Полный текст (1 095 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الشكل المسدس، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا، بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير، وما يقرب منه فإن المربع تخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل، فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة.
ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة، إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة، إلا المسدس. وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده، فيما هو محتاج إليه ليهنأ عيشه. فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه.
وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك المسلوع، وإذا هلك شيء منها داخل الخلايا، أخرجته الأحياء إلى خارج، وفي طبعه أيضا النظافة، فلذلك يخرج رجيعه من الخلية، لأنه منتن الريح.
وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله في الربيع أجود. والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان صافيا عذبا، يطلبه حيث كان، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية، قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاده، لأنه إذا نفد، أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك.
قال حكيم من اليونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل في الخلايا؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأبعدته، وأقصته عن الخلية، لأنه يضيق المكان، ويفني العسل، ويعلم النشيط الكسل. والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة ويضره السوس. ودواؤه أن يطرح له في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة، ويدخن باخثاء البقر.
وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود، فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه.
وأهل مصر يحولون الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر، فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا، فيخرج النحل منها ويرعى يومه أجمع، فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة منها مكانها من الخلية لا تتغير عنه.
روى «١» الإمام أحمد والحاكم والترمذي والنسائي، من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا نزل عليه الوحي، سمع عنده دوي كدوي النحل، فنزل عليه ﷺ يوما، فمكثنا ساعة، ثم سري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا» . ثم قال ﷺ : «لقد أنزل الله علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة» . ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
«٢» الآيات. قال: صحيح الإسناد.
стр. 982
قال النحاس: معنى أقامهن، عمل بهن ولم يخالف ما فيهن، كما يقال: فلان يقوم بعمله.
وروى البيهقي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها: تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
«١» .
وروى «٢» ابن ماجه، عن أبي بشر بكر بن خلف قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد، ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها. أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به» ؟ ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. والدوي صوت ليس بالعالي.
وفي حديث الإيمان: يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقوله.
وفي المستدرك عن أبي سبرة الهذلي، قال: قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فحدثني حديثا عن رسول الله ﷺ فهمته وكتبته بيدي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما حدث به عبد الله بن عمرو عن محمد رسول الله ﷺ : «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، ولا سوء الجوار ولا قطيعة الرحم» . ثم قال «٣» ﷺ : «إنما مثل المؤمن كمثل النحلة، وقعت فأكلت طيبا، ثم سقطت ولم تفسد ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر، أدخلت النار فنفخ عليها فلم تتغير ووزنت فلم تنقص. فذلك مثل المؤمن» . ثم قال: صحيح الإسناد.
وفي المعجم الأوسط للطبراني بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل بلال كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر ثم هو حلو كله» .
وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي ﷺ قال: «المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا، وقعت فلم تكسر ولم تفسد» . وفي شعب البيهقي، عن مجاهد، قال: صاحبت عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع، وكذلك النحلة كل شأنها منافع» . قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه وخفارته ومنفعته، وقنوعه وسعيه في النهار، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، فإنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره.
وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله، منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك المؤمن له آفات تفتر به عن علمه منها: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السعة، ونار الهوى انتهى.
стр. 983
وفي مسند الدارمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة، ما فعلت ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم.
فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب.
وفيه «١» أيضا، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة، ويكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء وضراء يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.
غريبة
: ذكر ابن خلكان، في ترجمة «٢» عبد المؤمن بن علي ملك الغرب، أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وأنه كان في صغره نائما في دار أبيه، وأبوه يعمل في الطين، فسمع أبوه دويا في السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم، فغطته وأقامت عليه مدة، ثم ارتفعت عنه وما تألم منها. وكان بالقرب منهم رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك، فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك جميع أهل المغرب، فكان كذلك.
وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الأعلى والأدنى، ومات عبد المؤمن في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر موته، في باب الجيم، في الجفرة.
وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: تحقيرا للدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه فيها رجيع نحلة.
وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية.
والمعروف عنه أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم، فأشرف المطعوم العسل، وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء، ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير، وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس، وعليه تقتل الرجال، وأشرف المشموم المسك، وهو دم حيوان، وأشرف المنكوح المرأة، وهو مبال في مبال. والمحقق أن العسل يخرج من بطونها، لكن لا يدري أمن فمها أو من غيره، لكن لا يتم صلاحه إلا بحمي أنفاسها. فقد صنع ارسطاطالبس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره.
وروينا في تفسير الكواشي الأوسط، أن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية، فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض
стр. 984
الناس من أن العسل من فضلات الغذاء، وأنه قد استحال في المعدة عسلا، هذه عبارته. والله أعلم.
لطيفة
: اعلم أن الله تعالى جمع في النحلة السم والعسل دليلا على كمال قدرته، وأخرج منها العسل ممزوجا بالشمع. وكذلك عمل المؤمن ممزوجا بالخوف والرجاء. وفي العسل ثلاثة أشياء:
الشفاء والحلاوة واللين، وكذلك المؤمن، قال «١» الله تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
ويخرج من الشاب خلاف ما يخرج من الكهل والشيخ، وكذلك حال المقتصد والسابق، وأمرها الله تعالى بأكل الحلال، حتى صار لعابها شفاء ودواء. وكل الذباب في النار إلا النحل.
ودواء الأطباء مر، ودواء الله حلو وهو العسل. وهي تأكل من كل الشجر، ولا يخرج منها إلا حلوا، ولا يغيرها اختلاف مأكلها. والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه وقوله «٢» تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
لا يقتضي العموم لكل علة، وفي كل إنسان، لأنه نكرة في سياق الإثبات، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل، حتى كان يدهن به الدمل والقرحة والقرصة، ويقرأ هذه الآيات، وهذا يقتضي أنه كان يحمله على العموم.
وروى ابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٣» :
«العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل» .
وروى «٤» ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «من لعق من العسل ثلاث غدوات من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء» . وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به من كل سقم.
وروي أيضا عن عوف بن ملك رضي الله تعالى عنه أنه مرض فقال: ائتوني بماء فإن الله تعالى يقول «٥» : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
ثم قال: وائتوني بعسل وقرأ الآية، ثم قال:
ائتوني بزيت فإنه من شجرة مباركة. فخلط الجميع ثم شربه فشفي.
وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال ﵊: «اسقه عسلا» فسقاه، ثم جاءه فقال: يا رسول الله إني قد سقيته عسلا، فلم يزده إلا استطلاقا فقال ﵊: «اسقه عسلا» . ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال ﷺ «اسقه عسلا» .
قال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال ﵊: «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا» فسقاه «٦» فبرىء.
стр. 985
فائدة
: قد اعترض في هذا الحديث، وفي قوله «١» ﷺ : «عليكم بهذا العود الهندي» يعني الكست، فإن فيه سبعة أشفية: منها ذات الجنب، وقوله «٢» ﷺ : «الحمى من فيح جهنم فاطفؤها بالماء» ، وقوله «٣» ﷺ : «إن في الحبة السوداء الشفاء من كل داء إلا السام» يعني الموت.
وقوله «٤» ﷺ : «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» .
أما من في قلبه مرض من الملحدة فقال: الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ومجمعون أيضا على أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة، وقرب من الهلاك، لأنه يجمع المسام ويحقن البخار المتحلل، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سببا للتلف، وينكرون أيضا مداواة ذات الجنب بالقسط مع ما فيه من الحرارة الشديدة، ويرون ذلك خطرا، وهذا الذي قاله المعترض الملحد جهالة بينة وهو فيها كما قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
«٥» ونحن نشرح الأحاديث المذكورة في هذا الموضع، ونذكر ما قاله الأطباء في ذلك ليظهر جهل هذا المعترض.
اعلم أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء الواحد دواء له في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض له، من غضب يحمي مزاجه فيتغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة ما لشخص ما، لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال ولجميع الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه، باختلاف السن والزمان والعادة، والغذاء المتقدم، والتدبير المألوف، وقوة الطباع.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها الإسهال الحادث من التخم والهيضات. وقد أجمع الأطباء، في مثل هذا، على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال، أعينت مادامت القوة باقية، وأما حبسها فضرر عندهم.
واستعجال مرض، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال لهذا الشخص المذكور في الحديث، كان من امتلاء هيضة، فدواؤه ترك الإسهال على ما هو عليه، أو تقويته فأمره ﷺ بأن يسقيه عسلا فزاده إسهالا، فزاده عسلا إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال. أو يكون الخلط الذي به، كان يوافقه شراب العسل، فثبت بما ذكرناه أن العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه ملحد جاهل بصناعة الطب، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث، بقول الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم. فلو وجدنا المشاهدة تصدق دعواهم لتأولنا كلامه ﷺ حينئذ وخرجناه على ما يصح.
وقد ذكرنا هذا الجواب وما بعده، عدة للحاجة إن اعتضدوا بمشاهدة، وليظهر جهل
стр. 986
المعترض، وأنه لا يحسن الصناعة التي اعترض بها، وانتسب إليها. وكذلك القول في الماء البارد للمحموم، فإن المعترض تقوّل على النبي ﷺ ما لم يقل، فإن النبي ﷺ لم يقل أكثر من قوله «١» :
«أطفئوها بالماء» ولم يبين صفته وحاله، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها يسقى الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه ﷺ أراد هذا النوع من الحمى.
وأما إنكاره الشفاء من ذات الجنب بالقسط فباطل أيضا. فقد قال بعض الأطباء: إن ذات الجنب، إذا حدثت من البلغم، كان القسط من علاجها. وقد ذكر جالينوس وغيره من حذاق الأطباء، أنه ينفع من وجع الصدر. وقال بعض قدماء الأطباء: إنه يستعمل حيث يحتاج إلى إسخان عضو من الأعضاء، وحيث يحتاج إلى جذب خلط من باطن البدن إلى ظاهره. وهكذا قال الرئيس ابن سينا وغيره من فحول الأطباء، وهذا يبطل ما زعمه هذا المعترض الملحد.
وأما قوله «٢» ﷺ : «فيه سبعة أشفية» فقد أطبق الأطباء في كتبهم، على أنه يدر الطمث والبول، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع، الذي في الأمعاء، إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف، إذا طلي عليه. وينفع من برودة المعدة والكبد، ومن الحمى الورد والربع وغير ذلك. وهو صنفان: بحري وهندي، فالبحري هو القسط الأبيض، وقيل هو أكثر من صنفين ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي، وأقل حرارة منه، وقيل: هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرارة منه فيها.
وقال الرئيس ابن سينا: القسط حار في الثالثة، يابس في الثانية. وقد اتفق الأطباء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط، وهو العود الهندي المذكور في الحديث، فصار ممدوحا شرعا وطبا.
وإنما عددنا منافع القسط من كتب الأطباء، لأنه ﷺ ذكر منها عددا مجملا.
وأما قوله «٣» ﷺ «في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» فيحمل أيضا على العلل الباردة على نحو ما سبق في القسط، وهو ﷺ قد يصف بحسب ما شاهده من غالب حال أصحابه، قال الإمام المازري، وقال شيخ الإسلام محيي الدين النووي، وذكر القاضي عياض كلام المازري الذي قدمناه، ثم قال: وذكر الأطباء في منفعة الحبة السوداء، التي هي الشونيز، أشياء كثيرة، وخواص عجيبة، يصدقها قوله ﷺ . فذكر جالينوس أنها تحلل النفخ، وتقتل ديدان البطن، إذا أكلت أو وضعت على البطن، وتنفع الزكام إذا قليت وصرت في خرقة وشمت، وتزيل العلة التي ينقش منها الجلد، وتقطع الثآليل المعلقة والمنكسة والخيلان، وتدر الطمث المنحبس، إذا كان احتباسه من أخلاط غليظة لزجة، وتنفع الصداع إذا طلي بها الجبين، وتقطع البثور والجرب، وتدر البول واللبن، وتحلل الأورام البلغمية، إذا تضمد بها مع خل. وتنفع من الماء العارض في العين إذا سقط بها مسحوقة بدهن، وهي تنفع من انصباب المواد أيضا، ويتمضمض
стр. 987
بها من وجع الأسنان، وتنفع من نهش الرتيلاء. وإذا بخر بها طردت الهوام.
قال القاضي: وذكر جالينوس أن من خاصيتها إذهاب حمى البلغم والسوداء، وتقتل حب القرع. وإذا علق الشونيز في عنق المزكوم ينفعه، وينفع من حمى الربع. قال: ولا تبعد منفعته من أدوية حارة لخواص فيها فقد نجد ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم الحديث، ويكون استعماله أحيانا منفردا وأحيانا مركبا.
