Полный текст (1 095 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بلد إلى بلد، وماله حرام أو فيه شبهة. والله أعلم.
الجعول:
ولد النعامة لغة يمانية. قاله ابن سيده. وسيأتي لفظ النعامة في باب النون.
الجفرة:
بفتح الجيم ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز وفصلت عن أمها والذكر جفر سمي بذلك لأنه جفر جنباه أي عظما. والجمع أجفار وجفار.
فائدة:
قال ابن قتيبة، في كتابه أدب الكاتب، وكتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه وكل ما يكون إلى يوم القيامة وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري «١» بقوله:
لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم في مسك جفر
ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر
والمسك الجلد وقيل: إن ابن تومرت «٢» المعروف بالمهدي ظفر بكتاب الجفر فرأى فيه ما يكون على يد عبد «٣» المؤمن صاحب المغرب، وقصته وحليته واسمه. فأقام ابن تومرت مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه، وكان يكرمه ويقدمه على سائر أصحابه وينشد «٤» إذا أبصره:
تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط
السن ضاحكة والكف مانحة ... والنفس واسعة والوجه منبسط
ولم يصح أن ابن تومرت استخلف عبد المؤمن عند موته، وإنما راعى أصحابه إشارته في تقديمه وإكرامه فتم له الأمر. وعبد المؤمن هو الذي حمل الناس في المغرب حين تم له الأمر على مذهب مالك ﵀ في الفروع وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀ في الأصول. وكان عبد المؤمن ملكا حازما عاقلا سفاكا للدماء يقتل على الذنب الصغير. توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ومدة ولايته ثلاث وثلاثون سنة وأشهر.
وحكمها:
الحل يفدى بها اليربوع إذا قتله المحرم.
وخواصها:
وتعبيرها كالمعز والله أعلم.
جلكى:
كمرطى نوع متولد بين الحية والسمك إذا ذبح لا يخرج منه دم وعظمه رخو يؤكل مع لحمه يسمن النساء إذا أكل وهو نعم العلاج لذلك والله أعلم.
الجلالة:
من الحيوان الذي يأكل الجلة والعذرة. والجلة البعر يوضع موضع العذرة يقال:
جلت الدابة الجلة واجتلتها فهي جالة وجلالة إذا التقطتها. روى أبو داود وغيره من حديث نافع
стр. 282
عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم «أن النبي ﷺ نهى عن ركوب الجلالة «١» » . وروى الحاكم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحم الجلالة» ، وشرب لبنها وأن لا يحمل عليها ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» وروى البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «نهى عن الشرب من في السقاء عن ركوب الجلالة وعن المجثمة» «٢» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنها تكثر في الطيور والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها وجثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البروك للابل وسيأتي الكلام على الجلالة في فرع في الكلام على السخلة.
الجلم:
اليؤيؤ وهو نوع من الصقور وسيأتي ذكره فيها إن شاء الله تعالى وفي باب الياء أيضا.
الجمل:
الذكر من الإبل قال الفراء هو زوج الناقة. وكذا قال ابن مسعود لما سئل عن الجمل كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا وجمع الجمل جمال وأجمال وجمائل وجمالات.
قال الله تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
«٣» قال أكثر المفسرين: هي جمع جمال على تصحيح البناء، كرجال ورجالات وقال ابن عباس وابن جبير لجمالات قلوس السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام وقال ابن عباس أيضا: الجمالات قطع النحاس العظام وإنما يسمى البعير جملا إذا أربع.
فائدة:
كان اسم الجمل الذي ركبته عائشة رضي الله تعالى عنها يوم وقعته عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بأربعمائة درهم، وقيل بمائتي درهم، وهو الصحيح. قال ابن الأثير: مر مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، وكان من الأبطال المشهورة، وكان من أصحاب علي يوم الجمل، بعبد الله بن الزبير، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها وكان من الأبطال فتماسكا فصار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه، جعله تحته وركب على صدره فعلا ذلك مرارا، وابن الزبير يصيح «٤» بأعلى صوته:
اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي
يريد بذلك الاشتر النخعي قال ابن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم قال: ولا ينهزم من الفريقين أحد وما أخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل فأخذت الخطام فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من أنت؟ قلت: ابن
стр. 283
الزبير. فقالت: واثكل أسماء ومر بي الأشتر فعرفته فاقتتلنا فو الله ما ضربته ضربة إلا ضربني بها ستا أو سبعا فجعلت أنادي:
اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي
وضاع الخطام مني ثم أخذ مالك برجلي فرماني في الخندق، وقال: لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. وفي رواية فجاء أناس منا ومنهم، وتقاتلوا حتى تحاجزنا، وضاع مني الخطام وسمعت عليا ﵁ يقول: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط. فما سمعت قط أشد من عجيج الجمل، ثم أمر علي بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فأدخل محمد بن أبي بكر يده في الهودج.
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ ؟ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقتل طلحة رضي الله تعالى عنه في الوقعة، وكان من حزب عائشة. ورجع الزبير فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا الكرب عن رسول الله ﷺ . وأحيط بعائشة ودخل علي البصرة فبايعه أهلها، وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة وأخرج أخاها محمدا معها وشيعها علي بنفسه أميالا وسرح بنيه معها يوما وقيل: إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف وقيل سبعة عشر ألفا. ومن أصحاب علي نحو ألف وقطع علي خطام الجمل يومئذ نحو ثمانين كفا معظمهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل أخذ الخطام آخر وفي ذلك يقول الضبي «١» :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل «٢»
وكانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عقر. ونصب نبي، عند النحويين على المدح والتخصيص، وكانت وقعة الجمل يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى أو الآخرة وقيل في خامس عشرة سنة ست وثلاثين من ارتفاع الشمس إلى قريب العصر. ويروى أن عائشة أعطت الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.
وذكر: ابن خلكان وغيره أن الأشتر دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الجمل؟ فأنشدها:
أعائش لولا أنني كنت طاويا ... ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوت اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا
ونقل أنه كان في رأس ابن الزبير ﵁ ضربة عظيمة من الأشتر لو صب فيها قارورة دهن لاستقر. وروى الحاكم من حديث قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة، من حديث ابن
стр. 284
عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» والحوأب نهر بقرب البصرة والأديب الأزب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض والعواصم له! وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح. وروي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب» «١» . وهذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. وأما قول الشاعر:
شكا إلى جملي طول السرى ... يا جملي ليس إلى المشتكى
صبرا جميلا فكلانا مبتلى
فمعلوم أن الجمل لا ينطق، وإنما أراد التجوز ومقابلة الكلام بمثله كقوله «٢» تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
وكقول عمرو بن كلثوم «٣» :
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكقول الآخر:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج
يريد: أكافىء الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. وأما قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
«٤» فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر:
لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير
وقرأ ابن عباس ومجاهد الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وفسر بحبل السفينة الغليظ. وسم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها وقد ألغز فيها الشاعر فقال:
سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثرا والله يشفي من السم
كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم
وكنية الجمل أبو أيوب وأبو صفوان. وفي حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر» . وفي سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «أهدى عام
стр. 285
الحديبية في هداياه جملا كان لأبي جهل بن هشام في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين» «١» .
قال الخطابي وفيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة. وقد روي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل ويرى أن تهدى الإناث منها. وفيه دليل أيضا على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل وغيرها وقوله: يغيظ بذلك المشركين، معناه أن هذا الجمل كان معروفا لأبي جهل، فحازه النبي ﷺ ، فكان يغيظهم أن يروه في يده ﷺ ، وصاحبه قتيل سليب. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال ﷺ :
«قد تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، واياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» «٢» . والأنف الجمل المخزوم الأنف الذي لا يمتنع على قائده. وقيل: الأنف الذلول ويروى كالجمل الآنف بالمد وهو بمعناه: وفيه أن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ» والنواجذ بالذال المعجمة الأشهر أنها أقصى الأسنان أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه. وفي الحديث أنه ﷺ «ضحك حتى بدت نواجده» «٣» . والمراد ههنا الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك لأنه ﷺ كان ضحكه تبسما.
وروى الإمام أحمد أبو داود النسائي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال «٤» : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه ثم ركبتيه» . قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا وهو ما رواه الأربعة عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله ﵁ «أنه كان مع النبي ﷺ على جمل فأعيا، فنخسه النبي ﷺ ودعا له وقال: اركب فركب فكان أمام القوم قال فقال لي النبي ﷺ : كيف ترى بعيرك؟ فقلت: قد أصابته بركتك قال: أفتبيعنيه؟
فاستحييت ولم يكن لي ناضح غيره، فقلت: نعم. فما زال ﷺ يزيدني ويقول: والله يغفر لك حتى بعته بأوقية من ذهب، على أن لي ركوبه حتى أبلغ المدينة. فلما بلغتها، قال ﷺ لبلال: اعطه الثمن وزده. ثم رد ﷺ علي الجمل» «٥» . وفي كتاب ابن حيان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: «استغفر لي رسول الله ﷺ ، ليلة البعير، خمسا
стр. 286
وعشرين مرة» «١» . وبهذا استدل على جواز بيع وشرط. والخلاف فيه مقرر في كتب الفقه، قال السهيلي: والحكمة في شرائه الجمل، ورده عليه وإعطائه الثمن بزيادة، أنه ﵊ كان أخبره بأن الله تعالى أحيا أباه ورد عليه روحه. فاشترى الجمل منه. وهو مطيته كما اشترى الله أنفس الشهداء، بثمن هو الجنة. ونفس الإنسان مطيته ثم زادهم فقال «٢» لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى
وزيادة ثم رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال «٣» وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ
الآية. فأشار ﷺ بالشراء ورد الثمن والزيادة ثم رد الجمل إليه إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن الله فتشاكل الفعل والخبر. وفي مسند الإمام أحمد والحاكم، عن عبد الله بن جعفر ﵁، أن النبي ﷺ «دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ ذرفت عيناه، فمسح النبي ﷺ سنامه، وفي رواية فمسح ذفرييه، فسكن. ثم قال ﷺ : من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله فقال ﷺ : ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا لي أنك تجيعه وتدئبه» . «٤» وروى الطبراني عن جابر ﵁، قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بحرة واقم، إذ أقبل جمل يرقل حتى دنا من النبي ﷺ ، فجعل يرغو على هامته، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الجمل يستعديني على صاحبه، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، حتى إذا أعجزه وأعجفه وكبر سنه، أراد نحره، إذهب يا جابر إلى صاحبه فائت به. قلت: ما أعرفه. فقال: إنه سيدلك عليه، قال فخرج الجمل بين يدي معنقا حتى وقف بي في مجلس بني خطمة. فقلت أين رب هذا الجمل؟
فقالوا: هذا لفلان بن فلان، فجئته فقلت له: أجب رسول الله ﷺ ، فخرج معي حتى جاء رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إن جملك يزعم أنك حرثت عليه زمانا حتى إذا أعجزته وأعجفته وكبر سنه أردت أن تنحره، فقال: والذي بعثك بالحق إن ذلك لكذلك، فقال ﷺ : ما هكذا جزاء المملوك الصالح. ثم قال ﷺ : تبيعه؟ قال: نعم فابتاعه منه ثم أرسله ﷺ في الشجر حتى نصب سنامه» . فكان إذا اعتل على بعض المهاجرين والأنصار من نواضحهم شيء أعطاه إياه، فمكث كذلك زمانا.
وحكى: القشيري في رسالته وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن عن أحمد بن عطاء الروذباري، أنه قال: كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل في الرمل فقلت: جل الله، فقال الجمل: جل الله.
وحكى: القشيري عنه أيضا في باب كرامات الأولياء، قال: كلمني رجل في طريق مكة، فقال: إني رأيت جمالا والمحامل عليها وقد مدت أعناقها في الليل، فقلت سبحان الله سبحان من يحمل عنها ما هي فيه، فالتفت إلي جمل، وقال: قل جل الله. فقلت: جل الله.
غريبة:
رأيت بخط بعض العلماء المتقدمين المبرزين، أنه كان بخراسان رجل عائن، فجلس يوما إلى جماعة فمر بهم قطار جمال فقال العائن: من أي جمل تريدون أن أطعمكم من
стр. 287
لحمه؟ فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه العائن فوقع الجمل لساعته. وكان صاحب الجمل حكيما، فقال: من ربط جملي فليحله، وليقل: بسم الله عظيم الشان شديد البرهان ما شاء الله، كان حبس حابس من حجر يابس وشهاب قابس، اللهم إني رددت عين العائن عليه، وفي أحب الناس إليه وفي كبده وكليتيه لحم رقيق، وعظم دقيق فيما له يليق فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
«١» . فوقف الجمل لساعته كأن لم يكن به بأس وندرت عين العائن.
فائدة:
العائن إذا اعترف أنه قتل غيره بالعين فلا قود عليه، ولا دية ولا كفارة، وإن كانت العين حقا، لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة فيقول اللهم بارك فيه ولا تضره وأن يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وذكر القاضي حسين أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استكثر قومه ذات يوم فأمات الله تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى الله من ذلك، فقال الله تعالى له: إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم! فقال: يا رب فكيف أحصنهم؟ قال: تقول حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا، ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال القاضي: وهكذا السنة في الرجل إذا رأى نفسه سليمة وأحواله معتدلة، يقول في نفسه ذلك.
