← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قلت وهو قريب من جبل يقال له ساتيدما، بكسر المثناة من فوق بعدها مثناة من تحت، ودال مهملة وميم وألف، وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند، ليس يأتي يوم من الدهر إلا ويسفك عليه دم، فسمي ساتيدما لذلك. وكان قيصر قد غزا كسرى، وأتى بلاده فاحتال له حتى انصرف عنه، فاتبعه كسرى في جنوده فأدركه بساتيدما، فانهزم أصحاب قيصر مرعوبين من غير قتال، فقتلهم كسرى قتل الكلاب ونجا قيصر ولم يدركه كذا حكاه البكري في معجمه. وذكره الجوهري نقلا عن سيبويه كذلك أنشدوا على ذلك: لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله در اليوم من لامها «١» والحية أنواع: منها الرقشاء وهي التي فيها سود وبيض، ويقال لها الرقطاء أيضا وهي من أخبث الأفاعي قال «٢» النابغة في وصف السليم: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش، في أنيابها السّم ناقع «٣» تبادرها الراقون من شر سمها ... فتطلقه يوما، ويوما تراجع «٤» تسهّد من ليل التمام، سليمها ... كحلي نساء، في يديه، قعاقع «٥» وقال غيره: هم أيقظوا رقط الأفاعي ونبهوا ... عقارب ليل نام عنها حواتها «٦» وهم نقلوا عني الذي لم أفه به ... وما آفه الأخيار إلا رواتها وتزعم الأعراب أن الأفاعي صم، وكذلك النعام قال علي بن نصر الجهضمي: دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي: لم أر مثل الرفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها من يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جحرها فقال: يا غلام الدواة والقرطاس، فأتى بهما فكتبهما وأمر لي بجائزة سنية، وقال أبو بكر بن أبي دواد: كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي، يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة وأمره بذلك فقال: ارجع فاستخير الله فرجع إلى بيته فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، ونام فنبهوه فإذا هو ميت. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين

стр. 387

ومائتين. ومن أنواعها الأزعر وهو غالب فيها ومنها ما هو أزب ذو شعر، ومنها ذوات القرون. وأرسطو ينكر ذلك قال الراجز: وذات قرنين طحون الضرس ... تنهس لو تمكنت من نهس تدير عينا كشهاب القبس ومنها الشجاع وسيأتي في باب الشين المعجمة. ومنها العربد وهي حية عظيمة، تأكل الحيات كما تقدم، ومنها الأصلة وهو عظيم جدا له وجه كوجه الإنسان، ويقال إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين. ومن خاصية هذا، أن يقتل بالنظر أيضا، ومنها الصل وتسمى المتكللة لأنها مكللة الرأس، وقيل: الصل الأول وهذه المكللة، وهي شديدة الفساد تحرق كل ما مرت عليه، ولا ينبت حول جحرها شيء من الزرع أصلا، وإذا حاذى مسكنها طائر سقط، ولا يمر حيوان بقربها إلا هلك. وتقتل بصفيرها على غلوة سهم، ومن وقع عليه بصرها ولو من بعد مات، ومن نهشته مات في الحال، وضربها فارس برمحه فمات هو وفرسه. وهي كثيرة ببلاد الترك ومنها ذو الطفيتين والأبتر. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال «١» : «اقتلوهما فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبالى» . قال الزهري: ونرى ذلك من سمها. وسيأتي بيان هذا الحديث في باب الطاء إن شاء الله تعالى. ومنها الناظر متى وقع نظره على إنسان مات الإنسان من ساعته. ومنها نوع آخر إذا سمع الإنسان صوته مات. ومن أسماء الحية العيم والعين والصم والأزعر والأبتر والناشر والأين والأرقم والأصلة والجان والثعبان والشجاع والأزب والأفعى والأفعوان وهو الذكر من الأفاعي كما تقدم والأرقش والأرقط والصل وذو الطفيتين والعربد. قال ابن الأثير: ويقال للحية أبو البخترى وأبو الربيع وأبو عثمان وأبو العاصي وأبو مذعور وأبو وثاب وأبو يقظان وأم طبق وأم عافية وأم عثمان وأم الفتح وأم محبوب وبنات طبق والحية الصماء وهي الشديد الشر قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت الطّرف من غير حور «٢» ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر كالحية الصّماء في أصل الشجر والصّمة الذكر من الحيات وجعه صمم، وبه سمي والد دريد بن الصمة. وزعم أهل الكلام في طبائع الحيوان، أن الحية تعيش ألف سنة، وهي في كل سنة تسلخ جلدها، وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل فيفسد غالب بيضها، ولا يصلح منه إلا القليل، وإن لدغها العقرب ماتت. ومن أنواعها: الحريش وقد تقدم ذكره وشرها الأفاعي ومسكنها الرمال. وبيض الحيات مستطيل وهو كدر اللون وأخضر وأسود وأبيض وأرقط، وفي

стр. 388

بيضة نمش ولمع والسبب في اختلاف ذلك لا يعرف، وداخله شيء كالصديد، وهو في جوفها منضد طولا على خط واحد، وليس للحيات سفاد يعرف، وإنما هو التواء بعضها على بعض ولسانها مشقوق فيظن بعض الناس أن لها لسانين. وتوصف بالنهم والشره، لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، ومن شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها، فتلتوي عليها التواء شديدا حتى يتكسر ذلك في جوفها. ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت، فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، وليس كذلك. ومن شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم، وتقتات به الزمن الطويل، وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي وهي إذا كبرت، صغر جسمها واقتنعت بالنسيم، ولم تشته الطعام. ومن غريب أمرها، أنها لا تريد الماء ولا ترده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشرب، إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر. وربما كان السكر سبب هلاكها. والذكر لا يقيم بموضع واحد وإنما تقيم الأنثى على بيضها حتى تخرج فراخها، وتقوى على الكسب، ثم تخرج هي سائرة، فإن وجدت حجرا انسابت فيه، وعينها لا تدور في رأسها، بل كأنها مسمار مضروب في رأسها، وكذلك عين الجراد، وإذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع عاد بعد ثلاثة أيام، وكذلك ذنبها إذا قطع نبت. ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتطلبها، وتتعجب من أمرها، وتحب اللبن حبا شديدا. وإذا ضربت بسوط مسه عرق الخيل، ماتت وتذبح فتبقى أياما لا تموت وقد تقدم أنها إذا عميت، أو خرجت من تحت الأرض، لا تبصر طلبت الرازيانج «١» الأخضر، فتحك به بصرها فتبصر، فسبحان من قدر فهدى، قدر عليها العمى وهداها إلى ما يزيله عنها، وليس شيء في الأرض مثل الحية إلا وجسم الحية أقوى منه، ولذلك إذا أدخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه، وربما تقطعت ولا تخرج وليس لها قوائم، ولا أظفار تشبث بها وإنما قوي ظهرها، هذه القوة لكثرة أضلاعها، فإن لها ثلاثين ضلعا وإذا مشت مشت على بطنها، فتتدافع أجزاؤها وتسعى بذلك الدفع الشديد، والحيات في أصل الطبع مائية وتعيش في البحر، بعد أن كانت برية، وفي البر بعد أن كان بحرية. قال الجاحظ: الحيات ثلاثة أنواع: نوع منها لا ينفع للسعته ترياق، ولا غيره كالثعبان، والأفعى والحية الهندية، ونوع منها ينفع في لسعته الدرياق وما كان سواهما مما يقتل فإنما يقتل بواسطة الفزع، كما حكي أن شخصا نام تحت شجرة، فتدلت عليه حية فعضت رأسه، فانتبه محمر الوجه، وحك رأسه وتلفت فلم ير أحدا فلم يرتب بشيء، ووضع رأسه ونام، فلما كان بعد ذلك بمدة، قال له بعض من رآها: هل علمت مم كان انتباهك تحت الشجرة؟ قال: لا، والله ما علمت. قال: إنما كان من حية تدلت عليك فعضت رأسك فلما قمت فزعا تقلصت ففزع فزعة فاضت فيها نفسه. قال: فهم بزعمون أن الفزع هو الذي هيج السم وفتح مسام البدن، حتى مشى السم فيه انتهى. فائدة : في النصائح لابن ظفران خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض وغيره من حصونهم، نزل بالنجف وأرسل إليهم: إن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم، فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني وكان من

стр. 389

المعمرين، عمر أكثر من ثلاثمائة وخمسين سنة، فقاوله المقاولة المشهورة، وكان في يد عبد المسيح قارورة يقلبها، فقال له خالد: ما الذي في هذه القارورة؟ قال سم ساعة. قال: ما تصنع به؟ قال: إن وجدت عندك ما أحبه لقومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن لم أجد ذلك شربته وقتلت نفسي به. ولم أرجع إلى قومي بما يسوؤهم. فقال خالد ﵁: هاتها فناوله القارورة فأفرغها خالد في راحته وقال: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله بسم الله رب الأرض والسماء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. ثم شربه، ويقال: إنه شرب عليه ماء، فضرب بذقنه على صدره، وغشيه عرق ثم سري عنه، فانصرف عبد المسيح إلى قومه، وكانوا نصارى نسطورية، إلا أنهم عرب، فقال لهم: جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة فلم يضره فاعطوه ما سألكم، وأخرجوه من أرضكم راضيا، فهؤلاء قوم مصنوع لهم، وسيكون لهم شأن عظيم. فصالحوه على ثمانين ألف درهم فضة انتهى. وقال بعضهم: إن سم ساعة لا يكون إلا من الحية الهندية، ولا ينفع فيها درياق ولا غيره وفي الناصح أيضا: أن أمة لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قالت له: من أي جنس أنت؟ قال: أنا آدمي مثلك. قالت: كيف تكون آدميا. وقد أطعمتك السم أربعين يوما فما ضرك؟ فقال لها: أما علمت أن الذاكرين الله تعالى لا يضرهم شيء وإني كنت أذكر الله باسمه الأعظم. قالت: وما هو؟ قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض وفي السماء وهو السميع العليم. ثم قال: ما الذي حملك على ذلك؟ قالت: بغضك. قال: أنت حرة لوجه الله تعالى وأنت في حل مما صنعت انتهى. عجيبة: ذكر القرطبي، في تفسير سورة غافر، عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار، أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش، قال: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم مني واهتز تعاظما، فطوّقه الله تعالى بحية لها سبعون ألف جناح، في كل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا، وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية على العرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه، فتواضع عند ذلك انتهى. وروي أن الرشيد نام ليلة فسمع قائلا يقول: يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى من نفسه ... ثقة محللة العرا فاستيقظ فوجد المصابيح قد طفئت فأمر بالشموع فأوقدت، ونظر فإذا حية بقرب فراشه فقتلها. غريبة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، في الأذكياء عن بشر بن الفضل قال: خرجنا حجاجا فمررنا بماء من مياه العرب، فوصف لنا فيه ثلاث جوار أخوات بارعات في الجمال، وإنّهن يطببن ويعالجن، فأحببنا أن نراهن، فعمدنا إلى صاحب لنا، فحككنا ساقه بعود حتى أدميناه، ثم حملناه وأتينا به إليهن، فقلنا: هذا سليم فهل من راق؟ فخرجت إلينا الأخت

