← Книги сунны

Книги сунны · id 10660

شعب الإيمان - ط الرشد

أبو بكر البيهقي

Полный текст (7 093 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الساعة وهي أعلامها: منها: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتله الدجال. و منها: خروج يأجوج و مأجوج". ومنها: خروج دابة الأرض. ومنها: طلوع الشمس من مغربها فهذه هي الآيات العظام. وأما ما تقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستعلاء أهله وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وامارة الصبيان، ولعن أخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج، وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بعد ما صار الخبر عيانًا تكلف، وقد رويناها مع ما ورد في الأعلام العظام في كتاب "البعث والنشور" (١) فاغنى عن إعادتها ها هنا وبالله التوفيق. وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله إماتة الأحياء من سكان السموات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش في قول بعض أهل العلم وصاحب اللوح المحفوظ فينفخ في الصور وهو القرن. [٣٤٤] أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي، حدثنا

стр. 527

عمرو بن تميم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن أسلم العجلا، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سئل النبي ﷺ عن الصور قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه". [٣٤٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: لقد هممت ألا أحدثكم بشيء، إنما قلت إنكم ترون بعد قليل أمرًا عظيماَ، فكان حريق البيت. "قال شعبة هذا أو نحوه قال عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ :"يخرج الدجّال في أمّتي فيمكث فيهم أربعين لا ندرى أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعبن عامًا. فيبعثُ الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيُهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوةٌ. ثم يرسل الله ريحًا باردًا مِنْ قِبَل الشام، فلا يبقى أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرة من الإيمان إلآ قبضَتْه، حتى لو أن أحدكم (دخل) (١) في كَبِدِ جبل لدخلَتْ عليه (حتى تقبضه) (١) قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ، ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السّباع، لا يعرفون معروفَا ولا ينكرون منكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون (٢) فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم،

стр. 528

حَسَنٌ عيشهُم، ثم يُنْفَخ في الصور فلا يسمعُه أحد إلا أصغى ليتًا- ورفع بندار إحدى منكبيه- وأوّل مَنْ يسمعه رجل يلُوط حوضَه فيصْعَق، ثم لا يبقى أحد إلاّ صَعِقَ، ثم يرسلُ الله أو يُنزل الله مطرًا كأنه الطَل أو الظَلُّ- النعمان الشاك- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يُقال: يا أيّها الناس هلُمّوا إلى ربكم ، وقِفُوْهم إنهم مسئولون، ثم يقال: أخرجوا بَعْثَ النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون". قال محمد بن جعفر وحدثني شعبهّ بهذا الحديث مرات وعرضته عليه. رواه مسلم في الصحيح (١) عن محمد بن بشار. قال البيهقي ﵀: ولم يذكر عبد الله بن عمرو في هذا الحديث سائر الأعلام من خروج يأجوج ومأجوج (والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وقد ذكر غيره خروج ياجوج ومأجوج) (٢) بعد نزول عيسى ابن مريم وإرسال الله عليهم النغف وموتهم في قيام الساعة بعد ذلك، وذكر هو (٣) عن النبي ﷺ أن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها أو خروج الدابة على الناس ضحى فايهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها وقال من قبل نفسه: فاظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها. وإنما قال ذلك عبد الله بن عمرو حين أخبر بقول (٤) مروان بن الحكم أن أول الآيات خروجًا الدجال فإذا كان حديث عبد الله صحيحًا فهو أولى من غيره. وهو صحيح لا شك فيه لصحة إسناده، والله أعلم. ولا شك فيكون هذه الآيات قبل النفخ في الصور تقدم بعضها أو تأخر وكل ما هو أت قريب.

стр. 529

[٣٤٦] أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أبو عمرو سعيد بن حفص خال النفيلي، حدثنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد (١) وعن عمران يعني البارقي عن عطية عن

стр. 530

أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ :"كيف أنعمُ وصاحبُ القرن قد التقمَه وأصغَى سمعَه وحَنا جَبِينَه ينتظرُ مَتى يؤمرُ فيَنْفُخُ و قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قُولُوا حَسْبُنَا اللهُ ونعمَ الوَكِيلُ على الله توَكَلْنا". أخبرنا أبو محمد (١) عبد الرحمن بن محمد بن بالويه المزكي، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن علي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا موسى بن أعلان فذكر حديث أبي صالح بمعناه. قال البيهقي ﵀: فإذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض كما قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢). واختلفوا في هذا الاستثناء فروي (٣) عن جابر بن عبد الله أنه قال: موسى فيمن استثنى اللّه قد صعق مرة، وهذا و في الحديث الثابت (٤) عن أبي هريرة في المسلم

