ورواه أيضّا عمران بن حصين (١) وغيره عن النبي ﷺ ببعض معناه.
[٣١٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا إسحاق ابن الحسن الحربي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا أبو عاصم محمد بن أبي أيوب الثقفي، حدثنا يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأى الخوارج، وكنت رجلًا شابًّا فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد الحج ثم نخرج على الناس فمررنا على المدينة.
فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول اللّه ﷺ جالسًا إلى سارية، وإذ قد ذكر الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ وما هذا الذي تحدثون؟ واللّه تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٢).
стр. 492
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (١).
فما هذا الذي تقولون؟ فقال أي بني تقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقال: هل سمعت بمقام محمد ﷺ المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ فقلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد الحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار، قال: ثم نعت وضع الصراط، ومر الناس عليه فأخاف أن لا أكون حفظت ذلك غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم (٢) فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، قال: فيخرجون كأنهم القراطيس البيض، قال: فرجعنا فقلنا: ويحكم ترون (٣) هذا الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجعنا فوالله ما خرج منا غير رجل واحد.
رواه مسلم في الصحيح (٤) عن حجاج بن الشاعر عن الفضل بن دكين.
[٣١١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجْنةِ الجْنةَ وَأَهْل النّار النار يقُولُ الله
стр. 493
عزّ وجلّ: مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثقَال حَبّة خردلٍ مِنْ خَير فَأخرجوه، فَيُخْرَجُون قد امتُحشوا وعَادُوا حُممًّا، قال: فيلقون في نهرٍ يقال له نهر الحياة قَال: فيَنْبتُونَ فيه كَما تَنبتُ الحِبّهُ في حَمِيْل السَّيل (١) فقال رسول الله ﷺ : ألا تَرَوْنَهَا تنبت صَفرَاء مُلْتَويةً".
رواه البخاري في الصحيح (٢) عن موسى بن إسماعيل.
وأخرجه مسلم (٣) من وجه آخر عن وهيب.
[٣١٢] أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا موسى يعني ابن إسحاق الأنصاري، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، قال قال قتادة سمعت أبانضرة يحدث عن سمرة بن جندب أنه
стр. 494
سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنّ منهم من تأخذه النار إلى كَعْبَيه ومنهم مَنْ تَأخذه إلى حُجزته ومِنْهُم مَنْ تَأخذه إلى تَرْقُوته".
رواه مسلم (١) عن ابن أبي شيبة.
وفي رواية سعيد (٢) عن قتادة: "وَمِنْهُم مَنْ تَأخُذهُ النّار إلى رُكبتيه".
قال البيهقي ﵀: وروينا في الحديث الثابت عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في حديث الرؤية والصراط ومرور المؤمنين عليه ثم قولهم: "أيْ ربّنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون، ويجاهدون معنا، فأخذتهم إلى النار فيقول: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه وتحرم صورهم على النار، فيجدُون الرجل قد أخذته النار إلى قدميه والى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه وإلى حِقْويه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه، فيخرجون بشرًا كثيرًا ثم يعودون فيتكلمون (٣) فلا يزال
стр. 495
يقول ذلك حتى يقول: اذهبوا وأخرجوا من وجدتم في قلبه مثقال ذرة فأخرجوه".
وكان أبو سعيد إذا حدث بهذا الحديث يقول: وإن لم تصدقوني فاقرءوا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (١) الآية.
"فيقولون ربنا لم نذر فيها خيرًا فيقول هو: بقي أرحم الراحمين قال: فيقول: قد شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون. فهل بقي إلا أرحم الراحمين؟ فيأخذ قبضة من النار قال: فيخرج قومًا قد عادوا حممًا لم يعملوا لله عمل خير قط، فيطرحون في نهر الجنة يقال له نهر الحياة، فينبتون فيه والذي نفسي بيده كما ينبت الحبة في حميل السيل، ألم تروها وما يليها من الظل أُصيفر وما يليها من الشمس أُخيضر؟ قلنا: يا رسول الله كأنك كنت في الماشية؟ قال: فينبتون كذلك فيخرجون أمثال اللؤلؤ فيحلون في رقابهم الخواتيم ثم يرسلون في الجنة، هؤلاء الجهنميون هؤلاء الذين أخرجهم اللّه من النار بغير عمل (عملوه) (٢) ولا خير قدموه قال الله : خذوا فلكم ما أخذتم فيأخذون حتى ينتهوا، قال: ثم يقولون لو يعطينا الله ما أخذنا! فيقول الله : إني أعطيتكم أفضل مما أخذتم ثم قال: فيقولون: أي ربنا وما أفضل مما أخذنا؟ فيقول: رضواني فلا أسخط".
