في الصحيح (١) عن الحكم بن موسى. وقد ذكرنا سائر الأحادكما فيه في كتاب "البعث" (٢). قال اللّه : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٣). وقال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥) وقال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦). وأخبر أن الذين يقرءون كتبهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (٧). وإن من أوتي كتابه بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ (٨). ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (٩).

стр. 415

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ. فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا. وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (١). وإذ وقف الناس على أعمالهم من الصحف التي يؤتونها حوسبوا بها، ولعل ذلك- والله أعلم- لأن الناس إذا بعثوا لا يكونون ذاكرين لأعمالهم فإن الله قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢). فإذا ذكروها ووقفوا عليها حوسبوا عليها. وقد جاء في كيفية المحاسبة أخبار (٣) ذكرناها في كتاب "البعث والنشور" منها ما: [٢٥٦] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله ﷺ :"مَا منْكُمْ مِنْ أحَد إلاّ سَيُكَلِّمُه رَبُّه لَيس بينَه وبينَه (٤) حَاجِبٌ وَلَا تَرْجُمْانٌ، فَيَنْظرُ أيْمَنَ مِنْه فَلا يَرى شَيئا إلاّ شيئا قدمه، وينظُر أشأم منه فَلا يَرى إلاّ شيئا قدمه، وينظُر أمامه فَلا يَرى إلاّ النَّار. فَاتَقُوا النار وَلَو بِشِق تَمْرة". رواه البخاري في الصحيح (٥) عن يوسف بن موسى عن أبي أسامة.

стр. 416

وفي هذا دلالة على أنه يحاسب المكلفين بنفسه، وأنه يخاطبهم معا، ولا يخاطبهم واحدًا بعد واحد، وعلى (١) هذا تدل سائر الأحاديث عن النبي ﷺ غير أن تكليمه أهل رحمته مما (٢) يزيدهم بشارة وكرامة، وتكليمه أهل عقوبته مما يزيدهم خسارة وحسرة، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٣). مع سائر ما ورد فيه من الكتاب والسنة. وقد قيل إنه يامر ملائكته بمحاسبة الخلق بأمره، وقد قيل إنه يتولى حساب المؤمنين بنفسه ويامر الملائكة بمحاسبة الكفار، وما دل عليه ظاهر ما ذكرناه من السنة الصحيحة وأشرنا إليه أصح الأقاويل في ذلك والله أعلم. و اذا انتهى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء. [٢٥٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول

стр. 417

سمعمت (أبا عبد الله محمد بن إبراهيم العبدوي يقول سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول سمعت) (١) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبا سيف الزاهد يقول: "ما أحب أن يلى حسابنا غير الله لأن الكريم يجاوز". [٢٥٨] وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثني الحسين بن عمرو، عن يحيى بن يمان، قال قال سفيان الثوري: "مَا أحب أنّ حسابي جعل إلى والدِي ربي خير لي من والدي".

стр. 418

قال البيهقي رحمة الله: وقد روي في معناه حديث مسند لكنه يشبه أن يكون موضوعًا فلم أجسر على نقله، ثم إني نقلته لشهرته بين المذكرين (١) وأنا أبرأ من عهده. [٢٥٩] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ في التاريخ، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي، حدثنا أبي، عن عمه، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال "قالَ أَعْرَابِي يَا رَسُولَ الله مَنْ يُحَايسِبُ الخلْقَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟: قالَ: الله، قَالَ: الله؟ قَالَ: الله، قَالَ نَجَوْنَا وَرَبّ الْكَعْبَة قال: وَكَيْفَ يَا أَعرَابي؟ قَالَ: لأَن الْكَرِيْمَ إذَا قدر عفا". أخبرنا أبو الحسن بن علي بن محمد المقرئ (٢) الإسفراييني بها، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق فذكره بإسناده نحوه، تفرد به محمد بن زكريا الغلابي عن عبيد اللّه بن محمد ابن عائشة والغلابي متروك.

стр. 419

وقد أخبر الله ثناؤه أن المحاسبة تكون بشهادة النبيين والشهداء قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١). قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢). والشهيد في هذه الآية النبي ﷺ (٣) وشهيد كل أمة نبيها ﵈ (٣) وأما الشهداء في الآية قبلها فالأظهر أنهم كتبة الأعمال، تحضر الأمة ورسولها فيقال للقوم "ماذا أجبتم المرسلين؟ ويقال للرسل ماذا أجبتم؟ فتقول الرسل لله ": ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٤) وكأنهم نسوا ما أجيبوا به، وتأخذ الهيبة بمجامع قلوبهم فيذهلون في تلك الساعة عن الجواب ثم يثبتهم (٥) الله ويحدث لهم ذكرى فيشهدون بما أجابتهم (٦) به أممهم. قال البيهقي ﵀: فإن كذبت أمة رسولها وقالت: ما أتانا منا نذير؛ [٢٦٠] فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد ابن عبد الوهاب الفراء، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "يُدعى نوح ﵇ يَومَ القيَامَة، فيقال: هَل بَلَغْتَ (٧)؟ فَيقُولُ: نَعْم فتدْعى أمتُه فيقال: هَلْ بَلَغكم؟ فيقولون: مَا أتانَا مِنْ نذِيْر وَمَا أتانا مِنْ أحِد قَالَ فَيقال: مَنْ شهودُك قَالَ: فَيقُول محمد وَأمته. قَال: فَيُؤْتَى بكمْ، فَتشْهَدون أنه قد بلغ. وذلكُمْ قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٨). رواه البخاري في الصحيح (٩) عن إسحاق بن منصور عن جعفر بن عون.