стр. 531

الذي لطم اليهودي حين قال: والذي اصطفى موسى علي البشر، فقال النبي ﷺ : "لا تُفَضِّلُوا بين أنبياء الله فإنّه يُنْفَخ في الصور، فيصْعق من في السموات ومن في الأرض إلّا من شاء اللّه، ثم يُنْفخ فيه أخرى فأكون أوَّل من بُعث أو في أوَّل مَن بُعِثَ فإذا موسى أخذٌ بالعرش فلا أدري أحُوسب بصعقة يوم الطور أم بعثه قبلي" وهذا حديث صحيح. قال البيهقي ﵀: ووجهه عندي أن نبينا ﷺ أخبر عن رؤية جماعة من الأنبياء ليلة المعراج، وإنما يصح ذلك على تقدير أن الله تعالى رد إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار فإن كان موسى فيمن استثنى الله بقوله: ﴿إلَّا مَنْ شَاءَ﴾ فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة والله أعلم. وروينا (١) عن سعيد بن جبير أنه قال: هم الشهداء ثنية الله مقلدي السيوف حول العرش. وروي فيه حديث مرفوع عن زيد عن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة (٢) عن النبي ﷺ أنه سأل جبريل عن هذه الآية وقال: "ومن الذين (٣) لم يشاء الله أن يصعقوا؟ " قال: هم شهداء الله وهذا لأن الله أخبر في كتابه: أنهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) فلا يموتون في النفخة الأولى فيمن يموت من الأحياء والله أعلم.

стр. 532

وروينا عن زيد بن أسلم (١) أنه قال: " الذين استثنى الله اثنا عشر: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش ثمانية". وذهب الحليمي (٢) ﵀ إلى اختيار قول من قال إن الاستثناء لأجل الشهداء، ورواه عن ابن عباس، وحمل قول النبي ﷺ في موسى ﵇ على أنه لم يدر (٣) أبعث قبل غيره من الأنبياء ﵈ تخصيصَا له ﵇ كما فُضِّل في الدنيا بالتكليم، أو قدم بعثه على بعث غيره من الأنبياء ﵈ بقدر صعقته عندما تجلا ربه للجبل إلى أن أفاق ليكون هذا جزاء له بها، وليس فيه أن يموت عند النفخة الأولى. وضعف قول من زعم الاستثناء لأجل الملائكة الذين سماهم، لأنهم ليسوا من سكان الأرض لأن العرش فوق السموات (٤) كلها وجبريل وميكائيل من الصافين المسبحن حول العرش فلم يدخلوا في الآية. وكذلك لا يدخل فيها الولدان والحور، لأن الجنة فوق السموات، والاية في سكان السموات والأرض، ثم قد ورد في بعض الآثار: يميت حملة العرش، ويميت جبريل وميكائيل وملك الموت، ثم ينادي: لمن الملك اليوم، فلم يجبه أحد فيقول هو: لله الواحد القهار. وقد روي فيه حديث مرفوع في إسناده ضعف وقد ذكرناه في كتاب " البعث والنشور" (٥).

стр. 533

وأما الجنة وما فيها من الحيوان فإنها خلقت للبقاء لا للفناء، وهي دار لذة وسرور ولم يأتنا خبر بموت من فيها. فإن قيل: قد قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١). ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢). قال الحليمي (٣) ﵀: يحتمل أن يكون معناه ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك إلا وجهه، أي إلا هو فإنه تعالى جده قديم، والقديم لا يجوز عليه الفناء، وما عداه محدث والمحدث لا يبقى إلا قدر ما يبقيه محدثه فإذا حبس البقاء عنه فني. ولم يبلغنا في خبر أنه يهلك العرش ويفنيه فلتكن الجنة مثله والله أعلم. قال البيهقي ﵀: وروينا (٤) عن سفيان الثوري أنه قال في تفسير هذه الآية: كل شيء هالك (٥) إلا ما أريد به وجهه. وفي رواية: إلا ما ابتغي به وجهه من الأعمال الصالحة. فإذا مات الأحياء كلهم وجاء وقت النفخة الأخرى فقد جاء في حديث الصور وهو حديث روي عن محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وفي إسناده مقال، فذكر قصة في النفخة الأولى وما بعدها وذكر موت جبريل وميكائيل ثم موت حملة العرش وموت إسرافيل ثم موت ملك الموت، ثم ينزل ماء من تحت العرش كمني الرجال ثم يأمر السماء أن تمطر أربعين يومًا، ويأمر الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث (٦) أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم قال الله تعالى: ليحيى حملة العرش فيحيون، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل أظنه وذكر معهما

стр. 534

غيرهما، فيحيون فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المؤمنين نورَا والأخرى ظلمة فيلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ فيه نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الخياشيم ثم تمشي في اْلأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنهم سرعًا. [٣٤٧] وهذا فيما قرئ إسناده على الأستاذ (١) أبي إسحاق الإسفرايينى وأنا أسمع أن أبابكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرهم، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حْدثنا أبو عاصم، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وروينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر فيه صفة الصور وعِظمه وعِظم إسرافيل ثم قال:

стр. 535

فإذا بلغ الوقت الذي يريد اللّه أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصور إلى السموات فيصعق سكان السموات بحذافيرها، ثم تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريته فيهن من الجن والإنس والهوام والأنعام. قال: وفي الصور من الكوى عدد من يذوق الموت من جميع الخلائق فإذا صعقوا جميعًا، يقول الله ، يا إسرافيل من بقي؟ فيقول: بقي إسرافيل عبدك الضعيف. فيقول مت يا إسرافيل، فيموت، ثم يقول الجبار تعالى: لمن الملك اليوم، فلا هميس ولا حسيس، فلا ناطق يتكلم، ولا مجيب يفهم، وقد مات حملة العرش واسرافيل وملك الموت وكل مخلوق فيرد الجبار على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) وذلك حين تمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته ﴿وَهُوَ السَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فتتم كلمته بإنفاذ قضائه على أهل أرضه وسمائه لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢). فأما إسرافيل فيموت ويحيا في طرفة عين، وأما حملة العرش فيحيون في أسرع من طرفة عين فيأمر الله تعالى إسرافيل بعد النفخة الأولى باربعين وكذلك هو في التوراة بين النفختين أربعون، لا يدرى ما هو. فإذا انقضت الأربعون نظر الله إلى أهل السموات وإلى أهل الأرضين (٣) فيقول: وعزتي لأعيدنكم كما بدأتكم ولأحيينكم كما أمتكم، ثم يأمر إسرافيل فينفخ النفخة الثانية، وقد جمعت الأرواح كلها في الصور، فإذا نفخ، خرج كل روح من كوة معلومة من كوى الصور، فإذا الأرواح تهوش (٤) بين السماء والأرض لها دوي كدوي النحل، فينادي إسرافيل: يا أيتها الجلود المتمزقة! ويا أيتها الأعضاء المتهشمة، ويا أيتها العظام البالية، ويا أيتها الأجساد المتفرقة، ويا أيتها الأشعار المتمرطة (٥)، قوموا إلى موقف الحساب والعرض الاكبر، فيدخل على روح في جسده، قال وتمطر السماء طشًّا (٦) من تحت العرش على جميع

стр. 536

الموتى، فيحيون كما تحيا الأرض الميتة بوابل السماء، فيبعث اللّه الأجساد التي كانت في الدنيا من حيث كانت: بعضها من بطون السباع وبعضها من حواصل الطير وحيتان البحور وبطون الأرض وظهورها، فيدخل على روح في جسده فإذا هم قيام ينظرون، فيبعث الله نارًا من الشارق، فتحشر الناس إلى المغارب إلى أرض تسمى الساهرة من وراء بيت المقدس أرض طاهرة لم يعمل عليها سيئة ولا خطيئة فذلك قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (١). وقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٢) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٤). ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا. الَّذِينَ كَانَتْ﴾ (٥) الآية. [٣٤٨] وهذا فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن طلحة بن منصور

стр. 537

القطان، حدثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، حدثنا أبو الحسن علي بن قدامة النحوي، حدثنا مجاشع بن عمرو، عن ميسرة بن عبد ربه، عن عبد الكريم الجزري، قال حدثني سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن القيامة وما فيها فحدثه وذكر ما كتبناه فيه وهذا إسناد ضعيف بمرة، غير أنا قد روينا في الحديث الثابت عن الأعمش عن أبي صالح (١) عن أبي هريرة عن رسول اللّه ﷺ قال: "بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وعجب الذنب ومنه يركب (٢) الخلق يوم القيامة. [٣٤٩] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث. رواه مسلم في الصحيح (٣) عن أبي كريب عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري (٤) من وجه آخر عن الأعمش.

стр. 538

قال البيهقي ﵀: وروينا عن أبي غالب (١) عن أنس بن مالك مرفوعًا: "يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم". وروينا بإسناد صحيح (٢) عن عبد الله بن مسعود في أشراط الساعة في النفخة الأولى ثم في إرسال الله ماء من تحت العرش منيًّا كمني الرجال، حتى تنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، ثم قيام ملك الصور، ونفخه فيه مرة أخرى، وانطلاق على نفس إلى جسمها ودخولها فيه ثم قيامهم لرب العالمين ما يؤكد جميع ما قلنا والله أعلم. [٣٥٠] أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب، أخبرنا الحسين بن محمد بن هارون، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا يوسف بن بلال، حدثنا محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني أهل مكة ﴿مَتَى هَذا الْوَعْدُ﴾ يعني يوم القيامة يقول الله ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ كفار قريش إذ كذبوا ﴿إلا صَيحَةَ وَاحِدَةً﴾ لا تثنى ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ يتكلمون في أسواقهم يتبايعون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يقدرون ﴿تَوْصِيَةَ﴾ كلامًا ﴿وَلَا إلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيحيرون (٣) الكلام إليهم ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النفخة الآخرة ﴿فَاذا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ يعني القبور ﴿إِلَى رَبِّهمْ

стр. 539

يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون من قبورهم ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (١) يقول من منامنا (٢) يقول هذا بعضهم لبعض إذا خرجوا من القبور، وظنوا أنهم كانوا نيامًا. وذلك أنه يرفع عنهم العذاب بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، نسوا العذاب فقالت لهم الملائكة ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ يعنى وتصديق المرسلين البعث يقول الله : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَا صَيْحَةً وَاحِدةً﴾ نفخة واحدة (٣)، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٤) الحساب. قال البيهقي ﵀: وقد روينا عن أسامة بن زيد عن الزهري، عن أنس بن مالك قال و كان يوم أحد مر رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب وقد جدع ومثل به فقال: "لولا أن تجد صفية تركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع". [٣٥١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا عبد الله بن الحسن القاضي، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا روح، حدثنا أسامة فذكره. قال البيهقي ﵀: وروينا في حديث مقسمم عن ابن عباس (٥) غير أنه قال:

стр. 540

"لولا جزع النساء لتركته يحشر من حواصل الطير وبطون السباع". وفي هذا دلالة على أن ما أكله السبع أو الطير أو حوت الاء حشر جمع الأجزاء التي أكلت منها، أما ما أكله الناس بعضهم من بعض وصار غذاء له. فقد زعم الحليمي (١) ﵀ أنه لا يرد إلى أصله لكن صاحبه يعوض منه. وقد فرق بينهما بأنه قد انقلب من مكلف إلى مكلف ورده يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة أو جزء من المؤمن النار، وليس كذلك في غير المكلف، وإنما هو في معنى ما تأكله الأرض فيعاد وبسط الكلام فيه. فصل (٢) وإذا أحيا الله ﵎ الناس كلهم قاموا عجلين ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٣). وقد أخبر الله عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (٤). وأنهم يقولون: ﴿هَذَا يَوْمُ الدينِ﴾. فتقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَذِي كنْتُمْ بِهِ تكَذّبُونَ﴾ (٥). ثم يؤمر (٦) بحشر الناس إلى موقف العرضْ والحساب وهو الساهرة فقال الله : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (٧). قال البيهقي ﵀: وروينا عن وهب (٨) بن منبه أنه قرأ هذه الآية وهو يومئذ ببيت المقدس فقال: ها هنا الساهرة يعني بيت المقدس.

стр. 541

وروينا عن ابن عباس (١) موقوفًا ومرفوعًا ما دل على أن الشام أرض المحشر. وقال الفراء (٢): الساهرة وجه الأرض كأنها سميت بهذا الاسم لأن فيه الحيوان نومهم وسهرهم. وروى بإسناده (٣) عن ابن عباس قال: الساهرة الأرض. قال الحليمي (٤) ﵀: ومعناه فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها. وقيل: الساهرة صحراء قرب شفير جهنم والله أعلم. وروينا في الحديث الثابت (٥) عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: "يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقِي". وفي رواية: كقرصة النقي ليس فيها لأحد علم (٦).

стр. 542

والنقي: الخبز الحوّارَى وقوله: "ليس فيها علم" يريد أرضًا مستوية ليس فيها حدب ولا بناء. وأما صفة الحشر فقد قال الله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (١). روينا عن (٢) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في قوله ﴿وَفْدًا﴾ ركبانًا وفي قوله ﴿وِرْدَا﴾ عطاشًا. وروينا عن النعمان بن سعد عن علي أنه قال في هذه الآية: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة. [٣٥٢] أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ فذكره.

стр. 543

[٣٥٣] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، حدثنا السري ابن خزيمة، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يُحشر الناس على ثلاث طرائق رَاغبينِ راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على لعير، وعشرة على بعير، وتَحْشُرُ بَقِيَّتَّهُم النّارُ، تَقِيلُ معهم حيث قالوا، وتَبِيت معهم حيث باتوا، وتُصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا". رواه البخاري (١) عن معلى بن أسد. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن وهيب. قال الحليمي (٢) ﵀: فيحتمل أن يكون قول النبي ﷺ :"يُحشر الناس على ثلاث طرائق" أشار إلى الأبرار والمخلطين والكفار، فالأبرار الراغبون إلى الله جل ثناؤه فيما أعد لهم من ثواب. والراهبون (٣) الذين هم بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما روي في حديث علي، وأما ألمخلطون فهم الذين أريدوا في هذا الحديث أنهم يحملون على الأبعرة، والأشبه أنها لا تكون من نجائب الجنة، لأن من هؤلاء من لا يغفر له ذنوبه حتى يعاقب بها بعض العقوبة، ومن أكرم بشيء من نعيم الجنة لم يهن بعده بالنار.

стр. 544

قال البيهقي ﵀: وروى علي بن زيد بن جدعان (١) وليس بالقوي عن أوس ابن خالد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يُحشر الناس يوالقيامة على ثلاثة أصناف: ركبانًا ومشاةً وعلى وجوههم" فقال رجل: يا رسول اللّه! وَيمشون على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم". وهذا الأصح فكأن بعض المخلطين من المؤمنين يكون راكبًا كما جاء في الحديث الأول، وبعضهم يكون ماشيًا كما جاء في الحديث، أو يركب في بعض الطريق، ويمشي في بعض (٢). وأما المشاة على وجوههم فهم الكفار. ويحتمل أن يكون بعضهم أعتى من بعض، فهؤلاء يحشرون على وجوههم والذين هم أتباع يمشون على أقدامهم، فإذا سيقوا من موقف الحساب إلى جهنم، سحبوا على وجوههم قال الله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (٣). وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤). ويكونون في تلك الحالة عميًا وبكمًا وصمًا قال اللّه تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٥).

стр. 545

وقبل ذلك يكونوا كاملي الحواس والجوارح لقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بينَهُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (٢). وسائر ما أخبر الله عنهم وأقوالهم ونظرهم وسمعهم فإذا دخلوا النار ردت إليهم حواسهم، ليشاهدوا النار وما أعد لهم فيها من العذاب قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ (٣). وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم وسمعهم ونظرهم. فإذا نودوا بالخلود سلبوا أسماعهم قال الله : ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٤). وقد قيل إنهم يسلبون أيضًا الكلام لقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٥). وروينا (٦) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قام في الناس فوعظهم فقال: "أيها الناسُ انكم تُحشرون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرلًا" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٧). وإن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇.

