Полный текст (1 095 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
روى الدارقطني والطبراني، في معجمه الأوسط عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال:
لما كلم الله تعالى موسى ﵊، كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة المظلمة من مسيرة عشرة فراسخ.
وروى الترمذي الحكيم، في نوادره، عن معقل بن يسار، قال: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وشهد به على رسول الله ﷺ قال: ذكر رسول الله ﷺ الشرك فقال «١» : «هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا، وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم، بقولها ثلاث مرات» .
وروي أيضا عن أبي إمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال «٢» رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» .
ثم قال: «إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وسمعت أبا عثمان الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
عالم عامل معلم يدعى كثيرا في ملكوت السموات. وروي أن النملة التي خاطبت سليمان ﵊ أهدت إليه نبقة فوضعتها في كفه وقالت:
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر حين يسائله
ولكننا نهدى إلى من نحبه ... فيرضى به عنا ويشكر فاعله
وما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلا فما في ملكنا من يشاكله
فقال سليمان ﵇: بارك الله فيكم. فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله، وأكثر خلق الله توكلا على الله تعالى.
روي أن رجلا استوقف المأمون ليسمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله استوقف سليمان بن داود ﵉ لنملة ليستمع منها، وما أنا عند الله بأحقر من نملة، وما أنت عند الله بأعظم من سليمان! فقال له المأمون: صدقت، ووقف له وسمع له وقضى حاجته.
ومن شعر الإمام تاج الدين اليمني في منزل فيه نمل قوله:
ما لي أرى منزل المولى الأديب به ... نمل تجمع في أرجائه زمرا
فقال: لا تعجبن من نمل منزلنا ... فالنمل من شأنها أن تتبع الشعرا
فائدة أخرى
: قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي، في تفسير قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
الآية «٣» . وادي النمل بالشأم كثير النمل. فإن قيل: لم أتى بعلى؟ قلت: لوجهين أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف
стр. 1017
الاستعلاء، الثاني: أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشيء إذا بلغ آخره، فتكلمت النملة بذلك، وهذا غير مستبعد، فإن حصول العلم والنطق لها ممكن في نفسه، والله سبحانه قادر على كل الممكنات.
وحكي عن قتادة أنه دخل الكوفة، فاجتمع عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا، وهو يومئذ غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟
فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ فقال: من قوله تعالى: قالَتْ
ولو كانت ذكرا لقال قال نملة، لأن النملة مثل الحمامة والشاة، في وقوعها على الذكر والأنثى، قال: ورأيت في بعض الكتب أن تلك النملة، إنما أمرت رعيتها بالدخول في مساكنها، لئلا ترى النعم التي أوتيها سليمان وجنوده، فتقع في كفران نعمة الله عليه. وفي هذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محظورة.
يروى أن سليمان قال لها: لم قلت للنمل ادخلوا مساكنكم أخفت عليها مني ظلما؟ قالت:
لا ولكني خشيت أن يفتنوا بما يرون من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة الله.
قال الثعلبي وغيره: إنها كانت مثل الذئب في العظم، وكانت عرجاء ذات جناحين. وذكر عن مقاتل أن سليمان ﵇ سمع كلامها من ثلاثة أميال.
وقال بعض أهل التذكير: إنها تكلمت بعشرة أنواع من البديع، قولها: يا
«١» نادت أَيُّهَا
«٢» نبهت النَّمْلِ
«٣» سمت ادْخُلُوا
«٤» أمرت مَساكِنَكُمْ
«٥» نعتت لا يَحْطِمَنَّكُمْ
«٦» حذرت سُلَيْمانُ
«٧» خصت وَجُنُودُهُ
«٨» عمت وَهُمْ
«٩» أشارت لا يَشْعُرُونَ
«١٠» اعتذرت. والمشهور أنه النمل الصغار. واختلف في اسمها فقيل: كان اسمها طاخية، وقيل كان اسمها حزمى. قيل: كان نمل الوادي كالذئاب، وقيل: كالبخاتي.
قال السهيلي، في التعريف والاعلام: ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم، والنمل لا يسمي بعضه بعضا! ولا الآدمي يمكنه تسمية واحدة منها باسم علم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضه من بعض، ولا هم أيضا واقعون تحت ملك بني آدم، كالخيل والكلاب ونحوهما، لأن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب.
فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامة وجعار في الضبع ونحو هذا كثير، فالجواب أن هذا ليس من أمر النمل، لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل. وثعالة ونحوه مختص بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوا، وله وجه فهو أن تكون هذه النملة الناطقة، قد سميت بهذا الاسم في التوراة، أو في الزبور، أو في بعض الصحف، أو سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به جميع الأنبياء قبل سليمان أو بعده، وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها، ومعنى قولنا: وإيمانها أنها قالت للنمل: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
، وهو التفاتة مؤمن أي أن سليمان ﵇ من عدله وفضله، وفضل جنوده، لا يحطمون نملة فما فوقها، إلا وهم لا يشعرون.
стр. 1018
وقد قيل: إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله:
ضاحكا، إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون: تبسم تبسّم الغضبان، وتبسم تبسم المستهزىء، وتبسم تبسم الضحك، وتبسم الضحك، إنما هو من سرور ولا يسر نبي بأمر دنيا، وإنما يسر بما كان من أمر الدين فقولها: وهم لا يشعرون إشارة إلى الدين والعدل انتهى.
فائدة أخرى
: روى أبو داود والحاكم وصححه، أن النبي ﷺ قال للشفاء بنت عبد الله:
«علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة» «١» . وفي صحيح مسلم «٢» ، أن النبي ﷺ أرخص في الرقية من النملة، والنملة قروح تخرج في الجنب من البدن، ورقيتها شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، وهو أن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، أراد النبي ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة، لأنه ألقى إليها سرا فأفشته. فكان هذا من لغو الكلام ومزاحه. كقوله ﷺ للعجوز: «لا تدخل الجنة عجوز» «٣» .
ورأيت في بعض الكتب، بخط بعض الأئمة الحفاظ، أن رقية النملة أن يصوم راقيها ثلاثة أيام متوالية، ثم يرقيها بكرة كل يوم من الثلاثة، عند طلوع الشمس، فيقول: اقسطري وانبرجي فقد نوه بنوه بربطش ديبقت اشف أيها الجرب بألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويكون في أصبعه زيت طيب، يمسح به عليها ويتفل على الموضع عقب الرقية قبل المسح بالزيت فافهم.
روى الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا النملة فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين، واسقنا مطرا تنبت لنا به شجرا، وتطعمنا به ثمرا، فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد كفيتم وسقيتم بغيركم» .
فوائد
: قال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبو عبد الله الكواز قال: حدثتني حبيبة مولاة الأحنف بن قيس، أن الأحنف بن قيس رآها تقتل نملة فقال: لا تقتليها، ثم دعا بكرسي فجلس عليه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إني أحرج عليكن إلا خرجتن من داري فاخرجن فإني أكره أن تقتلن في داري، قال: فخرجن فما رؤي فيه منهن بعد ذلك اليوم واحدة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي فعل ذلك حرج على النمل، وأكثر علمي أنه جلس على كرسي كان يجلس عليه لوضوء الصلاة، ثم رأيت النمل قد خرجن من بعد ذلك كبار سود فلم أرهن بعد ذلك.
ورأيت بخط بعض المشايخ لإذهاب النمل أن يكتب في إناء نظيف. هذه الأسماء، وتغسل
стр. 1019
بماء وترش في بيت النمل، فإنه يذهب ولا يطلع، وهو: الحمد لله باهيا شراهيا سأريكم باهيا شراهيا. ورأيت أيضا، في بعض المصنفات، أن يكتب على أربع شقف نيئات، وتجعل في أربع أركان المكان الذي فيه النمل، فإن النمل يرحل وربما مات، وهو وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
«١» لا تسكنوا في منزلنا فتفسدوا، اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
«٢» ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
«٣» فماتوا كذلك يموت النمل من هذا المكان ويذهب بقدرة الله.
ومما جرب أيضا فوجدناه نافعا أن يكتب على لوح ما عز ويوضع على قرية النمل، فإنه يرحل وهو: ق ول هـ ال ح ق ول هـ ال م ل ك الله الله الله وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون. قالَتْ نَمْلَةٌ: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «٤»
، اهيا اهيا شراهيا أدونائى آل شدائى ارحل أيها النمل من هذا المكان بحق هذه الأسماء وبألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ف ق ج م م خ م ت.
ومن المجربات أيضا أنك إذا كان لك حلواء أو عسل أو سكر أو ما هو شبيه بذلك وكان في إناء، ومررت بيديك على شفته، وقلت: هذا لوكيل القاضي، أو هذا لرسول القاضي، أو هذا لغلام القاضي. فإن النمل لا يقربه، وقد فعل ذلك مرارا وشوهد فلا يصل الذر إليه.
الحكم
: يكره أكل ما حملته النمل بفيها وقوائمها، لما روى الحافظ أبو نعيم في الطب النبوي، عن صالح بن خوات بن جبير، عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ «نهى أن يؤكل ما حملت النمل بفيها وقوائمها» ، ويحرم أكل النمل لورود النهي عن قتله، وقد تقدم.
ونقل الرافعي في البيع، وجها عن أبي الحسن العبادي أنه يجوز بيع النمل بعسكر مكرم، لأنه يعالج به السكر، وبنصيبين لأنه يعالج به العقارب الطيارة، وعسكر مكرم قرية من قرى الأهواز والسكر بفتح السين والكاف ومراده بالعقارب الطيارة الجراد.
الأمثال
: قالوا: «ما عسى أن يبلغ عض النمل» «٥» ، يضرب لمن لا يبالي بوعيده، وقالوا:
«أحرص من نملة» و «أروى «٦» من نملة» لأنها تكون في الفلوات فلا تشرب ماء وقالوا: «أضعف وأكثر «٧» وأقوى «٨» من النمل» .
وحكي أن رجلا قال لبعض الملوك: جعل الله قوتك مثل قوة النمل، فأنكر عليه فقال: ليس من الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وقد أهلك الله بالنمل أمة من الأمم وهي جرهم.
وفي سيرة ابن هشام، في غزوة حنين عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لقد
стр. 1020
رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون، مثل النجاد الأسود نزل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا هو نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم أشك أنها الملائكة ولم تكن إلا هزيمة القوم.
الخواص
: بيظ النمل وهو بالظاء المشالة كما تقدم، إذا أخذ وسحق وطلي به موضع منع انبات الشعر فيه، وإذا نثر بيظه بين قوم تفرقوا شذر مذر، ومن سقي منه وزن درهم لم يملك أسفله بل يغلبه الحبق أي الضراط، وإن سدت قريته باخثاء البقر لم يفتحها بل يهرب من مكانه، وكذلك يفعل روث القط وإذا سد جحر النمل بحجر المغناطيس مات، وإذا دقت الكرويا وجعلت في جحر النمل منعتهن الخروج، وكذلك الكمون. وإذا صب ماء السذاب في قرية النمل قتله، وإذا رش به بيت هربت البراغيث منه، وكذلك يفعل ماء السماق في البراغيث، وإذا قطر شيء من القطران في قرية النمل متن والكبريت إذا دق ونثر في قريتها هلكت، وإن علقت خرقة امرأة حائض حول شيء لم يقربه النمل. وإذا أخذت سبع نملات طوال وتركتها في قارورة مملوءة بدهن الزيبق، وسددت رأسها ودفنتها في زبل يوما وليلة ثم أخرجتها وصفيت الدهن عنها، ثم مسحت به الإحليل وما فوقه هيج الباه، وأكثر العمل وقوى الإنعاظ. مجرب.
التعبير
: النمل في الرؤيا يعبر بناس ضعفاء أصحاب حرص، والنمل يعبر أيضا بالجند والأهل، ويعبر بالحياة، فمن رأى النمل دخل قرية أو مدينة فإنه جند يدخلها، ومن سمع كلام النمل نال خصبا وخيرا، ومن رأى النمل دخل منزله ومعه أحمال ثقيلة فإن الخصب والخير يدخل داره، ومن رأى النمل على فراشه كثرت أولاده، ومن رأى النمل خرج من داره نقص عدد أهله.
ومن رأى النمل يطير من مكانه وفيه مريض، فإن المريض يهلك أو يسافر من ذلك المكان قوم ويلقون شدة، والنمل يدل على خصب ورزق لأنه لا يكون إلا في مكان فيه الرزق، وإذا رأى المريض كأن النمل يدب على جسده فإنه يموت، لأن النمل حيوان أرضي بارد. وقال جاماست:
من رأى النمل يخرج من مكانه ناله هم والله تعالى أعلم.
