Полный текст (1 095 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بمقدار شوقه. ليس هذا موضع حكاية أقوالهم، واختلاف عباراتهم فيها، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا الجوهر الفريد في أواخر الجزء الثامن، ولنذكر لمعة يستأنس بها الناظر، في هذا الكتاب. فاعلم أن المحبة على الإجمال موافقة المحبوب فيما شاء سواء فيما حزن أو سر، نفع أو ضر، وقد أشار بعضهم إلى ذلك بقوله «١» :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
فأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم «٢»
واعلم أن الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأبى الستر والإخفاء، فكل من بسط لسانه في العبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق، وإنما حركه وجدان الرائحة، ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف. فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه، وإنما تظهر بشمائله ولحظه، ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع امتزاج الأسرار من القلوب، وقد قيل في ذلك:
تشير فأدري ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفي عند ذاك فتفهم
تكلم منا في الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
وأما محبة العوام، فهي محبة تنبت من مطالعة المنة، وتثبت باتباع السنة، وتنمو على الإجابة للغاية، وهي محبة تقطع الوساوس، وتلذذ الخدمة، وتسلي عن المصائب، وهي في طريق العوام عمدة الإيمان فعند القوم كل ما كان من العبد، فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته. وإنما عين الحقيقة أن يكون العبد قائما بإقامة الحق له، محبا بمحبته له نظارا بنظره إليه من غير أن تبقى فيه بقية تقف على رسم، أو تناط باسم، أو تتعلق بأثر، أو توصف بنعت، أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمي لدينا محضرون.
وروي: عن إبراهيم الخواص، رحمة الله عليه، أنه قال: عطشت، في بعض سياحاتي، عطشا شديدا، حتى سقطت من شدة العطش، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهي، فأحسست ببرده على فؤادي، ففتحت عيني فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه على جواد أشهب، عليه ثياب خضر وعمامة صفراء، وبيده قدح، فسقاني منه شربة، وقال لي: ارتدف خلفي فارتدفت، فلم يبرح حتى قال لي: ما ترى؟ قلت: المدينة. قال: انزل واقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام وقل له:
رضوان خازن الجنة يقرأ ﵇. وهذه كرامة عظيمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال شيخنا اليافعي: من رأيتموه يزدري بالأولياء، أو ينكر مواهب الأصفياء، فاعلموا أنه محارب لله مبعد من رحمته مطرود عن حقيقة قربه به والله أعلم.
стр. 317
الجواف:
بالضم والتخفيف ضرب من السمك وليس من جيده ومنه قول مالك بن دينار:
أكلت رغيفا ورأس جوافه، فعلى الدنيا العفاء. أي الدروس، وذهاب الأثر وقيل العفاء التراب.
الجوذر
: بفتح الذال المعجمة وضمها، والجؤذر بالهمزة أيضا مع الواو: ولد البقرة الوحشية قال الشاعر:
أن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء «١» ؟
ولقد أجاد علي بن إسحاق الزاهي حيث يقول «٢» :
وبيض بالحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا
تصدين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
واطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا
ومما يستجاد من شعره:
الريح تعصف والأغصان تعتنق ... والمزن باكية والزهر مغتبق
كأنما الليل جفن والبروق له ... عين من الشمس تبدو ثم تنطبق
وله أيضا وأجاد «٣» :
تبدت فهذا البدر من خجل بها ... وحقك مثلي في دجى الليل حائر «٤»
وماست فشق الغصن غيظا جيوبه ... ألست ترى أوراقه تتناثر
فأجيز على ذلك:
وفاحت فألقى العود في النار جسمه ... كذا نقلت عنه الحديث المجامر «٥»
وقالت فغار الدر واصفر لونه ... كذلك ما زالت تغار الضرائر
وله أيضا وقيل لغيره:
بادر إذا حاجة في وقتها عرضت ... فللحوائج أوقات وساعات
إن أمكنت فرصة فانهض لها عجلا ... ولا تأخر فللتأخير آفات
стр. 318
وله وأحسن:
أما ترى الغيث كلما ضحكت ... كمائم الزهر في الرياض بكى
كالحب يبكي لديه عاشقه ... وكلما فاض دمعه ضحكا
وله أيضا:
لحى الله أمرءا أولا لسرا ... فبحت به وفض الله فاه
لأنك بالذي استودعت منه ... أنم من الزجاج بما وعاه
وقد قيل في المعنى وأجاد قائله:
ينم بسر مستوعبه سرا ... كما نم الظلام بسر نار
أتم من النصول على مشيب ... ومن صافي الزجاج على عقار
توفي الزاهي سنة ستين وثلاثمائة وهو شاعر ماهر رحمه الله تعالى.
الجوزل:
بفتح الجيم، فرخ الحمام والقطا وأنواعهما. وسيأتي ذكره في لفظ القطا والجمع جوازل قال الشاعر:
يا ابنة عمي لا أحب الجوزلا ... ولا أحب قرصك المفلفلا
وإنما أحب ظبيا أعبلا ... وربما سمي الشاب جوزلا
جيال:
كجبال، اسم للضبع على فعال، وهي معرفة بلا ألف ولام.
وحكمها يأتي في باب الضاد المعجمة.
الأمثال:
قالوا: «أنبش من جيال» «١» لأنها تنبش القبور، وتخرج جيف الموتى من باطن الأرض إلى ظاهرها.
أبو جرادة: هو الطائر الذي يسميه أهل العراق الباذنجان، ويسميه أهل الشأم البصير، يؤخذ لحمه فيذوب ويتمسح به من كانت البواسير به ظاهرة ينفعه نفعا بينا والله أعلم.
باب الحاء المهملة
حائم:
هو الغراب الأسود لأنه يحوم عندهم بالفراق قال المرقش «٢» :
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحائم «٣»
فإذا الأشائم كالايا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم
стр. 319
وستأتي، إن شاء الله تعالى، هذه الأبيات في أول باب الواو. ويسمى غراب البين وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة.
الحارية:
نوع من الأفعى وقد تقدم في باب الهمزة.
الحباب:
الحية قال الجوهري: وإنما قيل لها ذلك لأن الحبائب اسم شيطان، والحية يقال لها شيطان. روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: «بلغني أن النبي ﷺ غير اسم رجل من الأنصار، كان اسمه الحباب. وقال: «الحباب اسم شيطان» . وقال أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح.
وغير النبي ﷺ اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وهشاب وحباب. والرجل الذي غير النبي ﷺ اسمه هو عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول. كان اسمه الحباب «فسماه النبي ﷺ عبد الله» . وأبوه كان يكنى أبا الحباب.
الحبتر:
الثعلب وقد تقدم ذكره في باب الثاء المثلثة.
الحبث:
حية بتراء ذات سم قاتل. وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ الحية في آخر هذا الباب.
حباحب:
كهداهد حيوان له جناحان كالذباب يضيء بالليل كأنه نار وقد ضربت العرب به المثل فقالوا: «أضعف من نار الحباحب» «١» وقيل: الحباحب اسم رجل من محارب بن خصفة، مشهور بالبخل، كانت له نار ضعيفة يوقدها مخافة الضيفان، فضربوا به المثل لذلك. قال الجوهري: وربما قيل نار أبي الحباحب، وهو ذباب. وقال في المرصع: يقال للنار القليلة التي لا ينتفع بها، وللذباب الطائر في الليل أبو حباحب. غير مصروف قلت: وهذا الطائر يسمى القطرب ذكره ابن البيطار وغيره وقال في الصحاح: القطرب طائر.
وحكمه:
تحريم الأكل لأنه من الحشرات.
الحبارى:
بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة: طائر معروف وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى. واحده وجمعه سواء، وإن شئت قلت في الجمع: حباريات. قال الجوهري: وألف حبارى ليست للتأنيث ولا للإلحاق وإنما بني الاسم عليها، فصارت كأنها من نفس الكلمة، لا تنصرف في معرفة ولا نكرة، أي لا تنون. قلت: وهذا سهو منه بل ألفها للتأنيث كسماني ولو لم تكن له لانصرفت. وأهل مصر يسمون الحبارى الحبرج. وهي من أشد الطير طيرانا، وأبعدها شوطا، وذلك أنها تصاد بالبصرة، وفيوجد في حواصلها الحبة الخضراء، التي شجرها البطم، ومنابتها تخوم بلاد الشأم. ولذلك قالوا في المثل «أطلب من الحبارى» . وإذا نتف ريشها أو تحسر وأبطأ نباته ماتت كمدا. والكمد الحزن المكتوم. وهو طائر طويل العنق رمادي اللون في منقاره بعض طول وقال الجاحظ: الحبارى لها خزانة في دبرها وأمعائها لها أبدا فيها سلح رقيق. فمتى ألح عليها الصقر سلحت عليه فينتف ريشه كله، وفي ذلك هلاكه. وقد جعل الله تعالى سلحها سلاحا لها قال الشاعر «٢» :
стр. 320
وهم يتركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام
ومن شأنها أنها تصاد ولا تصيد. روى البيهقي في الشعب من حديث يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال أبو هريرة: كذب والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزالا من خطايا بني آدم، وهو كذلك في تفسير الثعلبي في آخر سورة فاطر يعني إذا كثرت الخطايا، منع الله القطر عن أهل الأرض. وإنما يصيب الطير من الحب والثمرة على قدر المطر قال الشاعر:
يسقط الطير حيث يلتقط ... الحب وتغشى منازل الكرماء «١»
وهي من أكثر الطير حيلة في تحصيل الرزق، ومع ذلك تموت جوعا لهذا السبب فسبحان القادر على ما يشاء وولدها يقال له نهار، وفرخ الكروان يقال له ليل ولذلك قال الشاعر:
ونهارا رأيت منتصف اللي ... ل وليلا رأيت وسط النهار
الحكم:
يحل أكلها لأنها من الطيبات. روى أبو داود والترمذي عن يزيد بن عمر بن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، عن أبيه عن جده أنه قال: «أكلت مع رسول الله ﷺ حبارى» . «٢» قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
الأمثال:
قالوا: «أنكد من الحبارى» كما تقدم. وقال عثمان: «كل شيء يحب ولده حتى الحبارى» . «٣» وإنما خصها بالذكر لأنها يضرب بها المثل في الحمق، فهي، على حمقها، تحب ولدها فتطعمه وتعلمه الطيران كغيرها من الحيوان. وقالوا: «أسلح من الحبارى» «٤» حالة الخوف «وأسلح من الدجاج» «٥» حالة الأمن. وقالوا: «الحبارى خالة الكروان» «٦» وقالوا: «٧» «أقصر من إبهام الحبارى» و «من إبهام القطاة» .
الخواص:
لحم الحبارى بين لحم الدجاج ولحم البط في الغلظ، وهو أخف من لحم البط لأنه بري وهو حار ورطب جدا. وأجوده المخاليف المكدودة قبل الذبح وهو نافع لتسكين الرياح، لكنه يضر بالمفاصل والقولنج. ويدفع ضرره الدارصيني والزيت والخل، ويتولد منه دم بلغمي ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة من الشبان، لا سيما إذا أكل في الشتاء وفي البلاد الباردة. وقال صاحب تقويم الصحة: يكره لحم الحبارى لغلظه وعسر انهضامه وأجوده ما طبخ بعد أن يمضي عليه يومان ثم يغرز في صدره وأفخاذه الثوم الكثير والفلفل، ويعمل بالأبازير وهو إذا انهضم ولد غذاء كثيرا. وما كان منه مخلفا خير مما كان عتيقا، ويجب أن يتناول بعده حلواء العسل انتهى.
وقال القزويني: يوجد في حوصلته حجر إذا علق على الإنسان لا يحتلم ما دام عليه وإن
стр. 321
كان به إسهال حبس بطنه. وإذا علق قلبه على من يكثر النوم قل نومه. وقال أرسطا طاليس في النعوت: بيض الحبارى ما كان منه ذكرا يسود الشعر، ويبقى صبغه سنة لا ينصل وما كان منه أنثى لا يسود الشعر، ويعرف ما يسود بأن يؤخذ خيط فيدخل في إبرة ويدخل في بيضة فإذا اسود الخيط صبغ بها وإلا فلا.
التعبير:
الحبارى في المنام رجل سخي صاحب دخل وخرج بلا منفعة كثير الأكل والتعب لا يفتر ليلا ولا نهارا.
الحبرج:
ذكر الحبارى واليحبور ولدها وقيل اليحبور من طير الماء.
الحبركى:
القراد قالت «١» الخنساء:
فلست بمرضع ثديي حبركى ... أبوه من بني جشم بن بكر
والأنثى حبركاة وقال أبو عمرو الجرمي: قد جعل بعضهم الألف في حبركى للتأنيث، فلم يصرفه. وربما شبه به الرجل الغليظ الطويل الظهر القصير اليدين.
حبلق:
كعملس غنم صغار لا تكبر وقيل قصار الغنم ودقاقها.
حبيش:
قال الجوهري هو طائر جاء مصغرا كالكميت والكعيب انتهى. والكعيب البلبل كما تقدم.
الحجر:
الأنثى من الخيل لم يدخلوا فيه الهاء لأنه اسم لا يشركها فيه الذكر. والجمع أحجار وحجور وقيل: أحجار الخيل ما يتخذ منها للنسل، وليس بقوي. وفي كامل ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الله العرزمي، عن عمر بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال «٢» :
«ليس في حجرة ولا بغلة زكاة» وهذا يدل على أنه يقال لها حجرة بالهاء. لكن في المستدرك، من حديث أبي حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا.
وحكمها:
وخواصها كالخيل وسيأتي ذكر ذلك في باب الخاء المعجمة والفاء.