стр. 546

وعن عائشة ﵂ (١) عن النبي ﷺ قال: "تُحْشرون يوم القيامة حُفَاةَ عُراةَ غُرلًا" فقلت: يا رسول الله الرجال من النساء؟ "فقال: يا عائشة، الأمرُ يومئذٍ أشد من ذلك". والذي يدل عليه ما قدمنا ذكره أن ذلك يكون حال خروجهم من قبورهم، ثم يكرم المتقون، ومن شاء من المخلطين المؤمنين بالكسوة والركوب كما قدمنا ذكره والله أعلم. والذي روي في حديث أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﷺ : "يبعَثُ المَيِّتُ في ثيابه التي يموت فيها" يحتمل أن يكون المراد في أعماله التي عليها من خير أو شر كقوله ﷺ في رواية جابر (٣) "يُبعَثُ كُلّ عبدٍ على ما مات عليها". وقد يحتمل أن يبعث في ثيابه التي يموت فيها ثم تتناثر عنه أو عن بعضهم، ثم يحشر إلى موقف الحساب عاريًا ثم يكسى بعد ذلك من ثياب الجنة والله أعلم. وأما قول الله في صفة الكفار يوم القيامة ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (٥) فإن المراد بذلك والله أعلم حال مضيهم إلى الموقف وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (٦).

стр. 547

وإنما هو إذا طال القيام عليهم في الموقف، فيصيرون من الحيرة كأنه لا قلوب لهم، ويرفعون رءوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم، ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، والناس في القيامة لهم أحوال ومواقف، واختلف الإخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وأما قول الله : ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١). فقد روينا (٢) عن ابن عباس أنه قال هذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله (فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون) ثم إذا نفخ في النفخة الأخرى قاموا" ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. فصل قد روينا عن ابن عباس (٣) أنه قال في قوله : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (٤) يقول: عطاشًا. والأخبار (٥) تدل على أن العطش يعم الناس في ذلك اليوم إلا أن المجرمين لا يسكن عطشهم، ولكنه يزداد حتى يوردوا النار، فيشربون الحميم شرب الهيم نعوذ بالله من عذاب النار. وأما المتقون، ومن شاء الله من المخلطين المؤمنين فإنهم يسقون من حوض نبينا ﷺ وقد ذكرنا صفة الحوض وصفة مائه في كتاب "البعث والنشور" (٦).

стр. 548

[٣٥٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد قال قال رسول الله ﷺ : "إنّي فَرَطُكُمْ على الحَوض مَنْ مَرّ عَلَي شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظمَأ أبدًا". وذكر الحديث. أخرجاه (١) في الصحيح. قال البيهقي ﵀: ويشبه أن يكون عطش المتقين لكي إذا سقوا من حوض المصطفى ﷺ وجدوا لذة ذلك الماء إذ الريان لا يستلذ الماء كما يستلذه العطشان والله أعلم. فصل قال البيهقي ﵀: ذكر الله في كتابه ما يكون (٢) في الأرض من زلزالها، وتبديلها، وهو تغيير هيئتها ومدها، وما يكون في الجبال وتسييرها ونسفها، وما يكون

стр. 549

في البحار وتفجيرها وتسجيرها، وما يكون في السماء وتشقيقها وطيها، وما يكون في الشمس من تكويرها، وفي القمر من خسفه، وما يكون في النجوم من انكدارها وانتثارها، وما يكون من شغل الوالدة عن ولدها ووضع الحوامل ما في بطونها. واختلف أهل العلم في وقت هذه الكوائن فذهب بعض أهل التفسير إلى أن ذلك يكون بعد النفخة الأولى وقبل (١) الثانية، وروى ذلك الحديث الذي ذكرنا (٢) إسناده عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الصور. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك إنما يكون بعد النفخة الثانية. وخروج الناس من قبورهم، ووقوفهم يوم القيامة قبلها ينظرون ليكون فى ذلك أرعب (٣) لعرضهم وأشد لحالهم، وعلى هذا يدل سياق أكثر الآيات التي وردت في هذه الكوائن، وكذلك روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرنا إسناده في صفة القيامة، وقد ذكرنا أحد الحديثن في كتاب "البعث والنشور" (٤) آخره. وعلى مثل ذلك يدل أكثر الأحاديث فمنها حديث أبي سعيد الخدري وغيره في بعث النار. [٣٥٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، وأبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني بالكوفة، قالا حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أنبأ وكيع- ح.

