← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وكيف ذلك؟ قال: يخف حمله ويطول أكله فأعجب الملك بكلامه، وقال: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مشكور. قال الملك: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي قال: كفيت مؤونة ورزقت معونة. فقال له الملك: عظني فإني أراك حكيما. فقال: أيها الملك إذا استوت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنأتك العافية، فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية العمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة نصيبا. فأعجب الملك بكلامه، وقال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. فقال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. فاستوزره فوجده ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، ومشورة تقع موقع التوفيق. وفي هذا الكتاب دعابات فمنها أن الرشيد خرج إلى الصيد، فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه، فإذا هو بشيخ كبير راكب على حمار، فنظر إليه، فإذا هو رطب العينين فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد؟ قال: حائطا لي. قال: هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب تلك الرطوبة؟ فقال: ما أحوجني إلى ذلك فقال له: خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكماة، فصره في قشرة جوزة، واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك. فاتكأ الشيخ على قربوس «١» سرجه، وضرط ضرطة طويلة، ثم قال: هذه أجرة لوصفك، وإن نفعنا الكحل زدناك. فضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن دابته. ومنها أنه حضر خياط لبعض الأمراء ليفصل له قباء، فأخذ يفصل والأمير ينظر إليه، فلم يتهيأ له أن يسرق شيئا فضرط فضحك الأمير حتى استلقى فأخرج الخياط من القباء ما أراد فجلس الأمير وقال: يا خياط ضرطة أخرى، فقال الخياط لا لئلا يضيق القباء. وفي كتاب نشوان المحاضرة قال ذو النون بن موسى: كنت غلاما، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية يقال لها سانطف أريد عسكر مكرم «٢» . ومعي حماران واحد راكبه والآخر عليه حمل البطيخ، فمررت بعسكر المعتضد، وأنا لا أعلم من هو، فأسرع إلي جماعة منهم فأخذ واحد منهم من الحمل ثلاث بطيخات أو أربع، فخفت أن ينقص عن عدده فأتهم به، فبكيت وصحت، والحمار يسير على المحجة، والعسكر مجتاز وإذا بكبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف وقال: يا مالك يا غلام تبكي وتصيح؟ فعرفته الخبر، فوقف ثم التفت إلى القوم وقال: أيه علي بالرجل الساعة. قال: فجيء به في أسرع من طبق البصر، حتى كأنه كان وراء ظهره، فقال: هو هذا يا غلام؟ قلت: نعم فأمر به فضرب بالمقارع، وهو واقف وأنا راكب على حماري، والعسكر واقف وجعل يقول له: وهو يضرب يا كلب أما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ أما قدرت أن تمنع نفسك منه؟ أهو مالك أو مال أبيك؟ أليس صاحبه أتعب نفسه وأجهد في زرعه وسقيه وأداء خراجه؟ والمقارع تأخذه حتى ضرب مائة مقرعة. ثم أمر لي بأربعة دنانير وسار. وأخذ الجيش يشتموني ويقولون: ضرب القائد الفلاني بسبب هذا مائة مقرعة فسألت بعضهم فقال: هذا أمير المؤمنين المعتضد.

стр. 352

وفي كتاب الأذكياء لابن الجوزي، عن الجاحظ أنه قال: قال ثمامة بن أشرس «١» : دخلت على صديق لي أعوده، وتركت حماري على الباب، ولم يكن معي غلام يحفظه، فلما خرجت إذا فوقه صبي يحفظه، فقلت: أركبت حماري بغير أذني؟ فقال: خفت أن يذهب فحفظته لك. لو ذهب لكان أعجب إلي من بقائه! فقال: إن كان هذا رأيك في الحمار فقدر أنه ذهب وهبه لي واربح شكري! فلم أدر ما أقول. وأحسن من هذا الذكاء ما رواه ابن الجوزي أيضا، قال: ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، والفتح بن خاقان صبي يومئذ، فقال له المعتصم: أيهما أحسن غار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟ قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن. فأراه المعتصم، فصافى يده، وقال: يا فتح هل رأيت أحسن من هذا القص؟ قال: نعم اليد التي هو فيها. ويقرب من هذا وهو من الجواب المسكت، ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: دخل شاب على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات، ﵀، يوم كذا وكذا، وكان مرضه، ﵀، يوم كذا، خلف، ﵀، كذا. فانتهره الربيع وقال أما تستحي بين يدي أمير المؤمنين تقول هذا؟ فقال الشاب: لا ألومك على انتهاري لأنك لم تعرف حلاوة الآباء! وكان الربيع لقيطا فما أعلم المنصور ضحك كضحكه يومئذ انتهى. وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الحاكم العبيدي «٢» ، أن الحاكم بأمر الله كان له حمار أشهب يدعى بقمر يركبه، وكان يحب الانفراد والركوب وحده، فخرج راكبا حماره ليلة الإثنين سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها وأصبح متوجها إلى شرقي حلوان ومعه راكبان، فأعاد أحدهما ثم أعاد الآخر وبقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور. ثم خرج ثاني القعدة جماعة من الموالي والأتراك فأمعنوا في طلبه وفي الدخول في الجبل فرأوا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه، وهو على قرنة الجبل وقد ضربت يداه ورجلاه بسيف، وعليه سرجه ولجامه فتبعوا الأثر فإذا أثر حمار وأثر راجل خلفه وراجل قدامه، فقصوا الأثر إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب ووجدت مزرورة لم تحل أزرارها، وفيها آثار السكاكين فحملت إلى القصر، ولم يشكوا في قتله. غير أن جماعة من المتغالين في حبهم له السخيفي العقل يدعون حياته وأنه سيظهر ويحلفون بغيبة الحاكم. ويقال إن أخته دست عليه من قتله وكان الحاكم جوادا بالمال سفاكا للدماء. وكانت سيرته عجبا يخترع كل يوم حكما يحمل الناس عليه فمن ذلك أنه أمر الناس سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر بقطع ذلك سنة سبع وتسعين. وأمر بضرب من يسب الصحابة وتأديبه وأمر بقتل الكلاب فلم ير كلب في الأسواق والأزقة إلا قتل ونهى عن بيع الفقاع والملوخيا، ثم نهى عن بيع الزبيب قليله وكثيره، وجمع جملة كثيرة وأحرقت وأنفقوا على إحراقها خمسمائة دينار، ثم نهى عن بيع العنب أصلا وألزم اليهود

стр. 353

والنصارى أن يتميزوا في لباسهم عن المسلمين في الحمامات، وخارجها، ثم أفرد حماما لليهود وحماما للنصارى وألزمهم أن لا يركبوا شيئا من المراكب المحلاة، وأن تكون ركبهم من الخشب وأن لا يستخدموا أحدا من المسلمين ولا يركبوا حمار المكاري المسلم ولا سفينة نواتيها مسلمون. وأمر بهدم القمامة في سنة ثمان وأربعمائة وجميع الكنائس بالديار المصرية. ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأحباس لجماعة من المسلمين وأمر أن لا يتكلم أحد في صناعة النجوم، وأن ينفى المنجمون من البلاد، وكذلك أصحاب الغناء ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف للنساء، ولم تزل النساء ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر مدة سبع سنين. ثم أمر ببناء ما كان هدم من الكنائس، ورد ما كان قد أخذ من أحباسها. وحلوان مدينة كثيرة النزه فوق مصر بخمسة أميال كان يسكنها عبد العزيز بن مروان، وبها توفي وبها ولد ولده عمر بن عبد العزيز انتهى. قلت: وفي قوله ليلة الإثنين سابع عشر، وقوله إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور نظر ظاهر والله أعلم. وفي رسالة القشيري، في باب كرامات الأولياء، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول: سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكبا حمارا يوما، وكان الذاب يؤذيه فيطأطىء رأسه، وكنت أضرب رأسه بخشبة في يدي، فرفع الحمار رأسه إليّ وقال: اضرب فإنك هكذا على رأسك تضرب. قال الحسين: فقلت لأبي سليمان لك وقع هذا قال: نعم، كما تسمعني. تذنيب: روى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبون الحمر، ويلبسون الصوف، ويحلبون الشاة، وكان للنبي ﷺ حمار اسمه عفير بضم العين المهملة، وضبطه القاضي عياض بالغين المعجمة. وقد اتفقوا على تغليطه، أهداه له المقوقس «١» وكان فروة بن عمرو الجذامي «٢» أهدى له حمارا يقال له يعفور، مأخوذان من العفرة وهو لون التراب، فنفق يعفور في منصرف النبي ﷺ من حجة الوداع. وذكر السهيلي أن يعفور طرح نفسه في بئر يوم موت النبي ﷺ . وذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي منصور قال: لما فتح النبي ﷺ خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول الله ﷺ الحمار فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا لا يركبها إلا نبي وقد كنت أتوقعك لتركبني ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبلك عند رجل يهودي وكنت أتعثر به عمدا، كان يجيع بطني ويركب ظهري. فقال له النبي ﷺ : «فأنت يعفور يا يعفور تشتهي الإناث. قال: لا، فكان ﷺ يركبه في حاجته، وكان يبعثه خلف من شاء من أصحابه، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه فيعلم أن رسول الله ﷺ أرسله إليه، فيأتي النبي ﷺ فلما قبض رسول الله جاء إلى بئر كانت

стр. 354

لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعا على رسول الله ﷺ . فكانت قبره. قال الإمام الحافظ أبو موسى: هذا حديث منكر جدا إسنادا ومتنا لا يحل لأجد أن يرويه إلا مع كلامي عليه. وقد ذكره السهيلي في التعريف والأعلام في الكلام على قوله «١» تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وفي كامل ابن عدي، في ترجمة أحمد بن بشير، وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «تعبد رجل في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا له يرعى، فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل، فأراد أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم» ! «٢» . وهو كذلك في الحلية لأبي نعيم في ترجمة زيد بن أسلم. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه والإمام أحمد في الزهد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قيل لعيسى بن مريم ﵉: يا رسول الله لو اتخذت لك حمارا تركبه لحاجتك؟ فقال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني عنه. الحكم: يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس رواه عنه أبو داود في سننه وقال الإمام أحمد: كره أكله خمسة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ . وادعى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه. قال: وقد روي عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم يكن عندي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية «فقال: اطعم أهلك من سمن حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» . ولم «٣» يرو عن غالب بن أبجر سوى هذا الحديث. ولنا ما روى جابر وغيره أن النبي ﷺ «نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» . متفق «٤» عليه. وحديث غالب رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولو بلغ ابن عباس أحاديث النهي الصحيحة الصريحة في تحريمه لم يصر إلى غيره. ولو صح حديث غالب لحمل على الأكل منها، حال الاضطرار وأيضا هي قضية عين لا عموم لها ولا حجة فيها. واختلف أصحابنا في علة تحريمها، هل هو لاستخباث العرب لها؟ أو للنص على وجهين! حكاهما الروياني وغيره وأفاد الحافظ المنذري أن تحريم لحوم الحمر نسخ مرتين، ونسخت القبلة مرتين، ونسخ نكاح المتعة مرتين. واختلف السلف في لبنها فحرمه أكثر العلماء، ورخص فيه عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح لأن حكم اللحم ويحرم ضربه وضرب غيره من الحيوانات المحترمة بالإجماع. روى البخاري أن النبي ﷺ مر بحمار قد وسم وجهه، فقال: «لعن الله من فعل هذا» «٥» وفي رواية «لعن الله الذي وسم هذا» .

стр. 355

الأمثال: قالوا: «عشر تعشير الحمار» ، «١» قال الجوهري: تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر «٢» : لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهاق حمار أنني لجزوع «٣» وذلك أنهم كانوا إذا خافوا وباء بلد عشروا كتعشير الحمار قبل أن يدخلوه، وكانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم. وقوله «٤» تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً أي يثقله حملها ولا ينفعه علمها وكل من يعلم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. وفي الحديث «٥» «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحا فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه» والإقتاب الأمعاء واحدها قتب بالكسر. وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر. أي يتسافدون. والهرج كثرة النكاح. يقال: بات يهرجها ليله جميعا. وروى الحافظ أبو نعيم عن أبي الزاهرية، عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما، ويحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين، ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنة ولا مؤمنا إلا قبضت روحه، ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، حتى يأتي أمر الله والساعة، وهم على ذلك. وقالوا «بال الحمار فاستبال أحمرة» . أي «٦» حملهن على البول، يضرب في تعاون القوم على ما يكره. وقالوا «٧» : «اتخذ فلان حمار الحاجات» . يضرب للذي يمتهن في الأمور. وقالوا: «تركته جوف حمار» «٨» أي لا خير فيه. وقالوا: «أصبر من حمار» . «٩» وقالوا: «شر المال مالا يذكى ولا يزكى» «١٠» أشاروا بذلك إليه. وقالوا «ما بقي منه إلا قدر ظمء حمار» «١١» . لأنه أقصر الحيوان ظمأ. الجوهري في مادة عشا قال الشاعر: غدونا غدوة سحرا بليل ... عشاء بعد ما انتصف النهار قصدناها حمارا ذا قرون ... أكلنا اللحم وانفلت الحمار وفي معنى هذا البيت وجهان أحدهما أنّا أتعبناه حتى أكلنا لحمه لشدة الإضرار به من العدو ثم انفلت. والثاني إنا ذبحناه فأكلناه أكلا لم يبق منه شيء فكأنه انفلت. وقوله: ذا قرون أي مسنا قد أتت عليه قرون من الدهر. وقالوا «١٢» : «أذل من حمار مقيد» . قال الشاعر:

стр. 356

وما يقيم بدار الذل يعرفها ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد الخواص: من سقي من وسخ أذنه في شراب أو غيره سبت ونام، ولم يعقل أصلا. ومن نزع شعرة من ذنبه عند نزوه وربطها على فخذه أنعظ وهيج الباه. وإذا ربط حجر في ذنبه لم ينهق. وكذا إذا طليت استه بدهن. وقال الإمام الفخر الرازي وصاحب الحاوي: إذا طبخ لحم الحمار الأهلي وقعد في مائه من به كزاز نفعه. وإذا اتخذ من حافره خاتم، ولبسه المصروع لم يصرع. وسرجينه وسرجين الخيل، إذا أحرقا أو لم يحرقا وخلطا بخل قطعا سيلان الدم. وإذا علق جلد جبهته على الصبيان منعهم من الفزع وإذا رش على زبله خل وشم قطع الرعاف. وقال صاحب الفلاحة: إذا ركب الملسوع بالعقرب حمارا، وجعل وجهه إلى ذنبه صار الوجع إلى الحمار، وبرىء الراكب. وكذلك إن تقدّم الملدوغ إلى أذن الحمار وقال: إني لدغت بعقرب في المكان الفلاني ذهب الوجع. وإن ركبه مقلوبا كما تقدم كان أقوى فعلا. ومخه إذا طلي به الرأس مع الزيت، طول الشعر. وكبده إذا أكلت مشوية على الريق، منقوعة في الخل، نفعت من الصرع وأمن آكلها من الصرع. ولبن الحمارة إذا صمد به الذكر أنعظ. ونهيق الحمار يضر بالكلب حتى إنه ربما عوى من كثرة ما يؤلمه. التعبير: الحمار في المنام جد الإنسان وسعده، وربما دل على غلام أو ولد أو خير، وربما دل على السفر أو العلم، لقوله «١» تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً وربما على المعيشة لقوله «٢» تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وربما دل الحمار على العالم المحصل. أو اليهود، لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها «٣» الآية وربما دلّ الحمار على ما يوطأ فيه كالوطاء والزربول وما أشبه ذلك. وظهور حمار عزير في المنام ظهور آية. وربما دلت رؤيته على الخلاص من الشدائد، وعلى الرجوع إلى المناصب السنية، أو المنازعة في الدين. والحمير والبغال ملكها في المنام، أو ركوبها دليل على الزينة بالمال أو الولد، لقوله «٤» تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وربما دل ركوب الحمار على النجاة من الهم. وموت الحمار وهزاله فقر صاحبه. وقيل موته موت صاحبه. والنزول عن ظهره بلا نية نزول فقر وبيعه فقر أيضا، ومن ذبح حماره ليأكل لحمه نال سعة في رزقه، وإن ذبحه لغير الأكل فإنه يفسد معاشه بالولد والعز، فمن رأى أنه لا يحسن ركوب حماره، فإنه يتحلى بما ليس من أهله، والمهازيل والضعاف من الحمر، مال في زيادة، والسمان منها مال قد انتهى. والحمار المصري وكيل وهو نعم الوكيل. والحمارة امرأة معينة على المعيشة كثيرة الخير ذات نسل وربح متواتر، فمن ركب حمارة في منامه، وخلفها جحش فإنه يتزوج امرأة لها ولد. ومن رأى حمارة لا تمشي إلا بالصوت فإنه لا يطعم إلا بالدعاء. ولفظ الأتان من الإتيان. وربما دل صياحها على الشر والإنكاد، لقوله «٥»

стр. 357

تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ أو ظهور عارض من الجان، فإن نهيق الحمار يدل على رؤية الشيطان لأن السنة وردت بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند سماع صوته، وقيل سماع صوته دعاء على الظلمة. ومن رأى حمارا موقورا دخل منزله، فإنه خير يسوقه الله إليه على قدر جوهر ذلك الحمل. ولبن الحمارة خصب في تلك السنة وربما دل الشرب منه على مرض شاربه ثم ينجو منه. ولحم الحمار مال لمن أكله. وحمار المرأة زوجها فإن مات طلقها أو مات زوجها. ومن صارع حمارا مات بعض أقاربه ومن رأى حماره صار فرسا نال خيرا من السلطان، وإن صار بغلا نال خيرا من سفر. ومن حمل حماره في المنام نال خيرا وقوّة في السعادة، حتى يتعجب منه. ومن رأى له حافرا فذلك قوة في المال والتصرف وكذلك الخف ومن سمع صوت الحوافر من غير أن يرى شيئا من البهائم. فإنها أمطار ويعبر الحمار برجل جاهل. وربما دلت رؤيته على الولد من الزنا. ومن رأى حمارا نزل من السماء فدس ذكره في دبره نال مالا عظيما يستغني به. لا سيما إذا كان الرائي ملكا، والحمار أسود أو أدهم والله أعلم. الحمار الوحشي: ويسمى الفراء ويقال حمار وحش وحمار وحشي، وهو العير وربما أطلق العير على الأهلي أيضا والحمار الوحشي شديد الغيرة، فلذلك يحمي عانته الدهر كله ومن عجيب أمره أن الأنثى من هذا النوع إذا ولدت ذكرا كدم الفحل خصيتيه، فالأنثى تعمل الحيلة في الهرب منه حتى يسلم. وربما كسرت رجل التولب كي لا يسعى ولا تزال ترضعه إلى أن يكبر فيسلم من أبيه وأشار إلى ذلك الحريري بقوله في المقامة الثالثة عشرة: يا رازق النعاب في عشه ... وجابر العظم الكثير المهيض أتح لنا اللهم من عرضه ... من دنس الذم نقى رحيض وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في باب النون في النعاب ويقال: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة وأكثر. وذكر ابن خلكان في ترجمة «١» يزيد بن زياد أن بعض الجند حدث أنهم نزلوا على جرود، فاصطادوا من حمر الوحش شيئا كثيرا، وذبحوا منها حمارا وطبخوا لحمه الطبخ المعتاد، فلم ينضج فزيد في الإيقاد عليه يوما كاملا فلم ينضج، فقام بعض الجند وأخذ رأسه، وجعل يقلبه فرأى على أنذه وسما، فقرأه فإذا هو بهرام جور وموضع الوسم ظاهر أبيض، وهو بالقلم الكوفي. قال ابن خلكان: وأحضروا الأذن عندي فوجدت الاسم ظاهرا وبهرام جور كان من ملوك الفرس قبل مبعث النبي ﷺ بزمان طويل، وكان من عادته إذا أخذ الصيد وسمه وأطلقه، والله تعالى يعلم كم كان عمر الحمار قبل الوسم. وهذا الحمار لعله عاش أكثر من مائتي سنة. وجرود قرية من قرى دمشق، وبأرضها من حمر الوحش شيء كثير، يجاوز الحصر وفي أرض جرود الجبل المدخن وإنما سمي هذا الجبل بالمدخن لأنه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب وقيل: إن الحمار يعيش أكثر من ثمانمائة سنة وألوان حمر الوحش مختلفة، والأخدرية أطولها عمرا وأحسنها شكلا. وهي منسوبة إلى أخدر، فحل كان لكسرى أردشير فتوحش، واجتمع بعانات فضرب فيها فالمتولد منها يقال له

стр. 358

أخدري. وقال «١» الجاحظ: أعمار حمر الوحش تزيد على أعمار الحمر الأهلية، ولا نعرف حمارا أهليا عاش أكثر من حمار أبي سيارة، وهو عميلة بن خالد العدواني، كان له حمار أسود أجاز الناس عليه من المزدلفة إلى منى أربعين سنة وكان يقول: لا هم مالي في الحمار الأسود ... أصبحت بين العالمين أحسد هلا يكاد ذو الحمار الجلعد ... فق أبا سيارة المحسد من شر كل حاسد إذا حسد ... ومن أذاة النافثات في العقد اللهم حبب بين نسائنا ... وبغض بين رعائنا واجعل المال في سمحائنا وفيه يقول الشاعر: خلوا الطريق عن أبي سيارة ... وعن مواليه بني فزاره حتى يجيز سالما حماره ... مستقبل يدعو جاره فقد أجار الله من أجاره ولذلك قيل «٢» : «أصح من حمار أبي سيارة» وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر من طريقه، من حديث أبي فاطمة الليثي، ويقال الأزدي، ويقال الدوسي، أنه قال: كنا جالسين عند رسول الله ﷺ فقال: «من أحب أن يصح فلا يسقم؟ فابتدرناها فقلنا نحن يا رسول الله. فقال: أتحبون أن تكونوا كالحمر الصالة؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات فو الذي نفس أبي القاسم بيده أن الله ليبتلي المؤمن بالبلاء فما يبتليه إلا لكرامته عليه، لأن الله قد أنزل عبده منزلة لم يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما لا يبلغ تلك المنزلة إلا به» . وكذا رواه البيهقي أيضا في الشعب وقال: سألت عنه بعض أهل الأدب، فزعم أنه أراد به حمر الوحش. وقال ابن الأثير في نهاية الغريب: قوله: أتحبون أن تكونوا كالحمر الصالة» قال أبو أحمد العسكري: هو بالصاد غير المعجمة ورواه أيضا بالضاد المعجمة. وهو خطأ يقال للحمار الوحشي الحاد الصوت: صال وصلصال كأنه يريد الصحيحة الأجساد والشديدة الأصوات، لقوّتها ونشاطها. الحكم: يحل أكله بالإجماع، وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ «٣» قال: «إنا لم نرده عليك إلا إننا حرم» . قال الشافعي: ولو توحش الحمار الأهلي حرم أكله. ولو استأهل الوحشي لم يحرم. ولا نعلم في حل الوحشي خلافا إلا ما روي عن مطرف أنه قال: إذا أنس واعتلف صار كالأهلي. وأهل العلم قاطبة على خلاف قوله ولا يحل الحمار المتولد بين الأهلي والوحشي، لأن الولد يتبع خير الأبوين في الأطعمة حتى يقرض أحدهما غير مأكول. كما يتبع أخسهما في النجاسة،

стр. 359

حتى يجب الغسل من ولوغه وسائر أجزائه سبعا إذا تولد بين كلب وذئب. وكما يتبع الأخس في الأنكحة حتى إذا تولد بين كتابي ووثني لم تحل مناكحته، وقد خالفوا هذا الأصل في باب الجزية، فقالوا: يعقد للمتولد بين كتابي ووثني، وفي الديات ألحقوه بأكثرهما دية، وهو الأصح المنصوص. وقيل: يتبع أقلهما دية. وقيل يعتبر بالأب. وهذه الأقوال حكاها الرافعي في باب الغرة وفي الحج جعلوه تابعا للأغلظ تكليفا، حتى لو قتل متولدا بين ظبي وشاة وجب عليه الجزاء، وعكسوا ذلك في الزكاة، فلم يوجبوها في المتولد بين الأهلي والوحشي، وفي إيجابها في المتولد بين انسيين كبقرة وجاموس نظر. وجعلوه تابعا لأشرفهما دينا، حتى لو كان أحد الأبوين مسلما عند العلوق، أو أسلم قبل بلوغه حكم بإسلام الصغير تبعا وجعلوه تابعا للأم في الرق والحرية، أعني ما دام حملا، إلا في المستولدة والمغرور بحريتها. وجعلوه تابعا للأب في النسب مطلقا، لأن النسب يعتبر بالآباء دون الأمهات. واستثنوا من ذلك أولاد بنات رسول الله ﷺ ، فإنهم ينسبون إليه، دون أولاد بنات غيره، وهذا من خصائصه ﷺ . وجعلوا ولد الزنا مقطوع النسب عن أبيه. والمنفي ليس كذلك لأنه لو استحلفه لحقه ولم يتعرضوا للتبعية في بابي الأضحية والعقيقة والاحتياط اعتبار أكثر السنين فيه، حتى لو تولد بين ضأن ومعز اشترط لإجزائه في الأضحية طعنه في السنة الثالثة اعتبارا بأكثر الأبوين سنا، وهو المعز ولم يتعرضوا أيضا له في الربويات وفائدته أنه هل يجعل جنسا برأسه، حتى يباع لحمه بلحم أي الأبوين كان مفاضلة، أو يجعل كالجنس الواحد احتياطا فيحرم التفاضل؟ وهذا هو الأقرب اعتبار الضيق باب الربا. ولم يتعرضوا له أيضا في السلم والقرض حتى لو أقرضه حيوانا متولدا بين حيوانين، أو أسلم إليه في لحمه أو لحم ضأن أو معز، فأتاه بلحم متولد بين ضأن ومعز فالمتجه عدم جواز قبوله، لأنه نوع آخر والاستبدال عن النوع، بنوع آخر لا يجوز على الصحيح. ولم يتعرضوا له أيضا في الشركة والوكالة والقراض، كل ذلك لندوره والمتجه المنع في الجميع لأن هذه العقود إنما تصح فيما يعم وجوده ولو أوصى لرجل بشاة فأعطاه الوارث متولدا بين ضأن ومعز لم يجبر على القبول، لأن الوصية إنما تحمل على المتعارف والله تعالى أعلم. الأمثال: قالوا: «فلان أكفر من حمار» «١» وهو رجل من عاد كان يقال له حمار بن مويلع، وقيل هو حمار بن مالك بن نصر الأزدي كان مسلما، وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ، لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، وفيه من كل الثمار فخرج بنوه يوما يتصيدون، فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر وقال: لا أعبد من فعل هذا ببني. ودعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، فأهلكه الله وأخرب واديه فضربت العرب به المثل في الكفر. قال الشاعر: ألم تر أن حارثة بن بدر ... يصلي وهو أكفر من حمار الخواص: قال ابن وحشية وابن السويدي وغيرهما: النظر إلى أعين الحمر الوحشية يديم صحة العين، ويمنع نزول الماء إليها بخاصة عجيبة أودعها الله فيها، والاكتحال بمرارتها يحد البصر ويزيل ظلمته ويمنع من ابتداء نزول الماء في العين. وأكل سمين لحمها ينفع من مرض المفاصل ويزيله، ولحمها أيضا ينفع من النقرس نفعا بينا وشحمها إذا طلي به الكلف أزاله ومرارتها تنفع