النهار:
ولد الحبارى، قالت العرب: «أحمق من نهار» ، قال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: قد اختلف اللغويون في النهار، فقال قوم: هو فرخ القطاة، وقال قوم: إنه ذكر البوم، والأنثى صيف، وقيل: إنه ذكر الحبارى، والأنثى ليل، وقيل: إنه فرخ الحبارى، قال الشاعر:
ونهار رأيت منتصف الليل ... وليل رأيت وسط النهار
وهذا القول هو الصواب والله أعلم.
النهاس:
بتشديد النون الأولى، وبالسين في آخر، الأسد.
النهس:
طائر يشبه الصرد، إلا أنه غير ملمع يديم تحريك ذنبه ويصيد العصافير، وجمعه نهسان كصرد وصردان. وقال ابن سيده: النهس ضرب من الصرد، وسمي بذلك لأنه ينهس اللحم. والنهس أصله أكل اللحم بطرف الأسنان، والنهش بالشين المعجمة أكله بجميعها والطير إذا أكل اللحم إنما يأكله بطرف منقاره فلذلك سمي نهسا.
стр. 1021
وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني أن زيد بن ثابت قال: رأيت شرحبيل بن سعد وقد صاد نهسا بالأسواق، فأخذه من يده وأرسله. والأسواق اسم موضع بحرم المدينة الذي حرمه رسول الله ﷺ . وقد تقدم ذكره في الدبسي وإنما أرسله لأن صيد المدينة حرام كمكة.
الحكم
: قال الشافعي: النهس حرام كالسباع التي تنهس اللحم.
النهام:
بضم النون طائر، قاله السهيلي في إسلام عمر رضي الله تعالى عنه، وقال الجوهري: هو ضرب من الطير.
النهسر:
كجعفر الذئب، وقيل: ولد الأرنب وقيل الضبع.
النهشل:
الذئب والصقر أيضا وقد تقدم كل منهما في بابه.
النواح:
طائر كالقمري، وحاله حاله إلا أنه أحر منه مزاجا وأدمث صوتا، ولقد كاد أن يكون للأطيار الدمثة الشجية الأصوات ملكا وهو يهيجها إلى التصويت لأنه أشجاها صوتا، وأطيبها نغما. وجميعها تهوى استماع صوته وهو يطرب لغناء نفسه.
النوب:
بضم النون النحل لا واحد له من لفظه، وقيل واحدها نائب. قال أبو عبيدة:
سميت نوبا لأنها تضرب إلى السواد. وقال أبو عبيد: سميت به لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها، قال أبو ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل
أي لم يخف ولم يبال، فاستعمل الرجاء بمعنى الخوف. ومنه قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
«١» أي لا تخافون عظمة الله. وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
«٢» الآية، أي لا يخافون. قال ابن عطية: والذي يظهر لي أن الرجاء في الآية وفي البيت على بابه، لأن خوف لقاء الله مقترن أيضا برجائه فإذا نفى سبحانه الرجاء عن أحد، فإنما أخبر عنه بأنه يكذب بالبعث لنفي الخوف والرجاء انتهى.
النورس:
طير الماء الأبيض، وهو زمج الماء، وقد تقدم في باب الزاي.
النوص:
بفتح النون الحمار الوحشي.
النون:
الحوت وجمعه نينان وأنوان، كما قالوا: حوت وحيتان وأحوات، وقد تقدم في أول الكتاب في باب الباء الموحدة، في لفظ بالام، ما رواه مسلم والنسائي عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ سأله بعض اليهود عن تحفة أهل الجنة فقال: «زيادة كبد الحوت» «٣» .
وكان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: سبحان من يعلم اختلاف النينان في البحار الغامرات. وروى «٤» الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: أول شيء خلقه الله
стр. 1022
القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى يوم الساعة. قال: وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء فتفتقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه فالأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض.
وقال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتياء من الأمم والدواب والشجر والجبال وغير ذلك، فلو نفضتهم فألقيتهم عن ظهرك أجمع لاسترحت، فهم لوتياء أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه دابة، فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن الله لها فخرجت.
قال كعب: فو الذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: اسم الحوت يهموت. قال الراجز:
ما لي أراكم كلّكم سكوتا ... والله ربي خالق يهموتا
وفي مسن الدارمي، عن مكحول قال: قال «١» رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» . ثم تلا هذه الآية «٢» : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
ثم قال: «إن الله وملائكته وأهل سمواته وأرضه والنون في البحر، يصلون على الذين يعلمون الناس الخير» «٣» .
وفي شعب البيهقي، عن خولة بنت قيس، امرأة حمزة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: إن النبي ﷺ قال: «من مشى إلى غريمه لحقه، صلت عليه دواب الأرض، ونون الماء وغرس الله له بكل خطوة شجرة في الجنة، ولا غريم يلوي غريمه وهو قادر، إلا كتب الله عليه في كل يوم إثما» .
وروى أبو بكر البزار عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مشى إلى غريمه لحقه صلت عليه دواب الأرض، ونون الماء وينبت له بكل خطوة شجرة في الجنة وذنب يغفر» .
وروى الدينوري، في المجالسة في أول الجزء السادس، عن الأوزاعي ﵀، أنه قال:
كان عندنا صياد يصطاد النينان، فكان يخرج إلى الصيد، فلا يمنعه مكان الجمعة عن الخروج، فخسف به وببغلته، فخرج الناس وقد ذهبت به بغلته في الأرض، فلم يبقى منها إلا أذناها وذنبها.
وفيها أيضا، في أول الجزء العشرين، عن زيد بن أسلم، قال: جلس إليّ رجل قد ذهبت يمينه من عضده، فجعل يبكي ويقول: من رآني فلا يظلمن أحدا فقلت له: ما حالك قال: بينا أنا أسير على شط البحر، إذ مررت بنبطي قد اصطاد سبعة أنوان، فقلت: أعطني نونا فأبى،
стр. 1023
فأخذت منه نونا وهو كاره، فانقلب إليّ النون وهو حي فعض إبهامي عضة يسيرة، فلم أجد لها ألما، فانطلقت به إلى أهلي فصنعوه وأكلنا فوقعت الأكلة في إبهامي، فاتفق الأطباء على أن أقطعها فقطعتها، ثم عالجتها حتى قلت: قد برئت فوقعت الأكلة في كفي، ثم في ساعدي، ثم في عضدي، فمن رآني فلا يظلمن أحدا.
وذو النون لقب نبي الله يونس بن متى ﵊، لأنه ابتلعه الحوت فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
«١» روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص، المجاب الدعوة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إني لأعلمكم كلمة ما قالها مكروب إلا فرج الله كربه عنه، ولا دعا بها عبد مسلم إلا استجيب له، دعوة أخي يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» «٢» . وجمعت الظلمات لشدة تكاثفها عليه، فإنها ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر، قيل: وظلمة حوت التقم الحوت الأول.
واختلفوا في مدة مكثه في بطنه، فقيل: سبع ساعات، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل: أربعة عشر يوما، وقال السهيلي: أقام في بطنه أربعين يوما، يتردد به في ماء الدجلة.
ونقل الإمام أحمد، في كتاب الزهد، أن رجلا قال للشعبي: مكث يونس في بطن الحوت أربعين يوما فقال الشعبي: ما مكث إلا أقل من يوم التقمه ضحى، فلما كان بعد العصر وقاربت الشمس الغروب، تثاءب الحوت فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال: فنبذه وصار كأنه فرخ.
فقال رجل للشعبي: أتنكر قدرة الله؟ قال: ما أنكر قدرة الله، ولو أراد الله تعالى أن يجعل في بطنه سوقا لفعل.
وروى البزار، بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لما أراد الله تعالى حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن لا تخدش له لحما، ولا تكسر له عظما، فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت، ان هذا تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا إننا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، فقال تعالى: ذاك عبدي يونس، حبسته في بطن الحوت، في بطن البحر. فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال : نعم فشفعوا له عند ذلك، فأمر الله تعالى الحوت فقذفه في الساحل. كما قال الله تعالى:
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
«٣» .
وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها، حتى ألقاه في نصيبين، من ناحية الموصل، فنبذه الله تعالى في عراء، وهي الأرض الفيحاء التي لا شجر فيها ولا معلم. وهو سقيم كالطفل المنفوس، مضغة لحم إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء، فأنعشه الله في ظل اليقطينة بلبن أروية
стр. 1024
تغاديه وتراوحه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة، فيجد منها ألوان الطعام وأنواع شهواته.
والحكمة في إنبات الله اليقطينة عليه، أن من خاصية اليقطين أن لا يقربه الذباب، ومن خواصه أن ماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أيضا. فأقام ﵊ تحتها إلى أن صح جسده، لأن ورق الفرع أنفع شيء لمن يسلخ جلده عن جسده، كيونس ﵇.
وروي أنه ﵊ كان يوما نائما، فأيبس الله تعالى تلك اليقطينة. وقيل:
أرسل الله تعالى عليها الأرضة، فقطعت عروقها فانتبه ﵇ فوجد حر الشمس، فعز عليه شأنها وجزع، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس جزعت ليبس يقطينة، ولم تجزع لهلاك مائة ألف أو يزيدون، تابوا فتيب عليهم. وما أحسن قول «١» الجوهري، صاحب الصحاح:
فها أنا يونس في بطن حوت ... بنيسابور في ظلّ الغمام
فبيتي والفؤاد ويوم دجن ... ظلام في ظلام في ظلام
وقول «٢» الآخر:
مغيث أيوب والكافي لذي النون ... ينيلني فرجا بالكاف والنون
وقول آخر في المعنى:
ربما عالج القوافي رجال ... في القوافي فتلتوي وتلين
طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون
قال الشيخ جمال الدين بن الحاجب: معنى قوله: عين وعين وعين، يعني به نحو يد وغد ودد، لأنها عينات مطاوعات في القوافي، مرفوعة كانت أو منصوبة أو مجرورة، لأن وزن يدفع ووزن غدفع ووزن ددفع، وقوله: وعصتهم نون ونون ونون: الحوت يسمى نونا، والدواة تسمى نونا والنون الذي هو الحرف وكلها نونات غير مطاوعة في القوافي، إذ لا يلتئم واحد منها مع الآخر.
فائدة
: روى الدينوري في المجالسة، وأبو عمر بن عبد البر في التمهيد، عن أبي العباس محمد بن اسحاق السراج، قال: حدثنا هشيم عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية رضي الله تعالى عنه يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ وعن الثاني والثالث والرابع والخامس، وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق، فيهم الروح لم يرتكضوا في رحم، ويسأله عن قبر مشى بصاحبه، وعن المجرة وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس، لم تطلع عليه قبل ذلك، ولم تطلع عليه بعده؟
فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: أخزاه الله تعالى، وما علمي بما ههنا! فقيل له: اكتب إلى ابن عباس فكتب إليه بذلك، فكتب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
стр. 1025
إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده صلاة الحق، والتي تليها الحمد الله كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، والخامس لا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما أكرم الخلق على الله فآدم ﵇، خلقه الله بيده، وعلمه الأسماء كلها، وأما أكرم إمائه عليه، فهي مريم التي أحصنت فرجها، فنفخ فيه من روحه.
وأما الأربعة الذين لم يرتكضوا في الرحم، فآدم وحواء وناقة صالح والكبش الذي فدى به اسماعيل ﵊، وقيل: عصا موسى ﵇، حين ألقاها، فصارت ثعبانا مبينا.
وأما القبر الذي سار بصاحبه، فهو الحوت حين التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنه أمان لأهل الأرض من الغرق، بعد قوم نوح. وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، ولم تطلع عليه قبله ولا بعده، فهو المكان الذي انفلق في البحر لبني إسرائيل. فلما قدم عليه الكتاب، أرسل به إلى صاحب الروم فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا رجل من بيت النبوة.
باب الهاء
الهالع:
النعام السريع في مضيه والأنثى هالعة.
الهامة:
بتخفيف الميم على المشهور، طير الليل وهو الصدى، والجمع هام وهامات قال «١» ذو الرمة:
قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظلّ أخضر يدعو هامة البوم
وقد تقدم أن الذكر من البوم يختص باسم الصدى والصيدح، وتقدم أن هذه الأسماء تقع على طير الليل بطريق الاشتراك، وتسمية هذه الطيور بالصدي والصودي، لما تعتقده الأعراب من كونه عطشان، لا يزال يقول: اسقوني.
والصدى العطش، والصادي العطشان. ويقال: رجل صديان وامرأة صديا. والصدى أيضا صوت يرجع من الصوت، إذا خرج ووجد ما يحبسه من حجر ونحوه.
والعرب تقول: أصم الله صداه، إذا دعوا على شخص بالخرس، والمعنى لا جعل الله له صدى يرجع إليه بصوته، وقد تقدم ذلك.
