وكان له اهتمام كبير بمؤلفات البيهقي أخذها عن زاهر بن طاهر الشحَامي، وأبي عبد الله الفراوي، وأبي الحسن عبيد الله بن محمد بن أبي بكر البيهقي، شاركه في ذلك أبو الحسن المرادي.
وكان ابن عساكر ينتظر بلهفة واشتياق رجوع المرادي إذا كان في سفر، ومرة تأخر وصوله فانتابه قلق شديد حتى أنه فكر في القيام برحلة بنفسه، وبعد أيام وصل أبو الحسن المرادي بأربعة أسفاط كتب ممسوعة ففرح ابن عساكر بذلك فرحا شديدا إذ كفاه مؤنة السفر، وأقبل على تلك الكتب فنسخ واستنسخ وقابل، وبقي من مسموعاته أجزاء نحو ثلاثمائة فأعانه عليها أبو سعد السمعاني فنقل منها جملة حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءا وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا (١).
وكان لرغبته الشديدة في العلم والطلب يستمر في القراءة ساعات لا يمل ولا يضجر حتى كان يضجر شيوخه.
قال الفراوي: قدم علينا ابن عساكر فقرأ علي ثلاثة أيام فأكثر، فأضجرني، فآليت أن أغلق بابي وأمتنع، جرى هذا الخاطر لي بالليل فقدم الغد شخص، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، رأيته في النوم فقال: امض إلى الفراوي وقل له، إن قدم بلدكم رجل من أهل الشام أسمر يطلب حديثي فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل.
فما كان الفراوي بعد ذلك يقوم حتى يقوم الحافظ ابن عساكر أولا (٢).
وكان السمعاني زميله في الرحلة، وذكره وأثنى عليه، وقال: أبو القاسم: كثير العلم، غزير الفضل، حافظ، متقن، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، إلى أن قال: جمع ما لم يجمعه غيره وأربى على أقرانه.
وكان بينه وبين السمعاني تعاون في العلم فكانا يتبادلان الكتب والرسائل. توفي في رجب سنة ٥٧١ هـ. وحضر جنازته السلطان صلاح الدين في خلق كثير.
_________
(١) "السير" (٢٠/ ٥٦٦).
(٢) "السير" (٢٠/ ٥٦٤، ٥٦٥).
стр. 72
٥ - أبو محمد القاسم بن أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، الدمشقي (١)، الشافعي، بهاء الدين (٥٢٧ - ٦٠٠ هـ).
اعتنى به أبوه من صغره وسمعه، واستجاز له من كثير من الشيوخ فأجاز له أبو عبد اللّه الفراوي، وزاهر الشحامي، وعبد المنعم القشيري، ومحمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجبار الخواري، وهؤلاء من تلاميذ البيهقي، وأجاز له آخرون ممن لقيهم والده، وأكثر الرواية عن أبيه أبي القاسم الحافظ.
قال الذهبي (٢): ما علمت أحدا سمع من أبيه أكثر من هذا الابن حتى ولا ابن الإمام أحمد بن حنبل، لعل القاسم سمع من أبيه ثلاثة آلاف جزء.
وقال: هو أوسع رواية وسماعا من أبي الفرج بن الجوزي، وله عمل جيد، ولكن ابن الجوزي أعلم منه بكثير بالرجال والمتون وبعدّة فنون، وكل منهما لم يرحل بل قنع أبو محمد ببلده ووالده، وناهيك بذلك. وقنع أبو الفرج ببغداد. نعم حج أبو محمد سنة ٥٥٥ هـ. فسمع بمكة وبمصر، وحدّث بها وبالحجاز وبيت المقدس ودمشق. حدث "بصحيح مسلم" بسماعه من علي بن سليمان المرادي، وبإجازته من أبي عبد الله الفراوي، وأملى وصنف، ونُعت بالحفظ والفهم ولكن وصف خطُّه بالرداءة وعدم الجودة.
قال ابن نقطة (٣): هو ثقة، ولكن خطه لا يشبه خط أهل الضبط، وكان يعيش عيش زهد وقناعة، ولي بعد أبيه مشيخة النورية، فما كان يقبل من الرواتب شيئا، بل كان يعطيه لمن يرحل في طلب الحديث.