وكان القاضي يحصن تلامذته بذلك إذا استكثرهم. وذكر الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه أن العين لا تؤثر ممن له نفس شريفة لأنها استعظام للشيء وما ذكره القاضي حسين يرد ذلك.
وحكى القشيري في رسالته عن محمد بن سعيد البصري أنه قال: بينما أنا أمشي في بعض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا، ثم التفت فإذا الجمل قد وقع ميتا، ووقع الرجل والقتب، فمشيت قليلا ثم التفت، فإذا الأعرابي يقول يا مسبب كل سبب يا مؤمل كل من طلب رد على ما ذهب، يحمل الرجل والقتب، فقام الجمل وعليه الرجل والقتب. واحياء الموتى كرامة فهو وإن كان عظيما إلا أنه جائز على القول الصحيح المختار، عند المحققين المعتمدين من أئمة الأصول، إذ ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، بشرط أن لا يدعي التحدي كالنبوة. وإحياء الموتى كرامة للأولياء كثير لا ينحصر وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر طرف من ذلك في أماكنه من هذا الكتاب.
فائدة:
قال شيخنا اليافعي ﵀: لا يلزم أن يكون من له كرامة من الأولياء أفضل ممن ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض من ليس له كرامة منهم أفضل من بعض، من له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، وكمال المعرفة بالله. ولهذا قال قطب العلوم وتاج العارفين وقرة أعين الصديقين أبو القاسم الجنيد «٢» قدس الله سره: قد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش رجال أفضل منهم. وقال أيضا: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب وقال أيضا: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير وقال: (يعني اليافعي) ، قلت:
ولأن الكرامة قد تقع لكثير من المحبين والزهاد، ولا تقع لكثير من العارفين، والمعرفة أفضل من
стр. 288
المحبة عند الأكثرين، وأفضل من الزهد عند الكل. اهـ قلت: وهذا هو المختار عند المحققين والله أعلم.
وفي كتاب خبر البشر بخير البشر، للإمام العلامة محمد بن ظفر «١» أنه كان على باب من أبواب الاسكندرية، صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس، في هيئة العرب متزر مرتد، وعليه عمامة وفي رجليه نعلان، كل ذلك من نحاس. وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم:
أعطني حقي قبل أن يخرج هذا فيأخذ بحقي منك شئت أو أبيت! ولم يزل الصنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أرض مصر، فغيبوا الصنم وفي ذلك إشارة إلى البشارة بمحمد ﷺ .
وحكمه وخواصه:
تقدما في الإبل.
الأمثال:
قالوا: «الجمل من جوفه يجتر» «٢» . يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشيء يعود عليه منه ضرر. وقالوا «٣» : أخلف من بول الجمل» . وهو من الخلف لا من الخلاف، لأنه يبول إلى خلف. وقالوا: «وقع القوم في سلى جمل» «٤» . يضرب لمن بلغ في الشدة منتهى غاياتها.
كما قالوا: «بلغ السكين العظم» «٥» وذلك أن الجمل لا يكون له سلى فأرادوا أنهم وقعوا في أمر صعب. والسلى الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة ما يولد إلا قتلته. وهذا كقولهم: «أعز من الأبلق العقوق» «٦» وقالوا: «الثمر في البئر وعلى ظهر الجمل» «٧» . وأصله أن مناديا، كان في الجاهلية، يقف على أطم من آطام المدينة حين يدرك الثمر، ينادي بذلك. أي من سقى ماء البئر على ظهر الجمل بالسانية وجد عاقبة سقيه في ثمره. وهذا قريب من قولهم: «عند الصباح يحمد القوم السرى» «٨» . وقريب من قول الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن الزرع
وقول الآخر:
تسألني أم الوليد جملا ... يمشي رويدا ويكون أولا
يضرب في طلب ما لا يكون، هذا إذا ذكر البيت كله. وأما قولهم: «يمشي رويدا ويكون أولا» «٩» فيضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة. وأما قولهم «١٠» : «لا ناقتي فيها ولا جملي» ، فسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون في الكلام على الناقة.
التعبير:
الجمل في المنام حج لقول النبي ﷺ : «والجمل الأعرابي يدل على الحج» لقوله «١١»
стр. 289
تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ
الآية. والجمل البختي رجل أعجمي. ومن رأى جملا يصول عليه فإنه يخاصم سفيها. ومن قاد جملا بخاطمه، فإنه يهدي رجلا ضالا ومن أكل رأس جمل، اغتاب رجلا رئيسا. ومن رأى جمالا عربا، ولي على قوم من الأعراب. ومن رأى جملين يقتتلان، فإنهما ملكان. ومن رأى أنه يجر جملا فإنه يقهر عدوا. وقال ارطاميدورس: رؤية الجمل تدل على مجاديف السفينة وعلى سرعة سيرها والجمال تدل على أقوام جهال، لا معرفة لهم ولا رأي.
والغالب عليهم الذلة ومن رأى أنه سقط من ظهر جمل خشي عليه الفقر. ومن رأى أنه رمحه جمل مرض. والقطار من الجمال إذا كان يتلو بعضها بعضا أمطار لأن المطر يتلو بعضه بعضا، وهي تحمل الأثقال كما تحمل السحب الأمطار. وإذا ذبحت الجمال ولم يكن في ذلك المكان رجل فتاك فإنها دعوة لكرام. ومن رأى كأنه صار جملا فإنه يحمل أثقالا من تبعات الناس. والبخت سفر بعيد لراكبها بلا عناء. وربما دل الجمل على المسكن، وعلى السفينة، لأنه من سفن البر. وربما دل على الموت، لأنه يظعن بالأحباب إلى الأمكنة البعيدة. وربما دل على الزوجة ويدل الجمل على الحقد وأخذ الثأر ولو بعد حين. وربما دل على الرجل الصبور. وربما دل على البطء في الأحوال لمن يريد الاستعجال. وربما دل الجمل على الجمال، لأنه مشتق من لفظها. وللآية وتدل رؤيا الجمال على الجان، لأنها خلقت من أعين الجان. وتدل الجمال على الأرزاق والفوائد لامتهانها وملكها قال ابن المقري: ورؤية الجمال البخت تدل على الأجلاء من الناس وأرباب الأسفار كالتجار في البر والبحر. وربما دلت على الأعجام والغرباء. وربما تدل رؤيتها على الهموم والأنكاد والسبي وسلب المال. والله أعلم.
جمل البحر
: سمكة طولها ثلاثون ذراعا كذا قاله ابن سيده. وللعجاج «١» فيه رجز حسن، قاله الجاحظ في كتاب البيان والتبيين. وفي حديث أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أنه أذن في أكل جمل البحر، وهو سمك شبيه بالجمل.
جمل الماء:
البجع وهو الحوصل وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة.
جمل اليهود:
الحرباء وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة.
الجمعليلة:
بفتح الجيم والميم الضبع وسيأتي إن شاء الله في باب الضاد المعجمة.
جميل وجميل:
طائر جاء مصغرا والجمع جملان مثل كعيب وكعبان قال سيبويه: وهو البلبل.
الجنبر:
كمقعد فرخ الحبارى مثل به سيبويه وفسره السيرافي كذا قاله ابن سيده.
الجندب:
ضرب من الجراد، وقيل: ذكر الجراد مثلث الدال. والجمع جنادب. قال سيبويه: نونه زائدة. وقال الجاحظ: إنه يحفر بذراعيه ويغوص في الطين وفي الأرض إذا اشتد الحر وربما يطير في شدة الحر أيضا. وفي الحديث «٢» «إن مثل ما بعثني الله تعالى به كمثل رجل أوقد نارا
стр. 290
فجعل الجن ادب يقعن فيها» الحديث رواه مسلم والترمذي كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة ابن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الاعراج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ .
وفي حديث ابن مسعود «كان يصلي الظهر والجنادب ينفرن من الرمضاء» أي تثب من شدة حرارة الأرض.
الجندع:
كقنفذ جندب أسود له قرنان طويلان، وهو أثخن الجنادب ولا يؤكل قاله ابن سيده. وقال أبو حنيفة الجندع جندب صغير.
الجن:
أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة. وهم خلاف الإنس. الواحد جني ويقال: إنما سميت بذلك لأنها تتقى ولا ترى وجن الرجل جنونا، وأجنه الله فهو مجنون، ولا تقل مجن وقولهم في المجنون: ما أجنه شاذ لا يقاس عليه، لأنه لا يقال في المضروب: ما أضربه، ولا في المشكوك ما أشكه. روى الطبراني بإسناد حسن، عن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي ﷺ قال «١» : «الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وصنف يحلون ويظعنون» . وكذلك رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الخاء المعجمة في الكلام على الخشاش، حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٢» : خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب، وخلق الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم قال الله إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
«٣» وقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
«٤» وصنف أجسادهم كأجساد بني آدم، وأرواحهم كأرواح الشياطين. وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله» . قال ابن حبان رواه يزيد بن سفيان الرهاوي، عن أبي المنيب عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة عن أبي الدرداء ﵁، ويزيد بن سفيان ضعفه يحيى بن معين والامام أحمد بن حنبل وابن المديني.
الحكم:
أجمع المسلمون قاطبة على أن نبينا محمدا ﷺ مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الإنس قال الله تعالى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ
«٥» ومن بلغ، والجن بلغهم القرآن.
وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
«٦» الآية. وقال «٧» ﵎:
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
وقال وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
«٨» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
«٩» قال الجوهري: الناس قد تكون من الإنس والجن، وقال تعالى خطابا للفريقين: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
стр. 291
تُكَذِّبانِ*
«١» والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال «٢» تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
ولذلك قيل: إن من الجن مقربين وأبرارا، كما أن من الإنس كذلك. وبهذه الآية استدل الجمهور، على أن الجن المؤمنين، يدخلون الجنة ويثابون، كما يثاب الإنس. وخالف أبو حنيفة والليث في ذلك، فقالا ثواب المؤمنين منهم أن يجاروا من النار. وخالفهما الأكثرون حتى أبو يوسف ومحمد وليس لأبي حنيفة والليث حجة سوى قوله «٣» تعالى: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
وقوله «٤» تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
قالا: فلم يذكر في الآيتين ثوابا سوى النجاة من العذاب. والجواب من وجهين أحدهما أن الثواب مسكوت عنه، والثاني أن ذلك من قول الجن ويجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلا على ذلك، وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الإنس، بل يكونون في ربضها. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: «الخلق كلهم أربعة أصناف: فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة، وخلق كلهم في النار وهم الشياطين وخلق في الجنة والنار وهم الجن، والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب» . وهو موقوف على ابن عباس ﵄، وفيه شيء وهو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة. ومن المستغربات، ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري في أوائل الجزء التاسع من المجالسة عن مجاهد، أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس، فيجدون فيهما ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب، ويدل لعموم بعثته ﷺ من السنة أحاديث منها ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٥» :
أعطيت جوامع الكلم، وأرسلت إلى الناس كافة» وفيه من حديث جابر ﵁ «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» «٦» وفي كتاب «خير البشر بخير البشر» للامام العلامة محمد بن ظفر، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فلينطلق معي فانطلقت معه، حتى إذا كنا بأعلى مكة خط إلي خطا، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيه اسودة كثيرة وحالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته ثم انطلقوا يتقطعون كما يتقطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي ﷺ فقال:
ما فعل الرهط؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله. قال: فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث» «٧» وفي اسناده ضعف، وفيه أيضا عن بلال بن الحارث ﵁، قال: نزلنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره بالعرج، فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا وخصومة رجال، لم أسمع لغة أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي ﷺ وهو يضحك،
стр. 292
فقال: «اختصم إلي الجن المسلمون والجن المشركون، وسألوني أن أسكنهم فأسكنت المسلمين الجلس، وأسكنت المشركين الغور» . وكل مرتفع من الأرض جلس ونجد وكل منخفض غور.
وفيه أيضا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وخبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي ﷺ وأصحابه وهم بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، «وهو ﷺ يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن أنصتوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، ورجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
«١» الآيتين «٢» . وهذا الذي ذكره ابن عباس ﵄ أول ما كان من أمر الجن مع النبي ﷺ ولم يكن النبي ﷺ رآهم إذ ذاك، إنما أوحيي إليه بما كان منهم. وفيه أيضا، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ، ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه، في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم! فقال «٣» ﷺ : «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم» . ثم قال «٤» ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» .