стр. 360

من داء الثعلب طلاء، وتنفع من البول على الفراش أكلا ومخها يسخن بدهن الزنبق ويدهن به البهق يزول بإذن الله تعالى. التعبير: الحمار الوحشي في المنام يدل على الزوجة أو الولد من ذي الجفاء والقسوة أو من أرباب البوادي، فاعتبر ذلك واعط الرائي حقه. ومن رأى أنه ركب حمارا وحشيا فإنه يدل على معصية، ومن رأى أنه ركبه وسقط عنه فليحذر من درك يناله في معصية. ومن شرب من لبن حمارة وحش نال نسكا في دينه. ومن رأى أنه حوى شيئا من لحوم حمر الوحش أو ملكها نال عزا وغنيمة ومالا والحمار الأهلي إذا استوحش في المنام فهو ضر وشر. والحمار الوحشي في المنام إذا أنس فهو نفع وخير. حمار قبان: قال النووي في التحرير: هو فعلان من قب لأنه لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وقال الجوهري: هي دويبة وقبان فعلان من قب لأن العرب لا تصرفه وهو معرفة عندهم ولو كان فعالا لصرفته تقول رأيت قطيعا من حمر قبان غير منصرف قال الشاعر: يا عجبا لقد رأيت عجبا ... حمار قبان يسوق أرنبا خاطبها يمنعها أن تذهبا ... فقالت: أردفني فقال مرحبا وقد ذكر ابن مالك وغيره من الصرفيين، أن كل اسم يكون في آخره نون بعد ألف بينها وبين فاء الكلمة مشدد، فهو محتمل لأصالة النونات وزيادة أحد المثلين وبالعكس ومثلوا ذلك بحسان ودكان وتبان وريان ونحوها فقالوا: حسان إن أخذ من الحسن فنونه أصلية وإحدى السينين زائدة، وإن أخذ من الحسن فنونه زائدة مع الألف ووزنه على الأوّل فعال وعلى الثاني لزيادة الألف والنون دون الأوّل وتبان إن أخذ من التبن فنونه أصلية، وإن أخذ من التب، وهو الخسران، فنونه زائدة مع الألف فيمنع الصرف إذا عرف هذا فقبان يجوز أن يكون مأخوذا من القب وهو الضمور والأقب ضامر البطن كما قال الجوهري. والخيل القب الضوامر وقد أنشد الجاحظ يصف نسوة: يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قب البطون رواجح الأكفال «١» فحما رقبان يجوز أن يكون مأخوذا من هذا الضمور بطنه، فإنه دويبة مستديرة، بقدر الدينار، ضامرة البطن متولدة من الأماكن الندية على ظهرها شبه المجن مرتفعة الظهر، كأن ظهرها قبة إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها، ورأسها لا يرى عند المشي، إلا أن تقلب على ظهرها، لأن أمام وجهها حاجزا مستديرا، وهي أقل سوادا من الخنفساء، وأصغر منها ولها ستة أرجل، تألف المواضع السبخة في الغالب، ومواضع الزبل ويجوز أن يكون لفظ قبان مأخوذا من قبن في الأرض قبونا إذا ذهب، قال صاحب المفردات: وهذه الدابة هي التي تسمى هدبة وهي كثيرة الأرجل، تستدير عند ما تلمس. ومن حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير، والناس يسمونه أبا شحيمة، يألف المواضع الندية، والظاهر أنه صغار حمار قبان وأنه بعد يأخذ في الكبر. وأهل اليمن يطلقونه على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش. والاشتقاق لا يساعده ويجوز

стр. 361

اشتقاقه من قبن المتاع إذا وزنه فعلى هذا ينصرف لأصالة النون. والقبان الذي يوزن به قال الشعبي: معناه العدل بالرومية، والاشتقاق الأول أظهر. فذلك التزمت العرب منعه من الصرف. الحكم: يحرم أكلها لاستخباثها. الأمثال: قالوا «١» : «أذل من حمار قبان» . الخواص: إذا شرب حمار قبان مع شراب نفع من عسر البول، ومن اليرقان. وقال بعضهم: إذا لف حمار قبان في خرقة وعلق على من به حمى مثلثة قلعها أصلا. التعبير : رؤية حمار قبان في النوم تدل على حقارة الهمة ومخالطة السفل ومكاثرتهم والله أعلم. الحمام: قال الجوهري: هو عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت والقمارى وساق حر والقطا والوراشين، وأشباه ذلك. يقع على الذكر والأنثى لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث. وعند العامة إنها الدواجن فقط الواحدة حمامة وقال حميد بن ثور الهلالي من أبيات: وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حربرهة فترنما «٢» والحمامة هنا القمرية وقال الأصمعي في قول النابغة «٣» : واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع، وارد الثمد «٤» قالت: «ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد» فحسّبوه فألفوه كما زعمت ... تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد هذه زرقاء اليمامة، نظرت إلى قطا وارد في مضيق الجبل، فقالت: يا ليت هذا القطا لنا، ومثل نصفه معه إلى قطاة أهلنا فيكمل لنا مائة قطاة فاتبعت وعدت على الما. فإذا هي ست وستون. قال أبو عبيدة رأته من مسيرة ثلاثة أيام وأرادت بالحمام القطا فقالت ذلك انتهى. وقال الأموي: الدواجن التي تستفرخ في البيوت تسمى حماما أيضا وأنشد للعجاج: إني وربّ البلد المحرم ... والقاطنات البيت عند زمزم قواطنا مكة من ورق الحم يريد الحمام. وجمع الحمامة حمام وحمائم وحمامات. وربما قالوا حمام للمفرد. قال جران العود «٥» : وذكرني الصبا بعد التنائي ... حمامة أيكة تدعو حماما وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الطير الكبير أن اليمام هو الحمام البري. الواحدة

стр. 362

يمامة، وهو ضروب. والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل ذنب الحمامة، مما يلي ظهرها فيه بياض، وأسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه انتهى. ونقل النووي في التحرير عن الأصمعي أن كل ذات طوق فهي حمام. والمراد بالطوق الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة في طوقها. وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري، واليمام الذي يألف البيوت والصواب ما قاله الأصمعي. ونقل الأزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عب وهدر، وإن تفرقت أسماؤه والعب بالعين المهملة شدة جرع الماء من غير تنفس. قال ابن سيده: يقال في الطائر عبّ ولا يقال شرب. والهدير ترجيع الصوت ومواصلته من غير تقطيع له. قال الرافعي والأشبه أن ما عب هدر. قال: فلو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم، ويدل عليه أن الإمام الشافعي قال في عيون المسائل: وما عب من الماء عبا فهو حمام وما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام اهـ. وفيما قاله الرافعي نظر لأنه لا يلزم من العب الهدير قال الشاعر: على جو يضي نغر مكب ... إذا افترت فترة يعب وحمرات شربهن غب وصف النغر بالعب، مع أنه لا يهدر، وإلا كان حماما والنغر نوع من العصفور، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب النون، إذا علمت ذلك انتظم لك كلام الشافعي، وأهل اللغة أن الحمام يقع على الذي يألف البيوت ويستفرخ فيها، وعلى اليمام والقمري وساق حر وهو ذكر القمري، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين. والفواخت والدبسي والقطار والوارشين واليعاقب والشفنين والزاغ والورداني والطوراني. وسيأتي بيان ذلك كل واحد في بابه إن شاء الله تعالى. والكلام الآن في الحمام الذي يألف البيوت، وهو قسمان: أحدهما البري وهو الذي يلازم البروج وما أشبه ذلك، وهو كثير النفور، وسمي بريا لذلك والثاني الأهلي وهو أنواع مختلفة وأشكال متباينة، منها الرواعب والمراعيش والعداد والسداد والمضرب والقلاب والمنسوب. وهو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل وتلك البراذين، قال الجاحظ: الفقيع من الحمام، كالصقلاب من الناس، وهو الأبيض. روى أبو داود الطبراني وابن ماجه وابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانة» «١» وفي رواية «شيطان يتبعه شيطان» قال البيهقي: وحمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على إطارته والاشتغال به، وارتقاء الأسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران وحرمهم لأجله. وسيأتي الكلام عليه في الأحكام. وروى البيهقي عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ يأمر بالحمام الطيار، فتذبح وتترك المقصصات. وروى ابن قانع والطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ «كان يعجبه النظر إلى الأترج والحمام الأحمر» . وروى الحاكم، في تاريخ نيسابور، عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام

стр. 363

الأحمر» قال ابن قانع والحافظ أبو موسى: قال هلال بن العلاء: الحمام الأحمر التفاح. قال أبو موسى وهذا التفسير لم أره لغيره. وكان في منزله ﷺ حمام أحمر يقال له وردان. وفي عمل اليوم والليلة لابن السني عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل «أن عليا رضي الله تعالى عنه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام، وأن يذكر الله عند هديره» . ورواه الحافظ ابن عساكر وقال: إنه غريب جدا وسنده ضعيف. وروى ابن عدي، في كامله، في ترجمة ميمون بن موسى، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الوحشة فقال له: «اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها» أو «اتخذ ديكا يؤنسك ويوقظك للصلاة» . وروى أيضا في ترجمة محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اتخذوا الحمام المقاصيص في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم» «١» . وقال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، شكا رجل إلى رسول الله ﷺ الوحشة فقال له: «إن النبي ﷺ اتخذ زوجا من حمام» رواه الطبراني، وفيه الصلت الجراح لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي كامل ابن عدي في ترجمة سهل بن فرير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «شكت «٢» الكعبة إلى الله تعالى قلة زوارها، فأوحى الله إليها لأبعثن إليك أقواما يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى فراخها. وفي سنن أبي داود والنسائي، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» «٣» . ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو أرسل من ألف فرسخ. ويحمل الأخبار ويأتي بها من البلاد البعيدة في المدة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد. وربما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج فأكثر ثم هو على ثبات عقله، وقوة حفظه، ونزوعه إلى وطنه، حتى يجد فرصة فيطير إليه. وسباع الطير يطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير منه، ومن سائر الطير كله لكنه يذعر منه، ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب، والفأر إذ رأى الهر ومن عجيب الطبيعة فيه، ما حكاه ابن قتيبة في عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، وذكرا لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد. ورأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن آخر ما تعدوه. ورأيت حمامة تقمط حمامة، ويقال: إنها تبيض من ذلك، ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ. ورأيت ذكرا يقمط ذكرا، ورأيت ذكرا يقمط كل ما لقي. ولا يزاوج وأنثى يقمطها كل ما رآها من الذكور ولا تزاوج. وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الإنسان والحمام. وهو عفيف في السفاد، يجر ذنبه ليعفي أثر الأنثى، كأنه قد علم ما فعلت، فيجتهد في إخفائه. وقد يسفد لتمام ستة أشهر، والأنثى تحمل أربعة عشر يوما، وتبيض بيضتين: إحداهما ذكر والثانية

стр. 364

أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزءا من النهار، والأنثى بقية النهار، وكذلك في الليل. وإذا باضت الأنثى وأبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر، واضطرها للدخول. وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر، وقد ألهم هذا النوع، إذا خرجت فراخه من البيض، بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا، ويطعمها إياه، ليسهل به سبيل المطعم. فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها. وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين. وذكر الثعلبي وغيره، عن وهب بن منبه في قوله «١» تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وقال اختار من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. وذكر أهل التاريخ أن أمير المؤمنين المسترشد «٢» بالله بن المستظهر بالله لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة الإمام، فقال له: ما أولته يا أمير المؤمنين؟ قال أولته ببيت أبي تمام: هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام «٣» وخلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما. وروى البيهقي في الشعب، عن معمر قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، رحمه الله تعالى فقال: رأيت في النوم، كأن حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت، فذلك الحسن بن أبي الحسن البصري يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه. وأما التي خرجت أصغر مما دخلت فذلك محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه. وأما التي خرجت كما دخلت سواء فهو قتادة وهو أحفظ الناس. وذكر ابن خلكان في ترجمته «٤» يعني ابن سيرين، أن رجلا أتاه فقال له: رأيت كأني أخذت حمامة لجاري فكسرت جناحها، فتغير وجه ابن سيرين وقال: ثم ماذا؟ قال: ثم جاء غراب أسود فسقط على ظهر بيتي فنقبه، فقال له محمد بن سيرين: ما أسرع ما أدبك ربك! أنت رجل تخالف إلى امرأة جارك، وأسود يخالفك إلى امرأتك. قال: وكان ابن سيرين بزازا وكان من موالي أنس بن مالك خادم النبي ﷺ . وحبس بدين كان عليه. وكان يقول: إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين. قيل له ما هو؟ وقال: قلت لرجل مفلس منذ أربعين سنة: يا مفلس. قال بعضهم: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس يدري من أين نؤتى. قال: وكان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قد أوصى أن يغسله ويكفنه ويصلي عليه محمد بن سيرين، وكان محمد بن سيرين محبوسا لما مات أنس، فاستأذنوا له الأمير، فأذن له فخرج فغسله وكفنه وصلّى عليه، ثم رجع إلى السجن ولم يذهب إلى أهله. وكان ابن سيرين من أعلام التابعين وكانت له اليد الطولى في علم الرؤيا روي

стр. 365

أن امرأة جاءته، وهو يتغدى، فقالت له: رأيت القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من خلقي: ائتي ابن سيرين فقصي عليه، قال: فتغير لونه وقام. وهو آخذ على بطنه، فقالت له أخته: ما بالك؟ قال: زعمت هذه أني ميت بعد سبعة أيام. فمات بعد سبعة أيام، سنة عشر ومائة بعد الحسن البصري بمائة يوم رحمهما الله تعالى. وفي الشعب للبيهقي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط. وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمام الطيارة، لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. وروى البزار في مسنده أن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على فم الغار، وإن ذلك مما صد المشركين عنه ﷺ ، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. وروى ابن وهب «أن حمام مكة أظلت النبي ﷺ يوم فتحها فدعا لها بالبركة» . وروى الطبراني بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية «١» : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فجعل يعيدها علي حتى نعست عنه، ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ قلت: إلى السعة والدعة أنطلق إلى مكة فأكون حمامة من حمام الحرم، فقال ﷺ : فيكيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟ قلت إلى السعة والدعة أنطلق إلى الشأم والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشأم؟ فقلت: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال ﷺ : وخير من ذلك تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا» «٢» وفي الصحيح طرف منه وفي ابن ماجه طرف من أوله. وذكر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام واللعب به، فأهدي له حمام وعنده أبو البختري وهب القاضي، فروى له بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: لا سبق إلا في خف أو حافرا وجناح» . «٣» . فراد أو جناح. وهي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: بالله لقد علمت أنه كذب على رسول الله ﷺ . وأمر بالحمام فذبح فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ . فترك العلماء حديث أبي البختري لذلك وغيره من موضوعاته. فلم يكتبوا حديثه. وكان أبو البختري المذكور قاضي مدينة النبي ﷺ بعد بكار بن عبد الله الزبيري، ثم ولي قضاء بغداد، بعد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ﵀. وتوفي أبو البختري سنة مائتين في خلافة المأمون. والبختري مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري الشاعر المشهور، والأول بالخاء المعجمة والثاني بالحاء المهملة. قال ابن أبي خيثمة: والشيخ تقي الدين القشيري، في الاقتراح واضع حديث الحمام غياث بن إبراهيم، وضعه للمهدي لا للرشيد. وقال ابن قتيبة: وأبو البختري هو