[٣١٣] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، وأبوزكريا بن أبي إسحاق، قالا (٣) حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا هشام ابن سعد، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
رواه مسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن عون.
стр. 496
قال البيهقي ﵀: وأخرجا (١) حديث سعيد بن المسيب "عطاء بن يزيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه القصة قال في آخرها: (فيقول له: تَمَنَّ فيتمَنَّى حتّى إذا انقطع به قال الله : من كذا وكذا فسل، يذكره ربه حتى إذا انتهَت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه" (٢) قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: "لك ذلك وعشرة أمثاله".
وروينا (٣) في حديث أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ فيمن يخرج من النار:
"فيمكثون في الجنة حينًا فيقال لهُم: هَلْ تشتَهُون شيئًا؟ فيقولون: ترفَع عنّا هذا الاسم فيرفع عنهم".
[٣١٤] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو طاهر المحمدابادي، أخبرنا العباس بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعلمُ أخرَ أهلِ الجنّة دخولًا، وأخِرَ أهل النار خُروجًا من النّار، رجل يَخرُج حَبْوًا فيقول له ربه: ادخُل الجنَّة، فيقول: أرَى الجنّة مَلأى فيقول له ذلك ثلاث مّراتٍ كل ذلك يعيد: الجنّة مَلأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات".
стр. 497
رواه البخاري في الصحيح (١) عن محمد بن خالد عن عبيد الله، وأخرجاه (٢) من
حديث جرير عن منصور (٣).
قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا هذه الأخبار في كتاب "البعث والنشور" بعضها في أبواب الشفاعة وبعضها في أبواب "آخر من يخرج من النار" (٤) وذكرنا معها غيرها وفيما ذكرناه ها هنا كفاية وبالله التوفيق.
[٣١٥] أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد القطان، حدثنا أبو عبد الله محمد بن
стр. 498
يعقوب الحافظ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، أخبرنا أبو النعمان، حدثنا سلام بن مسكين، حدثنا أبو ظلال، عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلًا يُنادي في النّار ألفَ سنة: يا حنَّان يا منَّان فيقول الله لجبرائيل: اذهبْ فأتِني بعبدي هذا، قال: ذهب جبرائيل فوجد أهل النار مُنْكَبين يبكون قال: فرجع إليه فأخبر ربه. قال اذْهبْ إليه فأتني به فإنَّه في مكان كذا وكذا قال: فذهب فجاء به قال: ياعبدى كيفَ وجدتَ مكانك ومَقيلك؟ قال: يا رب شر مكان وشر مَقيل. قال: رُدّوا عبدي. قال: ما كنتُ أرجُو أنْ تُعيدني إليها إذا أخرجتَني منها. قال الله لملائكته: دَعُوا عبدي".
قال البيهقي ﵀: هكذا روي في هذا الحديث، وقد روينا حديث بشر بن
المفضل (١) عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ :
"أمّا أهل النّار الَذيِنَ هم أهلها فإنهم لا يمُوتُون فيها ولا يَحْيَون، ولكن ناس أصابتهم النّار بذنوبهم- أو قال بخطاياهم- أماتتهُمْ إماتةً حتى إذا كانوا فحمًا أُذِنَ فى الشفاعة فيُجاء بهم ضبائر (٢) قد امتُحشوا فيُلْقَوْنَ على أنهار الجنّة ثمّ قيل يا أْهل الجنّة أفيضوا عليهم من الماء فَيَنْبُتُوْنَ نبات الحبة تكون في حَميل السيل. فقال رجل: كَأنَ رسول الله ﷺ قد كان بالبادية".