وروى الطبراني بإسناد حسن، عن الزبير بن العوام ﵁، قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة الصبح، في مسجد المدينة، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة» فسكت القوم ولم يتكلم منهم أحد. قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى تباعدت عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز وإذا رجال طوال كأنهم الرماح متدثري ثيابهم من بين أرجلهم فلما رأيتهم، غشيتني رعدة شديدة، حتى ما تمسكني رجلاي، من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بابهام رجله في الأرض خطا وقال لي «اقعد في وسطه» فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى رسول الله ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنا رفيعا، حتى طلع الفجر، ثم أقبل ﷺ حتى مر بي فقال: «الحق بي» فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد، فقال ﷺ لي: «التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟» فالتفت فقلت: يا رسول الله سوادا كثيرا فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظر عظما وروثة «فرمى بهما إليهم» ثم قال «٥» ﷺ : «هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل
стр. 293
عظم وروثة» . قال الزبير ﵁: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁، قال: استتبعني رسول الله ﷺ ليلة فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر، بنو اخوة وبنو عم، يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن» . فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه، وقال: «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر، وفي يده عظم حائل وروثة وخمة. فقال رسول الله ﷺ : «إذا أتيت الخلاء فلا تستنج بشيء من هذا» قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله ﷺ ، فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا. وروى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار ﵃، خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما، وتزوجت زوجته. ثم أتى المدينة فسأله عمر ﵁، عن ذلك، فقال: اختطفتني الجن، فلبثت فيهم زمانا طويلا، فغزاهم جن مؤمنون وقاتلوهم، فأظفرهم الله عليهم، وسبوا منهم سبايا وسبوني معهم، فقالوا: تراك رجلا مسلما، ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم والقفول إلى أهلي؟ فاخترت أهلي فأتوا بي إلى المدينة فقال له عمر ﵁: ما كان طعامعهم؟ قال: الفول وكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجدف. وهو الرغوة، لأنها تجدف عن الماء، وقيل: نبات يقطع ويؤكل، وقيل كل إناء كشف عنه غطاؤه. وأما الاجماع فنقل ابن عطية وغيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، وأن نبينا محمدا ﷺ مبعوث إلى الثقلين، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي ﷺ ، حتى يتعلموها، ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به، وحضوره مجلسه وسماعهم كلامه، من غير أن يراهم المؤمنون، ويكون هو ﷺ يراهم، ولا يراهم أصحابه، فإنه تعالى يقول «١» عن رأس الجن: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
فقد يراهم ﷺ بقوة يعطيها الله له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة ﵁ الشيطان الذي أتاه ليسرق من زكاة رمضان.
كما رواه البخاري فإن قيل: ما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة انه ينكر وجود الجن؟ قلنا عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن، وهو ناطق بوجودهم. وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «٢» : «ان عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، يريد أن يقطع عليّ صلاتي فذعته، بالذال المعجمة والعين المهملة، أي خنقته، وأردت أن أربطه في سارية من سواري المسجد، فذكرت قول أخي سليمان، وقال «٣» ﷺ : «إن بالمدينة جنا قد أسلموا وقال: لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» .
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله بن أبي الجعد وليس له في الكتب الستة سواه عن ابن مسعود
стр. 294
رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا:
وإياك يا رسول الله؟ قال: واياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» «١» . روي فأسلم بفتح الميم وضمها وصحح الخطابي الرفع ورجح القاضي عياض والنووي الفتح وهو المختار. وأجمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه، بحسب الإمكان. وأما عصمته ﷺ من الكبائر، فمجتمع عليها وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وفي الصغائر خلاف ليس هذا موضع ذكره. والصحيح أنهم صلى الله عليهم وسلم معصومون من الكبائر والصغائر.
وكذلك الملائكة ﵈ كما قاله القاضي وغيره من المحققين. فإذا علم هذا فاعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل، ولا يكذبه الحس ولذلك جرت التكاليف عليهم. ومما اشتهر أن سعد بن عبادة ﵁ لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر ﵁، سار إلى الشأم فنزل حوران وأقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة ولم يختلف أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران وأنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلا يقول في بئر:
قد قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عبادة
فرميناه بسهمي ... ن ولم نخط فؤاده
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه. ووقع في صحيح مسلم أن سعدا شهد بدرا. وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: والصحيح أنه لم يشهد بدرا. كذا رواه الطبراني من حديث محمد بن سيرين وقتادة وكلاهما أدرك سعد أو روى عن حجاج بن علاط السلمي وهو والد نصر بن حجاج الذي قيل «٢» فيه:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
انه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخيف موحش، فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا ولأصحابك فجعل يطوف بالركب ويقول:
أعيذ نفسي وأعيذ صحبي ... من كل جني بهذا النقب
حتى أعود سالما وركبي
فسمع قائلا يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
«٣» الآية فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت يا أبا كلاب. إن هذا الذي قلته يزعم محمد أنه أنزل عليه، فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي. ثم أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وابتنى بها مسجدا يعرف به. وعند ابن سعد والطبراني
стр. 295
والحافظ أبي موسى وغيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج، إذا نحن بحية تضطرب فلم نلبث أن ماتت، فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض. ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟ قلنا: ما نعرفه. قال: أيكم صاحب الجان «١» ؟ قالوا: هذا. قال: جزاك الله عنا خيرا. أما انه كان آخر التسعة من الجن الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ . وكذلك رواه الحاكم في المستدرك في ترجمة صفوان بن المعطل وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتى من الليل فسلم عليه وشكر، وأخبر أن تلك الحية كان رجلا صالحا من جن نصيبين، اسمه زوبعة، قال: وبلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز الأموي أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا بحية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها فإذا قائل يقول: يا سرق اشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح فقال: ومن أنت يرحمك الله؟ فقال: من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ ولم يبق منهم، إلا أنا وسرق هذا الذي قد مات. وفي كتاب خير البشر بخير البشر، عن عبيد المكتب، عن ابراهيم، قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأنا معهم يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق، رأوا حية بيضاء تتثنى على الطريق، يفوح منها ريح المسك قال: فقلت لأصحابي امضوا فلست ببارح حتى أنظر ماذا يصير إليه أمرها فما لبثت أن ماتت، فظننت بها الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنتها في خرقة ثم نحيتها عن الطريق ودفنتها.
وأدركت أصحابي في المتعشى قال فو الله انا لقعود، إذا أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقال واحدة منهن: أيكم دفن عمرا؟ فقلنا من عمر؟ فقالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت: أنا. قالت أما والله لقد دفنت صوّاما قوّاما يؤمن بما أنزل الله ، ولقد آمن بنبيكم محمد ﷺ وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. قال: فحمدت الله تعالى ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر رضي الله تعالى عنه فأخبرته خبر الحية والمرأة، فقال: صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه هذا. وفيه أيضا عن ابن عمر ﵄ قال: كنت عند أمير المؤمنين عثمان ﵁، إذ جاءه رجل فقال: ألا أحدثك بعجيب يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى قال: بينا أنا بفلاة من الأرض لقيت عصابتين قد التفتا ثم افترقتا، قال: فجئت معتركهما فإذا من الحيات شيء ما رأيت مثله قط، وإذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، فظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها، ولففتها في عمامتي ثم دفنتها. فبينما أنا أمشي إذ أنا بمناد ينادي هداك الله ان هذين حيان من الجن كان بينهما قتال فاستشهد الحية التي دفنتها وهو من الذين استعموا الوحي من رسول الله ﷺ . وفيه أيضا أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: قد كان لي تابع من الجن فكان إذا جاء اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما، فجاءني يوما فوقف على الجدار ولم يصنع كما كان يصنع، فقلت له، ما بالك لم تصنع ما كنت تصنع صنيعك قبل؟ فقال: انه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا. وروى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر ﵁ قال: قاتلت مع
стр. 296
رسول الله ﷺ الجن والإنس فسئل عن قتال الجن، فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال ﷺ لأصحابه إن عمارا لقي الشيطان عند البئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر فكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسوله ﷺ . وقد أشار إليه البخاري، فيما رواه، عن ابراهيم النخعي قال: «ذهب علقمة إلى الشأم، فلما دخل المسجد، قال: اللهم يسر لي جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: أو ليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قلت: بلى. قال: أو ليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه محمد ﷺ ؟ يعني عمارا، قلت: بلى. قال: أو ليس فيكم أو منكم صاحب السواك والوساد؟ قلت: بلى. قال: كيف كان عبد الله يقرأ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
«١» قلت: والذكر والأنثى» وذكر الحديث «٢» . وروى أبو بكر في رباعياته، والقاضي أبو يعلى عن عبد الله بن حسين المصيصي، قال: دخلت طرسوس، فقيل لي: ههنا امرأة يقال لها نهوس رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله ﷺ فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: أرأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله ﷺ قالت: نعم حدثني سمحج وسماه النبي ﷺ عبد الله قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض؟ قال على حوت من نور يتلجلج في النور قالت: قال: تعني سمحج. وسمعته ﷺ يقول: «ما من مريض يقرأ عنده سورة يس إلا مات ريان ودخل قبره ريان وحشر يوم القيام ريان» .
وأغرب من هذا ما في أسد الغابة تبعا لأبي موسى باسنادهما عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كنت مع رسول الله ﷺ خارجا من جبال مكة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازه فقال النبي ﷺ مشية جني ونغمته، قال: أجل فقال النبي ﷺ : من أي الجن؟
قال أنا هامة بن الهيم أو ابن هيم بن لاقيس بن ابليس. فقال: لا أرى بينك وبينه إلا أبوين قال:
أجل. قال كم أتى عليك؟ قال أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أتشوف على الآكام وأورش بين الأنام. فقال رسول الله ﷺ : بئس العمل؟ فقال يا رسول الله دعني من العتب فإني ممن آمن بنوح وتبت على يديه وإني عاتبته في دعوته فبكى وأبكاني وقال: إني والله لمن النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هودا وآمنت به، ولقيت ابراهيم وكنت معه في النار إذ ألقي فيها، وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره ولقيت شعيبا وموسى، ولقيت عيسى بن مريم، فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرئه مني السلام وقد بلغت رسالته، وآمنت بك فقال النبي ﷺ : على عيسى وعليك السلام، ما حاجتك يا هامة قال: إن موسى علمني التوراة، وعيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن. فعلمه» . وفي رواية أنه ﷺ علمه عشر سور من القرآن وقبض رسول الله ﷺ ولم ينعه إلينا فلا نراه، والله أعلم، إلا حيا.
стр. 297
وفيه أيضا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال ذات يوم لابن عباس:
حدثني بحديث تعجبني به، قال: حدثني أبو خزيم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في ابرق العزاف. وسمي بذلك لأنه يسمع فيه عزيف الجن.
قال: فعقلتها وتوسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان. وفي رواية بكبير هذا الوادي وإذا بهاتف يهتف بي ويقول:
ويحك عذ بالله ذي الجلال ... منزل الحرام والحلال
ووحد الله ولا تبال ... ما هول ذا الجني من الأهوال
فقلت:
يا أيها الداعي فما تخيل ... أرشد عندك أم تضليل
فقال:
هذا رسول الله ذو الخيرات ... جاء بياسين وحاميمات
وسور بعد مفصلات ... يدعو إلى الجنة والنجاة
يأمر بالصوم والصلاة ... ويزجر الناس عند الهنات
قال: فقلت: من أنت أيها الهاتف يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن مالك بعثني رسول الله ﷺ إلى جن أهل نجد. قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به فقال: إن أردت الأسلام فأنا أكفيكها حتى أردها إلى أهلك سالمة إن شاء الله تعالى. قال:
فامتطيت راحلتي وقصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول الله ﷺ يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد وقلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، فإذا أبو ذر قد خرج فقال: إن رسول الله ﷺ قد أرسلني إليك وهو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني إسلامك فادخل فصل مع الناس. قال: فتطهرت ودخلت فصليت. ثم دعاني. قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن أن يرد إبلك إلى أهلك؟. أما إنه قد ردها إلى أهلك سالمة؟ فقلت: جزاه الله خيرا ورحمه الله فقال رسول الله ﷺ : أجل ﵀، فأسلم وحسن إسلامه. وفي مسند الدارمي عن الشعبي، قال:
قال: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لقي رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: «لا والله إنني من بينهم لضليع ولكن علودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك. قال: نعم فعاوده فصرعه. فقال له: أتقرأ الله لا إله إلا هو الحي القيوم؟ قال: نعم. قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له حجج كحجج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح» «١» قال الدارمي: الضئيل الدقيق. والشخيت المهزول، والضليع جيد الأضلاع. والحجج الريح. وقال أبو عبيدة الحجج الضراط وسيأتي في
стр. 298
باب الغين المعجمة في لفظ الغول حديث أبي هريرة وحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهما في ذلك إن شاء الله تعالى.
مسألة:
يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا سواء كانوا من الجن أو من الإنس أو منهما قاله القمولي. لكن نقل الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه التي ألفها عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: من زعم، من أهل العدالة، أنه يرى الجن، ردت شهادته وعزر، لمخالفته لقوله «١» تعالى إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
إلا أن يكون الزاعم نبيا ونظير هذا قول الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في الفتاوى: من منع التفضيل بين الأنبياء يعزر لمخالفته القرآن. ويحمل قول الشافعي ﵀ على من ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه ويحمل كلام القمولي على ما إذا تصوروا في صورة بني آدم، كما تقدم قريبا.