стр. 366

وهب بن وهب بن وهب ثلاثة أسماء على نسق واحد، ومثله في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، ومثله في الطالبين حسن بن حسن بن حسن، ومثله في غسان الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر انتهى. قلت: ومثله في المتأخر بن الغزالي محمد بن محمد بن محمد أحد أصحاب الوجوه في المذهب. ومما حكي لنا واشتهر ورويناه بالسند الصحيح. عن الشيخ العارف بالله تعالى أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى، أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام وقد باهى موسى وعيسى صلّى الله عليهما وسلم بالإمام الغزالي فقال لهما: في أمتكما حبر كهذا؟ وأشار إلى الغزالي، فقالا: لا. وقال الشيخ الإمام العارف بالله الأستاذ ركن الشريعة والحقيقة أبو العباس المرسي، وقد ذكر الغزالي فشهد له بالصديقية العظمى. وحسبك من باهى به النبي ﷺ موسى وعيسى وشهد له الصديقون بالصديقية العظمى. وقد ذكر له شيخنا جمال الدين الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة، منها: هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وورح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق، قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه إنسان. انتهى. وكان حجة الإسلام زين الدين محمد الغزالي قد ولي تدريس النظامية بمدينة بغداد، ثم تركها وسلك طريق الزهد وقصد الحج، فلما رجع توجه إلى الشأم، فأقام بدمشق بزاوية الجامع، وانتقل إلى القدس ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها في النظامية، ثم تركها وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية وصرف وقته إلى وظائف الخيرات، من تلاوة القرآن، ومجالسة الصالحين، وكثرة العبادة، والتخلي عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة، والتبحر في علوم الحقيقة. وكتبه نافعة مفيدة، لا سيما إحياء علوم الدين فإنه كتاب لا يستغنى عنه طالب الآخرة. توفي الإمام حجة الإسلام في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بطوس رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه. وذكر ابن خلكان أن شرف الدين بن عنين حضر درس فخر الدين «١» الرازي بخوارزم، فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح فلما وقعت رجع عنها، ولم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام الإمام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها بيده، فأنشده ابن عنين بديها أبياتا منها: من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف وفدت عليك وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستأنف ولو أنها تحبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف «٢»

стр. 367

وكان بين شرف الدين بن عنين «١» والملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق مؤانسة ومصاحبة، وكان يجري بينهما أمور تدل على حسن إدراك الملك المعظم منها أن ابن عنين حصل له توعك فكتب إليه: انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي «٢» أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثنائي والثواب الوافي «٣» فجاء إليه بنفسه ومعه ثلاثمائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت من أكابر النحاة لاستعظمت منه، فضلا عن ملك. قوله هذه الصلة أنا العائد، لأن الذي اسم موصول يحتاج إلى صلة وعائد فالصلة ما وصله به من المال، والعائد يحتمل معنيين: أحدهما: وأنا العائد لك بالصلة مرة بعد أخرى فطب نفسا، والآخر من عاد يعود عيادة وهي عيادة المريض. وكان الملك المعظم فاضلا حازما شجاعا حنفي المذهب وكانت له رغبة في فن الأدب حتى إنه شرط لكل من حفظ مفصل الزمخشري مائة دينار وخلعة. فحفظه خلق كثير لهذا السبب. توفي سنة أربع وعشرين وستمائة وتوفي الإمام فخر الدين الرازي المتقدم ذكره يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة بهراة رحمهما الله تعالى. فائدة: قال بعض الحكم اء: كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه، وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق إثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، فإن أشكال الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان منه في طيران إلا لمناسبة بينهما، فرأى يوما حمامة مع غراب، فعجب من اتفاقهما وليسا من شكل واحد فلما مشيا إذا هما أعرجان، فقال: من ههنا اتفقا. وكل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير يأنس إلى جنسه، فإذا اصطحب اثنان برهة من الزمان وليس بينهما مناسبة ما، فلا بد أن يتفرقا كما قال بعض الشعراء: وقائل كيف تفرقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وألاف وسيأتي عنه في الصعوة شيء من هذا. روى أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة أن المسيح ﵊ كان يقول لأصحابه: إن استطعتم أن تكونوا بلها في الله تعالى مثل الحمام فافعلوا قال: وكان يقال إنه ليس شيء أبله من الحمام وذلك أنك تأخذ فراخه من تحته فتذبحها، ثم يعود إلى مكانه ذلك فيفرخ فيه. الحكم: يحل أكله بالإجماع بجميع أنواعه لأنه من الطيبات، ولأن الشارع أوجب فيه على المحرم، إذا قتله، شاة. وفي مستند ذلك وجهان: أحدهما أن ذلك لما بينهما من الشبه، فإن كلا

стр. 368

منهما يألف البيوت ويأنس بالناس، والثاني: وهو الأصح، أن مستنده توقيف بلغهم فيه. ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد الخلاف، فيما لو قتل طائرا أكبر من الحمام، أو مثله هلى ينبني على هذا؟ إن قلنا المستند التوقيف أوجبنا الشاة. وإن قلنا المستند المشابهة أوجبنا القيمة. وقد أسقط الإمام النووي. ﵀، هذه المسألة من الروضة، وكأنه ظن أن الخلاف فيها لفظي لا فائدة فيه. وبيض الحمام وكل طائر يحرم على المحرم، صيده حرام عليه فإن أتلفه ضمنه بقيمته، هذا مذهبنا وبه قال الإمام أحمد وآخرون. وقال المزني وبعض أصحاب داود: لا جزاء في البيض. وقال مالك: يضمنه بعشر ثمن أصله. قال ابن المنذر: واختلفوا في بيض الحمام، فقال علي وعطاء: في كل بيضتين درهم، وقال الزهري والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور: فيه قيمته وسيأتي في بيض النعام حكمه إن شاء الله تعالى. ومن أحكامه في الصيد أنه إذا اختلطت حمامة مملوكة أو حمامات بحمامات مباحة محصورة لم يجز الإصطياد منها. ولو اختلطت بحمام ناحية جاز الإصطياد في الناحية. ولو اختلط حمام أبراج مملوكة لا تكاد تحصر بحمام بلدة أخرى مباحة ففي جواز الاصطياد منها وجهان: أصحهما الجواز. وبيع الحمام في البرج على تفصيل بيع السمك في البركة. وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى لو باعها وهي طائرة اعتمادا على عادة عودها فوجهان: أصحهما عند الإمام الجواز كالعبد المبعوث في شغل وعند الجمهور المنع إذ لا وثوق بعودها لعدم عقلها. ومن أحكامه في الربا أنه جنس واحد بجميع أنواعه. كذا قاله المراوزة «١» . وقال العراقيون: إن كل نوع منه جنس واحد بجميع جنس، والقماري جنس، والفواخت جنس. وأما اتخاذه للبيض والفارخ وللأنس وحمل الكتب فجائز بلا كراهة. وأما اللعب به والتطير والمسابعة، فقيل: يجوز لأنه لا يحتاج إليها في الحرب لنقل الأخبار والأصح كراهته، لما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الذي قال فيه: «شيطان يتبع شيطانة» «٢» . قال ابن حبان بعد رواية هذا الحديث: إنما قال له شيطان، لأن اللاعب بالحمام، لا يكاد يخلو من لغو وعصيان، والعاصي يقال له شيطان قال الله تعالى شياطين الإنس والجن، وأطلق على الحمامة شيطانة للمجاورة، ولا ترد الشهادة بمجرد اللعب بالحمام، خلافا لمالك وأبي حنيفة فإن انضم إليه قمار أو نحوه ردت به الشهادة. وروى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاضل بين الراوي والواعي» عن مصعب الزبيري، قال: سمعت مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وقد قال لابني أخته أبي بكر محمد وإسماعيل ابني أبي أويس. أراكما تحبان هذا الشأن وتطلبانه، يعني الحديث، قالا: نعم. قال: فإن أحببتما أن تنتفعا، وينفع الله بكما فأقلا منه وفقها. ونزل ابن مالك من فوق سطح، ومعه حمام قد غطاه، فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وروي عنه أيضا، أنه قال: كان يحيى بن مالك بن أنس، يدخل ويخرج ولا يجلس معنا عند أبيه، فكان إذا نظر إليه أبوه قال: هاه إن ما تطيب به نفسي أن

стр. 369

هذا الشأن لا يورّث، وإن أحدا لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان أفضل أهل زمانه، وكان أبوه أفضل أهل زمانه. وقال البخاري في المناسك، من صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه، يقول: سمعت عائشة ﵂ تقول: «طببت رسول الله ﷺ بيدي هاتين» . الحديث «١» وأم عبد الرحمن قريبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، واتفق الناس على جلالته وإمامته وثقته وورعه وكثرة علمه، ولد في حياة عائشة رضي الله تعالى عنها، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة. روى له الجماعة. وروي أن المنصور أمير المؤمنين، قال له يوما: عظني بما رأيت، قال: مات عمر بن عبد العزيز وخلف أحد عشر ابنا، فبلغت تركته سبعة عشر دينارا، كفن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهما. ومات هشام بن عبد الملك، وخلف أحد عشر ابنا، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إني رأيت رجلا من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله تعالى. ورأيت رجلا من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه انتهى. قلت: وهذا أمر غير عجيب فإن عمر وكلهم إلى ربه فكفاهم وأغناهم، وهشام وكلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم. وأما بيع زرق الحمام، وسرجين البهائم المأكولة وغيرها، فباطل وثمنه حرام، هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السرجين لإتفاق أهل الأعصار، في جميع الأمصار، على بيعه من غير إنكار، ولأنه يجوز الانتفاع به فجاز بيعه كسائر الأشياء. واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا حرم على قوم شيئا، حرم عليهم ثمنه» . وهو حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهو عام إلا ما خرج بدليل، كالحمار وبأنه نجس العين فلم يجز بيعه. كالعذرة فإنهم وافقونا على بطلان بيعها، مع أنه ينتفع بها. وأما الجواب عما احتجوا به، فهو ما أجاب به الماوردي وغيره، أن بيعه إنما يفعله الجهلة والأراذل فلا يكون ذلك حجة في دين الإسلام. وأما قولهم: إنه ينتفع به فأشبه غيره، فالفرق أن هذا نجس بخلاف غيره. الأمثال: قالوا: «آمن من حمام الحرم، وآلف من حمام «٢» مكة» . وقالوا: «تقلدها طوق الحمامة» «٣» ، كناية عن الخصلة القبيحة، أي تقلدها كطوق الحمامة، لأنه لا يزايلها ولا يفارقها، كما لا يفارق الطوق الحمامة، ومثله قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٤» . أي إن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم ذكر حسيبا؟ قلت: لأنه بمنزلة الشاهد والقاضي والأمين، لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال، فكأنه

стр. 370

قيل له: كفى بنفسك رجلا حسيبا. وكان الحسن البصري إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك. وقيل في قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» أي يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق. يقال: طوق فلان الحمامة، أي ألزم جزاء عمله. روى الإمام أحمد في الزهد عن مطرف أنه قال: إذا أنامت، فلا تحبسوني لكي يجتمع الناس، فأطوقهم طوق الحمامة. ومن هذا المعنى. قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان: أبلغ أبا سفيان عن ... أمر عواقبه ندامه دار ابن عمك بعتها ... تقضي بها عنك الغرامه وحليفكم بالله رب الن ... اس مجتهد القسامه اذهب بها اذهب بها ... طوّقتها طوق الحمامه أي لزمه عارها. قال الإمام عبد الرحمن السهيلي: هذا المثل منتزع من قول رسول الله ﷺ «من غصب شبرا من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» «٢» . وقوله: طوق الحمامة لأن طوقها لا يفارقها ولا تلقيه عن نفسها أبدا، كما يفعل من لبس طوقا من الآدميين. وفي هذا البيت، من حلاوة الإشارة، وملاحة الاستعارة مالا مزيد عليه. وفي قوله: طوق الحمامة ردّ على من تأوّل قوله ﷺ : «طوّقه من سبع أرضين» أنه من الطاقة، لا من الطوق في العنق. وقاله الخطابي في أحد قوليه، مع أن البخاري قد قال في بعض رواياته: خسف به إلى سبع أرضين. وفي مصنف ابن أبي شيبة «من غصب شبرا من أرض جاء به اسطاما في عنقه» . والاسطام كالحلق من الحديد وقالوا: «أخرق من حمامة» «٣» لأنها لا تحكم عشها وذلك لأنها ربما جاءت إلى الغصن من الشجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي تذهب به الريح فينكسر من بيضها أكثر مما يسلم قال عبيد بن الأبرص «٤» : عيوا بأمرهم كما ... عييت بيضتها الحمامة «٥» جعلت لها عودين من ... بشم وآخر من ثمامه «٦» الخواص: إذا سكن المخدور بقربها أو في بيت يجاورها أو في بيت هي فيه برىء. وفي مجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والسبات. وهذه خاصية عظيمة بديعة ودمها إذا اكتحل به حارا نفع من الجراحات العارضة للعين والغشاوة. ودمها خاصة يقطع الرعاف الذي من حجب الدماغ، وإذا خلط بالزيت ابرأ من حرق النار وزبل الحمام حار، وأشده حرارة زبل