منهجنا في تحقيق الكتاب: بعد دراسة المخطوطات المتوفرة لدينا قررنا أن نأخذ نسخة أحمد الثالث أصلا، وذلك لسببين:
أولًا: هي نسخة مقروءة فيها تصحيحات، ويبدو أنها أقدم من أختيها.
_________
(١) ترجمته في "التقييد" (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، "التكملة" (٢/ ٨، ٩)، "السير" (٢١/ ٤٠٥ - ٤١٠)، "طبقات السبكي" (٥/ ١٤٨)، "البداية" (١٣/ ٣٨)، "شذرات" (٤/ ٣٤٧).
(٢) "السير" (٢١/ ٤٠٦).
(٣) "التقييد" (٢/ ٢٣٠).
стр. 73
ثانيًا: هي مروية بسندين عن المؤلف. من طريق زاهر بن طاهر الشحامي، وأبي عبد الله الفراوي عنه، بينما الأخريان رويتا عن زاهر فقط، وزاهر فيه كلام من جهة الديانة، وأبو عبد اللّه ثقة، ثبت، عابد زاهد، ورع متقن.
ورمزنا عليها "بالأصل" ورمز نسخة نور عثمانية "ن".
وبذلنا أقصى جهدنا في تقويم النص، وتقريبه إلى الصحة، واستعنا في ذلك بكتاب "المنهاج" للحليمي، وأثبتنا في المتن ما رأيناه قريبا إلى الصحة، وأشرنا إلى الفروق بين النسخ في الهامش، وخرجنا النسخ من مصادرها، وقمنا بتخريج الأحاديث والآثار من المصادر المتوفرة لدينا، وترجمنا لرواة الإسناد وكان اعتمادنا في ذلك على "التقريب" فيما يتعلق برجال التهذيب، وفيما عدا ذلك رجعنا إلى كتب التراجم لمعرفة درجة الراوي من العدالة والضعف، وذكرنا مصادر ترجمته واكتفينا - في الأغلب - بذكر الكتب التي تذكر المصادر، كما حاولنا أن نحكم على كل حديث بالنظر إلى السند الذي ساقه به البيهقي. أما درجة الحديث من حيث هو باعتبار شواهده ومتابعته فيمكن معرفتها من التخريج. واستندنا في كثير من الأحيان إلى أقوال بقية السلف، ومحدث العصر أستاذنا الجليل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - حفظه اللّه تعالى - في كتبه وبحوثه.
ونرجو من اللّه تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به عباده الصالحين، وأن يعيننا على إكمال هذا الكتاب ونشره على النمط الذي يرضي القراء والعلماء.
ربَّنا تقبل منَّا إنَّك أنتَ السَّميع العَليم، وتُبْ عَلينَا إنَّكَ أنْتَ التَّوَّاب الرَّحيم، وآخر دَعْوانَا أن الحَمدُ لله ربِّ العَالَمين. وصلّى الله على النبي الكرِيم وعَلى آلِهِ وصَحبهِ أجْمَعين.
стр. 74
صورة الورقة الأخيرة من مخطوط أحمد الثالث
стр. 75
الصفحة الأخيرة من مخطوط نور عثمانية
стр. 76
لوحة من مخطوط المستنصرية
стр. 77
اللوحة الأولى من مخطوط نور عثمانية
стр. 78
صورة الغلاف من مخطوط نور عثمانية
стр. 79
صورة الغلاف من مخطوط أحمد الثالث
стр. 80
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن يا كريم (١)
أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين الشافعي قراءة عليه، قال: أخبرنا الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن الفضل الفراوي وأبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي حدثني أبي وأبو الحسن علي بن سليمان المرادي، عن زاهر قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسن بن علي بن موسى البيهقي الحافظ ﵀، قال: الحمد للّه الواحد القديم الماجد العظيم الواسع العليم (٢) الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وعلمه أفضل تعليم وكرمه على كثير ممن خلق أبين تكريم، أحمده وأستعينه وأعوذ به من الزلل وأستهديه (٣) لصالح القول والعمل وأسأله أن يصلي على النبي المصطفى الرسول الكريم المجتبى محمد خاتم النبين وسيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ويسلم كثيرا.