التعبير:
الحجرة في المنام امرأة شريفة مباركة لقوله ﷺ : «ظهورها عز وبطونها كنز» . «٣»
فمن ركب حجرة في منامه بآلة الركوب، فإنه ينكح امرأة شريفة مباركة في عقد صحيح. ومن ركب حجرة بلا سرج ولا لجام، فإنه ينكح امرأة في غير عصمه، أو يركب أمرا لا يثبت عليه.
وربما دلت الحجرة البيضاء على امرأة ذات حسب ونسب والحمراء على امرأة ذات زينة. والصفراء على امرأة ذات مرض. والسوداء على امرأة ذات ملك وسودد والدهماء كذلك. وربما دلت الحجرة على السنة فالسمينة خصب، والضعيفة جدب. وقد تكون ضعف الجاه والقوى والحيل والله تعالى أعلم.
стр. 322
الحجروف:
دويبة طويلة القوائم أعظم من النمل حكاه ابن سيده.
الحجل:
بالفتح الذكر من القبج الواحدة حجلة واسم جمعه حجلى. ولم يأتي جمع على فعلى بكسر الفاء. الاحرفان حجلى وظربي جمع ظربان وهو دويبة منتنة الريح وستأتي في باب الظاء المشالة إن شاء الله تعالى. والحجل طائر على قدر الحمام، كالقطا أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر، وهو صنفان: نجدي وتهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين، والتهامي فيه بياض وخضرة. وفراخ هذا الطائر تخرج كاسية، ومن شأنها إذا لم تلقح أن تتمرغ في التراب، وتصبه على أصول ريشها فتلقح. ويقال إنها تبيض من سماع صوت الذكر أو بريح تهب من قبله، وإذا باضت ميز الذكر الذكور منها، فحضنها وهي تحضن الإناث وهما كذلك في التربية. قال التوحيدي: ويعيش الحجل عشر سنين ويصنع عشين يجلس الذكر على واحد، والأنثى على واحد، ومن طبع الحجل أنه يأتي أعشاش نظرائه، فيأخذ بيضها ويحضنه. فإذا طارت الفراخ لحقت بأمهاتها التي باضتها وفي تركيبه قوّة الطيران حتى إن الإنسان، إذا لم يره يظنه حجرا خرج من مقلاع. والذكر شديد الغيرة على الأنثى، فلذلك إذا اجتمع ذكران اقتتلا على الأنثى فأيهما غلب ذل الآخر. وتبعت الأنثى الغالب منهما. وفي طبع الذكر أن يخدع أمثاله بقرقرته، ولهذا يتخذه الصيادون في أشراكهم ليكثر القرقرة فيجتمع إليه أبناء جنسه فيقعن معه. وهو يفعل ذلك كالحاسد لها والمنتقم منها والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش غيرها، وغلبتها على بيضها أو تسرقه وتحضنه.
فائدة:
ذكر في كتاب النشوان، وتاريخ ابن النجار عن أبي نصر محمد بن مروان الجعدي، أنه أكل بعض مقدمي الأكراد على سماط فيه حجلتان مشويتان، فأخذ الكردي بيده واحدة وضحك، فسأله عن ذلك فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر، فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقبل تضرعه، ولم أفلته فلما رأى الجد مني، التفت إلى حجلتين كانتا في جبل وقال اشهدا لي عليه إنه قاتلي ظلما فقتلته. فلما رأيت هاتين الحجلتين، تذكرت حمقه في استشهادهما علي. فقال ابن مروان لما سمع ذلك منه قد شهدتا والله عليك عند من يفيدك عند من يقيدك بالرجل ثم أمر بضرب عنقه.
الحكم:
أكلها حلال اتفاقا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في النحام، في باب النون عن كامل ابن عدي أن الطير المشوي الذي أهدي للنبي ﷺ ، كان حجلا. وقيل: كان نحاما. وصح أنه ﷺ كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة. قال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر وزرها بيضها قلت: والصواب إنها حجلة السرير واحدة الحجال، وزرها الذي يدخل في عروتها.
وروى البيهقي في دلائل النبوّة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي ﷺ قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، ثم قالت: توفي رسول الله ﷺ ، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. فكان هذا هو الذي عرف به موته ﷺ . وأسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ثم تزوّجها الصديق، فأولدها محمدا ثم تزوّجها علي بن أبي طالب، بعد وفاة الصديق. وكان محمد بن أبي بكر صغيرا فرباه علي
стр. 323
فهو ربيب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فائدة أخرى:
في المستدرك، عن وهب بن منبه، أنه قال: «لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا نبينا محمدا ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» . «١» وقال علي رضي الله تعالى عنه: لأهل العراق يا أشباه الرجال ولا رجال، يا عقول ربات الحجال! وقال كثير عزة:
وأنت الذي حببت كل قصيرة ... إلي فلا تدرك نداك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطاشر النساء البحاتر «٢»
وسيأتي الكلام على خاتم النبوة في باب الكاف في لفظ الكركي.
الأمثال:
ضرب النبي ﷺ المثل بالحجل فقال «٣» : «اللهم إني أدعو قريشا وقد جعلوا طعامي طعام الحجل» . يريد أنه يأكل الحبة بعد الحبة لا يجد في الأكل. وقال الأزهري: أراد إنهم غير جادين في إجابتي فلا يدخل منهم في دين الله إلا النادر القليل. وروى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٤» «أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» . قال وكان يقول: «حاذوا المناكب في الصلاة فإن الشيطان يتخلل الصفوف كما يتخلل الحجل والصف الأيمن خير من الصف الأيسر» قال قوله: حاذوا من الحذاء وهو أن يجعل المنكب بجنب المنكب.
الخواص:
لحمها معتدل جيد سريع الهضم إذا ابتلع من كبدها وهي حارة قدر نصف مثقال نفع من الفزع، ومرارتها تنفع الغشاوة المظلمة في العين اكتحالا. وإذا سعط بمرارتها إنسان في كل شهر مرة احتد ذهنه، وقل نسيانه، وقوي بصره. وقال المختار بن عبدون: بيض الحجل ألطف من بيض الدجاج، وهو نافع للمترفهين وضار بأصحاب الكد، ويولد غذاء معتدلا، ويوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة، وهو أجود هضما من بيض الدجاج، وأجود ما يعمل أن يلقى في الماء وهو يغلي وفيه ملح أو خل، ويكون الماء متساويا عليه. وكذلك كل بيض، وأما المطجن من كل بيض فرديء جدا يولد حجارة في المثانة، ويحدث غما وقولنجا. والمغلي في الماء أهضم منه وأنفع ومن المقلي في الأدهان أيضا انتهى. وقال غيره: بيض الحجل إذا طبخ في الماء المغلي في الكمون والملح أو بخل اعنصل وأكل نفع من المغص وسائر أوجاع البطن.
وأما رؤيته في المنام:
فالحجلة تدل على امرأة غير الفة وربما تدل رؤيتها على محبة الأولاد.
الحدأة:
بكسر الحاء المهملة، أخس الطير، كنيته أبو الخطاف، وأبو الصلت، ولا تقل
стр. 324
حدأة بفتح الحاء، لأنها الفاس التي لها رأسان وقد جاء في الحديث الحديا على وزن الثريا، كذا قيده الأصيلي. وقد جاء الحدياة بغير همز وفي بعض الروايات الحديثة بالهمزة كأنه تصغير. ذكره الصاغاني قال: وصواب تصغيره الحديثة بالهمز وإن ألقيت حركة الهمزة على الياء شددتها، وقلت: الحدية على مثال عليه. وفي الحديث لا بأس بقتل الحدو والإفعو، قال الأزهري: هي لغة فيهما. وقال ابن السراج: بل هي على مذهب الوقف لا على هذه اللغة قلب الألف واوا على لغة من قال حدا وكذا أفعى انتهى. وقال الأصمعي: جمع الحدأة حدأ كلبا وزاد ابن قتيبة وحدآن.
قال الجوهري: هي مثل عنبة وعنب وقد قال في ع ن ب الحبسة من العنب عنبة وهو بناء نادر لأن الأغلب على هذا البناء الجمع نحو قرد وقردة وفيل وفيلة وثور وثورة. إلا أنه قد جاء للواحد، وهو قليل نحو العنبة والتولة والطيبة والخيرة والطيرة ولا أعرف غيره انتهى. وهو قد ذكر ذلك في حدأة كما تقدم والطيبة المغنم الهنيء والتولة ما تحبب به المرأة لزوجها، والخيرة والطيرة معروفتان. قلت: وقد يرد عليه ثومة جمعه ثوم وذبحة وهو وجع في الحلق ومنة وهو العنكبوت، ورمخة وهي البلحة وضمخة وهي السمينة وهننة وهي نوع من القنافذ وتيمة وهي شجرة بوادي إبراهيم بالحجاز، والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثا، وخرج منها ثلاثة أفراخ، وتحضن عشرين يوما، ومن ألوانها السود والرمد وهي لا تصيد وإنما تخطف. ومن طبعها أنها تقف في الطيران، وليس ذلك لغيرها من الكواسر. وزعم ابن وحشية وابن زهر أن العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة والحدأة عقابا. وفي نسخة الغراب بدل العقاب فسبحان القادر على ما يشاء. ويقال: إنها أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير، فلو ماتت جوعا لا تعدو على فراخ جارها وتزعم رواة الأخبار ونفلة الآثار أنها كانت من جوارح سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وإنما امتنعت من أن تؤلف أو تملك لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده.
والسبب في صياحها عند سفادها أن زوجها قد جحد ولدها منه، فقالت: يا نبي الله قد سفدني حتى إذا حضنت بيضي وخرج منه ولدي جحدني. فقال سليمان ﵇ للذكر: ما تقول؟ فقال: يا نبي الله إنها تحوم البراري ولا تمتنع من الطير فلا أدري أهو مني أو من غيري! قال: فأمر سليمان ﵇ بإحضار الولد فوجده شبه والده فألحقه به. ثم قال لها سليمان ﵇: لا تمكنه أبدا حتى تشهدي عليه ذلك الطير لئلا يجحد بعدها. فصارت إذا سفدها صاحت وقالت: يا طيور اشهدوا فإنه سفدني اهـ-. وتقول في صياحها كل شيء هالك إلا وجهه وهي طرشاء ولو كانت مما يصاد بها لما كان من الكواسر أحسن صيدا منها، ولا أجل ثمنا. ومن طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه، دون شماله، حتى إن بعض الناس يقول: إنها عسراء لأنها لا تأخذ من شمال إنسان شيئا. وقال القزويني: إنها سنة ذكر وسنة أنثى. وفي صحيح البخاري وغيره أن أعرابية كانت تخدم نساء النبي ﷺ وكانت كثيرا ما تتمثل بهذا البيت «١» .
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا ... على أنه من ظلمة الكفر نجاني
стр. 325
فقالت لها عائشة رضي الله تعالى عنها: ما هذا البيت الذي أسمعه منك: فقالت شهدت عروسا لنا تجلى، إذ دخلت مغتسلا لنا وعليها وشاح، فوضعته فجاءت الحديا فأبصرت حمرته فأخذته، ففقدوا الوشاح فاتهموني به ففتشوني حتى قبلي فدعوت الله أن يبرئني «فجاءت الحديا بالوشاح حتى ألقته بينهم» «١» . كذا قيده الأصيلي الحديا على وزن الثريا. وروي من طريق الصاغاني وغيره: الحدياة بغير همزة والحديئة بالهمز. وفي رواية فرفعت رأسي وقلت يا غياث المستغيثين فما أتممتهن، حتى جاء غراب فرمى الوشاح، أو قالت فألقى الوشاح بيننا فلو رأيتني يا أم المؤمنين وهن حولي يقلن: اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة فأترك شكرها. وروى الحافظ النسفي في كتاب فضائل الأعمال بإسناده إلى حماد بن سلمة، أن عاصم بن أبي النجود، شيخ القراء، في زمانه قال: أصابتني خصاصة «٢» فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة، فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء الله، ثم وضعت وجهي على الأرض، وقلت: يا مسبب الأسباب، يا مفتح الأبواب، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك. قال: فو الله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا حدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانون دينارا جوهرة ملفوفة في قطنة مندوفة. قال: فبعت الجوهرة بمال عظيم وفضلت الدنانير فاشتريت بها عقارا وحمدت الله على ذلك انتهى. وحكى القشيري في الرسالة، في آخر باب كرامات الأولياء، عن شبل المروزي أنه اشترى لحما بنصف درهم فاستلبته منه حدأة فدخل شبل مسجدا يصلي فيه، فلما رجع إلى منزله قدمت له زوجته لحما، فقال لها من أين لكم هذا؟ فقالت: تنازع حدأتان فسقط هذا منهما! فقال شبل: الحمد لله الذي لم ينس شبلا، وإن كان شبل ينساه. وفي كتاب المجالسة للدينوري، في الجزء الثالث، عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، قال: كان سعد بن أبي وقاص بين يديه لحم، فجاءت حدأة فأخذته فدعا عليها سعد فاعترض عظم في حلقها فوقعت ميتة انتهى. وروينا بالسند الصحيح أن الشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه، جلس يوما يعظ الناس، وكانت الريح عاصفة، فمرت على مجلسه حدأة طائرة، فصاحت فشوشت على الحاضرين ما هم فيه، فقال الشيخ: يا ريح خذي رأس هذه الحدأة فوقعت لوقتها في ناحية ورأسها في ناحية فنزل الشيخ عن الكرسي وأخذها بيده، وأمر يده الأخرى عليها. وقال: بسم الله الرحمن الرحيم فحييت وطارت والناس يشاهدون ذلك.