واعلم أن المشهور أن جميع الجن من ذرية ابليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون، لأنهم ليس فيهم إناث. وقيل: الجن جنس، وابليس واحد منهم ولا شك أن الجن ذريته، بنص القرآن، ومن كفر من الجن يقال له شيطان. وفي الحديث: «لما أراد الله أن يخلق لأبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب، فطارت منه شظية من نار فخلق منها امرأته» . ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي واسمه عامر أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل حمال ومعه دن، فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟ فقلت: نعم. قال: أخبرني هل لأبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته! قال: ثم ذكرت قوله «٢» تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
فقلت: إنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيت أنه مجتاز بي وروى أن الله تعالى قال لأبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلا وله شيطان قد قرن به، وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والإناث، فيتوالدون من ذلك، وأما ابليس فإن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة، وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس وولهان، وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف. وهو صاحب الصحارى ومرة وبه يكنى وزلنبور، وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب، ومدح السلعة، وبثر وهو صاحب المصائب، يزين خمش الوجوه ولطم الخدود ودوشق الجيوب، والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء ﵈، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في احليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فإن أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى ورأى شيئا يكرهه وخاصم أهله فليقل داسم داسم أعوذ بالله منه، ومطوس وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يكون لها أصل ولا حقيقة، والاقنص وأمهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم
стр. 299
ويقال: إنمه باض ثلاثين بيضة عشر في المغرب وعشر في المشرق وعشر في وسط الأرض وانه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالغيلان والعقارب والقطارب والجان وأسماء أخرى مختلفة. ثم كلهم عدو لبني آدم لقوله «١» تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
وهم لكم عدوّ إلا من آمن منهم قال النووي ﵀: ابليس كنيته أبو مرة واختلف العلماء في أنه هل هو من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن؟ أم ليس من الملائكة وفي اسمه هل هو اسم أعجمي أم عربي؟ قال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جرير والزجاج وابن الأنباري: كان ابليس من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن وكان اسمه بالعبرانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما وعظمة فذاك الذي دعاه إلى الكبر فعصى وكفر فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا نعوذ بالله من خذلانه ومقته ونسأله العافية والسلامة في الدين والدنيا والآخرة. ولذلك قيل: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. قالوا: وقوله تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِ
أي من طائفة من الملائكة، يقال لهم: الجن، وقال سعيد بن جبير والحسن البصري: لم يكن ابليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. وقال عبد الرحمن بن زيد وشهر ابن حوشب ما كان من الملائكة قط. والاستثناء منقطع زاد شهر بن حوشب، وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء. وقال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي ابليس لأنه أبلس من رحمة الله. والصحيح كما قاله الإمام النووي وغيره من الأئمة الأعلام أنه من الملائكة وأن اسمه أعجمي وأن الاستثناء متصل لأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وقال القاضي عياض: الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب. قال الله تعالى:
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ
«٢» والصحيح المختار ما سبق عن النووي ومن وافقه وعن محمد بن كعب القرظي أنه قال: الجن مؤمنون والشياطين كفار وأصلهم واحد. وسئل وهب بن منبه عن الجن ما هم وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون في الدنيا ولا يتوالدون. ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون وهم السعالي والغيلان، والقطارب وأشباه ذلك وستأتي في أبوابها إن شاء الله.
فائدة:
قال القرافي: اتفق الناس على تكفير ابليس بقصته مع آدم ﵊، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا، وليس كذلك ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى، وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كذلك، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا. وقد أشكل ذلك على جماعة من متأخري الفقهاء فضلا عن غيرهم، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبته
стр. 300
الحق ﷻ إلى الجور، والتصرف الذي ليس بمرضي، وظهر ذلك فحوى قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*
«١» ومراده على ما قاله الأئمة المحققون، من المفسرين وغيرهم، أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم فهذا وجه كفره لعنه الله. وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى كان كافرا. واختلف هل كان قبل ابليس كافر أو لا فقيل: لا وإنه أول من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض إنتهى وقد اختلف أيضا في كفر ابليس، هل كان جهلا أو عنادا؟ على قولين لأهل السنة والجماعة ولا خلاف، أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال: انه كفر جهلا، قال: انه سلب العلم الذي كان عنده عند كفره ومن قال: إنه كفر عنادا قال: إنه كفر ومعه علمه. قال ابن عطية:
والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء وروى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
«٢» عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق ابليس. وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وهي قوله «٣» تعالى: ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق ابليس إنتهى وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام ابليس؟ فقال: لو نام لوجدنا راحة فلا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى. وقال في الإحياء قبيل بيان دواء الصبر: من غفل عن ذكر الله تعالى، ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان. قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
«٤» وقال ﵊: «إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ» لأن الشاب إذا لم يشغل ظاهره بمباح يستعين به على دينه عشش الشيطان في قلبه وباض وفرخ، ثم تزدوج أفراخه أيضا ويبيض ويفرخ مرة أخرى وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار والنار، إذا وجدت الحلفاء اليابسة، كثر توالدها فلا تزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة، فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار ولذلك قال الحسين الحلاج: هي نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
فائدة:
ذكر بعض العلماء العاملين أن الله تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، والخلق عنها غافلون فقيل له: وما هي؟ فقال: قال الجليل ﷻ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«٥» فهذا أمر منه سبحانه لنا بأن نتخذه عدوا فقيل له: كيف نتخذه عدوا ونتخلص منه؟ فقال: اعلم ان الله تعالى جعل لكل مؤمن سبعة حصون. فالحصن الأول من ذهب، وهو معرفة الله تعالى، وحوله حصن من فضة وهو الايمان به تعالى وحوله حصن من حديد وهو التوكل عليه جل وعلا، وحوله حصن من حجارة، وهو الشكر والرضا عنه عز شأنه، وحوله حصن من
стр. 301
فخار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهما، وحوله حصن من زمرذ، وهو الصدق والاخلاص له تعالى، وحوله حصن من لؤلؤ رطب، وهو أدب النفس. فالمؤمن من داخل هذه الحصون، وابليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون. فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في جميع أحواله ويتهاون به في كل ما يأتي، فإن من ترك أدب النفس وتهاون به، فإنه يأتيه الخذلان لتركه حسن الأدب مع الله تعالى، ولا يزال ابليس يعالجه، ويطمع فيه ويأتيه حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك. انتهى وما ذكره من الفريضتين في الآية قد يشكل، فيقال: ليس فيها إلا فريضة واحدة، وهي قوله تعالى: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«١» إذ الأمر يقتضي الوجوب عند عدم قرينة تدل على خلافه.
وقد سألت شيخنا الإمام اليافعي ﵀ عن الفريضة الثانية، أين هي من الآية؟ فأجاب قدّس الله روحه، بأن فيها فريضة علمية وفريضة عملية، فالأولى العلم بكونه عدوّا والثانية العمل في اتخاذ العداوة له انتهى وأما ما تقدم من ذكر الحصون فهو في نهاية الحسن والتحقيق، لكن قد يستولي الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض فيرد العبد إلى الفسق دون الكفر، فيستحق النار من غير تخليد، وقد لا يرده إلى الفسق، ولكن يردّه إلى ضعف الايمان، فلا يستحق النار ولكن يستحق النزول عن رتبة أهل الايمان الكامل، وكل هذا التفاوت بسبب تفاوت الحصون المذكورة، إذ ليس أخذ حصن المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة، وبقية الحصون تتفاوت أيضا، فليس أخذ حصن الصدق والإخلاص، كأخذ حصن الأمر والنهي وكذلك سائر الحصون، والكلام في ذلك يطول ولكن مهما بقي حصن الايمان وحصن التوكل كاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان، لقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
«٢» وهؤلاء المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ*
«٣» وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
«٤» ثم قال في آخر وصفهم: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا*
«٥» وقد يكون أخذ حصن واحد مؤدّيا إلى الكفر، وموجبا للتخليد في النار، كحصن الإيمان بالله. ونعوذ بالله من ذلك، ولكن لا يقدر على أخذ حصن الايمان، حتى يأخذ الحصون التي حوله نسأل الله الكريم الهدى والسلامة من الزيغ والردى. واعلم أن أوّل الواجبات المعرفة، وقال الاستاذ: النظر وقال ابن فورك وإمام الحرمين: القصد إلى النظر وقد بسطنا الكلام على ذلك، في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، وما قاله في ذلك علماء الشريعة ومشايخ الصوفية رحمهم الله تعالى. فليراجع ذلك في الجزء السابع من الكتاب المذكور، وبالله التوفيق. واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسلا قبل بعثه نبينا محمد ﷺ ؟ فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٦» وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة، وهذا هو الصحيح
стр. 302
المشهور. وأما الجن ففيهم النذر. وأما الآية فمعناها من أحد الفريقين، كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
«١» وإنما يخرجان من الملح دون العذب. وقال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن الذين لقوا النبي ﷺ من الجن، كانوا رسلا إلى قومهم، وقال مجاهد: النذر من الجن، والرسل من الإنس ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ
«٢» وقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
«٣» وقيل المراد: مؤمنوا الفريقين. فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، وما خلق الأشقياء إلا للشقاوة، ولا مانع من اطلاق العام وإرادة الخاص. وقيل: معناه إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها وقيل: إلا ليوحدون، فإن قيل: لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة؟ فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين، بخلاف الملائكة فإن الله قد عصمهم كما تقدم، فإن قيل: لم قدّم الجن على الإنس في هذه الآية؟ فالجواب أن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأوّل الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته.
فرع:
كان الشيخ عماد الدين بن يونس ﵀، يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس، ويقول: لا يجوز للإنسي أن يتزوج جنية لقوله «٤» تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
وقال «٥» تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
فالمودة الجماع والرحمة الولد. ونص على منعه جماعة من أئمة الحنابلة. وفي الفتاوى السراجية: لا يجوز ذلك لاختلاف الجنس. وفي القنية سئل الحسن البصري عنه؟ فقال:
يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل ابن حرب، عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك. ثم روي بسند فيه ابن لهيعة، أن النبي ﷺ «نهى عن نكاح الجن» . وعن زيد العمى، أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت. وروى ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب ﵁، عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن. فلم أرجع إليه. وروى في ترجمة سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أحد أبوي بلقيس كان جنيا» . وقال الشيخ نجم الدين القمولي: وفي المنع من التزوج نظر، لأن التكليف يعم الفريقين، قال: وقد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية. انتهى قلت: وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم، أخبرني أنه تزوج أربعا من الجن، واحدة بعد واحدة. لكن يبقى النظر في حكم طلاقها، ولعانها، والإيلاء منها، وعدتها، ونفقتها، وكسوتها، والجمع بينها وبين أربع سواها، وما يتعلق بذلك.
وكل هذا فيه نظر لا يخفى. قال شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري، وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت الشيخ أبا الفتح القشيري
стр. 303
يقول: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب. فقيل له: وكذاب أيضا؟ قال: نعم. تذاكرنا يوما نكاح الجن، فقال: الجن روح لطيف والإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ ثم غاب عنا مدة وجاء في رأسه شجة، فقيل له في ذلك، فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شيء فشجتني هذه الشجة! قال الشيخ الذهبي بعد ذلك: وما أظن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة.
فرع:
روى أبو عبيدة في كتاب الأموال والبيهقي عن الزهري عن النبي ﷺ ، أنه «نهى عن ذبائح الجن» . قال: وذبائح الجن أن يشتري الرجل الدار، أو يستخرج العين أو ما أشبه ذلك، فيذبح لها ذبيحة للطيرة. وكانوا في الجاهلية يقولون إذا فعل ذلك: لم يضر أهلها الجن فأبطل ﷺ ذلك ونهى عنه.
تتمة:
في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني «١» قدس الله سره، أنه جاءه بعض أهل بغداد، وذكر أن له بنتا اختطفت من سطح داره، وهي بكر. فقال له الشيخ: اذهب هذه الليلة إلى خراب الكرخ، واجلس عند التل الخامس وخط عليك دائرة في الأرض، وقل وأنت تخطها:
بسم الله على نية عبد القادر، فإذا كانت فحمة العشاء، مرت بك طوائف من الجن، على صور شتى، فلا يروعك منظرهم، فإذا كان السحر مر بك ملكهم في محفل منهم، فيسألك عن حاجتك فقل: قد بعثني إليك عبد القادر واذكر له شأن ابنتك. قال: فذهبت وفعلت ما أمرني به الشيخ فمر بي صور مزعجة المنظر ولم يقدر أحد منهم على الدنو من الدائرة التي أنا فيها، وما زالوا يمرون زمرا زمرا إلى أن جاء ملكهم، راكبا فرسا، وبين يديه أمم منهم، فوقف بازاء الدائرة وقال:
يا انسي ما حاجتك؟ قلت: قد بعثني إليك الشيخ عبد القادر، فنزل عن فرسه وقبل الأرض وجلس خارج الدائرة، وجلس من معه ثم قال لي: ما شأنك؟ فذكرت له قصة ابنتي، فقال لمن حوله: علي بمن فعل هذا فأتى بمارد ومعه ابنتي. فقيل له: إن هذا مارد من مردة الصين، فقال له:
ما حملك على أن اختطفت من تحت ركاب القطب؟ فقال: إنها وقعت في نفسي، فأمر به فضربت عنقه، وأعطاني ابنتي فقلت: ما رأيت كالليلة في امتثالك أمر الشيخ عبد القادر! قال: نعم. إنه لينظر من داره إلى مردة الجن وهم بأقصى الأرض فينفرون من هيبته وأن الله تعالى إذا أقام قطبا مكنه من الجن والإنس. وروي عن أبي القاسم الجنيد أنه قال: سمعت سريا السقطي ﵀، يقول: كنت يوما مارا في البادية، فآواني الليل إلى جبل لا أنيس فيه، فبينا أنا في جوف الليل ناداني مناد فقال: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب.