стр. 371

البري، الذي لا يأوي البيوت، وأعجب ما في زبله أنه إذا سخن في الماء وجلس فيه من به عسر البول، ابرأه ومما جرب لعسر البول: أن يكتب له في إناء نظيف، ثم يذاب بماء ويسقى لمن به ذلك فإنه يبول من وقته وساعته، قوله «١» تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «٢» رمص نفح وشفوا بفضل الله . وإذا طلي بالخل وضمد به من به وجع الاستسقاء، نفعه نفعا بينا. وزبل الحمام الأحمر إذا شرب منه قدر درهمين، مع ثلاثة دراهم دارصيني نفع من الحصاة. ولحم الحمام جيد للكلى ويزيد في المني والدم، وإذا شقت وهي حية ووضعت وهي حارة في موضع لسع العقرب نفعت نفعا بينا، وزبل الحمام إذا بخر به المطلقة أسرع بنزول الولد والمشيمة. التعبير: الحمام في المنام رسول أمين، أو صديق صدوق، أو حبيب أنيس، وربما دلت رؤية الحمام على النوح والتعديد. قال الشاعر: صب ينوح إذا الحمام ينوح وربما دلت الحمامة في الرؤيا على امرأة مباركة حسناء عربية لا تبتغي ببعلها بدلا. والحمام على رأس المريض هو حمام الموت قال الشاعر «٣» : هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام وبروجها مجمع النساء، وفراخها بنون فمن رأى أنه يعلف الحمام، ويدعوهن إليه فإنه يقود. وإن حشر الحمام والغربان في مكان واحد، فإنه يقود أيضا، لأن الغربان فسّاق وكل شيء يحشر مع غير جنسه كالنعاج والكلاب وأشباه ذلك فإنه قيادة. وهدير الحمام كلام باطل، ومن سمع حمامة تهدر فإنه يدل على امرأة تعاتب زوجها. ومن رأى حمامة قدمت عليه وتلقاها فإنه يرد عليه كتاب. ومن نفرت منه حمامته ولم تعد إليه فإنه يطلق زوجته أو تموت. ومن رأى كأن له حماما، فإنه يشتري الجواري. ومن قص جناح حمامة في المنام، فقد حلف على زوجته أن لا تخرج من بيته، أو تلد أو تحمل، لأن النفاس والحمل يمنعان من الخروج، والحمام الذي يهدي إلى الطريق فإنه خبر يأتي الرائي من مكان بعيد. والحمام في المنام دليل خير لمن يصادق أو يشارك لاجتماع بعضه مع بعض في الطيران والمزاوجة. وقال جاماسب: من اصطاد الحمام في منامه، أكل مال أعدائه. ومن رأى بعين حمامته نقصا، فهو نقص في دين زوجته وخلقها. وقال ابن المقري: رؤية المنسوب من الحمام إلى من دونه شريف القدر أو النسب. ورؤيته دال على الإفراج والنصر على الأعداء، واللهو واللعب وربما دل الحمام على الأزواج الصينات، وذوات الحفظ للأسرار، والكد على العيال، وربما دل على الحمام الذي هو الموت، وربما دل المرأة ذات الأولاد، والرجل الكثير النسل، المنعكف على أهل بيته والله أعلم. الحمد: فرخ القطاة وفي المثل «٤» «حمد قطاة يستمي الأرانب أن يصيدها» . يضرب للضعيف

стр. 372

الذي يروم أن يكيد قويا. قال الميداني: ولم أر له ذكرا في الكتب. الحمر: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبالراء: المها، ضرب من الطير كالعصفور، قال أبو المهوش الأسدي: قد كنت أحسبكم أسود حمية ... فإذا لصاف تبيض فيه الحمر لصاف اسم جبل والواحدة حمرة قال الراجز: وحمرات شربهن غبّ ... إذا غفلت غفلة تعبّ وقد تخفف، فيقال: حمرة وحمرات، وابن لسان الحمرة، كان من خطباء العرب وهو أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وكان من علماء زمانه، ضرب به المثل في الفصاحة وطول العمر، واسمه ورقاء بن الأشعر، ويكنى أبا كلاب، سأله معاوية يوما عن أشياء فأجابه عنها، فقال له بم نلت العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن للعلم آفة وإضاعة ونكدا واستجاعة: فآفته النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله، ونكده الكذب فيه، واستجاعته إن صاحبه منهوم لا يشبع أبدا. الحكم: حل الأكل بالإجماع لأنها من أنواع العصافير، وقال العبادي: منهم من حرم الحمر لأنه نهاش، وهذا قول شاذ مردود. روى أبو داود الطيالسي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند النبي ﷺ «فدخل رجل غيضه، فأخرج منها بيض حمرة فجاءت الحمرة، ترف على رأس رسول الله ﷺ وأصحابه» «١» فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيكم فجع هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها» . وفي رواية الحاكم «أخذت فرخها» فقال رسول الله ﷺ : «رده رده رحمة لها» «٢» . وفي الترمذي وابن ماجه عن عامر الدارمي أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، دخلوا غيضة فأخذوا فرخ طائر فجاء الطائر إلى رسول الله ﷺ يرف فقال ﵊: «أيكم أخذ فرخ هذا؟ فقال رجل: أنا فأمره أن يرده فرده» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في الكلام على الفرخ الحديث الذي رواه أبو داود في أول كتاب الجنائز عن عامر الرامي. والحكمة في الأمر بالرد على أنه يحتمل أنهم كانوا محرمين أو لأنها لما استجارت به أجارها فكان الإرسال في هذه الحالة واجبا. الأمثال: قالوا: «أعمر من ابن لسان الحمرة» «٣» وقالوا: «أنسب من ابن لسان الحمرة» «٤» . وكان أنسب العرب وأعظمهم كبرا. وخواصه وتعبيره: ستأتي في باب العين المهملة في لفظ العصفور. الحمسة: بتحريك الحاء والميم والسين المهملة دابة من دواب البحر. وقيل هي السلحفاة والجمع حمس حكاه ابن سيده.

стр. 373

الحماط: بكسر الحاء المهملة والحمطوط بالضم دويبة تتكون في العشب. الحمك: الصغار من كل شيء واحدته حمكة وقد غلب على القمل والحمك أيضا فراخ القطا والنعام والحمك أيضا أراذل الناس قال الراجز «١» : لا تعذليني برذالات الحمك الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه، والجمع حملان وأحمال. روى ابن ماجه، من حديث أبي يزيد الأنصاري ﵁، قال: مر النبي ﷺ بدار من دور الأنصار فوجد ريح قتار فقال: «من هذا الذي ذبح» ؟ فخرج إليه رجل منا فقال: أنا يا رسول الله ذبحت قبل أن أصلي لأطعم أهلي فأمره ﷺ أن يعيد، فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما عندي إلا حمل من الضأن، فقال ﷺ : «اذبحه ولن يجزىء عن أحد بعدك» «٢» . وفي كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، في أوائل الفصل الخامس والعشرين، قال: حدثني بعض أخواني عن بعض أهل هذه الطائفة، قال: قدم علينا بعض الفقراء، فاشترينا من جار لنا حملا مشويا، ودعوناه في جماعة من أصحابنا، فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة وجعلها في فيه لفظها، ثم اعتزل وقال: كلوا أنتم فإنه قد عرض لي مانع منعني من الأكل، فقلنا له: لا نأكل ما لم تأكل معنا. فقال: أما أنا فغير آكل، ثم انصرف، فكرهنا أن نأكل دونه، فقلنا لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعل له سببا مكروها، فدعوناه، وسألناه، ولم نزل به حتى أقر أنه كان ميتة، وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه. قال: فأطعمناه الكلاب ثم لقينا الرجل فسألناه عن العارض الذي منعه عن الأكل، فقال: ما شرهت نفسي إلى الأكل منذ عشرين سنة، فلما قدمتم إلى هذا الحمل شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك، فعلمت أن في الطعام علة. فتركت أكله لأجل شره النفس. قال: فانظر كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد، واختلفاه في التوفيق والخذلان، فعصم الله العالم بالورع والمحاسبة، وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وترك المراقبة. عجيبة: في معجم ابن قانع والطبراني في ترجمة كردم بن السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في أول ما ذكر النبي ﷺ بمكة فآوانا الليل إلى راع فلما انتصف الليل، جاء الذئب فاحتمل حملا من الغنم، فوثب الراعي وقال: يا عامر الوادي أوذي جارك فنادى مناد: يا سرحان أرسله فجاء الحمل يشتد عدوا حتى دخل في الغنم. وأنزل الله تعالى على رسوله: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً «٣» . وهو في الميزان في ترجمة إسحاق بن الحارث الكوفي، وهو ضعيف. وفي الشفاء، للقاضي عياض رحمه الله تعالى، يقال:

стр. 374

إن سبب ابتلاء يعقوب بيوسف صلّى الله عليهما وسلّم أنه اجتمع يوما، هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي، وهما يضحكان وكان لهما جار يتيم، فشم رائحته واشتهاه وبكى وبكت جدة له عجوز لبكائه، وبينهما جدار، ولا علم عند يعقوب وابنه بذلك، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف، إلى أن ابيضت عيناه من الحزن، فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه ألا من كان مضطرا فليتغدّ عند آل يعقوب. وعوقب يوسف بالمحنة التي نصّ الله عليها انتهى. قلت: وهذا الكلام لا أعتقد له صحة وقد عجبت من القاضي عياض ﵀ كيف ذكره في كتابه والذي يجب تنزيههما عن هذه الرذيلة وإنما ذكرته لأنبه على أنه لا يعتقد صحته، وإن كان الطبراني قد روى، في معجمه الأوسط والصغير، من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل، شيئا من ذلك، وأن يعقوب كان بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا ينادي: ألا من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائما نادى مناد: ألا من كان صائما فليفطر مع يعقوب فإنما رواه الطبراني عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري. وهو ضعيف جدا. وكذا رواه البيهقي في الشعب في الباب الثاني والعشرين وذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ «١» أن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير فأذن لها فلذلك يستروح كل محزون بريح الصبا وهي من ناحية المشرق فيرتاح إلى الأوطان والأحباب وأنشد: أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصّبا يسري إلي نسيمها «٢» فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها حمنان: بفتح الحاء المهملة صغار القردان واحدته حمنانة وحمنة وهي من القراد دون الحلم. الحمولة: قال الجوهري: هي بالفتح الإبل التي تحمل وكذلك كل ما احتمل عليه الحي من حمار أو غيره سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. وفعول تدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول بها. قال الله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً «٣» وسيأتي له ذكر في باب الفاء إن شاء الله تعالى. الحميمق: قال ابن سيده: إنه طائر يصيد القطا والجنادب ونحوهما وسمعت بعض أهل العلم يقول: إنه الباشق ويفسر به قول أبي الوليد الأزرقي في تاريخ مكة. وهو قال ابن جريج قلت لعطاء: إذا كنت محرما أفأقتل العقاب؟ قال: أقتل. قلت: والصقر والحميمق فإنهما يأخذان حمام المسلمين؟ قال: اقتل واقتل البعوض والذباب واقتل الذئب فإنه عدو ذكره في تعظيم الحرم. حميل حر: بالضم وقد يكسر طائر معروف. الحنش: بفتح الحاء المهملة والنون وبالشين المعجمة الحية. ويقال الأفعى والجمع

стр. 375

أحناش. وقيل: الأحناش جميع دواب الأرض كالضب والقنفذ واليربوع وغيرها ثم خصت به الحية قال ذو الرمة «١» : وكم حنش ذعف اللعاب كأنه ... على الشرك العادي نصف عصام وبه سمي الرجل حنشا وقيل: الحنش حية بيضاء غليظة مثل الثعبان أو أعظم. وقيل: إنه أسود الحيات والحنش أيضا بالتحريك ما يصاد من الطير والهوام، وفي كتاب العين الحنش ما رؤوسهما رؤوس الحيات وسام أبرص ونحوها. وفي الحديث في قتل الدجال «وترتفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل دابة حتى يدخل الوليد يده في فم الحنش فلا يضره» «٢» . الحمة هي ما تلسع به الهوام. وفي سنن ابن ماجه وجامع الترمذي عن خزيمة بن جزء، أنه قال: يا رسول الله جئتك أسألك عن أحناش الأرض، ما تقول في الثعلب؟ قال: «ومن يأكل الثعلب؟» قلت: فما تقول في الذئب؟ قال: «أو يأكل الذئب أحد فيه خير» «٣» . وذكر الترمذي الذئب والأرنب فكل هذه من أحناش الأرض. الحنظب: الذكر من الجراد. وقال الخليل: الحناظب الخنافس. الواحدة حنظب وحنظباء وقال حمزة الأصفهاني: من المركبات بين الثعلب والهرة الوحشية الحنظب. وأنشد «٤» لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أبوك أبوك وأنت ابنه ... فبئس البني وبئس الأب وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب يبيت أبوك لها سافدا ... كما سافد الهرة الثعلب قال الطمماحي يصف كلبا أسود: أعددت للذئب وليل الحارس ... مصدرا أتلع مثل الفارس يستقبل الريح بأنف خانس ... في مثل جلد الحنظباء اليابس الحوار: ولد الناقة ولا يزال حوارا حتى يفصل عن أمه، فإذا فصل عن أمه فهو فصيل وثلاثة أحورة والكثير حيران وحوران أيضا. قاله الجوهري وذكر ابن هشام وغيره في سرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن نبيح وكانت في المحرم في السنة الثالثة من الهجرة وكان ينزل عرنة أنه قال في ذلك: تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفري كل جيب مقدد الأبيات الخمسة. وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت. الأمثال: قال صاحب يسار الكواعب له: ما يسار كل لحم الحوار، واشرب لبن العشار،

стр. 376

وإياك وبنات الأحرار. والقصة في ذلك مشهورة في ذلك يقول الشاعر: وإني لأخشى إن خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب وقالوا: «أمسخ من لحم الحوار» «١» قال الشاعر: وقد علم الغثر والطارقون ... بأنك للضيف جوع وقرّ «٢» مسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر المسيخ والمليخ الذي لا طعم له. وقالوا: «كسؤر العبد من لحم الحوار» «٣» ويضرب للشيء الذي لا يدرك منه شيء، وأصله أن عبدا نحر حوارا وأكله، ولم يبق لمولاه منه شيئا فضرب به المثل لما يفقد البتة. الحوت: السمك والجمع أحوات وحوتة وحيتان. قال الله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ «٤» الآية. وهذا يمكن أن يقع من الحيتان بإرسال من الله تعالى، كإرسال السحاب أو بوحي الهام كالوحي إلى النحل، أو بإشعار في ذلك اليوم، نحو ما يشعر الله الدواب يوم الجمعة، بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول الله ﷺ : «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة» «٥» ويحتمل أن يكون ذلك من الحيتان شعورا بالسلامة في ذلك اليوم، على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة. قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن أخذه باليد، فإذا كان يوم الأحد، غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثره ولا يبقى منه إلا القليل وستأتي القصة في ذلك في باب القاف في لفظ القرد. وروينا بالسند الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض، لم يكن فيها غير النسر في البر، والحوت في البحر، وكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم ﵇، أتى الحوت وقال: يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض من يمشي على رجليه ويبطش بيديه، فقال الحوت: لئن كنت صادقا فمالي منجى منه في البحر ومالك مخلص منه في البر. الأمثال: قال الشاعر: كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه اللهم الابتلاع يضرب لمن عاش بخيلا شرها. روى الطبراني: في معجمه الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ ، قال: «علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طعما، ولم يشتر به ثمنا قليلا، فلذلك يصلي عليه طير السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون، يقدم على الله سيدا شريفا، حتى يرافق المرسلين. ورجل آتاه الله علما في الدنيا، فضن به على