الحكم:
يحرم أكلها لأنها من الفواسق الخمس المأمور بقتلها. قال الخطابي: المراد بفسقها تحريم أكلها. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفأر بيان ذلك. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر وعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، أن النبي ﷺ قال «٣» : «خمس
стр. 326
فواسق يقتلن في الحل و الحر م» . وفي رواية «ليس على المحرم في قتلهن جناح الحدأة والغراب الأبقع والعقرب والفأرة والكلب والعقور» . نبه ﷺ بذكر هذه الخمسة على جواز قتل كل مضر فيجوز له أن يقتل الفهد والنمر والذئب والصقر والشاهين والباشق والزنبور والبرغوث والبق والبعوض والوزغ والذباب والنمل إذا آذاه. قال الرافعي: وفي معنى هذه الخمسة: الفحية والذئب والأسد والنمر والنسر والعقاب، فهذه الأنواع يستحب قتلها للمحرم وغيره. وقال في باب الأطعمة ما يخالف ذلك وهو أن قتلها على سبيل الوجوب وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى، في باب الصاد في الكلام على الصيد.
الأمثال:
قالوا «١» : «حدأة حدأة وراءك بندقة» قال أبو عبيدة: يراد بذلك هذه الحدأة التي تطير، والبندقة ما يرمي به يضرب للتحذير.
الخواص:
مرارتها تجفف في الظل وتنقع في إناء زجاج، فمن لسعه شيء من الهوام، قطر منه في الموضع الذي لسع فيه، واكتحل مخالفا إن لسع في الجانب الأيمن، اكتحل في العين اليسرى، وإن لسع في الجانب الأيسر اكتحل في العين اليمنى ثلاثة أميال، فإنه ينجيه. وإن سحقت وطرحت في سلة الحاوي، ماتت الحيات كلها. ودمها إذا خلط بقليل مسك وماء ورد شرب على الريق نفع من ضيق النفس. وإن علقت وهي حية في بيت لم يدخله حية ولا عقرب.
التعبير:
الحدأة تدل رؤيتها على الحرب والقتال، لما قيل «حدأة حدأة وراءك بندقة» قال بعض أهل اللغة: إن حدأة وبندقة كانتا قبيلتين من سعد العشيرة، فأغارت حدأة وتغلبت، وكانت تنزل بالكوفة على بندقة، وكانت تنزل باليمن، فنالت منهم، ثم كسرت بندقة حدأة وتغلبت عليهم. وقيل: هي الطائر المعروف، وبندقة الرامي كما تقدم. وربما دلت على الرجل المتجرم أو المرأة الزانية. وجماعة الحدأ تدل على قطاع الطريق، وربما دلت رؤيتها على من يحل قتاله لكفره وشركه، فإن قتلهم مباح في الحل والحرم، وكذلك الحدأة قاله ابن الدقاق. وقال غيره: الحدأة في المنام ملك خامل الذكر ظالم، وذلك لقوة سلاحه وقربه من الأرض. ومن أصاب حدأة ولد له غلام وينال قبل البلوغ ملكا، فإن طارت منه مات الولد. وقال أراطيمدورس:
الحدأة في المنام تدل على اللصوص والخطافين وتدل على النساء والله أعلم.
الحذف:
بفتح الحاء والذال المعجمة غنم سود صغار من غنم الحجاز، الواحد حذفة وفي حديث الصلاة «لا يتخللكم الشياطين كأنها حذف» . وفي رواية «٢» كأولاد الحذف قيل: «يا رسول الله وما أولاد الحذف؟ قال: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن» .
الحر:
الفرس العتيق وفرخ الحمامة وقيل الذكر منها وولد الظبية وولد الحية والصقر البازي وقال ابن سيده: الحر طائر صغير أنمر أصقع قصير الذنب عظيم المنكبين والرأس. وقيل إنه يضرب إلى الخضرة وهو يصيد.
стр. 327
الحرباء:
كنيته أبو خجادب وأبو الزنديق وأبو الشقيق وأبو قادم. ويقال له جمل اليهود كما تقدم. قال الإمام القزويني في كتاب عجائب المخلوقات: لما كان الحرباء خلقا بطيء النهضة وكان لا بد له من القوت خلقه الله على صورة عجيبة فخلق عينيه تدور إلى كل جهة من الجهات، حتى يدرك صيده من غير حركة في يديه، ولا قصد إليه، ويبقى كأنه جامد، أو كأنه ليس من الحيوان.
ثم أعطي مع السكون خاصية أخرى، وهو أنه يتشكل بلون الشجرة التي يكون عليها، حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب وغيره، أخرج لسانه ويخطف ذلك بسرعة، كلحوق البرق، ثم يعود إلى حاله كأنه جزء من الشجرة، وخلق الله لسانه بخلاف المعتاد ليلحق ما بعد عنه بثلاثة أشبار ونحوها، يصطاد به على هذه المسافة، وإذا رأى ما يروعه ويخوفه تشكل وتكوّن على هيئة وشكل، يفر منه كل من يريد من الجوارح ويكرهه بسبب ذلك التلون.
انتهى.
والحرباء أكبر من العظاية، وهي تستقبل الشمس وتدور معها كيفما دارت، وتتلون بحر الشمس كما قال الإمام الغزالي ألوانا مختلفة، فتتلون إلى حمرة وصفرة وخضرة وما شاءت. وهو ذكر أم حبين والجمع الحرابي والأنثى حرباءة. قال رجل: خاصمت ابن أخي إلى معاوية فجعلت أحجه، فقال: أنت كما قال الشاعر «١» :
إني أتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل السماق إلا ممسكا ساقا
أراد بالساق هنا الغصن من أغصان الشجرة. والمعنى: أنه لا تنقضي له حجة حتى يتمسك بأخرى، تشبيه بالحرباء. قال الجوهري: ويقال حرباء تنضب كما يقال ذئب غضى. والتنضب شجر يتخذ منه السهام والتاء زائدة لأنه ليس في الكلام فعلل، وفي الكلام تفعل مثل تقتل وتخرج، والواحدة تنضبة، ويقال لها أيضا حرباء الظهيرة. وهي دويبة غبراء ما دامت فرخا، ثم تصفو وهي أبدا تطلب الشمس، فحين تبدو تنحرف بوجهها إليها حتى إذا استوت الشمس، علت رأس شجرة وما يجري مجراها، فإذا صار قرص الشمس فوق رأسها، بحيث لا تراها أصابها مثل الجنون، فلا تزال طالبة لها، ولا تفتر إلى أن تتصوّب إلى جهة المغرب، فترجع بوجهها إليها مستقبلة لها، ولا تنحرف عنها إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس، طلب هذا الحيوان معاشه ليله كله إلى أن يصبح. حتى إن طائفة من المتكلمين على طبائع الحيوان، يقولون: إنه مجوسي ولسانه طويل جدا مقدار ذراع كما تقدم، وذلك دليل على أنه يكون مطويا في حلقه، وهو يبلغ به ما بعد عنه من الذباب والأنثى من هذا النوع تسمى أم حبين. وستأتي في آخر الباب.
وقد سمي أبو النجم في بعض شعره الحرباء بالشقي، وليس الشقي باسم للحرباء، وإنما سماه به لاستقباله الشمس، كذا ذكره في المحكم في العين والنون والباء.
وهذا الحيوان يوصف بالحزم لأنه، مع تقلبه مع الشمس، لا يرسل يده من غصن حتى يمسك غيره، وهو يشبه رأس العجل وعلى هيئة السمكة الصغيرة، وله أربعة أرجل كسام أبرص. وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام، في شرح بانت سعاد، أن للحرباء سناما كسنام البعير وإنه يتلون ألوانا، ويكنى أبا قرة، وهي تتلون بلون الشجرة، التي تكون عليها، حتى تكاد تختلط بلونها، فإذا
стр. 328
قرب منها الذباب ونحوه اختطفته بلسانها، وقد تقدم عن القزويني نظير ذلك.
الحكم:
قال في الروضة إنها نوع من الوزغ غير مأكولة لكن مقتضى ما قاله الجاحظ والجوهري من أنها ذكر أم حبين، أنها تؤكل، لأن أم حبين مأكولة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
لكن قالوا: إن الحرباء من ذوات السموم، فيكون هذا علة تحريمها إلا إنها نوع من الوزغ.
الأمثال:
قالوا: «فلان يتلون تلون الحرباء» ، يضرب لمن لا يثبت على حالة، وقالوا:
«أجود من عين الحرباء» «وأحزم من الحرباء» لما «١» تقدم. والحزم الاحتراس والنظر في الأمر قبل الإقدام عليه.
الخواص:
دمها إذا نتف الشعر النابت في أجفان العين وجعل في أصوله لم ينبت أبدا ومرارتها إذا اكتحل بها أزالت غشاوة البصر. وشحمها إذا جعل على حديدة وأحرق بالنار وخلط بالدم، مع شيء يسير من الماء وجدد عليه الدم والشحم، وطلي به قروح الرأس والأبثار، فإنه يبرئها من أول طلية.
التعبير:
الحرباء في المنام وزير ملك أو خليفته، لا يكاد يفارقه لأنها تدور أبدا مع الشمس، ولا تفارقها كما تقدم. وربما دلت على الخدمة للسلطان، أو الفتنة في الدين أو المرأة المجوسية وربما دلت على الحرب والندب وعلى الميت والله أعلم.
الحرذون:
بكسر الحاء وبالذال المعجمة دويبة شبيهة بالضب، وقيل: هو ذكر الضب لأن له ذكرين مثله وهو من ذوات السموم يوجد في العمران المهجورة كثيرا له كف ككف الإنسان مقسومة الأصابع إلى الأنامل، وجلده لا برص فيه، بخلاف سام أبرص، والحق أنه غير الورل خلافا لعبد اللطيف البغدادي.
وحكمه
: تحريم الأكل لأنه من ذوات السموم.
الخواص:
قال أرسطو: من اطّلى بشحم الحرذون، وألقى نفسه على التمساح لم يضره التمساح، وإذا شم رائحته خدر وانقلب على ظهره. وإن أحرق جلده واطلى به إنسان لم يحس بألم الضرب والقطع، ولو فرق بين رأسه وجسده، والعيارون يفعلون ذلك، فيظهر منهم الثبات على الضرب وغيره، والحرذون يقتل العقرب وإذا علق شحمه على صاحب حمى الربع في خرقة سوداء أبرأه وأزالها، وقال مهراريس: إنما يعلق قلبه على الوصف الذي تقدم.
ورؤيته في المنام:
تدل على الطمع والشره في الكسب واختلاف المزاج والذهول والنسيان والله تعالى أعلم.
الحرشاف أو الحرشوف:
الجراد المهزول الكثير الأكل الواحدة حرشافة. وفي حديث خولة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت ﵄، لما قال لها: أنت كظهر أمي، وجاءت تستفتي له رسول الله ﷺ وتشتكي إلى الله، فأنزل الله عزّ وعلا فيها:
стр. 329
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
«١» إلى آخر الآيات. قال لها النبي ﷺ : «مريه أن يعتق رقبة «٢» . قالت:
والله ما يجد رقبة وماله خادم غيري. قال: مريه فليصم شهرين متتابعين. قالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك، إنه ليشرب في اليوم كذا كذا مرة قد ذهب بصره مع ضعف بدنه، وإنما هو كالحرشافة» شبهته بالجراد المهزول الكثير الأكل.
الحرقوص:
بضم الحاء المهملة وبالقاف المضمومة وبالصاد المهملة في آخره وبالسين في لغة عوض الصاد دويبة كالبرغوث صغير أرقط بحمرة أو صفرة، ولونه الغالب عليه السواد. وربما نبت له جناحان فطار قال الراجز:
ما لقى البيض من الحرقوص ... يدخل تحت الحلق المرصوص
من مارد لص من اللصوص ... بمهر لا غال ولا رخيص
أراد بلا مهر أصلا. وقيل هي دويبة مثل القراد وأنشدوا:
مثل الحراقيص على حمار
وفي ربيع الأبرار للزمخشري: أنها دويبة أكبر من البرغوث، وعضها أشد من عضه، وهي مولعة بفروج النساء تولع النمل بالمذاكير، وينبت لها جناحان كما ينبت للنملة، وقيل الحرقوص البرغوث بعينه، واحتج له بقول الطرماح: «٣»
ولو أن حرقوصا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت «٤»
ويقال له النهيك وقالت أعرابية:
يا أيها الحرقوص مهلا مهلا ... أإبلا أعطيتني أم نحلا
أم أنت شيء لا تبالي الجهلا
وقال ابن سيده: الحرقوص دويبة محزمة لها حمة كحمة الزنبور تلدغ بها كأطراف السياط، ولذلك يقال لمن ضرب بأطراف السياط أخذته الحراقيص.
فائدة:
الحرقوص السعدي رجل من الصحابة وهو ذو الخويصرة التميمي، الذي بال في المسجد وهو القائل للنبي ﷺ ، وهو يقسم: اعدل. فقال: «ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل» قد «خبت وخسرت إن لم أعدل» «٥» . وهو الذي خاصم الزبير في شراج الحرة، وقال أن كان ابن عمتك «فأمر النبي ﷺ الزبير باستيفاء حقه» .
стр. 330
وقال ابن الأثير، في أسد الغابة: الحرقوص بن زهير السعدي من الصحابة ذكره الطبري وقال: إن الهرمز أن الفارسي، كفر ومنع ما قبله واستعان بالأكراد وكثر جمعه فكتب عتبة بن غروان إلى عمر ﵁ بذلك، فكتب إليه عمر يأمره بقصده وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير.
وكانت له صحبة من رسول الله ﷺ ، وأمره بالقتال فاقتتل المسلمون والهرمزان، فانهزم الهرمزان.
وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها. وله أثر كبير في قتال الهرمزان. وبقي حرقوص إلى أيام علي رضي الله تعالى عنه وشهد معه صفين ثم صار مع الخوارج ومن أشدهم على علي. وكان مع الخوارج لما قاتلهم علي فقتل حرقوص يومئذ سنة سبع وثلاثين.
وحكمه:
تحريم الأكل لأنه من الحشرات.