أما بعد، فإن اللّه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بفضله ولطفه وفقني لتصنيف كتب مشتملة على أخبار مستعملة في أصول الدين وفروعه (والحمد للّه على ذلك كثيرا ثم إني
стр. 81
أحببت تصنيف كتاب جامعٍ أصلَ الإيمان وفروعه) (١)، وما جاء من الأخبار في بيانه وحسن القيام به لما في ذلك من الترغيب والترهيب فوجدت الحاكم أبا عبد الله (٢) الحسين بن الحسن الحليمي رحمنا الله وإياه أورد في "كتاب المنهاج" المصنف في شعب الإيمان المشار إليها في حديث رسول الله ﷺ من حقيقة كل واحدة (٣) من شعبه وبيان ما يحتاج (٤) إليه مستعمله (٥) من فرضه وسننه وأدبه وما جاء في معناه من (٦) الأخبار والآثار ما فيه كفاية فاقتديت به في تقسيم الأحاديث على الأبواب وحكيت (٧) من كلامه عليها (٨) ما تبين به المقصود من كل باب إلا أنه ﵁ اقتصر في ذلك على ذكر المتون وحذف الإسناد تحريا للاختصار وأنا على رسم أهل الحديث أحب إيراد ما أحتاج إليه من المسانيد والحكايات بأسانيدها، والاقتصار على ما لا يغلب على القلب كونه كذبا.
ففي الحديث الثابت عن سيدنا المصطفى ﷺ أنه قال (٩): "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١٠).
وحكينا عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه (١١) الله تعالى روايته، عن سفيان بن عيينة أنه قال: حدثني الزهري يوما بحديث فقلت هاته بلا إسناد، فقال الزهري (١١): أترقى السطح بلا سلم!.
стр. 82
وقد ذكرت إسناد هذا (١) الحديث وهذه الحكاية في "كتاب المدخل" وأوردت في "كتاب الأسماء والصفات" و"كتاب الإيمان" و "القدر" و "الرؤية" و "دلائل النبوة" و"البعث والنشور" و"عذاب القبر" و"الدعوات" ثم في الكتب (٢) المخرجة في السنن على ترتيب مختصر (٣) أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني ﵀ من الأخبار والآثار ما وقعت الحاجة إليه في كل باب. فاقتصرت في هذا الكتاب على إخراج ما يتبين (٤) به بعض المراد وأحلت الباقي (٥) على هذه الكتب خوفا من الملال في الإطناب واستعنت (٦) بالله عز في ذلك وفي جميع أموري استعانة من لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 83
باب ذكر الحديث الذي ورد (١) في شعب الإيمان
[١] أخبرنا (٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه رحمه الله تعالى، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي وأبو سعيد محمد
стр. 84
ابن شاذان الأصم، قالا: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان". رواه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح (١)، عن عبد الله بن محمد المسندي، عن أبي عامر (٢) ورواه أبو الحسن مسلم بن الحجاج (٣)، عن عبيد الله بن سعيد.
[٢] أخبرنا أبو صالح العنبر بن الطيب بن محمد العنبري ابن ابنة يحيى بن منصور
стр. 85
القاضي، حدثنا جدي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وعمرو بن زرارة الكلابي، قالا: حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد اللّه بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة فأرفعها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". رواه مسلم في الصحيح (١)، عن زهير بن حرب، عن جرير.
قال الإمام أحمد (٢) ﵀ (٣) تعالى: وهذا شك (٤) وقع من سهيل بن أبي صالح في "بضع وستين" أو في "بضع وسبعين". وسليمان بن بلال قال: "بضع وستون" لم يشك (٥) فيه وروايته أصح عند أهل العلم بالحديث غير أن بعض الرواة عن سهيل
стр. 86
رواه من غير شك قال: " … بضع وسبعون أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى (١) والعظم عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
[٣] أخبرنا أبوعلي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري، أنبا أبوبكر محمد بن بكر، حدثنا أبوداود السجستاني، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا سهيل بن أبي صالح فذكره من غير شك وهذا زائد فأخذ به صاحب كتاب "المنهاج" في تقسيم (٢) ذلك على سبعة وسبعين بابا بعد بيان صفة الإيمان وبالله التوفيق.