[٣١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبونضر الفقيه، حدثنا نصر بن أحمد
стр. 499
البغدادي، حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال (١) وأخبرني أبو النضر، حدثنا جعفر بن أحمد الشاماتي، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام قالا حدثنا بشر بن المفضل فذكره.
رواه مسلم (٢) عن نصر بن علي ورواه سليمان (٣) التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ خطب فأتى على هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٤).
فقال: معنى ما رويناه في رواية أبي مسلمة عن أبي نضرة.
قال البيهقي ﵀: فيحتمل أن يكون هذا صنيعه ببعض أهل التوحيد الذين ارتكبوا الذنوب والخطايا، وكما في الحديث الأول (٥) إن صح إسناده صنيعه ببعضهم، وكذلك ما روينا ها هنا وفي كتاب "البعثالنشور" من اختلاف حال من يخرج من النار إنما هو على حسب ذنوبهم وعلى مقدار ما أراد الله تعالى من عقوبتهم، والله يعصمنا من النار بفضله ورحمته.
стр. 500
[٣١٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا الأشعث بن جابر، قال قلت للحسن: يا أبا سعيد قول الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾ (١).
قال: فضرب بيده على فخذه فقال: إن أولئك أهلها، إنما هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا لم يوجد منهم فينتقم على الصراط ثم عفا عنهم.
وروي أن جابرًا أجاب بمثل هذا.
[٣١٨] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا سعيد بن
عثمان الأهوازي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى أتيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه على آية أقدر عليها في ذكر خلود أهل النار فيها. فقال لي: يا طلق أنت أعلم
стр. 501
بكتاب الله منيوأعلم بسنة النبي ﷺ مني، إن الذي قرأت لهم أهلها ولكن هؤلاء أصابوا ذنوبًا فعذبوا ثم أخرجوا وأخرجوا منها ونحن نقرأ كما قرأت.
وشاهده عن جابر بن عبد الله قد مضى في هذا الجزء (١).
[٣١٩] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد ابن شريك، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : "يُخْرَج قومٌ من النّار بعدما امتُحشوا فيدخلون الجنَّة".
قال عمرو بن دينار (٢) قال عبيد بن عمير قال رسول الله ﷺ "يُخْرَجُ قوم من النار
стр. 502
فيدخلون الجنة" قال فقال له رجل: يا أبا عاصم ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ قال فقال عبيد بن عمير: إليك عني يا علج، فلو لم أسمعه من ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ما حدثته.
قال سفيان: قدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه، قال: فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه وخرج صاحبه فقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ ، فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال له: يا ضال أما كنت تخبرنا أنه لا يخرج من النار أحد؟ قال: بلى، قال: فهو ذا عمرو بن دينار يزعم أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ : "يُخرَجُ قوم من النّار فيدخلون الجنة" قال فقال عمرو بن عبيد: هذا (له) معنى لا تعرفه، قال فقال الرجل: وأي معنى (يكون) لهذا؟ قال: ثم نفض يده (١) من يده وفارقه.
[٣٢٠] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يحيى بن أبي الحجاج، عن عيسى بن سنان، حدثنا رجاء بن حيوة قال: سئل جابر بن عبد الله هل كنتم تسمون من الذنوب كفرًا أو شركًا أو نفاقًا؟ قال: "معاذ الله ولكنا نقول: مؤمنين مذنبين".
стр. 503
قال البيهقي ﵀: وروينا في معناه عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وحذيفة بن اليمان وغيرهم.
وقد ثبت بما ذكرنا ها هنا وفي كتاب "البعث" (١) أن المؤمن لا يخلد في النار بذنوبه غير أن القدر الذي يبقى فيها غير معلوم والذي تلحقه الشفاعة ابتداء حتى لا يعذب أصلًا غير معلوم فالذنب خطره عظيم وشأنه جسيم وربنا غفور رحيم عقابه شديد أليم.
[٣٢١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا إبراهيم بن
مرزوق، حدثنا سعيد بن عامر، حدثنا خشيش أبومحرز، قال سمعت أبا عمران الجوني
يقول: "هبك تنجو، بعد كم تنجو" (٢).