الحريش:
نوع من الحيات أرقط. كذا قاله الجوهري بعد هذا: الحريش دابة لها مخالب كمخالب الأسد، ولها قرن واحد في هامتها ويسميها الناس بالكركدن. وقال أبو حيان التوحيدي: هي دابة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا. غير أن لها من قوّة الجسم وسرعة الحركة ما يعجز القناص ولها في وسط رأسها قرن واحد مصمت مستقيم، تناطح به جميع الحيوان، فلا يغلبها شيء ويحتال لصيدها بأن تتعرض لها فتاة عذراء أو صبية فإذا رأتها وثبت إلى حجرها كأنها تريد الرضاع، وهذه محبة فيها طبيعية ثابتة فإذا هي صارت في حجرة الفتاة، أرضعتها من ثديها على غير حضور اللبن فيها، حتى تصير كالنشوان من الخمر، فيأتيها القناص على تلك الحالة، فيشدها وثاقا على سكون منها، بهذه الحيلة. وقال القزويني في الأشكال: الحريش حيوان في حجم الجدي ذو عدو شديد، وعلى رأسه قرن واحد كقرن الكركدن، وأكثر عدوه على رجليه لا يلحقه شيء في عدوه، ويوجد في غياض بلغار وسجستان انتهى.
وحكمه:
التحريم سواء كان من نوع الحيات أو الحيوان الموصوف لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع.
الخواص:
دمه يشربه من به خناق ينفتح في الحال، ولحمه يبرىء صاحب القولنج أكلا.
وكعبه يجعل على العرق المدمي يسكن ألمه.
الحسبان:
الجراد واحده حسبانة وكذلك النملة الصغيرة.
الحساس:
جنس من السمك صغار وهو الهف.
الحسل:
ولد الضب. والجمع أحسال وحسول وحسلان وحسلة. يقال ذلك لولد الضب حين يخرج من بيضته وكنية الضب أبو حسل.
وحكمه
: كأبيه.
الأمثال:
قالوا «١» : «لا آتيك سن الحسل» . أي أبدا لأن سنها لا تسقط حتى تموت وأنشد العجاج يقول»
:
стр. 331
إنك لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل «١»
والصخر مبتل كطين الوحل ... كنت رهين هرم وقتل «٢»
الفطحل على وزن الهزبرز من لم يخلق فيه الناس وكانت الحجارة فيه رطبة.
الحسيل:
ولد البقرة الأهلية لا واحد له من لفظه. والأنثى حسيلة. كذا قاله الجوهري وهو وهم والصواب الحسيل أولاد البقر واحده حسيلة لأنه سمع له واحد من لفظه. وفي كفاية المتحفظ: الحسيلة البقرة وجمعها حسائل.
حسون:
عصفور ذو ألوان، بحمرة وصفرة وبياض وسواد وزرقة وخضرة، يسميه أهل الأندلس أبا الحسن، والمصريون أبا زقاية وربما أبدلوا الزاي سينا، وهو يقبل التعليم فيعلم أخذ الشيء من يد الإنسان المتباعد ويأتي به إلى مالكه. وهو داخل في عموم العصافير. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة.
الحشرات:
صغار دواب الأرض وصغار هوامها. الواحدة حشرة بالتحريك. وابن أبي الأشعث يسمي جميع هذا الحيوان الأرضي، لأنه لا يفارقها إلى الهواء، ولا إلى الماء وهو يأوي في حجرته، ويركز في بطنها ولا يحتاج إلى شرب الماء، ولا إلى شم النسيم. وهو قرين الأفاعي والحيات والجرذان الأهلية والبربة، واليربوع والضب والحرذون والقنفذ والعقرب والخنفساء والوزغ والنمل والحلم، وأنواع أخرى، سيأتي منها ما لم يتقدم له ذكر.
فائدة:
قوله «٣» تعالى: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
قال مجاهد: اللاعنون الحشرات والبهائم، يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين، فيلعنونهم. رواه ابن ماجه مرفوعا إلى النبي ﷺ . فإن قيل: كيف جمع ما لا يعقل جمع من يعقل؟ فالجواب أنه أسند إليهم فعل من يعقل كما قال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
«٤» . ولم يقل ساجدات. وكقوله «٥» تعالى:
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. اللاعنون كل المخلوقات ما عدا الجن والإنس. وقيل ما عدا الملائكة فقط.
الحكم:
يحرم أكل الحشرات، ولا يصح بيعها لعدم النفع بها. وبه قال الإمام أحمد وأبو حنيفة وداود. وقال مالك: إنها حلال لقوله «٦» تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
الآية. ولحديث التلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي قال:
«صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما» . رواه أبو داود والتلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم لام مكسورة ثم باء ثالثة الحروف. وقال شعبة الثلب بثاء مثلثة وفي سنن أبي داود، في كتاب العتاق، عن أحمد أنه قال: كان شعبة ألثغ لم يبين التاء من الثاء. وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، ثم قال: وكان التلب يكنى أبا الملقام، روى عنه ابنه ملقام أنه أتى
стр. 332
النبي ﷺ فقال: «استغفر لي يا رسول الله، فقال: اللهم اغفر للتلب وارحمه» . ثلاثا. واحتج الشافعي والأصحاب بقوله «١» تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
وهو ما تستخبثه العرب. وبقوله «٢» ﷺ : «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» . رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وحفصة وابن عمر ﵃ وعن أم شريك أنه ﷺ «أمر بقتل الأوزاغ» . رواه «٣» الشيخان. وأما قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
«٤» الآية: فقد قال الشافعي وغيره من العلماء: معناه مما كنتم تأكلونه وتستطيبونه. وقال الغزالي، في الوسيط: لا يؤكل من الحشرات إلا الضب. وقد استدرك عليه اليربوع وابن عرس وأم حبين والقنفذ والدلدل. وسيأتي الكلام عليهن في أماكنهن إن شاء الله تعالى.
الحشو والحاشية:
صغار الإبل التي لا كبار فيها وكذلك من الناس.
الحصان:
بكسر الحاء المهملة الذكر من الخيل. قيل: إنما سمي حصانا لأنه حصن ماء فلم ينز إلا على كريمة. روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط، فغشيته سحابة فجعلت تدنو وتدنو فجعل فرسه ينفر، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» «٥» . والرجل المذكور أسيد بن حضير.
وفي الخبر أن فرعون هاب دخول البحر، وكان على حصان أدهم، ولم يكن في خيل فرعون أنثى، فجاءه جبريل على فرس وديق أي تشتهي الفحل على صورة هامان، وقال له: تقدم فخاض للبحر، فتبعها حصان فرعون وميكائيل يسوقهم لا يشرد منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر، وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم فأغرقهم أجمعين. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفا. وقال عمرو بن ميمون: كانوا ستمائة ألف. وقيل: خرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره. وكانوا يوم دخول مصر مع يعقوب اثنين وسبعين ألفا، ما بين رجل وامرأة. فلما أراد المسير، ضرب الله عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة
стр. 333
بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: إن يوسف ﵊، لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصرحتى يخرجوه معهم، فلذلك أنسد علينا الطريق. فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي أنشد الله كل من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني به، ومن لم يعلم فصمت أذنه عن قولي، فكان يمر بين الرجلين وهو ينادي فلا يسمعان صوته، حتى سمعته عجوز من بني إسرائيل فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟
فأبى عليها، وقال: حتى أسأل ربي . فأمره الله أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة في الجنة إلا نزلتها معك. قال: نعم. قالت: إنه في جوف الماء في النيل، فادع الله حتى يحسر عنه الماء. فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء. ودعا الله تعالى أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه في صندوق مرمر، وحمله معه حتى دفنه بالشام. ففتح لهم الطريق فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم. ونذر بهم فرعون فجمع قومه، وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل، حتى تصيح الديكة. قال عمرو بن ميمون: فو الله ما صاح ديك تلك الليلة. فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل، وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل، سوى سائر الشيات.
وقال شيخ التفسير محمد بن جرير الطبري: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم، وكان فرعون في سبعة آلاف وكان في الدهم، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب أعمدة. وكان الماء في غاية زيادته، وكان قد أشرف على بني إسرائيل حين أشرقت الشمس، فتحير أصحاب موسى فأوحى الله تعالى إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فلم يطعه فأوحى الله تعالى إليه أن كنه فضربه وقال انفلق أبا خالد بإذن الله تعالى فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق، وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل. وأرسل الله تعالى الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فحاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق، وعن جانبهم الماء كالجبل الضخم فصار لا يرى بعضهم بعضا فخافوا. وقال كل سبط قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى الماء أن يشبك فصار الماء شبكات كالطاقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض، حتى عبروا البحر سالمين.
فذلك قوله «١» تعالى: فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
وذلك أن فرعون، لما وصل إلى البحر، ورآه متقطعا قال لقومه: انظروا إلى البحر كيف انفلق من هيبتي، حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا! ادخلوا البحر، فهاب قومه أن يدخلوه، وقالوا له: إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل. يعني موسى. وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل ﵇ على فرس أنثى وديق، فتقدمهم وخاض البحر، فلما شم أدهم فرعون ريحها، اقتحم البحر في أثرها، ولم يملك فرعون من أمره شيئا، وهو لا يرى فرس جبريل ﵇، فاقتحمت الخيول خلفه البحر، وجاء ميكائيل ﵇ على فرس، خلف القوم يسوقهم، حتى لم يبق رجل، وهو يقول لهم: الحقوا بأصحابكم، حتى إذا خاضوا كلهم البحر، وخرج
стр. 334
جبريل ﵇ من البحر، وهم أولهم بالخروج، أمر الله ، البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم فأغرقهم أجمعين. وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ. وذلك بمرأى من بني إسرائيل.
وذلك قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ*
أي إلى مصارعهم. وقيل: إلى هلاكهم. والبحر هو القلزم طرف من بحر فارس انتهى. وقال قتادة: هو بحر وراء مصر، يقال له أساف.
ولا خلاف أن فرعون مات كافرا، ولا التفات إلى قول من قال خلاف ذلك، ولا تعريج عليه. والنزاع في أنه مات مسلما مكابرة وخرق للإجماع، والله أعلم. وذكر «١» ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان، لما عزم على الخروج لمحاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، أن لا يخرج بنفسه، وأن يستنيب غيره، وألحت عليه في المسألة، فلما لم يسمع منها بكت وبكى من حولها من حشمها. فقال عبد الملك: قاتل الله كثيرا كأنه رأى موقفنا هذا حين قال:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها نظم دريزينها «٢»
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
ثم عزم عليها أن تقصر، وخرج. ويضاهي هذه الحكاية في طرفة اتفاقها وملحة مساقها ما حكي أن المأمون حين بنى على بوران بنت الحسن بن سهل، فرش له حصير منسوج بالذهب، ثم نثر على قدميه لآلىء كثيرة، فلما رأى المأمون تساقط اللآلىء المختلفة، على الحصير المنسوج بالذهب، قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه الحال حين شبه حباب كأسه بقول «٣» :
كأن كبرى وصغرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وقد عيب ذلك على أبي نواس وقد اعتذر عنه بأنه جعل من في البيت زائدة على ما أجازه أبو الحسن الأخفش من زيادتها في الكلام الموجب، وأول عليه قوله «٤» تعالى: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
وقيل: تقديره فيها برد والله أعلم.
الحصور:
الناقة الضيقة الإحليل والحصور من الرجال الذي لا يقرب النساء.
فائدة أجنبية:
ذكرها الصاغاني في العباب قال: سألني والدي تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته بعزته، قبل سنة تسعين وخمسمائة وأنا إذ ذاك أسحب مطارف الشباب، في رغد العيش اللباب، وهو يفيدني غرر الفوائد ويزقني درر الفرائد. وكان ﵀ ريان من الفضائل، ظعانا عن الرذائل، عن معنى قولهم: قد أثر حصير الحصير في حصير الحصير، فلم أدر ما أقول فقال: الحصير الأول البارية، والثاني السجن، والثالث الجنب، والرابع الملك. انتهى.
حضاجر:
اسم للذكر والأنثى من الضباع سميت بذلك لسعة بطنها وعظمه وهو معرفة.
قال الحطيئة:
стр. 335
هلا غضبت لرحل جا ... رك إذ تنبذه حضاجر «١»
كذا أنشده ابن سيده وأنشده الجوهري:
هلا غضبت لجار بيتك قال السيرافي: وإنما جعل اسما لها على لفظ الجمع إرادة للمبالغة وقال سيبويه: سمعنا العرب تقول: وطب حضجر، وأوطب حضاجر. ولذلك لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لأنه اسم لواحد على بنية الجمع. وقال ابن الحاجب في كافيته: وحضاجر اسم علم للضبع غير منصرف لأنه منقول عن الجمع. قلت وهو الأوجه والله أعلم.
الحضب:
الذكر الضخم من الحيات. وقيل حية دقيقة وقيل الأبيض من الحيات.
الحفان:
فراخ النعام واحدها حفانة، الذكر والأنثى فيه سواء وربما سموا صغار الإبل حفانا.
الحفص:
ولد الأسد وبه سمي الرجل حفصا.
الحقم:
ضرب من الطير يشبه الحمام ويقال إنه الحمام نفسه.
الحلزون:
دود في جوف أنبوبة حجرية يوجد في سواحل البحار وشطوط الأنهار. وهذه الدودة تخرج بنصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية، وتمشي يمنة ويسرة تطلب مادة تغتذي بها فإذا أحست بلين ورطوبة انبسطت إليها، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف الأنبوية الصدفية، حذرا من المؤذي لجسمها، وإذا انسابت جرت بيتها معها.
وحكمه:
التحريم لاستخباثه. وقد قال الرافعي في السرطان أنه يحرم لما فيه من الضرر ولأنه داخل في عموم تحريم الصدف. وسيأتي الكلام عليه في باب السين المهملة. وأما المحار الذي يسمى الدنيلس فسيأتي الكلام عليه في باب الدال المهملة.