باب حقيقة الإيمان
قال: أبوعبد الله الحليمي (٣) رحمه الله تعالى: "الإيمان مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف". كما قال الله (٤): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ … ﴾ والَاية، ومعناه والغرض الذي يراد له عند إطلاقه، هو التصديق والتحقيق، لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب. والأمرُ والنهي كلُّ
стр. 87
واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصى فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جوازَ أن يكون كذبا واعتقد أنه حق وصدق فكأنما آمن (١) نفسه باعتقاد ما أعتقد فيما سمع من أن يكون مكذوبا أو ملبسا عليه، ومن سمع أمرا أو نهيا فاعتقد الطاعة له فكأنما آمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مظلوما أو مستسخرا (٢) أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والانقياد له، فمن ذهب إلى هذا أنزل قول القائل: أمنت بكذا. والمراد آمنت نفسي، منزلة قولهم (٣) وطنت (٤) نفسي أو حملت نفسي على كذا أو يكون تركهم ذكر النفس في قولهم: "آمنت" اختصارا لكثرة الاستعمال كما يقال: بسم الله بمعنى بدأت أو: أبدأ بسم الله.
قال (٥): وفيه وجه آخر: وهو أن يكون معنى آمنت أي آمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب (٦) والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق ثم الإيمان (٧) الذي يراد به التصديق لا يعدى إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة. وتلك الصلة قد تكون باء وقد تكون لاما وقد ورد الكتاب بكل واحد منهما.
فالإيمان (٨) بالله ثناؤه: إثباته والاعتراف بوجوده والإيمان له: القبول عنه
والطاعة له.
والإيمان بالنبي ﷺ إثباته والاعتراف بنبوته.
والإيمان للنبي ﷺ اتباعه وموافقته والطاعة له.
ثم إن (٩) التصديق الذي هو معنى الإيمان بالله وبرسوله منقسم فيكون منه ما يخفى وينكتم وهو الواقع منه بالقلب ويسمى اعتقادا ويكون منه ما ينجلي ويظهر وهو الواقع باللسان ويسمى إقرارا وشهادة، وكذلك الإيمان لله (١٠)
стр. 88
ولرسوله ينقسم إلى جلي وخفي:
والخفي منه هو النيات والعزائم التي لا تجوز العبادات إلا بها واعتقاد الواجب واجبا والمباح مباحا والرخصة رخصة والمحظور محظورا والعبادة عبادة والحد حدا ونحو ذلك.
والجلي منها ما يقام بالجوارح إقامة ظاهرة وهو عدة أمور منها الطهارة ومنها الصلاة ومنها الزكاة ومنها الصيام (١) ومنها الحج والعمرة ومنها الجهاد في سبيل الله، وأمور سواها ستذكر في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وكل ذلك إيمان وإسلام وطاعة لله ولرسوله ﷺ ، إلا أنه إيمان لله بمعنى أنه عبادة له وإيمان للرسول بمعنى أنه قبول عنه دون أن يكون عبادة له إذ العبادة لا تجوز إلا لله .
قال (٢): والإيمان بالله ورسوله أصل وهو الذي ينقل من الكفر، والإيمان لله ورسوله فرع وهو الذي يكمل بكماله الإيمان، وينقص بنقصانه الإيمان ومعنى هذا أن أصل الإيمان إذا حصل ثم تبعته (٣) طاعة زائدة زاد الإيمان المتقدم بها لأنه (٤) إيمان انضم إليه إيمان كان يقتضيه، ثم إذا تبعت تلك الطاعة طاعة أخرى ازداد الأصل المتقدم، والطاعة التي تليه بها وعلى هذا إلى أن تكمل شعب الإيمان.
قال (٥): ونقصان الإيمان هو انفراد أصله عن بعض (٦) فروعه، أو انفراد أصله وبعض فروعه عما بقي منها مما اشتمل عليه الخطاب والتكليف، لأن النقصان خلاف (٧) الزيادة فإذا قيل لمن آمن وصلى زاد إيمانه وجب أن يقال لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فلم يصل: إنه ناقص الإيمان وإنه صار بتركها مع القدرة عليها فاسقا عاصيا، وعلى هذا سائر الأركان.
стр. 89
فأما ما يتطوع به الإنسان مما ليس بواجب عليه بمعنى تصديق العقد والقول بالفعل موجود فيه فيزداد به الإيمان وتركه بالإضافة إلى من لم يتركه يجوز أن يسمى نقصانا لكن لا يوجب لتاركه عصيانا وهذا معنى قوله.