стр. 504
فصل "فيما يجاوز اللّه عن عباده ولا يؤاخذهم به فضلًا منه ورحمة "
[٣٢٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع ح.
أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري واللفظ له، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، فاشتد (٢) ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا (٣) على الركب ثم قالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والزكاة والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية وولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : "أتريدُون أن تَقُولوا كما قَال أهلُ الكتابين من قبلكم: سَمِعْنَا وعَصَينَا؟ بَل قُولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ".
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل اللّه في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤).
فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (قال: نعم (٥) ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا
стр. 505
لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) قال: نعم.
رواه مسلم في الصحيح (٢) عن أمية بن بسطام ومحمد بن المنهال.
[٣٢٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفضل الصائغ، حدثنا آدم، حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: و نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ نسختها الآية التي بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
стр. 506
[٣٢٤] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب ابن سفيان، قال حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة قال: جلست إلى عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها فبكى حتى سمعت نشيجه (١)، فقمت حتى أتيت ابن عباس فأخبرته بما تلا ابن عمر فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لقد وجد (٢) المسلمون منها حلان نزلت مثل ما وجد عبد الله فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية.
وكانت الوسوسة مما (٣) لا طاعة للمسلمين به فصار الأمر بعد إلى قضاء الله تعالى أن النفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
[٣٢٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا محمد
стр. 507
ابن الحسن بن مكرم بالبصرة، حدثنا محمد بن الحسن بن تسنيم، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد يعني الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: نسختها الآية التي بعدها.
رواه البخاري في الصحيح (١) عن إسحاق بن منصور عن روح.
قال البيهقي ﵀: وهذا النسخ بمعنى (٢) التخصيص أو التبيين فإن الآية الأولى وردت مورد العموم فوردت الآية التي بعدها فبينت أن ما يخفى مما (٣) لا يؤاخذ به وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه. وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع بمعنى أنه لولا الآية الأخرى لكانت الآية الأولى تدل على مؤاخذته بجميع ذلك.
ويحتمل أن يكون هذا خبرًا مضمنًا بحكم وكانه حكم بمؤاخذة عباده بجميع ذلك وتعبدهم به وله أن يتعبدهم بما شاء، فلما قابلوه بالسمِع والطاعة خفف عنهم، ووضع عنهم حديث النفس فيكون قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَهُ﴾ خبرًا مضمنًا بحكم (٤) أي حكم بمحاسبتكم به وهذا كقوله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٥).
стр. 508
أي حكم بذلك ثم قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١).
فنسخ الحكم الأول وأثبت الثاني كذلك هذا والله أعلم.
وهذا الذي كتبته مختصر من جملة ذكرها الشيخ أبو بكر الإسماعيلي ﵀ في هذا الباب فيما أخبرنا أبو عمرو الأديب عنه وذكر فيما لا يؤاخذ به من حديث النفس معنى ما ذكرناه، ثم قال: وعلى هذا المعنى ما روي: "لك النظرة الأولى وليست لك الثانية" (٢). إذا كانت الأولى لا عن قصد تعمد فإذا أعاد النظر فهو كمن حقق الخطرة.
قال البيهقي ﵀: وإذا تحقق الخطرة فهو كمن (٣) حقق النظر وبالله التوفيق.
وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: النسخ لا يجري فيما أخبر الله عنه أنه كان وأنه فعل ذلك فيما مضى، لأنه يؤدي إلى الكذب والخلف، ويجري عند بعضهم فيما أخبر أنه يفعله وذلك أن ما أخبر الله أن يفعله يجوز أن يفعله بشرط، وإخباره عما فعله لا يجوز دخول الشرط فيه وهذا أصح الوجوه، وعليه تأول ابن عمر الآية ويجري ذلك مجرى العفو والتخفيف عن عباده وهو كرم منه وفضل وليس بخلف.
قال: وأما ما تعلق من الأخبار في الأمر والنهي فالنسخ فيه جائز عند جماعة من الناس وسواء كان ذلك خبرًا عن الماضي أو عن زمان مستقبل.
[٣٢٦] أخبرنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا
стр. 509
مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا مسعر بن كدام، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تُجُوِّزَ لأمّتِي عَمّا وسوست به أنفُسُهَا أو حدثت به أنفسها ما لم تكلّم به أوتعمل به".