وأما قوله ﷺ في الكمأة، وهي بفتح الكاف وإسكان الميم وبعدها همزة مفتوحة: و «ماؤها شفاء للعين» قيل: هو نفس الماء مجردا، وقيل: معناه أن يخلط ماؤها بدواء يعالج به العين، وقيل: إن كان لتبريد ما في العين من حرارة، فماؤها مجردا شفاء، وإن كان لغير ذلك فيركب مع غيره. قال الإمام النووي: والصحيح، بل الصواب أن ماءها مجردا شفاء للعين مطلقا، فيعصر ماؤها، ويجعل في العين منه. قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان أعمى وذهب بصره حقيقة، فكحل عينيه بماء الكمأة مجردا، فبرىء وعاد بصره إليه. وهو الشيخ العدل الإمام الكمال الدمشقي صاحب فقه ورواية للحديث. وكان استعماله ماء الكمأة اعتقادا في حديث النبي ﷺ ، وتبركا به، فشفاه الله لذلك.
ففي هذا الحديث والأحاديث المتقدمة بيان لما حواه النبي ﷺ من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطب، وجواز التطبب في الجملة، واستحبابه لما ذكر في الأحاديث الصحيحة من الحجامة وشرب الأدوية والسعوط، وقطع العروق والرقى وغير ذلك من الأدوية، ولا خفاء أن لله تعالى في مخلوقاته حكما وأسرارا، ولم يخلق ﷻ داء إلا وخلق له دواء علمه من علمه وجهله من جهله والله أعلم.
وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية «١» وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
إنما يراد بها أهل البيت من بني هاشم، وأنهم النحل وأن الشراب هو القرآن، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس أبي جعفر المنصور فقال له رجل: جعل الله طعامه وشرابه مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين وأبهت القائل.
فائدة أخرى
: اعلم أن للعسل أسماء كثيرة منها السنوت كسفود وسنور، وفي الحديث «٢» «عليكم بالسنى والسنوت» ومنها السلوى لأنه يسلي عن كل حلو، قال خالد بن زهير الهذلي:
وقاسمها بالله جهد الأنتم ... ألذّ من السلوى إذا ما نشورها
ومن أسمائه الحافظ والأمين، لأنه يحفظ ما يودع فيه، فيحفظ الميت أبدا واللحم ثلاثة أشهر، والفاكهة ستة أشهر.
روى «٣» أصحاب الكتب الستة، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 988
«كان يحب الحلواء، ويشرب العسل» . قال العلماء: المراد بالحلواء هنا كل حلو، وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومرتبته ومزيته، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام. والحلواء بالمد، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل ذلك اتفاقا.
وفي تاريخ أصبهان، في ترجمة أحمد بن الحسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أول نعمة ترفع من الأرض العسل» . وكان مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، المعروف بالأشتر من شيعة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وكان تابعيا رئيس قومه، وله بلاء حسن في وقعه اليرموك، وذهبت عينه يومئذ، وكان فيمن شهد حصار عثمان رضي الله تعالى عنه، وشهد وقعة الجمل وصفين. وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا رآه صرف نظره عنه وقال: كفى الله أمة محمد ﷺ شره. ولاه علي رضي الله تعالى عنه مصر، بعد قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات.
فلما بلغ ذلك عليا رضي الله تعالى عنه، قال: لليدين والفم. وقال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، حين بلغه ذلك: إن لله جنودا من العسل. وقيل: إن الذي قال ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. وهو الذي سمه. وقيل: إن الذي سمه كان عبدا لعثمان رضي الله تعالى عنه. وكانت وفاته في شهر رجب سنة سبع وثلاثين. روى له النسائي حديثين. وفي أخبار الحجاج بن يوسف أنه كتب إلى عامله بفارس: أرسل إلي من عسل خلار من النحل الأبكار، ومن الدستفشار الذي لم تمسه النار. يريد بالأبكار فراخ النحل، لأن عسلها أطيب وأصفى. وخلار موضع بفارس مشهور بجودة العسل والدستفشار كلمة فارسية معناها ما عصرته الأيدي.
الحكم
: كره مجاهد قتل النحل، ويحرم أكلها على الأصح، وإن كان عسلها حلالا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام. وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة، وهو وجه ضعيف في المذهب. ويحرم قتلها، والدليل على الحرمة نهي «١» النبي ﷺ عن قتلها. وفي الإبانة، في كتاب الحج، يكره قتلها، وما ذكره الفوراني في الإنابة من الكراهة وذكره غيره من التحريم مفرع، على منع الأكل، فإن أبحناه جاز قتله كالجراد، وكان القياس جواز قتل النحل، لأنه من ذوات الإبر، وما فيه من المنفعة يعارض بالضرر، لأنه يصول ويلدغ الآدمي وغيره.
وقد ذكر الرافعي، في كتاب الحج، أنه يجوز قتل الصقر والبازي من الجوارح ونحوها كما تقدم في الكلام عليها، في أماكنها، وعلله بأن المنفعة فيها معارضة بالمضرة، وهو اصطيادها طيور الناس، فجعلوا المضرة التي فيها مبيحة لقتلها، ولم يجعلوا المنفعة التي فيها عاصمة من القتل. إلا أنه ﷺ «نهى عن قتل النحل» «٢» ، كما تقدم، ولا شيء في قوله ﷺ إلا طاعة الله بالتسليم لأمره ﷺ .
وأما بيع النحل، وهو في الكوارة فصحيح إن رؤى جميعه، وإلا فهو بيع غائب، فإن باعها
стр. 989
وهي طائرة ففي التتمة يصح، وفي التهذيب عكسه. وصورة المسألة أن تكون الأم في الكوارة كما قاله ابن الرفعة، وإلا صح من الوجهين الصحة. والفرق بينها وبين باقي الطير من وجهين:
أحدهما أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها، والثاني أنها لا تأكل في الغالب والعادة إلا مما ترعاه، فلو توفق في صحة البيع على حبسها لربما أضر بها أو تعذر بسببه بيعها، بخلاف غيرها من الطيور.
وقال أبو حنيفة: لا يصح بيع النحل كالزنبور وسائر الحشرات، واحتج أصحابنا بأنه حيوان طاهر منتفع به، فجاز بيعه كالشاة والحمام بخلاف الزنبور والحشرات، فإنه لا منفعة فيها كدود القز، ويبقى لها في الكوارة شيئا من العسل، فإن كان الاشتيار في الشتاء وتعذر الخروج، يكون المبقي أكثر. فإن أغنى عن العسل غيره، لم يتعين إبقاء العسل. وقد قيل تشوى دجاجة وتعلق على باب الكوارة لتأكل منها.
الأمثال
: قالوا: «أنحل من نحلة» مأخوذ من النحول وهو الهزال، وقالوا: «أهدى من نحلة» وقالوا: «كلام كالعسل وفعل كالأسل» «١» وهي الرماح يضرب في اختلاف القول والفعل.
الخواص
: العسل حر يابس، جيده الشهد وهو مدر للبول مسهل يهيج القيء. وهو معطش ويستحيل إلى الصفراء يولد دما حارا، فإن طبخ بالماء ونزعت رغوته ذهبت حدته، وقلت حلاوته ونفعه، وكثر غذاؤه وإدراره للبول واطلاقه، وأجوده الخريفي الصادق الحلاوة، والكثير الربيعي المائل إلى الحمرة. ويدفع مضرته التفاح المز، وكل ما أسرع إليه الفساد من لحم وغيره إذا وضع في العسل طالت مدة مقامه، وإذا خلط العسل الذي لم يصبه ماء ولا نار ولا دخان بشيء من المسك واكتحل به نفع من نزول الماء في العين، والتلطخ به يقتل القمل والصئبان، ولعقه علاج لعضة الكلب الكلب، والمطبوخ منه نافع من السموم، ومن خاصية الشمع أن من استصحبه وقيل أكله أورثه الغم لكن لا يصيبه الاحتلام.
التعبير
: النحل في الرؤيا خصب وغنى لمن قناه مع خطر، ومن رأى كوارة نحل واستخرج منها عسلا نال مالا حلالا، فإن أخذ العسل كله ولم يترك للنحل شيئا، فإنه يجوز على قوم، فإن ترك للنحل شيئا فإنه يعدل إن كان واليا أو طالب حق، ومن رأى النحل يقع على رأسه نال ولاية ورياسة، وإن رأى ذلك ملك نال ملكا، وكذلك إذا حل بيده. والنحل للفلاحين دليل خير، وأما الجندي وغير الفلاحين فدليل مخاصمة، وذلك لصوته ولدغه. والنحل يدل على العسكر، لأنه أميره كما يتبع العسكر أميره. ومن قتل نحلا فهو عدو، ولا يحمد قتل النحل للفلاح، لأنه رزقه ومعاشه. والنحل يدل على العلماء وأصحاب التصنيف، وربما دل على الكد والكسب والجباية.
وأما العسل فإنه في المنام مال حلال بلا تعب، وهو شفاء من المرض لقوله «٢» تعالى:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
ومن رأى أنه يطعم الناس العسل، فإنه يسمعهم الكلام الحسن والقرآن بلحن طيب، ومن رأى كأنه يلعق عسلا فإنه يتزوج،
стр. 990
لقوله «١» ﷺ لامرأة رفاعة ﵄: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . وأكل العسل عناق حبيب وتقبيله.
وأما الشهد فإنه ميراث من حلال أو مال من شركة، وقال ابن سيرين: الشهد رزق حلال لأن النار لا تمسه، ومن رأى بين يديه شهدا موضوعا، فإن عنده علما عزيزا والناس يريدون سماعه منه، والشهد إذا كان وحده، فهو مال من غنيمة، فإن كان في وعاء فهو رجل صاحب علم ومال حلال، وهو للزاهد الغني مال وبر ودين، ومن رأى كأنه يأكل الشهد وفوقه العسل، فإنه ينكح أمة والله تعالى أعلم.
النحوص:
بفتح النون وضم الحاء والصاد المهملتين الأتان الحائل، والجمع نحص ونحاص.
النسر:
طائر معروف وجمعه في القلة أنسر، وفي الكثرة نسور، وكنيته أبو الأبرد وأبو الأصبع وأبو مالك وأبو المنهال وأبو يحيى، والأنثى يقال لها أم قشعم. وسمي نسرا لأنه ينسر الشيء ويبتلعه، وهو عريف الطير، ويقول في صياحه: ابن آدم عش ما شئت، فإن الموت ملاقيك. كذا قاله الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما.
قلت: وفي هذا مناسبة لما خص النسر به من طول العمر، يقال: إنه من أطول الطير عمرا، وأنه يعمر ألف سنة، وقصة لبد تأتي إن شاء الله تعالى، في الأمثال. والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار حداد كالمخالب. والبازي والنسر يسفدان كما يسفد الديك.
وزعم قوم أن الأنثى من هذا النوع، تبيض من نظر الذكر إليها، وهي لا تحضن وإنما تبيض في الأماكن العالية الضاحية للشمس، فيقوم حر الشمس للبيض مقام الحضن، وهو حاد البصر يرى الجيفة من أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسة شمه في النهاية، لكنه إذا شم الطيب مات لوقته، وهو أشد الطير طيرانا، وأقواها جناحا، حتى إنه ليطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد، وإذا وقع على جيفة وعليها عقبان تأخرت، ولم تأكل مادام يأكل منها، وكل الجوارح تخافه، وهو شره نهم رغيب إذا وقع على جيفة وامتلأ منها، لم يستطع الطيران حتى يثب وثبات، يرفع بها نفسه طبقة بعد طبقة في الهواء حتى يدخل تحت الريح، وربما صاده الضعيف من الناس في هذه الحالة، والأنثى منه تخاف على بيضها وفراخها الخفاش، فتفرش في وكرها ورق الدلب لينفر منه، وهو من أشد الطير حزنا على فراق إلفه، فإذا فارق أحدهما الآخر مات حزنا وكمدا.
ومن غريب ما ألهم أنه إذا حملت أنثاه، ذهب إلى الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة، إذا حرك سمع له حس حجرا آخر متحرك، كصوت الجرس فإذا جعله عليها أو تحتها أذهب عنها العسر، وهذا بعينه قاله القزويني في العقاب، وقد تقدم في باب العين. وليس في سباع الطير أكبر جثة منه، ويقال للنسر أيضا أبو الطير قال الشاعر:
فلا وأبي الطير المريه في الضحى ... على خالد لقد وقعت على لحم
стр. 991
والنسر سيد الطير، روى اليافعي، في كتاب نفحات الأزهار ولمحات الأنوار، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: «هبط علي جبريل فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا، فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سليمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة» .
وروى الطبراني، في معجمه الأوسط، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال:
«يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك» ؟ فقال جلا وعلا: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه. والحديث يأتي إن شاء الله تعالى بتمامه في النمر.
وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن علي بن هارون العبدي، قال: سمعت الجنيد ﵁ يقول: حق الشكر أن لا يعصي الله فيما أنعم، ومن كان لسانه رطبا بذكر الله تعالى، دخل الجنة وهو يضحك. وقال: إن لله عبادا يأوون إلى ذكر الله، كما يأوي النسر إلى وكره.
وفي الحلية، في ترجمة وهب بن منبه وغيرها، عن وهب بن منبه، قال: إن بختنصر مسخ أسدا فكان ملك السباع، ثم مسخ نسرا فكان ملك الطير، ثم مسخ ثورا فكان ملك الدواب.