ويقع الصدى أيضا على الدماغ لكونه متصورا بصورة الصدى، ولهذا سمي الدماغ هامة، لأنه يشبه رأس الصدى، لأن الصدى لما كان كبير الرأس، واسع العين وفيه شبه برأس ابن آدم، سموا الرأس هامة باسمه. والهامة هو الصدى، وتسميته بالهامة يحتمل أن تكون للمعنى الذي
стр. 1026
لأجله سمي صدى، وهو العطش.
ويجوز أن يراعى الاشتقاق على أن يكون قد اشتق من الهيام بضم الهاء، وهو داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى، ومنه قوله تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ
«١» وهو جمع أهيم كأحمر، والهيم الإبل التي أصابها الهيام، يقال: جمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم، قال الشاعر:
بي اليأس أو داء الهيام أصابني ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا
وقال لبيد «٢» :
أجزت على معارفها بشعب ... وأطلاح عن المهري هيم
وقيل: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل، ويحتمل أنه إنما سمي هامة باسم رأسه تشبيها بهامة الإنسان وهي رأسه قال الشاعر:
ونضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن الصدور
وعلى هذا يكون التجوز حاصلا من الجانبين، وهذا قد وجد في كلام بعضهم الإيماء إليه، وسمي بعضهم الهامة بالمصاص، لأنه ينزل إلى الحمام فيمص دمها، وإنما سموا بعض هذه الطيور بومة، لأنها تصيح بهذا الحرف، وبعضها يصيح بقاف وواو وقاف، فيسمونها قوقة وأم قويق، وكل هذا من جنس الهوام.
وروى «٣» مسلم وغيره، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «لا صفر ولا هامة» . وفيه تأويلان: أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي هذا الطائر المعروف من طير الليل كما تقدم. وقيل: هو البومة كانت إذا سقطت على دار أحدهم قالوا: نعت إليه نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير الإمام مالك بن أنس ﵀، والثاني أن العرب، كانت تعتقد أن روح القتيل، الذي لم يؤخذ بثأره، تصير هامة، فتزقو عند قبره وتقول: اسقوني اسقوني من دم قاتلي! فإذا أخذ بثأره طارت.
قال لبيد «٤» :
فليس الناس بعدك في نفير ... وما هم غير أصداء وهام
وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت، وقيل روحه تصير هامة، ويسمونها الصدى، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين، وأنه ﵊ نهى عنهما جميعا.
روى أبو نعيم، في الحلية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: كنت عند كعب
стр. 1027
الأحبار، وهو عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ألا أخبرك بأغرب شيء قرأته في كتب الأنبياء ﵈: أن هامة جاءت إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فقالت: السلام عليك يا نبي الله، فقال: وعليك السلام يا هامة، أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي الله، إن آدم أخرج من الجنة بسببه، قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: يا نبي الله لأنه غرق فيه قوم نوح فمن أجل ذلك لا أشربه، قال لها سليمان: كيف تركت العمران وسكنت الخراب؟ قالت: لأن الخراب ميراث الله، فأنا أسكن ميراث الله، قال الله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
«١» .
فالدنيا ميراث الله كلها، قال سليمان: فما تقولين إذا جلست فوق خربة؟
قالت: أقول أين الذين كانوا يتنعمون فيها؟ قال سليمان: فما صياحك في الدور، إذا مررت عليها؟ قالت: أقول: ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد؟ قال سليمان ﵇: فما لك لا تخرجين بالنهار؟ قالت: من كثرة ظلم بني آدم لأنفسهم، قال:
فأخبريني ما تقولين في صياحك؟ قالت: أقول: تزودوا يا غافلين، وتهيئوا لسفركم، سبحان خالق النور. فقال سليمان ﵇: ليس في الطيور طير أنصح لابن آدم، ولا أشفق عليه من الهامة، وما في قلوب الجهال أبغض منها.
فرع
في فتاوي قاضي خان: إذا صاحت الهامة فقال أحد: يموت رجل، فقال بعضهم:
يكون ذلك كفرا إنما يقال هذا على جهة التفاؤل انتهى. وهو قريب مما تقدم في العقعق.
والهوام حشرات الأرض وروى ابن حبان وأبو داود الطيالسي، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن هذه الهوام من الجن فإذا رأى أحدكم في بيته شيئا منها فليحرج عليه ثلاث مرات» «٢» قال في النهاية: هو أن يقول لها: أنت في حرج إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل.
وروى «٣» البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن النبي ﷺ كان يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» ، ثم يقول ﷺ : «كان أبوكما إبراهيم ﵇ يعوذ بها إسماعيل واسحاق عليهما الصلاة والسلام» .
قال الخطابي: الهامة إحدى الهوام ذوات السموم كالحية والعقرب ونحوهما، فإن قيل: في هذا الحديث دليل على أن للهامة حقيقة. فالجواب أن الهامة هنا بالتشديد، وتلك بالتخفيف كما تقدم. والمراد هنا هوام الأرض من الحيات والعقارب ونحوهما، كما قاله الخطابي، أو المراد كل ما يهم بالأذى، وهو اسم فاعل من هم يهم فهو هامة كأنه ﷺ قال: أعيذكما من شر كل نسمة هامة بالأذى، وقوله ﵊: «ومن كل عين لامة» معناه ذات لمم، قال الخطابي: وكان
стр. 1028
أحمد بن حنبل ﵀ يستدل بقوله «بكلمات الله التامة» على أن القرآن غير مخلوق، ويقول: إن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق، وما من كلام مخلوق إلا وفيه نقص، فالموصوف منه بالتمام هو غير مخلوق وهو كلام الله تعالى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، قال: فيّ أنزلت هذه الآية «١» فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
أتيت النبي ﷺ ، فقال: «أدنه» فدنوت ثم قال: «ادنه» فدنوت، فقال «٢» ﷺ : «أيؤذيك هوامك» ؟ قال ابن عوف: أظنه قال: نعم.
فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسر.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٣» : «إن لله مائة رحمة، واحدة بين الجن والأنس والبهائم والهوامّ فيها يتعاطفون ويتراحمون، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعا وتسعين رحمة، يرحم الله بها عباده يوم القيامة» . وسيأتي هذا في باب الواو، في لفظ الوحش إن شاء الله تعالى.
وفي الإحياء، في فضل الجمعة، يقال: إن الطير والهوام يلقي بعضها بعضها في يوم الجمعة، فتقول: سلام سلام يوم صالح، وهو كذلك في قوت القلوب أيضا.
وفي كتاب فردوس الحكمة، آية في كتاب الله، من قرأها يأمن من الهوام إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
«٤» وقد تقدم نظير هذا في باب الباء الموحدة، في البراغيث من رواية ابن أبي الدنيا، في كتاب التوكل، إن عامل أفريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، يشكو إليه الهوام والعقارب، فكتب إليه: وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
«٥» الآية.
وفي كتاب النصائح، أن بعض السياحين، كان مقداما على كل هول يخافه المسافرون، غير متحفظ من الهوام والسباع، فتعجب منه قوم وخوفوه الغرر بنفسه، فقال: إني على بصيرة من أمري، وذلك أني سافرت تاجرا مع رفقة، فكان سراق الأعراب، يطوفون بنا كل ليلة، وكنت أشد أصحابي ذكرا وأطولهم سهرا، وكنت قد أكتريت مع رجل من الأعراب أعرفه بالصلاح والدين فلما رآني على هذه الحالة، قال: صل على محمد ﷺ مائة مرة، ونم آمنا، ففعلت ذلك ونمت، فإذا رجل يوقظني فارتعت وقلت: من أنت؟ فقال: اصطنعني واستتبني، قلت: مالك؟ قال:
هذه يدي قد احتبسها متاعك، وإذا هو قد شق عدلا كنت نائما عليه، وأدخل يده لاستخراج الثياب منه، فلم يستطيع إخراج يده فأيقظت المكاري وأخبرته وسألته أن يدعو له، فقال: أنت
стр. 1029
أولى بالدعاء فإنه من أجلك أصيب، فدعوت وأمن فأطلق عن الرجل، فلا أنسى اسوداد يده من اختناق الدم فيها. وفيه أيضا أنه صلوات الله وسلامه عليه، قال: «من صلى عليّ يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة» قيل: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال ﷺ : «قولوا اللهم صل على محمد عبدك ونبيك وحبيبك ورسولك النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلم» .
روي أن أبا بكر الصديق ﵁، لما أتى إلى غار ثور مع النبي ﷺ ، سبق إلى دخوله، فانبطح فيه وألقى نفسه، فقال له النبي ﷺ : «لم فعلت هذا؟» قال: لأن هذه الغيران يكون فيها الهوام المؤذية، فأحببت إن كان فيها شيء أن أقيك بنفسي وقيل: كان عليه رضي الله تعالى عنه برد ثمين فمزقه وحشا به الأحجرة فبقي جحران فسدهما بعقبيه.
والهامة في الرؤيا
امرأة قوادة أو زانية.
وحكمها
: تحريم الأكل.
الهبع:
الفصيل الذي نتج في آخر النتاج، يقال: «ما له هبع ولا ربع» ، والأنثى هبعة والجمع هبعات.
الهبلع:
الكلب السلوقي، قاله ابن سيده، وقد تقدم ما في الكلب، في باب الكاف.
الهجاة:
الضفدع، قاله ابن سيده أيضا، والمعروف الهاجة.
الهجرس:
ولد الثعلب والجمع هجارس، وقيل: هو ولد الدب، وقال أبو زيد: هو القرد، وفي الحديث أن عيينة بن حصن الفزاري مد رجله بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال أسيد بن حضير ﵁: يا عين الهجرس، أتمد رجلك بين يدي رسول الله ﷺ ؟
وفي الاستيعاب، في ترجمة أسيد بن حضير، قال: جاء عامر بن الطفيل وأربد إلى رسول الله ﷺ ، فسألاه أن يجعل لهما نصيبا من تمر المدينة، «فأبى رسول الله ﷺ » ، فقال عامر بن الطفيل: لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا! فقال ﷺ : «اللهم اكفني شر عامر بن الطفيل» . فأخذ أسيد بن حضير الرمح، وجعل يقرع رؤوسهما ويقول: أخرجا أيها الهجرسان، فقال عامر: من أنت؟ قال: أنا أسيد بن حضير، فقال: أبوك خير منك، فقال: بل أنا خير منك ومن أبي، مات أبي وهو كافر. فقيل للأصمعي: ما الهجرس؟ قال: الثعلب.
فلما رجع عامر وأربد، من عند رسول الله ﷺ ، وكانا ببعض الطرق، أرسل الله على أربد صاعقة فأحرقته وأحرقت بعيره، وبعث الله على عامر الطاعون في عنقه، فقتله في بيت امرأة سلولية، من بني سلول. فجعل يقول: يا بني عامر «غدة كغدة البعير، وموتا في سلولية» «١» .
وذكر سيبويه قول عامر: غدة كغدة البعير وموتا في بيت سلولية، في باب ما ينصب على
стр. 1030
إضمار الفعل المتروك، كأنه قال: اغد غدة. قلت: ومن الأوهام أن المستغفري ذكر في كتابه معرفة الصحابة عامر بن الطفيل، وقال: إنه أسلم وسأل النبي ﷺ أن يعلمه كلمات يعيش بهن، فقال ﷺ : «يا عامر أفش السلام وأطعم الطعام واستحي من الله حق الحياء، وإذا أسأت فأحسن، فإن الحسنات يذهبن السيآت» انتهى.
والصواب أن عامر بن الطفيل لم يؤمن بالله طرفة عين، ولم يختلف أحد من أهل النقل، في ذلك. وأما أربد المذكور، فهو أخو لبيد الشاعر الذي عاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها شعرا، سأله عمر رضي الله تعالى عنه عن تركه الشعر؟ فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه خمسمائة درهم من أجل هذا القول. فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة، فلما كان زمن معاوية أراد أن ينقصه الخمسمائة، فقال له: ما بال العلاوة فوق الفودين؟
فقال له لبيد رضي الله تعالى عنه: آن أن أموت ويصير لك العلاوة والفودان. فرق له معاوية وتركها له، ومات لبيد بعد ذلك بأيام قليلة، وقد قيل: إنه قال «١» في الإسلام بيتا واحدا وهو:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا
وقيل: قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد «٢»
الأمثال
: قالوا «٣» : «اسفد من هجرس» «وأغلم «٤» وأنزى» «٥» .
الهجرع:
الكلب السلوقي الخفيف، قاله ابن سيده.
الهجين:
من الخيل والناس، الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، والهجان من الإبل البيض، يستوي فيه الذكر والمؤنث، يقال: بعير هجان، وناقة هجان، وإبل هجان، وامرأة هجان، أي كريمة.
الهدهد:
بضم الهاءين وإسكان الدال المهملة بينهما، طائر معروف ذو خطوط وألوان كثيرة، وكنيته أبو الأخبار وأبو ثمامة وأبو الربيع وأبو روح وأبو سجاد وأبو عباد. ويقال له الهداهد، قال الراعي:
كهداهد كسر الرماة جناحه.