قال (١): واذا أوجبنا أن تكون الطاعات كلها إيمانا لم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرا، وذلك أن الكفر بالله أو برسوله مقابل للإيمان به فإذا كان الإيمان بالله أو برسوله الاعتراف به والإثبات له كان الكفر جحوده والنفي له والتكذيب به، وأما الأعمال فإنها إيمان لله وللرسول بعد وجود الإيمان به والمراد به: (إقامة الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم فكان الذي يقابله هو) (٢) الشقاق والعصيان دون الكفر.
وقد ذكرت في "كتاب الإيمان" من الأخبار والَاثار ما يكشف عن صحة هذه الجملة، فانا أشير في هذا الكتاب إلى طرف (٣) منها بمشيئة الله .
باب الدليل (٤) على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز
قال الله تعالى (٥): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ … ﴾ والَاية، فامر المؤمنين أن يقولوا آمنا بالله.
وقال الله (٦): ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فاخبر أن القول العاري عن الاعتقاد ليس بإيمان وأنه لو كان في قلوبهم إيمان لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان ودلت السنة على مثل ما دل عليه الكتاب.
стр. 90
[٤] أخبرنا أبومحمد جناح بن نذير بن جناح القاضي بالكوفة، حدثنا أبوجعفر محمد ابن علي بن دحيم، حدثنا أبوعمرو أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وعن (١) أبي صالح، عن أبي هريرة قالا (٢): قال رسول اللّه ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
أخرجه مسلم في الصحيح (٣) من وجه آخر عن الأعمش.
стр. 91
[٥] أخبرنا أبوصالح بن أبي طاهر العنبري، حدثنا جدي يحيى بن منصور القاضي،
стр. 92
حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن (١) شهدوا أن لا إله إلا اللّه وأمنوا بي وبما جئت به فقد عصموا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه ". رواه مسلم في الصحيح (٢) عن أحمد بن عبدة.
وأخرج (٣) حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ
"اذهب فمن لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة".
[٦] أخبرنا أبوعبد الله الحافظ، أخبرنا أبوالحسن محمد بن أحمد بن تميم القنطري، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا أبوحذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار بإسناده ومعناه.
стр. 93
[٧] أخبرنا أبوطاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه، أخبرنا أبوحامد أحمد بن محمد
стр. 94
ابن يحيى، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الدارابجردي، حدثنا محمد بن عرعرة ابن البرند، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه دخل الجنة".
وروينا في هذا المعنى، عن عتبان (١) بن مالك ورفاعة (٢) بن عرابة وغيرهما (٣)، عن النبي ﷺ .
[٨] أخبرنا أبوعبد الله الحافظ، حدثنا أبوبكر بن إسحاق أخبرنا العباس بن الفضل
стр. 95
الأسفاطي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، عن بعض أصحابه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه".
[٩] وأخبرنا أبونصر بن قتادة، حدثنا أبوعمرو بن مطر، حدثنا خشنام بن بشر بن
стр. 96
العنبر، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا أبوضمرة أنس بن عياض، حدثني عبد اللّه بن يرفأ، عن عبد الرحمن بن فروخ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذل بها لسانه واطمأن بها قلبه لم تطعمه النار".
[١٠] حدثنا حمزة بن عبد العزيز، أخبرنا أبوبكر محمد بن أحمد بن دلويه، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد اللّه، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عمر بنِ سعيد، عن سليمان، عن مجاهد أنه قال في قول اللّه : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، قال: شهد بالحق وهو يعلم أن اللّه ربه.
باب الدليل على أن الطاعات كلها إيمان
قال الله في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
стр. 97
فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال فدل ذلك على أنها من جوامع الإيمان.
قال الحليمي (١) رحمه الله تعالى: إذا ثبت أن المؤمنين الموصوفين في هذه الآية إنما استوجبوا اسم المؤمنين حقا لمكان الأعمال التي وصفهم الله تعالى بها، ولم تكن الأعمال المتعبد بها هذه وحدها صح أن المراد بذكرها: هي وما في معناها من الأعمال المفروضة أو المندوب إليها "فالصلاة" إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأبدان خاصة و "الإنفاق مما رزق الله" إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأموال و"وجل القلب" إشارة الاستقامة من كل وجه ويدخل فيها إقامة الطاعات والانزجار (٢) عن المعاصي.