وكان مسخه سبع سنين، وقلبه في ذلك كله قلب إنسان، وهو في ذلك كله يعقل عقل الإنسان، وكان ملكه قائما. ثم رده الله إلى بشريته، ورد عليه روحه، فدعا إلى توحيد الله وقال: كل إله باطل إلا الله إله السماء. فقيل لوهب: أمات مسلما؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: آمن قبل أن يموت. وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وخرب بيت الله المقدس، وأحرق كتبه، فغضب الله عليه فلم يقبل منه التوبة انتهى.
قال السدي: إن بختنصر، لما رجع إلى صورته، ورد الله عليه ملكه، كان دانيال وأصحابه، من أكرم الناس عليه، فحسدتهم المجوس، وقالوا لبختنصر: إن دانيال إذا شرب لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عارا، فجعل لهم طعاما فأكلوا وشربوا، وقال للبواب: انظر أول من يخرج للبول، فاضربه بالطبر، فإن قال: أنا بختنصر، فقل: كذبت! بختنصر أمرني بقتلك، فكان أول من قام للبول بختنصر، فلما رآه البواب، شد عليه فقال: أنا بختنصر، فقال البواب:
كذبت بختنصر أمرني بقتلك، ثم ضربه فقتله. هكذا قال أصحاب المبتدا.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن نمرود الجبار، لما حاج إبراهيم ﵊ في ربه، قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقا، فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور، فرباها حتى شبت، واتخذ تابوتا، فجعل له بابا من أعلاه وبابا من أسفله، وقعد نمرود مع رجل في التابوت، ونصب خشبات في أطراف التابوت، وجعل على رؤوسها اللحم، وربط التابوت بأرجل النسور وخلاها، فطارت وصعدت طمعا في اللحم، حتى مضى يوم وأبعدت في الهواء، فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا منها؟ ففتح ونظر، فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال له: افتح
стр. 992
الباب الأسفل، وانظر إلى الأرض، كيف تراها؟ ففعل وقال: أرى الأرض مثل اللحة والجبال مثل الدخان، فطارت النسور يوما آخر وارتفعت، حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين وانظر ففتح الأعلى، فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة. ونودي: أيها الطاغية إلى أين تريد؟
وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام، قد حمل قوسا ونشابا، فرمى بسهم، فعاد إليه السهم ملطخا بدم سمكة، قذفت بنفسها من بحر في الهواء، وقيل بدم طائر أصابه السهم. فقال: كفيت إله السماء. قال: ثم إن النمرود، أمر صاحبه أن يصوب الخشبات، وينكس اللحم ففعل، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال هفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد حدث حادث من لسماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها. فذلك قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
«١» قرأ ابن مسعود ﵁ إن كاد بالدال المهملة وقرأ العامة بالنون وقرأ ابن جريج والكسائي لتزول بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، وقرأ العامة بكسر اللام الأولى ونصب الثانية. قال الجوهري: نسر صنم لذي الكلاع بأرض حمير، وكان يغوث لمذحج، ويعوق لهمدان من أصنام قوم نوح ﵇. قال الله تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
«٢» انتهى.
وإلى هذا أشار العباس رضي الله تعالى عنه، عم النبي ﷺ ، لما أتى النبي ﷺ منصرفه من تبوك، فقال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول الله ﷺ : «قل لا يفضض الله فاك» . فأنشد العباس رضي الله تعالى عنه يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وردت نار الخليل مكتتما ... في صلبه أنت كيف يحترق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور ... وسبل الرشاد نخترق
تتمة
: روى الدارقطني، عن عقبة بن عامر الجهني، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عرج بي إلى السماء الدنيا، دخلت جنة عدن، فوقعت في يدي تفاحة، فلما وضعتها في يدي انقلبت حوراء عيناء مرضية، أشفار عينها كمقادم النسور، فقلت لها: لمن أنت؟
فقالت: للخليفة بعدك» .
الحكم
: يحرم أكله لاستخباثه، وأكله الجيف.
стр. 993
الأمثال
: قالوا: «أعمر من نسر» «١» وقالوا: «أتى الأبد على لبد» «٢» وهذا اللبد الذي هو آخر نسور لقمان بن عاد.
وكان لقمان بن عاد الأصغر، قد سيره قومه، وهم عاد الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز، إلى الحرم يستسقي لهم، ومعه رهط من قومه، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا، وكان مسيرهم شهرا. فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم، من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه، فقال: هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي، والله ما أدري كيف أصنع بهم. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا: قل شعرا لا يدرون من قاله، لعل ذلك يحركهم! فقال شعرا يؤنبهم فيه ويذكرهم الأمر الذي وفدوا لأجله، فلما غنتهم الجرادتان شعره، قال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم.
فقال مرثد بن سعد، وكان قد آمن بهود ﵊ سرا: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وأنبتم إلى ربكم سقيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، وقال شعرا يذكر فيه إسلامه. فقالوا لمعاوية بن بكر: احبس عنا مرثد بن سعد، فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا.
ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعاد، فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر، حتى أدركهم قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله، ووفد عاد يدعون. فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد.
وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد، فقال وفد عاد: اللهم اعط ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله. فقال قيل: يا إلهنا إن كان هود صادقا، فاسقنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله سحائب ثلاثا:
بيضاء وحمراء وسوداء. ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل، اختر لنفسك وقومك من هذه السحائب، فقال قيل: اخترت السحابة السوداء، فإنها أكثر السحائب ماء، فناداه مناد: اخترت رمادا رمدا لا يبقي من آل عاد أحدا.
وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل، بما فيها من النقمة، إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
الآية «٣» .
وكان أول من أبصر ما فيها، وعرف أنها ريح مهلكة، امرأة من عاد، يقال لها مهدو، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت، قالوا لها: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فلم تدع من عاد أحدا إلا أهلكته. واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه، من
стр. 994
الريح إلا ما يلين عليهم ويلذ الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن، فتحملهم بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا عن آخرهم. فلما هلكت عاد خير لقمان بين أن يعيش عمر سبع بقرات سمر من أظب عفر، في جبل وعر لا يمسها القطر، أو عمر سبعة أنسر، كلما هلك نسر خلف من بعده نسر، وكان قد سأل الله تعالى طول العمر، فاختار النسور فكان يأخذ الفرخ حين خروجه من البيضة فيربيه فيعيش ثمانين سنة، هكذا حتى هلك منها ستة فسمى السابع لبدا. فلما كبر وهرم وعجز عن الطيران، كان يقول له لقمان: انهض لبد، فلما هلك لبد مات لقمان.
وروي أن الله تعالى أمر الريح فهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل، وأرسل طير أسود، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت عن الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها.
وفي الحديث أنها خرجت على قدر خرم الخاتم.
وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إن قبر نبي الله هود ﵊ بحضر موت، في كثيب أحمر.
وقال عبد الرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم اقبر تسعة وتسعين نبيا منهم هود وشعيب وصالح واسماعيل صلى الله عليهم وسلم. وقد ذكرت العرب لبدا في أشعارها كثيرا فمن ذلك قول «١» النابغة الذبياني:
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد
وقد تقدم ما قاله الشاعر في ذكر لبد في باب اللام.
الخواص
: إذا جعل قلب النسر في جلد ذئب، وعلق على إنسان، كان محبوبا مهابا مقضي الحاجة عند السلطان وغيره، ولا يضره سبع أبدا. وإن عسر وضع امرأة فوضع تحتها ريشة من ريشه أسرعت الولادة. وإذا أخذ عظم كبير من عظامه وعلق على من يخدم الملوك والسلاطين أمن غضبهم، وكان محبوبا عندهم. وعظم فخذه الأيسر إن علق على من به سجج قديم نفعه وأبرأه.
وعقب ساقه إن علق على من به النقرس أبرأه الأيمن للأيمن والأيسر للأيسر. وإن دخن بريشة من ريشه في بيت فيه هوام طردها، ولم يبق فيه شيء منها. وكبده إذا شويت واحترقت وشربت نفعت للباه منفعة عظيمة. وإن أخذ بيضه وضرب بعضه ببعض حتى يختلط، ويمسح به الإحليل ثلاثة أيام قوي قوة عجيبة. ومرارته تنفع من الماء النازل في العين إذا اكتحل بها سبع مرات بماء بارد، وطلي بها حول العين. وإن علق فكه الأعلى على عنق إنسان في خرقة لم يقربه شيء من الهوام.
التعبير
: النسر في المنام ملك فمن رأى نسرا نازعه، فإن سلطانا يغضب عليه ويوكل به ظالما، لأن سليمان ﵊ وكل النسر على الطير، فكانت تخافه.
стр. 995
ومن ملك نسرا مطاعا أصاب ملكا عظيما، ومن ملك نسرا فطار به، وهو لا يخافه، فإنه يعلو أمره ويصير جبارا عنيدا لما تقدم عن النمرود. ومن أصاب فرخ نسر ولد له ولد يكون عظيما هاديا، فإن رأى ذلك نهارا، فإنه يمرض، فإن خدشه ذلك الفرخ طال مرضه. ورؤية النسر المذبوح تدل على موت ملك من الملوك. ومن رأى النسر من النساء الحوامل فإنها ترى المراضع والدايات.
وقالت اليهود: النسر يفسر بالأنبياء الصالحين، لأن في التوراة شبه الصالحين بالنسر، الذي يعرف وطنه ويرفرف على فراخه ويزقها. وقال ابراهيم الكرماني: النسر يعبر بأكبر الملوك لأن الله تعالى خلق ملكا على صورته، وهو موكل بأرزاق الطير. وقال جاماست: من رأى نسرا أو سمع صياحه، خاصم إنسانا.
وقال ابن المقري: من ملك نسرا أو تحكم عليه نال عزا وسلطانا ونصرة على أعدائه، وعاش عمرا طويلا فإن كان الرائي من أهل الجهد والاجتهاد انقطع عن الناس واعتزلهم، وعاش منفردا لا يأوي إلى أحد. وإن كان ملكا انتصر على أعدائه، وربما صالحهم وأمن شرهم ومكايدهم وانتفع بما عندهم من السلاح والمال، وإن كان من عوام الناس نال منزلة تليق به أو مالا وانتصر على أعدائه. وربما دلت رؤية النسر على البدعة والضلالة عن الهدى، نعوذ بالله من ذلك لقوله «١» تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
. ورؤية المؤنث منها نساء خواطىء، وصغار أولاد زنا، وكذلك العقاب. قال: وربما دلت رؤيتها على الموت لاقتناصها الأرواح، وأكلها الميتة والجيفة. وربما دل النسر على الغيرة على العيال والله تعالى أعلم.
النساف:
بفتح النون وتشديد السين طائر له منقار كبير، قاله ابن سيده.
النسناس:
قال في المحكم هو خلق في صورة الناس مشتق منهم لضعف خلقهم، وقال في الصحاح: هو جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة انتهى.
وقال المسعودي، في مروج الذهب: إنه حيوان كالإنسان له عين واحدة، يخرج من الماء ويتكلم. ومتى ظفر بالإنسان قتله. وفي كتاب القزويني، قال في الأشكال: إنه أمة من الأمم، لكل واحد منهم نصف بدن ونصف رأس ويد ورجل، كأنه إنسان شق نصفين يقفز على رجل واحدة قفزا شديدا، ويعدو عدوا شديدا منكرا ويوجد في جزائر بحر الصين.
وفي المجالسة للدينوري، عن ابن قتيبة عن عبد الرحمن بن عبد الله أنه قال: قال ابن اسحاق: النسناس خلق باليمن، لأحدهم عين ويد ورجل، يقفز بها، وأهل اليمن يصطادونهم فخرج قوم لصيدهم، فرأوا ثلاثة نفر منهم، فأدركوا واحدا منهم فعقروه وتوارى اثنان في الشجر، فذبح الذي عقر فقال أحدهم لصاحبه: إنه لسمين، فقال أحد الإثنين: إنه كان يأكل الضرو فأخذوه فذبحوه. فقال الذي ذبحه: ما أنفع الصمت! فقال الثالث: فأنا الصميت فأخذوه فذبحوه.
стр. 996
قال ابن سيده: الضر والبطم، وهو شجر الحبة الخضراء، كذا يسميه أهل اليمن.
وقال الميداني، في باب الهمزة من الأمثال: قال أبو الدقيس: إن الناس كانوا يأكلون النسناس، وهم قوم لكل منهم يد ورجل ونصف رأس ونصف بدن يقال: إنهم من نسل أرم بن سام أخي عاد وثمود ليست لهم عقول، يعيشون في الآجام على ساحل بحر الهند والعرب، يصطادونهم ويأكلونهم وهم يتكلمون بالعربية، ويتناسلون ويتسمون بأسماء العرب، ويقولون الأشعار. وفي تاريخ صنعاء أن رجلا تاجرا سافر إلى بلادهم، فرآهم يثبون على رجل واحدة، ويصعدون الشجر، ويفرون من الكلاب خوفا أن تأخذهم وسمع واحدا منهم يقول:
فررت من خوف الشراة شدّا ... إذ لم أجد من الفرار بدّا
قد كنت قدما في زماني جلدا ... فها أنا اليوم ضعيف جدا
وروى أبو نعيم، في الحلية عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ذهب الناس وبقي النسناس. قيل: ما النسناس؟ قال: الذين يتشبهون بالناس، وليسوا بالناس.