أخرجاه (١) في الصحبح من حديث مسمعر.
[٣٢٧] أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو
стр. 510
الرزاز، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا عفان، حدثنا همام وحماد وأبان وأبو عوانة كلهم يحدثون عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها ما لم تكلموا به أو يعملوا".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن سعيد بن منصور وغيره عن أبي عوانة.
وأخرجاه (٢) من أوجه أخر عن قتادة.
[٣٢٨] أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ح.
стр. 511
وأخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرني عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه المؤذن، حدثنا
عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا شيبان، عن عبد الوارث بن سعيد، حدثنا الجعد
أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه
قال: "إن الله كَتبَ الحسناتِ والسيِّئات، ثم بَيَّنَ ذلك فمن هَمّ بالحسنة فلم يعملها كتبها اللّه له حسنةً، ومن عَمِلها كتب اللّه له بها عشرًا إلى سبعمائة ضِعف وأضعاف كثيرة، ومن هَمّ بسيئة ولم يعملها كتب الله له بها حسنة كاملة، ومن هَمّ بها فعملها كتب الله عليه سيئة واحدة".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن شيبان بن فروخ.
[٣٢٩] أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، حدثنا جدي يحيى بن منصور القاضي،
стр. 512
حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن الجعد أبي عثمان، عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما روى عن ربه : "إن ربكم رحيمٌ فَمَنْ هَمَّ بحَسَنهٍ فلم يعملها كلتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرُ أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وَمَنْ هَمَّ بسَيِّئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت عليه واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك".
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن
محمد بن يحيى، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، بهذا الإسناد نحوه.
رواه مسلم في الصحيح (١) عن يحيى بن يحيى.
قال البيهقي ﵀: وقد روينا في حديث همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذا الحديث في السيئة قال: "وإن تركها اكتبوها له حسنة أنما تركها من جرائي" وهو مذكور في باب التوبة (٢).
[٣٣٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، حدثنا
стр. 513
موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "يقول الله : إذا أراد عبدي بعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإنْ عملها فاكتبوها بمثلها، وإنْ تركها من أجلي فاكتبوها حسنةً، فإذا أراد أن يعمل سنةَ فلم يعملها فاكتبوها حسنةً فَان عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف".
رواه البخاري (١) في الصحيح عن قتيبة.
стр. 514
[٣٣١] أخبرنا أبو عبد الله، وأحمد بن الحسن، ومحمد بن موسى قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو الجواب، عن عمار بن
стр. 515
رزيق، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رسُولَ الله إني لأحدث بنفسى بالحديث لأن أخرَّ من السماء أحبّ إلَيَّ من أنْ أتكلمَ بِه، قال: ذلك صربح الإيمان".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن الصغاني.
ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنّا نَجد في أنفسنا الشيء ما نحب أن نتكلم به، فقال رسول الله ﷺ :"أوقَد وجَدْمُوه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذلك صريح الإيمان".
[٣٣٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح فذكره.
رواه مسلم في الصحيح (٢) عن زهير بن حرب.
стр. 516
[٣٣٣] أخبرنا أبو طاهر الفقيه من أصل سماعه، حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب قال سمعت علي بن عثام يقول: أتيت سعير بن الخمس فسألته عن حديث الوسوسة فلم يحدثني، فأدبرت أبكي ثم لقيني فقال لي حدثنا مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم به، قال: "ذاك محض أو صريح الإيمان".
وواه مسلم في الصحيح (١) عن يوسف بن يعقوب الصفار عن علي بن عثام.
قال البيهقي ﵀: ورواه جرير وسليمان التيمي و أبو عوانة وأبو جعفر الرازي عن مغيرة، عن إبراهيم مرسلًا (٢) وهو فيما ذكره شيخنا أبو عبد الله عن أبي علي الحافظ.