قال: والآية فيمن إذا ذكر الله وجل قلبه وليس ارتكاب المعاصي ومخالفة الأوامر من أمارات الوجل، والاية فيمن إذا تليت عليه أيات الله زادته إيمانا، وليس التخلف عن الفرائض والقعود عن الواجبات اللوازم من زيادة الإيمان بسبيل، فصح أن الذين نفينا أن يكونوا مؤمنين حقا وأوجبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان غير داخلين في الآية.
قال الله (٣) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.
فقابل بين ما حببه إلينا وبن ما كره إلينا ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب وقابله بالكفر والفسوق فيما كره فدل ذلك (٤) على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما نقيضه الكفر ومن الإيمان ما نقيضه الفسوق، وفي ذلك ما أبان أن الطاعات كلها إيمان ولولا ذلك لم يكن الفسوق (٥) ترك الإيمان والله أعلم.
قال الإمام أحمد: وفصل بين الفسوق والعصيان وفي ذلك دلالة على أن من المعاصي ما لا يفسق به وإنما يفسق بارتكاب ما يكون منها من الكبائر أو الإصرار على ما يكون منها من الصغائر واجتناب جميع ذلك من الإيمان وبالله التوفيق.
وقال الله تعالى (٦): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
стр. 98
وأجمع (١) المفسرون على أنه أراد به صلاتكم إلى بيت المقدس فثبت أن الصلاة إيمان و اذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لا فارق (٢) يفرق بينهما.
قال الإمام أحمد: وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في صلاة رسول الله ﷺ بعدما قدم المدينة قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حولت إلى البيت وأنه مات، قبل أن تحول، رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فانزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
[١١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان ابن سعيد الدارمي، حدثنا النفيلي، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، فذكره.
стр. 99
أخرجاه (١) في الصحيح من حديث زهير بن معاوية، وجعل رسول الله ﷺ الطهور من الإيمان وذلك فيما:
[١٢] أخبرنا أبوعبد اللّه الحافظ وأبو بكر أحمد بن محمد الأشناني قالا: حدثنا أبوالحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان بن يزيد، عن يحيي بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ كان يقول: "الطهور شطر الإيمان".
стр. 100
أخرجه مسلم في الصحيح (١) من حديث أبان بن يزيد العطار (٢).
[١٣] أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عبد اللّه البيهقي السديوري فيما قرأت عليه من أصله
стр. 101
بخسر وجرد وقال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين البيهقي، حدثنا داود بن الحسين البيهقي، حدثنا حميد بن زنجويه النسائي، حدثنا أبوشيخ الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن معاوية بن سويد قال: أراه قال: عن أبيه- الشك من أبي شيخ- قال: "كنا جلوسا عند النبي ﷺ يوما نتحدث فقال رسول اللّه ﷺ : أتدرون أى عرى (١) الإيمان أوثق؟ فقالوا: الصلاة، فقال: إن الصلاة لحسنة وما هي بها، فقالوا: الجهاد، فقال:، إن الجهاد لحسن وما هو به، فقالوا: الحج، فقال: حسن (٢) وليس به، فقالوا: الصيام، فقال: الصيام لحسن وليس به، فقال رسول الله ﷺ : أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وتبغض له".
ورواه جرير بن عبد الحميد، عن ليث بن أبي سليم، عن عمرو بن مرة، عن معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب، عن النبى ﷺ .
[١٤] أخبرناه أبومنصور النخعي بالكوفة، حدثنا أبو جعفر بن دحيم (٣)، حدثنا أحمد بن
стр. 102
حازم، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير … ذكره بإسناده نحوه. غير أنه
قال في آخره: "فذكروا شرائع الإسلام فلما رأهم لا يصيبون قال: إن أوثق عرى
الإيمان أن تحب في الله وأن تبغض في الله ". فجعل هذه الشرائع كلها من الإيمان،
وشاهده في الحب والبغض ما:
[١٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح هانئ وإبراهيم بن عصمة قالا:
стр. 103
حدثا السري بن خزيمة حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي مرحوم، محن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه".
وروى ذلك أيصاً في حديث أبي أمامة (١) الباهلي، عن النبي ﷺ في غير الإنكاح فصرح بان هذه الخصال كلها إيمان وأبان أن أوثق عرى (٢) الإيمان الإخلاص.
[١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبوبكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد السلام بن صالح الهروي، حدثنا علي بن موسى بن جعفر (٣) بن
стр. 104
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي، عن جعفر، عن أبيه، عن
стр. 105
علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان".