стр. 377

عباد الله وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا قليلا، فذاك يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار، وينادي مناد على رؤوس الأشهاد هذا فلان ابن فلان، آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباد الله، وأخذ عليه طعما واشترى به ثمنا قليلا، ثم يعذب حتى يفرغ من الحساب ويكفي الحوت شرفا أنه كان وعاء ومسكنا لنبي الله يونس ﵊، وذلك أن الله تعالى أوحى إليه إني لم أجعل لك يونس رزقا، وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا، ثم استنقذه الله تعالى من بطنه، واختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام، وقال عطاء: سبعة أيام، وقال الضحاك: عشرين يوما، وقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما، وقال الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية. وأما قوله «١» تعالى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ فالمراد باليقطين هنا القرع على قول جميع المفسرين. فكل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ليس له ساق ولا يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين. فائدة: سئل إمام الحرمين هل الباري تعالى في جهة؟ فقال: هو متعال عن ذلك. فقيل له: ما الدليل على ذلك؟ فقال: قوله ﷺ : «لا تفضلوني على يونس بن متى» . «٢» فقيل له: ما وجه ذلك؟ فقال: لا أقول حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينه. فقام بها رجلان، فقال: إن يونس بن متى رمى نفسه في البحر فالتقمه الحوت وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٣» ولم يكن النبي ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر، وانتهى إلى أن سمع صريف الأقلام وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إليه ما أوحى، بأقرب إلى الله تعالى من يونس بن متى في بطن الحوت في ظلمة البحر انتهى. وسيأتي في باب النون إن شاء الله تعالى جواب ابن عباس ﵄ عن رسالة ملك الروم، التي سأل فيها معاوية عن القبر الذي سار بصاحبه وروى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه يزيد بن البلوي، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فإذا في الوادي رجل يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، قال: فأشرفت عليه فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع، فقال: من أنت؟ قلت: أنا أنس بن مالك خادم النبي ﷺ ، فقال: وأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع منك كلامك. قال: فأته واقرئه مني السلام، وقل له: أخوك الياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فجاء حتى عانقه وقعدا يتحدثان. فقال: يا رسول الله إني إنما آكل في السنة يوما واحدا، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني، وصليا العصر ثم ودعه ثم رأيته مر في السحاب نحو السماء. قال الحاكم صحيح الإسناد. قال شيخ الإسلام العلامة شمس الدين الذهبي ﵀ في الميزان: أما استحيا الحاكم

стр. 378

من الله تعالى في تصحيح مثل هذا؟ وقال في تلخيص المستدرك، بعد قول الحاكم «هذا صحيح» قلت: بل هو موضوع قبح الله من وضعه، وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى تصحيح هذا اهـ. فائدة: قال القشيري: يقال: إن سليمان ﵊ سأل ربه، ، أن يأذن له أن يضيف يوما، جميع الحيوانات، فأذن الله تعالى له، فأذن الله تعالى له، فأخذ سليمان في جمع الطعام مدة طويلة، فأرسل الله تعالى له حوتا واحدا من البحر، فأكل كل ما جمعه سليمان، في تلك المدة الطويلة، ثم استزاده فقال سليمان: لم يبق عندي شيء، ثم قال له: وأنت تأكل كل يوم مثل هذا؟ فقال: رزقي كل يوم ثلاثة أضعاف هذا، ولكن الله لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت، فليتك لم تضيفني فإني بقيت اليوم جائعا حيث كنت ضيفك! انتهى. وفي هذا إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى، وعظيم سلطانه، وسعة خزائنه، إذ مثل سليمان مع سعة ملكه وقوة سلطانه الذي آتاه الله تعالى، عجز أن يشبع مخلوقا واحدا من مخلوقات الله تعالى. فسبحانه المتكفل بأرزاق خلقه. وهنا دقيقة يجب أن ينتبه لها: وهي أن الشبع والري ليس هو من فعل الطعام والماء، وإنما أجرى الله العادة بخلق الشبع عند أكل الطعام، وخلق الري عند شرب الماء، فالشبع والري خلق الله تعالى. هذا مذهب أهل الحق ولا التفات لمن قال غير ذلك. وحكمه وخواصه وتعبيره : كالسمك وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى. حوت الحيض: قال ابن زهر: قال لي من رآه: إنه دابة عظيمة في البحر تمنع المراكب الكبار عن السير، فإذا أشرف أهل السفينة على العطب، رموا له بخرق الحيض فيهرب، ولا يقربهم فهي معدة معهم لذلك، وهذا الحوت اسمه الفاطوس. وسيأتي في باب الفاء إن شاء الله تعالى. قال: ومن عجيب أمر هذا الحيوان أنه لا يقرب مركبا فيه امرأة حائض. وحكمه : كعموم السمك ودم الحوت نجس كسائر الدماء، وقيل: طاهر لأنه إذا يبس ابيض بخلاف سائر الدماء، فإنها تسود. كذا نقله القرطبي عن بعض الحنفية. الخواص: قال الرازي وغيره: إذا سعط المصروع بوزن حبة من مرارته برىء من الصرع بإذن الله تعالى، وهو مجرب. وكبده إذا جففت وسحقت، وذر منها على الدم السائل قطعه أو على الجرح ألحمه وأبرأه، وإن كان عظيما. وهو أيضا مجرب ووسط لحم ظهره، إذ أخذ منه قطعة ولاكها إنسان هيجت الباه وأنعظت. تذنيب: الحيض في المنام نكاح حرام، فمن رأى أنه حائض فإنه يأتي محرما. والمرأة إذا رأت أنها حائض، اختلط عليها أمرها، فإن اغتسلت ذهب الهم عنها، وإن رأت امرأة أنها مستحاضة، وهي التي لم ينقطع الدم عنها، فإنها كثيرة الذنوب لا تثبت على توبة، لأن الإثم صار طبعا لها نسأل الله السلامة. وقيل: إن الرجل إذا رأى أنه حائض فإنه يكذب، وإن رأى امرأته حائضا نغلق عليه أمره والله تعالى أعلم. حوت موسى ويوشع عليهما الصلاة والسلام : قال أبو حامد الأندلسي رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة، من نسل الحوت الذي أكل منه موسى وفتاه يوشع ﵉، فأحيا الله نصفه

стр. 379

فاتخذ سبيله في البحر سربا، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع. وهي سمكة طولها أكثر من ذراع، وعرضها شبر واحد. في جانبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها، ولها عين ونصف رأس من رآها من هذا الجانب استقذرها، وحسب إنها ميتة ونصفها الآخر صحيح، والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة قال ابن عطية: وأنا رأيتها كذلك قال: ومن غريب ما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصص هذه الآية إن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست ميتا قط إلّا وحيي. وقال الكلبي توضأ يوشع بن نون من عين الحياة، فنضح على الحوت المالح وهو في المكتل من ذلك الماء فعاش الحوت، فجعل يضرب بذنبه ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلا يبس. قال: ومن غريبه أيضا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد طريقا يبسا، وإن موسى مشى عليه متبعا للحوت حتى أفضى به ذلك الطريق إلى جزيرة في البحر وفيها وجد الخضر. إشارة: كانت هذه القطرة مباركة فأحيا الله تعالى بها الميت، لأنها قطرة من وجه متوضىء وللعبادات تأثيرات، فحياة القلب من ميراث العمل. كان موسى ويوشع في تعب ومشقة فلما حيي الحوت وجدا السبيل إلى مطلبها. فكذا الجوارح والأعضاء في خوف وحيرة حتى تحيا القلوب بذكر الله تعالى، فإذا حيي القلب بالذكر أمنت الأعضاء وسكنت، واعلم أن موسى ﵇، جد في طلب الخضر حتى وجده. وكذلك يستحب لكل طالب فائدة دينية أو دنيوية أن يكون كرارا غير فرار. فإما الظفر والغنيمة، وإما القتل والشهادة، كما اتفق للحسين الحلاج وغيره، وقد تقدم ذكر قصته قريبا وروى أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوّة لم تلتئم فدخل موسى على أثر الحوت، فإذا هو بالخضر» . وقال قتادة: ما سلك الحوت طريقا إلا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وكان موسى ﵊ قد لحقه الجوع فقال لفتاه، وهو يوشع: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً «١» الآية. قال ابن عطية: وكان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى ﵇ لمناجاة ربه تعالى أربعين يوما لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع. والإشارة في ذلك أنهما كانا متعلمين، وطالب العلم من حقه أن يحتمل كل مشقة، ولا يبالي بصيف ولا شتاء ولا جوع ولا ذل، إذ الذي يطلب لا يعرف قيمته إلا صاحبه، ومن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل ومن طلب العظيم خاطر بالعظيم وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الصاد المهملة، في الصرد عن مقاتل طرف من ذلك مطول. وكانت حياة لحوت عند مجمع البحرين قال قتادة: مجمع البحرين هما بحر فارس وبحر الروم مما يلي الشرق وقيل: هما بحر الأردن وبحر القلزم وقيل هما بحر بالمغرب وبحر بالزقاق. والحكمة في جمع موسى مع الخضر ﵉ بمجمع البحرين أنهما بحران في العلم أحدهما أعلم بالظاهر، وأعني بالظاهر علم الشرع وهو موسى والآخر أعلم بالباطن أعني بالباطن: علم الحقيقة وأسرار الملكوت وهو الخضر. فكان اجتماع البحرين بمجمع البحرين فحصلت المناسبة.

стр. 380

إشارة: اعلم أن موسى ﵊ لم يجد من هو دونه وهو الخضر ﵇ حتى تجرد عن كل ما سواه فكذلك العبد لا يجد قرب مولاه وحبه حتى يتجرد عن كل ما سواه. قال الشبلي: انفرد بالله حتى تكون مجردا عن الأغيار وتكون واحدا للواحد فردا للفرد، وقال الإمام تاج الدين عطاء الله السكندري: من تجرد في وقته لوقته فاته من وقته، ومن استقبل الوقت فاز بحظه وأنشد: لا كنت إن كنت أدري ... كيف الطريق إليكا أفنيتني عن جميعي ... فكنت سلم يديكا وقيل للجنيد: متى يكون العبد منفردا متحيزا؟ قال: إذا ألزم جوارحه الكف عن جميع المخالفات، وأفنى حركاته عن كل الإرادات، فكان شبحا بين يدي الحق لا يتميز وما أحسن قول بعضهم: وعن فنائي فني فنائي ... وفي فنائي وجدت أنتا في محو اسمي ووسم جسمي ... سألت عني فقلت أنتا أشار سري إليك حتى ... فني فنائي ودمت أنتا أنت حياتي وسر قلبي ... فحيث ما كنت كنت أنتا قال الشبلي: اضرب بالدنيا وجه عاشقيها، وبالآخرة وجه طالبيها، وسلم نفسك وقد وصلت، فإذا قلت: الله فهو الله، وإذا سكت فهو الله. وهذا هو المقام العظيم، واسم الخضر ﵇ مضطرب فيه اضطرابا متباينا، فقيل: إنه بليا بن ملكان بن فالغ بن شالح بن ارفخشذ بن نوح ﵇، قاله وهب بن منبه. وقيل: إيليا بن عاميل شما لخسين بن أرما بن علقما بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵉. وقيل: اسمه أرميا بن حلقيا من سبط هارون قاله الثعلبي قلت: والأصح الذي نقله أهل السير وثبت عن النبي ﷺ ، كما قاله البغوي وغيره، إن اسمه بليا، بباء موحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة من تحت، وفي آخره ألفح ابن ملكان بفتح الميم، وبإسكان اللام وبالنون في آخره. وقيل: بليان، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل كان من أبناء الملوك وكنيته أبو العباس، قال السهيلي: كان أبوه ملكا وأمه اسمها ألها وإنها ولدته في مغارة، وأنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، ولما وجده الرجل أخذه ورباه، فلما شب طلب أبوه كاتبا، وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم وشيث، فكان فيمن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر ﵇، وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته بحث عن جلية أمره فعرف أنه ابنه فضمه لنفسه، وولاه أمر الناس. ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها ولم يزل سائحا إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها فهو حي إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى عن صاحب ابتلاء الأخيار في باب السين المهملة في لفظ السعلاء أنه ابن خالة ذي القرنين. واختلف في سبب تلقيبه بالخضر فقال الأكثرون: لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء، والفروة وجه الأرض. وقيل: لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، والصواب

стр. 381

الأول. واختلف في حياته فقال الإمام محيي الدين النووي وجمهور العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا قال: وهذا متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجواباته ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم على ذلك وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين انتهى. وقال الحسن: إنه مات وقال ابن المنادي لا يثبت حديث في بقائه. وقال الإمام أبو بكر بن العربي: مات قبل انقضاء المائة ويقرب من هذا جواب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: لما سئل عن الخضر والياس ﵉ هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون ذلك وقد قال النبي ﷺ : «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض واحد» . «١» والصحيح الصواب أنه حي وقال بعضهم إنه اجتمع مع رسول الله ﷺ ، وعزى أهل بيته وهم مجتمعون لغسله. وقد روي ذلك من طرق صحاح. وفي التمهيد لابن عبد البر إمام أهل الحديث في وقته ﵀ أن النبي ﷺ حين غسل وكفن، سمعوا قائلا يقول: السلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل هالك، وعوضا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فعليكم بالصبر واحتسبوا، ثم دعا لهم ولا يرون شخصه، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇ يعني أصحاب النبي ﷺ ، وأهل بيته رضي الله تعالى عنهم. قال السهيلي: وقد ذكر أن الخضر ﵇ هو ارمياء ولم يصححه محمد بن جرير الطبري، وأبطله بما يطول ذكره من الحجج. وذكر أيضا أنه اليسع صاحب الياس ﵉، وأعجب ما في ذلك قول من قال: إنه ابن فرعون صاحب موسى ﵇. ذكره النقاش. انتهى. واختلف في نبوته فقال القشيري وكثيرون: هو ولي. وقال بعضهم: هو نبي ورجحه النووي وحكى الماوردي في تفسيره ثلاثة أقوال: أحدها أنه نبي، والثاني أنه ولي، والثالث أنه من الملائكة. وهذا القول غريب باطل لما قدمناه. وقال المازري: اختلف العلماء في الخضر هل هو ولي أو نبي؟ فقال الأكثرون: هو نبي، واحتجوا بقول تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي «٢» فدل على أنه نبي يوحى إليه وبأنه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وأجاب الآخرون بأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد أوحى إلى نبي الله ذلك الزمان بأن يأمر الخضر بذلك انتهى. ولم ينقل أنه كان مع موسى فكيف يتأتى هذا الجواب والخضر كان في عصر موسى؟ فإن نقل أنه كان معه نبي آخر قيل هذا الاحتمال في الجواب وإلا فلا. فإن قيل: إن يوشع بن نون كان نبيا في زمن موسى، قيل: هذه القضية كانت قبل نبوته، وأيضا فهو كان مصاحبا لموسى ومرافقه حين لقيا الخضر، وهو الذي أخبر موسى بانسياب الحوت في البحر. واختلف في كونه مرسلا فقال الثعلبي: الخضر نبي بعثه الله بعد شعيب، وهو معمر محجوب عن أبصار أكثر الناس. وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. وقصته مع موسى في السفينة والغلام والقرية طويلة مشهورة، تركناها لطولها واشتهارها لكن قال السهيل: إن القرية برقة وقيل غير ذلك.