وفي المجالسة للدينوري، من كلام الحسن البصري، أنه قال: ذهب الناس وبقي النسناس، لو تكاشفتم ما تدافنتم. وهو في الفائق ونهاية ابن الأثير وغريب الهروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقيل: النسناس يأجوج ومأجوج. وقيل: خلق على صورة الناس أشبهوهم في شيء وخالفوهم في شيء وليسوا من بني آدم.
ومنه الحديث «ان حيا من عاد عصوا نبيهم فمسخهم الله نسناسا، لكل واحد منهم يد ورجل من شق واحد، ينقرون كما ينقر الطير، ويرعون كما ترعى البهائم» . ونونها الأولى مكسورة وقد تفتح. وروى أحمد في الزهد، عن مطرف بن عبد الله أنه قال: عقول الناس على قدر زمانهم. وقال: هم الناس والنسناس وأناس غمسوا في ماء الناس. قال الكريمي: سمعت أبا نعيم يقول: كثيرا ما يعجبني قول عائشة رضي الله تعالى عنها:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
لكن أبا نعيم يقول:
ذهب الناس فاستقلوا وصاروا ... خلفا في أراذل النسناس
في أناس نعدّهم من عديد ... فإذا فتّشوا فليسوا بناس
كلما جئت أبتغي النيل منهم ... بدروني قبل السؤال بياس
وبلوني حتى تمنيت أني ... منهم قد أقلت رأسا براس
الحكم
: قال القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد: لا يحل أكل النسناس لأنه على خلقة الناس. ولذلك قال الشيخ محب الدين الطبري، في شرح التنبيه: وأما هذا الحيوان، الذي تسميه العامة بالنسناس، فهو نوع من القردة، لا يعيش في الماء فينبغي تحريم أكله، لأنه يشبه القردة في
стр. 997
الخلقة والخلق والذكاء والفطنة. وأما الحيوان البحري منه ففي حكمه وحل أكله وجهان: أحدهما يحل كغيره من السمك، واختاره الروياني وغيره.
والثاني يحرم كما تقدم، وبه قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، وهو عندهما مستثنى مما عدا السمك، مما لا يعيش إلا في الماء. وترتيب الخلاف فيه: أنا إذا قلنا بتحريم ما عدا الحوت، حرم النسناس. وإن قلنا بإباحته، ففي النسناس وجهان: أحدهما التحريم كالضفدع والسرطان والتمساح. والثاني الحل ككلب الماء وإنسانه. وهذا هو الأقرب إلى نص الشافعي.
ويشهد له قول صاحب المحكم، وقول كراع في البحر المتقدم. والنسناس، فيما يقال، دابة في عداد الوحش، تصاد وتؤكل. وهو على شكل الإنسان بعين واحدة، ورجل واحدة، ويد واحدة، يتكلم كالانسان انتهى. فأفاد قوله أنها تصاد وتؤكل أنها مستطابة، وقد تقدم عن الدينوري عن أبي اسحاق أن النسناس يصاد ويؤكل. وقاله الميداني أيضا كما تقدم.
التعبير
: هو في الرؤيا رجل قليل العقل يهلك نفسه ويفعل فعلا يسقطه من أعين الناس والله أعلم.
النسنوس:
طائر يأوي الجبال، له هامة كبيرة.
النضو:
بالكسر البعير المهزول، والناقة نضوة والجمع فيهما أنضاء. وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة وأنضى فلان بعيره أي أهزله، وقد أحسن الوزير مؤيد الدين أبو اسماعيل الحسين بن علي الطغرائي صاحب لامية العجم، وكان من أفراد الدهر، وحامل لواء النظم والنثر، في قوله:
يقتلن أنضاء حبّ لا حراك به ... وينحرون كرام الخيل والإبل
وأحسن الشارح لكلامه الشيخ صلاح الدين الصفدي في ذكره العددين المتحابين هنا، وهما المائتان والعشرون، فإنه عدد زائد أجزاؤه أكثر منه، لأنها إذا جمعت كانت مائتين وأربعة وثمانين بغير زيادة ولا نقصان، والمائتان والأربعة والثمانون عدد ناقص أجزاؤه أقل منه، لأنها إذا جمعت كانت جملتها مائتين وعشرين. فكل من العددين المتحابين أجزاؤه مثل الآخر.
بيان ذلك أن العدد التام هو الذي إذا جمعت أجزاؤه كانت مثله، وهو الستة، فإن أجزاءها البسيطة الصحيحة: النصف وهو ثلاثة، والثلث هو اثنان، والسدس وهو واحد. والعدد الناقص ما إذا جمعت أجزاؤها البسيطة الصحيحة كانت أقل منه، كالثمانية فإن أجزاءها النصف والربع والثمن. وهي سبعة.
والعدد الزائد ما إذا جمعت أجزاؤه زادت عليه كالإثنى عشر فمجموع أجزائها ستة عشر، وهي تزيد على الأصل. والمائتان والعشرون لها نصف، وهو مائة وعشرة، وربع وهو خمسة وخمسون، وخمس وهو أربع وأربعون، وعشر وهو اثنان وعشرون، ونصف عشر وهو أحد عشر، وجزء من أحد عشر وهو عشرون، وجزء من اثنين وعشرين وهو عشرة، وجزء من أربع وأربعين
стр. 998
وهو خمسة، وجزء من خمسة وخمسين وهو أربعة، وجزء من مائة وعشرة وهو اثنان، وجزء من مائتين وعشرين وهو واحد. وجملة ذلك مائتان وأربعة وثمانون. والمائتان والأربعة والثمانون ليس لها إلا نصف وهو مائة واثنان وأربعون، وربع وهو أحد وسبعون، وجزء من أحد وسبعين وهو أربعة، وجزء من مائة واثنين وأربعين هو اثنان، وجزء من مائتين وأربعة وثمانين وهو واحد، وجملة ذلك من الأجزاء الصحيحة مائتان وعشرون.
فقد ظهر بهذا المثل تحاب العددين. وأصحاب الخواص يزعمون أن لذلك خاصية عجيبة في المحبة إذا جعل العدد الأقل والعدد الأكثر في شيء من المأكول وأطعم لمن يريد محبته ويجمع هذين العددين قولك: (فردكر) قال الشارح: وكنت بخلت بهذه الفائدة أن أودعها هذا الكتاب، ثم رأيت إثباتها فيه والله أعلم.
النعاب:
في فتاوى ابن الصلاح أنه اللقلق.
وحكمه
: تحريم الأكل على الأصح كما تقدم والمعروف أنه الغراب. يقال: نعب الغراب وغيره ينعب نعبا ونعيبا ونعابا وتنعابا ونعبانا، إذا صوت وقيل: إذا مد عنقه وحرك رأسه وصوت.
وفي المجالسة للدينوري، في أوائل الجزء العاشر، عن الأخوص بن حكيم قال: كان من دعاء داود ﵊: يا رازق النعاب في عشه، قال: وذلك أن الغراب إذ فقس عن فراخه، خرجت بيضا، فإذا رآها كذلك نفر عنها، فتفتح أفواهها فيرسل الله ﵎ لها ذبابا يدخل في أجوافها، فيكون ذلك غذاء لها حتى تسود، فإذا اسودت عاد الغراب فغذاها، ويرفع الله تعالى الذباب عنها. وكذلك ذكره صاحب كتاب الحجة لبيان المحجة وغيره، عن مجاهد وغيره. وقد تقدم في باب الحاء المهملة، في لفظ الحمار الوحشي أن الحريري أشار إلى ذلك في المقامة الثالثة عشر بقوله:
يا رازق النعاب في عشّه ... وجابر العظم الكسير المهيض
أتح لنا اللهم من عرضه ... من دنس الذمّ نقى رحيض
والذي رويناه في كتاب الترمذي، عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «كان من دعاء داود ﵇: «اللهم إني أسألك حبّك وحبّ من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومن أهلي ومن الماء البارد» «١» . قال: وكان رسول الله ﷺ ، إذا ذكر داود ﵇، يقول: «كان أعبد البشر» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروينا في كتاب حلية الأولياء، عن الفضيل بن عياض، ﵀، قال: قال داود ﵇: إلهي كن لابني سليمان كما كنت لي، فأوحى الله ﵎ إليه: يا داود قل لابنك سليمان، يكن لي كما كنت لي، حتى أكون له كما كنت لك.
وهذا الدعاء الذي رواه الترمذي، عن داود ﵇، روي أيضا نحوه عن نبينا ﷺ ،
стр. 999
من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال «١» : احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوب بالصلاة، فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته فقال لنا: «على مصافكم كما أنتم» . ثم انفتل إلينا فقال: «أما اني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد. فقلت: لبيك ربي. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: رب لا أدري. قال تعالى: «في الكفارات والدرجات» . وفي رواية «قلت: في الكفارات والدرجات» . قال: فما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على المكروهات. قال: ثم فيم؟ قلت: في اطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل، والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك» .
فقال رسول الله ﷺ : «إنها حق فادرسوها ثم تعلموها» . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
النعام:
معروف، يذكر ويؤنث، وهو اسم جنس مثل حمام وحمامة، وجراد وجرادة، وتجمع النعامة على نعامات. ويقال لها أم البيض وأم ثلاثين، وجماعتها بنات الهيق، والظليم ذكرها. قال الجاحظ: والفرس يسمونها اشتر مرغ، وتأويله بعير وطائر. قال «٢» الشاعر:
ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاصينا إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت: فإني ... من الطير المرفّه في الوكور
قال: ويقال لقدم البعير خف، والجمع خفاف ومنسم والجمع مناسم. وكذلك يقال في النعامة ويقال لأنثى النعام قلوص، كما يقال ذلك في الإبل، وإنما قالوا ذلك لما رأوا فيها من شبه الإبل.
قال: وتزعم الأعراب، أن النعامة ذهبت تطلب قرنين، فقطعوا أذنيها، فلذلك سميت بالظليم انتهى. وكأنهم إنما سموها ظليما لأنهم ظلموها، حين قطعوا أذنيها ولم يعطوها ما طلبت، وهذا بناء على اعتقادهم الفاسد.
والنعامة صمعاء، يقال: خرج السهم متصمعا إذا ابتلت قذذه من الدم. ويقال: أتانا بثريدة متصمعة إذا دققها وحدد رأسها، وصومعة الراهب منه، لأنها دقيقة من أعلى الرأس، ورجل أصمع القلب إذا كان حديدا ماضيا، ويقال للرجل أيضا إذا كان قصير الأذنين لاصقتين بالرأس أصمع، والمرأة صمعاء وبنو أصمع قبيلة من العرب منهم الأصمعي، واسمه عبد الملك بن قريب، وهو صاحب لغة ونحو وشعر ونوادر. فمن نوادره أنه قال: مررت في بعض سكك الكوفة، فإذا برجل قد خرج من حش على كتفه جرة وهو يقول:
وأكرم نفسي أنني إن أهنتها ... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم واستغني عن سفلة مثلك، إذا سألته قال: صنع الله بك
стр. 1000
وترك. فقلت: تراه عرفني. فأسرعت فصاح بي يا أصمعي فالتفت فقال:
لنقل الصخر من قلل الجبال ... أحبّ إلي من منن الرجال
يقول الناس: كسب فيه عار ... وكلّ العار في ذلّ السؤال
وقال الأصمعي: سألت أعرابية عن ولد لها كنت أعرفه، فقالت: مات وأنسى المصائب. ثم قالت:
وكنت أخاف الدهر ما كان آمنا ... فلما تولّى مات خوفي من الدهر
وقال: قلت لرجل من الأعراب أعرفه بالكذب: أصدقت قط؟ فقال: لولا أني أصدق في هذا لقلت: لا. وقال الأصمعي للكسائي، وهما عند الرشيد: ما معنى قول «١» الراعي؟
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
فقال الكسائي: كان محرما بالحج. فقال الأصمعي: فما أراد عدي بن زيد بقوله «٢» :
قتلوا كسرى بليل محرما ... فمضى فلم يمتع بكفن
فهل كان محرما بالحج وأي إحرام لكسرى؟ فقال الرشيد للكسائي: يا علي إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي. وروي أن الرشيد قال للأصمعي: ما أحسن ما مر بك في تقويم اللسان؟ قال:
أوصى رجل بعض بنيه فقال: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة، فيتحمل فيها فيستعير من أخيه وأبيه ومن صديقه ثوبه، ولا يجد من يعيره لسانه، وأنشد «٣» في ذلك:
وما حسن الرجال لهم بزين ... إذا لم يسعد الحسن اللسان
كفى بالمرء عيبا أن تراه ... له وجه ليس له لسان
ويروى عن الأصمعي أنه قال: وجدني أبو عمرو بن العلاء مارا في بعض أزقة البصرة فقال:
إلى أين يا أصمعي؟ فقلت: لزيارة بعض إخواني. فقال: يا أصمعي إن كان لفائدة أو عائدة، وإلا فلا. وقد أنشدني في ذلك يوسف الحلبي:
يا أيها الإخوان أوصيكم ... وصية الوالد والوالده
لا تنقلوا الأقدام إلّا إلى ... من لكم عنده فائده
إما لعلم تستفيدونه ... أو لكريم عنده مائده
وكان من كلام الأصمعي: خير العلم ما أطفأت به الحريق، وأخرجت به الغريق. وكان يقول:
أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، فيها ما عدد أبياتها المائة والمائتان. ومن عجيب ما يحكى قال أبو العيناء: كنا في جنازة الأصمعي، فحدثني أبو قلابة «٤» الشاعر، وأنشدني «٥» لنفسه:
стр. 1001
لعن الله أعظما حملوها ... نحو دار البلى على خشبات
أعظما تبغض النبي وأهل ... البيت والطيبين والطيبات
قال: ثم حدثني «١» أبو العالية الشاعر وأنشدني لنفسه أيضا:
لا درّ درّ نبات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا
وكانت وفاة الأصمعي في سنة ست عشرة مائتين بالبصرة.