стр. 390

الصغرى، فإذا جارية كالشمس الطالعة، فجاءت حتى وقفت عليه، ونظرته فقالت: ليس بسليم. قلنا: وكيف ذلك؟ قالت: إنه خدشه عود بالت عليه حية ذكر، والدليل على ذلك أنه إذا طلعت عليه الشمس مات قال: فلما طلعت الشمس مات. فعجبنا من ذلك وانصرفنا. وفيه أيضا في أواخره أن عيسى ﵊ مر بحاو يطارد حية، فقالت له الحية: يا روح الله قل له لئن لم يلتفت عني لأضربنه ضربة أقطعه قطعا! فمر عيسى ﵊ ثم عاد فإذا الحية في سلة الحاوي. فقال لها عيسى ﵇: ألست القائلة كذا وكذا؟ فكيف صرت معه؟ فقالت: يا روح الله إنه قد حلف لي والآن غدر بي، فسم غدره أضر عليه من سمّي. وفي عجائب المخلوقات للقزويني، أن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى أنو شروان، وإنما وجد في زمانه وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم، إذا أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره، فهموا بقتلها فقال كسرى: كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب فأتبعها كسرى بعض أساورته، فلم تزل سائرة، حتى استدارت على فوهة بئر، فنزلت فيها، ثم أقبلت تتطلع فنظر الرجل فإذا في قعر البئر حية مقتولة، وهي على متنها عقرب أسود، فأدلى رمحه إلى العقرب ونخسه به وأتى إلى الملك فأخبره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت تلك الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم، وجعلت تنساب حتى وقفت بين يديه، ونفضت من فيها بزرا أسود فأمر به الملك أن يزرع فنبت منه الريحان. وكان الملك كثير الزكام وأوجاع الدماغ فاستعمل منه فنفعه جدا. فائدة أخرى: في حلية الأولياء للحافظ العلامة أبي نعيم رحمه الله تعالى، في ترجمة سفيان بن عيينة، عن يحيى بن عبد الحميد قال: كنت في مجلس سفيان بن عيينة، وقد اجتمع عنده ألف إنسان أو يزيدون أو ينقصون، فالتفت في آخر مجلسه إلى رجل كان عن يمينه، وقال: قم حدث الناس بحديث الحية، فقال الرجل: اسندوني فأسندناه فشال جفونه عن عينه، ثم قال: ألا فاستمعوا وعوا حدثني أبي عن جدي أن رجلا كان يعرف بابن الحمير، وكان له ورع وكان يصوم النهار ويقوم الليل، وكان مبتلى بالقنص، فخرج يوما يتصيد، فبينما هو سائر إذ عرضت له حية، فقالت يا محمد بن حمير أجرني أجارك الله، فقال لها: ممن؟ قالت من عدو قد ظلمني. قال لها: وأين عدوك؟ قالت له: من ورائي. قال لها: من أي أمة أنت؟ قالت: من أمة محمد ﷺ . قال: ففتحت لها ردائي وقلت لها ادخلي فيه. قالت: يراني عدوي. قال: فبسطت لها طمري وقلت لها: ادخلي بين طمري وبطني. قالت: يراني عدوي. قلت لها: فما الذي أصنع بك؟ قالت: إن أردت اصطناع المعروف، فافتح لي فاك حتى أنساب فيه. قلت: أخشى أن تقتليني. فقالت: لا والله ما أقتلك، والله شاهد علي بذلك وملائكته وأنبياؤه وحملة عرشه وسكان سمواته أن لا أقلتك. قال: ففتحت لها فمي فانسابت فيه، ثم مضيت فعارضني رجل معه صمصامة فقال: يا محمد فقلت له: ما تشاء؟ قال: هل لقيت عدوي؟ قلت: ومن عدوك؟ قال: حية. قلت: اللهم لا. واستغفرت ربي مائة مرة من قولي لا، لعلمي أين هي. ثم مضيت قليلا، فإذا بها قد أخرجت رأسها من فمي وقالت: انظر هل مضى هذا العدو؟ فالتفت فلم أر أحدا،

стр. 391

فقلت: لم أر أحدا فإن أردت الخروج فاخرجي. فقالت: الآن يا محمد اختر لنفسك واحدة من اثنتين: إما أن افتت كبدك وإما أن أنفث في فؤادك فأدعك بلا روح! فقلت: يا سبحان الله أين العهد الذي عهدت إلي، واليمين الذي حلفت لي، ما أسرع ما نسيته وخنت؟ فقالت: يا محمد ما رأيت أحمق منك إذ نسيت العداوة التي كانت بيني وبين أبيك آدم، حيث أخرجته من الجنة، فليت شعري ما الذي حملك على اصطناع المعروف مع غير أهله؟ قال: فقلت لها: ولا بد لك من قتلي؟ قالت: لا بد من ذلك. قال: فقلت لها: أمهليني حتى أصير تحت هذا الجبل، فأمهد لنفسي موضعا. قالت: شأنك وما تريد. قال محمد: فمضيت أريد الجبل، وقد أيست من الحياة، فرفعت طرفي إلى السماء، وقلت: يا لطيف الطف بي بلطفك الخفي، يا لطيف يا قدير أسألك بالقدرة التي استويت بها على العرش، فلم يعلم العرش أين مستقرك منه، يا حليم يا عليم يا عظيم يا حي يا قيوم يا ألله ألا ما كفيتني شر هذه الحية. ثم مشيت فعارضني رجل صبيح الوجه طيب الرائحة تقي الثوب فقال لي: سلام عليك فقلت: وعليك السلام يا أخي. فقال: ما لي أراك قد تغير لونك واضطرب كونك؟ فقلت: من عدو قد ظلمني قال لي: وأين عدوك؟ قلت: في جوفي. قال: فافتح فاك، ففتحته فوضع فيه مثل ورقة زيتون خضراء، ثم قال: امضغ وابلع فمضغت وبلعت. قال محمد: فلم ألبث إلا قليلا حتى مغصني بطني ودارت الحية في بطني فرميت بها من أسفل قطعا قطعا، وذهب عني ما كنت أجده من الخوف، فتعلقت بالرجل، فقلت: يا أخي من أنت الذي منّ الله علي بك؟ فضحك ثم قال: أما تعرفني قلت: اللهم لا. قال: يا محمد بن حمير إنه لما كان بينك وبين هذه الحية ما كان، ودعوت الله بهذا الدعاء، ضجت ملائكة السموات السبع إلى الله فقال الله ﵎ وعزتي وجلالي بعيني كل ما فعلت الحية بعبدي، وأمرني أن انطلق إلى الجنة، وخذ ورقة خضراء من شجرة طوبى والحق بها عبدي محمد بن حمير، وأنا يقال لي المعروف ومستقري في السماء الرابعة، ثم قال: يا محمد بن حمير عليك باصطناع المعروف فإنه يقي مصارع السوء، وإنه وإن ضيعه المصطنع إليه لم يضع عند الله تعالى. فائدة أخرى: روى الحاكم وصححه عن أبي اليسر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ كان يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من الهدم والتردي، وأعوذ بك من الحرق والغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت «١» لديغا» . قال الجاحظ: وتأويل هذا عند العلماء، أنه لا يتفق للإنسان أن يكون موته بهذا العدو إلا وهو من أعداء الله تعالى، بل من أشدهم عداوة، فكان ﵊ يتعوذ منه لذلك. فائدة أخرى: يقال: لسعته الحية والعقرب تلسعه لسعا فهو ملسوع. قال بعض العلماء المتقدمين: من قال في أول الليل وأول النهار: عقدت لسان الحية وزبان العقرب ويد السارق بقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أمن من الحية والعقرب والسارق، ومن الفوائد المجربة النافعة، أن يسأل الراقي الملدوغ إلى أين انتهى الوجع في العضو؟ ثم يضع