стр. 420

وبمعناه رواه أبو أسامة (١) عن الأعمش، ورواه أبو معاوية (٢) عن الأعمش فقال في الحديث: "يَجيء النبي يَوْمَ القِيَامَة، وَمَعَه الثَلاثة وَالأرْبَعَة والرجُلان حَتى يجيء النَّبي وَلَيسَ مَعَه أحد، قَال فَيقال لهَمْ: هَل بَلغْتُمْ؟ فَيقُولونَ: نَعم. قَال فَيدْعى قَومهُم، فيقَالُ لهم هل بَلّغكم؟ فيقولون: لا، قَال فَيقال للنبيينَ: مَن يَشْهَدُ لكمْ أنَّكم قد بَلّغتم؟ قال: فيقولون أمة محمد ﷺ قال فتُدعى أمة أحمد فَيَشهدون أنهم قد بلّغوا قال فيقال: وما عِلْمُكُم بهم أنهم قد بَلّغوا؟ قَال فيقولون: جَاءنا رسُولنا بكتَابِ أخبرنَا أنهم قد بَلغُوا فَصَدَقناه قَال فَيقال صَدقتم؟ قال: وذلك قول الله في كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣). [٢٦١] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية فذكره.

стр. 421

فهذا فيما بين كل نبي وقومه، فأما كل واحد من القوم على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباها (١)، فإنه قد أخر في الدنيا بأن عليه ملكين موكلين يحفظان أعماله وينسخانها، فأما إخبار الله عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقوله (٣): ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤)﴾. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥). وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦). وروينا في الحديث الثابت عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله ﷺ فضحك فقال: "أتدرُونَ مِمَا أضْحَك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مِن مخاطبة العبد ربه بقوله (٧): يارب ألم تُجِرْني مِنَ الظلم (٨)؟ قال: فَيقول بلى. قال فيقُول إنّي لا أجيز (٩) على نفسي إلا شاهدَا مِنّي. قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا (١٠). وبالكرام الكاتبين شهودًا، قَال: فيختم على فيه ويُقالُ لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله. قال: ثم يُخلى بينه وبن الكلام، فيقولُ: بُعْدَا لكُن وسُحْقًا فعنكن كنت أناضل". [٢٦٢] أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق

стр. 422

الصغاني، حدثني أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا أبو النضر، عن الأشجعي، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس بن مالك فذكره. رواه مسلم في الصحيح (١) عن أبي بكر بن أبي النضر. وروينا فى حديث أبي هريرة عن النبى ﷺ حديث الرؤية قال: "فيلقىَ العبدَ فيقولُ أيْ فُلْ، ألم أكْرِمْكَ وأُسَودْكَ وَأُزَوِّجْكَ وأُسَخِّرُ لَكَ الخيلَ والإبل وأدرَكَ تَرْأس وتربع؟ (قال فيقول: بلىِ أيْ رب) (٢) قال فيقول: أظنَنتَ أنكَ مُلَاقي؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك كما نسِيتَني ثم يلقى الثاني فيقول: أيْ فُلْ، فذكر في السؤال والجواب مثل الأول ثم يلقى الثالث، فيقول مثل ذلك، فيقول: آمنتُ بكَ وبكتابكَ، وصليتُ وصُمتُ وتصدقتُ. فيُقالُ: الآن نبعثُ شاهدنا عليكَ فيُكفرَ في نفسه من الذي يشهد عليه، فيُختَمُ على فيه ويقال لِفَخذه انْطِقِي، فتنطق فخذُه ولحمُه وعظمه بعمله ما كان. ذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه". [٢٦٣] أخبرناه محمد بن عبد الله، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا بشر بن موسى،

стр. 423

حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا سهل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا الحديث. وهو مخرج في كتاب مسلم (١). وفيه دلالة على أن بعضهم تشهد عليهم ألسنتهم، وبعضهم ينكر فيختم على أفواههم وتشهد عليهم سائر جوارحهم. ويشبه أن يكون هذا الإنكار من المنافقين كما في خبر أبي هريرة. ويشبه أن يكون منهم، وممن شاء الله ومن سائر الكافرين حين رأوا يوم القيامة يغفر (٢) الله لأهل الإخلاص ذنوبهم، لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر الشرك، قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا حتى نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين فقال الله أما إذ كتموا (٣) الشرك فاخْتِموا على أفواههم، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. فعند ذلك عرف المشركون أن الله لا يكتم حديثَا فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤). وهذا فيما روينا (٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فذكره. وقد قال الله في سورة زلزلت: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾.

стр. 424

وروينا (١) عن أبي هريرة مرفوعًا أنه سئل عن هذه الآية فقال: أن تشهد على كل عبد وأمة بما عملوا على ظهرها، فتقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فذلك أخبارها. ودلت الأخبار عن سيدنا المصطفى ﷺ على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، وكثيرًا منهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، وكثيرًا منهم يحاسبون حسابًا شديدًا. [٢٦٤] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حصين، قال سمعت سعيد بن جبير، عنا ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ :"يَدْخُلُ الجنة مِنْ أمتي سَبْعُونَ ألْفَا بِغَير حِسَاب. ثم دَخل وَلم يُبَيّن لَهُمْ، فَأفَاض القَوْمُ فَقالوا: نحن الذِيْن أمَنا بِالله، وَاتَبعْنَا رَسُوله، فنحن هم، أو أولادنا الذين وُلدوا على الإسلام فإنا (٢) نحن وُلدنا في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: هُم الذين لا يَكْتوون، ولا يسترقُون، ولا يتطيرون (٣)، وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن: أنا منهم يا رسول الله؟ قال نَعْم، ثم قال رجلٌ أخر: أنا منهم يارسول الله؟ قال: قد سبقك بها عكاشة". رواه مسلم في الصحيح (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 425

ورواه البخاري (١) عن عمران بن ميسرة عن ابن الفضيل (٢).
следующие страницы →