والنعام، عند المتكلمين على طبائع الحيوان، ليست بطائر وإن كانت تبيض، ولها جناح وريش، ويجعلون الخفاش طيرا، وإن كان يحبل ويلد، وله أذنان بارزتان، وليس له ريش لوجود الطيران فيه، ومراعاة لقوله تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
«٢» وهم يسمون الدجاجة طيرا، وإن كانت لا تطير. وظن بعض الناس، أن النعامة متولدة من جمل وطائر، وهذا لا يصح. ومن أعاجيبها أنها تضع بيضها طولا، بحيث لو مد عليها خيط، لاشتمل على قدر بيضها، ولم تجد لشيء منه خروجا عن الآخر، ثم إنها تعطي كل بيضة منه نصيبها من الحضن، إذ كان كل بدنها لا يشتمل على عدد بيضها. وهي تخرج لعدم الطعم، فإن وجدت بيض نعامة أخرى، تحضنه وتنسى بيضها، ولعلها أن تصاد فلا ترجع إليه، ولهذا توصف بالحمق، ويضرب بها المثل في ذلك قال «٣» ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقد حي بكفي زنادا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
ويقال إنها تقسم بيضها أثلاثا: فمنه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره غذاء، ومنه ما تفتحه وتجعله في الهواء حتى يتعفن، ويتولد منه دود، فتغذي بها فراخها إذا خرجت.
قال في الكفاية: يقال عار الظليم إذا صاح، والزمار صياح الأنثى. وقال ابن قتيبة: يقال عريعر للذكر، والأنثى زمر زمارا انتهى. وقد سمى الحريري، في المقامات، النعامة باسم صوتها. فقال: ما تقول فيمن أتلف زمارة في الحرم؟ قال: عليه بدنة من النعم.
روي عن كعب الأحبار قال: لما أهبط الله تعالى آدم ﵊، جاءه ميكائيل بشيء من حب الحنطة، وقال: هذا رزقك، ورزق أولادك من بعدك، قم فاحرث الأرض، وابذر الحب. قال: ولم يزل الحب من عهد آدم ﵇، إلى زمن إدريس ﵇، كبيضة النعامة، فلما كفر الناس نقص إلى بيضة الدجاجة، ثم إلى بيضة الحمامة، ثم إلى قدر البندقة.
وكان في زمن العزيز على قدر الحمصة.
والنعام من الحيوان الذي يزاوج ويعاقب الذكر والأنثى في الحضن، وكل ذي رجلين، إذا
стр. 1002
انكسرت له أحداهما، استعان بالأخرى في نهوضه وحركته، ما خلا النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا قال «١» الشاعر:
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على أختها نهضا ولا بأستها حبوا
وليس للنعام حاسة السمع، ولكن له شم بليغ، فهو يدرك بأنفه، ما يحتاج فيه إلى السمع، فربما شم رائحة القناص من بعد، ولذلك تقول العرب: «هو أشم «٢» من نعامة» ، كما تقول: «هو أشم «٣» من ذرة» . قال ابن خالويه، في كتابه: ليس في الدنيا حيوان لا يسمع ولا يشرب الماء أبدا إلا النعام. ولا مخ له ومتى دميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية. والضب أيضا لا يشرب، ولكنه يسمع. ومن حمقها أنها إذا أدركها القناص أدخلت رأسها في كثيب رمل، تقدر أنها قد استخفت منه، وهي قوية الصبر على ترك الماء، وأشد ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح، وكلما اشتد عصوفها، كانت أشد عدوا وتبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فتذيبه وتميعه كالماء.
قال الجاحظ: من زعم أن جوف النعام إنما يذيب الحجارة، لفرط الحرارة، فقد أخطأ.
ولكن لا بد مع الحرارة من غرائز أخر، بدليل أن القدر يوقد عليها الأيام ولا تذيب الحجارة. وكما أن جوفي الكلب والذئب يذيبان العظم، ولا يذيبان نوى التمر، وكما أن الإبل تأكل الشوك وتقتصر عليه، وإن كان شديدا كالسمر، وهو شجر أم غيلان، وتلقيه روثا، وإذا أكلت الشعير ألقته صحيحا انتهى.
وإذا رأت النعامة في أذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها. وتبتلع الجمر فيكون جوفها هو العامل في إطفائه ولا يكون الجمر عاملا في إحراقه، وفي ذلك أعجوبتان إحداهما التغذي بما لا يتغذى به، والثانية الاستمراء والهضم، وهذا غير منكر، لأن السمندل يبيض ويفرخ في النار كما تقدم. وأما قول الحريري في المقامة السادسة: فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامه. فأبو نعامة هو قطري بن الفجاءة واسمه جعونة بن مازن المازني الخارجي، خرج زمن مصعب بن الزبير فبقي عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة، وكان كلما سير إليه الحجاج جيشا يستظهر قطري عليه. ويروى أن شخصا قال للحجاج: أيها الأمير، فقال الحجاج: إنما الأمير قطري بن الفجاءة، الذي إذا ركب، ركب لركوبه عشرون ألفا لا يسألونه أين يريد! وكان قطري مقداما لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطبا لنفسه وهي من أبيات الحماسة «٤» :
أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي
لأنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عزّ ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع
стр. 1003
سبيل الموت غاية كلّ حيّ ... وداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
وهذه الأبيات تشجع أجبن خلق الله تعالى. ثم توجه إلى قطري سفيان بن الأبرد الكلبي، فظهر على قطري وقتله. ولا عقب لقطري، إنما قيل لأبيه الفجاءة، لأنه كان باليمن، فقدم على أهله فجاءة فسمي بها. كذا قال ابن خلكان وغيره.
الحكم
: يحل أكل النعام بالإجماع، لأنه من الطيبات، ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنه قضوا فيه، إذا قتله المحرم أو في الحرم ببدنة. روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت ومعاوية ﵃. رواه الشافعي والبيهقي، ثم قال الشافعي: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو قول الأكثر ممن لقيت. وإنما قلنا في النعامة بدنة بالقياس لا بهذا.
واختلفوا في بيض النعام، إذا أتلفه المحرم أو في الحرم، فقال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب فيه القيمة. وقال أبو عبيدة وأبو موسى الأشعري: يجب فيه صيام يوم أو إطعام مسكين. وقال مالك: يجب فيه عشر ثمن البدنة كما في جنين الحرة غرة من عبد أو أمة قيمة عشر دية الأم. دليلنا أنه جزء من الصيد، لا مثل له من النعم، فوجبت قيمته، كسائر المتلفات التي لا مثل لها.
وأما حديث «١» أبي المهزم، الذي رواه ابن ماجه والدارقطني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه» فهو ضعيف باتفاق المحدثين، وبالغوا في تضعيفه حتى قال شعبة: أعطوه فلسا يحدثكم سبعين حديثا.
وقد تقدم ذكر أبي المهزم في الجراد أيضا، لكن في مراسيل أبي داود، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ حكم في بيض النعام، في كل بيضة صيام يوم. ثم قال أبو داود: أسند هذا الحديث والصحيح إرساله. واستدل له في المهذب، بأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله، فضمن بالجزاء كالفرخ، فإن كسر بيضا لم يحل له أكله بلا خلاف.
وفي تحريمه على الحلال طريقان: أصحهما أنه لا يحرم، لأنه لا روح فيه، ولا يحتاج إلى ذكاة، فإن كسر بيضا مذرا لم يضمنه من غير النعامة، لأنه لا قيمة له، ويضمنه من النعامة لأن لقشره قيمة. وقال الشافعي: لا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم. والمراد بالإعلام أن يجعل في صدره ريش نعام، كما فعله حمزة رضي الله تعالى عنه يوم بدر، فإنه غرز ريش النعام في صدره. وفي كتاب مناقب الشافعي، للحاكم أبي عبد الله، بإسناده عن محمد بن اسحاق، عن المزني، قال: سئل الشافعي عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل آخر، فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيسا عدا على النعامة فذبحها، واستخرج جوهرته ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة.
стр. 1004
الأمثال
: قالوا: «مثل النعامة لا طير ولا جمل» «١» . يضرب لمن لم يحكم له بخير ولا شر، وقالوا: «أروى «٢» من النعامة» ، لأنها لا تشرب الماء، فإن رأته شربته عبثا. وقالوا: «ركب جناح نعامة» «٣» . يضرب لمن جد في أمر كانهزام أو غيره، وقد تقدم في باب السين، قول الشماخ في أبياته التي رثى بها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن: مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحلة قد رفع عقيرته فقال «٤» :
جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قد مت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق
فلم يدر ذلك الراكب من هو، وكنا نتحدث بأنه من الجن. فرجع عمر رضي الله تعالى عنه من تلك الحجة فطعن فمات. وقالوا: تكلم فلان «فجمع بين الأروى والنعامة» إذا تكلم بكلمتين مختلفتين، لأن الأروى يسكن الجبال، والنعامة تسكن الفيافي، فلا يجتمعان. وقالوا: «أحمق «٥» من نعامة» و «أجبن «٦» من نعامة» . وذلك أنها إذا خافت شيئا، لا ترجع إليه بعد ذلك أبدا.
الخواص
: مرارته سم ساعة، ومخ عظامه يورث آكله السل، وذرقه إذا أحرق وسحق وطلي به على السعفة أبرأها من وقته، وقشر بيض النعام إذا طرح في الخل بعد ما يخرج جميع ما فيه، تحرك في الخل وزال من موضعه، إلى موضع آخر. وإذا عمل من الحديد الذي يأكله النعام، ويخرج منه سكين أو سيف، لم يكل أبدا ولم يقم له شيء.
التعبير
: النعامة في المنام امرأة بدوية، وقيل: النعامة نعمة، فمن ركب نعامة في منامه فإنه يركب خيل البريد، وقيل: من ركب نعامة فإنه ينكح خصيا، والنعامة تدل على الأصم لأنها لا تسمع، وقيل: تدل على النعي لأنه مشتق من اسمها، وربما دلت على النعمة. والنعامتان على نعمتين والثلاث نعامات على نعي الرائي وموته للاشتقاق والله أعلم.
النعثل:
كجعفر، الذكر من الضباع وكان أعداء عثمان رضي الله تعالى عنه يسمونه نعثلا.
النعجة:
الأنثى من الضأن والجمع نعاج ونعجات قال الشاعر:
من كان ذا بتّ فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتى
تخذته من نعجات ست ... سود نعاج من نعاج الدّست
والدست الصحراء، وكنيتها أم الأموال وأم فروة، وتطلق على الأنثى من الظباء والبقر الوحشية.
روى أحمد بن صالح السهمي، عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله تعالى
стр. 1005
عنه، قال: مرت بالنبي ﷺ نعجة، فقال: «هذه التي بورك فيها، وفي خروفها» . لكنه حديث منكر جدا. وربما كنى بالنعجة عن المرأة، قال «١» الله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
قرأ الحسن نعجة بكسر النون.
قال في التمهيد سئل المبرد عن قول الله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«٢» وهم الملائكة، والملائكة لا أزواج لهم. فقال: نحن طول الزمان نفعل مثل هذا، نقول: ضرب زيد عمرا، وإنما هذا تقدير، كان المعنى إذا وقع هكذا فيكف الحكم فيه؟ ومثله قول عدي بن زيد للنعمان: أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك؟ فقال: وما تقول؟ قال:
تقول «٣» :
ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال
وقول آخر:
شكا إلي جملي طول السّرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى
قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ولي نعجة أنثى قلت: يقال: امرأة أنثى للحسناء الجميلة، والمعنى وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها، وذلك أصلح وأزيد في تكسرها وتثنيها، ألا ترى إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال؟ وقوله:
تمشي رويدا وتكاد تنعسف
وفي مسند أبي محمد الدارمي، في باب سخاء النبي ﷺ ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن رجل من العرب، قال: زحمت رسول الله ﷺ يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجل رسول الله ﷺ ، فنفحني نفحة بسوط كان في يده، وقال: بسم الله لقد أوجعتني. قال: فبت لنفسي لائما أقول: أوجعت رسول الله ﷺ ، وبت بليلة كما يعلم الله. فلما أصبحنا، إذا برجل يقول: أين فلان؟ قال: فقلت: والله هذا الذي كان مني بالأمس. قال: فانطلقت وأنا متخوف، فقال «٤» لي رسول الله ﷺ : «إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس فأوجعتني فنفحتك نفحة بالسوط فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» .
الأمثال
: قالوا: «أعجل «٥» من نعجة إلى حوض» و «أحمق «٦» من نعجة على حوض» ، لأنها إذا رأت الماء أكبت عليه تشرب، فلا تنثني عنه إلا أن تزجر أو تطرد.