стр. 392

على أعلاه حديدة ويقرأ العزيمة ويكررها، وهو يجرد موضع الألم بالحديدة حتى ينتهي في جرد السم إلى أسفل الوجع، فإذا اجتمع في أسفله، جعل يمص ذلك الموضع حتى يذهب جميع الألم ولا اعتبار بفتور العضو بعد ذلك. وهي هذه: سلام على نوح في العالمين، وعلى محمد في المرسلين، من حاملات السم أجمعين، لا دابة بين السماء والأرض إلا وربي آخذ بناصيتها أجمعين، كذلك يجزي عباده المحسنين، إن ربي على صراط مستقيم نوح نوح نوح. قال لكم نوح: من ذكرني فلا تلدغوه إن ربي بكل شيء عليم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ورأيت بخط بعض المحققين، من العلماء، أن يوقف الملسوع أو رسوله، أو المكلوب أو شارب السم قائما ثم يخط دور قدميه، يبدأ بالخط من إبهام الرجل اليمنى حتى ترجع إليها ثم يخط بين قدميه خطا ويكون ذلك بسكين فولاذ، ثم يأخذ من تحت مشط رجله اليمنى، ومن تحت كعبه الأيسر ترابا، ويرميه في إناء نظيف، ويسكب عليه ماء، ثم يأخذ السكين ويوقفها في وسط إناء آخر، ويكون رأس السكين إلى فوق، ويسكب الماء الذي في الإناء على السكين التي في الإناء الثاني، ويرقي بهذه الرقية، ويكون فراغ الماء مع فراغ الرقية، ثم يجعل النصاب إلى فوق، ويسكب الماء كأول مرة، ثم يجعل رأسها إلى فوق أيضا، ويفعل كأول مرة. ثم يسقي الملسوع أو رسوله أو المكلوب أو شارب السم. وهي: سارا سارا في سارا عاتي نور نور نور أنا وأرميا فاه يا طورا كاطوا برملس أوزانا أو صنانيما كاما يوقا بانيا ساتيا كاطوط اصبأوتا ابريلس توتي تنا أوس. فإنه يبرأ بإذن الله تعالى كما جرب مرارا وما أحسن قول القائل: قالوا: حبيبك ملسوع فقلت لهم: ... من عقرب الصدغ أو من حية الشعر قالوا: بلى أفاعي الأرض قلت لهم: ... وكيف تسعى أفاعي الأرض للقمر ولجمال الملك بن أفلح: وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس حاذته فما خلته صدقا فلما التوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا غريبة أخرى: ذكر المسعودي عن الزبير بن بكار أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين، فنزلا في ظل شجرة بجنب صفاة، فلما دنا الرواح، خرجت لهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته إليهما فقالا: إن هذا لمن كنز هنا فأقاما ثلاثة أيام، وهي في كل يوم تخرج لهما دينارا فقال أحدهما للآخر: إلى متى ننتظر هذه الحية؟ ألا نقتلها ونحفر عن هذا الكنز فنأخذه؟ فنهاه أخوه وقال له: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال، فأبى عليه وأخذ فأسا ورصد الحية حين خرجت فضربها ضربة جرح رأسها ولم يقتلها، فبادرت إليه الحية فقتلته، ورجعت إلى جحرها فدفنه أخوه، وأقام حتى إذا كان الغد، خرجت الحية معصوبا رأسها وليس معها شيء فقال: يا هذه والله إني ما رضيت ما أصابك ولقد نهيت أخي عن ذلك فلم يقبل، فهل لك أن نجعل الله بيننا على أن لا تضريني ولا أضرك، وترجعين إلى ما كنت عليه أولا؟ فقالت الحية: لا. قال: ولم؟ قالت: لأني أعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدا وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبدا وأنا أذكر هذه الشجة. ثم أنشد أبيات النابغة الجعدي التي يقول فيها: وما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وكانت تريه المال رعبا وظاهره

стр. 393

غريبة أخرى: في رحلة ابن الصلاح، وتاريخ ابن النجار، في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: حدثنا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀، عن القاضي الإمام أبي الطيب أنه قال: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور ببغداد فجاء شاب خراساني يسأل عن مسألة المصراة، ويطالب بالدليل فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب، وكان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره فقيل له: تب تب فقال: تبت فغابت الحية ولم يبق لها أثر. قال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت، فيه ثلاثة من صالحي أئمة المسلمين القاضي أبو الطيب الطبري، وتلميذه أبو إسحاق وتلميذه أبو القاسم الزنجاني. ويقرب من هذا ما رواه أبو اليمن الكندي، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي، قال: أخبرنا الكريمي، قال: حدثنا يزيد بن قرة الدراع، يرفعه إلى عمر بن حبيب، قال: حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة المصراة فتنازع الخصوم فيها وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، فرد بعضهم الحديث، وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه، ونحا نحوه الرشيد ونصر قوله. فقلت: أما الحديث فصحيح وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه صحيح النقل فيما يرويه عن النبي ﷺ ، فنظر إلى الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس إلى منزلي فلم يستقر بي الجلوس حتى قيل: صاحب الشرطة بالباب. فدخل إلى فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن. فقلت: اللهم إنك تعلم أني قد دافعت عن صاحب نبيك محمد ﷺ ، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه. قال فأدخلت على الرشيد فإذا هو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه وبيده السيف، وبين يده النطع، فلما رآني قال: يا ابن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي مثل ما تلقيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول الله ﷺ ، وعلى ما جاء به. فقال: كيف ويحك؟ قلت: لأنه إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام من الصلاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والحدود، كلها مردودة غير مقبولة لأنهم رواتها، ولا تعرف إلا بواسطتهم، فرجع الرشيد إلى نفسه، وقال: الآن أحييتني يا ابن حبيب أحياك الله ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم. ويقرب من هذه القصة ما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف في الكلام على لفظ القرد في الرجل الذي رد على معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما وهو على المنبر. تتمة: قال طارق بن شهاب الزهري: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قد قضى في ميراث الجد مع الإخوة في قضايا مختلفة، ثم إنه جمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأخذ كتفا ليكتب فيه، وهم يرون أنه يجعله أبا، فخرجت حية فتفرقوا، فقال: لو أراد الله تعالى أن يمضيه لأمضاه، ثم إنه أتى منزل زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فاستأذن عليه ورأسه في يد جارية له ترجله فنزع رأسه، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: دعها ترجلك. فقال زيد: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي جئتك؟ فقال عمر: إنما الحاجة لي إني جئتك في أمر الجد وأريد أن أجعله

стр. 394

أبا، فقال له زيد: لا أوافقك على أن تجعله أبا. فخرج عمر رضي الله تعالى عنه مغضبا، ثم أرسل إليه في وقت آخر، فكتب إليه زيد رضي الله تعالى عنه مذهبه فيه، في قطعة قتب وضرب له مثلا بشجرة نبتت على ساق واحد، فخرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن فإن قطع الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن الثاني، وإن قطع الغصن الثاني رجع الماء إلى الغصن الأول. فلما أتى عمر رضي الله تعالى عنه كتاب زيد، خطب الناس ثم قرأ قطعة القتب عليهم، ثم قال: إن زيدا قد قال في الجد قولا وقد أمضيته. تذنيب: روى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره أن أبا خراش الهذلي الشاعر، واسمه خويلد بن مرة مات في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من نهش حية، وكان ممن يعدو على قدميه، فيسبق الخيل، وهو القائل: رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وكان ممن أسلم وحسن إسلامه. وكان سبب موته أنه أتاه نفر من اليمن قدموا حجاجا فنزلوا به، وكان الماء بعيدا عنهم. فقال لهم: يا بني ما أمسى عندنا ماء، ولكن هذه برمة وقربة وشاة فردوا الماء وكلوا شاتكم ثم دعوا قربتنا وبرمتنا عند الماء حتى نأخذهما فقالوا: لا والله ما نحن بسارين ليلتنا هذه. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء، تحت الليل، حتى استقى، ثم أقبل صادرا، فنهشته حية قبل أن يصل إليهم، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا، ولم يعلمهم بما أصابه، فباتوا يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه. فلما بلغ عمر رضي الله تعالى عنه خبره غضب غضبا شديدا وقال: لولا أن تكون سنة لأمرت أن لا يضاف يماني أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق. ثم كتب إلى عامله باليمن أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش، فيغرمهم ديته ويؤدبهم بعد ذلك بعقوبة جزاء لفعلهم. غريبة أخرى: ذكر القاضي الإمام شمس الدين أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان في ترجمة «١» عماد الدولة أبي الحسن علي بن بويه، وكان أبوه صيادا: ليست له معيشة إلا صيد السمك، وكان له ثلاثة أولاد: عماد الدولة أكبرهم، ثم ركن الدولة الحسن، ثم معز الدولة. والجميع ملكوا وكان عماد الدولة سبب سعادتهم وانتشار صيتهم فإنهم ملكوا العراقين والأهواز وفارس، وساسوا أمور الرعية أحسن سياسة. قال: ومن عجيب ما اتفق لعماد الدولة، أنه لما ملك شيراز في أول ملكه، اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال، ولم يكن عنده ما يرضيهم به، فأشرف أمره على الانحلال، فاغتم لذلك، فبينما هو مفكر وقد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للتفكير والتدبير، إذ رأى حية خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس، ودخلت في موضع آخر منه فخاف أن تسقط عليه فدعا بالفراشين وأمرهم بإحضار سلم وأن يخرجوا الحية، فلما صعدوا وبحثوا عنها، وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرفوه بذلك فأمرهم بفتحها ففتحت، فإذا فيها صناديق فيها خمسمائة ألف دينار، فحمل ذلك بين يديه فقسمه على

стр. 395

رجاله، فثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانحلال والانخرام. ثم إنه جهز ثيابا وسأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره وكان أطروشا، وكان عنده وديعة لصاحب البلد، فوقع في نفسه أنه سعى به إليه، وأنه طلب بسبب الوديعة، فلما خاطبه حلف أنه لم يكن عنده سوى أثني عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فتعجب عماد الدولة من جوابه ووجه معه من يحمل الصناديق، فوجد فيها أموالا وثيابا تجمل كثيرة، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، توفي عماد الدولة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ولم يعقب. الحكم: يحرم أكل الحيات لضررها. وكذا يحرم أكل الترياق المعمول من لحومها. وقال البيهقي: كره أكله ابن سيرين، قال أحمد: ولهذا كرهه الإمام الشافعي، فقال: لا يجوز أكل الترياق المعمول من لحم الحيات، إلا أن يكون بحال الضرورة، بحيث يجوز له أكل الميتة وأما السمك الذي في البحر على شكلها فحلال، كما تقدم. وأمر النبي ﷺ بقتل الحيات أمر ندب. روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في غار بمنى، وقد أنزلت عليه والمرسلات عرفا، فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال ﷺ : «وقاها الله شركم كما وقاكم شرها «١» . وعداوة الحية للإنسان معروفة قال الله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ* «٢» قال الجمهور الخطاب لآدم وحواء والحية وإبليس. وروى قتادة: ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما سالمناهن منذ عاديناهن» «٣» . وقال ابن عمر ﵄: من تركهن فليس منا. وقالت عائشة ﵂: من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي سنن البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الحية فاسقة والعقرب فاسقة والفأرة فاسقة والغراب فاسق» «٤» . وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا بالله، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا» «٥» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إن الحيات مسخت كما مسخت القردة من بني إسرائيل» «٦» . وكذا رواه الطبراني عنه عن رسول الله ﷺ ، وكذا رواه ابن حبان. وأما الحيات التي في البيوت، فلا تقتل حتى تنذر ثلاثة أيام، لقوله ﷺ : «إن بالمدينة جناقد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام» «٧» . وحمل بعض العلماء ذلك على المدينة وحدها. والصحيح أنه عام في كل بلدة لا تقتل حتى تنذر. روى مسلم ومالك في أواخر الموطأ وغيرهما، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجدته يصلي، فجلست أنتظر فراغه فسمعت حركة تحت سرير في ناحية البيت فالتفت، فإذا حية فوثبت