[١٧] وحدثنا أبو محمد عبيد بن محمد بن مهدي القشيري، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب، حدثنا أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي، حدثنا أبوالصلت الهروي عبد السلام ومحمد بن أسلم قالا: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه … فذكره بإسناده غير أنه قال: "الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالجوارح".
وشاهد هذا الحديث ما مضى في الحديث (١) الثابت عن النبي ﷺ في عدد شعب الإيمان.
وأما قول اللّه : ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ … ﴾ (٢) فافرد
العمل الصالح بالذكر، وقد قال أيضا (٣): ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 106
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فأفرد التواصي بالحق والتواصي بالصبر بالذكر (١) ولم يدل (٢) ذلك على أنهما ليسا من الأعمال الصالحة.
فكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان وإنما معناه أن الذين آمنوا أقل الإيمان وهو الناقل عن الكفر ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيانهم من درجة الأقل إلى الأكمل، أو نقول: إن المراد "بالذين أمنوا" الإيمان بالله وبعمل الصالحات الإيمان لله والإيمانان (٣) متغايران على ما بينا فلذلك سميا باسمن (٤) والله اعلم.
باب الدليل على (٥) أن الإيمان والإسلام على الإطلاق عبارتان عن دين واحد
قال: الله (٦): ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ وقال (٧): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فصح أن قولنا آمنا بالله إسلام.
وقال في قصة لوط (٨): ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فسماهم مرة "مؤمنين" و ومرة "مسلمين" و وإنما أراد تمييزهم عن غيرهم بأديانهم، فصح أن الإيمان والإسلام اسمان لدين واحد وإن كانت حقيقة الإسلام التسليم وحقيقة الإيمان التصديق فاختلاف الحقيقة فيهما لا يمنع من أن يجعلا اسما لدين واحد كالغيث والمطر هما اسمان لمسمى واحد وإن كان حقيقة الغيث في اللسان غير حقيقة المطر.
стр. 107
[١٨] أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ الإسفراييني بها، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵁ "أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ قال: مَنِ القوم؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالوفد غير الخزايا (١) ولا النادمين، قالوا: يا رسول اللّه إنا حي من ربيعة وإنا نأتيك من شقة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلاو شهر حرام فمرنا بأمر
стр. 108
فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة. قال: فقال رسول اللّه ﷺ : أمركم بأربع وأنهاكم عن أربع (١): أمركم با لإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهاكم عن أربع: عن الدباء (٢) والحنتم والنقير والمزفت. قال: وربما قال: المقير، احفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم ". أخرجه البخاري (٣) ومسلم في الصحيح من حديث شعبة وغيره .
стр. 109
فسمى رسول الله ﷺ كلمة الشهادة في هذا الحديث إيمانا وسماها في حديث آخر إسلاما، وذلك فيما:
[١٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى وأبو عبد الله البوشنجي قالا (١): حدثنا مسدد وأخبرنا أبونصر عمر بن
стр. 110
عبد العزيز بن عمر بن قتادة من أولاد النعمان بن بشير، حدثنا أبو محمد عبد الله ابن أحمد ابن سعد الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا أبو الحسن مسدد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عثمان بن غياث، حدثني عبد الله بن بريدة، عن يحيي بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا: "لقينا عبد الله بن عمر فذكرنا له القدر وما يقولون فيه فقال: إذا رجعتم إليهم فقولوا لهم: إن ابن عمر منكم بريء وأنتم منه برأء. ثلاث مرات ثم قال: أخبرني عمر أو قال: حدثني عمر بن الخطاب، ﵁، أنهم بينا هم جلوس عند رسول اللّه ﷺ جاء رجل حسن الوجه حسن الشعر عليه ثياب بِيض (١) فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا ولا هذا صاحب سفر. ثم قال: يا رسول الله أتيك؟ قال: نعم قال: فجاء فوضع ركبتيه عند ركبتيه ويديه على فخذيه فقال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللّه وملائكته والجنة والنار والبعث بعد الموت والقدر كله (٢)، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعمل كأنك ترى (٣) فإن لم تكن (٤) تراه فإنك تُرى قال: فمتى (٥) الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائلء قال: فما أشراطها؟ قال: إذا رأيت الحفاة العراة العالة رعاء