стр. 550

وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : يقول ﵎ يوم القيامة: "قُمْ يَا آدَمُ ابَعثْ بَعْثَ النّار، فَيقُولُ: لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ وَالخْيَر في يَدَيْكَ. يَا ربّ، وَمَا بَعْثُ النّار؟ قَالَ فَيقُولُ: مِنْ كُل ألْفٍ تِسْعُمائة وتسْعَة وَتسْعُونَ. قَال: فَحِيئذ يشيبُ المولُود وَتَضعُ كلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَهَا وتَرَى النّاس سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارى وَلكنّ عَذَابَ الله شَديد". فيقولون وأينا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله ﷺ : "تسعمائة وتسع وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد" فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي ﷺ : "إني لأرجو أن تكونوا رُبعَ أهل الجنة، والله إنّي لأرجو أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة، والله إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنه" فكبر الناس فقال رسول الله ﷺ : "ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض". رواه مسلم في الصحيح (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع. قال البيهقي ﵀: وأخرجاه (٢) من حديث جرير عن الأعمش وفي حديثه

стр. 551

"أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا (١) ومنكم وجل". وروينا في حديث عمران عن حصين (٢) وأنس بن مالك (٣) أنا النبي ﷺ قرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٤) إلى آخر الآيتين. ثم قالا: معنى ما رواه أبو سعيد غير أن في حديثهما قال: "اعملوا وأبشروا، والذي نفس محمد بيده إن معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قط إلا كثرتاه مع من هلك من بني آدم وبنى إبليس". قالوا: ومن هما؟ قال: "يأجوج ومأجوج". وروينا عن عائشة (٥) أنها قالت: يا رسول الله ﷺ أرأيت قول الله :

стр. 552

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١). أين الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط". وفي حديث ثوبان (٢) عن النبي ﷺ زيادة قال: "همْ فِي الظلمة دون الجسر والجسر هو الصراط" وأما قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ (٣). فمعناه قد ألقت ما فيها وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٤). معناه وقد أخرجت الأرض أثقالها وسياق الآية يدل على ذلك وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥). فمعناه النفخة الآخرة والله أعلم. فصل "في معنى قوو الله " ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٦). روينا (٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في صاحب الكنز إذا لم يؤد زكاته جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى صفائح في (٨) نار جهنم فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سة.

стр. 553

وروينا (١) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢). قال: هذا في الدنيا وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣). فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وروينا عن أبي هريرة قال: يوم القيامة على المؤمن كقدر ما بين الظهر والعصر. ويروى ذلك مرفوعًا (٤). وروي في حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد (٥) قال: سئل النبي ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما طول هذا اليوم؟ فقال: "والذي نفسي بيده إنه ليخَفَّفُ على المؤمن حتى يكون أهونَ عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا" وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في "كتاب البعث". [٣٥٦] أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا حمزة بن محمد بن

стр. 554

عيسى الكاتب، أخبرنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أظنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: " إن الله يُخَفّفُ على من يَشاءُ من عبَاده طولَ يوم القيامة كوقت صلاة مكتوبة". قال البيهقي ﵀: هذا وجدته في فوائد أبي عمرو لا أدري من القائل "أظنه" وكذلك رواه أبو سهل الإسفراييني (١) عن حمزة وذلك فيما أخبرنا به أبو الحسن العلاء بن محمد بن أبي سعيد عنه. [٣٥٧] أخبرنا أبو إسحاق الإسفراييني الإمام، أنبأ عبد الخالق بن الحسن، حدثنا عبد الله بن ثابت، حدثني أبي، عن الهذيل، عن مقاتل بن سليمان أنه قال في هذه الآية ﴿تَعْرُجُ﴾ يعني تصعد ﴿الْملآئِكَةُ﴾ من السماء إلى العرش ﴿والرُوح﴾ يعني جبريل ﵇ ﴿إِلَيه﴾ في الدنيا ﴿في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ عندكم يا بني أدم ﴿خَمْسِينَ آلفَ سَنهِ﴾ يعني بقوله ﴿في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ آلفَ سَنهِ﴾ يقول: لو ولي حساب الخلائق وعرضهم غيري لم يفرغ منه إلا في مقدار خمسين ألف سنة. فإذا أخذ الله في عرضهم يفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فلا ينتصف ذلك اليوم حتى يستقر أهل الجنة في الجنة واهل النار في النار وذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٢). يقول: ليس مقيلهم كمقيل أهل النار. وإلى معنى هذا ذهب الكلبي في تفسيره الذي يرويه عن أبي صالح عن ابن عباس، يعني لو ولي محاسبة العباد غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة. قال البيهقي ﵀: وروينا عن الفراء أنه قال في هذه الآية يقول: لو صعد غير الملائكة لصعدوا في قدر خمسين ألف سنة (٣).