الخواص:
قال ابن سينا: طلي الجبهة بالحلزون يمنع انصباب المواد إلى العين والله أعلم.
الحلكة والحلكاء والحلكاء والحلكي:
بفتح الحاء المهملة وضمها وكسرها دويبة شبيهة بالعظاية تغوص في الرمل.
الحلم:
القراد العظيم، الواحدة حلمة. وقال الجوهري: هو مثل القمل وسيأتي أنه القراد المهزول. قال: والحلم أيضا دود يقع في جلد الشاة الأعلى وجلدها الأسفل. فإذا دبغ لم يزل ذلك الموضع رقيقا يقال: حلم الأديم بكسر اللام يحلم بفتحها حلما إذا أكله قال الشاعر وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
فإنك والكتاب إلى على ... كدابغة وقد حلم الأديم
قال ابن السكيت: وهذه الدويبة هي التي تأكل الكتب وتمزق الأوراق. وفي الحديث أن
стр. 336
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كان ينهى أن تنزع الحلمة من أذن دابته وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ صلى بأصحابه يوما «فنزع نعليه، ووضعهما على يساره» ، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم فلما انقضت الصلاة، قال: «مالكم خلعتم نعالكم» ؟ قالوا: يا نبي الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال ﵊: «إنما نزعتهما لأن جبريل أخبرني أن فيهما دم حلمة» . انتهى «١» قلت والمراد به الدم اليسير المعفو عنه. وإنما فعله النبي ﷺ تنزها عن النجاسة، وإن كان معفوا عنها، وقد أطلق أصحابنا العفو عن اليسير من سائر الدماء إلا المتولي فإنه استثنى من ذلك دم الكلب والخنزير واحتج بغلظ نجاستهما. وأما الدم الباقي على اللحم وعظامه، فإنه مما تعم به البلوى، وقيل من أصحابنا من تعرض له. وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي المفسر من أئمة أصحابنا، عن جماعة كثيرة من التابعين، أنه لا بأس به. ونقله عن جماعة من أصحابنا لمشقة الاحتراز. وصرح الإمام أحمد وأصحابه بأن ما يبقى من الدم في اللحم معفو عنه، ولو غلبت حمرة الدم في القدر لعسر الاحتراز عنه، وحكوه عن عائشة وعكرمة والثوري.
وبه قال إسحاق لقوله «٢» تعالى: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
فلم ينه عن كل دم بل نهى عن المسفوح خاصة. وهو السائل والله تعالى أعلم قال الأصمعي ويقال للقراد: أول ما يكون صغيرا قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم يصير قرادا، ثم يصير حلما. وأنشد أبو علي الفارسي «٣» :
وما ذكر فإن يكبر فأنثى ... شديدا لازم ليس له ضروس
والأكثر أن يجمع ضرس على أضراس. والأسنان كلها إناث إلا الأضراس والأنياب.
وحكمه:
تحريم الأكل لاستخباثه. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب القاف في لفظ القراد.
الأمثال:
قالت العرب: «القردان فما بال الحلم «٤» » وهو قريب من قولهم: «استنت الفصال حتى القرعى» . وسيأتي «٥» في بابه.
الحمار الأهلي:
الحمار جمعه حمير وحمر وأحمرة. وربما قالوا للأتان: حمارة وتصغيره حمير، ومنه توبة «٦» بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية «٧» . الذي تقدم ذكره. وكنية الحمار أبو صابر وأبو زياد قال الشاعر:
زياد لست أدري من أبوه ... ولكن الحمار أبو زياد
стр. 337
ويقال للحمارة: أم محمود وأم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب. وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه ويلقح إلا الحمار والفرس. وهو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا ومنه نوع يصلح لحمل الأثقال ونوع لين الأعطاف سريع العدو، ويسبق براذين الخيل. ومن عجيب أمره أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي «١» ، يخاطب عبد الصمد «٢» بن المعذل وقد هجاه:
أقدمت ويحك من هجوي على خطر ... والعير يقدم من خوف على الأسد «٣»
ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض. فمن ذلك أن خالد بن صفوان «٤» والفضل بن عيسى «٥» الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين، فأما خالد فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار، فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟ فقال: عير من نسل الكداد، يحمل الرحلة، ويبلغني العقبة، ويقل داؤه، ويخف دواؤه، ويمنعني من أن أكون جبارا في الأرض، وأن أكون من المفسدين. وأما الفضل فإنه سئل عن ركوبه الحمار؟ فقال: إنه من أقل الدواب مؤنة، وأكثرها معونة، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى. فسمع أعرابي كلامه، فعارضه بقوله:
الحمار شنار، والعير عار، منكر الصوت لا ترقأ به، ولا تمهر به النساء، وصوته أنكر الأصوات.
قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم الشنيع والشتيمة، ومن استحياشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه، ويرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنون عن الشيء المستقذر. وقد عد من مساوي الآداب، أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروأة، ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا، وإن بلغت به الرحلة الجهد. انتهى. والمروأة بالهمز وتركه، قال الجوهري: هي الإنسانية. وقال ابن فارس هي الرجولية وقيل: إن ذا المروأة من يصون نفسه عن الإدناس، ولا يشينها عند الناس. وقيل: من يسير بسيرة أمثاله، في زمانه ومكانه. قال الدارمي قيل المروأة في الحرفة. وقيل في آداب الدين، كالأكل والصياح في الجم الغفير وانتهار السائل، وقلة فعل الخير مع القدرة عليه. وكثرة الاستهزاء والضحك، ونحو ذلك انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار أو يحول رأسه رأس حمار» «٦» . ومعنى ذلك، والله أعلم، أن يمسخ صورته كلها فيجعل رأسه رأس حمار، وبدنه بدن حمار، وفيه دليل على جواز وقوع المسخ أعاذنا الله منه. وهو لا يكون إلا من شدة الغضب. قال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
стр. 338
وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
«١» الآية. وهذا الحديث صريح في تحريم مسابقة الإمام بالركوع والسجود، وغيرهما من أركان الصلاة. وبه صرح البغوي والمتولي وصححه النووي، في شرح المهذب. وهو ظاهرا يراد الكفاية. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذ بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا، وإذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا» »
. وسيأتي في باب الدال المهملة إن شاء الله تعالى.
غريبة:
رأيت في كتاب النصائح لابن ظفر قال: دخلت ثغرا من ثغور الأندلس فألفيت به شابا متفقها من أهل قرطبة فآنسني بحديثه وذاكرني طرفا من العلم ثم إني دعوت فقلت: يا من قال واسألوا الله من فضله. فقال: ألا أحدثك عن هذه الآية بعجب؟ قلت: بلى. فحدثني عن بعض سلفه أنه قال: قدم علينا من طليطلة راهبان، كانا عظيمي القدر بها، وكانا يعرفان اللسان العربي، فأظهرا الإسلام وتعلما القرآن والفقه، فظن الناس بهما الظنون. قال: فضممتهما إلى وقمت بأمرهما، وتجسست عليهما فإذا هما على بصيرة من أمرهما، وكانا شيخين فقلما لبث أحدهما حتى توفي. وأقام الآخر أعواما ثم مرض، فقلت له يوما: ما سبب إسلامكما؟ فكره مسألتي فرفقت به فقال: إن أسيرا من أهل القرآن، كان يخدم كنيسة نحن في صومعة منها، فاختصصنا به لخدمتنا، وطالت صحبته لنا، حتى فقهنا اللسان العربي، وحفظنا آيات كثيرة من القرآن، لكثرة تلاوته له، فقرأ يوما: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
«٣» فقلت لصاحبي، وكان أشد مني رأيا وأحسن فهما: أما تسمع دعاوى هذه الآية؟ فزجرني. ثم إن الأسير قرأ يوما: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
«٤» فقلت لصاحبي: هذه أشد من تلك. فقال: ما أحسب الأمر إلا على ما يقولون. وما بشر عيسى إلا بصاحبهم. قال: واتفق يوما أني غصصت بلقمة، والأسير قائم علينا، يسقينا الخمر على طعامنا، فأخذت الكأس منه فلم أنتفع بها فقلت في نفسي: يا رب إن محمدا قال عنك إنك قلت: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
«٥» وإنك قلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
فإن كان صادقا فاسقني فإذا صخرة يتفجر منها الماء فبادرت فشربت منه، فلما قضيت حاجتي انقطع وورائي ذلك الأسير فشك في الإسلام ورغبت أنا فيه وأطلعت صاحبي على أمري، فأسلمنا معا. وغدا علينا الأسير يرغب في أن نعمده وننصره فانتهرناه وصرفناه عن خدمتنا. ثم إنه فارق دينه وتنصر فحرنا في أمرنا، ولم نهتد لوجه الخلاص. فقال صاحبي: وكان أشد مني رأيا: لم لا ندعو بتلك الدعوة؟ فدعونا بها في التماس الفرج، ونمنا القائلة، فأريت في المنام أن ثلاثة أشخاص نورانية، دخلوا معبدنا، فأشاروا إلى صور فيه فانمحت، وأتوا بكرسي فنصبوه، ثم أتى جماعة مثلهم في النور والبهجة، وبينهم رجل ما رأيت أحسن خلقا منه، فجلس على الكرسي، فقمت إليه فقلت له: أنت السيد المسيح؟ فقال: لا بل أنا أخوه أحمد، أسلم فأسلمت، ثم قلت: يا رسول الله كيف لنا بالخروج إلى بلاد أمتك؟ فقال لشخص قائم بين
стр. 339
يديه: إذهب إلى ملكهم، وقل له يحملهما مكرمين، إلى حيث أحبا من بلاد المسلمين، وأن يحضر الأسير فلانا، ويعرض عليه العود إلى دينه، فإن فعل يخلى سبيله، وإن لم يفعل فليقتله، قال:
فاستيقظت من منامي وأيقظت صاحبي، وأخبرته بما رأيت، وقلت له: ما الحيلة؟ فقال: قد فرج الله أما ترى الصور ممحوّة؟ فنظرت فوجدتها ممحوّة. فازددت يقينا. ثم قال لي صاحبي: قم بنا إلى الملك. فأتيناه فجرى في تعظيمنا، على عادته، وأنكر قصدنا له. فقال له صاحبي: افعل ما أمرت به في أمرنا وفي أمر فلان الأسير فانتقع لونه وأرعد، ثم دعا بالأسير وقال له: أنت مسلم أو نصراني؟ فقال: بل نصراني. فقال له: ارجع إلى دينك، فلا حاجة لنا فيمن لا يحفظ دينه.
فقال: لا أرجع إليه أبدا. فاخترط الملك سيفه وقتله بيده. ثم قال لنا سرا: إن الذي جاء إلى واليكما شيطان، ولكن ما الذي تريدان؟ قلنا: الخروج إلى بلاد المسلمين. قال: أنا أفعل ما تريدان، لكن أظهرا أنكما تريدان بيت المقدس. فقلنا له: نفعل. فجهزنا وأخرجنا مكرمين انتهى.
وروى النسائي والحاكم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير في الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها ترى ما لا ترون، وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن الله يبث في الليل من خلقه ما شاء» «١» . ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وفي سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:
«ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة» . «٢» وفي تاريخ نيسابور وكامل ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «شر الحمير الأسود القصير» وقال الجوهري تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر «٣» :
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهاق حمارا نبي لجزوع
وذلك أنهم، إذا خافوا من وباء بلد، عشروا كتعشير الحمار، قبل أن يدخلوها. وكانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم.
غريبة أخرى:
قال مسروق: كان رجل بالبادية له حمار وكلب وديك، وكان الديك يوقظهم للصلاة، والكلب يحرسهم، والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خيامهم. فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له، وكان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم جاء ذئب فحرق بطن الحمار فقتله. فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا. ثم أصيب الكلب بعد ذلك. فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من كان حولهم وبقوا سالمين. وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة. فكانت الخيرة في هلاك ما كان عندهم من ذلك كما قدر الله . فمن عرف خفي لطف الله رضي بفعله.
стр. 340
فائدة:
روى البيهقي، في دلائل النبوة، بسنده إلى أبي سبرة النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في أثناء الطريق نفق حماره فقام فتوضأ. ثم صلّى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت مجاهدا في سبيلك ابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد علي اليوم منة. أسألك أن تبعث لي حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي:
هذا إسناد صحيح. ومثل هذا يكون معجزة لصاحب الشريعة، حيث يكون في أمته من يحيي الله له الموتى كما سبق. ويأتي والرجل المذكور اسمه نباتة بن يزيد النخعي. قال الشعبي: أنا رأيت ذلك الحمار يباع بعد ذلك في السوق، فقيل للرجل: أتبيع حمارا قد أحياه الله لك؟ قال: فكيف أصنع؟ فقال رجل من رهطه ثلاثة أبيات حفظت منها هذا البيت:
ومنا الذي أحيا الإله حماره ... وقد مات منه كل عضو ومفصل
فائدة أخرى:
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
«١» قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج رحمهم الله تعالى: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم ﷺ ، أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جريح: كانت جيفة حمار بساحل البحر قال عطاء:
بحيرة طبرية، قالوا: فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر، وكان البحر إذا مد جاءت الحيتان ودواب البحر، فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر، وإذا جزر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابا، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها، فما سقط منها قطعته الرياح في الهواء. فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، وقال: يا رب قد علمت لتجمعها من بطون السباع، وحواصل الطير، وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فازداد يقينا، فعاتبه الله على ذلك، فقال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى
يا رب قد علمت وآمنت وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
«٢» أي يسكن إلى المعاينة والمشاهدة فإبراهيم ﷺ كان يعلم يقينا أن الله يحيي الموتى، ولكنه أراد أن يصير له علم اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة وما أحسن قول بعضهم:
لئن كلمت بالتفريق قلبي ... فأنت بخاطري أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمروذ فقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
«٣» فقال نمروذ أنا أحيي وأميت فقتل رجلا وأطلق آخر، فجعل ترك القتل إحياء. فقال إبراهيم: إن الله يقصد إلى جسد ميت فيحييه، فقال له نمروذ: أنت عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
بقوة حجتي، وإذا قيل لي: أنت عاينته؟ أقول: نعم قد عاينته. وقال سعيد بن جبير: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم فلم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه. فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه إبراهيم ليأخذه، فقال له: من أنت؟ ومن أذن
стр. 341
لك أن تدخل داري بغير إذني؟ فقال: أذن لي رب هذه الدار. فقال له إبراهيم: صدقت. وعرف أنه ملك فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت، جئت أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى، ثم قال: ما علامة ذلك؟ قال: إجابة الله دعاءك وإحياء الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
«١» إنك قد اتخذتني خليلا وأجبتني إذا دعوتك وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «٢» : «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
» ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» . وقد «٣» أخرجه مسلم عن ابن وهب أيضا.
وقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم قال المزني: لم يشك النبي، ولا إبراهيم ﷺ في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكا في أنه تعالى هل يجيبهما إلى ما سألاه أم لا. وقال الخطابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما. يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك.
وإنما قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس. وكذلك قوله: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» وفيه إعلام أن المسألة من إبراهيم ﵊، لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبيل زيادة العلم بالعيان. فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وقيل: لما نزلت هذه الآية. قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال رسول الله ﷺ هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم ﷺ . وسيأتي الكلام على تمام الآية، في باب الطاء المهملة في الكلام على لفظ الطير.
فائدة أخرى:
قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ
«٤» الآية. هذه الآية منسوقة على الآية التي قبلها تقديره ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه وإلى الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقيل: تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه «وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ قاله البغوي. وقد اختلف المفسرون وأهل السير، في ذلك المار. فقال وهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقيا، وكان من سبط هارون وهو الخضر. وقال قتادة وعكرمة والضحاك: وهو عزير بن شرخيا، وهو الأصح. وقال مجاهد هو كافر شك في البعث واختلفوا في تلك القرية، فقال وهب وعكرمة وقتادة. هي بيت المقدس. وقال الضحاك: هي الأرض
стр. 342
المقدسة. وقال الكلبي: هي دير سابر آياد. وقال السدي: سلماياد. وقيل: دير هرقل. وقيل الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف. وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس، وهي خاوية ساقطة. يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط. وخوى البيت بالفتح يخوي خواء، ممدودا، إذا خلا. على عروشها سقوفها، واحدها عرش. وكل بناء عرش. وكان السبب في ذلك على ما ذكره محمد بن إسحاق صاحب السيرة. أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أنوص، ملك بني إسرائيل، ليسدده ويأتيه بالخبر من الله وكان قوام أمر بني إسرائيل، بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم. فكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي يقيم له أمره، ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه . فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي، فأوحى الله إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي، وعرفهم أحداثهم. فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه في الوقت خطبة طويلة بليغة، بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله : وإني أحلف بعزتي لأقيضن لكم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليكم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله إلى أرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم ولد يافث بن نوح، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى ومزق ثيابه ونبذ التراب على رأسه. فأوحى الله إليه: يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم، يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فأوحى الله إليه:
وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح بذلك أرمياء، وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح، وقال: أن يعذبنا ربنا، فبذنوب كثيرة، وإن يعف عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا وإلا معصية تماديا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم.
فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما قصد سائرا أتى الخبر للملك فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن الله أوحى إليك؟ فقال أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق، فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكا متمثلا في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء: من أنت؟ فقال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولم يزدهم إكرامي إياهم إلا سخطا، فأفتني فيهم فقال: أحسن فيما بينك وبين الله، وصلهم وابشر بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فجلس بين يديه، فقال له ارمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي فقال له أرمياء: أما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يا نبي الله ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلا أتيتها إليهم وأفضل قاله له أرمياء: ارجع فأحسن إليهم اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم لك. فانصرف الملك ومكث أياما، ونزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس، أكثر من الجراد المنتشر. ففزع منهم بنو إسرائيل، وقال ملكهم لارمياء: أين ما وعدك ربك؟ فقال أرمياء:
إني واثق بوعد ربي. ثم أقبل الملك على أرمياء، وهو جالس على جدار بيت المقدس يضحك
стр. 343
ويستبشر بنصر ربه. فجلس بين يديه فقال له أرمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك مرتين أستفتيك في شأن أهلي ورحمي. فقال له أرمياء: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال له الملك: يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم، كنت أصبر عليه، واليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله تعالى. فقال أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال على عمل عظيم من سخط الله ، فغضبت لله، وأتيتك وأنا أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. فقال أرمياء: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا نرضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه وقال: يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم، إلا بفتياك ودعائك. فعلم أنها فتياه وإن ذلك السائل كان رسولا من الله إليه فطار أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس. ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ففعلوا حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده كبيرهم وصغيرهم من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد منهم أربعة أغلمة. وكان من أولئك الأغلمة دانيال وحنانيا. وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشأم. فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله تعالى ببني إسرائيل يظلمهم. فلما ولي بختنصر راجعا عنهم إلى بابل، ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرمياء على حمار له، معه عصير عنب في ركوة وسلة تين، حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها ورأى خرابها، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
«١» ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون، فلم يره أحد وذلك ضحى. ومنع الله السباع والطير عن أكل لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة، أرسل الله تعالى ملكا من ملوك فارس، يقال له نوشك إلى بيت المقدس ليعمره، فانتدب في ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، وجعلوا يعمرونه. وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت أحد منهم ببابل، وردهم الله إلى بيت المقدس ونواحيه، وعمروه ثلاثين سنة وكثروا، حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. فلما مضت المائة سنة أحيا الله تعالى من أرمياء عينيه، وسائر جسده ميت ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء أيها العظام البالية إن الله تعالى يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض، ثم نودي إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكان كذلك ثم نودي إن شاء الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله تعالى أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى:
стр. 344
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
«١» الآية وقوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ
«٢» أي لم يتغير وكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. نقله عن وهب بن منبه انتهى. وسيأتي الكلام على الخضر واختلاف العلماء في اسمه ونبوته في لفظ الحوت من هذا الباب.
وقال قتادة وعكرمة والضحاك إن بختنصر لما خرب بيت المقدس، وأقدم سبي بني إسرائيل بابل، كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود ﵊، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حماره حتى نزل بدير هرقل، على شط دجلة فطاف في القرية فلم يرفيها أحدا، ورأى عامة شجرها حاملا فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل الفاكهة في سلة، والعصير في زق. فلما رأى خراب القرية، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
«٣» قالها تعجبا لا شكا في البعث. وقال السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهب بها الطير والسباع فاجتمعت وركب بعضها في بعض. وهو ينظر فصار حمارا من عظم ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسيت العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى. وقال قوم: أراد به عظام هذا الرجل، وذلك إن الله لم يمت حماره فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فإذا حماره قائم، كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام. وتقدير الآية:
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ،
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
«٤» هذا قول قتادة والضحاك وغيرهما.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة سنة، ركب حماره وقصد بيت المقدس حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكروا منزلته فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها من العمر مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم، وكان عزير قد خرج عنهم وهي ابنة عشرين سنة وكانت قد عرفته وعقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم. هذا منزل عزير، وبكت وقالت: ما رأيت أحدا منذ كذا وكذا سنة يذكر عزيرا. قال: أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان مجاب الدعوة، يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية. فادع الله تعالى أن يرد على بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربه ، ومسح بيده على عينيها فأبصرت، ثم أخذ بيدها وقال:
قومي بإذن الله تعالى. فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت: هذا عزير قد أتاكم الله به، فكذبوها فقالت:
أنا فلانة مولاتكم دعا لي عزير به فردّ علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله سبحانه كان أماته مائة سنة، ثم بعثه. قال: فأقبل الناس إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو كما قال انتهى. وقال السدّي والكلبي: لما رجع إلى قريته، وقد أحرق بختنصر التوراة، ولم يكن عهد بين الخلائق، بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء من الله تعالى، فيه ماء، فشرب منه، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله
стр. 345
التوراة، وبعثه نبيا فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني عزير بعثني الله تعالى إليكم لأجدد لكم توراتكم. قالوا: فأملها علينا فأملاها عليهم عن ظهر قلبه. فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت، إلا أنه ابنه فقالوا عزير ابن الله. تعالى الله وتقدس عن الصاحبة والولد. وكان الله قد أمات عزيرا وهو ابن أربعين سنة، وبعثه وهو ابن مائة وأربعين سنة، وكان أولاده وأولاد أولاده شيوخا وعجائز، وهو شاب أسود الرأس واللحية فسبحان من هو على كل شيء قدير.
فائدة أخرى:
ذكر ابن خلكان وغيره من المؤرخين أن قيصر، ملك الروم، كتب إلى عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة تخرج مثل آذان الحمر، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرذ والزبرجد الأخضر، ثم تحمر فتكون مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج، ثم تيبس فتكون عصمة المقيم وزاد المسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فما أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقتك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله تعالى على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
«١» وذال الزمرذ معجمة ودال الزبرجد مهملة. وقيصر كلمة إفرنجية معناها شق عنه وسببه على ما قاله المؤرخون: إن أم قيصر ماتت في المخاض، فشق بطنها وأخرج فسمي قيصر وكان يفخر بذلك على الملوك. ويقول إنه لم يخرج من الرحم واسمه أغسطس، وفي زمن ملكه ولد المسيح ﵊. ثم وضع هذا اللقب لكل من ملك الروم كما لقبوا ملك الترك خاقان، وملك فارس كسرى، وملك الشام هرقل، وملك القبط فرعون، وملك اليمن تبعا وملك الحبشة النجاشي وملك فرغانة الأخشيد، وملك مصر في الإسلام سلطانا قال ابن خلكان: وهنا نكتة يسأل عنها وهي أن الروم يقال لهم بنو الأصفر فما السبب في تسميتهم بذلك؟ فيقال إن ملك الروم كان قد احترق في الزمن الأوّل فبقيت منه امرأة فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم، ثم اصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم فجلسوا مجلسا لذلك، فأقبل رجل من اليمن، ومعه عبد له حبشي، يريد الروم فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شيء وقعتم فزوّجوه تلك المرأة وملكوه عليهم، فولدت منه غلاما فسموه الأصفر لصفرة لونه لكونه تولد بين الحبشي والمرأة البيضاء. ونسب الروم إليه. ثم إن سيد العبد خاصمهم فيه، فقال العبد: صدق أنا عبده فارضوه فأعطوه حتى أرضوه وبقي هذا النسب على الروم.
وفي كتاب النصائح لابن ظفر أنه لما اشتد مرض الرشيد بطوس، أحضر طبيبا طوسيا فارسيا، وأمر أن يعرض عليه ماؤه، هو مع مياه كثيرة لمرضى وأصحاء فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيدة فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي فإنه قد انحلت قواه وتداعت بنيته. فأقيم وأمر بالذهاب فذهب ويئس الرشيد من نفسه وتمثل قائلا:
стр. 346
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى
وبلغه أن الناس قد أرجفوا بموته، فاستدعى بحمار وأمر فحمل عليه، فاسترخت فخذاه فقال: أنزلوني صدق المرجفون. ثم استدعى بأكفان فتخير منها ما أعجبه، وأمر فشق له قبر أمام فراشه، ثم اطلع فيه فقال: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
«١» فتوفي في يومه رحمه الله تعالى. وفي تاريخ ابن خلكان أن بعض أصحاب الحلاج «٢» ادّعى أنه رؤي يوم قتله وهو راكب على حمار في طريق النهروان وأنه قال لهم: لعلكم تظنون أني المضروب والمقتول؟ وكان سبب قتله أنه جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بالله فأفتى القضاة والعلماء بإباحة دمه فرسم المقتدر بتسليمه إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فتسلمه بعد العشاء خوفا من العامة أن تنزعه من يده، ثم أخرجه يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة عند باب الطاق واجتمع عليه خلق كثير. وأمر به فضربه الجلاد ألف سوط، فما استعفى ولا تأوّه ثم قطع أطرافه الأربعة، وهو ساكن لا يضطرب، ثم حز رأسه وأحرقت جثته وألقي رمادها في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، ثم حمل وطيف به في النواحي والبلاد وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما. واتفق إن زادت دجلة تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل وإنما ألقي شبهه عند قتله على عدوّ له ولما أخرج ليقتل أنشد قائلا «٣» :
طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرّا
ويحكى أن الحلاج أنشد عند قتله:
لم أسلم النفس للأسقام تتلفها ... إلا لعلمي بأن الموت يشفيها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها
نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل متلفها يوما يداويها
وكان الحلاج قد صحب الجنيد ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية رحمة الله تعالى عليهم أجمعين انتهى. وذكر الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام المقدسي في مفاتيح الكنوز أنه لما أتي به ليصلب ورأى الخشب والمسامير ضحك ضحكا كثيرا ثم نظر في الجماعة فرأى الشبلي فقال: يا أبا بكر أما معك سجادة قال: بلى. قال: افرشها لي ففرشها فتقدم وصلى ركعتين فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، وبعدها: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
«٤» الآية ثم قرأ في الثانية فاتحة الكتاب وبعدها: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ*
الآية «٥» ثم ذكر كلاما مطوّلا ثم تقدم
стр. 347
أبو الحارث السياف، ولطمه لطمة هشم وجهه وأنفه فصاح الشبلي ومزق ثيابه وغشي على أبي الحسن الواسطي وعلى جماعة من المشايخ المشهورين. وكان الحلاج يقول: اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي، فاقتلوني ليس للمسلمين اليوم شغل أهم من قتلي. وقال: إن قتلي قيام بالحدود ووقوف مع الشريعة ومن تجاوز الحدود أقيمت عليه الحدود. قلت: وقد اضطرب الناس في أمره اضطرابا كبيرا متباينا فمنهم من يعظمه ومنهم من يكفره. وقد ذكر الإمام قطب الوجود حجة الإسلام في كتاب مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار فصلا مطوّلا في أمره واعتذر عن إطلاقاته كقوله: أنا الحق وما في الجبة إلا الله وحملها كلها على محامل حسنة، وقال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد وهو مثل قول القائل «١» :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... فإذا أبصرته أبصرتنا
وحسبك هذا مدحة وتزكية وكان ابن شريح إذا سئل عنه يقول: هذا رجل قد خفي على حاله وما أقول فيه. وهذا شبيه بكلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وقد سئل عن علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما فقال: دماء طهر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر من الخوض فيهم ألسنتنا؟ وهكذا ينبغي لمن يخاف الله أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بكلام يصدر عنه يحتمل التأويل على الحق والباطل. فإن الإخراج من الإسلام عظيم ولا يسارع به إلا جاهل.