والجمع الهدهد بالفتح، وهو طير منتن الريح طبعا لأنه يبني أفحوصه في الزبل، وهذا عام في جميع جنسه، ويذكر عنه أنه يرى الماء في باطن الأرض، كما يراه الانسان في باطن الزجاجة، وزعموا أنه كان دليل سليمان على الماء، ولهذا السبب تفقده لما فقده. وكان سبب غيبة الهدهد عن سليمان ﵊، أن سليمان ﵇، لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على
стр. 1031
الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطير والوحش، ما بلغ من عسكره مائة فرسخ، فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم، أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم، طول مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وأنه قال لمن حضره من أشراف قومه:
إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي من صفته كذا وكذا ويعطى النصر على من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية، وطوبى لمن أدركه وآمن به قالوا: فكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: مقدار ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل.
وأقام سليمان ﵇ بمكة، حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها، فأحب النزول فيها ليصلي ويتغدى، فلما نزل، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، فنظر إلى طول الدنيا وعرضها، يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد من هداهد اليمن، فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، فقال هدهد اليمن ليعفور: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود ﵉ فقال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح، وذكر له من عظمة ملك سليمان وما سخر الله له من كل شيء، فمن أين أنت؟ فقال له الهدهد الآخر: أنا من هذه البلاد، ووصف له ملك بلقيس، وأن تحت يدها اثني عشرة ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، ثم قال: فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟
فقال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة، إذا احتاج إلى الماء فقال الهدهد الثاني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فمضى معه ونظر إلى ملك بلقيس، وما رجع إلى سليمان إلا بعد العصر.
وكان سليمان قد نزل على غير ماء، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء؟ فلم يعلموا له خبرا فتفقد الطير، ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير وهو النسر، فسأله عن الهدهد فلم يجد عنده علمه، فغضب سليمان ﵇ عند ذلك، وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
«١» الآية. ثم دعا بالعقاب وهو سيد الطير، فقال له: علي بالهدهد الساعة، فارتفع في الهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة في يد الرجل، ثم التفت يمينا وشمالا، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض عليه العقاب يريده، فناشده الله، وقال: أسألك بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء، فتركه ثم قال له: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف ليعذبنك أو يذبحنك! فقال الهدهد: أو ما ستثنى نبي الله قال: بلى، قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
«٢» قال الهدهد: قد نجوت إذا. ثم طار الهدهد والعقاب، حتى أتيا سليمان ﵇، فلما قرب منه
стр. 1032
الهدهد أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا، فأخذ سليمان رأسه فمده إليه، وقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله ، فارتعد سليمان وعفا عنه. ثم سأله عن سبب غيبته، فأخبره بأمر بلقيس، وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من قصتها في باب الدال والعين المهملتين في الكلام على الدود والعفريت.
قال الزمخشري: وكان السبب في تخلفه وغيبته عن سليمان ﵇، أنه حين نزل سليمان حلق الهدهد، فرأى هدهدا واقفا فوصف له ملك سليمان، وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأن تحت يدها اثني عشرة ألف قائد، تحت كل قائد مائة ألف، فذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، فدعا سليمان ﵇ عريف الطير وهو النسر فلم يجد عنده علمه. فقال لسيد الطير، وهو العقاب: علي به، فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل، فقصدته فناشدها الله تعالى، وقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني. فتركته، وقالت:
ثكلتك أمك إن نبي الله حلف ليعذبنك، قال: أو ما ستثنى؟ قالت: بلى قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
«١» فلما قرب من سليمان، أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ رأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله، فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله. وأما قوله: لأعذبنه، فتعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه.
وقيل: كان عذاب سليمان ﵇ للطير، أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا، لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض، وهو أظهر الأقاويل. وقيل: إنه يطلى بالقطران ويشمس، وقيل: أن يلقى للنمل تأكله، وقيل: إيداعه القفص، وقيل: التفريق بينه وبين إلفه، وقيل: إلزامه صحبة الأضداد.
وعن بعضهم أنه قال: أضيق السجون صحبة الأضداد، وقيل: حبسه مع غير جنسه، وقيل: الزامه خدمة أقرانه، وقيل: تزويجه عجوزا. فإن قلت: من أين أحل له تعذيب الهدهد؟
قلت: يجوز أن يبيح الله له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع.
وحكى القزويني أن الهدهد قال لسليمان ﵇: أريد أن تكون في ضيافتي قال: أنا وحدي، قال: بل أنت وأهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا فحضر سليمان ﵇ بجنوده فطار الهدهد فاصطاد جرادة فخنقها ورمى بها في البحر، وقال: كلوا، يا نبي الله من فاته اللحم، ناله المرق. فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا كاملا. وفي ذلك قيل:
جاءت سليمان يوم العرض هدهدة ... أهدت له من جراد كان في فيها
وأنشدت بلسان الحال قائلة ... إنّ الهدايا على مقدار مهديها
لو كان يهدى إلى الإنسان قيمته ... لكان يهدى لك الدنيا وما فيها
قال عكرمة: إنما صرف سليمان ﵇ عن ذبح الهدهد، لأنه كان بارا بأبويه، ينقل الطعام إليهما فيزقهما في حال كبرهما.
стр. 1033
قال الجاحظ: وهو وفاء حفوظ ودود، وذلك أنه إذا غابت أنثاه، فلم يأكل ولم يشرب، ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره، ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه، فإن حدث حادث أعدمه إياها، لم يسفد بعدها أنثى أبدا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش، ولم يشبع بعدها أبدا بطعم، بل ينال منه ما يمسك رمقه، إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا.
وفي الكامل، وشعب الإيمان للبيهقي، أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: سليمان ﵇، مع ما خوله الله من الملك وأعطاه، كيف عنى بالهدهد مع صغره؟ فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد كانت الأرض له كالزجاج كما تقدم. فقال ابن الأزرق لابن عباس: قف يا وقاف كيف يبصر الماء من تحت الأرض، ولا يرى الفخ إذا غطى له بقدر أصبع من تراب؟ فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا نزل القضاء عمي البصر وأنشدوا في ذلك لأبي عمرو الزاهد:
إذا أراد الله أمرا بامرىء ... وكان ذا عقل ورأي وبصر
وحيلة يفعلها في دفع ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر
غطى عليه سمعه وعقله ... وسله من ذهنه سلّ الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد عليه عقله ليعتبر
ونافع ابن الأزرق هو رأس فرقة من الخوارج، يقال لها الأزارقة، يكفرون علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذ حكم، وهو قبل التحكيم عندهم إمام عدل، ويكفرون الحكمين أبا موسى وعمرا. ويرون قتل الأطفال ولا يقيمون الحدود على من قذف محصنا، ويقيمونها على قذف المحصنات وغير ذلك من الأقوال. وأنشد أبو الشيص «١» في صفة الهدهد «٢» :
لا تأمنن على سري وسرّكم ... غيري وغيرك أو طي القراطيس
أو طائر سوف أجليه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدريس
سود براثنه ميل ذوائبه ... صفر حمالقه في الحسن مغموس
البراثن بالباء الموحدة وبالثاء المثلثة وبالنون في آخره: اظفاره، والذوائب ريشه، والحمالق الأجفان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، صاحب دمية القصر، وهي ذيل يتيمة الدهر، قتل سنة سبع وستين وأربعمائة:
لا تنكري يا عز إن ذلّ الفتى ... ذو الأصل واستعلى خسيس المحتد
إنّ البزاة رؤوسهن عواطف ... والتاج معقود برأس الهدهد
стр. 1034
قيل: إن الإمام الحافظ أبا قلابة، واسمه عبد الملك بن محمد الرقاشي، رأت أمه وهي حامل به، كأنها ولدت هدهدا. فقيل لها: إن صدقت رؤياك، فإنك تلدين ولدا ذكرا كثير الصلاة فولدته، فلما كبر كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، وحدث من حفظه ستين ألف حديث، ومات سنة ست وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى.
الحكم
: الأصح تحريم أكله لنهي النبي ﷺ عن أكله، لأنه منتن الريح، ويقتات الدود.
وقيل: يحل أكله، لأنه يحكى عن الشافعي وجوب الفدية فيه، وعنده لا يفدى إلا المأكول.
الأمثال
: قال: «أسجد من هدهد» «١» ، يضرب لمن يرمى بالأبنة، وقالوا: «أبصر من هدهد» لما تقدم من رؤيته الماء تحت الأرض.
الخواص
: إذا بخر البيت بريشة من ريشه طرد الهوام عنه، وعينه إذا علقت على صاحب النسيان ذكر ما نسيه، وكذلك يفعل قلبه إذا شوي وأكل مع سذاب، وهو نافع للحفظ والذكاء، ولا ينسى شيئا، وهو أنفع من حب الفهم وأسلم. ومن أخذ عشرة هداهد ونزع ريشها وتركها في دار أو دكان خرب ذلك المكان، ولم يعمر أبدا.
ومن أخذ مصران الهدهد وعلقه على من به النزيف نفعه، ومن أخذ منقاره وهو ميت، وخرز عليه جلدة لم يتلف له شيء ما دام عليه. وإن دخل به على سلطان رحب به وأكرمه وقضى حوائجه، ومن أخذ تراب عش الهدهد وتركه في سجن خرج من فيه من وقته، وإن أخذ من مخالب رجليه مخلبا واحدا وعلقه على صبي أو غيره لم يلحقه عين ولا يزال في عافية ما دام معلقا عليه.
ومن أخذ ذنبه وشيئا من دمه وعلقه على شجرة لم تحمل أبدا، وإن علق على دجاجة بياضة لم تبض، وإن علق على من به نزف الدم سكن عنه، ومن أخذ لسانه وألقاه في شيء من دهن السمسم وجعله تحت لسانه، وسأل إنسانا حاجة قضاها له، وإذا حمل ريشه إنسان وخاصم غلب خصمه، وقضيت حاجته، وظفر بما يريد ولحمه إذا أكل مطبوخا نفع من القولنج، ودماغ الهدهد إذا أخرج وعمل في دقيق وعجن منه قرصة، وجففت في الظل، وأطعمت الإنسان ويقول المطعم: أطعمتك يا فلان بن فلان هدهدا، وجعلتك تسمع قولي وتطيعني، وتشهد لي كما شهد الهدهد لسليمان ﵇ فإن المطعوم يحب المطعم حبا شديدا.
وإن أخذت قشرته وشددتها على عضدك الأيسر، وأخذت منقاره ولسانه وكتبت هذه الأسماء في رق ظبي وجعلتهما فيه، وشددته بخيط صوف كحلي أو أسود أو أحمر ودفنته تحت باب من تريد موضع دخوله وخروجه فإنك تبلغ ما تريده منه من المحبة والعطف والقبول. وهي هذه الأسماء التي تكتبها: فطيطم مارنورمانيل وصعانيل.
ودم الهدهد إذا أخذ في صدفة وقطر في عين يطلع فيها الشعر أزاله، وإذا ذبحت هدهدا،
стр. 1035
وأخذت دماغه وجففته، وسحقته ببعض من المصطكى، ودققت معه إحدى وعشرين ورقة آس، وخلطته وأشممته لمن تريد، فإنه يحبك. وعينه اليمنى إذا علقتها عليك في خرقة جديدة وشددتها على عضدك الأيمن، ودخلت على من شئت فإنه لا يراك أحد إلا أحبك، وإذا أردت سواد الشعر، فخذ مصران الهدهد وجففه ثم اسحقه بدهن سمسم وادهن به رأس من تريد أو لحيته ثلاثة أيام فإن شعره يسود سوادا عظيما. ودمه وهو حار، إذا قطر على البياض العارض في العين أذهبه، وإن بخر بمخه برج الحمام لم يقربه شيء يؤذيه، وإن علق هدهد مذبوح بجملته في بيت أمن أهله من السحر، ومن علق عليه لحيه الأسفل أحبه الناس، وإن بخر المجنون بعرفه أبرأه، ولحمه إذ بخر به معقود عن الباه، أو مسحورا أبرأه.
وقال جابر ﵀: إن قلب الهدهد إذا شوي وأكل مع سذاب فإنه ينفع للحفظ جدا.
ومصران الهدهد إذا علق على من بها نزف الدم، انقطع عنها. وإن أخذت ثلاث ريشات من الجناح الأيسر من الهدهد، وكنس بها باب دار ثلاثة أيام، قبل طلوع الشمس، ويقول الكانس:
كما انقطع هذا التراب من هذا المكان، كذلك ينقطع فلان بن فلانة من هذا المكان، فإنه يخرج منه ولا يعود إليه أبدا وإن أحرقت جناحه الأيسر، ونثرت رماده على طريق من تريد فإنه إذا وطئه أحبك حبا شديدا. ومنقار الهدهد وريشه من جناحه الأيمن إذا خرز في جلد وعلقت ذلك عليك باسم من تريد، واسم أمه، أحبك حبا شديدا. وأطول ريشة في جناحيه الأيسر قبول.