فعجبت وقلت: أجني ينادي أم إنسي؟ فقال: بل جني مؤمن بالله سبحانه، ومع إخواني، فقلت:
وهل عندهم ما عندك؟ قال: نعم وزيادة. قال فناداني الثاني منهم، فقال: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الفكرة. قال: فقلت في نفسي: ما أنفع كلام هؤلاء؟ فناداني الثالث فقال: من أنس به في الظلام نشرت له غدا الأعلام. قال فصعقت. فلما أفقت إذا أنا بنرجسة على صدري
стр. 304
فشممتها فذهب عني ما كان بي من الوحشة، واعتراني الأنس. فقلت: وصية رحمكم الله، فقالوا: أبى الله أن يحيا بذكره ويأنس به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، وفقنا الله وإياك. ثم ودعوني ومضوا وقد أتى علي حين، وأنا أرى برد كلامهم في خاطري. وفي كفاية المعتقد ونكاية المنتقد، لشيخنا اليافعي عن السري أيضا أنه قال: كنت أطلب رجلا صديقا مدة من الأوقات، فمررت يوما في بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى، فسألت عن حالهم فقالوا: ههنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعو لهم فيجدون الشفاء، قال: فمكثت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء فقفوت أثره فأدركته، وتعلقت به، وقلت له: بي علة باطنة فما دواؤها؟ فقال يا سري خل عني. فإنه غيور وإياك أن يراك تأنس إلى غيره، فتسقط من عينه، ثم تركني وذهب. وفي كتاب التوحيد للإمام محمد بن أبي بكر الرازي، عن الجنيد أنه قال: كنت أسمع السري يقول يبلغ العبد من الهيبة والانس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. قال: وكان في نفسي منه شيء حتى بان لي أن الأمر كذلك. انتهى قلت: وذلك لأن الهيبة والأنس فوق القبض والبسط، والقبض والبسط فوق الخوف والرجاء، فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهش، فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته، إلا بزوال الهيبة عنه. والأنس مقتضاه الصحو والإفاقة، ثم إنهم يتفاوتون في الهيبة والأنس، فأدنى مرتبة في الأنس أنه لو ألقي في لظى ما تكدر أنسه، لأنه لا يشهد إلا هو، ولا يعرف إلا هو، ألا ترى إلى قول السري ﵀: يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به! وذلك لأن الأنس يتولد من السرور بالله، ومن صح له الأنس بالله، استوحش مما سواه، فهو باق بالله فان عن السوى لم ير غيره. ولم يشهد لسواه فعلا فلم ير في الكونين إلا إياه فلا يقع نظره إلا عليه، ولا بصره إلا على فعله، وخلقه لأن العارف عرف الصنعة بالصانع، ولم يعرف الصانع بالصنعة، فلم ير إلا فعله وخلقه. ولذلك قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله. وهذا هو المقام الشريف من التوحيد. واعلم أن العبد لا يذوق حلاوة الأنس بالله تعالى، إلا إذا قطع العلائق، ورفض الخلائق، وغاص في الدقائق، مطلعا على الحقائق. ولا ينبئك مثل خبير. واعلم أن حالتي الهيبة والأنس، وإن جلتا، فأهل الحقيقة يعدونهما نقصا لتضمنهما تغير العبد، فإن أهل التوحيد المتمكنين سمت أحوالهم عن التغير، فلهم كمال في المحو، ووجود في العين ولا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حس، وارتقاؤهم عن هذا المقام بالجود والفيض الإلهي. فسبحان من خص برحمته من شاء من عباده.
وقال السري ﵀: صحبت رجلا يقال له الوالد سنة لم أسأله عن مسألة، فقلت له يوما:
ما المعرفة التي ليس فوقها معرفة؟ فقال: أن تجد الله أقرب إليك من كل شيء، وأن ينمحي عن سرائرك وظواهرك كل شيء غيره. فقلت له: بأي شيء أصل إلى هذا؟ فقال: بزهدك فيك ورغبتك فيه . قال: فكان كلامه سبب انتفاعي بهذا الأمر. توفي السري لست خلون من رمضان، سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وقيل غير ذلك والله أعلم بالصواب.
الخواص:
لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج «١» . روينا عن الإمام أبي الحسن، علي بن الحسن،
стр. 305
بن الحسن، بن محمد الخلعي، نسبة إلى بيع الخلع، وهو من أصحاب الشافعي، وقبره معروف بالقرافة، والدعاء عنده مستجاب. وكان يقال له قاضي الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه، ويقرؤون عليه، وأنهم أبطؤا عنه جمعة ثم أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شيء من الأترج وإنا لا ندخل بيتا هو فيه. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: وكان الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجلسه بهذا الدعاء: اللهم ما مننت به فتممه، وما أنعمت به فلا تسلبه، وما سترته فلا تهتكه، وما علمته فاغفره. توفي في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. قلت: ولهذا ضرب النبي ﷺ المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، لأن الشيطان يهرب عن قلب المؤمن القارىء للقرآن، كما يهرب عن مكان فيه الأترج، فناسب ضرب المثل به، بخلاف سائر الفواكه. وفي المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن حنبل عن عبد القدوس بن بكير بإسناده إلى مسلم بن صبيح، قال «١» : دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها رجل مكفوف، وهي تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقالت: إن هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه ﷺ ، مازال هذا له من آل محمد. قلت: وفي تخصيصه بالأترج والعسل ما لا يخفى على متأمل.
وفي معجم الطبراني، عن حبيب بن عبد الله عن أبي كبشة عن أبيه عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر والأترج. وسيأتي في باب الفاء حديث سليمان بن موسى أن النبي ﷺ قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيها فرس عتيق.
التعبير:
الجن في المنام دهاة الناس أصحاب، مكر وحيل، لما كانوا يصنعون لسليمان ﵊ من المحاريب والتماثيل، فمن عالج أحدا من الجن في المنام، فإنه ينازع قوما أصحاب مكر وحيل، ومن رأى أنه يعلم الجن القرآن فإنه ينال رياسة وولاية لقوله «٢» تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ
والجن في الرؤيا بمنزلة اللصوص، فمن دخلت الجن داره فليحذر اللصوص، والجنون في المنام على وجوه: فمن رأى أنه قد جن فإنه ينال غنى كما قال الشاعر:
جن له الدهر فنال الغنى ... يا ويحه إن عقل الدهر
وقيل: الجنون دال على أكل الربا لقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
«٣» وربما دل على دخول الجنة لقوله ﵊:
«اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله والمجانين» فانسب الجنون إلى الرائي بما يليق به، وإن رأت امرأة أنها قد جنت وعولجت بالرقى، فإنها تحمل بولد يكون له دهاء فيكون الجنون جنينا تحمل به والله تعالى أعلم.
جنان البيوت:
بجيم مكسورة ونون مفتوحة مشددة، وهي الحيات جمع جان وهي الحية الصغيرة وقيل الدقيقة الصغيرة، وقيل الدقيقة البيضاء. روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي لبابة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الابتر وذا الطفيتين،
стр. 306
فإنهما اللذان يخطفان البصر ويطرحان أولاد النساء» «١» . والطفيتان بضم الطاء الخطان الأبيضان على ظهر الحية والأبتر قصير الذنب. وقال النضر بن شميل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها وفي كتاب الحشرات قال ابن خالويه: سمعت ابن عرفة يقول: الجنان حيات إذا مشت رفعت رأسها عند المشي وأنشد يقول «٢» :
رفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاما رجفا
الجندبادستر:
حيوان كهيئة الكلب ليس ككلب الماء ويسمي القندر، وسيأتي في باب القاف، ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق وما يليها، ويسمى السمور أيضا، وهو على هيئة الثعلب، أحمر اللون ليس له يدان، وله رجلان وذنب طويل ورأس كرأس الإنسان ووجه مدوّر وهو يمسي متكفيا على صدره كأنه يمشي على أربع، وله أربع خصيات: اثنتان ظاهرتان، واثنتان باطنتان.
ومن شأنه أنه إذا رأى الصيادين له لأخذ الجندبادستر وهو الموجود في خصيتيه البارزتين، هرب فإذا جدوا في طلبه قطعهما بفيه، ورمى بهما إليهم إذ لا حاجة لهم إلا بهما. فإذا لم يبصرهما الصيادون وداموا في طلبه استلقى على ظهره حتى يريهم الدم فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون عنه وهو إذا قطع الظاهرتين أبرز الباطنتين عوضا عنهما. وفي باطن الخصية شبه الدم أو العمل زهم الرائحة، سريع التفرك إذا جف. وهذا الحيوان يهرب إلى الماء ويمكث فيه زمانا حابسا نفسه، ثم يخرج وهو حيوان يصلح أن يحيا في الماء وخارج الماء، وأكثر أوقاته في الماء ويغتذي فيه بالسمك والسرطان، وخصاه تنفع من نهش الهوام وتصلح لأشياء كثيرة، وهو دواء محمود يسخن الأعضاء الباردة ويجفف الرطبة، وليس له مضرة أصلا في شيء من الأعضاء وله خاصية في جميع العلل الباردة الرطبة التي تحدث في الرئة، وفي الدماغ، وينفع من الصمم البارد، ولا شيء أنفع للريح في الأذن منه. وينفع من لدغ العقرب إذا طلي به موضعها، وإذا طلي به الرأس مدرفا «٣» بأحد الأدهان نفع المصروعين، وينفع من الفالج واسترخاء الأعضاء والنقرس البارد منفعة عظيمة وإذا شرب كان ترياقا للسموم الباردة كلها، حيوانية ونباتية، لا سيما الأفيون وهو يلطف الأخلاط، ويذهب البلغم حيث كان، وينفع الخفقان المتولد من أسباب باردة، وجلده غليظ الشعر، يصلح لبسه للمشايخ والمبرودين، ولحمه نافع للمفلوجين وأصحاب الرطوبات، وإذا شرب الإنسان من الجندبادستر الأسود وزن درهم هلك بعد يوم.
الجنين:
هو ما يوجد في بطن البهيمة بعد ذبحها، فإن وجد ميتا بعد ذبحها فهو حلال بإجماع الصحابة، كما نقله الماوردي في الحاوي، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري، وأبو سيف، ومحمد، واسحق والإمام أحمد، وتفرد أبو حنيفة بتحريم أكله محتجا بقوله «٤» تعالى:
стр. 307
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
وبقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال» «١» . وهذه ميتة ثالثة لم تذكر. ودليل الجمهور أحلت لكم بهيمة الأنعام قال ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: بهيمة الأنعام أجنتها توجد ميتة في بطن الأم يحل أكلها بذكاة الأمهات. وهو من أحكام هذه السورة وفيه بعد لأن الله تعالى قال: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ*
«٢» وليس في الأجنة ما يستثنى وقد تقدم ذلك في باب الباء الموحدة. وروي عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . فجعل إحدى الذكاتين نائبة عن الأخرى، وقائمة مقامها. فإن قيل: إنما أراد التشبيه دون النيابة، فيكون المعنى ذكاة الجنين كذكاة أمه، لأنه قدم الجنين على الأم فصار تشبيها بالأم، ولو أراد النيابة لقدم الأم على الجنين إنما يطلق عليه ما دام مستجنا في بطن أمه، فأما إذا انفصل، فإن الاسم يزول عنه ويسمى ولدا قال الله تعالى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
«٣» وهو في بطن الأم لا يقدر عليه، فوجب حمله على النيابة دون التشبيه. الثاني أنه لو أراد التشبيه دون النيابة، لساوى الأم غيرها، ولم يكن لخصوصية التشبيه بالأم فائدة. الثالث أنه لو أراد التشبيه لنصب ذكاة الأم بحذف كاف التشبيه والروايتان إنما هما برفع ذكاة أمه فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه، فإن قيل: فقد روي ذكاة أمه بالنصب ومعناها كذكاة أمه، فالجواب أن هذه الرواية غير صحيحة ولو سلمت كانت محمولة على نصبها بحذف الياء الموحدة دون الكاف. ويكون معناه ذكاة الجنين بذكاة أمه، ولو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين فتستعمل الرواية المرفوعة في النيابة، إذا خرج ميتا، والرواية المنصوبة في التشبيه إذا خرج حيا فيكون أولى من استعمال إحدى الروايتين وترك الأخرى. ويدل عليه أيضا نص لا يحتمل التأويل، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله إنا ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطونها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال ﵊: «كلوه إن شئتم فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» «٤» . واستدل الشيخ أبو محمد كما قال الرافعي بأنه لو لم يحل الجنين بذكاة الأم، لما جاز ذبح الأم مع ظهور الحمل. كما لا تقتل الحامل قصاصا ولا حدا. فألزم عليه ذبح رمكة في بطنها بغلة، فمنع ذبحها. والرمكة أنثى الخيل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهي مأكولة، والبغل لا يؤكل، إذا ثبت هذا فاعلم أن للجنين ثلاثة أحوال ذكرها الماوردي: أحدها أن يكون كاملا كما سبق، ثانيها أن يكون علقة فهذا غير مأكول، لأن العلقة دم، ثالثها أن يكون مضغة، قد انعقد لحمه ولم تبن صورته، ولم تتشكل أعضاؤه، ففي إباحة أكله وجهان: من اختلاف قوليه في وجوب الغرة كونها أم ولد، قال الماوردي، وقال بعض أصحابنا: إذا نفخ فيه الروح لم يؤكل، وإلا أكل، وهذا مما لا سبيل إلى إدراكه ولو خرج الجنين وبه حياة مستقرة، اشترط ذبحه أو غير مستقرة حل بغير ذكاة. ولو خرج رأسه ثم ذكيت الأم قال القاضي والبغوي:
стр. 308
لم يحل إلا بذكاة لأنه مقدور عليه. وقال القفال: يحل لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وغيرها، قال في الروضة قول القفال أصح. والله أعلم. وذكر ابن خلكان في تاريخه ان الامام صائن الدين أبا بكر القرطبي «١» كان كثيرا ما ينشد هذين البيتين متمثلا:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين
هما لأبي الخير الكاتب الواسطي رحمة الله عليه.