стр. 396

لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ قلت: نعم قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ ، عند انتصاف النهار، ويرجع إلى أهله، فاستأذن يوما فقال ﷺ : «خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة» . فأخذ الفتى سلاحه، ثم رجع إلى أهله فوجد امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وقد أصابته الغيرة، فقالت: أكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني منه، فدخل فإذا حية عظيمة مطوقة على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج به فركزه في الدار فاضطربت عليه، وخر الفتى ميتا. فما ندري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا النبي ﷺ فأخبرناه بذلك، وقلنا ادع الله أن يحييه، فقال: «استغفروا ربكم لصاحبكم» . ثم قال «١» : «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهن شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإذا بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» . وقد اختلف العلماء في الإنذار، هل هو ثلاثة أيام، أو ثلاث مرات. والأول هو الذي عليه الجمهور. وكيفيّته: أن يقول: أنشدكنّ بالعهد الذي أخذه عليكن نوح وسليمان عليهما الصلاة والسلام أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا. وفي أسد الغابة عن عبد الرحمن بن أبي يعلى أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ظهرت الحية في المسكن، فقولوا لها: إنا نسألك بعهد نوح وبعهد سليمان بن داود عليهم الصلاة والسلام لا تؤذينا فإن عادت فاقتلوها» «٢» . وروى الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن عقبة بن عامر بن عبد قيس الفهري، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو ابن خالة عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، لما فتح إفريقية، وقف على موضع القيروان، وهو واد كثير الحيات، وقال: يا أهل الوادي إنا حالون، إن شاء الله تعالى، قاطنون، ثلاث مرات، قال: فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا خرج من تحته حية حتى هبطن بطن الوادي ثم قال: انزلوا بسم الله. فعمروا القيروان. وكان عقبة مجاب الدعوة وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجان وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الجميع والأولى الإنذار. من الفوائد العجيبة المجربة ما أخبرني به بعض مشايخي، أنه يكتب على أربع ورقات، وتوضع كل ورقة في قرنة من قرن البيت فإن الحيات تهر بن منه ولا تدخله حية بإذن الله تعالى وهو هذا: ١ ١ ٦ ١ ١ ١ ٨ ٧ ١ رح ٥ ٥ ٧ ١ ١ ٥ ١ ١ وو ٧ وو ١ ٥ ر و ١ ١ م ١ ١ ح ١ ١ ١ ح ط ٥ هـ- ٨ وفي الإحياء من كتاب آداب السفر يستحب لمن أراد لبس الخف، في حضر أو سفر، أن ينكس الخف، وينفض ما فيه، حذرا من حية أو عقرب أو شوكة، واستدل له بحديث أبي إمامة الباهلي ﵁ الآتي في باب الغين المعجمة، في الكلام على لفظ الغراب، وفي فتاوى

стр. 397

الإمام النووي: إذا اصطاد الحاوي حية وحبسها معه على عادتهم، فلسعته فمات هل يأثم؟ فأجاب. إن صادها ليرغب الناس، في اعتماد معرفته، وهو صادق في صنعته، ويسلم منها في ظنه، ولسعته فمات لم يأثم. وإن انفلتت وأتلفت شيئا لم يضمنه. وروى الإمام أحمد، في الزهد، أن حاويا معه حيات في خرج، نزل بقوم من أهل اليمن، فخرج بالليل بعض الحيات، فلسعت بعض أهل المنزل فقتلته. فكتب بذلك عامل اليمن إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فقال: لا شيء عليه لكن مره إذا نزل بقوم أن يخبرهم بما معه، وفي كتاب الأربعين على مذهب المحققين من الصوفية، للإمام الحافظ أبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني، بإسناده إلى عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، قال: أخذ النبي ﷺ بعمامتي من ورائي، وقال: «يا عمران إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار فأنفق وأطعم، ولا تعسر فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله يحب البصير الناقد عند هجم الشبهات، والعقل الكامل عند نزول البليات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية» . الأمثال: قالوا: «فلان أسمع من حية وأعدى من حية» «١» . وهو من العدو لأنها تسرع إلى جحرها إذ أراعها شيء. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها» «٢» . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ ، قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها» . أي مسجدي مكة والمدينة، ومعنى يأرز ينضم ويجتمع بضعه إلى بعض، ومعناه أن المؤمن إنما يسوقه إلى المدينة إيمانه ومحبته للنبي ﷺ . ويحتمل أن يكون المراد بذلك: عصمة المدينة من الدجال والفتن، فيكون الإسلام فيها موقرا، ويحتمل أن يكون المراد بذلك رجوع الناس إلى سنة رسول الله ﷺ ومنها ظهرت ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن الدين يؤخذ من علمائها وأئمتها، وكذلك كان. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم، في لفظ المطية حديث الترمذي إن النبي ﷺ قال: «يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» . وقالوا: «أبغض من ريح السذاب إلى الحيات» «٣» ، وقالوا: «الحية من الحيية» . أي الأمر الكبير من الصغير، وربما قالوا: «الحيوت من الحية» وهذا كقولهم: «العصا من العصية» «٤» . وقد جاء معنى المثلين في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً «٥» . كذا ذكره ابن الجوزي وغيره. الخواص: قال عيسى بن علي: ناب الحية إذا قلع في حياتها وعلق على صاحب حمى الربع

стр. 398

تزول عنه، وإن علق على من به وجع الأسنان نفعه وسكن وجعها. ولحمها يحفظ الحواس، ومرق لحمها يقوي البصر، ولحوم الحيات من حيث الجملة يسخن ويجفف وينقي البدن ويحلل منه أسقاما. وسلخها إذا وضع في ثياب لم تسوس، وإن أحرق وعجن بزيت طيب وحشي به الضرس المتآكل الوجع أبرأه. وإن سحق مع رأسها وجعل على داء الثعلب، أنبت الشعر. وقال يحيى بن ماسويه: يؤخذ سلخ حية مقلي وقشور أصل الكبر وزراوند طويل وبلادر، أجزاء متساوية، ويبخر به صاحب البواسير الظاهرة والباطنة المتعلقة، فإنها تسقط. وقال غيره: سلخ الحية ومقل أزرق يبخر بها البواسير الظاهرة والخفية فتبرأ. وبيض الحية يدق مع بورق وخل، ويطلى به البرص الجديد يقطعه. وسلخ الحية إذا عجن بثلاث تمرات وأطعم لمن به الثآليل ذهبت عنه، وإن أكله من ليس به ثآليل لم تخرج أبدا وقلبها يذهب حمى الربع تعليقا. فائدة: روى ابن أبي شيبة وغيره أن فريكا قدم على رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فسأله ﷺ ما أصابه؟ فقال: كنت أمرن جملا فوقفت على بيض حية، ولم أشعر فأصبت ببصري، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه، فأبصر فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة، وإن عينيه مبيضتان. التعبير: الحية في المنام تعبر بأشياء كثيرة فهي عدو ودولة وحياة وسيل وولد وامرأة. فمن نازع حية، وهي تريد أن تنهسه فإنه ينازع عدوا له لقوله «١» تعالى: اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ* فإن رأى أنه أخذ حية ولم يخف منها، وصرفها حيث يشاء، فإنه ينال دولة ونصرة، لأن موسى ﵊، نال بها النصرة على فرعون. ومن رأى أن حية خرجت من فمه، وكان مريضا، فإنه يموت لأنها حياته وقد خرجت من فمه. ومن رأى حيات تمشي في خلاف الشجر أو الزرع، فإنها سيول لأنهم شبهوا جريان الماء بالحيات، هذا إذا كان جريها بلا نفخ ولا إحراق شيء. ومن قتل حية على فراشه ماتت امرأته. ومن رأى امرأته حاملا ووضعت حية، أتاه ولد عاق. ومن رأى حية ميتة فإنه عدو قد كفاه الله شره. ومن عضته حية فورم موضع العضة نال مالا لأن السم مال، والورم زيادة فيه. ومن أكل لحم حية مطبوخا، نال مال عدوه، ومن أكله نيأ اغتاب عدوه. ومن رأى حية نزلت من مكان فإن ذلك موت رئيس ذلك المكان. ومن رأى حية ابتلعته، فإنه ينال سلطانا ومن رأى كأنه يتخطى الحيات ولا تنهسه، فإنه يأمن أعداءه، وإن كان مسجونا خرج من سجنه. ورؤية الحيات الكثيرة في الطرق وهي تمنع الناس بنفخها ونهسها فإن ذلك ظلم من السلطان. ومن رأى كأن الحيات قد فقدن من مكان، فإن الوباء والموت يكثر في ذلك المكان لأن الحيات هي الحياة ومن رأى كأن حية تكلمه، فإنه ينال سرورا. ومن رأى كأنه ملك حية ملساء، وصرفها حيث شاء، فإنه ينال غنى وسعادة. والسود من الحيات أعداء لهم قوة، فمن ملك حية سوداء نال ملكا وولاية. والبيض أعداء ضعاف، والثعبان يدل على العداوة في الأهل والأزواج والأولاد. وربما كان جارا شريرا حسودا. والتنين يدل على سلطان جائر مهاب أو نار محرقة. والأصلة تدل على امرأة ذات نسل وأصل وعمر طويل. والشجاع يدل على امرأة