стр. 382

فائدة: لما حان لموسى والخضر أن يتفرقا قال له الخضر ﵇: لو صبرت لأتيت على ألف عجب كل عجب أعجب مما رأيت! فبكى موسى ﵇ على فراقه ثم قال موسى للخضر ﵉: أوصني يا نبي الله فقال له الخضر: يا موسى اجعل همك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تترك الخوف في أمنك، ولا تيأس من الأمن في خوفك، وتدبير الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك. فقال له موسى: يا نبي الله، فقال له الخضر: يا موسى إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير أحدا من الخطائين بخطاياهم بعد الندم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. فقال له موسى ﵇: قد أبلغت في الوصية فأتم الله عليك نعمته، وعمرك في طاعته، وكلأك من عدوه. فقال الخضر ﵇: وأوصني أنت، فقال له موسى: إياك والغضب إلا في الله، ولا ترض عن أحد إلا في الله، ولا تحب الدنيا ولا تبغض لدنيا، فإن ذلك يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، فقال له الخضر: لقد أبلغت في الوصية فأعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، فقال موسى ﵇: آمين. رواه السهيلي. وقال البغوي: روي أن موسى لما أراد أن يفارق الخضر ﵇، قال له: أوصني، قال له: يا موسى لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به. تتمة: في كتاب الهواتف، لأبي بكر بن أبي الدنيا أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لقي الخضر ﵇ وعلمه هذا الدعاء، وذكر فيه ثوابا عظيما ورحمة، لمن قاله في دبر كل صلاة وهو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تعطله المسائل، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك. وذكر في كتابه أيضا عن عمر رضي الله تعالى عنه، في هذا الدعاء بعينه، نحو ما ذكر عن علي ﵁ في سماعه من الخضر ﵇. عجيبة: روى الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه المتفق والمفترق في ترجمة أسامة بن زيد التنوخي أنه ولي مصر للوليد بن عبد الملك بن مروان، ولأخيه سليمان، وهو الذي بنى مقياس النيل العتيق، الذي بجزيرة فسطاط مصر، ذكره ابن يونس في تاريخه. ثم روى الخطيب في ترجمة أسامة هذا أن صنما كان بالإسكندرية يقال له شراحيل، على حشفة من حشف البحر، مستقبلا بأصبع من أصابع كفه القسطنطينية لا يدري أكان مما عمله سليمان النبي ﵊ أو الإسكندر، تصاد عنده الحيتان، وكانت الحيتان تدور حوله وحول الإسكندرية، وكان قدم الصنم طول قامة الرجل إذا انبطح، ومد يديه فكتب أسامة بن زيد، وهو عامل مصر للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل، وهو من نحاس، وقد غلت علينا الفلوس، فإن رأى أمير المؤمنين أن ننزله ونجعله فلوسا فعلنا، وإن رأى غير ذلك فليكتب إلينا بما نعتمده في أمره. فكتب إليه: لا تنزله حتى أبعث إليك أمناء يحضرونه. فبعث إليه رجالا أمناء، فأنزلوا الصنم عن الحشفة، فوجدت عيناه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فضربه أسامة بن زيد فلوسا فانطلقت الحيتان ولم ترجع إلى ذلك المكان أبدا بعد أن كانت لا تفارقه ليلا ولا نهارا وتصاد بالأيدي. الحوشي: النعم المتوحشة. ويقال: إن الإبل الحوشية منسوبة إلى الحوش وهي فحول جن

стр. 383

تزعم العرب أنها ضربت في نعم بعضهم فنسبت إليها. الحوصل: طائر كبير له حصولة عظيمة يتخذ منها الفرو، وجمعه حواصل. قال ابن البيطار: وهذا الطائر يكون بمصر كثيرا ويعرف بالبجع، وجمل الماء والكي، بضم الكاف وسكون الياء المثناة من تحت. وهو صنفان: أبيض وأسود فالأسود منه كريه الرائحة، ولا يكاد يستعمل والأجود الأبيض وحرارته قليلة، ورطوبته كثيرة، وهو قليل البقاء، ولبسه يصلح للشباب وذوي الأمزجة الحارة ومن تغلب عليه الصفراء. انتهى والمعروف خلاف ما قال وأنه أشد حرارة من فرو الثعلب والحوصلة والحوصل من الطائر، والظليم بمنزلة المعدة للإنسان. وحكمه: الحل كما جزم به الرافعي وغيره عموما فإن قيل: لم لا أجري فيه الوجه الذي في طير الماء؟ فالجواب أن ذلك الوجه يجري في طير لا يفارق الماء، وهذا يألفه ثم يفارقه فهو كالأوز البلدي وقد رأيت منه بمدينة النبي ﷺ واحدا أقام بها أعواما يمشي في أزقتها لكن غالب اقتياته في البر اللحم وفي البحر السمك. الحلان: بحاء مضمومة بعدها لام ألف مشددة ثم نون هو الجدي يوجد في بطن أمه. وقال الأصمعي: الحلان والحلام بالنون وبالميم صغار الغنم. وقال ابن السكيت: الحلان الذي يصلح أن يذبح للنسك وفي الحديث أن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في أم حبين يقتلها المحرم بحلان. وفي حديث آخر ذبح عثمان كما يذبح الحلان، أي إن دمه أطل دم الحلان. وحكمه سيأتي إن شاء الله تعالى. حيدرة: إسم من أسماء الأسد. روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم خيبر وهو أرمد، فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، قال: ويحب الله ورسوله» «١» فأتيت عليا وجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به النبي ﷺ ، فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية. قال: فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلتهب قال: فبرز له علي ﵁ وهو يقول «٢» : أنا الذي سمّتني أمي حيدره ... كلّيث غابات كريه المنظره أكيلهم بالسيف كيل السندره وضرب مرحبا ففلق رأسه وقتله، وكان الفتح. قال السهيلي: ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال: الأول أن اسمه في الكتب القديمة أسد والأسد هو حيدرة. والثاني أن

стр. 384

أمه فاطمة بنت أسد، حين ولدته. كان أبوه غائبا، فسمته باسم أبيها أسدا، فقدم أبوه فسماه عليا. والثالث أنه كان يلقب في صغره بحيدرة لأن الحيدرة الممتلىء لحما، العظيم البطن. وكذلك كان علي رضي الله تعالى عنه، ولذلك قال بعض اللصوص حين فر من سجنه الذي سماه نافعا وقيل يافعا بالياء: ولو اني مكثت لهم قليلا ... لجروني لحيدرة البطين وكان مرحب قد رأى في المنام كأن أسدا افترسه، فأراد علي ﵁ أن يذكره أنه هو الأسد الذي يقتله، فكاشفه بذلك، فلما سمع مرحب قوله، تذكر المنام فأرعد فقتله علي رضي الله تعالى عنه، وبهذا يستدل على جواز المبارزة في الحرب بشرط أن لا يتضرر المسلمون بقتل المبارز. فإن طلبها كافر، استحب الخروج إليه. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة بنفسه وتبعه أخوه وابنه، فنادى من يبارز؟ فانتدب إليه شبان من الأنصار فقال: من أنتم؟ فأخبروه: فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ : «يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة بن ربيعة، وأقبلت أنا إلى أخيه شيبة، وأقبل عبيدة إلى الوليد بن عتبة فاختلف بين عتبة والوليد ضربتان، فأثخن كل منهما صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة إلى رسول الله ﷺ ، ومخ ساقه يسيل، فقال «١» : «أشهيد أنا يا رسول الله؟ قال: نعم» قال: وددت والله أن أبا طالب حيا ليعلم أننا أحق منه بقوله: ولا نسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول: فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم ... أرجّي بها عيشا من الله عاليا وألبسني الرحمن فضلا ومنة ... لباسا من الإسلام غطى المساويا قال الشافعي ﵁: وبارز يوم الخندق عمرو بن عبدود لأنه خرج ينادي من يبارز؟ فقام له علي ﵁، وهو مقنع بالحديد، فقال: أنا له يا نبي الله. فقال: «إنه عمرو إجلس» . فنادى عمرو ألا رجل يبارز؟ ثم جعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم يدخلها؟ أفلا يبرز إلي رجل منكم؟ فقام علي ﵁، وقال: أنا له يا رسول الله، فقال له: إنه عمرو اجلس. فنادى الثالثة وذكر شعرا فقام علي وقال: أنا له يا رسول الله. قال: إنه عمرو قال: وإن كان عمرا فأذن له رسول الله ﷺ ، فمشى إليه حتى أتاه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: غيرك يا ابن أخي، أريد من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك. فقال علي ﵁: لكني والله لا أكره أن اهريق دمك! فغضب، ونزل عن فرسه وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي ﵁ مغضبا فاستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف وأصاب رأس

стр. 385

علي فشجه، وضربه علي ﵁ على حبل عاتقه فسقط قتيلا، وثار العجاج. وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرف ﷺ أن عليا قد قتله. اهـ وجاء في بعض الروايات أن عليا ﵁ لما بارز عمرا قال رسول الله ﷺ : «اليوم برز الإيمان كله للشرك كله» وكان سيف علي ﵁ يقال له ذو الفقار، لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، وكان لمنبه بن الحجاج، سلبه منه النبي ﷺ يوم بدر، وأعطاه عليا رضي الله تعالى عنه وكان من حديدة وجدت عند الكعبة من دفن جرهم، أو غيرهم، وكانت صمصامة عمرو بن معد يكرب من تلك الحديدة أيضا. تتمة: ينبغي لمقدم العسكر أن يتشبه بصفات من صفات الحيوان فيكون في قوة القلب كالأسد لا يجبن ولا يفر، وفي الكبر كالنمر لا يتواضع للعدو، وفي الشجاعة كالدب يقاتل بجميع جوارحه، وفي الحملة كالخنزير لا يولي دبره إذا حمل، وفي الغارة كالذئب إذا يئس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، وفي الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، وفي الوفاء كالكلب لو دخل سيده النار يتبعه، وفي الصبر كالحمار، وفي التماس الفرصة كالديك، وفي الحراسة كالكركي وفي التعب كاليعر، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والمشقة. الحيرمة: البقرة والجمع حيرم قال ابن أحمر «١» : تبدل أدما من ظباء وحيرما كذا أنشده الجوهري. الحية: اسم يطلق على الذكر والأنثى، فإن أردت التمييز قلت: هذا حية ذكر، وهذا حية أنثى. قاله المبرد في الكامل، وإنما دخلته الهاء لأنه واحد من جنس. كبطة ودجاجة على أنه قد روي عن بعض العرب: رأيت حيا على حية أي ذكرا على أنثى، وفلان حية ذكر والنسبة إلى الحية حيوي. والحيوت: ذكر الحيات أنشد الأصمعي: ويأكل الحية والحيوتا ... ويخنق العجوز أو تموتا وذكر ابن خالويه لها مائتي اسم ونقل السهيلي عن المسعودي: إن الله تعالى لما أهبط الحية إلى الأرض، أنزلها بسجستان، فهي أكثر أرض الله حيات ولولا العربد يأكلها، ويفني كثيرا منها لخلت من أهلها لكثرة الحيات، وقال كعب الأحبار: أهبط الله تعالى الحية بأصبهان، وإبليس بجدة، وحوّاء بعرفة، وآدم بجبل سرنديب وهو بأرض الصين في بحر الهند، عال يراه البحريون من مسافة أيام، وفيه أثر قدم آدم ﵊ مغموسة في الحجر. ويرى على هذا الأثر كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب، ولا بد له في كل يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم ﵊. ويقال: إن الياقوت الأحمر يوجد على هذا الجبل فتحدره السيول والأمطار من ذروته إلى الحضيض. ويوجد به الماس أيضا وبه يوجد العود. كذا قاله القزويني.