جهبر:
كجعفر أنثى الدب، وهي إذا أرادت الولادة، استقبلت بنات نعش الصغرى، فتسهل ولادتها. وإذا ولدت يكون ولدها قطعة لحم تخاف عليه من النمل، فتنقله من موضع إلى موضع خوفا من النمل، وربما تركت أولادها وأرضعت ولد الضبع. ولهذا قالت العرب «أحمق من جهبر» .
الجواد:
الفرس الجيد العدو سمي بذلك لأنه يجود بجريه والأنثى جواد أيضا قال الشاعر:
نمته جواد لا يباع جنينها
والجمع جود وجياد كثوب وكثياب. وأجياد جبل بمكة، سمي بذلك لموضع خيل تبع.
ويسمى قعيقعان لموضع سلاحه، وروى جعفر الفريابي، في كتابه فضل الذكر، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لأن أصلي الصبح ثم أجلس في مجلسي فأذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، أحب إليّ من شد على جياد الخيل في سبيل الله » .
وروى النسائي والحاكم وابن السني والبخاري في تاريخه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: ان رجلا جاء إلى الصلاة ورسول الله ﷺ يصلي فقال، حين انتهى إلى الصف الأول:
اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «من المتكلم آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: إذن يعقر جوادك وتستشهد في سبيل الله تعالى» . وفي سنن ابن ماجه من حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه قال: «أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فقال ﷺ : من أهريق دمه وعقر جواده» «٢» . وفي كتاب النصائح لابن ظفر، أن أمة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، اسمها زائدة، وكان النبي ﷺ يقول: «يا زائدة انك لموفقة» . فأتته يوما فقالت: يا رسول الله إني عجنت عجينا لأهلي ثم ذهبت أحتطب، فاحتطبت وأكثرت، فرأيت فارسا على جواد لم أرقط أحسن منه وجها وملبسا وجوادا، ولا أطيب منه ريحا، فأتاني وسلم علي وقال: كيف أنت يا زائدة؟ قلت: بخير والحمد لله. قال: وكيف محمد؟ قلت:
стр. 309
بخير، وينذر الناس بأمر الله. قال: إذا أتيت محمد فأقرئيه مني السلام، وقولي له رضوان خازن الجنة يقرئك السلام، ويقول لك: ما فرح أحد بمبعثك ما فرحت به، فإن الله جعل أمتك ثلاث فرق: فرقة يدخلون الجنة بغير حساب، وفرقة يحاسبون حسابا يسيرا ويدخلون الجنة وفرقة تشفع لهم فتشفع فيهم فيدخلون الجنة. قلت: نعم. ثم ولى عني فأخذت في رفع حطبي فثقل عليّ فالتفت إلي وقال: يا زائدة أثقل عليك حطبك؟ قلت: نعم بأبي وأمي. فعطف عليّ وغمز الحزمة بقضيب أحمر في يده فرفعها، ونظر فإذا هو بصخرة عظيمة فوضع الحزمة بالقضيب عليها، وقال:
اذهبي يا صخرة بالحطب معها، فجعلت الصخرة تدهده بين يدي بالحطب، حتى أتيت «فسجد النبي ﷺ شكرا وحمدا لله تعالى على بشرى رضوان. ثم قال لأصحابه: قوموا لننظر فقاموا وانطلقوا إلى الصخرة فرأوها وعاينوا آثارها» . ويقرب من هذه البشرى ما روي عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: إن رجلا من أهل اليمن جاء إلى كعب الأحبار فقال له: إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة فقال له كعب: هاتها فقال له الرجل: إنه يقول لك: ألم تكن فينا سيدا شريفا مطاعا فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة محمد؟ فقال له كعب: أتراك راجعا إليه؟ قال: نعم. قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفر منك، وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالله الذي فلق البحر لموسى، وأسألك بالله الذي ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها علم كل شيء، ألست تجد في كلمات الله تعالى، أن أمة محمد ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد، فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلني في أي هذه الأثلاث شئت. وفي كتاب خير البشر بخير البشر لمحمد بن ظفر أيضا، قال: روي أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة فوفد عليه زعماء العرب، وشعراؤها وخطباؤها، يهنؤنه، فرفع الحجاب عن الوافدين، وأوسعهم عطاء، واشتد سروره بهم، فبينما هو على ذلك، إذ نام يوما فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وأهالته في حال منامه، فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئا، وثبت ارتياعه في نفسه بها فانقلب سروره حزنا واحتجب عن الوفود حتى أساء به الوفود الظن، ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول له اخبرني عما أريد أن أسألك عنه، فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي، حتى لم يدع كاهنا علمه إلا كان إليه منه ذلك. فتضاعف قلقه، وطال أرقه، وكانت أمه قد تكهنت، فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك، إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه لأن أتباع الكواهن من الجان، ألطف وأظرف من أتباع الكهان! فأمر بحشر الكواهن إليه، وسألهن كما سأل الكهان فلم يجد عند واحدة منهن علما مما أراد علمه. ولما يئس من طلبته، سلا عنها.
ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في طلب الصيد، وانفرد عن أصحابه فرفعت له أبيات في ذرى جبل وكان قد لفحه الهجير، فعدل إلى الأبيات وقصد بيتا منها، كان منفردا عنها فبرزت إليه منه عجوز، فقالت له انزل بالرحب والسعة والأمن والدعة، والجفنة المدعدعة، والعلبة المترعة، فنزل عن جواده ودخل البيت، فلما احتجب عن الشمس، وخفقت عليه الأرواح نام، فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير، فجلس يمسح عينيه، فإذا بين يديه فتاة، لم ير مثلها قواما
стр. 310
ولا جمالا، فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام، هل لك في الطعام؟ فاشتد اشفاقه وخاف على نفسه، لما رأى أنها عرفته وتصامم عن كلمتها، فقالت له: لا حذر فداك البشر، فجدك الأكبر، وحظنا بك الأوفر، ثم قربت إليه ثريدا وقديدا وحيسا. وقامت تذب عنه، حتى انتهى أكله. ثم سقته لبنا صريفا وضريبا. فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة، فملأت عينيه حسنا وقلبه هوى، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي عفيراء. فقال لها: يا عفيراء من الذي دعوته بالملك الهمام؟ قالت: مرثد العظيم الشان، حاشر الكواهن والكهان، لمعضلة بعد عنها الجان. فقال: يا عفيراء أتعلمين تلك المعضلة؟ قالت: أجل أيها الملك إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث أحلام. قال الملك: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا؟ قالت: رأيت أعاصير زوابع، بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما أنت سامع، دعاء ذي جرس صادع، هلموا إلى المشارع، فروي جارع، وغرق كارع. فقال الملك:
أجل هذه رؤياي. فما تأويلها يا عفيراء؟ قالت: الأعاصير الزوابع ملوك تبايع، والنهر علم واسع، والداعي نبي شافع، والجارع ولي تابع، والكارع عدوّ منازع. فقال الملك: يا عفيراء أسلم هذا النبي أم حرب؟ فقالت: أقسم برافع السماء، ومنزل الماء من العماء، إنه لمطل الدماء، ومنطق العقائل نطق الإماء. فقال الملك: الام يدعو يا عفيراء؟ قالت إلى صلاة وصيام، وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. فقال الملك: يا عفيراء من قومه؟ قالت مضر بن نزار، ولهم منه نقع مثار، ينجلي عن ذبح وآثار. فقال الملك: يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده؟ قالت أعضاده غطاريف يمانون، طائرهم به ميمون، يغزيهم فيغزون، ويدمث بهم الحزون «١» وإلى نصره يعتزون. فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها، فقالت: أبيت اللعن أيها الملك، إن تابعي غيور، ولأمري صبور، وناكحي مثبور، والكلف بي ثبور، فنهض الملك وجال في صهوة جواده، وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء. قال محمد بن ظفر: أوغل في طلب الصيد أي بالغ في ذلك وأمعن، والوغول الدخول في الشيء بقوة.
وذرجبل بفتح الذال المعجمة الكن والمدعدعة هي التي ملئت بقوة ثم حركت حتى تراص ما فيها ثم ملئت بعد ذلك. والعلبة بضم العين المهملة واسكان اللام اناء من جلد. والأرواح هي الرياح. وصريفا اللبن المحض بحدثان الحلاب يصرف عن الضرع إلى الشارب وضريبا اللبن الرائب. وبعد عنها الجان أي جبنوا عنها ولم يطيقوها. وأعاصير زوابع هي من الرياح ما يثير التراب فيعليه في الجوّ، ويديره وساطع أي مرتفع. ودعاء ذي جرس صادع. الجرس الصوت والمشارع المداخل إلى النهر. وجارع أي من شرب جرعا أمن وكارع أي من أمعن غرق. وتبايع جمع تبع، وهذا لقب لملوك اليمن، وهو من الأتباع لأن بعضهم كان يتبع في الملك بعضا. والعماء هو الغيم والغمام، ومنطق العقائل هن الكرائم من النساء، أي يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن، كالإماء للمهنة والخدمة. ونقع مثار: النقع الغبار يثيره المتحاربون. والأعضاد الأنصار. والغطاريف السادة والتغطرف التكبر. ويدمث أي يسهل ويؤامر نفسه يراد به تعارض
стр. 311
الرأيين المتضادين في النفس وجال في صهوة جواده: جال أي وثب، والصهوة مقعد الفارس من ظهر فرسه. والكوماء الناقة العظيمة السنام.
ونظير هذا من الرؤيا المنسية، وليست من أخبار الكهان، وإنما هو خبر نبوي، رؤيا بختنصر، وذلك أن بختنصر، لما غزا بيت المقدس، اختار من سبي بني اسرائل مائة ألف صبي، فكان منهم دانيال ﵇، فرأى بختنصر رؤيا ارتاع لها، وحدث له في المنام ما أنساه الرؤيا، فسأل الكهان والسحرة والمنجمين عن ذلك، فقالوا له: إن أخبرتنا عن رؤياك أخبرناك عن تأويلها، فقال: إني قد أنسيتها، ولئن لم تخبروني بها لأنزعن أكتافكم. فخرجوا من عنده مذعورين ثم رجع إليه أحدهم فقال له: أيها الملك، إن لم يكن أحد عنده علم بالرؤيا، فهو دانيال الغلام الإسرائيلي، فأحضره وسأله فقال له دانيال: إن لي ربا عنده علم ذلك، فأجلني فأجله ثلاثا، فخرج دانيال فأقبل على الصلاة والدعاء، فأوحى الله إليه بالرؤيا وبتأويلها، فأتى إلى بختنصر وقال له: إنك رأيت صنما قدماه وساقاه من فخار، وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضة، وصدره من ذهب، وعنقه ورأسه من حديد. قال: صدقت: قال دانيال: فبينما أنت تنظر إليه وتتعجب منه، إذ أرسل الله عليه صخرة من السماء فهشمته، فصار رفاتا، ثم عظمت تلك الصخرة، حتى ملأت الدنيا، فهي التي أنستك الرؤيا. قال: صدقت. فما تأويلها؟ قال دانيال: أما الصنم فهو مثل لملوك الدنيا، وكان بعضهم ألين ملكا من بعض، فكان أول الملك الفخار وهو أضعفه، ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد، ثم كان فوقه الفضة وهي أفضل وأحسن، ثم كان فوقه الذهب وهو أفضل منها وأحسن من ذلك كله، ثم كان الحديد من فوقه وهو أشد منه، وهو ملكك فهو أشد ملك، وأعز مما كان قبله. وأما الصخرة التي أرسلها الله من السماء، فنبي يبعثه الله في آخر الزمان، فيدق ذلك كله أجمع، وتمتلىء الدنيا بدينه، ويصير الأمر إليه ويقيم له ملكا لا يزول أبدا ما بقي الدهر. فعجب بختنصر مما سمع، وأحسن إلى دانيال وقربه وأعلى منزلته.