стр. 399

باذلة أو ولد جسور. والأفاعي تدل على أقوام أغنياء، لكثرة سمها. والناشر يدل على الهم، أو على رجل محارب غيور. وحيات البيوت خسران. وحيات البوادي قطاع الطريق، وحيات الماء مال فمنشد وسطه بحية منها فإنه شده بهميان. وحيات البطن أعداء من الأهل والأقارب. فمن رمى حية فإنه يفارق شخصا من أقاربه خبيثا كان يواكله. والله أعلم. الحيوت: كسفّود ذكر الحيات. الحيدوان: الورشان. وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب الواو. الحيقطان: بضم القاف ذكر الدرّاجة. الحيوان: جنس الحي والحيوان: الحياة والحيوان ماء في الجنة قاله ابن سيده. والحيوان نهر في السماء الرابعة يدخله ملك كل يوم، فيغمس فيه ثم يخرج، فينتفض انتفاضة، يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يطوفوا بالبيت المعمور، فيطوفون به ثم لا يعودون إليه أبدا، ثم يقفون بين السماء والأرض يسبحون الله تعالى إلى يوم القيامة. كذا رواه روح بن جناح مولى الوليد بن عبد الملك، الذي روى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» وحديثه «١» هذا في كتابي الترمذي وابن ماجه. وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ «٢» أي ليس فيها إلا حياة دائمة مستمرة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر حيي، وقياسه حييان فقلبوا الياء الثانية واوا كما قالوا: حيوة في اسم رجل، وبه سمي ما فيه حياة حيوانا، وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة وهو ما في بناء فعلان من الحركات، ومعنى الاضطراب كالنزوان، وما أشبه ذلك. والحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على ذلك مبالغة في معنى الحياة. وقال ابن عطية: الحيوان والحياة بمعنى واحد. وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه. والمعنى لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن. ويقال: الأصل حييان بياءين، فأبدلت إحداهما واوا لاجتماع المثلثين. وقال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام شيء يمشي، وشيء يطير، وشيء يعود، وشيء ينساخ في الأرض. إلا أن كل شيء يطير يمشي، وليس كل شيء يمشي يطير. فأما النوع الذي يمشي، فهو على ثلاثة أقسام: ناس وبهائم وسباع، والطير كله سبع وبهيمة وهمج. والخشاش ما لطف جرمه وصغر جسمه، وكان عديم السلاح. والهمج ليس من الطيور، ولكنه يطير وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي. والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة ما أكل الحب خالصا والمشترك كالعصفور، فإنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وهو يلتقط الحب، ومع ذلك يصيد النمل، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم. ولا يزق فراخه كما يزق الحمام، فهو مشترك الطبيعة، وأشباه العصافير من المشترك كثيرة، وليس كل ما طار بجناحين من الطير. فقد يطير الجعلان والذباب والزنابير والجراد والنمل والفراش والبعوض والأرضة والنحل وغير ذلك، ولا تسمى طيورا، وكذلك الملائكة تطير ولها أجنحة، وليست من الطير، وكذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة، وليس من الطير انتهى. وفي

стр. 400

الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ » قال: «لعن الله من مثل بالحيوان» . وفي رواية «لعن الله من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا» «٢» . وفي رواية «نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم» «٣» . قال العلماء تصبير البهائم هو أن تحبس وهي أحياء لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى قوله: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» أي يرمى إليه كالغرض من الجلود وغيرها. وهذا النهي للتحريم لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته، إن كان مذكى، ولمنفعته إن لم يكن مذكى. تتمة: في كتاب التنوير في إسقاط التدبير، قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري وإنما خص الله تعالى الحيوان بالافتقار إلى التغذية، دون غيره من الموجودات، لأنه تعالى وهب للحيوان من صفاته ما لو تركه من غير فاقة لا دعى الربوبية، أو ادعى فيه ذلك فأراد الحق سبحانه، وهو الحكيم الخبير، أن يحوجه إلى مأكل ومشرب وملبس وغير ذلك، من أسباب الحاجة، ليكون تكرار أسباب الحاجة منه سببا لخمود الدعوى منه أو فيه. الحكم: يصح السلم في الحيوان، لأنه يثبت في الذمة ثمنا وصداقا، وفي إبل الدية. وصح أن النبي ﷺ استسلف بكرا ومنع أبو حنيفة ﵁ ذلك. لأن ابن مسعود ﵁ كرهه، ولأنه لا ينضبط بالصفة لنا ما روى أبو داود والحاكم على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه قال «٤» : «أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بعيرا ببعيرين إلى أجل» وروى البيهقي عن علي ﵁، أنه باع جملا له يدعى عصفور بعشرين بعيرا إلى أجل واشترى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة. رواه مالك في الموطأ في البخاري بغير إسناد. الربذة بالذال المعجمة موضع على ثلاث مراحل من المدينة وأما الحديث الذي رواه الحسن عن سمرة ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» «٥» فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال علي بن المديني وغيره. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم في منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه قال أحمد. وقد رخص بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهو قول الشافعي وإسحاق وقال الخطابي: النهي في حديث سمرة محمول على ما إذا كان نسيئة من الطرفين، فيكون من باب الكالىء بالكالىء بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور وقال مالك: إذا اختلفت أجناس الحيوان جاز بيع بعضه ببعض نسيئة وإن تشابهت لم يجز وقال في الإحياء تكره التجارة في الحيوان لأن المشتري يكره قضاء الله فيه، وهو الموت الذي هو بصدده لا محالة. وقيل: بيع الحيوان واشتر الموتان. ويضمن سائر الحيوان إذا

стр. 401

أتلف بالقيمة لما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد، فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد» . وإلا فقد عتق منه ما عتق فأوجب القيمة في العبد بالإتلاف بالعتق، ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه، وتضمن أعضاء الحيوان بما نقص من قيمته. وأوجب أبو حنيفة في عين الإبل والبقر والخيل ربع القيمة وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفحل، أثر يشهد لذلك من حديث عروة البارقي وأوجب مالك ﵀ في قطع ذنب حمار ذي الهيئة وذنب بغلته تمام القيمة ويأخذ المتلف العين. الخواص: الخصي من الحيوان أبرد من فحله، وإذا كان سمينا كان لذيذا مرطبا ملينا للطبيعة، بطيء الانحدار، وما كان مهزولا فبالضد إلا أنه سريع الإنحدار. أجوده حولي المعز ومنفعته سرعة الانهضام، ومضرته أنه يرخي المعدة، ودفع مضرته شرب مياه الفواكه القابضة. وهو يولد دما معتدلا يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة من الشبان. ومن الأزمان زمان الربيع. ويجب أن يعلم أن أفضل لحوم الحيوان ما كان معتدلا في الهزال والسمن. وأجود اللحوم لحم الضأن المتناهي الشباب والبقر التي لم تبلغ سن الشباب والخصي من المعز وأجوده على الإطلاق الضأن. التعبير: من كلمه حيوان من الدواب أو الطير وفهم كلامه، فإنه كما قال. وربما دل على وقوع أمر منه يعجب الناس له، وإن لم يفهم ما قاله فليحذر على مال يذهب منه، لأن الحيوان مأكله، وقد تكون هذه الرؤيا باطلة، فلا ينبغي أن يفتش عنها، وجلود سائر الحيوان ميراث. وقيل: الجلود بيوت لمن ملكها لقوله «١» تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً وربما دلت جلود الحيوان كالسمور والسنجاب والوشق والقاقم والفنك والنمس والثعلب والأرنب والفهد للجلوس، وأشباه ذلك على النعمة الطائلة، والأموال والأرزاق، وعلو الشأن لمن لبسها في المنام أو رآها عنده، أو ملكها. وإذا رأى الأنسان كأن جلده سلخ، وكان مريضا، فإنه يموت وإلا افتقر وافتضح. وربما دلت الجلود على ما يعمل منها فجلود الإبل تدل على الطبول، وجلود الضأن على الكتابة والمعز على النطوع، وجلود البقر على الأوطئة والدلاء والسيور، وجلود الخيل والبغال والحمير على الأوعية والأسقية، وجلود الجاموس على الحصون. وأما الأصواف والأوبار والأشعار فكل ذلك دال على الفوائد والأرزاق والملابس، وأموال موروثة وغير موروثة أو مغتصبة. وأما القرون فتدل رؤيتها على الأعوام والسنين، أو السلاح أو ما يتجمل به من الأموال والأولاد والعز والجاه. وأما أنياب الفيل وعظمه، فإن ذلك دال على تركة من هلك من الملوك والزعماء. وأما أظلاف الحيوان فإنها تدل على الكد والسعي والاجتماع بين المرأة وزوجها، والوالدة وولدها. والظلف في الصورة هاء مشقوقة وأما الأخفاف فقوة سفر وربما دل الخف في استدارته على العدو أو السقم أو التمهيد للأمور والتوطئة الحسنة. وأما الأذناب فإنها دالة على ما دل الحيوان عليه، ومن يساعده في مصالحه، ويذب عنه ما يخشاه. وأما أصوات الحيوان، فنذكرها هنا مفصّلة: فأما ثغاء