التعبير
: الهدهد في المنام، رجل عالم غني يثنى عليه بالقبيح لنتن ريحه، فمن رآه نال عزا ومالا فإن كلمه فإنه يأتيه خير من قبل السلطان لقوله تعالى: «١» وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
وقال ابن سيرين: من رأى هدهدا، قدم له مسافر، وقيل: الهدهد رجل حاسب صاحب دهاء يخبر السلطان بما يحدث من الأمور، لأنه أخبر سليمان ﵇ بأمر بلقيس، وكان صادقا في قوله، وربما كانت رؤيته أمانا للخائف، وقال ابن المقري: إن رؤيته تدل على هدم الدار العامرة، أو الشيء العامر مأخوذ من اسمه هدهد، وربما دلت على الرسول الصادق، والقرب من الملوك والجاسوس، أو الرجل العالم الكثير الجدال، وربما دل على النجاة من الشدائد والعذاب، وربما دل على المعرفة بالله تعالى، وبما شرعه من الدين والصلاة، وإن رآه ظمآن، اهتدى إلى الماء، والله تعالى أعلم.
الهدي:
هو ما يهدى إلى الحرم من النعم، والهدى أيضا مثله وقرىء حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
«٢» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان الواحدة هدية وهدية. وكان الهدي الذي مع النبي ﷺ في الحديبية ونحره مائة بدنة. وقال المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: سبعين بدنة والناس سبعمائة. فكانت البدنة عن عشرة وهذا غريب.
وعن مصعب بن ثابت، قال: والله لقد بلغني أن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه حضر يوم عرفة ومعه مائة رقبة ومائة بدنة ومائة بقرة ومائة شاة، فقال: هذا كله لله تعالى، فأعتق
стр. 1036
الرقاب، وأمر بتلك فنحرت، رواه الطبراني مرسلا.
وفي الصحيحين «١» ، عن عائشة ﵂، قالت: أهدي النبي ﷺ مرة غنما، وفيه استحباب تقليد الغنم، وقال مالك وأبو حنيفة، لا يستحب، بل خصا التقليد بالإبل والبقر.
فرع
: اتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا فللمهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع. لما روى «٢» جابر أنه ﷺ أهدى في حجة الوداع مائة بدنة نحر رسول الله ﷺ منها بيده ثلاثا وستين، وأمر عليا فنحر ما بقي منها، ثم أمر رسول الله ﷺ أن يؤخذ من كل بدنة بضعة، فتجعل في قدر فأكلا من لحمها وحسيا من مرقها.
واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع، مثل دم التمتع والقران والواجب بافساد الحج وفواته وجزاء الصيد، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا وبه قال الشافعي، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويأكل مما عداهما، وبه قال الإمام أحمد واسحاق. وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه، إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والنذر. وقال أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران، ولا يأكل من كل واجب سواهما، والله تعالى أعلم.
الهديل:
ذكر الحمام قد تقدم ما في الحمام في باب الحاء المهملة، قال جران العود «٣» :
كان الهديل الظالع الرجل وسطها ... من البغي شريب يغرد منزف
والهديل صوت الحمام، يقال: هدل القمري يهدل هديلا، والهديل فرخ كان على عهد نوح ﵊، فصاده جارح من الطير، فليس من حمامة إلا وتبكي عليه إلى يوم القيامة.
قال نصيب «٤» :
فقلت أتبكي ذات طوق تذكرت ... هديلا وقد أودى وما كان تبع
يقول لم يخلق تبع بعد.
الهر ماس:
بكسر الهاء من اسماء الأسد، وقيل: هو الشديد من السباع، والهرماس بن زياد الباهلي من الصحابة سكن البصرة وطال عمره، وروى عن النبي ﷺ حديثين أحدهما عن أبي داود والآخر رواه النسائي. والهرميس بكسر الهاء أيضا الكركدن عند ابن سيده. قال: وهو أكبر من الفيل قال الشاعر:
والفيل لا يبقى على الهرميس
الهر:
السنور، والجمع هررة، كقرد وقردة، والأنثى هرة وتقدمت في خواص الأسد في
стр. 1037
الكلام على الفأرة، أن الهرة خلقت من عطسة الأسد. روى الإمام أحمد والبزار ورجال الإمام أحمد ثقات، من حديث «١» أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ رأى رجلا يشرب قائما فقال ﷺ : «قه أيسرّك أن يشرب معك الهر» قال: لا. قال: «فقد شرب معك الشيطان» . وفي تاريخ ابن النجار، في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كنت جالسا عند عائشة رضي الله تعالى عنها أبشرها بالبراءة، فقالت: والله لقد هجرني القريب والبعيد، حتى هجرتني الهرة، وما عرض علي طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة، فرأيت الليلة في منامي فتى فقال: ما لك حزينة؟ فقلت: مما ذكر الناس. فقال: ادعي بهذه الكلمات يفرج عنك. فقلت: وما هي؟ فقال: قولي: دعاء الفرج يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ظلم، ويا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، ويا من له اسم بلا كنية، أجعل لي من أمري فرجا ومخرجا.
قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله براءتي وجاءني الفرج. وفي الحديث «٢» الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن الشيطان عرض للنبي ﷺ في صلاته، قال عبد الرزاق: في صورة هر، قال ﷺ : «فشد علي يقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته ولقد هممت أن أوثقه في سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه. فذكرت قول أخي سليمان: رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرده الله خاسئا» .
وروى ابن أبي خيثمة، عن ميمونة بنت سعيد، مولاة رسول الله ﷺ ، وهو في الاستيعاب، عن سليمان الفارسي، خادم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ أوصى بالهر، وقال: «إنّ امرأة عذبت في هرة ربطتها» «٣» الحديث، وهو في الصحيحين.
وفي الزهد للإمام أحمد: رأيتها في النار وهي تنهش قبلها ودبرها. والمرأة المعذبة كانت كافرة، كما رواه البزار في مسنده، والحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان، ورواه البيهقي في البعث والنشور، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها.
وقال القاضي عياض في شرح مسلم: يحتمل أن تكون كافرة. ونفى النووي هذا الاحتمال، وكأنهما لم يطلعا على نقل في ذلك.
وفي مسند أبي داود الطيالسي، من حديث الشعبي، عن علقمة قال: كنا عند عائشة رضي الله تعالى عنها، ومعنا أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث «٤» عن رسول الله ﷺ أن امرأة عذبت بالنار من أجل هرة؟ قال أبو هريرة: نعم سمعته من رسول الله ﷺ . فقالت عائشة: المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة، إنما كانت المرأة مع ذلك كافرة يا أبا هريرة، إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث. وقد تقدم في الفرس، ما أنكرته عائشة على أبي هريرة.
стр. 1038
وروى ابن عساكر، في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي، أنه رآه في النوم، بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت لك؟
فقلت: بصالح عملي. فقال: لا. قلت: باخلاصي في عبوديتي، قال: لا. قلت: بحجي وصومي وصلاتي. قال: لم أغفر لك بذلك. فقلت: بهجرتي إلى الصالحين، وإدامة أسفاري في طلب العلوم. فقال: لا. فقلت: يا ربي هذه المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري، وظني أنك بها تعفو عني وترحمني. فقال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلهي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة، قد أضعفها البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدار من شدة البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من ألم البرد؟
فقلت: نعم. فقال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك.
وأبو بكر الشبلي اسمه دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس الخراساني، كان سيدا صالحا محدثا، مالكي المذهب، صحب الجنيد رضي الله تعالى عنه، وكان في ابتداء أمره واليا على دنباوند، فتاب في مجلس خير النساج، وكانت له خطفات وسكرات وغرقات توجب تلك الغرقات شطحات، فقام عذره فيها ودخل على الجنيد يوما فوقف بين يديه وصفق وأنشد يقول «١» :.
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصدّ والصدّ صعب
زعموا حين أزمعوا أن ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحقّ الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب ألا يحب
فأجابه «٢» الجنيد رحمه الله تعالى:
وتمنيت أن أراك ... فلمّا رأيتكا
غلبت دهشة السرور ... فلم أملك البكا
ومن شعر «٣» الشبلي رحمه الله تعالى:
مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى ... دمعان في الأجفان يزدحمان
ما أنصفتني الحادثات رمينني ... بمودعين وليس لي قلبان
توفي الشبلي، ﵀ في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة.
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، أنه روى «٤» عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كان النبي ﷺ تمر به الهرة فيصفي لها الإناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها. قال: وكان أبو يوسف يقول: من طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر، ومن طلب الدين بالكلام تزندق.
стр. 1039
وفي آخر كتاب مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه، للحاكم أبي عبد الله، بإسناده إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال: سمعت الشافعي يقول: اختصم رجلان إلى بعض القضاة، في هرة ادعى كل منهما أنها له، وأن عنده أولادها، فحكم القاضي أن توسط بين داريهما ثم ترسل فأي دار دخلت فهي لصاحبها. قال الشافعي: فانجفل الناس، وانجفلت معهم، فلم تدخل الهرة دار واحد منهما. قال الشافعي: فبطل قضاؤه.
غريبة
: ذكر أن مروان الجعدي المنبوز بالحمار، آخر خلفاء بني أمية، لما ظهر السفاح بالكوفة، وبويع له بالخلافة، وجهز العساكر إليه، فانهزم منهم، حتى وصل إلى أبي صير، وهي قرية عند الفيوم.. قال: ما اسم هذه القرية؟ قيل: أبو صير. قال: فإلى الله المصير، ثم دخل الكنيسة التي بها، فبلغه أن خادما له نم عليه، فأمر به فقطع رأسه، وسل لسانه وألقي على الأرض، فجاءت هرة فأكلته. ثم بعد أيام، هجم على الكنيسة التي كان نازلا بها عامر بن إسماعيل، فخرج مروان من باب الكنيسة، وفي يده سيف، وقد أحاطت به الجنود، وخفقت حوله الطبول، فتمثل ببيت الحجاج بن الحكم السلمي وهو «١» :
متقلدين صفائحا هندية ... يتركن من ضربوا كأن لم يولد
ثم قاتل حتى قتل، فأمر عامر برأسه فقطع في ذلك المكان، وسل لسانه وألقي على الأرض، فجاءت تلك الهرة بعينها فخطفته فأكلته. فقال عامر: لو لم يكن في الدنيا عجب إلا هذا، لكان كافيا، لسان مروان في فم هرة! وقال في ذلك شاعرهم:
قد يسّر الله مصرا عنوة لكم ... وأهلك الكافر الجبار إذ ظلما
فلاك مقوله هرّ يجر جرّه ... وكان ربّك من ذي الظلم منتقما
ودخل عامر بعد قتله الكنيسة، فقعد على فرش مروان، وكان مروان، حين الهجوم على الكنيسة، يتعشى، فلما سمع الوجبة، وثب عن عشائه، فأكل عامر ذلك الطعام، ودعا بابنة مروان، وكانت أسن بناته، فقالت: يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه، وأقعدك عليه، حتى تعشيت بعشائه، واستصبحت بمصباحه، ونادمت ابنته، لقد أبلغ في موعظتك، وأجمل في إيقاظك.
فاستحيا عامر وصرفها وكان قتل مروان في سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
الحكم
: يحرم أكل الهر على الصحيح، والثاني، وبه قال الليث بن سعد، يحل أكله.
واختاره أبو الحسن البوشنجي، وهو من أئمة أصحابنا، وهو حيوان طاهر لما روى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ دعي إلى دار قوم فأجاب، ودعي إلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال «٢» : «إن في دار فلان كلبا» . فقيل له: وإن في دار فلان هرة، فقال ﷺ : «الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين
стр. 1040
عليكم والطوفات» .
قال الإمام النووي، في شرح المهذب: وبيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عندنا، إلا ما حكاه البغوي، في شرح مختصر المزني، عن ابن القاص، أنه قال: لا يجوز، وهذا شاذ باطل مردود، والمشهور جوازه وبه قال جماهير العلماء.
قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها، ورخص في بيعها ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة، وسائر أصحاب الرأي.
وكرهت طائفة بيعها منهم: أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد.
وقال ابن المنذر: إن ثبت عن النبي ﷺ النهي عن بيعه، فبيعه باطل، وإلا فجائز.
احتج من منعه بحديث ابن الزبير، قال: سألت جابرا رضي الله تعالى عنه عن ثمن الكلب والسنور، فقال: نهى النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم.
وفي سنن «١» أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «نهى عن ثمن الهر» .
واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به ووجد فيه جميع شروط البيع، فجاز بيعه كالحمار والبغل، والجواب عن الحديثين من وجهين أحدهما: جواب أبي العباس بن القاص والخطابي والقفال وغيرهم، أن المراد الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها، لعدم الانتفاع بها، إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها، والثاني أن المراد نهي تنزيه. فهذان الجوابان هما المعتمدان. وأما ما ذكره الخطابي وابن عبد البر، أن الحديث ضعيف فغلط منهما لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح كما تقدم بيانه، في باب السين المهملة.
وفي السنن «٢» الأربعة، من حديث كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة، أن أبا قتادة رضي الله تعالى عنه، دخل فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصفى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟
فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات» . والطوافون الخدم، والطوافات الخادمات، جعلها بمنزلة المماليك في قوله تعالى «٣» :
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
. ومنه قول إبراهيم النخعي: إنما الهرة كبعض أهل البيت.
كذا نقله الزمخشري.
وفي المستدرك وسنن ابن ماجه وكامل بن عدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٤» : «الهرة لا تقطع
стр. 1041
الصلاة إنما هي من متاع البيت» .
فرع
: إذا كان للإنسان هرة تأخذ الطيور، وتقلب القدور، فأفلتت وأتلفت، فهل على صاحبها ضمان ما أتلفت؟ وجهان، أصحهما: نعم. سواء أتلفت ليلا أو نهارا، لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها. وكذا الحكم في كل حيوان يولع بالتعدي، أما إذا لم يعهد منها ذلك، فالأصح لا ضمان،، لأن العادة جرت بحفظ الطعام عنها، لا بربطها. وأطلق إمام الحرمين في ضمان ما تتلفه الهرة أربعة أوجه: أحدها يضمن، والثاني لا، والثالث يضمن ليلا لا نهارا، والرابع عكسه: لأن الأشياء تحفظ عنها ليلا.
وإذا أخذت الهرة حمامة أو غيرها وهي حية، جاز فتل أذنها وضرب فمها، لترسلها فإذا قصدت الحمام فأهلكت بالدفع، فلا ضمان. فإذا كانت الهرة ضارية بالإفساد فقتلها إنسان في حال إفسادها دفعا جاز ولا ضمان عليه، كقتل الصائل دفعا، وينبغي تقييد ذلك، بما إذا لم تكن حاملا لأن في قتل الحامل قتل أولادها، ولم يتحقق منهم جناية.
وأما قتلها في غير حالة الإفساد، ففيه وجهان: أصحهما عدم الجواز ويضمنها. وقال القاضي حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها، ولا يختص بحال ظهور الشر، وسؤرها طاهر لطهارة عينها، ولا يكره، فلو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل، فثلاثة أوجه: الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها، ثم ولغت لم تنجسه، والثاني تنجسه مطلقا، والثالث عكسه وغير الماء من المائعات كالماء.
الأمثال
: قالوا: «أبر من هرة» «١» أرادوا بذلك أنها تأكل أولادها من شدة الحب لهم قال الشاعر:
أما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها
وقالوا: «فلان لا يعرف هر من بر» «٢» قال ابن سيده: يعني لا يعرف الهر من الفار. وقال الزمخشري: لا يعرف من يكرهه ممن يبره، وما أحسن قول «٣» أحمد بن فارس صاحب المجمل في اللغة، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة:
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج
قال شيخنا اليافعي رحمه الله تعالى: أخبرني بعض الصالحين من أهل اليمن، أن هرة كانت تأتي الشيخ العارف الأهدل بالدال المهملة، فيطعمها من عشائه، وكان اسمها لؤلؤة، فضربها خادم الشيخ ذات ليلة فماتت، فرمى بها الخادم في خرابة، لئلا يعلم الشيخ بذلك، فلما جاء الشيخ سكت عنه ليلتين أو ثلاثا، ثم قال: أين لؤلؤة؟ فقال: ما أدري، فقال الشيخ: ما تدري، ثم ناداها
стр. 1042
لؤلؤة لؤلؤة، فجاءت تجري إليه، فأطعمها على العادة. والخواص تقدمت في باب السين في لفظ السنور.
تتمة
: قال الصاحب بن عباد أنشدني أبو الحسن بن أبي بكر الحسن بن علي العلاف البغدادي المقري الأديب قصيدة والده في الهر الذي كنى به عن ابن المعتز حين قتله المقتدر، فخشي من المقتدر ونسبها إلى الهر، وعرض به في أبيات منها.
وقيل: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الوزير أبي الحسن علي بن الفرات «١» أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه، وقيل: كان له هر يأنس به، فكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بقصيدة. وقال «٢» ابن خلكان: وهي من أحسن الشعر وأبدعه. وعددها خمسة وستون بيتا، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها، فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها وأولها:
يا هرّ فارقتنا ولم تعد ... وكنت عندي بمنزلة الولد
فكيف ننفك عن هواك وقد ... كنت لنا عدة من العدد
تطرد الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السّدد
يلقاك في البيت منهمو مدد ... وأنت تلقاهمو بلا مدد
لا عدد كان منك منفلتا ... منهم ولا واحد من العدد
لا ترهب الصيف عند هاجرة ... ولا تهاب الشتاء في الجمد
وكان يجري ولا سداد لهم ... أمرك في بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى لظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعدا ... وأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متئدا ... وتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهم ... وتبلع اللحم بلع مزدرد
أطعمك الغي لحمها فرأى ... قتلك أربابها من الرشد
حتى إذا داوموك واجتهدوا ... وساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهرا فما وقعت وكم ... أفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت و ... كاشفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
стр. 1043
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا على أحد
فلم تزل للحمام مرتصدا ... حتى سقيت الحمام بالرصد
ومنها:
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت ربّهن كما ... أذقت أفراخه يدا بيد
كأنّ حبلا حوى بجودته ... جيدك للخلق كان من مسد
كأن عيني تراك مضطربا ... فيه وفي فيك رغوة الزبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... متّ ولا مثل عيشك النكد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... أنت ومن لم يجد بها يجد
عشت حريصا يقوده طمع ... ومت ذا قاتل بلا قود
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلّا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كما ... وثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإن ... تأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزّه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسوّرك ال ... برج ولو كان جنة الخد
ومنها:
قد كنت في نعمة وفي دعة ... من العزيز المهيمن الصّمد
تأكل من فأر بيتنا رغدا ... وأين بالشاكرين للرغد
وكنت بددت شملهم زمنا ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبد ... في جوف أبياتها ولا لبد «١»
وفرغوا قعرها وما تركوا ... ما علقته يد على وتد
وفتتوا الخبز في السلال وكم ... تفتتت للعيال من كبد
ومزقوا من ثيابنا جددا ... فكلنا في المصائب الجدد
وكان ابن العلاف ينادم المعتضد بالله، فبات ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فجاء خادم ليلا فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة فقلت «٢» :
стр. 1044
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفرى والمزار بعيد
وقد ارتج علي تمامه فمن أجازه بما يوافق غرضي أجزته فارتج على الجماعة، وكانوا كلهم أفاضل، فقال «١» ابن العلاف:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود
فعاد الخادم إلى المعتضد، ثم رجع إلى ابن العلاف، وقال: يقول أمير المؤمنين: أحسنت، وأمر لك بجائزة سنية وكانت وفاة ابن العلاف سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وعمره مائة سنة.
التعبير
: الهر في الرؤيا خادم حافظ، فان خطف شيئا فهو لص الدار، وخدشه وعضه خيانة الخادم، وقال ابن سيرين: عض الهر مرض سنة، وكذلك خدشه، والهر إذا لم يكن يأمو فهو سنة فيها راحة لمن رآه، والهر الوحشي سنة فيها تعب ونصب، ومن باع هرة فإنه ينفق ماله، وقالت اليهود: الهر يعبر بالغمازين واللصوص لأن فيها المنفعة والمضرة.
وقال أرطاميدورس: الهر في المنام امرأة خداعة صخابة، وعض الهر مرض في تلك السنة.
ومن الرؤيا المعبرة أن ابن سيرين أتته امرأة فقالت: رأيت كأن سنورا أدخل رأسه في بطن زوجي فأخذ منه قطعة، فقال ابن سيرين: قد سرق لزوجك ثلاثمائة درهم وستة عشر درهما، قالت:
صدقت، فمن أين لك هذا؟ قال: من هجاء حروفه في حساب الجمل فالسين ستون والنون خمسون والواو ستة والراء مائتان، فصار المبلغ ثلاثمائة وستة عشر درهما، فاتهموا عبدا كان في جوارهم، فضربوه فأقر بالمال، ومن رأى كأنه أكل لحم سنور، فإنه يتعلم السحر والله تعالى أعلم.
الهرنصانة:
بالكسر دودة تسمى السرفة، وقد تقدمت، في باب السين المهملة.
هرثمة:
من أسماء الأسد، حكاه ابن سيده وغيره.
الهرهير:
نوع من السمك، وقال المبرد: إنه مركب من السلحفاة، ومن أسود سالح، قال:
وهو من أخبث الحيات، ينام ستة أشهر ثم لا يسلم سليمه انتهى. والظاهر أنه مشترك بين الحية والسمك.
الهرزون والهرزان:
الظليم، وقد تقدم في باب الظاء.
الهزار:
بفتح الهاء العندليب، وقد تقدم في باب الصاد المهملة في الكلام على الصعوة قول الشاعر:
الصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم
الهزبر:
بكسر الهاء وفتح الزاي واسكان الباء الموحدة وبالراء المهملة في آخره الأسد، كذا
стр. 1045
حكاه الجوهري. وقال غيره: إنه حيوان على شكل السنور الوحشي، وفي قده إلا أن لونه يخالف لونه وهو من ذوات الأنياب، ويوجد في بلاد الحبشة كثيرا، لكن يؤيد ما حكاه الجوهري ما قاله بشر بن أبي عوانة لما قتل الأسد:
أفاطم لو شهدت ببطن جب ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
إذا لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عنه مهري ... فقلت له: عقرت اليوم مهرا
أنل قدمي بطن الأرض إني ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ولحظا مكفهرا
يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا
وفي يمناي ماضي العزم أبغي ... بمضربه قراع الموت أثرا
فأنت تروم للأشبال قربا ... ومطلبي لبنت العم مهرا
فلما ظن أن النصح غشّ ... وخال مقالتي زورا وهجرا
مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان يطلباه وعرا
هززت له الحسام فخلت أني ... سللت به لدى الظلماء فجرا
وجدت بضربة جاءته شفعا ... بساعد ماجد تركته وترا
فخرّ مجندلا فحسبت أني ... هدمت له بناء مشمخرا
وقلت له يعز علي أني ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا
ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم تطق يا ليث صبرا
فلا تجزع فقد لاقيت حرا ... يحاذر أن يعاب فمت حرا
وأبو الهزبر الملك المؤيد صاحب اليمن داود بن الملك المظفر يوسف بن عمر، كانت دولته بضعا وعشرين سنة، وكان عالما فاضلا شجاعا، وكان عنده من الكتب نحو مائة ألف مجلد، وكان يحفظ التنبيه وغيره وأبوه الملك المظفر، وولده الملك المجاهد كانا في العلم أرفع منه درجة، وأذكى قريحة، وأشهر فضلا، تغمدهم الله برحمته.
الهرعة:
القملة، قيل: مكتوب على عرش بلقيس:
ستأتي سنون هي المعضلات ... يراع من الهرعة الأجدل
وفيها يهين الصغير الكبير ... وذو العلم يسكته الأجهل
الهف:
جنس من السمك صغار، وهو الحساس المتقدم ذكره في باب الحاء المهملة.
الهقل:
بكسر الهاء الفتى من النعام، وبه لقب محمد بن زياد الهقل الدمشقي، كاتب الأوزاعي، وكان يسكن بيروت، فغلب عليه هذا اللقب. قال ابن معين: ما كان بالشأم أوثق منه، وكان أعلم الناس بمحاسن الأوزاعي وفتياه، توفي سنة تسع وسبعين. وروى له الجماعة
стр. 1046
سوى البخاري وفي المثل قالوا: «أشم من هقل» «١» .
الهقلس:
كعملس الذئي، وقد تقدم الكلام على الذئب في باب الذال المعجمة مستوفى قال الكميت:
ونسمع أصوات الفراعل حوله ... يعاوين أولاد الذئاب الهقالسا
يعني حول الماء الذي ورده.
الهمج:
جمع همجة وهو ذباب صغار كالبعوض، يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها، اشتقوا من اسمه ما يؤكد به. فقالوا: همج هامج كقولهم: ليل لائل، وصيف صائف، ووتد واتد، ويوم أيوم، وجاهلية جهلاء، ويقال للرعاع من الناس الحمقى إنما هم الهمج.