[٣٣٤] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدابادي، حدثنا
стр. 517
أبو قلابة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن منصور وسليمان، عن ذر، عن عبد الله ابن شداد، عن ابن عباس أن رجلًا قال: "يا رسول الله تحدثني نفسي من أمر الربّ لأن أكونَ حُمَمةً أحَب إليَّ مِنْ أنْ أتكَلّمَ به، فقال أحدهما: الحمد لله الّذي لم يقدر منكم إلاّ على الوسوسة، فقال الآخر: الحمد لله الذي ردّ أمره إلى الوسوسة".
[٣٣٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبوعبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي،
стр. 518
ومحمد بن موسى قالوا حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا هارون بن سليمان الأصبهاني، حدثنا عبد الرزاق بن مهدي، عن سفيان عن منصور عن ذر، عن عبد اللّه بن شداد، عن ابن عباس أن رجلًا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله إني أجدُ في نَفْسِي شيئًا لأن أكون حممة أحبّ إلَيّ. فقال: "الحمد للهِ الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة".
[٣٣٦] أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، حدثنا قتادة، عن ذر أبي عمر، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس أن رجلًا قال: "يا رسول الله إنّ أحدنا ليحدّث نفسه تعرض له بالشيء لأن يكون حمما أحب إليه مِنْ أنْ يتكلم به" فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر الله كبر الحمد لله الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة".
[٣٣٧] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب ابن سفيان، حدثني عبد العزيز بن عبد اللّه الأويسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن
стр. 519
ابن شهاب، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني بلغه أن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا رسول الله ﷺ عن الوسوسة التي يوسوس بها الشيطان في أنفسهم فقالوا: "يا رسول الله أشياء نجدها في أنفسنا يسقُطُ أحدُنا من عند الثريا أحبّ إليه من أن يتكلم به، فقال النبي ﷺ :"أوَجَدتمْ ذلك؟ ذلك صريح الإيمان، إنّ الشيطان يريد العبد فيما دون ذلك فإذا عُصِمْتُم (١) وقع فيما هناك".
قال البيهقي ﵀: وإنما الإيمان اغتمامه بما وقع في قلبه مما لا طاقة له بدفعه عنه وكراهيته له وإشفاقه مغبته" (٢) وبالله العصمة.
فصل "في القصاص من المظالم "
[٣٣٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أتدْرُونَ مَنِ الْمُفلسُ"؟ قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إنّ المُفلسَ مِنْ أمَّتي يَأتي يوم القيامة بصلاةٍ وَصيامٍ وَزكاةٍ ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وَضَرَب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حَسَنَاتُه قبل أنْ يُقْضى ما عليه، أُخذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرحَ في النار".
رواه مسلم في الصحيح (٣) عن قتيبة.
стр. 520
قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا متن هذا الحديث في "باب زيادة الإيمان ونقصانه" وقد ذكرنا "تفسيره" وهو أن من لم ر إحباط الحسنة بالسيئة في الإيمان يقول: يعطى خصمه من أجر حسناته الذي تقابل عقوبة سيئاته ولا يذهب جميعُه، لأن أجر حسناته لا نهاية له وعقوبة سيئاته له نهاية فلا يستحق ما لا نهاية له بما له نهاية، وقوله: "إن فنيت حسناته و يعني أجرها قابل منها بسبه والله أعلم".
[٣٣٩] أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان وأبو يعلى قالا حدثنا محمد وهو ابن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي التوكل، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١).
قال: "يَخْلُصُ المؤمنون على الصّراط فيُحبَسون على قنطرة بين الجنة والنّار فيَقْتَصُّ
стр. 521
بعضُهم مِنْ بعض مظالمَ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُدئوا ونُقُّوا (١) أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فَوَالله إنّ أحدهم لأهدى لمنزله في الجنة من منزله في الدنيا". قال قتادة: كان يقال ما يشبه بهم إلا أهل الجمع انصرفوا من جمعهم.
رواه البخاري في الصحيح (٢) عن الصلت بن محمد، عن يزيد بن زريع.
قال البيهقي ﵀: وهذ! يحتمل أن يكون المراد به حتى إذا هُذبُوا ونُقوا (٣) بأن يرضى عنهم خصماؤهم. ورضاهم قد يكون بالاقتصاص كما مضى في حديث أبي هريرة، وقد يكون بأن يثيب اللّه المظلوم خيرًا من مظلمته ويعفو عن الظالم (٤) برحمته.