стр. 402

الشاة فلطافة من امرأة وصديق أو بر من رجل كريم. وأما ثغاء الجدي والكبش والحمل، فسرور وخصب. وأما صهيل الفرس، فهو هيبة من رجل شريف أو جندي شجاع. وأما نهيق الحمار، فسفه من رجل سفيه. وأما شحيج البغل، فصعوبة من رجل صعب المرام. وأما خوار العجل والثور والبقر فوقوع في فتنة. وأما رغاء الإبل، فسفر طويل في حج أو تجارة رابحة أو جهاد. وأما زئير الأسد، فخوف وهيبة لمن سمعه من ملك ظلوم. وأما ضغاء الهرة، فشهرة من خادم لص أو فاجر. وأما نهيز الفأرة، فضرب من رجل نقاب أو فاسق أو سرقة. وأما بغام الظبي، ففائدة من امرأة حسناء. وأما عواء الكلب، فخجل من سعى في الظلم. وأما عواء الذئب، فجور من لص غشوم. وأما صياح الثعلب، فكيد من رجل كذاب، أو امرأة كذابة. وأما وعوعة ابن آوى، فصراخ نساء أو ضجة المحبوسين اليائسين. وأما صياح الخنزير، فظفر بأعداء حمقى. وأما صوت الفهد، فتهدد من رجل مذبذب طامع ويظفر به من سمعه. وأما نقيق الضفدع، فدخول في عمل رجل عالم أو رئيس أو سلطان، وقيل: إنه كلام قبيح. وأما فحيح الحية فكلام من عدو كاتم للعداوة، ثم يظفر به من سمعه، ومن كلمته الحية بكلام لطيف فإنه عدو يخضع له ويتعجب الناس لذلك. أم حبين: بحاء مهملة مضمومة، وباء موحدة مفتوحة مخففة: دويبة مثل ابن عرس وابن آوى وسام أبرص وابن قترة، إلا أنه تعريف جنس وربما أدخل عليه الألف واللام ثم لا يكون بحذفهما منه نكرة، وإنما سميت بذلك من الحبن، تقول: فلان به حبن فهو أحبن أي مستسقي فشبهت بذلك لكبر بطنها. وهي على خلقة الحرباء غير الصدر وقيل هي أنثى الحرابي وهما أما حبين وهن أمهات حبين. وهي دابة على قدر الكف تشبه الضب غالبا، قاله أبو منصور الأزهري ما نقله من كونها أنثى الحرابي، هو الذي نقله صاحب الكفاية. فإنه قال: الحرباء ذكر أم حبين، وقال ابن السكيت: هي أعرض من العظاءة وفي رأسها عرض، وقال أبو زيد: إنها غبراء لها أربع قوائم على قدر الضفدعة التي ليس بضخمة، فإذا طردها الصيادون قالوا لها: أم حبين انشري برديك ... إن الأمير ناظر إليك وضارب بسوطه جنبيك فيطردونها حتى يدركها الإعياء، فتقف منتصبة على رجليها وتنشر جناحيها، وهما أغبران على مثل لونها، فإذا زاد في طردها نشرت أجنحة من تحت ذينك الجناحين، لم ير أحسن منهن ما بين أصفر وأحمر وأخضر وأبيض وهي طرائق بعضها فوق بعض، مثل أجنحة الفراش في الرقة، فإذا رآها الصيادون قد فعلت ذلك تركوها. وقال علي بن حمزة: الصحيح عندي إن هذه صفة أم عويف. وستأتي في باب العين المهملة إن شاء الله تعالى. وقال ابن قتيبة: أم حبين تستقبل الشمس، وتدور معها كيف دارت، وهذه صفة الحرباء. وقال في المرصع: اختلف في أم حبين، فقيل: هي ضرب من العظاء وقيل: هي أعرض منها وقيل: هي أنثى الحرابي، يتحاماها الأعراب فلا يأكلونها لنتنها. انتهى. وما ذكره ابن قتيبة من كون أم حبين ضربا من العظاء فيه نظر، فإن العظاء نوع من الوزغ، كما ذكره أهل اللغة، ويقال لها حبينة معرفة بلا ألف ولام، تقع

стр. 403

على الواحد والجمع وقد تجمع على أم حبينات، وأمهات حبين، وأمات حبين، ولم ترد إلا مصغرة. وفي حديث عقبة ﵀: «أتموا صلاتكم ولا تصلوا صلاة أم حبين» وفسروه بأنها إذا مشت تطأطىء رأسها كثيرا، وترفعه لعظم بطنها فهي تقع على رأسها وتقوم. فشبه بها صلاتهم في السجود. وفي الحديث أنه ﷺ رأى بلالا وقد خرج بطنه فقال: «أم حبين» . تشبيها له بها. وهذا من مزحه ﷺ قال الجاحظ: قال أبو زيد النحوي: سمعت أعرابيا يقول لأم حبين: حبينة وحبينة اسمها. وحبين تصغير أحبن وهو الذي استلقى على ظهره ونفخ بطنه. الحكم: الحل لأنها من الطيبات ولأنها تفدى في الحرم والإحرام إذا قتلت بحلان كما تقدم. ومن قواعد الشافعي لا يفدى إلا المأكول البري. وحكى الماوردي فيها وجهين: وقال: إن الحل مقتضى قول الشافعي، ومقتضى ما قاله ابن الأثير في المرصع: إنها حرام. وفي التمهيد لابن عبد البر، عن جماعة من أهل الأخبار أن مدنيا سأل أعرابيا فقال: أتأكلون الضب؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ قال: نعم. قال: فالقنفذ؟ قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أم حبين؟ قال: لا. قال: فليهنىء أم حبين العافية انتهى. والجواب أن هذا راجع لما اعتادوا أكله وترك أكله، خاصة لا أنها حرام على أنه لم يثبت ذلك. أم حسان: دويبة على قدر كف الإنسان. أم حسيس: بضم الحاء المهملة، دويبة سوداء من دواب الماء لها أرجل كثيرة. أم حفصة: الدجاجة الأهلية. أم حمارس: بفتح الحاء المهملة الغزالة قاله ابن الأثير والله الموفق للصواب. باب الخاء المعجمة الخازباز: والخزباز لغة فيه. قال الجوهري: إنه ذباب، وهما اسمان جعلا اسما واحدا وبنيا على الكسر لا يتغيران في الرفع والنصب والجر قال ابن أحمر: تفقأ فوقه القلع السواري ... وجن الخازباز به جنونا جوز فيه الجوهري أن يكون من جن الذباب إذا كثر صوته، وأن يكون من جن النبت جنونا إذا طال. واستعمله المتنبي كذلك في قوله «١» : كلما جادت الظنون بوعد ... عنك جادت يداك بالإنجاز ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز «٢» ولنا القول وهو أدرى بفحوا ... وأهدى فيه إلى الإعجاز ومن الناس من تجوز عليه ... شعراء كأنها الخازباز «٣» ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائع العكاز

стр. 404

وقال الأصمعي: الخازباز حكاية لصوت الذباب، فسماه به وقال ابن الأعرابي: إنه نبت. وأنشد ابن نصير تقوية لقول ابن الأعرابي: رعيتها أكرم عود عودا ... الصّل والصفصل واليعضيدا «١» والخازباز السنم النجودا ... بحيث يدعو وعامر مسعودا وعامر ومسعود راعيان. قال وهو في غير هذا داء يأخذ الإبل في حلوقها والناس قال الراجز: يا خازباز أرسل الهازما ... إني أخاف أن تكون لازما «٢» وقيل وهو السنور. حكاه أبو سعيد. فإن كان ذبابا أو سنورا فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. الأمثال: قالت العرب: «الخازباز أخصب» «٣» قال الميداني: إنه ذباب يطير في الربيع يدل على خصب السنة والله أعلم. خاطف ظله: طائر من جنس العصافير. قال الكميت بن زيد: وريطة فتيان كخاطف ظله ... جعلت لهم منها خباء ممددا وقال ابن سلمة: هو طائر يقال له الرفراف، إذا رأى ظله في الماء أقبل عليه ليخطفه. وهذه صفة ملاعب ظله وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم. الخاطف: الذئب وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الذال المعجمة. الخبهقعي: بفتح الخاء والباء والعين مقصورة وتمد: ولد الكلب من الذئبة، وبه سمي أبو الخبهقعي أعرابي من بني تميم. الخثق: بفتح الخاء والثاء المثلثة قال ارسطا طاليس في النعوت: إنه طائر عظيم. يكون ببلاد الصين وبابل وأرض الترك ولم يره أحد حيا إذ لا يقدر عليه أحد في حال حياته، ومن شأنه أنه إذا شم رائحة السم خدر وعرق وذهب حسه. وقال غيزه: إن له في مشتاه ومصيفه سموما كثيرة في طريقه فإذا شم رائحة السم خدّر وسقط ميتا، فتؤخذ جثته، ويجعل منها أوان ونصب للسكاكين. فإذا شم العظم رائحة السم، رشح عرقا فيعرف به الطعام المسموم. ومخ عظام هذا الطائر سم لكل حيوان والحية تهرب من عظامه فلا تدرك. الخدارية: بضم الحاء وبالدال المهملة العقاب. سميت بذلك للونها وبعير خداري، أي شديد السواد ومنه لون خداري، وما أحسن قول الميداني في خطبة «٤» كتابه

стр. 405

مجمع الأمثال: فإن أنفاس الناس لا يأتي عليها الحصر، ولا تنفد حتى ينفد العصر، وأنا أعتذر للناظر في هذا الكتاب من خلل يراه، أو لفظ لا يرضاه، فأنا كالمنكر لنفسه، المغلوب على حسه وحدسه، منذ حط البياض بعارضي رحالة، وحال الزمان على سوادهما فأحاله، وأطار من وكرها متي الخدارية، وأنحى على عود الشباب فمص ريّه، وملك يدا الضعف زمام قواي وأسلمني من كل يحطب في حبل هواي. فكأني المعني بقول الشاعر: وهت عزماتك عند المشيب ... وما كان من حقّها أن تهي وأنكرت نفسك لما كبرت ... فلا هي أنت ولا أنت هي وإن ذكرت شهوات النفوس ... فما تشتهي غير أن تشتهي الخدرنق: العنكبوت وفي دالة الإهمال والإعجام في درة الغواص. الخراطين: قيل: هي الأساريع، والصواب أنها شحمة الأرض وستأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة وقيل: إنها العلق الكبار الطوال التي تكون في المواضع الندية من الأرض وهي إذا قليت بالزيت، ثم سحقت ناعما وتحمل بها صاحب البواسير نفعته، وإذا أخذ منها شيء وجعل في زيت ودفن سبعة أيام ثم أخرج ورمي من الزيت حتى تذهب رائحته ووضع في قارورة ووضع فيها مقدار نصفها شقائق النعمان، ثم يدفن سبعة أيام ويخرج، فمن اختضب به أسود شعره ولم يشب سريعا. الخرب: بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة وبالباء الموحدة: ذكر الحبارى، والجمع خراب وأخراب وخربان. ذكر أبو جعفر أحمد بن جعفر البلخي أن الرشيد جمع بين أبي الحسن الكسائي وأبي محمد اليزيدي ليتناظرا بين يديه فسأل اليزيدي والكسائي عن إعراب قول الشاعر: ما رأينا قط خربا ... نقرعنه البيض صقر لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر؟ فقال الكسائي: يجب أن يكون المهر منصوبا على أنه خبر كان. ففي البيت على هذا اقواء. فقال اليزيدي: الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله لا يكون، ثم استأنف فقال: المهر مهر. ثم ضرب الأرض بقلنسوته وقال: أنا أبو محمد. فقال له يحيى بن خالد: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين وتسفه على الشيخ؟ فقال له الرشيد: والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه، أحب إلي من صوابك مع قلة أدبك. فقال: يا أمير المؤمنين إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ فأمر بإخراجه. واجتمع الكسائي ومحمد بن الحسن الحنفي يوما في مجلس الرشيد فقال الكسائي: من تبحر في علم اهتدى لجميع العلوم. فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو هل يسجد مرة أخرى؟ قال: لا. قال: لماذا؟ قال: لأن النحاة تقول: المصغر لا يصغر. قال: فما تقول في تعليق العتق بالملك؟ قال: لا يصح. قال: لم؟ قال: لأن السيل لا يسبق المطر. وتعلم النسائي النحو على كبر سنه وذلك أنه مشى يوما حتى أعيا فجلس، فقال: قد عييت، فقيل له: قد لحنت. قال: كيف؟ قيل: إن كنت أردت التعب فقل: أعييت، وإن كنت أردت انقطاع الحيلة، فقل: عييت! فأنف من قولهم لحنت، واشتغل بعلم النحو حتى مهر وصار إمام وقته فيه. وكان مؤدب الأمين والمأمون