الخواص
: قرن النعجة إذا أخذ وقرىء عليه ثلاث مرات: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
«٧» . ووضع تحت رأس
стр. 1006
امرأة نائمة، من غير أن تعلم، وسئلت عن شيء أخبرت به، ولا تكاد تكتم شيئا مما تعلم.
ومرارتها إذا أحرقت وخلطت بزيت، وطلي بها الحواجب كثرت شعرها وسودته. ولبن النعاج إذا كتب به على قرطاس فلا تظهر عليه، فإذا طرح في الماء ظهرت عليه كتابة بيضاء. وإن تحملت امرأة بصوف نعجة قطعت الحبل، وقد تقدم.
التعبير
: النعجة في المنام امرأة شريفة غنية إذا كانت سمينة، لأنه قد كني عن النساء بالنعاج كما تقدم، ومن أكل لحم نعجة ورث امرأة، وصوفها ولبنها مال. ومن رأى نعجة دخلت منزله نال خصبا في تلك السنة. والنعجة الحامل خصب ومال يرتجى، ومن صارت نعجته كبشا فإن زوجته لا تحمل أبدا. وقس على هذا في جميع الإناث. والنعاج الكثيرة نساء صالحات، وربما دلت رؤيتهن على الهموم والأفكار، وفقد الأزواج وزوال المنصب لقوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«١» الآية.
النعبول:
بضم النون طائر قاله ابن دريد وغيره.
النعرة:
مثال الهمزة، ذباب ضخم أزرق العين له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحوافر خاصة. سميت نعرة بضم النون وفتح العين المهملة لنعيرها وهو صوتها قال «٢» ابن مقبل:
ترى النعرات الخضر حول لباته ... أحاد ومثنى أضعفتها صواهله
وربما دخلت في أذن الحمار، فركب رأسه ولا يرده شيء. تقول منه: نعر الحمار بالكسر، ينعر نعرا فهو نعر.
الحكم
: يحرم أكله.
الأمثال
: قالوا «٣» : «فلان في أنفه أو أذنه نعرة» ، يضرب للجامح الذي لا يستقر على شيء.
النعم:
عند اللغويين الإبل والشاء، يذكر ويؤنث.
قال الله تعالى: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها
«٤» وقال تعالى في موضع آخر: مِمَّا فِي بُطُونِهِ
«٥» والجمع أنعام وجمع الجمع أناعيم. وعند الفقهاء النعم يشمل الإبل والبقر والغنم. وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة، والأنعام الإبل والبقر والغنم.
وحكى القشيري، في تفسير قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ
«٦» أنها الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، فَهُمْ لَها مالِكُونَ
«٧» أي ضابطون مطيعون كما قال الشاعر:
стр. 1007
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
أي لا أضبطه وقوله «١» تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
قال ثعلب:
معناه لا يذكرون الله على طعامهم ولا يسمعون، كما أن الأنعام لا تفعل ذلك.
روى الشيخان وغيرهما، من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ ، قال لعلي رضي الله تعالى عنه: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» «٢» . وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة أهله، بحيث إنه إذا اهتدى به رجل واحد لا يعلم العلم، كان ذلك خيرا له من حمر النعم، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس.
والنعم كثيرة ال فائدة ، سهلة الانقياد، ليس لها شراسة الدواب، ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إليها، لم يخلق الله لها سلاحا شديدا، كأنياب السباع وبراثنها، وأنياب الحشرات وابرها، وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش. وخلقها ذلولا تقاد بالأيدي، كما قال «٣» تعالى: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
وجعل الله تعالى قرنها سلاحا لها، لتأمن به من الأعداء، ولما كان مأكلها الحشيش، اقتضت الحكمة الإلهية أن جعل له أفواها واسعة، وأسنانا حدادا، وأضراسا صلابا، لتطحن بها الحب والنوى.
فائدة
: جعل الله تعالى الأنعام رفقا بالعباد ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، قال الله تعالى: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ
«٤» فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع، ويذهبون نعمة الله فيها، ويزيلون المنفعة والمصلحة التي للعباد فيها بفعلهم الخبيث.
قال الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
«٥» فلفظ جعل في الآية لا يتجه أن يكون بمعنى خلق، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هو بمعنى ما سن ولا شرع، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد.
والبحيرة هي الناقة، كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي شقوها وحرموا ركوبها، والحمل عليها، ولم يجزوا وبرها، وتركوها تأكل حيث شاءت لا تطرد عن ماء ولا كلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها، فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها وتركوها، وحرّموا على النساء لبنها ومنافعها. وكانت منافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء، وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة إناثا سيبت، فلم تركب ظهورها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى بحر أذنها، أي شق ثم خلى سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما
стр. 1008
فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السابئة. والبحر الشق. قيل: ومنه سمي البحر بحرا لشقه الأرض، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة.
والسائبة الناقة التي سيبت، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية، إذا مرض أو غاب قريبه نذر فقال: إن شفاني الله أو شفى مريضي، أو رد غائبي، فناقتي هي سائبة ثم يسيبها كالبحيرة، فلا تحبس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد. وقال علقمة: هي العبد يسيب، أي لا ولاء عليه، ولا عقل ولا ميراث.
وقد قال ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» «١» . وقال سعيد بن المسيب: السائبة الناقة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والبحيرة الناقة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، وقيل: السائبة الناقة إذا ولدت اثنتي عشرة أنثى سيبت. والسائبة فاعلة بمعنى مفعولة كقولهم: ماء دافق أي مدفوق وعيشة راضية أي مرضية.
روى «٢» محمد بن اسحاق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأكثم بن الجون الخزاعي رضي الله تعالى عنه: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منه به ولا بك منه، ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه» . قال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر» .
وعمرو بن لحي هو أول من غير دين اسماعيل ﵊، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحام.
والوصيلة من الغنم، كانت الشاة إذا ولدت ثلاثة بطون أو خمسة أو سبعة، فإن كان آخرها جديا ذبحوه لبيت الآلهة، وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان عناقا استحيوها. فإن كان جديا وعناقا استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها فلم يذبحوه. وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا.
والحام هو الفحل من الإبل، إذا لقح من صلبه عشرة أبطن، وقيل: إذا ضرب عشر سنين، وقيل: إذا ولد من ولد ولده، وقيل: إذا ركب من ولد ولده، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه شيء، ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء، فأعلم الله تعالى أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا بقوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
«٣» وإنما هذه كلها من أفعال الجاهلية التي نهى الله عنها.
النغر:
بضم النون وفتح الغين المعجمة قال الجوهري: إنه طير كالعصافير، حمر المناقير.
والجمع نغران كصرد وصردان، قال الخطابي: أنشدني أبو عمرو فقال «٤» :
стр. 1009
يحملن أوعية السلاح كأنما ... يحملنه بأكارع النغران
ومؤنثه نغرة كهمزة، وأهل المدينة يسمونه البلبل.
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ لأمي فطيم يقال له عمير، فكان رسول الله ﷺ إذا جاءنا قال «١» : «يا أبا عمير ما فعل النغير» ؟. وعمير تصغير عمر أو عمرو، والفطيم بمعنى المفطوم. قال شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى، في الحديث فوائد كثيرة منها: جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا.
وفي الحديث: «بادروا بكنى أولادكم لا تسبق إليها ألقاب السوء» . وفيه جواز المزاح فيما ليس بإثم، وجواز تصغير بعض المسميات، وجواز التسجيع في الكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان عليه ﷺ من حسن الخلق وكرم الشمائل، والتواضع وزيارة أهل الفضل، لأن أم سليم والدة أبي عمير وأنس رضي الله تعالى عنهما، هي من محارمه ﷺ . واستدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة، ولا دلالة فيه لذلك، لأنه ليس في الحديث أنه من حرم المدينة، بل نقول: إنه صيد من الحل وأدخل الحرم. ويجوز للحلال أن يفعل ذلك، ولا يجوز له أن يصيد من الحرم، فيفرق بين ابتداء صيده، وبين استصحاب إمساكه. وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في تحريم صيد حرم المدينة، فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال ومعارضتها به. وفي الحديث أيضا دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير.
قال العلامة أبو العباس القرطبي: لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له، وأن يلهو بحبسه.
وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز، لأن النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكله. وقال غيره:
معنى قوله: يلعب به يتلهى بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على جواز حبس الطير في القفص والتلهي به لهذا الغرض وغيره.
ومنع ابن عقيل الحنبلي من ذلك، وجعله سفها وتعذيبا، لقول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: تجيء العصافير يوم القيامة، تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها، وتقول: يا رب هذا عذبني في الدنيا. والجواب: أن هذا فيمن منعها المأكول والمشروب. وقد سئل القفال عن ذلك؛ فقال: إذا كفاها المؤنة جاز، بل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها.
وكان بعض الصحابة يكره ذلك. ورأيت لأبي العباس أحمد بن القاص مصنفا حسنا على هذا الحديث، وذكر فيه أن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها، وهي تصيح، فقال:
صدقة مقبولة وحسنة مكتوبة. فقال له رجل من أصحابه: كيف ذاك يا أستاذ؟ فقال لقوله ﷺ :
«أدب الجاهل صدقة عليه» . وأنا أعرفها جاهلة.
стр. 1010
وحكمه
: حل الأكل لأنه من جنس العصافير.
النغض:
بكسر النون وفتحها الظليم، سمي بذلك لأنه يحرك رأسه، قال الله تعالى:
فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ
«١» أي يحركونها استهزاء. قال الشاعر:
أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنه يطلب شيئا أنفعا
النغف:
بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم فاء، دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة نغفة. قاله الأصمعي. وقال أبو عبيدة: هو أيضا الدود الأبيض، يكون في النوى. وما سوى ذلك من الدود فليس بنغف. وقيل: هو دود طوال سود وخضر وغبر يقطع الحرث في بطون الأرض.
روى «٢» مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه في حديثه الذي رواه في الدجال:
«ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج، فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة» . قوله: فرسى معناه قتلى، الواحدة فريس من فرس الذئب الشاة وافترسها إذا قتلها.
وروى البيهقي، في الأسماء والصفات، في باب ما ذكر فيه الكف عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم ﵇، نفضه نفض المزود فخرج منه مثل النغف، فقبض قبضتين، فقال جل وعلا لما في اليمين: هذه إلى الجنة ولا أبالي. ولما في الأخرى: هذه إلى النار ولا أبالي، ثم قال: هذا موقوف. وروي بعده بأسطر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إنّ أخذ الميثاق على بني آدم، كان بأرض عرفات.
النفار:
بالفاء كجار العصفور سمي بذلك لنفوره.
النقاز:
بالقاف والزاي طائر من صغار العصافير، كأنه مشتق من النقز وهو الوثب.
النقاقة:
الضفدع والنقيق صوتها. قالوا: «أعطش من النقاقة» «٣» . وذلك أنها إذا فارقت الماء ماتت.
النقد:
بفتح النون والقاف صغار الغنم، واحدتها نقدة وجمعها نقاد. وقال الجوهري:
النقد بالتحريك جنس من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه، تكون بالبحرين الواحدة نقدة.
الأمثال
: قالوا «٤» : «أذل من النقد» . قال الأصمعي: أجود الصوف صوف النقد. قال «٥» الكذاب الحرمازي:
ففيم يا شرّ تميم محتدا ... لو كنتم شاء لكنتم نقدا
أو كنتم قولا لكنتم فندا ... أو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم صوفا لكنتم قردا
стр. 1011
النكل:
الفرس القوي المجرب، وفي الحديث «أن الله تعالى يحب النكل على النكل» بالتحريك، يعني الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب. وهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: «إن الله يحب الرجل القوي المبدىء المعيد على الفرس القوي المبدىء المعيد» . وقد تقدم ذكر هذا الحديث في باب الفاء في الفرس.
النمر:
بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها كنظائره، ضرب من السباع فيه شبه من الأسد، إلا أنه أصغر منه، وهو منقط الجلد نقطا سودا وبيضا وهو أخبث من الأسد، لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه. والجمع أنمار وأنمر ونمور ونمار. والأنثى نمرة. وكنيته أبو الأبرد وأبو الأسود وأبو جعدة وأبو جهل وأبو خطاف وأبو الصعب وأبو رقاش وأبو سهيل وأبو عمرو وأبو المرسال. والأنثى أم الأبرد وأم رقاش. قال الأصمعي: يقال: تنمر فلان أي تنكر وتغير، لأن النمر لا تلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان. قال عمرو بن معد يكرب:
قوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقا وقدا
يريد تشبهوا بالنمر لاختلاف ألوان القد والحديد. ومزاج النمر كمزاج السبع، وهو صنفان:
صنف عظيم الجثة صغير الذنب وبالعكس. وكله ذو قهر وقوة وسطوات صادقة، ووثبات شديدة وهو أعدى عدو للحيوانات، ولا تروعه سطوة أحد، وهو معجب بنفسه، فإذا شبع نام ثلاثة أيام، ورائحة فيه طيبة بخلاف السبع، وإذا مرض وأكل الفأر زال مرضه.