ويحكى عن شيخ العارفين قطب الزمان عبد القادر الجيلاني قدس الله سره أنه قال: عثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده ولو أدركت زمانه لأخذت بيده وهذا وما سبق عن الإمام الغزالي في أمره كاف لمن له أدنى فهم وبصيرة وسمي الحلاج لأنه جلس يوما على حانوت حلاج واستقضاه حاجة فقال له الحلاج أنا مشتغل بالحلج. فقال له: امض في حاجتي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج في حاجته، فلما عاد وجد قطنه كله محلوجا، وكان لا يحلجه عشرة رجال في أيام متعددة.
فمن ثم قيل له الحلاج. وقيل إنه كان يتكلم على الأسرار ويخبر عنها، فسمي حلاج الأسرار وكان من أهل البيضاء بليدة بفارس واسمه الحسين بن منصور والله أعلم.
وذكر ابن خلكان وغيره أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولي محمد بن أبي بكر الصديق مصر، فدخلها سنة سبع وثلاثين وقام بها إلى أن بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، ومعهم معاوية بن حديج، بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مفتوحة وبالجيم في آخره كذا ضبطه ابن السمعاني في الأنساب وابن عبد البر وابن قتيبة وغيرهم.
ووقع في كثير من نسخ تاريخ ابن خلكان معاوية بن خديج بخاء معجمة ودال مكسورة وآخره جيم وهو غلط. والصواب ما تقدم وأصحابه أي أصحاب معاوية بن خديج فاقتتلوا فانهزم محمد بن أبي بكر واختبأ في بيت مجنونة فمر أصحاب معاوية بن خديج بالمجنونة وهي قاعدة على
стр. 348
الطريق، وكان لها أخ في الحبس فقالت: أتريد قتل أخي قال: لا ما أقتله. قالت: فهذا محمد بن أبي بكر داخل بيتي، فأمر معاوية أصحابه فدخلوا إليه وربطوه بالحبال وجروه على الأرض وأتوا به معاوية، فقال له محمد: احفظني لأبي بكر فقال له: قتلت من قومي في قضية عثمان ثمانين رجلا، وأتركك وأنت صاحبه لا والله. فقتله في صفر سنة ثمان وثلاثين. وأمره معاوية أن يجر في الطريق ويمر به على دار عمرو بن العاص لما يعلم من كراهته لقتله، وأمر به أن يحرق بالنار في جيفة حمار.
وقال غيره: بل وضعه حيا في جيفة حمار وأحرقه بالنار، وكان سبب ذلك دعوة أخته عائشة عليه لما أدخل يده في هودجها يوم وقعة الجمل، وهي لا تعرفه فظنته أجنبيا فقالت من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقد تقدم هذا في باب الجيم في الكلام على لفظ الجمل ودفن في الموضع الذي قتل فيه. فلما كان بعد سنة من دفنه، أتى غلامه وحفر قبره فلم يجد فيه سوى الرأس فأخرجه ودفنه في المسجد تحت المنارة. ويقال إن الرأس في القبلة. قال: وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها قد أنفذت أخاها عبد الرحمن إلى عمرو بن العاص في شأن محمد فاعتذر بأن الأمر لمعاوية بن خديج. ولما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه مسالم، ومعه قميصه، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ بكبش فشوي وبعثت به إلى عائشة، وقالت: هكذا قد شوي أخوك فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت. وقالت هند بنت شمر الحضرمية: رأيت نائلة امرأة عثمان بن عفان تقبل رجل معاوية بن خديج وتقول: بك أدركت ثأري ولما سمعت أمه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دما. ووجد عليه علي بن أبي طالب ﵁، وجدا عظيما وقال كان لي ربيبا وكنت أعده ولدا ولبني أخا. وذلك لأن عليا كان قد تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة الصديق ورباه كما تقدم. وذكر الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي وغيره أن سفيان بن سعيد الثوري أكل ليلة زائدا على عادته فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، ثم قام حتى أصبح. قال: وكان فتى يجالس الثوري ولا يتكلم فأحب أن يعرف نطقه فقال: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيول سابقة وبقينا بعدهم على حمر دبرة فقال الفتى: يا أبا عبد الله إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. وقال سفيان بن عيينة:
دعانا سفيان الثوري ليلة فقدم لنا تمرا ولبنا خائرا فلما توسط الأكل قال: قوموا فلنصل ركعتين شكرا لله تعالى فقال ابن وكيع، وكان حاضرا: لو قدم لنا شيئا من اللوزينج، لقال: قوموا فلنصل التراويح فتبسم سفيان. وقال سفيان الثوري ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني. وقال له رجل: أوصني فقال: اعمل للدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر مقامك فيها، والسلام. وقال له رجل: إني أريد الحج، فقال: لا تصحب من يتكرم عليك فإنك إن ساويته في النفقة أضرّ بك، وإن تفضّل عليك استذلك. ودخل الثوري على المهدي يوما فسلم عليه تسليم العامة، ولم يسلم بالخلافة، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال: يا سفيان تفر منا ههنا وههنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ وقد قدرنا عليك الآن! أما تخشى أن نحكم فيك الآن بهوانا؟ فقال سفيان: أن تحكم في بحكم الآن، يحكم فيك ملك عادل قادر يفرق بين الحق والباطل. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن اضرب عنقه. فقال له
стр. 349
المهدي: اسكت ويلك وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن تقتلهم فنشقى بهم ويسعدوا بنا اكتبوا عهده على قضاء الكوفة بحيث أن لا يعترض عليه في حكم. فكتب عهده ودفع إليه فأخذه وخرج ورمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد وتوفي بالبصرة متواريا سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى. وهو أحد الأئمة المجتهدين، اجمع الناس على دينه وورعه وثقته. ويروى أن أبا القاسم الجنيد «١» ﵀ كان يفتي على مذهبه، وهو غلط والصواب أن الجنيد كان شافعيا وقد عده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في الأصحاب وكذلك عده غيره.
وكان سفيان الثوري كوفيا فإنه سئل عن عثمان وعن علي رضي الله تعالى عنهما أيهما أفضل؟
فقال: أهل البصرة يقولون بتفضيل عثمان وأهل الكوفة يقولون بتفضيل علي. فقيل له: فما تقول أنت؟ قال أنا رجل كوفي. يعني أنه يقول بتفضيل علي.
وفي كتاب ابتلاء الأخيار أن عيسى ﵊ لقي إبليس وهو يسوق خمسة أحمرة عليها أحمال، فسأله عن الأحمال فقال: تجارة أطلب لها مشترين. قال: وما هي التجارة؟ قال:
أحدها الجور. قال: ومن يشتريه؟ قال السلاطين. والثاني الكبر. قال: ومن يشتريه؟ قال:
الدهاقين: والثالث الحسد. قال: ومن يشتريه؟ قال: العلماء. والرابع الخيانة. قال: ومن يشتريها؟ قال: عمال التجار. والخامس الكيد. قال: ومن يشتريه؟ قال: النساء.
ومما يحكى: من كيد النساء ومكرهن ما روي في بعض التفاسير، عن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أنه قال: كان في بني إسرائيل رجل، وكان له مع الله معاملة حسنة، وكان له زوجة وكان ضنينا بها، وكانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال والحسن، وكان يقفل عليها الباب، فنظرت يوما شابا فهويته وهويها، فعمل له مفتاحا على باب دارها، وكان يدخل ويخرج ليلا ونهارا متى شاء، وزوجها لم يشعر بذلك فبقيا على ذلك زمانا طويلا. فقال لها زوجها يوما، وكان أعبد بني إسرائيل وأزهدهم إنك قد تغيرت علي ولم أعلم ما سببه، وقد توسوس قلبي وقد كان أخذها بكرا، ثم قال لها: واشتهي منك أن تحلفي لي أنك لم تعرفي رجلا غيري، وكان لبني إسرائيل جبل يقسمون به ويتحاكمون عنده، وكان الجبل خارج المدينة، وكان عنده نهر يجري، وكان لا يحلف أحد عنده كاذبا إلا هلك. فقالت له: ويطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل؟ قال: نعم، قالت متى شئت فعلت. فلما خرج العابد لقضاء حاجته، دخل عليها الشاب، فأخبرته بما جرى لها مع زوجها، وأنها تريد أن تحلف له عند الجبل، وقالت: ما يمكنني أن أحلف كاذبة، ولا أقول لزوجي ما أحلف فبهت الشاب وتحير، وقال: فما تصنعين؟ فقالت له: بكر غدا، وألبس ثوب مكار وخذ حمارا واجلس على باب المدينة، فإذا خرجنا فأنا آمره يكتري منك الحمار، فإذا اكتراه منك بادر واحملني وارفعني فوق الحمار، حتى أحلف له وأنا صادقة أني ما مسني أحد غيرك وغير هذا المكاري. فقال: حبا وكرامة. فلما جاء زوجها قال قومي بنا إلى الجبل لتحلفي به. فقالت ما لي طاقة بالمشي فقال: اخرجي فإن وجدت مكاريا اكتريت لك. فقامت ولم تلبس لباسها، فلما خرج العابد وزوجته، رأت الشاب ينتظرها فصاحت به يا مكاري أتكري حمارك إلى الجبل بنصف درهم؟ قال: نعم، ثم تقدم ورفعها على الحمار فساروا حتى وصلوا إلى الجبل. فقالت
стр. 350
للشاب: انزلني عن الحمار حتى أصعد على الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الأرض، فانكشفت عورتها فشتمت الشاب، فقال: والله ما لي ذنب، ثم مدت يدها إلى الجبل فأمسكته وحلفت له أنه لم يمسسها أحد، ولا نظر إنسان مثل نظرك إلي، مذ عرفتك، غيرك وغير هذا المكاري. فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا وزال عن مكانه، وأنكرت بنو إسرائيل ذلك.
فذلك قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
«١» ويقرب من هذا ما روي عن وهب بن منبه أنه كان في زمن بني إسرائيل في زمن عيسى ﵊، رجل اسمه شمشون، وكان من أهل قرية من قرى الروم، كان قد هداه الله لرشده وصار من الحواريين، وكان أهله أصحاب أوثان يعبدونها وكان منزله من القرية على أميال، وكان يغزوهم وحده، ويجاهدهم في الله حق جهاده فيقتل ويسبي ويصيب المال، وكان ربما لقيهم بغير زاد فإذا قاتلهم وعطش انفجر له من الحجر الذي في القرية ماء فيشرب منه حتى يروى، وكان قد أعطي قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، وكانوا لا يقدرون منه على شيء، فتآمروا فيه فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تقدروا على أذاه إلا من قبل زوجته، فدخلوا عليها وجعلوا لها جعلا إن أوثقته، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا لها: إذا نام فأوثقي يديه إلى عنقه ثم ذهبوا فجاء شمشون ونام، فقامت إليه فأوثقته كتافا فجعلت يديه إلى عنقه، فلما هب من نومه، جذب يديه فوقع الحبل من عنقه، فقال لها لم فعلت هذا؟ قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك قط. ثم أرسلت إليهم إني قد ربطته بالحبل فلم يغن شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، وقالوا لها إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، فلما هب من نومه جذبها فتقطعت، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون! أما في الأرض شيء يغلبك؟ قال: الله يغلبني. ثم شيء واحد. قالت: ما هو؟ قال: ما أنا بمخبرك به.
فلم تزل تخدعه وتمكر به وتتلطف له في السؤال، وكان ذا شعر كثير جدا فقال: ويحك إن أمي كانت جعلتني نذيرا فلا يغلبني شيء أبدا ولا يوثقني إلا شعري. فتركته حتى نام، ثم قامت إليه فأوثقت يديه إلى عنقه بشعره فأوثقه ذلك. وبعثت إلى القوم فجاؤوا وأخذوه فجدعوا أنفه، وفقؤوا عينيه وأوقفوه للناس، بين ظهراني المدينة، وكانت المدينة ذات أساطين، وأشرف الملك لينظر ماذا يفعل به، فدعا الله شمشون، حين مثلوا به وأوقفوه، أن يسلطه عليهم، فرد الله عليه بصره، وما أصابوا من جسده، وأمره أن يأخذ بعمود من عمد المدينة الذي عليه الملك والناس ففعل، فوقعت المدينة وهلك من فيها وأرسل الله على زوجته صاعقة فأحرقتها، ونجى الله تعالى شمشون بمنه وفضله انتهى. وحكاياتهن في المكر والكيد لا تحصى وحسبك أن الله تعالى استضعف كيد الشيطان فقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
«٢» واستعظم كيد النساء فقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
«٣» .