وذكر ابن خلكان في ترجمة ابن القرية «١» واسمه أيوب بن زيد بن القرية، بكسر القاف وتشديد الراء المهملة وكسرها بالياء المثناة تحت. وكان أعرابيا مقربا عند الحجاج، أن الحجاج بعثه إلى عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي لما خرج على عبد الملك بن مروان، وخلعه ودعا إلى نفسه، فقال ابن الأشعث: لتقومن خطيبا، ولتخلعن ابن مروان، ولتسبن الحجاج، أو لأضربن عنقك. ففعل ابن القرية ذلك وأقام عند ابن الأشعث، فلما قتل ابن الأشعث بدير الجماجم، في الوقعة التي كانت بينه وبين الحجاج، جىء بابن القرية إلى الحجاج فسأله عن أشياء، فمن كلامه في جواب الحجاج ملخصا: أهل العراق أعلم الناس بحق وباطل. أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها. أهل الشأم أطوع الناس لخلفائهم. أهل مصر عبيد من غلب. أهل اليمن أهل طاعة ولزوم جماعة. أرض الهند بحرها در وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.
اليمن أصل العرب وأصل البيوتان والحسب. مكة رجالها علماء حفاة، ونساءها كساة عراة.
стр. 312
المدينة رسخ العلم فيها وظهر منها. البصرة شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح. الكوفة ارتفعت عن حر البحر، وسفلت عن برد الشأم. واسط جنة بين حمأة وكنة. قال وما حمأتها وكنتها؟ قال: البصرة والكوفة يحسدانها وما يضرها، ودجلة والفرات يتجاريان بإضافة الخير عليها. الشأم عروس بين نسوة جلوس. ثم قال في أثناء كلامه «لكل جواد كبوة» «١» ، «ولكل صام نبوة» «٢» ، «ولكل حليم هفوة» «٣» . فقال الحجاج: إن العرب تزعم أن لكل شيء آفة. قال:
صدقت العرب، أصلح الله الأمير، آفة الحلم الغضب، وآفة العقل العجب، وآفة العلم النسيان، وآفة السخاء المن عند البذل، وآفة العبادة الفترة، وآفة الكرم مجاورة اللئام، وآفة الشجاعة البغي، وآفة الماء سوء التدبير، وآفة الكامل من الرجال العدم. قال: فما آفة الحجاج؟
قال: لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه. فقال الحجاج: امتلأت شقاقا، وأظهرت نفاقا. اضربوا عنقه. فلما رآه قتيلا ندم على قتله. وكان قتله في سنة أربع وثمانين وقد ذكرت هذه الحكاية بطولها في كتاب «غاية الارب في كلام حكماء العرب» . وهو في ثلاثة مجلدات. ومن أمثال العرب المشهورة «ان الجواد عينه «٤» فراره» . أي يغنيك شخصه ومنظره، عن أن تخبره وأن تفر أسنانه.
وحكى صاحب ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار، أنه عرض على أبي مسلم الخراساني، صاحب الدعوة جواد لم ير مثله، فقال لقواده: لماذا يصلح هذا الجواد؟ قالوا: للغزو في سبيل الله. قال: لا. قالوا: فيطلب عليه العدوّ. قال: لا. قالوا: فلماذا يصلح أصلح الله الأمير؟ قال:
ليركبه الرجل، ويفر به من المرأة السوء، والجار السوء. ومن أحسن أوصاف الخيل الصافنات قال الله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ
«٥» قال أهل التفسير: إنها كانت ألف فرس لسليمان ﵊، وإنما عقرها لأنها كانت سببا في فوت الصلاة. قال بعض العلماء:
لما ترك الخيل لله، عوضه الله عنها، ما هو خير له منها، وهو الريح التي كان غدوها شهرا ورواحها شهرا. وروى الإمام أحمد قال: حدثنا اسماعيل قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو هذا البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ ، فجعل يعلمني مما علمه الله ، فكان من كلامه: «إنك لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه» . وأخرجه «٦» النسائي من حديث ابن المبارك عن سليمان بن الحسين. وأبو الدهماء اسمه قرفة بن بهيس، وقيل بن بيهس. روى له الجماعة إلا البخاري. وقال الثعلبي: كانت بالناس مجاعة، ولحوم الخيل لهم حلال، وإنما عقرها لتؤكل، على وجه القربة بها، كالهدي عندنا، ونظير هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه، إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي، وهو في الصلاة فشغله.
والصافن الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك برجله، وهي
стр. 313
علامة الفراسة كما قال في حقه العجّاج «١» :
ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسير
وقال بعضهم: الخير في الآية الخيل. والعرب تسمي الخيل خيرا. ولذلك قال ﵊ لزيد الخيل: «أنت زيد الخير» . وكان ﵁، إذا ركب الخيل، خطت رجلاه الأرض واسمه زيد بن مهلهل بن زيد الطائي، وكان كثير الخيل، لم يكن لأحد من قومه، ولا لكثير من العرب إلا الفرس أو الفرسان، وكان له الخيل الكثيرة منها الهطال والكميت والورد والكامل ولاحق ودموك قدم على رسول الله ﷺ في وفد طيء سنة تسع فأسلم وقال له النبي ﷺ :
«ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته بدون تلك الصفة إلا أنت، فإنك فوق ما قيل لي إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الأناة والحلم» . وفي رواية الحياء والحلم. فقال:
الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله. مات بعد رجوعه من عند النبي ﷺ محموما عند قومه. وكان ﷺ يقول: «إنه نعم الفتى إن لم تدركه أم مبدم» . وروي أنه ﷺ قال له: «يا زيد الخير تقتلك أم كلبة» يعني الحمى. فلما رجع إلى أهله حم ومات، رضي الله تعالى عنه.
وقال ابن عباس والزهري: مسح سليمان ﷺ بالسوق والأعناق، لم يكن بالسيف بل بيده تكريما لها ومحبة. ورجحه الطبري وقال بعضهم: بل غسلها بالماء وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسما بالتحبيس في سبيل الله تعالى. وجمهور المفسرين على أنها كانت خيلا موروثة. وقال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس. فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد من الخيل، وهذا بعيد. وقال بعضهم: كانت عشرين فرسا أخرجها الشيطان له من البحر، وكانت ذوات أجنحة. وأما قوله «٢» وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
فقال الجمهور أراد أن يفرده من بين البشر ليكون خاصة له وكرامة وهذا هو الظاهر من خبر العفريت الذي ظهر للنبي ﷺ في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسارية من سواري المسجد كما تقدم. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة أيضا.
وروى النسائي وابن ماجه، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إن سليمان بن داود ﵊، لما فرغ من بنيان بيت المقدس سأل الله تعالى حكما يصادف حكمه وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأن لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال رسول الله ﷺ أما الاثنتان، فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة؟؟. انتهى فقد دعا نبي ورجا نبي. وأما صفة كرسيه ﵊، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان يوضع لسليمان ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتقلهم، وتسير مسيرة شهر غدوا ورواحا، وذلك أن سليمان ﵊ لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي، يجلس عليه للقضاء،
стр. 314
وأمر بأن يعمل عملا بديعا مهولا بحيث إذا رآه مبطل أو شاهد زور، ارتدع وبهت، فأمر أن يجعل من أنياب الفيلة مرصعا بالدر والياقوت والزبرجد، وأن يحف بأربع نخلات من ذهب شماريخها «١» الياقوت منهما عمود من الزبرجد الأخضر. على رأس نختلتين منها طاووسان من ذهب، وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب، بعضها يقابل بعضا. وجعل بجانب الكرسي أسدين من ذهب، وعلى رأس كل واحد منهما عمود من الزبرجد الأخضر. وقد عقد على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر وعناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث تظل عروش الكروم والنخل الكرسي. وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحا المسرعة وتنشر تلك الطيور والنسور أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما، فإذا استوى على أعلاه أخذ النسران، اللذان في النخلتين، تاج سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه فيدور معه النسران والطاووسان والأسدان مائلات برؤوسها إلى سليمان، وينضحن عليه من أجوافهن المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب، قائمة على عمود، من أعمدة الجواهر، فوق الكرسي، التوراة فيفتحها سليمان ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء.
ويجلس عظماء بني اسرائيل على كراسي الذهب المرصعة بالجوهر، وهي ألف كرسي عن يمينه، ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره، وهي ألف كرسي، ثم تحف بهم الطيور فتظلهم. ويتقدم الناس لفصل الخصومات، فإذا تقدمت الشهود لأداء الشهادات، دار الكرسي بما فيه وعليه، دوران الرحا المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتها، فيفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. فلما توفي سليمان ﵊، وغزا بختنصر بيت المقدس، حمل الكرسي إلى انطاكية وأراد أن يصعد عليه فلم يقدر، وضرب الأسدان رجله فكسراها. ثم لما هلك بختنصر حمل الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع ملك قط أن يجلس عليه. ولم يدر أحد ما آل إليه عاقبة أمره، ولعله رفع. وإنما ذكرت صفته هنا لأنه من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده. وزعم الطبري أن بختنصر، ليس من الملوك الأربعة الذين ملكوا الأقاليم كلها، كما قاله العتبي ومن تقدمه إلى هذا القول. قال: ولكنه كان عاملا على العراق للملك المالك للأقاليم في ذلك الحين وهو كيلهراسب. والصحيح ما قاله العتبي وغيره.
وذكر أهل التاريخ وأصحاب السير أن رجلا من بني إسرائيل إسمه إسحاق في زمن عيسى بن مريم ﵉، كان له ابنة عم من أجمل أهل زمانها وكان مغرما بها، فماتت فلزم قبرها ومكث زمانا لا يفتر عن زيارته، فمرّ به عيسى يوما وهو على قبرها يبكي، فقال له عيسى ﵇: ما يبكيك يا إسحق؟ فقال له: يا روح الله كانت لي ابنة عم وهي زوجتي، وكنت أحبها حبا شديدا وإنها قد توفيت، وهذا قبرها وإني لا أستطيع الصبر عنها وقد قتلني فراقها، فقال له عيسى: أتحب أن أحييها لك بإذن الله؟ قال: نعم يا روح الله فوقف عيسى على القبر، وقال: قم يا صاحب هذا القبر بإذن الله: فانشق القبر وخرج منه عبدا أسود، والنار خارجة من مناخره وعينيه، ومنافذ وجهه، وهو يقول:
стр. 315
لا إله إلّا الله عيسى روح الله وكلمته وعبده ورسوله، فقال إسحاق: يا روح الله:
وكلمته ما هذا القبر الذي فيه زوجتي، وإنما هو هذا وأشار إلى قبر آخر، فقال عيسى للأسود: ارجع إلى ما كنت فيه فسقط ميتا فواراه في قبره. ثم وقف على القبر الآخر وقال: قم يا ساكن هذا القبر بإذن الله، فقامت المرأة وهي تنثر التراب عن وجهها، فقال عيسى: هذه زوجتك؟ قال: نعم يا روح الله. قال: خذ بيدها وانصرف. فأخذها ومضى فأدركه النوم فقال لها: إنه قد قتلني السهر على قبرك، وأريد أن آخذ لي راحة. قالت:
افعل فوضع رأسه على فخذها ونام. فبينما هو نائم إذ مر عليها ابن الملك، وكان ذا حسن وجمال وهيئة عظيمة، راكبا على جواد حسن، فلما رأته هويته، وقامت إليه مسرعة، فلما نظرها وقعت في قلبه، فأتت إليه وقالت: خذني. فأردفها على جواده وسار فاستيقظ زوجها ونظر فلم يرها فقام يطلبها، وقص أثر الجواد فأدركهما، وقال لابن الملك: اعطني زوجتي وابنة عمي، فأنكرته وقالت: أنا جارية ابن الملك فقال: بل أنت زوجتي وابنة عمي. فقالت: ما أعرفك! وما أنا إلا جارية ابن الملك! فقال له ابن الملك: أفتريد أن تفسد جاريتي؟ فقال: والله إنها لزوجتي وإن عيسى بن مريم أحياها لي بإذن الله، بعد أن كانت ميتة، فبينما هم في المنازعة إذ مر عيسى ﷺ فقال إسحاق: يا روح الله أما هذه زوجتي التي أحييتها لي بإذن الله؟ قال: نعم. فقالت: يا روح الله إنه يكذب وإني جارية ابن الملك. وقال ابن الملك: هذه جاريتي. قال عيسى: ألست التي أحييتك بإذن الله؟ قالت: لا والله يا روح الله. قال: فردي علينا ما أعطيناك. فسقطت ميتة.
فقال عيسى: من أراد أن ينظر إلى رجل أماته الله كافرا ثم أحياه وأماته مسلما، فلينظر إلى ذلك الأسود. ومن أراد أن ينظر إلى امرأة أماتها الله مؤمنة، ثم أحياها وأماتها كافرة، فلينظر إلى هذه.
وإن إسحاق الإسرائيلي، عاهد الله تعالى أن لا يتزوج أبدا، وهام على وجهه في البراري باكيا.