стр. 555

وإلى (معنى) (١) هذا ذهب الحليمي (٢) ﵀ وقال التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض يعني إلى العرش. وقد قال في غير هذه السورة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٣). فيحتمل أن يكون المعنى أنها تنزل من السماء إلى الأرض، ثم تعرج من الأرض إلى السماء الدنيا في يومها، فتقطع ما لو احتاج الناس إلى قطعها من المسافة لم يقطعوها إلا في ألف سنة مما تعدون، وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إليه من يومها، ولو احتاج الناس إلى قطع هذا المقدار من المسافة لم يقطعوها إلا في خمسين ألف سنة مما تعدون، وليس هذا من تقدير يوم القيامة بسبيل وإنما هو من صلة قوله ﴿ذِي الْمَعَارجِ﴾ وقوله: ﴿انَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤). عاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أول السورة وأكد هذا مما حكي عن وهب ابن منبه (٥) أنه قال:- (إن) ما بين الأرض والعرش خمسين ألف سنة من أيامنا وشهورنا وسنينا قال: ويمكن أن يقال: إن الملائكة كانت تستطيع قبل يوم القيامة أن تنزل إلى الأرض من أعلى مقام لهم في السموات وفوقها، ثم تعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة فأما يوم القيامة فلا تستطيع ذلك، إما لأن السموات إذا طويت لم يكن لهم يومئذ مصعد يقرون فيه، وإما لما يشاهدون من عظمة الله وشدة غضبه ذلك اليوم على أهل العناد من عباده، فيفتر قواهم فيحتاجون إلى العروج إلى مدة أطول مما كانوا يحتاجون إليه منها قبله فقدّر الله ذلك بخمسين ألف سنة. على معنى أن غيرهم لو قطعها لم يقطعها إلا في خمسين ألف سنة، وهكذا كما جاءت به الأخبار (٦) من أن العرش على

стр. 556

كواهل أربعة من الملائكة ثم أخبر أنهم يكونون يوم القيامة ثمانية. ويشبه أن يكون ذلك لأنه يفتر قواهم يومئذ إلى ما ذكرنا فيؤيدون بغيرهم والله أعلم بجميع ذلك، نسأل الله خير ذلك اليوم ونعوذ به من شر ذلك اليوم. [٣٥٨] أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي قال حدثني هارون بن رئاب قال: حملة العرش يتجاوبون بصوت رخيم يقول الأربعة (سبحانك وبحمدك على حلمك بعدعلمك). ويقول الأربعة الآخرون: (سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك).

стр. 557

(٩) التاسع من شعب الإيمان "وهو باب في أن دار المؤمنين ومآبهم الجنة، ودار الكافرين ومآبهم النار" قال الله : ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) وقال فيما وصف به يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) قرأ إلى قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. يريد به- والله أعلم- من وقفهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا، ووزنت أعمالهم، وسيق على فريق إلى حيث قضي له به. وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. يريد به التأبيد بدوامها. وقيل: معناه ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها. و ﴿إلَّا﴾ بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: "لفلان علي ألف درهم إلا الألفين التي هي إلى سنة (٣) و يريد سوى الألفين وقد

стр. 558

بسطنا الكلام في ذلك في كتاب "البعث" (١) عن الفراء (٢) وعن الحليمي (٣) ﵀. [٣٥٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم ابن عبد الله، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا قرة بن خالد ح.

стр. 559

وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يحيى ابن أبي الحجاج، حدثنا قرة بن خالد ح. وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدي يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَقِيَ الله وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ الجْنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَه يُشرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ النار". وذكر الحديث في رواية أبي طاهر وذكر النبي ﷺ قال: "مَنْ لَقِيَ اللّه لَا يُشْرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ الجْنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَه يُشْرِكُ بِه دَخَلَ النار". رواه مسلم في الصحيح (١) عن حجاج بن شاعر (٢) عن أبي عامر. قال الحليمي ﵀ (٣): و اذا ظهر أن مآب المؤمنين الجنة، ومآب الكافرين النار فقد قال : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفجَّارِ لَفِي سِجّينٍ﴾ (٤).

стр. 560

و ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (١). وكان المعنى ما كتب لهؤلاء ولهؤلاء، علمنا أن السجين خلاف العليين، كما أن الفجار خلاف الأبرار، وسمى الله جل ثناؤه النار بالهاوية، ووصف الجنة أنها عالية، وجاء في الحديث "إن روح المؤمن يعلى به، وروح الكافر يهوى به" ولم نعلم أحدًا قال إن الجنة في الأرض، ثبت أن الجنة فوق السموات ودون العرش، واحتمل قول الله ، ﴿وَإِذَا السَّماَءُ كُشِطَتْ﴾ (٢). أنها تكشط عما وراءها من الجنان، فتنظر آثارها، وأن يكون ذلك إزلافها في قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجْنَّةُ لِلْمُتَقِينَ﴾ (٣). قال البيهقي ﵀: [٣٦٠] وقد أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن (محمد بن) (٤) أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن سلام فذكر الحديث إلى أن قال: "وِإِنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ ، وانَّ الجنة في السماء، وإن النار في الأرض، فإذا كان يوم القيامة بعث الله الخلائق أمة أمة ونبيًّا نبيًّا، ثم يوضع الجسر على جهنم، ثم يناد مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم وتتبعه أمته: برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من يمين وشمال، وينجو النبي ﷺ والصالحون معه، وتتلقاهم الملائكة وثبًا، يرونهم (٥) منازلهم من الجنة: على يمينك، على يسارك، على يمينك، على يسارك، ثم ذكر مرور كل نبي وأمته".