стр. 386

قلت وهو قريب من جبل يقال له ساتيدما، بكسر المثناة من فوق بعدها مثناة من تحت، ودال مهملة وميم وألف، وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند، ليس يأتي يوم من الدهر إلا ويسفك عليه دم، فسمي ساتيدما لذلك. وكان قيصر قد غزا كسرى، وأتى بلاده فاحتال له حتى انصرف عنه، فاتبعه كسرى في جنوده فأدركه بساتيدما، فانهزم أصحاب قيصر مرعوبين من غير قتال، فقتلهم كسرى قتل الكلاب ونجا قيصر ولم يدركه كذا حكاه البكري في معجمه. وذكره الجوهري نقلا عن سيبويه كذلك أنشدوا على ذلك: لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله در اليوم من لامها «١» والحية أنواع: منها الرقشاء وهي التي فيها سود وبيض، ويقال لها الرقطاء أيضا وهي من أخبث الأفاعي قال «٢» النابغة في وصف السليم: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش، في أنيابها السّم ناقع «٣» تبادرها الراقون من شر سمها ... فتطلقه يوما، ويوما تراجع «٤» تسهّد من ليل التمام، سليمها ... كحلي نساء، في يديه، قعاقع «٥» وقال غيره: هم أيقظوا رقط الأفاعي ونبهوا ... عقارب ليل نام عنها حواتها «٦» وهم نقلوا عني الذي لم أفه به ... وما آفه الأخيار إلا رواتها وتزعم الأعراب أن الأفاعي صم، وكذلك النعام قال علي بن نصر الجهضمي: دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي: لم أر مثل الرفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها من يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جحرها فقال: يا غلام الدواة والقرطاس، فأتى بهما فكتبهما وأمر لي بجائزة سنية، وقال أبو بكر بن أبي دواد: كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي، يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة وأمره بذلك فقال: ارجع فاستخير الله فرجع إلى بيته فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، ونام فنبهوه فإذا هو ميت. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين

стр. 387

ومائتين. ومن أنواعها الأزعر وهو غالب فيها ومنها ما هو أزب ذو شعر، ومنها ذوات القرون. وأرسطو ينكر ذلك قال الراجز: وذات قرنين طحون الضرس ... تنهس لو تمكنت من نهس تدير عينا كشهاب القبس ومنها الشجاع وسيأتي في باب الشين المعجمة. ومنها العربد وهي حية عظيمة، تأكل الحيات كما تقدم، ومنها الأصلة وهو عظيم جدا له وجه كوجه الإنسان، ويقال إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين. ومن خاصية هذا، أن يقتل بالنظر أيضا، ومنها الصل وتسمى المتكللة لأنها مكللة الرأس، وقيل: الصل الأول وهذه المكللة، وهي شديدة الفساد تحرق كل ما مرت عليه، ولا ينبت حول جحرها شيء من الزرع أصلا، وإذا حاذى مسكنها طائر سقط، ولا يمر حيوان بقربها إلا هلك. وتقتل بصفيرها على غلوة سهم، ومن وقع عليه بصرها ولو من بعد مات، ومن نهشته مات في الحال، وضربها فارس برمحه فمات هو وفرسه. وهي كثيرة ببلاد الترك ومنها ذو الطفيتين والأبتر. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال «١» : «اقتلوهما فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبالى» . قال الزهري: ونرى ذلك من سمها. وسيأتي بيان هذا الحديث في باب الطاء إن شاء الله تعالى. ومنها الناظر متى وقع نظره على إنسان مات الإنسان من ساعته. ومنها نوع آخر إذا سمع الإنسان صوته مات. ومن أسماء الحية العيم والعين والصم والأزعر والأبتر والناشر والأين والأرقم والأصلة والجان والثعبان والشجاع والأزب والأفعى والأفعوان وهو الذكر من الأفاعي كما تقدم والأرقش والأرقط والصل وذو الطفيتين والعربد. قال ابن الأثير: ويقال للحية أبو البخترى وأبو الربيع وأبو عثمان وأبو العاصي وأبو مذعور وأبو وثاب وأبو يقظان وأم طبق وأم عافية وأم عثمان وأم الفتح وأم محبوب وبنات طبق والحية الصماء وهي الشديد الشر قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت الطّرف من غير حور «٢» ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر كالحية الصّماء في أصل الشجر والصّمة الذكر من الحيات وجعه صمم، وبه سمي والد دريد بن الصمة. وزعم أهل الكلام في طبائع الحيوان، أن الحية تعيش ألف سنة، وهي في كل سنة تسلخ جلدها، وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل فيفسد غالب بيضها، ولا يصلح منه إلا القليل، وإن لدغها العقرب ماتت. ومن أنواعها: الحريش وقد تقدم ذكره وشرها الأفاعي ومسكنها الرمال. وبيض الحيات مستطيل وهو كدر اللون وأخضر وأسود وأبيض وأرقط، وفي

стр. 388

بيضة نمش ولمع والسبب في اختلاف ذلك لا يعرف، وداخله شيء كالصديد، وهو في جوفها منضد طولا على خط واحد، وليس للحيات سفاد يعرف، وإنما هو التواء بعضها على بعض ولسانها مشقوق فيظن بعض الناس أن لها لسانين. وتوصف بالنهم والشره، لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، ومن شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها، فتلتوي عليها التواء شديدا حتى يتكسر ذلك في جوفها. ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت، فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، وليس كذلك. ومن شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم، وتقتات به الزمن الطويل، وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي وهي إذا كبرت، صغر جسمها واقتنعت بالنسيم، ولم تشته الطعام. ومن غريب أمرها، أنها لا تريد الماء ولا ترده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشرب، إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر. وربما كان السكر سبب هلاكها. والذكر لا يقيم بموضع واحد وإنما تقيم الأنثى على بيضها حتى تخرج فراخها، وتقوى على الكسب، ثم تخرج هي سائرة، فإن وجدت حجرا انسابت فيه، وعينها لا تدور في رأسها، بل كأنها مسمار مضروب في رأسها، وكذلك عين الجراد، وإذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع عاد بعد ثلاثة أيام، وكذلك ذنبها إذا قطع نبت. ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتطلبها، وتتعجب من أمرها، وتحب اللبن حبا شديدا. وإذا ضربت بسوط مسه عرق الخيل، ماتت وتذبح فتبقى أياما لا تموت وقد تقدم أنها إذا عميت، أو خرجت من تحت الأرض، لا تبصر طلبت الرازيانج «١» الأخضر، فتحك به بصرها فتبصر، فسبحان من قدر فهدى، قدر عليها العمى وهداها إلى ما يزيله عنها، وليس شيء في الأرض مثل الحية إلا وجسم الحية أقوى منه، ولذلك إذا أدخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه، وربما تقطعت ولا تخرج وليس لها قوائم، ولا أظفار تشبث بها وإنما قوي ظهرها، هذه القوة لكثرة أضلاعها، فإن لها ثلاثين ضلعا وإذا مشت مشت على بطنها، فتتدافع أجزاؤها وتسعى بذلك الدفع الشديد، والحيات في أصل الطبع مائية وتعيش في البحر، بعد أن كانت برية، وفي البر بعد أن كان بحرية. قال الجاحظ: الحيات ثلاثة أنواع: نوع منها لا ينفع للسعته ترياق، ولا غيره كالثعبان، والأفعى والحية الهندية، ونوع منها ينفع في لسعته الدرياق وما كان سواهما مما يقتل فإنما يقتل بواسطة الفزع، كما حكي أن شخصا نام تحت شجرة، فتدلت عليه حية فعضت رأسه، فانتبه محمر الوجه، وحك رأسه وتلفت فلم ير أحدا فلم يرتب بشيء، ووضع رأسه ونام، فلما كان بعد ذلك بمدة، قال له بعض من رآها: هل علمت مم كان انتباهك تحت الشجرة؟ قال: لا، والله ما علمت. قال: إنما كان من حية تدلت عليك فعضت رأسك فلما قمت فزعا تقلصت ففزع فزعة فاضت فيها نفسه. قال: فهم بزعمون أن الفزع هو الذي هيج السم وفتح مسام البدن، حتى مشى السم فيه انتهى. فائدة : في النصائح لابن ظفران خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض وغيره من حصونهم، نزل بالنجف وأرسل إليهم: إن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم، فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني وكان من

стр. 389

المعمرين، عمر أكثر من ثلاثمائة وخمسين سنة، فقاوله المقاولة المشهورة، وكان في يد عبد المسيح قارورة يقلبها، فقال له خالد: ما الذي في هذه القارورة؟ قال سم ساعة. قال: ما تصنع به؟ قال: إن وجدت عندك ما أحبه لقومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن لم أجد ذلك شربته وقتلت نفسي به. ولم أرجع إلى قومي بما يسوؤهم. فقال خالد ﵁: هاتها فناوله القارورة فأفرغها خالد في راحته وقال: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله بسم الله رب الأرض والسماء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. ثم شربه، ويقال: إنه شرب عليه ماء، فضرب بذقنه على صدره، وغشيه عرق ثم سري عنه، فانصرف عبد المسيح إلى قومه، وكانوا نصارى نسطورية، إلا أنهم عرب، فقال لهم: جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة فلم يضره فاعطوه ما سألكم، وأخرجوه من أرضكم راضيا، فهؤلاء قوم مصنوع لهم، وسيكون لهم شأن عظيم. فصالحوه على ثمانين ألف درهم فضة انتهى. وقال بعضهم: إن سم ساعة لا يكون إلا من الحية الهندية، ولا ينفع فيها درياق ولا غيره وفي الناصح أيضا: أن أمة لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قالت له: من أي جنس أنت؟ قال: أنا آدمي مثلك. قالت: كيف تكون آدميا. وقد أطعمتك السم أربعين يوما فما ضرك؟ فقال لها: أما علمت أن الذاكرين الله تعالى لا يضرهم شيء وإني كنت أذكر الله باسمه الأعظم. قالت: وما هو؟ قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض وفي السماء وهو السميع العليم. ثم قال: ما الذي حملك على ذلك؟ قالت: بغضك. قال: أنت حرة لوجه الله تعالى وأنت في حل مما صنعت انتهى. عجيبة: ذكر القرطبي، في تفسير سورة غافر، عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار، أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش، قال: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم مني واهتز تعاظما، فطوّقه الله تعالى بحية لها سبعون ألف جناح، في كل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا، وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية على العرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه، فتواضع عند ذلك انتهى. وروي أن الرشيد نام ليلة فسمع قائلا يقول: يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى من نفسه ... ثقة محللة العرا فاستيقظ فوجد المصابيح قد طفئت فأمر بالشموع فأوقدت، ونظر فإذا حية بقرب فراشه فقتلها. غريبة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، في الأذكياء عن بشر بن الفضل قال: خرجنا حجاجا فمررنا بماء من مياه العرب، فوصف لنا فيه ثلاث جوار أخوات بارعات في الجمال، وإنّهن يطببن ويعالجن، فأحببنا أن نراهن، فعمدنا إلى صاحب لنا، فحككنا ساقه بعود حتى أدميناه، ثم حملناه وأتينا به إليهن، فقلنا: هذا سليم فهل من راق؟ فخرجت إلينا الأخت

стр. 390

الصغرى، فإذا جارية كالشمس الطالعة، فجاءت حتى وقفت عليه، ونظرته فقالت: ليس بسليم. قلنا: وكيف ذلك؟ قالت: إنه خدشه عود بالت عليه حية ذكر، والدليل على ذلك أنه إذا طلعت عليه الشمس مات قال: فلما طلعت الشمس مات. فعجبنا من ذلك وانصرفنا. وفيه أيضا في أواخره أن عيسى ﵊ مر بحاو يطارد حية، فقالت له الحية: يا روح الله قل له لئن لم يلتفت عني لأضربنه ضربة أقطعه قطعا! فمر عيسى ﵊ ثم عاد فإذا الحية في سلة الحاوي. فقال لها عيسى ﵇: ألست القائلة كذا وكذا؟ فكيف صرت معه؟ فقالت: يا روح الله إنه قد حلف لي والآن غدر بي، فسم غدره أضر عليه من سمّي. وفي عجائب المخلوقات للقزويني، أن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى أنو شروان، وإنما وجد في زمانه وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم، إذا أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره، فهموا بقتلها فقال كسرى: كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب فأتبعها كسرى بعض أساورته، فلم تزل سائرة، حتى استدارت على فوهة بئر، فنزلت فيها، ثم أقبلت تتطلع فنظر الرجل فإذا في قعر البئر حية مقتولة، وهي على متنها عقرب أسود، فأدلى رمحه إلى العقرب ونخسه به وأتى إلى الملك فأخبره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت تلك الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم، وجعلت تنساب حتى وقفت بين يديه، ونفضت من فيها بزرا أسود فأمر به الملك أن يزرع فنبت منه الريحان. وكان الملك كثير الزكام وأوجاع الدماغ فاستعمل منه فنفعه جدا. فائدة أخرى: في حلية الأولياء للحافظ العلامة أبي نعيم رحمه الله تعالى، في ترجمة سفيان بن عيينة، عن يحيى بن عبد الحميد قال: كنت في مجلس سفيان بن عيينة، وقد اجتمع عنده ألف إنسان أو يزيدون أو ينقصون، فالتفت في آخر مجلسه إلى رجل كان عن يمينه، وقال: قم حدث الناس بحديث الحية، فقال الرجل: اسندوني فأسندناه فشال جفونه عن عينه، ثم قال: ألا فاستمعوا وعوا حدثني أبي عن جدي أن رجلا كان يعرف بابن الحمير، وكان له ورع وكان يصوم النهار ويقوم الليل، وكان مبتلى بالقنص، فخرج يوما يتصيد، فبينما هو سائر إذ عرضت له حية، فقالت يا محمد بن حمير أجرني أجارك الله، فقال لها: ممن؟ قالت من عدو قد ظلمني. قال لها: وأين عدوك؟ قالت له: من ورائي. قال لها: من أي أمة أنت؟ قالت: من أمة محمد ﷺ . قال: ففتحت لها ردائي وقلت لها ادخلي فيه. قالت: يراني عدوي. قال: فبسطت لها طمري وقلت لها: ادخلي بين طمري وبطني. قالت: يراني عدوي. قلت لها: فما الذي أصنع بك؟ قالت: إن أردت اصطناع المعروف، فافتح لي فاك حتى أنساب فيه. قلت: أخشى أن تقتليني. فقالت: لا والله ما أقتلك، والله شاهد علي بذلك وملائكته وأنبياؤه وحملة عرشه وسكان سمواته أن لا أقلتك. قال: ففتحت لها فمي فانسابت فيه، ثم مضيت فعارضني رجل معه صمصامة فقال: يا محمد فقلت له: ما تشاء؟ قال: هل لقيت عدوي؟ قلت: ومن عدوك؟ قال: حية. قلت: اللهم لا. واستغفرت ربي مائة مرة من قولي لا، لعلمي أين هي. ثم مضيت قليلا، فإذا بها قد أخرجت رأسها من فمي وقالت: انظر هل مضى هذا العدو؟ فالتفت فلم أر أحدا،
следующие страницы →