قال علي رضي الله تعالى عنه: سبحان من أدمج قوائم الذرة والهمجة. وقال لكميل بن زياد: يا كميل القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
والرباني الراسخ في العالم بعلمه. وقال صاحب قوت القلوب، في تفسير قول علي كرم الله وجهه: هذا الهمج الفراش الذي يتهافت في النار، لجهله واحدته همجة، والرعاع الخفيف الطياش الذي لا عقل له، يستفزه الطمع، ويستخفه الغضب، ويزدهيه العجب، ويستطيله الكبر. قال: ثم بكى علي وقال: هكذا يموت العلم بموت حامله انتهى كلامه.
الهمع:
بفتح الهاء والميم: الصغير من الظباء خاصة.
الهمل:
بالتحريك الإبل بلا راع، مثل النفش إلا أن النفش لا يكون إلا ليلا، والهمل يكون ليلا ونهارا. ويقال: إبل همل وهاملة وهمال وهوامل، وتركتها هملا أي سدى، إذا أرسلتها ترعى ليلا ونهارا بلا راع. وفي المثل: «اختلط المرعي بالهمل» «٢» . والمرعى الذي له راع. قاله الجوهري. وما أحسن ما صنع الطغرائي في ختمه لاميته بقوله:
ترجو البقاء بدار لاثبات لها ... فهل سمعت بظلّ غير منتقل
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
أشار به إلى قوله تعالى «٣» : أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
أي معطلا لا يؤمر ولا ينهى.
يقال: أسديت حاجتي أي ضيعتها وابل سدى، أي ترعى حيث شاءت بلا راع كذا فسره الثعلبي وغيره.
الهملع:
بالتحريك مع تشديد اللام الذئب قال الشاعر.
والشاء لا تمشي مع الهملع
стр. 1047
أي لا تنمو مع رؤية الذئب، والمشاء هو نماء المال وزيادته. يقال: مشى الرجل وأمشى، إذا نما ماله وكثرت ماشيته، وقيل في قوله تعالى: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ
«١» إنه من المشاء، لا من المشي. قاله السهيلي، قبل خروج النبي ﷺ إلى الطائف، وأفاد بعده بسطرين أن النبي ﷺ قال لخديجة رضي الله تعالى عنه: «إن الله أعلمني أن سيزوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون» . فقالت: بالرفاء والبنين. وذكر أيضا في الحديث، أن النبي ﷺ أطعم خديجة رضي الله تعالى عنها، من عنب الجنة.
الهمهم:
الأسد قاله ابن سيده، وقد تقدم ما في الأسد.
الهنبر:
مثل الخنصر، ولد الضبع. قال أبو زيد من أسماء الضبع أم هنبر في لغة فزارة، قال الشاعر القتال الكلابي:
يا قاتل الله صبيانا تجيء بهم ... أمّ الهنيبر من زندلها واري
وقال أبو عمرو: الهنبر الجحش، ومنه قيل للأتان: أم الهنبر.
وقالوا في المثل: «أحمق من أم الهنبر» «٢» .
الهودع:
بفتح الهاء والدال المهملة وبالعين المهملة في آخره: النعامة وقد تقدم ما فيها.
الهوذة:
بفتح الهاء وسكون الواو وبعدها ذال معجمة ضرب من الطير، وقال قطرب: هي القطاة، والجمع هوذ وبذلك سمي هوذة بن علي الحنفي، الذي أرسل إليه النبي ﷺ سليط بن عمرو العامري فأكرمه وأنزله وكتب إلى النبي ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا خطيب قومي وشاعرهم، فاجعل لي بعض الأمر، فأبى النبي ﷺ . ولما قدم سليط على هوذة ومعه كتاب النبي ﷺ ، وكان فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي. سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك.
فلما قرأ الكتاب، أنزله وحياه، ورده ردا دون رد، وأجاز سليط بن عمرو بجائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر. وكتب إلى النبي ﷺ ما تقدم. فلما انصرف النبي ﷺ من فتح مكة، جاءه جبريل فأخبره أنه قد مات على نصرانيته، والله تعالى أعلم.
الهوزن:
بفتح الهاء وإسكان الواو وفتح الزاي. طائر، قاله ابن سيده، وبإبدال الواو ياء رجل من أعراب فارس، وهو القائل فيما حكى الله عنه قالُوا: ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
«٣» في قصة إبراهيم الخليل ﵊، ورميه في النار. وهو الذي جاء فيه الحديث الذي انفرد به مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ «٤» قال:
стр. 1048
«بينا رجل يمشى قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» .
الهلابع:
بضم الهاء الذئب، من قولهم: رجل هلابع أي حريص على الأكل.
الهلال:
بكسر الهاء الحية مطلقا، وقيل: الذكر من الحيات، والهلال أيضا الجمل الذي جرب حتى أداه ذلك إلى الهزال، والهلال الهلال المعروف.
الهيثم:
بفتح الهاء فرخ الحبارى، ومنه سمي الرجل هيثما، وقال الجوهري: إنه فرخ العقاب، وقيل: فرخ النسر أيضا، قاله في كفاية المتحفظ.
الهيجمانة:
الذر، وقد تقدم لفظ الذر في باب الذال المعجمة.
الهيطل:
الثعلب، وقد تقدم لفظ الثعلب في باب الثاء المثلثة.
الهيعرة:
الغول والمرأة الفاجرة والخفة والطيش.
الهيق:
بفتح الهاء وسكون الياء المثناة تحت قبل القاف: ذكر النعام وكذلك الهيقم، والميم زائدة قال الراجز:
أشمّ من هيق وأهدى من جمل
وقال آخر:
وهو يشمّ كاشتمام الهيق
الهيكل:
بفتح الهاء الفرس الطويل الضخم.
أبو هارون:
طير في حنجرته أصوات شجية تفوق النوائح، وتروق فوق كل مغن، لا يسكت بالليل البتة، يصيح إلى وقت الصباح، ويجتمع عليه الطير لا لتذاذها بسماع صوته، وربما يمر به العاشق فلا يستطيع المرور بل يقعد ويبكي على صوته الشجي، والله أعلم.
باب الواو
الوازع:
الكلب لأنه يزع الذئب عن الغنم، أي يطرده. وقد تقدم ما فيه في باب الكاف.
الواق واق:
تقدم في بابا السين مهملة، في الكلام على السعلاة عن الجاحظ، أنه نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان، والله تعالى أعلم.
الواقي:
كالقاضي: الصرد ويقال له: الواق بكسر القاف، سمي بذلك لحكاية صوته، وأنشد «١» ابن قتيبة لبعض الشعراء، وهو المرقش السدوسي:
ولقد عدوت وكنت لا ... أعدو على واق وحاتم
стр. 1049
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم
قد خطّ ذلك في السطو ... ر الأوليات القدائم
الواقي الصرد، والحاتم الغراب، وقال خيثم بن عدي «١» :
وليس بهياب إذا شدّ رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدّما ... إذا صد عن تلك الهناة الخثارم
يعني بالخثارم العاجز الضعيف الرأي المتطير، والواق أيضا طير من طير الماء أبيض ينطق بهذه الحروف.
وفي حله
الخلاف في طير الماء الأبيض، وقد تقدم أن الأصح حلها، إلا اللقلق كما قاله الرافعي.
الوبر:
بفتح الواو وتسكين الباء الموحدة دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون لا ذنب لها تقيم في البيوت، وجمعها وبورو وبارو وبارة، والأنثى وبرة، وقول الجوهري: لا ذنب لها أي لا ذنب طويل، وإلا فالوبر له ذنب قصير جدا والناس يسمون الوبر بغنم بني اسرائيل، ويزعمون أنها مسخت لأن ذنبها مع صغره، يشبه ألية الخروف، وهو قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.
فائدة
: روى «٢» البخاري، في كتاب الجهاد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحوها، فقلت: يا رسول الله أسهم لي، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تسهم له يا رسول الله فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هذا قاتل ابن قوقل. فقال ابن سعيد بن العاص: واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضان، ينعي علي قتل رجل مسلم، أكرمه الله على يدي، ولم يهنّى على يديه. قال: فلا أدري أسهم له أم لم يسهم له. وابن سعيد المذكور هو أبان، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال بعض شراح البخاري: الوبر دويبة يقال إنها تشبه السنور، وأحسب أنها تؤكل. وضان اسم جبل ويروى ضال باللام. قوله: ينعى معناه يعيب، يقال: نعيت على فلان فعله إذا عبته عليه، وخرجه البخاري أيضا في غزوة خيبر، فقال: إن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي ﷺ ، فسلم عليه فقال أبو هريرة: يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل، فقال أبان لأبي هريرة: وا عجبا لك وبر تردى من قدوم ضان ينعي عليّ امرءا أكرمه الله تعالى بيدي ومنعه أن يهينني بيده.
قال بعض الشارحين: قدوم جبل لدوس، وهي قبيلة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
стр. 1050
قال البكري، في معجمه: هكذا رواه الناس عن البخاري قدوم ضان بالنون إلا الهمداني فإنه رواه من قدوم ضال بالكلام، وهو الصواب إن شاء الله تعالى، والضال السدر البري. وأما إضافة هذه النسبة إلى الضان فلا أعلم لها معنى، وكذلك قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإلمام.
وقال ابن الأثير، في النهاية: والوبر دويبة على قدر السنور وجمعها وبر وبار، وإنما شبهه بالوبر تحقيرا له. ورواه بعضهم بفتح الباء من وبر الإبل تحقيرا له أيضا. والصحيح الأول. وابن قوقل بقافين مفتوحين، اسمه النعمان رجل مسلم قتله أبان بن سعيد في حال كفره وكان اسلام أبان بين الحديبية وخيبر، وهو الذي أجار عثمان رضي الله تعالى عنه يوم الحديبية حين بعثه النبي ﷺ إلى مكة.
وحكمه
: حل الأكل لأنه يفدى في الإحرام والحرم، وهو كالأرنب يعتلف النبات والبقول.
وقال الماوردي والروياني: إنه حيوان في عظم الجرذ إلا أنه أنبل منه وأكبر، والعرب تأكله. وقيل:
هو دويبة سوداء على قدر الأرنب وأكبر من ابن عرس، وعبارة الرافعي قريبة من ذلك. وقال مالك: لا بأس بأكله، وبه قال عطاء ومجاهد وطاووس وعمرو بن دينار وابن المنذر وأبو يوسف.
وكرهه الحكم وابن سيرين وحماد وأبو حنيفة والقاضي من الحنابلة، وقال ابن عبد البر: لا أحفظ في الوبر شيئا عن أبي حنيفة وهو عندي مثل الأرنب لا بأس بأكله، لأنه يقتات البقول والنبات والله أعلم.
الوج:
كوج الطائف، القطا والنعام وقد تقدم ما فيهما في بابيهما القاف والنون.
الوحرة:
بفتح الواو والحاء والراء دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاء، والجمع وحر، قاله الجوهري.
وقال غيره: هي بفتح الحاء وسكونها وهي وزغة شبيهة بسام أبرص تلصق بالأرض، أو ضرب من العظاء لا تطأ طعاما ولا شرابا إلا سمته، وهي على شكل سام أبرص. روى «١» الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» . ثم قال: غريب من هذا الوجه، وقوله: «لا تحقرن جارة لجارتها» إلى آخره رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا بزيادة «يا نساء المسلمات» ووحر الصدر غشه ووساوسه. وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب، وقيل: الغل اللاصق به كما تلصق الوحرة بالأرض. وكذلك رواه «٢» البخاري، في كتاب الأدب، والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا فإنه يضعف الحب ويذهب بغوائل الصدور» . وفي حديث «٣»
стр. 1051
الملاعنة «إن جاءت به أحمر قصيرا مثل الوحرة فقد كذب عليها» . وفي الحديث «١» : «من أحب أن يذهب كثيرا من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر» .
الوحش:
كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس، والجمع وحوش، يقال: حمار وحش وثور وحش، وكل شيء لا يستأنس من الناس فهو وحش. وقد تقدم في أول الباب الذي قبله، الحديث الذي رواه «٢» مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة، قسم منها رحمة بين جميع الخلائق، فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عبادة يوم القيامة» ؛ وإنما خص النبي ﷺ الوحش بالذكر، لنفورها وعدم استئناسها. وروي أن النبي ﷺ قال: «يقول الله : ابن آدم وعزتي وجلالي لئن رضيت بما قسمت لك أرحتك وأنت محمود، وإن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا تركض فيها كركض الوحش ثم لا يكون لك إلا ما قسمت لك وأنت مذموم» . وروى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من سعادة ابن آدم رضاه بما قسم الله» .
وفي الإحياء: أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵊: يا داود تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. وقال أبو القاسم الأصبهاني، في الترغيب والترهيب: قال قيس بن عبادة: بلغني أن الوحش كانت تصوم عاشوراء، وقال الفتح بن سخرب، وكان من الزهاد:
كنت أفتت للنمل خبزا في كل يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله.