стр. 561

قال الحليمي (١) ﵀: وفي ورود الأخبار بذكر الصراط وهو جسر جهنم بيان أن الجنة في العلو، كما أن جهنم في السفل إذ لو لم يكن كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر. قال وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إنَّ على جَهَنّم جَسرًا أدقَّ مِنَ الشَعْرِ وَأَحَدَّ من السيفِ أعلاه نحو الجنة، دحض (٢) مزلّة، بجنبيه كلاليب، وحسك النار، يحشر الله به من يشاء من عباده، الزالّون والزالآت يومئذٍ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلّم، اللهم سلّم فمن جاء بالحَق جاز، ويُعْطَون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يَمْضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يَمضِى عليه كَمَر الريح (٣)، ومنهم من يُعطى نورًا إلى موضع قدميه، ومنهم من يَحْبُو حبوًا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تُحْرق من يشاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى ينجو، وتنجو أول أول زمرة سبعون ألفًالا حساب عليهم ولا عذاب، كان وجوههم القمرُ ليلة البدر، والّذين يلونهم كأضوء نجم في السماء، حتى يبلغوا إلى الجنة برحمة الله تعالى". قال البيهقي ﵀: وهذا الحديث فيما: [٣٦١] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن محمد،

стр. 562

حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زربي عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك حدث عن النبي ﷺ فذكره. قال البيهقي ﵀: (وهذا إسناد ضعيف غير أن معنى ما روي فيه موجود في الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذكر الصراط، وقد ذكرناها في كتاب "البعث" قال الحليمي ﵀ (١) قوله في الصراط إنه أدق من الشعرة معناه أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أي يكون يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الخامض الخفي (٢) دقيقَا، وضرب المثل له بدقة الشعرة، وقوله إنه "أحد من السيف" فقد يكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة (في إجازة الناس) (٣) على الصراط يكون في نفاذ حد السيف، ومضيه إسراعًا منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرت، كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء، لم يكن له بعد ذلك مرد. قال البيهقي ﵀: وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات (٤) الصحيحة. وروي عن زياد النميري (٥) عن أنس مرفوعًا: " الصراط كحد الشفرة أو كحد السيف". وهي أيضًا رواية ضعيفة.

стр. 563

وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير (١) عن النبي ﷺ مرسلًا وجاء عنه من قوله. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "الصراط في سواء جهنم مدحضة مزلة كحد السيف المرهف". وروي عن سعيد بن أبي هلال (٢) أنه قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة وهو الجسر يكون على بعض الناس أدق من الشعر وعلى بعضهم مثل الدار والوادي الواسع. فيحتمل أن يكون لشدة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك والله أعلم. وأما ما قيل في رواية أنس من "أن أعلى الجسر نحو الجنة" ففيه بيان أن أسفله نحو طرف الأرض وذلك لما مضى بيانه من أن جهنم سافلة والجنة عالية. [٣٦٢] أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبأنا محمد بن أحمد

стр. 564

ابن البراء، حدثنا عبد المنعم بن إدريس، حدثني أبي، عن وهب بن منبه، قال: إذا قامت القيامة، وقضى الله بين أهل الدارين، أمر بالفلق، فيكشف عن سقر، وهو غطاؤها، فتخرج منه نار، فتحرق نار جهنم وتأكلها، كما تأكل النار في الدنيا القطن المندوف، فإذا وصلت البحر المطبق على شفير جهنم- وهو بحر البحور- نشفته أسرع من طرفة العين نشفًا فينضب، كأن لم يكن مكانه ماء قط، وهو حاجز بين جهنم والأرضين السبع، فإذا نشفت ماء ذلك البحر اشتعلت في الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة. وقد روينا (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال ليهودي: أين جهنم؟ قال: تحت البحر، فقال على: صدق ثم قرأ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٢) قال البيهقي ﵀: ويحتمل ما حكيناه عن وهب بن منبه معنى ما قال الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٣). ويكون ذلك بعد ركوب الناس الصراط. وروينا (٤) عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ عن ذلك وقالت: فأين الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط". ثم قد قال بعض (٥) العلماء: إن الكفار لا يجازون على الصراط لأنهم في معدن النار فإذا خلص المؤمنون وخلصوا على الصراط انفرد الكفار بمواقفهم وصار مواقفهم من النار. قال غيرهم (٦): إنهم يركبون الصراط ثم قد يكون أبواب جهنم فروجًا في الجسر (٧) كأبواب السطوح فهم يقذفون منها في جهنم، ليكون غمهم أشد وأفظع،

стр. 565

وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول، وفرح المؤمنين بالخلاص أكثر وأعظم، ولعل قول الله : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (١). يكون في هذا الوقت، وما في القرآن من قول الله : ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٣) كالدليل على هذا لأن الإلقاء الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علو إلى أسفل، والله أعلم بكيفية ذلك. وأما المنافقون فالأشبه أنهم يركبون الجسر مع المؤمنين ليمشوا في نورهم فيظلم الله على المنافقين فيقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٤). فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور على قدر إيمانهم وأعمالهم فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم وقد. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ (نصلي بصلاتكم ونغزو مغازيكم) (٥) ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) إلى آخر الآية. فيحتمل (٧) - والله أعلم- أن هذا السور إنما يضرب عند انتهاء الصراط، ويترك له (باب) (٥) يخلص منه المؤمنون (٨) إلى طريق الجنة، فذلك هو الرحمة التي في باطنه، وأما ظاهره فإنه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذية إياه. فإذا لم يجد المنافقون (٩) إلى باطن السور سبيلًا، فليس إلا أن يقذفوا (١٠) من أعلى الصراط،
следующие страницы →