стр. 406

وكان له اليد العظمى والوجاهة التامة عند الرشيد وولديه. توفي الكسائي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة في يوم واحد سنة تسع وثمانين ومائة ودفنا في مكان واحد. فقال الرشيد دفن ههنا العلم والأدب. الأمثال: قالوا: «ما رأينا صقرا يرصده خرب» . يضرب للشريف يقهره الوضيع. الخرشة: بالتحريك الذبابة قاله الجوهري ومنه سماك بن خرشة الإخباري، سميت أمه بإسم تلك الذبابة ومنه أبو خراشة السلمي في قول عباس بن مرداس «١» : أبا خراشة أما أنت ذا نقر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع «٢» أي السنة المجدبة ومنه خرشة بن الحر الفزاري الكوفي. مات سنة أربع وسبعين كان يتيما في حجر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو الذي روي عنه أن رجلا شهد عند فقال له: إني لا أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك إلى آخر القصة ووقع في المهذب في ذلك غلظ وتصحيف. الخر شقلا: السمك البلطي. وفي الخبر: لولا الخرشقلا لوجدت أوراق الجنة في ماء النيل. الخرشنة: طائر أكبر من الحمام وسيأتي ذكره في باب الكاف إن شاء الله تعالى. الخرق: بضم الخاء وتشديد الراء المهملة وبالقاف في آخره نوع من العصافير ذكره الجاحظ. الخرنق: بكسر الخاء المعجمة ولد الأرنب وبه سمي الخرنق الشاعر الذي كان في زمن التابعين. وأرض مخرنقة أي ذات خرانق وقالوا: «ألين من خرنق «٣» » . وكان للنبي ﷺ درع يقال لها الخرنق للينها، ودرع أخرى يقال لها البتيراء لقصرها، وأخرى يقال لها ذات الفضول، سميت به لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وهذه هي التي رهنها عند اليهودي، فافتكها منه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأخرى يقال لها ذات الوشاح وذات الحواشي، وأخرى يقال لها فضة والسغدية، بالسين المهملة والغين المعجمة. قال الحافظ الدمياطي: وكانت السغدية درع داود ﵊ التي لبسها حين قتل جالوت وكانت عمله بيده. قال الكلبي وغيره في قوله تعالى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ «٤» يعني صنعة الدروع وكان يصنعها ويبيعها، وكان ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده. وقيل: منطق الطير، وكلام البهائم، وقيل: هو الزبور. وقيل: الصوت الطيب والألحان، فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته. وكان ﵊ إذا قرأ الزبور تدنو منه الوحوش، حتى يأخذ بأعناقها، وتظله الطير مصيخة له، ويركد الماء الجاري وتسكن الريح. روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: إن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة، ورأسها عند صومعته، وقوتها قوة الحديد ولونها لون النار، وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مسورة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث، إلا صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث. ولا يمسها ذو عاهة إلا

стр. 407

برأ وكان بنو إسرائيل يتحاكمون إليها بعد داود، فمن تعدى على صاحبه، أو أنكر له حقا أتى إلى السلسلة، فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فنالها، ومن كان كاذبا لم ينلها، وكانت كذلك إلى إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة. فروي عن غير واحد أن ملكا من ملوك بني إسرائيل، أودع عند رجل جوهرة ثمينة ثم طلبها فأنكر الرجل، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الرجل الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها. فلما حضر إلى السلسلة قال صاحب الجوهرة: رد علي وديعتي، فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقا فتناول السلسلة، فأتاها فتناولها بيده، فقيل للمنكر: قم أنت وتناولها، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها لي حتى أتناول السلسلة، ثم أتاها فتناولها بعد أن قال: أللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة، ثم مد يده فتناولها، فتعجب القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. قال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد أن قتل جالوت سبعين سنة، ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود، وجمع الله لداود بين الملك والنبوة، ولم يجتمع ذلك لأحد من قبله، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، وقبضه الله تعالى وهو ابن مائة سنة ﷺ . قال الحافظ الدمياطي: ودرعان أصابهما من بني قينقاع، فهذه تسع أدرع. وكان ﷺ قد لبس يوم أحد فضة وذات الفضول، ويوم حنين ذات الفضول والسغدية والله أعلم. الخروف: معروف، وهو الحمل وربما سمي به المهر إذا بلغ ستة أشهر. حكاه الأصمعي. وفي الميزان للإمام الذهبي، في ترجمة عثمان بن صالح السهمي، أنه روي عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: مرت بالنبي ﷺ نعجة فقال: «هذه التي بورك فيها وفي خروفها» . قال أبو حاتم: هذا حديث موضوع أي كذب. الأمثال : قالوا «١» : «كالخروف يتقلب على الصوف» . يضرب للرجل المكفي المؤنة. التعبير: الخروف في الرؤيا يدل على ولد ذكر طائع لوالديه، فمن وهب له خروف وله امرأة حامل أتاه ولد ذكر وجميع الصغار من الحيوان في الرؤيا هموم، لأنها تحتاج إلى كلفة في التربية هذا إذا لم ينسبوا إلى الأولاد. وقيل: الخروف دليل خير لمن أراد الموافقة في أمر يطلبه، لأن الخروف سريع الأنس إلى بني آدم، ومن ذبح خروفا لغير الأكل مات ولده، والخروف المشوي السمين مال كثير والهزيل مال قليل. ومن أكل شواء خروف فإنه يأكل من كد ولده والله أعلم. الخزز: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي الأولى ذكر الأرانب الجمع خزان مثل صرد وصردان. الخشاش: بفتح الخاء المعجة هوام الأرض وحشراتها، وقيل: صغار الطير وحكى القاضي عياض فتح الخاء وضمها وكسرها. وحكى أبو علي الفارسي فيها الضم أيضا، وجعل الزبيدي ضمها من لحن العامة. والفتح هو المشهور وواحد الخشاش خشاشة، وقيل: الخشاش دابة تكون

стр. 408

في جحر الأفاعي والحيات منقطة بياض وسواد. وقيل: الخشاش الثعبان العظيم وقيل: حية مثل الأرقم وقيل حية خفيفة صغيرة الرأس، وفي الحديث «١» الصحيح: «أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلم تطعمها شيئا ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» . أي هوامها وحشراتها، وقال الحسن بن عبد الله بن سعد العسكري «٢» في كتاب التحريف والتصحيف: الخشاش بالفتح النذل من كل شيء مثل الرخم من الطير وكل ما لا يصيد وأنشد «٣» . خشاش الأرض أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور والمعروف في البيت بغاث الطير أكثرها فراخا. روى ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان، من حديث أبي الدرداء، ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب، وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليه الحساب والعقاب. وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف كالملائكة فهم في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله» . وقال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحدهم حتى نفتنه عن دينه، ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كل شيء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، وصنف منهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شيء. الخشاف: لغة في الخفاش. الخشرم: الزنابير. قال الأصمعي لا واحد له من لفظه. الخشف: بضم الخاء وفتح الشين المعجمة الذباب الأخضر. والخشف بكسر الخاء وإسكان الشين المعجمة ولد الظبي بعد أن يكون جداية وقيل: هو خشف أوّل ما يولد والجمع خشفة. قال ابن سيده وروى جرير عن ليث قال: صحب رجل عيسى بن مريم ﵊ فقال: أكون معك يا نبي الله وأصحبك، فانطلقا حتى أتيا إلى شط نهر، فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف، فقام عيسى ﵊ إلى النهر، فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ فقال: لا أدري. قال: فانطلق ومعه صاحبه. فرأى ظبية ومعها خشفان لها، فدعا أحدهما فأتاه فذبحه وشوى من لحمه وأكل هو والرجل، ثم قال للخشف: قم بإذن الله فقام وذهب. فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ فقال: لا أدري فسارا حتى انتهيا إلى نهر، فأخذ عيسى بيد الرجل ومشيا

стр. 409

على الماء، فلما جازا قال عيسى: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري. فسارا حتى انتهيا إلى مفازة فجلسا، فأخذ عيسى ترابا ورملا وقال كن ذهبا بإذن الله فكان ذهبا، فقسمه عيسى ثلاثة أثلاث، ثم قال: ثلث لي وثلث لك وثلث للذي أخذ الرغيف. فقال الرجل: أنا أخذته قال عيسى: كله لك. ثم فارقه عيسى ﵇ وذهب ومكث هو عند المال في المفازة، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثا ثم قال: فابعثا أحدكما إلى القرية ليشتري لنا طعاما فقال الذي بعث: لأي شيء اقاسمهما المال؟ لأجعلن لهما في الطعام سما فاقتلهما ففعل. وقال صاحباه في غيبته: لأي شيء نقاسمه المال؟ إذا جاء قتلناه واقتسمنا المال نصفين. فلما جاء قاما إليه وقتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا وبقي المال في المفازة وأولئك الثلاثة قتلى حوله فمر عيسى ﵊ بهم. وهم على تلك الحالة، فقال لأصحابه: هكذا الدنيا تفعل بأهلها فاحذروها. الخضاري: طائر يسمى الأخيل قاله الجوهري. وقد تقدم في باب الهمزة. الخضرم: كعلبط ولد الضب. الخضيراء: طائر معروف عند العرب. الخطاف: بضم الخاء المعجمة جمعه خطاطيف ويسمى زوار الهند وهو من الطيور القواطع إلى الناس، تقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم ثم إنها تبني بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، وهذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة، لأنه زهد ما في أيديهم من الأقوات فأحبوه لأنه إنما يتقو بالذباب والبعوض. وفي الحديث الحسن، الذي رواه ابن ماجه وغيره، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس «١» » . فأما كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة الله تعالى فلأنه تعالى يحب من أطاعه ويبغض من عصاه، وطاعة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا، وأما كونه سببا لمحبة الناس فلأنهم يتهافتون على محبة الدنيا، وهي جيفة منتنة وهم كلابها، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، ومن زهد فيها أحبوه كما قال «٢» الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها وقد أحسن القائل في وصف الخطاف: كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تضحي إلى كل الأنام حبيبا؟ أو ما ترى الخطاف حرم زادهم ... أضحى مقيما في البيوت ربيبا سماه ربيبا لأنه يألف البيوت العامرة دون الخربة، وهو قريب من الناس ومن عجيب أمره أن عينه تقلع ثم ترجع ولا يزى واقفا على شيء يأكله أبدا ولا مجتمعا بأنثاه، والخفاش يعاديه فلذلك