وذكر الجاحظ أن النمر يحب شرب الخمر، فإذا وضع له في مكان شربه حتى يسكر فعند ذلك يصاد. وزعم قوم أن النمرة لا تضع ولدها إلا مطوقا بحية، وهي تعيش وتنهش إلا أنها لا تقتل. ومنزلته من السباع في الرتبة الثانية من الأسد، وهو ضعيف الحزم شديد الحرص يقظان الحراك. وفي طبعه عداوة الأسد، والظفر بينهما سجال، وهو نهوش خطوف بعيد الوثبة، فربما وثب أربعين ذراعا صعودا، ومتى لم يصد لم يأكل شيئا، ولا يأكل من صيد غيره وينزه نفسه عن أكل الجيف.
روى الطبراني في معجمه الأوسط، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال: «إن موسى ﵇ قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك، فقال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يألف عبادي الصالحين كما يألف الصبي الناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي كغضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لا يبالي أقل الناس أم كثروا» . وفي إسناده محمد بن عبد الله بن يحيى بن عروة، وهو متروك. وقد تقدم في النسر الإشارة إلى بعضه.
الحكم
: يحرم أكله لأنه سبع ضار.
روى «١» أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة
стр. 1012
فيها جلد نمر» . وفي رواية «وقعة» . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، في الفتاوى: جلد النمر نجس كله قبل الدباغ سواء كان مذكى أم لا، فيمتنع استعماله امتناع نجس العين. ومعنى هذا أنه يحرم استعماله قطعا فيما يجب فيه مجانبة النجاسة من صلاة وغيرها.
وهل يحرم على الاطلاق؟ فيه وجهان: وأما بعد الدباغ فنفس الجلد طاهر، والشعر الذي عليه نجس، تبعا لأصله ولأجل أنه غالب ما يستعمل منه. ورد الحديث بالنهي عنه مطلقا وفي حديث «١» آخر: «لا تركبوا النمور» . وفي حديث «٢» آخر أنه ﷺ «نهى عن جلود السباع أن تفترش» ولا شك أن النمر من السباع. فهذه الأحاديث قوية معتمدة والتأويل المتطرق إليها غير قوي، وإذا وجد الموفق مثل هذا عن رسول الله ﷺ في مثل هذا المضطرب فهو ضالته ومستروحه لا يرى عنه معدلا.
الأمثال
: قالوا: «شمر واتزر والبس جلد النمر» «٣» . يضرب لمن يؤمر بالجد والاجتهاد.
وقالوا: «لبس فلان لفلان جلد النمر» «٤» . يضرب في العداوة وكشفها.
الخواص
: إذا دفن رأسه في موضع اجتمع فيه من الفأر شيء كثير، ومرارته يكتحل بها تزيد في ضوء البصر، وتمنع نزول الماء في العين، وهي سم قاتل إن سقي منها أحد دانقا لا يتخلص منها إلا أن يشاء الله تعالى، ودماغه إذا أنتن لا يشم أحد من الناس رائحته إلا مات، هكذا حكاه ارسطاطاليس، في كتاب طبائع الحيوان.
وقيل: إن النمر يهرب من جمجمة الإنسان، وشعره إذا بخر به البيت هربت العقارب منه، وشحمه إذا أذيب وجعل في الجراحات العتيقة نظفها وأبرأها. ولحمه من أكل منه خمسة دراهم لا يضره سم الحيات والأفاعي.
وقال القزويني: إن جميع أجزائه تفعل فعل السم القاتل، وخاصة مرارته، وهذا هو الصواب. وقضيبه يطبخ ويشرب من مرقته ينفع من تقطير البول، وأوجاع المثانة. وجلده إذا أدمن الجلوس عليه بلا حائل صاحب البواسير نفعه، ومن حمل معه شيئا من جلده، يصير مهابا عند الناس. ويده وبراثنه إذا دفنت في موضع لا يعيش فيه فأر، وإذا نهش النمر إنسانا طلبه الفأر ليبول عليه، فإن فعل ذلك مات، وينبغي أن يحترس من ذلك ويصان، قاله صاحب عين الخواص. وقال بعضهم: من مسح جلده بشحم الضبع، ودخل على النمر فر النمر منه.
التعبير
: النمر في المنام سلطان جائر، أو عدو مجاهر، شديد الشوكة، فمن قتله قتل عدوا بهذه الصفة، ومن أكل من لحمه نال مالا وشرفا، ومن ركبه نال سلطانا عظيما، فإن رأى النمر ركبه ناله ضرر من سلطان أو عدو. ومن نكح نمرة تسلط على امرأة من قوم ظلمة، ومن رأى نمرا في داره هجم على داره رجل فاسق. ومن رأى أنه صاد نمرا أو فهدا نال منفعة بقدر ضرر غضبه.
وقال ارطاميدورس: النمر يدل على رجل ويدل على امرأة. وذلك بسبب تغير لونه، وهو
стр. 1013
ذو مكر وخديعة وربما دل على مرض ووجع العينين. ولبنه عداوة تضر شاربه والله تعالى أعلم.
النمس:
بنون مشددة مكسورة، وبالسين المهملة في آخره دويبة عريضة، كأنها قطعة قديد، تكون بأرض مصر، يتخذها الناظور إذا اشتد خوفه من الثعابين، لأن هذه الدويبة تقتل الثعبان وتأكله. قاله الجوهري.
وقال قوم: هو حيوان قصير اليدين والرجلين، وفي ذنبه طول يصيد الفأر والحيات ويأكلها.
وقال المفضل بن سلمة: هو الظربان، وقال الجاحظ: يزعمون أن بمصر دويبة يقال لها النمس، تنقبض وتنطوي إلى أن تصير كالفأر، فإذا انطوى عليها الثعبان زفرت ونفخت وانتفخت فيتقطع الثعبان.
وقال ابن قتيبة: النمس ابن عرس وتسميته نمسا يحتمل أن يكون مأخوذا من قولهم: نمس بالكلام أي أخفاه، ونمس الصائد إذا اختفى في الدريئة، لأنه لما كان يتماوت وتسكن أطرافه حتى تعضه الحية فيأكلها أشبه الصائد في اختفائه في الدريئة.
وحكمه
: تحريم الأكل لاستخباثه والرافعي في كتاب الحج قال: إن النمس أنواع، وبهذا يجمع بين هذه الأقوال المتباينة.
الخواص
: إذا بخر برج الحمام بذنب النمس هرب الحمام منه. ومرارته تداف ببياض البيض ويضمد بها العين فتلقط الحرارة وتقطع الدمعة، ودمه يسعط منه المجنون وزن قيراط مع لبن امرأة ويبخر به يفيق. وذكره يطبخ ويشرب من مرقته من كان به تقطير البول ووجع المثانة يبرئه. وعينه اليمنى إذا علقت في خرقة كتان على صاحب حمى الربع أبرأته، وإن علقت عليه اليسرى عادت إليه، ودماغه إذا هرس بماء الفجل ودهن ورد، ودهن به إنسان جرب ومرض مكانه من وقته، وحله أن يسحق خرؤه بدهن الزئبق ويطلى به، وخرؤه إن غرق في ماء وسقي منه إنسان خاف الليل والنهار، ويرى كأن الشياطين في طلبه.
التعبير
: النمس في الرؤيا يدل على الزنا، لأنه يسرق الدجاج، والجماعة منه في التعبير نساء، فمن نازع نمسا أو رآه في منزله فإنه ينازع إنسانا زانيا والله أعلم.
النمل:
معروف الواحدة نملة والجمع نمال، وأرض نملة ذات نمل، وطعام منمول إذا أصابه النمل، والنملة بالضم النميمة، يقال رجل نمل أي نمام، وما أحسن قول الأول:
اقنع بما تلقى بلا بلغة ... فليس ينسى ربّنا النملة
إن أقبل الدهر فقم قائما ... وإن تولّى مدبرا نم له
وكنيته أبو مشغول والنملة أم نوبة وأم مازن، وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها، وقلة قوائمها. والنمل لا يتزاوج ولا يتناكح إنما يسقط منه شيء حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيظا حتى يتكون منه، والبيض كله بالضاد المعجمة الساقطة إلا بيظ النمل، فإنه بالظاء المشالة.
والنمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئا أنذر الباقين ليأتوا إليه، ويقال إنما
стр. 1014
يفعل ذلك منها رؤساؤها. ومن طبعه أنه يحتكر قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذ احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين، ما خلا الكسفرة فإنه يقسمها أرباعا، لما ألهم من أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في ضوء القمر، ويقال إن حياته ليست من قبل ما يأكله ولا قوامه، وذلك لأنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب في استنشاق ريحه فقط. وذلك يكفيه.
وقد تقدم في العقعق والفأر عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء يحتال لقوته إلا الإنسان والعقعق والنمل والفأر، وبه جزم في الإحياء، في كتاب التوكل. وعن بعضهم أن البلبل يحتكر الطعام، ويقال: إن للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها. والنمل شديد الشم ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته، فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لأنها تصيدها في حال طيرانها. وقد أشار إلى ذلك أبو العتاهية بقوله «١» :
وإذا استوت للنمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه
وكان الرشيد كثيرا ما ينشد ذلك عند نكبة البرامكة. وقد تقدمت الإشارة إليها في باب العين المهملة في لفظ العقاب، وهو يحفر قريته بقوائمه وهي ست، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية بسبب ذلك، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل.
قال البيهقي في الشعب: وكان عدي بن حاتم الطائي يفت الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في الوحش عن الفتح بن سخرب الزاهد، أنه كان يفت الخبز لهن في كل يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله. وليس في الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره، على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف، حتى إنه يتكلف لحمل نوى التمر، وهو لا ينتفع به، وإنما يحمله على حمله الحرص والشره. ويجمع غذاء سنين لو عاش، ولا يكون عمره أكثر من سنة. ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقة، يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء ومنه ما يسمى الذر الفارسي، وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل، ومنه أيضا ما يسمى بنمل الأسد، سمي بذلك لأن مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه النمل.
فائدة
: في الصحيحين «٢» وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «نزل نبي من الأنبياء ﵈ تحت شجرة، فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، وأمر بها فأحرقت بالنار. فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة» . قال أبو عبد الله الترمذي، في نوادر الأصول: لم يعاتبه الله على تحريقها، وإنما عاتبه على كونه أخذ البريء
стр. 1015
بغير البريء.
وقال القرطبي: هذا النبي هو موسى بن عمران ﵇، وأنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع، فكأنه جل وعلا أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته نملة. فدلكهن بقدمه فأهلكهن، وأحرق مسكنهن. فأراه الله تعالى الآية في ذلك عبرة لما لدغته نملة كيف أصيب الباقون بعقوبتها، يريد الله تعالى أن ينبهه على أن العقوبة من الله تعم الطائع والعاصي فتصير رحمة وطهارة وبركة على المطيع، وسوءا ونقمة وعذابا على العاصي. وعلى هذا ليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب أو قتل على ماله من المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت للمؤمن، وسلط عليها وسلطت عليه، فإذا آذته أبيح له قتلها.
وقوله: «فهلا نملة واحدة» دليل على أن الذي يؤذي يقتل، وكل قتل كان لنفع أو دفع ضر فلا بأس به عند العلماء، ولم يخص تلك النملة التي لدغته من غيرها، لأنه ليس المراد القصاص، لأنه لو أراده لقال فهلا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: فهلا نملة، فكأن نملة تعم البريء والجاني، وذلك ليعلم أنه أراد تنبيهه لمسألة ربه تعالى في عذاب أهل قرية فيهم المطيع والعاصي.
وقد قيل: إن في شرع هذا النبي ﵇ كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: فهلا نملة واحدة، وهو بخلاف شرعنا فإن النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان بالنار. وقال «١» : «لا يعذب بالنار إلا الله تعالى» . فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق فلوارثه الاقتصاص بالإحراق للجاني.
وأما قتل النمل، فمذهبنا لا يجوز لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنخلة والهدهد والصرد» . رواه أبو داود «٢» بإسناد صحيح، على شرط الشيخين. والمراد النمل الكبير، السليماني كما قاله الخطابي والبغوي في شرح السنة. وأما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك ﵀ قتل النمل، إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، وأطلق ابن أبي زيد جواز قتل النمل إذا آذت. وقيل: إنما عاتب الله هذا النبي ﵇ لانتقامه بنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منهم، وكان الأولى به الصبر والصفح، لكن وقع للنبي ﵇، أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان. فلو انفرد له هذا النظر، ولم ينضم إليه التشفي الطبيعي، لم يعاتب فعوتب على التشفي بذلك والله أعلم.
стр. 1016
روى الدارقطني والطبراني، في معجمه الأوسط عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال:
لما كلم الله تعالى موسى ﵊، كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة المظلمة من مسيرة عشرة فراسخ.
وروى الترمذي الحكيم، في نوادره، عن معقل بن يسار، قال: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وشهد به على رسول الله ﷺ قال: ذكر رسول الله ﷺ الشرك فقال «١» : «هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا، وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم، بقولها ثلاث مرات» .
وروي أيضا عن أبي إمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال «٢» رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» .