وقد روي فيه ما:
[٣٤٠] حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين
стр. 522
القطان، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن لكنانة بن العباس بن مرداس السلمي، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس: أن رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء فاوحى الله إليه: "أني قد فعلت إلا ظلم (١) بعضهم بعضًا، وأما ذنوبهم فيما بينهم وبيني قد غفرتها، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرَا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم". فلم يجبه ذلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فاجابه "إني قد غفرت لهم". قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تبتسم فيها؟ قال: "تبسمتُ من عدوّ الله إبليس إنه لمّا علم أنّ الله تعالى قد استجاب لِي في أُمتي أهْوى يدعو بالْوَيْل والثبور ويحثو التراب على رأسه".
قال البيهقي ﵀: وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها في كتاب "البعث" فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمِنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وظلم بعضهم بعضَا دون الشرك.
وفي الحديث الثابت عن زيد بن وهب عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فاخبرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" قال: قلت: يا رسول الله و ان زنى و ان سرق؟ قال: "واِنْ زَنى واِنْ سَرَقَ".
[٣٤١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السري بن
стр. 523
خزيمة، حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا زيد بن وهب، فذكره في حديث طويل.
رواه البخاري في الصحيح (١) عن عمر بن حفص.
стр. 524
وأخرجه مسلم من أوجه أحدها عن الأعمش.
قال البيهقي ﵀: رواه أبو الأسود الديلي عن أبي ذر عن النبي عيهو قال: "ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثمَ مات علما ذلك إلّا دخل الجئقا قال: قلت: وإن زنى هن لمرق؟ قال؟ "وإنْ زنى وإِنْ هـ تعالى على رغم أنف أبي ذرّ".
وقد أخرجاه (١) في الصحيح وله شواهد (٢) عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، ثم عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله، وغيرهم عن النبي عفان، وليس بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة وأبي سعيد منافاة.
وقد يكون دخوله الجنة بعد الاقتصاص، والاقتصاص قد يكون بالتعذيب على ما طرح عليه من سيئات خصمه وحبط من أجر حسناته فيبقى مرتهنَا بسيئاته وسيئات خصمه، وقد يثيب الله تعالى المظلوم ويعفو عن الظالم إن صح الخبر الوارد به.
(أما) (٣) التعزير بالنفس ففيلا يرضاه عاقل، ومن لا يصبر على وجع سِنّ وحُمَّى يومٍ
فحقيق أن يحترز من أمر يعرضه لعذاب "جيع وعقاب أليم، لا يعلم شدته ولا نهايته
إلا الله ، وقد جاء في حديث (٤) أبي ظلال عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ
стр. 525
"أن عبدًا في جهنم يُنادي ألف سنة يا حنَّان يا منَّانُ حتّى يأمر به جبريل ﵇ فيخرجه منها، نعوذ بالله من عذاب الله .
[٣٤٢] أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن حسان الأزرق، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال كان حرّم بن أبي حزم يقول: "اللهم من ظلمناه بمظلمة فأثبه من مظلمتنا واغفرها لنا، ومن ظلمنا فأثبنا من مظلمته واغفرها له".
[٣٤٣] قال: وحدثنا أبو بكر حدثني رجل من عبد القيس من أهل البصرة قال: كانت رابعة العابدة تقول: "اللهم وهبت لك من ظلمني فاستوهبني ممن ظلمت".
فصل "في كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى وصفة يوم القيامة "
قال البيهقي ﵀ (١): أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط
стр. 526
الساعة وهي أعلامها: منها: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتله الدجال.
و منها: خروج يأجوج و مأجوج".
ومنها: خروج دابة الأرض.
ومنها: طلوع الشمس من مغربها فهذه هي الآيات العظام.
وأما ما تقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستعلاء أهله وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وامارة الصبيان، ولعن أخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج، وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بعد ما صار الخبر عيانًا تكلف، وقد رويناها مع ما ورد في الأعلام العظام في كتاب "البعث والنشور" (١) فاغنى عن إعادتها ها هنا وبالله التوفيق.
وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله إماتة الأحياء من سكان السموات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش في قول بعض أهل العلم وصاحب اللوح المحفوظ فينفخ في الصور وهو القرن.
[٣٤٤] أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي، حدثنا
стр. 527
عمرو بن تميم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن أسلم العجلا، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سئل النبي ﷺ عن الصور قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه".
[٣٤٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: لقد هممت ألا أحدثكم بشيء، إنما قلت إنكم ترون بعد قليل أمرًا عظيماَ، فكان حريق البيت. "قال شعبة هذا أو نحوه قال عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ :"يخرج الدجّال في أمّتي فيمكث فيهم أربعين لا ندرى أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعبن عامًا. فيبعثُ الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيُهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوةٌ. ثم يرسل الله ريحًا باردًا مِنْ قِبَل الشام، فلا يبقى أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرة من الإيمان إلآ قبضَتْه، حتى لو أن أحدكم (دخل) (١) في كَبِدِ جبل لدخلَتْ عليه (حتى تقبضه) (١) قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ، ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السّباع، لا يعرفون معروفَا ولا ينكرون منكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون (٢) فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم،
стр. 528
حَسَنٌ عيشهُم، ثم يُنْفَخ في الصور فلا يسمعُه أحد إلا أصغى ليتًا- ورفع بندار إحدى منكبيه- وأوّل مَنْ يسمعه رجل يلُوط حوضَه فيصْعَق، ثم لا يبقى أحد إلاّ صَعِقَ، ثم يرسلُ الله أو يُنزل الله مطرًا كأنه الطَل أو الظَلُّ- النعمان الشاك- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يُقال: يا أيّها الناس هلُمّوا إلى ربكم ، وقِفُوْهم إنهم مسئولون، ثم يقال: أخرجوا بَعْثَ النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون".
قال محمد بن جعفر وحدثني شعبهّ بهذا الحديث مرات وعرضته عليه.
رواه مسلم في الصحيح (١) عن محمد بن بشار.
قال البيهقي ﵀: ولم يذكر عبد الله بن عمرو في هذا الحديث سائر الأعلام من
خروج يأجوج ومأجوج (والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وقد ذكر غيره خروج
ياجوج ومأجوج) (٢) بعد نزول عيسى ابن مريم وإرسال الله عليهم النغف وموتهم في
قيام الساعة بعد ذلك، وذكر هو (٣) عن النبي ﷺ أن أول الآيات خروجًا طلوع
الشمس من مغربها أو خروج الدابة على الناس ضحى فايهما كانت قبل صاحبتها
فالأخرى على أثرها وقال من قبل نفسه: فاظن أولها خروجًا طلوع الشمس من
مغربها. وإنما قال ذلك عبد الله بن عمرو حين أخبر بقول (٤) مروان بن الحكم أن أول
الآيات خروجًا الدجال فإذا كان حديث عبد الله صحيحًا فهو أولى من غيره. وهو
صحيح لا شك فيه لصحة إسناده، والله أعلم. ولا شك فيكون هذه الآيات قبل
النفخ في الصور تقدم بعضها أو تأخر وكل ما هو أت قريب.
стр. 529
[٣٤٦] أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أبو عمرو سعيد بن حفص خال النفيلي، حدثنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد (١) وعن عمران يعني البارقي عن عطية عن
стр. 530
أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ :"كيف أنعمُ وصاحبُ القرن قد التقمَه وأصغَى سمعَه وحَنا جَبِينَه ينتظرُ مَتى يؤمرُ فيَنْفُخُ و قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قُولُوا حَسْبُنَا اللهُ ونعمَ الوَكِيلُ على الله توَكَلْنا".
أخبرنا أبو محمد (١) عبد الرحمن بن محمد بن بالويه المزكي، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن علي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا موسى بن أعلان فذكر حديث أبي صالح بمعناه.
قال البيهقي ﵀: فإذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض كما قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢).
واختلفوا في هذا الاستثناء فروي (٣) عن جابر بن عبد الله أنه قال: موسى فيمن استثنى اللّه قد صعق مرة، وهذا و في الحديث الثابت (٤) عن أبي هريرة في المسلم