تتمة مشتملة على فوائد حسنة
: قال شيخ الإسلام محي الدين النووي، في الأذكار، في باب أذكار المسافر، عند إرادة الخروج من بيته: يستحب له عند ارادته الخروج من بيته أن يصلي ركعتين، لحديث المقطم بن المقدام الصحابي أن رسول الله ﷺ قال: «ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد السفر» . رواه الطبراني. قال بعض أصحابنا:
يستحب أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة قل أعوذ برب الفلق، وفي الثانية قل أعوذ برب الناس، وإذا سلم قرأ آية الكرسي، فقد جاء أن من قرأ آية الكرسي، قبل خروجه من منزله، لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع ويستحب أن يقرأ سورة لايلاف قريش فقد قال السيد الجليل، أبو الحسن القزويني، الفقيه الشافعي صاحب الكرامات الظاهرة والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة: إنه أمان من كل سوء. وقال أبو طاهر بن جحشويه: أردت سفرا، وكنت خائفا منه فدخلت على القزويني، أسأله الدعاء، فقال لي ابتداء من قبل نفسه: من أراد سفرا ففزع من عدو أو وحش، فليقرأ لإيلاف قريش، فإنها أمان من كل سوء. فقرأتها فلم يعرض لي عارض حتى الآن انتهى. قوله المقطم الصحابي وهم، لا يعرف في الصحابة من اسمه المقطم.
والحديث المذكور مرسل، فإن راويه إنما هو المقطم بن المقدام الصنعاني رواه الطبراني في كتاب المناسك، وقد وقع هذا الاسم في الأذكار مصحفا كما ترى صحف الصنعاني فجعله
стр. 1052
الصحابي وربما ظن أن ذلك تصحيف من النساخ، حتى وجد كذلك بخط الشيخ محي الدين النووي. هكذا أفادنا هذه الفائدة شيخنا الحافظ العلامة زين الدين بن عبد الرحيم العراقي ﵀ وأحسن إليه قال: والصنعاني المذكور نسبة إلى صنعاء الشام لا إلى صنعاء اليمن.
تتمة أخرى
: قوله «١» تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
أي جمعت وقوله «٢» تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
اختلف العلماء في حشر البهائم والوحش والطيّر؛ فقال عكرمة: حشرها موتها.
وقال أبي بن كعب: حشرت أي اختلطت. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حشر كل شيء الموت، غير الجن والإنس فإنهما يوفيان يوم القيامة. وقال الجمهور: الجميع تحشر وتبعث حتى الذباب ويقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقول الله تعالى: كوني ترابا فعند ذلك يتمنى الكافر أن يكون ترابا فذلك قوله حكاية عن الكافر: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«٣» قاله أبو هريرة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو ابن عباس رضي الله تعالى عنهم في إحدى الروايات والحسن البصري ومقاتل وغيرهم.
ورأيت في بعض التفاسير أن المراد بالكافر هنا إبليس لعنه الله وذلك أنه عاب آدم ﵇ كونه خلق من تراب، وافتخر عليه كونه خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والراحة والرحمة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أن يكون ترابا كالبهائم والوحش والطير.
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فيقول التراب للكافر: لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي، ثم يجول ذلك التراب في وجوه الكفار فذلك قوله «٤» تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
أي ظلمة وكآبة وكسوف وسواد، فإن قيل: ما الفرق بين الغبرة والقترة؟ قيل: إن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض قاله ابن زيد.
روى الجماعة «٥» : من حديث رافع بن خديج، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فند منّا بعير، فرماه رجل بسهم، فقال ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» .
تتمة أخرى
: قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: مما حفظت من دعاء والدتي أم محمد آمنة، ووفاتها في صفر سنة ست وخمسين وستمائة، وهو ينفع للوقاية من الأعداء، وممن يخاف شره: اللهم بتلألؤ نور بهاء حجب عرشك من أعدائي احتجبت، وبسطوة الجبروت ممن يكيدني استترت، وبطول حول شديد قوتك من كل سلطان تحصنت، وبديموم قيوم دوام أبديتك من كل شيطان استعذت، وبمكنون السر من سرسرك من كل هم وغم تخلصت، يا حامل العرش عن
стр. 1053
حملة العرش، يا شديد البطش يا حابس الوحش، احبس عني من ظلمني. واغلب من غلبني، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
«١» اهـ.
وقد فكرت في معنى قولها يا حابس الوحش، فظهر لي فيه أنها أرادت قوله «٢» ﷺ ، في قصة الحديبية، «حبسها الفيل» ، والقصة في ذلك مشهورة، وقد تقدمت.
وقال الشيخ قطب الدين أيضا: ومما حفظته من دعاء والدتي، وهو من الأدعية التي تنفع في الحجب من الأعداء: اللهم إني أسألك بسر الذات بذات السر، هو أنت أنت هو لا إله إلا أنت احتجبت بنور الله، وبنور عرش الله، وبكل اسم من أسماء الله، من عدوي وعدو الله، ومن شر كل خلق الله، بمائة ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله، ختمت على نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي، وجميع ما أعطاني ربي، بخاتم الله القدوس المنيع، الذي ختم به أقطار السموات والأرض، حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ومما جرب في الحجب عن الأعداء أيضا ويمنع من شر كل سلطان وشيطان، وسبع وهامة، أن يقول: سبع مرات عند طلوع الشمس: أشرق نور الله وظهر كلام الله وأثبت أمر الله ونفذ حكم الله استعنت بالله وتوكلت على الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، تحصنت بخفي لطف الله، وبلطيف صنع الله، وبجميل ستر الله، وبعظيم ذكر الله، وبقوة سلطان الله، دخلت في كنف الله، واستجرت برسول الله ﷺ ، برئت من حولي وقوتي، واستعنت بحول الله وقته، اللهم استرني في نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي، بسترك الذي سترت به ذاتك، فلا عين تراك، ولا يد تصل إليك، يا رب العالمين احجبني عن القوم الظالمين بقدرتك يا قوي يا متين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين، والحمد رب العالمين.
الودع:
واحدته ودعة وهو حيوان في جوف البحر، إذا قذف إلى البرمات، وله بريق ولون حسن، وتصلب كصلابة الحجر، فيثقب ويؤخذ منه القلائد، يتحلى بها النساء والصبيان. وفي داله الفتح والسكون قال الشاعر:
إن الرواة بلا فهم لما حفظوا ... مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له ... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
واسمها مشتق من ودعته أي تركته، لأن البحر ينضب عنها ويدعها، فهي ودع بالتحريك وإذا قلت الودع بالتسكين، فهو من باب ما سمي بالمصدر.
الوراء:
ولد البقرة وقد تقدم ما في البقرة في باب الباء الموحدة.
الورد:
الأسد قيل له ذلك تشبيها بلون الورد الذي يشم، ولذلك قيل للفرس ورد، وهو
стр. 1054
بين الكميت الأشقر. والأنثى وردة والجمع ورد بالضم مثل جون وجون.
ومن الأحاديث الموضوعة، ما ذكره ابن عدي وغيره، في ترجمة الحسن بن علي بن زكريا بن صالح العدوي البصري، الملقب بالذئب، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «١» : «ليلة أسري بي إلى السماء سقط إلى الأرض من عرقي فنبت منه الورد، فمن أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد» .
الورداني:
بالراء المهملة طائر متولد بين الورشان والحمام، وله غرابة لون وظرافة قد قاله الجاحظ.
الورشان:
بالشين المعجمة هو ساق حر المتقدم في باب السين المهملة، وهو ذكر القمارى، والجمع وراشين ويجمع أيضا على ورشان بكسر الراء ككروان جمع للطائر، وقيل: إنه طائر يتولد بين الفاختة والحمامة وبعضهم يسميه الورشين وفي ذلك يقول ابن عنين «٢» ملغزا:
يا علماء القريض إني ... أعجزني في القريض كشف
فخبروني عن اسم طير ... النصف ظرف والنصف حرف
وكنيته أبو الأخضر وأبو عمران وأبو النائحة. وهو أصناف منها: النوبي وهو أسود حجازي، إلا أنه أشجى صوتا منه، ومزاجه بارد رطب بالنسبة إلى مزاج الحجازيات، وصوته بين أصواتها كصوت العود بين الملاهي، والورشان يوصف بالحنو على أولاده، حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص. قال عطاء: إنه يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب. وهذه لام العاقبة مجازا قال الشاعر:
له ملك ينادي كلّ يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب
حكى القشيري، في رسالته، في باب كرامات الأولياء، أن عتبة الغلام كان يقعد فيقول: يا ورشان إن كنت أطوع لله مني فتعال فاقعد على كفي فيجيء الورشان فيقعد على كفه.
وحكمه
: حل الأكل لأنه من الطيبات.
تتمة
: كان عثمان بن سعيد أبو سعد المقرىء المصري المعروف بورش، قصيرا سمينا أشقر أزرق العينين، شديد البياض، حسن الصوت بالقراءة، ولذلك لقبه شيخه نافع بالورشان، فكان يقول له: اقرأ يا ورشان افعل يا ورشان وكان لا يكرهه ويعجبه، ويقول: استاذي نافع سماني به فغلب عليه، ثم حذف بعض الاسم فقيل له ورش. قال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع فلما دخلت المدينة، فإذا به لا يطيق أحد القراءة عليه لكثرة الطلبة، وكان لا يقرىء أحدا إلا ثلاثين آية.
قال: فتوسلت إليه ببعض أصحابه، فجئت إليه معه، فقال: هذا رجل جاء من مصر ليقرأ
стр. 1055
عليك خاصة، لم يجىء تاجرا ولا حاجا، فقال له نافع: أنت ترى ما ألقى من أبناء المهاجرين والأنصار، فقال: أريد أن تحتال له في وقت، فقال لي نافع: يا أخي يمكنك أن تبيت في المسجد؟
قلت: نعم. فبت فيه. فلما كان الفجر جاء نافع فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: نعم ها أنا ذا يرحمك الله. فقال: اقرأ فقرأت، وكنت حسن الصوت بالقراءة، فاستفتحت أقرأ فملأ صوتي مسجد رسول الله ﷺ فلما انتهيت إلى رأس الثلاثين آية، أشار إليّ أن أسكت، فسكت، فقام إليه شاب من الحلقة فقال: يا معلم الخير نحن معك بالمدينة، وهذا هاجر إليك ليقرأ عليك، وقد وهبته من نوبتي عشر آيات، وأنا أقتصر على عشرين. فقال: اقرأ، فقرأتها. ثم قام فتى أخر فقال كقول صاحبه، فقرأت عشر آيات وقعدت حتى إذا لم يبق أحد ممن له قراءة، قال لي: اقرأ فقرأت خمسين آية حتى قرأت عليه ختمات قبل أن أخرج من المدينة.
وتوفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة ومولده سنة عشرين ومائة.
الأمثال
: قالوا: «بعلة الورشان يأكل رطب المشان» بالإضافة، «ولا تقبل الرطب المشان» وهو نوع من التمر، والمشان ضرب من الرطب، والسبب في ذلك أن قوما استحفظوا عبدا لهم رطب نخلهم، فكان يأكله، فإذا عوتب على سوء الأثر فيه يقول: أكله الورشان، فقيل ذلك يضرب لمن يظهر شيئا، والمراد منه شيء آخر.
الخواص
: دمه يقطر في العين التي أصابتها طرفة أو ضربة فيحلل دمها المجتمع، وكذلك يفعل دم الحمام أيضا وقال هرمس: من داوم على أكل بيضه زاد جماعه وأورثه العشق.
التعبير
: الورشان رجل غريب مهين، ويدل على أخبار ورسل، لأنه أخبر نوحا ﵊ بنقص الماء، لما كان في السفينة. وقيل: الورشان امرأة صدوق والله أعلم.
الورقاء:
الحمامة التي يضرب لونها إلى خضرة، والورقة سواد في غبرة، ومنه قيل للرماد:
أورق وللذئبة ورقاء والجمع ورق كأحمر وحمر.
وفي الصحيحين «١» وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال له النبي ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها» ؟ قال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق؟» قال: إن فيها الورقاء قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: «هو ذاك» .
قال السهيلي، في قصة سواد بن قارب: ومن هذا الباب خبر سوداء بنت زهرة بن كلاب، وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها ورقاء، أمر بوأدها، وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة، فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك. فلما حفر لها الحافر، واراد دفنها سمع هاتفا يقول: لا تدفن الصبية وخلها في البرية، فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها، فسمع الهاتف فعاد إلى أبيها وأخبره بما سمع، فقال: إن لها لشأنا وتركها. فكانت كاهنة قريش. فقالت يوما: يا بني زهرة إن
следующие страницы →