ثم قال: «إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وسمعت أبا عثمان الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
عالم عامل معلم يدعى كثيرا في ملكوت السموات. وروي أن النملة التي خاطبت سليمان ﵊ أهدت إليه نبقة فوضعتها في كفه وقالت:
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر حين يسائله
ولكننا نهدى إلى من نحبه ... فيرضى به عنا ويشكر فاعله
وما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلا فما في ملكنا من يشاكله
فقال سليمان ﵇: بارك الله فيكم. فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله، وأكثر خلق الله توكلا على الله تعالى.
روي أن رجلا استوقف المأمون ليسمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله استوقف سليمان بن داود ﵉ لنملة ليستمع منها، وما أنا عند الله بأحقر من نملة، وما أنت عند الله بأعظم من سليمان! فقال له المأمون: صدقت، ووقف له وسمع له وقضى حاجته.
ومن شعر الإمام تاج الدين اليمني في منزل فيه نمل قوله:
ما لي أرى منزل المولى الأديب به ... نمل تجمع في أرجائه زمرا
فقال: لا تعجبن من نمل منزلنا ... فالنمل من شأنها أن تتبع الشعرا
فائدة أخرى
: قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي، في تفسير قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
الآية «٣» . وادي النمل بالشأم كثير النمل. فإن قيل: لم أتى بعلى؟ قلت: لوجهين أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف
стр. 1017
الاستعلاء، الثاني: أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشيء إذا بلغ آخره، فتكلمت النملة بذلك، وهذا غير مستبعد، فإن حصول العلم والنطق لها ممكن في نفسه، والله سبحانه قادر على كل الممكنات.
وحكي عن قتادة أنه دخل الكوفة، فاجتمع عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا، وهو يومئذ غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟
فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ فقال: من قوله تعالى: قالَتْ
ولو كانت ذكرا لقال قال نملة، لأن النملة مثل الحمامة والشاة، في وقوعها على الذكر والأنثى، قال: ورأيت في بعض الكتب أن تلك النملة، إنما أمرت رعيتها بالدخول في مساكنها، لئلا ترى النعم التي أوتيها سليمان وجنوده، فتقع في كفران نعمة الله عليه. وفي هذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محظورة.
يروى أن سليمان قال لها: لم قلت للنمل ادخلوا مساكنكم أخفت عليها مني ظلما؟ قالت:
لا ولكني خشيت أن يفتنوا بما يرون من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة الله.
قال الثعلبي وغيره: إنها كانت مثل الذئب في العظم، وكانت عرجاء ذات جناحين. وذكر عن مقاتل أن سليمان ﵇ سمع كلامها من ثلاثة أميال.
وقال بعض أهل التذكير: إنها تكلمت بعشرة أنواع من البديع، قولها: يا
«١» نادت أَيُّهَا
«٢» نبهت النَّمْلِ
«٣» سمت ادْخُلُوا
«٤» أمرت مَساكِنَكُمْ
«٥» نعتت لا يَحْطِمَنَّكُمْ
«٦» حذرت سُلَيْمانُ
«٧» خصت وَجُنُودُهُ
«٨» عمت وَهُمْ
«٩» أشارت لا يَشْعُرُونَ
«١٠» اعتذرت. والمشهور أنه النمل الصغار. واختلف في اسمها فقيل: كان اسمها طاخية، وقيل كان اسمها حزمى. قيل: كان نمل الوادي كالذئاب، وقيل: كالبخاتي.
قال السهيلي، في التعريف والاعلام: ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم، والنمل لا يسمي بعضه بعضا! ولا الآدمي يمكنه تسمية واحدة منها باسم علم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضه من بعض، ولا هم أيضا واقعون تحت ملك بني آدم، كالخيل والكلاب ونحوهما، لأن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب.
فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامة وجعار في الضبع ونحو هذا كثير، فالجواب أن هذا ليس من أمر النمل، لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل. وثعالة ونحوه مختص بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوا، وله وجه فهو أن تكون هذه النملة الناطقة، قد سميت بهذا الاسم في التوراة، أو في الزبور، أو في بعض الصحف، أو سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به جميع الأنبياء قبل سليمان أو بعده، وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها، ومعنى قولنا: وإيمانها أنها قالت للنمل: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
، وهو التفاتة مؤمن أي أن سليمان ﵇ من عدله وفضله، وفضل جنوده، لا يحطمون نملة فما فوقها، إلا وهم لا يشعرون.
стр. 1018
وقد قيل: إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله:
ضاحكا، إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون: تبسم تبسّم الغضبان، وتبسم تبسم المستهزىء، وتبسم تبسم الضحك، وتبسم الضحك، إنما هو من سرور ولا يسر نبي بأمر دنيا، وإنما يسر بما كان من أمر الدين فقولها: وهم لا يشعرون إشارة إلى الدين والعدل انتهى.
فائدة أخرى
: روى أبو داود والحاكم وصححه، أن النبي ﷺ قال للشفاء بنت عبد الله:
«علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة» «١» . وفي صحيح مسلم «٢» ، أن النبي ﷺ أرخص في الرقية من النملة، والنملة قروح تخرج في الجنب من البدن، ورقيتها شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، وهو أن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، أراد النبي ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة، لأنه ألقى إليها سرا فأفشته. فكان هذا من لغو الكلام ومزاحه. كقوله ﷺ للعجوز: «لا تدخل الجنة عجوز» «٣» .
ورأيت في بعض الكتب، بخط بعض الأئمة الحفاظ، أن رقية النملة أن يصوم راقيها ثلاثة أيام متوالية، ثم يرقيها بكرة كل يوم من الثلاثة، عند طلوع الشمس، فيقول: اقسطري وانبرجي فقد نوه بنوه بربطش ديبقت اشف أيها الجرب بألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويكون في أصبعه زيت طيب، يمسح به عليها ويتفل على الموضع عقب الرقية قبل المسح بالزيت فافهم.
روى الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا النملة فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين، واسقنا مطرا تنبت لنا به شجرا، وتطعمنا به ثمرا، فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد كفيتم وسقيتم بغيركم» .
فوائد
: قال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبو عبد الله الكواز قال: حدثتني حبيبة مولاة الأحنف بن قيس، أن الأحنف بن قيس رآها تقتل نملة فقال: لا تقتليها، ثم دعا بكرسي فجلس عليه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إني أحرج عليكن إلا خرجتن من داري فاخرجن فإني أكره أن تقتلن في داري، قال: فخرجن فما رؤي فيه منهن بعد ذلك اليوم واحدة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي فعل ذلك حرج على النمل، وأكثر علمي أنه جلس على كرسي كان يجلس عليه لوضوء الصلاة، ثم رأيت النمل قد خرجن من بعد ذلك كبار سود فلم أرهن بعد ذلك.
ورأيت بخط بعض المشايخ لإذهاب النمل أن يكتب في إناء نظيف. هذه الأسماء، وتغسل
стр. 1019
بماء وترش في بيت النمل، فإنه يذهب ولا يطلع، وهو: الحمد لله باهيا شراهيا سأريكم باهيا شراهيا. ورأيت أيضا، في بعض المصنفات، أن يكتب على أربع شقف نيئات، وتجعل في أربع أركان المكان الذي فيه النمل، فإن النمل يرحل وربما مات، وهو وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
«١» لا تسكنوا في منزلنا فتفسدوا، اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
«٢» ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
«٣» فماتوا كذلك يموت النمل من هذا المكان ويذهب بقدرة الله.
ومما جرب أيضا فوجدناه نافعا أن يكتب على لوح ما عز ويوضع على قرية النمل، فإنه يرحل وهو: ق ول هـ ال ح ق ول هـ ال م ل ك الله الله الله وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون. قالَتْ نَمْلَةٌ: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «٤»
، اهيا اهيا شراهيا أدونائى آل شدائى ارحل أيها النمل من هذا المكان بحق هذه الأسماء وبألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ف ق ج م م خ م ت.
ومن المجربات أيضا أنك إذا كان لك حلواء أو عسل أو سكر أو ما هو شبيه بذلك وكان في إناء، ومررت بيديك على شفته، وقلت: هذا لوكيل القاضي، أو هذا لرسول القاضي، أو هذا لغلام القاضي. فإن النمل لا يقربه، وقد فعل ذلك مرارا وشوهد فلا يصل الذر إليه.
الحكم
: يكره أكل ما حملته النمل بفيها وقوائمها، لما روى الحافظ أبو نعيم في الطب النبوي، عن صالح بن خوات بن جبير، عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ «نهى أن يؤكل ما حملت النمل بفيها وقوائمها» ، ويحرم أكل النمل لورود النهي عن قتله، وقد تقدم.
ونقل الرافعي في البيع، وجها عن أبي الحسن العبادي أنه يجوز بيع النمل بعسكر مكرم، لأنه يعالج به السكر، وبنصيبين لأنه يعالج به العقارب الطيارة، وعسكر مكرم قرية من قرى الأهواز والسكر بفتح السين والكاف ومراده بالعقارب الطيارة الجراد.
الأمثال
: قالوا: «ما عسى أن يبلغ عض النمل» «٥» ، يضرب لمن لا يبالي بوعيده، وقالوا:
«أحرص من نملة» و «أروى «٦» من نملة» لأنها تكون في الفلوات فلا تشرب ماء وقالوا: «أضعف وأكثر «٧» وأقوى «٨» من النمل» .
وحكي أن رجلا قال لبعض الملوك: جعل الله قوتك مثل قوة النمل، فأنكر عليه فقال: ليس من الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وقد أهلك الله بالنمل أمة من الأمم وهي جرهم.
وفي سيرة ابن هشام، في غزوة حنين عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لقد
стр. 1020
رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون، مثل النجاد الأسود نزل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا هو نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم أشك أنها الملائكة ولم تكن إلا هزيمة القوم.
الخواص
: بيظ النمل وهو بالظاء المشالة كما تقدم، إذا أخذ وسحق وطلي به موضع منع انبات الشعر فيه، وإذا نثر بيظه بين قوم تفرقوا شذر مذر، ومن سقي منه وزن درهم لم يملك أسفله بل يغلبه الحبق أي الضراط، وإن سدت قريته باخثاء البقر لم يفتحها بل يهرب من مكانه، وكذلك يفعل روث القط وإذا سد جحر النمل بحجر المغناطيس مات، وإذا دقت الكرويا وجعلت في جحر النمل منعتهن الخروج، وكذلك الكمون. وإذا صب ماء السذاب في قرية النمل قتله، وإذا رش به بيت هربت البراغيث منه، وكذلك يفعل ماء السماق في البراغيث، وإذا قطر شيء من القطران في قرية النمل متن والكبريت إذا دق ونثر في قريتها هلكت، وإن علقت خرقة امرأة حائض حول شيء لم يقربه النمل. وإذا أخذت سبع نملات طوال وتركتها في قارورة مملوءة بدهن الزيبق، وسددت رأسها ودفنتها في زبل يوما وليلة ثم أخرجتها وصفيت الدهن عنها، ثم مسحت به الإحليل وما فوقه هيج الباه، وأكثر العمل وقوى الإنعاظ. مجرب.
التعبير
: النمل في الرؤيا يعبر بناس ضعفاء أصحاب حرص، والنمل يعبر أيضا بالجند والأهل، ويعبر بالحياة، فمن رأى النمل دخل قرية أو مدينة فإنه جند يدخلها، ومن سمع كلام النمل نال خصبا وخيرا، ومن رأى النمل دخل منزله ومعه أحمال ثقيلة فإن الخصب والخير يدخل داره، ومن رأى النمل على فراشه كثرت أولاده، ومن رأى النمل خرج من داره نقص عدد أهله.
ومن رأى النمل يطير من مكانه وفيه مريض، فإن المريض يهلك أو يسافر من ذلك المكان قوم ويلقون شدة، والنمل يدل على خصب ورزق لأنه لا يكون إلا في مكان فيه الرزق، وإذا رأى المريض كأن النمل يدب على جسده فإنه يموت، لأن النمل حيوان أرضي بارد. وقال جاماست:
من رأى النمل يخرج من مكانه ناله هم والله تعالى أعلم.
النهار:
ولد الحبارى، قالت العرب: «أحمق من نهار» ، قال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: قد اختلف اللغويون في النهار، فقال قوم: هو فرخ القطاة، وقال قوم: إنه ذكر البوم، والأنثى صيف، وقيل: إنه ذكر الحبارى، والأنثى ليل، وقيل: إنه فرخ الحبارى، قال الشاعر:
ونهار رأيت منتصف الليل ... وليل رأيت وسط النهار
وهذا القول هو الصواب والله أعلم.
النهاس:
بتشديد النون الأولى، وبالسين في آخر، الأسد.
النهس:
طائر يشبه الصرد، إلا أنه غير ملمع يديم تحريك ذنبه ويصيد العصافير، وجمعه نهسان كصرد وصردان. وقال ابن سيده: النهس ضرب من الصرد، وسمي بذلك لأنه ينهس اللحم. والنهس أصله أكل اللحم بطرف الأسنان، والنهش بالشين المعجمة أكله بجميعها والطير إذا أكل اللحم إنما يأكله بطرف منقاره فلذلك سمي نهسا.
следующие страницы →