وفي هذه الحكاية أعظم عبرة لأولي الألباب وهي من أعجب ما يسمع في التوفيق والخذلان، نسأل الله تعالى السلامة، وحسن الخاتمة، بجاه سيدنا محمد وآله. وقد أحببت أن أذكر هنا ما أخبرني به بعض العلماء العارفين وهو أن عيسى ﷺ اجتاز في بعض الأيام بجبل، فرأى فيه صومعة فدنا منها فرأى فيها متعبدا قد انحنى ظهره، ونحل جسمه، وبلغ به الاجتهاد أقصى غاياته، فسلم عليه وقال له: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ فقال: منذ سبعين سنة أسأله حاجة واحدة وما قضاها لي بعد! فعساك يا روح الله أن تكون شفيعا لي فيها فعساها تقضى! فقال له عيسى: وما حاجتك؟
قال: أن يذيقني مثقال ذرة من خالص محبته. فقال عيسى: ها أنا أدعو الله لك في ذلك فدعا له عيسى في تلك الليلة فأوحى الله إليه إني قد قبلت شفاعتك، وأجبت دعوتك. فعاد عيسى بعد أيام إلى ذلك الموضع فرأى الصومعة قد وقعت والأرض التي تحتها قد شقت، فنزل عيسى ذلك الشق إلى منتهاه فرأى العابد في مغارة تحت ذلك الجبل، واقفا شاخصا مثقال ذرة من خالص محبتنا فعلمنا أنه لا يطيق ذلك، فوهبناه جزءا من سبعين ألف جزء من ذرة، فهو فيها حائر كما ترى فكيف لو وهبناه أكثر من ذلك؟! اهـ قلت: فمحبة الخواص من هذه المعادن رشحت، وبهذه الأوصاف عرفت، واعلم أن المحبة هي أوّل أودية الفناء، والعقبة التي تنحدر منها إلى منازل المحو. وقد اختلفت إشارات أهل التحقيق في العبارة عنها، فكل نطق بحسب ذوقه، وافصح
стр. 316
بمقدار شوقه. ليس هذا موضع حكاية أقوالهم، واختلاف عباراتهم فيها، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا الجوهر الفريد في أواخر الجزء الثامن، ولنذكر لمعة يستأنس بها الناظر، في هذا الكتاب. فاعلم أن المحبة على الإجمال موافقة المحبوب فيما شاء سواء فيما حزن أو سر، نفع أو ضر، وقد أشار بعضهم إلى ذلك بقوله «١» :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
فأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم «٢»
واعلم أن الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأبى الستر والإخفاء، فكل من بسط لسانه في العبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق، وإنما حركه وجدان الرائحة، ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف. فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه، وإنما تظهر بشمائله ولحظه، ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع امتزاج الأسرار من القلوب، وقد قيل في ذلك:
تشير فأدري ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفي عند ذاك فتفهم
تكلم منا في الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
وأما محبة العوام، فهي محبة تنبت من مطالعة المنة، وتثبت باتباع السنة، وتنمو على الإجابة للغاية، وهي محبة تقطع الوساوس، وتلذذ الخدمة، وتسلي عن المصائب، وهي في طريق العوام عمدة الإيمان فعند القوم كل ما كان من العبد، فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته. وإنما عين الحقيقة أن يكون العبد قائما بإقامة الحق له، محبا بمحبته له نظارا بنظره إليه من غير أن تبقى فيه بقية تقف على رسم، أو تناط باسم، أو تتعلق بأثر، أو توصف بنعت، أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمي لدينا محضرون.
وروي: عن إبراهيم الخواص، رحمة الله عليه، أنه قال: عطشت، في بعض سياحاتي، عطشا شديدا، حتى سقطت من شدة العطش، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهي، فأحسست ببرده على فؤادي، ففتحت عيني فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه على جواد أشهب، عليه ثياب خضر وعمامة صفراء، وبيده قدح، فسقاني منه شربة، وقال لي: ارتدف خلفي فارتدفت، فلم يبرح حتى قال لي: ما ترى؟ قلت: المدينة. قال: انزل واقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام وقل له:
رضوان خازن الجنة يقرأ ﵇. وهذه كرامة عظيمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال شيخنا اليافعي: من رأيتموه يزدري بالأولياء، أو ينكر مواهب الأصفياء، فاعلموا أنه محارب لله مبعد من رحمته مطرود عن حقيقة قربه به والله أعلم.
стр. 317
الجواف:
بالضم والتخفيف ضرب من السمك وليس من جيده ومنه قول مالك بن دينار:
أكلت رغيفا ورأس جوافه، فعلى الدنيا العفاء. أي الدروس، وذهاب الأثر وقيل العفاء التراب.
الجوذر
: بفتح الذال المعجمة وضمها، والجؤذر بالهمزة أيضا مع الواو: ولد البقرة الوحشية قال الشاعر:
أن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء «١» ؟
ولقد أجاد علي بن إسحاق الزاهي حيث يقول «٢» :
وبيض بالحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا
تصدين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
واطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا
ومما يستجاد من شعره:
الريح تعصف والأغصان تعتنق ... والمزن باكية والزهر مغتبق
كأنما الليل جفن والبروق له ... عين من الشمس تبدو ثم تنطبق
وله أيضا وأجاد «٣» :
تبدت فهذا البدر من خجل بها ... وحقك مثلي في دجى الليل حائر «٤»
وماست فشق الغصن غيظا جيوبه ... ألست ترى أوراقه تتناثر
فأجيز على ذلك:
وفاحت فألقى العود في النار جسمه ... كذا نقلت عنه الحديث المجامر «٥»
وقالت فغار الدر واصفر لونه ... كذلك ما زالت تغار الضرائر
وله أيضا وقيل لغيره:
بادر إذا حاجة في وقتها عرضت ... فللحوائج أوقات وساعات
إن أمكنت فرصة فانهض لها عجلا ... ولا تأخر فللتأخير آفات
стр. 318
وله وأحسن:
أما ترى الغيث كلما ضحكت ... كمائم الزهر في الرياض بكى
كالحب يبكي لديه عاشقه ... وكلما فاض دمعه ضحكا
وله أيضا:
لحى الله أمرءا أولا لسرا ... فبحت به وفض الله فاه
لأنك بالذي استودعت منه ... أنم من الزجاج بما وعاه
وقد قيل في المعنى وأجاد قائله:
ينم بسر مستوعبه سرا ... كما نم الظلام بسر نار
أتم من النصول على مشيب ... ومن صافي الزجاج على عقار
توفي الزاهي سنة ستين وثلاثمائة وهو شاعر ماهر رحمه الله تعالى.
الجوزل:
بفتح الجيم، فرخ الحمام والقطا وأنواعهما. وسيأتي ذكره في لفظ القطا والجمع جوازل قال الشاعر:
يا ابنة عمي لا أحب الجوزلا ... ولا أحب قرصك المفلفلا
وإنما أحب ظبيا أعبلا ... وربما سمي الشاب جوزلا
جيال:
كجبال، اسم للضبع على فعال، وهي معرفة بلا ألف ولام.
وحكمها يأتي في باب الضاد المعجمة.
الأمثال:
قالوا: «أنبش من جيال» «١» لأنها تنبش القبور، وتخرج جيف الموتى من باطن الأرض إلى ظاهرها.
أبو جرادة: هو الطائر الذي يسميه أهل العراق الباذنجان، ويسميه أهل الشأم البصير، يؤخذ لحمه فيذوب ويتمسح به من كانت البواسير به ظاهرة ينفعه نفعا بينا والله أعلم.
باب الحاء المهملة
حائم:
هو الغراب الأسود لأنه يحوم عندهم بالفراق قال المرقش «٢» :
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحائم «٣»
فإذا الأشائم كالايا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم
стр. 319
وستأتي، إن شاء الله تعالى، هذه الأبيات في أول باب الواو. ويسمى غراب البين وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة.
الحارية:
نوع من الأفعى وقد تقدم في باب الهمزة.
الحباب:
الحية قال الجوهري: وإنما قيل لها ذلك لأن الحبائب اسم شيطان، والحية يقال لها شيطان. روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: «بلغني أن النبي ﷺ غير اسم رجل من الأنصار، كان اسمه الحباب. وقال: «الحباب اسم شيطان» . وقال أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح.
وغير النبي ﷺ اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وهشاب وحباب. والرجل الذي غير النبي ﷺ اسمه هو عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول. كان اسمه الحباب «فسماه النبي ﷺ عبد الله» . وأبوه كان يكنى أبا الحباب.
الحبتر:
الثعلب وقد تقدم ذكره في باب الثاء المثلثة.
الحبث:
حية بتراء ذات سم قاتل. وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ الحية في آخر هذا الباب.
حباحب:
كهداهد حيوان له جناحان كالذباب يضيء بالليل كأنه نار وقد ضربت العرب به المثل فقالوا: «أضعف من نار الحباحب» «١» وقيل: الحباحب اسم رجل من محارب بن خصفة، مشهور بالبخل، كانت له نار ضعيفة يوقدها مخافة الضيفان، فضربوا به المثل لذلك. قال الجوهري: وربما قيل نار أبي الحباحب، وهو ذباب. وقال في المرصع: يقال للنار القليلة التي لا ينتفع بها، وللذباب الطائر في الليل أبو حباحب. غير مصروف قلت: وهذا الطائر يسمى القطرب ذكره ابن البيطار وغيره وقال في الصحاح: القطرب طائر.
وحكمه:
تحريم الأكل لأنه من الحشرات.
الحبارى:
بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة: طائر معروف وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى. واحده وجمعه سواء، وإن شئت قلت في الجمع: حباريات. قال الجوهري: وألف حبارى ليست للتأنيث ولا للإلحاق وإنما بني الاسم عليها، فصارت كأنها من نفس الكلمة، لا تنصرف في معرفة ولا نكرة، أي لا تنون. قلت: وهذا سهو منه بل ألفها للتأنيث كسماني ولو لم تكن له لانصرفت. وأهل مصر يسمون الحبارى الحبرج. وهي من أشد الطير طيرانا، وأبعدها شوطا، وذلك أنها تصاد بالبصرة، وفيوجد في حواصلها الحبة الخضراء، التي شجرها البطم، ومنابتها تخوم بلاد الشأم. ولذلك قالوا في المثل «أطلب من الحبارى» . وإذا نتف ريشها أو تحسر وأبطأ نباته ماتت كمدا. والكمد الحزن المكتوم. وهو طائر طويل العنق رمادي اللون في منقاره بعض طول وقال الجاحظ: الحبارى لها خزانة في دبرها وأمعائها لها أبدا فيها سلح رقيق. فمتى ألح عليها الصقر سلحت عليه فينتف ريشه كله، وفي ذلك هلاكه. وقد جعل الله تعالى سلحها سلاحا لها قال الشاعر «٢» :
стр. 320
وهم يتركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام
ومن شأنها أنها تصاد ولا تصيد. روى البيهقي في الشعب من حديث يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال أبو هريرة: كذب والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزالا من خطايا بني آدم، وهو كذلك في تفسير الثعلبي في آخر سورة فاطر يعني إذا كثرت الخطايا، منع الله القطر عن أهل الأرض. وإنما يصيب الطير من الحب والثمرة على قدر المطر قال الشاعر:
يسقط الطير حيث يلتقط ... الحب وتغشى منازل الكرماء «١»
وهي من أكثر الطير حيلة في تحصيل الرزق، ومع ذلك تموت جوعا لهذا السبب فسبحان القادر على ما يشاء وولدها يقال له نهار، وفرخ الكروان يقال له ليل ولذلك قال الشاعر:
ونهارا رأيت منتصف اللي ... ل وليلا رأيت وسط النهار
الحكم:
يحل أكلها لأنها من الطيبات. روى أبو داود والترمذي عن يزيد بن عمر بن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، عن أبيه عن جده أنه قال: «أكلت مع رسول الله ﷺ حبارى» . «٢» قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
الأمثال:
قالوا: «أنكد من الحبارى» كما تقدم. وقال عثمان: «كل شيء يحب ولده حتى الحبارى» . «٣» وإنما خصها بالذكر لأنها يضرب بها المثل في الحمق، فهي، على حمقها، تحب ولدها فتطعمه وتعلمه الطيران كغيرها من الحيوان. وقالوا: «أسلح من الحبارى» «٤» حالة الخوف «وأسلح من الدجاج» «٥» حالة الأمن. وقالوا: «الحبارى خالة الكروان» «٦» وقالوا: «٧» «أقصر من إبهام الحبارى» و «من إبهام القطاة» .
الخواص:
لحم الحبارى بين لحم الدجاج ولحم البط في الغلظ، وهو أخف من لحم البط لأنه بري وهو حار ورطب جدا. وأجوده المخاليف المكدودة قبل الذبح وهو نافع لتسكين الرياح، لكنه يضر بالمفاصل والقولنج. ويدفع ضرره الدارصيني والزيت والخل، ويتولد منه دم بلغمي ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة من الشبان، لا سيما إذا أكل في الشتاء وفي البلاد الباردة. وقال صاحب تقويم الصحة: يكره لحم الحبارى لغلظه وعسر انهضامه وأجوده ما طبخ بعد أن يمضي عليه يومان ثم يغرز في صدره وأفخاذه الثوم الكثير والفلفل، ويعمل بالأبازير وهو إذا انهضم ولد غذاء كثيرا. وما كان منه مخلفا خير مما كان عتيقا، ويجب أن يتناول بعده حلواء العسل انتهى.
وقال القزويني: يوجد في حوصلته حجر إذا علق على الإنسان لا يحتلم ما دام عليه وإن
следующие страницы →