وفي كتاب نزهة الأبصار في أخبار ملوك الأمصار، وهو كتاب عظيم المقدار، ولا أعلم مصنفه أن بعض الملوك، مر بغلام وهو يسوق حمارا غير منبعث، وقد عنف عليه في السوق، فقال: يا غلام ارفق به فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه، قال: وكيف ذلك؟ قال:
стр. 351
يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وكيف ذلك؟ قال: يخف حمله ويطول أكله فأعجب الملك بكلامه، وقال: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مشكور. قال الملك: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي قال: كفيت مؤونة ورزقت معونة. فقال له الملك: عظني فإني أراك حكيما. فقال: أيها الملك إذا استوت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنأتك العافية، فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية العمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة نصيبا. فأعجب الملك بكلامه، وقال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. فقال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. فاستوزره فوجده ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، ومشورة تقع موقع التوفيق.
وفي هذا الكتاب دعابات فمنها أن الرشيد خرج إلى الصيد، فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه، فإذا هو بشيخ كبير راكب على حمار، فنظر إليه، فإذا هو رطب العينين فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد؟ قال: حائطا لي. قال: هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب تلك الرطوبة؟ فقال: ما أحوجني إلى ذلك فقال له: خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكماة، فصره في قشرة جوزة، واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك.
فاتكأ الشيخ على قربوس «١» سرجه، وضرط ضرطة طويلة، ثم قال: هذه أجرة لوصفك، وإن نفعنا الكحل زدناك. فضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن دابته. ومنها أنه حضر خياط لبعض الأمراء ليفصل له قباء، فأخذ يفصل والأمير ينظر إليه، فلم يتهيأ له أن يسرق شيئا فضرط فضحك الأمير حتى استلقى فأخرج الخياط من القباء ما أراد فجلس الأمير وقال: يا خياط ضرطة أخرى، فقال الخياط لا لئلا يضيق القباء. وفي كتاب نشوان المحاضرة قال ذو النون بن موسى:
كنت غلاما، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية يقال لها سانطف أريد عسكر مكرم «٢» . ومعي حماران واحد راكبه والآخر عليه حمل البطيخ، فمررت بعسكر المعتضد، وأنا لا أعلم من هو، فأسرع إلي جماعة منهم فأخذ واحد منهم من الحمل ثلاث بطيخات أو أربع، فخفت أن ينقص عن عدده فأتهم به، فبكيت وصحت، والحمار يسير على المحجة، والعسكر مجتاز وإذا بكبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف وقال: يا مالك يا غلام تبكي وتصيح؟ فعرفته الخبر، فوقف ثم التفت إلى القوم وقال: أيه علي بالرجل الساعة. قال: فجيء به في أسرع من طبق البصر، حتى كأنه كان وراء ظهره، فقال: هو هذا يا غلام؟ قلت: نعم فأمر به فضرب بالمقارع، وهو واقف وأنا راكب على حماري، والعسكر واقف وجعل يقول له: وهو يضرب يا كلب أما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ أما قدرت أن تمنع نفسك منه؟ أهو مالك أو مال أبيك؟
أليس صاحبه أتعب نفسه وأجهد في زرعه وسقيه وأداء خراجه؟ والمقارع تأخذه حتى ضرب مائة مقرعة. ثم أمر لي بأربعة دنانير وسار. وأخذ الجيش يشتموني ويقولون: ضرب القائد الفلاني بسبب هذا مائة مقرعة فسألت بعضهم فقال: هذا أمير المؤمنين المعتضد.
стр. 352
وفي كتاب الأذكياء لابن الجوزي، عن الجاحظ أنه قال: قال ثمامة بن أشرس «١» : دخلت على صديق لي أعوده، وتركت حماري على الباب، ولم يكن معي غلام يحفظه، فلما خرجت إذا فوقه صبي يحفظه، فقلت: أركبت حماري بغير أذني؟ فقال: خفت أن يذهب فحفظته لك. لو ذهب لكان أعجب إلي من بقائه! فقال: إن كان هذا رأيك في الحمار فقدر أنه ذهب وهبه لي واربح شكري! فلم أدر ما أقول. وأحسن من هذا الذكاء ما رواه ابن الجوزي أيضا، قال: ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، والفتح بن خاقان صبي يومئذ، فقال له المعتصم: أيهما أحسن غار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟ قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن. فأراه المعتصم، فصافى يده، وقال: يا فتح هل رأيت أحسن من هذا القص؟ قال: نعم اليد التي هو فيها.
ويقرب من هذا وهو من الجواب المسكت، ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: دخل شاب على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات، ﵀، يوم كذا وكذا، وكان مرضه، ﵀، يوم كذا، خلف، ﵀، كذا. فانتهره الربيع وقال أما تستحي بين يدي أمير المؤمنين تقول هذا؟ فقال الشاب: لا ألومك على انتهاري لأنك لم تعرف حلاوة الآباء! وكان الربيع لقيطا فما أعلم المنصور ضحك كضحكه يومئذ انتهى. وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الحاكم العبيدي «٢» ، أن الحاكم بأمر الله كان له حمار أشهب يدعى بقمر يركبه، وكان يحب الانفراد والركوب وحده، فخرج راكبا حماره ليلة الإثنين سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها وأصبح متوجها إلى شرقي حلوان ومعه راكبان، فأعاد أحدهما ثم أعاد الآخر وبقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور. ثم خرج ثاني القعدة جماعة من الموالي والأتراك فأمعنوا في طلبه وفي الدخول في الجبل فرأوا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه، وهو على قرنة الجبل وقد ضربت يداه ورجلاه بسيف، وعليه سرجه ولجامه فتبعوا الأثر فإذا أثر حمار وأثر راجل خلفه وراجل قدامه، فقصوا الأثر إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب ووجدت مزرورة لم تحل أزرارها، وفيها آثار السكاكين فحملت إلى القصر، ولم يشكوا في قتله. غير أن جماعة من المتغالين في حبهم له السخيفي العقل يدعون حياته وأنه سيظهر ويحلفون بغيبة الحاكم. ويقال إن أخته دست عليه من قتله وكان الحاكم جوادا بالمال سفاكا للدماء. وكانت سيرته عجبا يخترع كل يوم حكما يحمل الناس عليه فمن ذلك أنه أمر الناس سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر بقطع ذلك سنة سبع وتسعين. وأمر بضرب من يسب الصحابة وتأديبه وأمر بقتل الكلاب فلم ير كلب في الأسواق والأزقة إلا قتل ونهى عن بيع الفقاع والملوخيا، ثم نهى عن بيع الزبيب قليله وكثيره، وجمع جملة كثيرة وأحرقت وأنفقوا على إحراقها خمسمائة دينار، ثم نهى عن بيع العنب أصلا وألزم اليهود
стр. 353
والنصارى أن يتميزوا في لباسهم عن المسلمين في الحمامات، وخارجها، ثم أفرد حماما لليهود وحماما للنصارى وألزمهم أن لا يركبوا شيئا من المراكب المحلاة، وأن تكون ركبهم من الخشب وأن لا يستخدموا أحدا من المسلمين ولا يركبوا حمار المكاري المسلم ولا سفينة نواتيها مسلمون.
وأمر بهدم القمامة في سنة ثمان وأربعمائة وجميع الكنائس بالديار المصرية. ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأحباس لجماعة من المسلمين وأمر أن لا يتكلم أحد في صناعة النجوم، وأن ينفى المنجمون من البلاد، وكذلك أصحاب الغناء ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف للنساء، ولم تزل النساء ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر مدة سبع سنين. ثم أمر ببناء ما كان هدم من الكنائس، ورد ما كان قد أخذ من أحباسها.
وحلوان مدينة كثيرة النزه فوق مصر بخمسة أميال كان يسكنها عبد العزيز بن مروان، وبها توفي وبها ولد ولده عمر بن عبد العزيز انتهى. قلت: وفي قوله ليلة الإثنين سابع عشر، وقوله إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور نظر ظاهر والله أعلم. وفي رسالة القشيري، في باب كرامات الأولياء، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول: سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكبا حمارا يوما، وكان الذاب يؤذيه فيطأطىء رأسه، وكنت أضرب رأسه بخشبة في يدي، فرفع الحمار رأسه إليّ وقال: اضرب فإنك هكذا على رأسك تضرب. قال الحسين: فقلت لأبي سليمان لك وقع هذا قال: نعم، كما تسمعني.
تذنيب:
روى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبون الحمر، ويلبسون الصوف، ويحلبون الشاة، وكان للنبي ﷺ حمار اسمه عفير بضم العين المهملة، وضبطه القاضي عياض بالغين المعجمة. وقد اتفقوا على تغليطه، أهداه له المقوقس «١» وكان فروة بن عمرو الجذامي «٢» أهدى له حمارا يقال له يعفور، مأخوذان من العفرة وهو لون التراب، فنفق يعفور في منصرف النبي ﷺ من حجة الوداع. وذكر السهيلي أن يعفور طرح نفسه في بئر يوم موت النبي ﷺ . وذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي منصور قال: لما فتح النبي ﷺ خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول الله ﷺ الحمار فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا لا يركبها إلا نبي وقد كنت أتوقعك لتركبني ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبلك عند رجل يهودي وكنت أتعثر به عمدا، كان يجيع بطني ويركب ظهري. فقال له النبي ﷺ : «فأنت يعفور يا يعفور تشتهي الإناث. قال: لا، فكان ﷺ يركبه في حاجته، وكان يبعثه خلف من شاء من أصحابه، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه فيعلم أن رسول الله ﷺ أرسله إليه، فيأتي النبي ﷺ فلما قبض رسول الله جاء إلى بئر كانت
стр. 354
لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعا على رسول الله ﷺ . فكانت قبره. قال الإمام الحافظ أبو موسى: هذا حديث منكر جدا إسنادا ومتنا لا يحل لأجد أن يرويه إلا مع كلامي عليه. وقد ذكره السهيلي في التعريف والأعلام في الكلام على قوله «١» تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة أحمد بن بشير، وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «تعبد رجل في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا له يرعى، فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل، فأراد أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم» ! «٢» . وهو كذلك في الحلية لأبي نعيم في ترجمة زيد بن أسلم. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه والإمام أحمد في الزهد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قيل لعيسى بن مريم ﵉: يا رسول الله لو اتخذت لك حمارا تركبه لحاجتك؟
فقال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني عنه.
الحكم:
يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس رواه عنه أبو داود في سننه وقال الإمام أحمد: كره أكله خمسة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ . وادعى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه. قال: وقد روي عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم يكن عندي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية «فقال: اطعم أهلك من سمن حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» . ولم «٣» يرو عن غالب بن أبجر سوى هذا الحديث. ولنا ما روى جابر وغيره أن النبي ﷺ «نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» . متفق «٤» عليه. وحديث غالب رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولو بلغ ابن عباس أحاديث النهي الصحيحة الصريحة في تحريمه لم يصر إلى غيره. ولو صح حديث غالب لحمل على الأكل منها، حال الاضطرار وأيضا هي قضية عين لا عموم لها ولا حجة فيها. واختلف أصحابنا في علة تحريمها، هل هو لاستخباث العرب لها؟ أو للنص على وجهين! حكاهما الروياني وغيره وأفاد الحافظ المنذري أن تحريم لحوم الحمر نسخ مرتين، ونسخت القبلة مرتين، ونسخ نكاح المتعة مرتين. واختلف السلف في لبنها فحرمه أكثر العلماء، ورخص فيه عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح لأن حكم اللحم ويحرم ضربه وضرب غيره من الحيوانات المحترمة بالإجماع. روى البخاري أن النبي ﷺ مر بحمار قد وسم وجهه، فقال: «لعن الله من فعل هذا» «٥» وفي رواية «لعن الله الذي وسم هذا» .
стр. 355
الأمثال:
قالوا: «عشر تعشير الحمار» ، «١» قال الجوهري: تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر «٢» :
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهاق حمار أنني لجزوع «٣»
وذلك أنهم كانوا إذا خافوا وباء بلد عشروا كتعشير الحمار قبل أن يدخلوه، وكانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم. وقوله «٤» تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
أي يثقله حملها ولا ينفعه علمها وكل من يعلم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. وفي الحديث «٥» «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحا فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه» والإقتاب الأمعاء واحدها قتب بالكسر. وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر.
أي يتسافدون. والهرج كثرة النكاح. يقال: بات يهرجها ليله جميعا. وروى الحافظ أبو نعيم عن أبي الزاهرية، عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما، ويحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين، ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنة ولا مؤمنا إلا قبضت روحه، ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، حتى يأتي أمر الله والساعة، وهم على ذلك. وقالوا «بال الحمار فاستبال أحمرة» . أي «٦» حملهن على البول، يضرب في تعاون القوم على ما يكره. وقالوا «٧» : «اتخذ فلان حمار الحاجات» . يضرب للذي يمتهن في الأمور. وقالوا: «تركته جوف حمار» «٨» أي لا خير فيه. وقالوا: «أصبر من حمار» . «٩» وقالوا:
«شر المال مالا يذكى ولا يزكى» «١٠» أشاروا بذلك إليه. وقالوا «ما بقي منه إلا قدر ظمء حمار» «١١» . لأنه أقصر الحيوان ظمأ. الجوهري في مادة عشا قال الشاعر:
غدونا غدوة سحرا بليل ... عشاء بعد ما انتصف النهار
قصدناها حمارا ذا قرون ... أكلنا اللحم وانفلت الحمار
وفي معنى هذا البيت وجهان أحدهما أنّا أتعبناه حتى أكلنا لحمه لشدة الإضرار به من العدو ثم انفلت. والثاني إنا ذبحناه فأكلناه أكلا لم يبق منه شيء فكأنه انفلت. وقوله: ذا قرون أي مسنا قد أتت عليه قرون من الدهر. وقالوا «١٢» : «أذل من حمار مقيد» . قال الشاعر:
следующие страницы →