стр. 410

إذا فرخ يجعل في عشه قضبان الكرفس فلا يؤذيه إذا شم رائحته ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد ويبني عشه بناء عجيبا. وذلك أنه يهيىء الطين مع التبن فإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى نفسه في الماء ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلىء جناحاه، ويصير شبيها بالطين، فإذا هيأ عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو وأفراخه ولا يلقي في عشه زبلا بل يلقيه إلى خارج، فإذا كبرت فراخه علمها ذلك. وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران فإذا رآها صفراء ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر فيذهب فيأتي بحجر اليرقان من أرض الهند، فيطرحه على فراخه، وهو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة والسواد يعرف بحجر السنونو فيأخذه المحتال فيعلقه عليه أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. والخطاف متى سمع صوت الرعد يكاد أن يموت، وقال ارسطو في كتاب النعوت: الخطاطيف إذا عميت أكلت من شجرة يقال لها عين شمس فيرد بصرها لما في تلك الشجرة من المنفعة للعين وفي رسالة القشيري في آخر باب المحبة أن خطافا راود خطافة على قبة سليمان ﵊ فامتنعت منه، فقال لها: أتمتنعين علي ولو شئت لقلبت القبة على سليمان، فسمعه سليمان فدعاه وقال له ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم قال: صدقت. فائدة: ذكر الثعلبي وغيره في تفسير سورة النمل أن آدم ﵊، لما أخرج من الجنة اشتكى إلى الله تعالى الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطاف، وألزمها البيوت فهي لا تفارق بني آدم أنسالهم. قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله وهي «١» لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً إلى آخر السورة، وتمد صوتها بقوله العزيز الحكيم. والخطاطيف أنواع: منها نوع يألف سواحل البحر يحفر بيته هناك، ويعشش فيه، وهو صغير الجثة دون عصفور الجنة، ولونه رمادي والناس يسمونه سنونو بضم السين المهملة ونونين. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة، ومنها نوع أخضر على ظهره بعض حمرة أصغر من الذرة يسميه أهل مصر الخضيري، لخضرته يقتات الفراش والذباب ونحو ذلك، ومنها نوع طويل الأجنحة رقيقها يألف الجبال، ويأكل النمل، وهذا النوع يقال له السمائم مفرده سمامه، ومنهم من يسمي هذا النوع السنونو الواحدة سنونوة، وهو كثير في المسجد الحرام يعشش في سقفه في باب إبراهيم وباب بني شيبة. وبعض الناس يزعم أن ذلك هو الطير الأبابيل الذي عذب الله تعالى به أصحاب الفيل. روى نعيم بن حماد عن الحسن ﵁، قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁، وعنده غلمان كأنهم الدنانير، أو الأقمار حسنا فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال عبد الله كأنكم تغبطوني بهم؟! فقلنا: والله إن مثل هؤلاء يغبط بهم الرجل المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير، قد عشش فيه الخطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يخرج عش هذا الطائر فينكسر بيضه. قال ابن المبارك: إنما قال ذلك خوفا عليهم من العين. قال أبو إسحاق الصابي يصف الخطاف: وهندية الأوطان زنجية الخلق ... مسوّدة الألوان محمرة الحدق إذا صرصرت صرت بآخر صوتها ... حداد فأذرت من مدامعها العلق

стр. 411

كأن بها حزنا وقد لبست له ... كما صر ملوي العود بالوتر الحزق تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها ... ففي كل عام نلتقي ثم نفترق الحكم: يحرم أكل لحم الخطاطيف لما روى أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية وهو من التابعين عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال: «لا تقتلوا هذه العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم» . ورواه البيهقي وقال: إنه منقطع. قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبيه، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الخطاطيف عوذ البيوت» . ومن هذه الطريق رواه أبو داود في مراسيله، قال البيهقي: وهو منقطع أيضا. لكن صح عن عبد الله بن عمر ﵄ موقوفا عليه، أنه «١» قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح. ولا تقتلوا الخطاف فإنه لما خرب بيت المقدس، قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم» . قال البيهقي: اسناده صحيح. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة في الحديث «٢» «إن النبي ﷺ نهى عن الجلالة والمجثمة والخطفة» . بإسكان الطاء وفيها تأويلان أحدهما أن الخطفة ما اختطفه السبع من الحيوانات فأكله حرام. قاله ابن قتيبة: الثاني إن النهي عما يختطف بسرعة ومنها سمي الخطاف لسرعة اختطافه. قاله ابن جرير الطبري ونقله عنه في الحاوي. فعلى هذا يحرم كل ما كان يتقوت بما يختطفه، ولأنه يتقوت من الخبائث قال الماوردي: كل ما كان مستخبثا كالخطاطيف والخفافيش فأكله حرام لخبث لحمه. وقال محمد بن الحسن ﵁: إنه حلال لأنه يتقوت بالحلال غالبا قال أبو عاصم العبادي: وهذا محتمل على أصلنا. وإليه مال أكثر أصحابنا. وحكاه في شرح المهذب قولا عن حكاية البندنيجي. الخواص: قال ارسطو: إن أخذت عين الخطاف وجعلت في خرقة، وشدت على سرير فمن صعد على ذلك السرير لم ينم. وإن أخذت وجففت وسحقت بدهن طيب، فأي امرأة شربت منه أحبت الساقي. وإن أخذت وسحقت بدهن زنبق ومسحت به سرة امرأة نفساء نفعتها. وقلبه إذا سحق بعد تجفيفه وشرب هيج الباه. ودمه إذا سقيت منه امرأة، وهي لا تعلم، سكن عنها شهوة الجماع. وإن ضمد به اليافوخ سكن الصداع الحادث من الأخلاط. وزبله يسحق ويطلى به على الدبيلة تبرأ. ومرارته تسود الشعر الأبيض شربا، وينبغي أن يملأ الشارب فمه حليبا لئلا تسود أسنانه. ولحمه يورث السهر لآكله وفي رأس الخطاف حصاة فيها منافع شتى، وكل خطاف يبلع تلك الحصاة فمن ظفر بها وحملها معه وقته السوء، وكانت له وسيلة إلى من يحب حتى لا يقدر على رده. قال الاسكندر: يوجد عند أول بطن من بطون الخطاطيف في أعشاشها، أول ما يبرزن ويظهرن في العش، حجران أبيضان أو أبيض وأحمر، إن وضع الأبيض على المصروع أفاق، وإن وضع على المعقود حله، والأحمر إن علق على من به عسر البول أبرأه، وربما وجد هذان الحجران مختلفي. الأحوال أحدهما طويل والآخر ململم إن جعلا في جلد عجل وعلقا على من به وسواس وتخيل أبرأه. ولا يوجدان إلا في العش الذي يكون في ناحية المشرق

стр. 412

دون غيره، وهو عجيب مجرب وقال ابن الدقاق: إن أخذ الطين من عشه، وأديف «١» بالماء وشرب أدر البول، مجرب نافع. التعبير: الخطاف في المنام يؤول برجل أو امرأة ومال وولد قارىء لكتاب الله تعالى، ويؤول بمال مغصوب. فمن رأى أنه أخذ خطافا اتخذ مالا حراما، وذلك لأن إسمه خطاف، وهو بمنزلة الخطف. ومن رأى أن بيته قد امتلأ خطاطيف، نال مالا حلالا لأنه نماء خطفه. وقيل: الخطاف رجل أديب أنيس ورع، فمن رأى كأنه استعاره من غيره فإنه يأنس إلى شخص، ومن أخذه فإنه يظلم امرأة. وقالت النصارى: من أكل لحم خطاف في المنام، فإنه يقع في خصومة. ومن رأى الخطاطيف تخرج من داره تفرق عنه اقرباؤه من جهة سفر، وربما دل الخطاف على الأشغال والأعمال لأنه يظهر في زمن البطالة، وصوت الخطاطيف تنبيه على عمل الخير لأنه كالتسبيح، وربما دل على امرأة صاحبة أمانة. وقال جاماسب: من صاد خطافا أدخلت اللصوص عليه والله تعالى أعلم. الخطّاف: بفتح الخاء وتشديد الطاء، سمكة ببحر سبتة لها جناحان على ظهرها أسودان، تخرج من الماء وتطير في الهواء ثم تعود إلى البحر قاله أبو حامد الأندلسي. الخفاش: بضم الخاء وتشديد الفاء واحد الخفافيش التي تطير في الليل، وهو غريب الشكل والوصف والخفش صغر العين وضيق البصر. فائدة: الأخفش صغير العين ضعيف البصر وقيل: وهو عكس الأعشى وقيل: هو من يبصر في الغيم دون الصحو. وقال الجوهري: هو نوعان والأعشى من يبصر نهارا لا ليلا والعمش ضعف الرؤية مع سيلان الدمع غالب الأوقات والعور معروف. تتمة: في كل عين نصف دية ولو عين أحول وأخفش وأعمش وأعور وأعشى وأجهر ونحوهم لأن المنفعة باقية في أعين هؤلاء ومقدار المنفعة لا ينظر إليه كما لا ينظر إلى قوة البطش والمشي وضعفهما. وكذا من بعينه بياض لا ينقص الضوء فإنه يكون كالثآليل في اليد سواء كان على بياض الحدقة أو سوادها وكذا لو كان على الناظر، إلا أنه رقيق لا يمنع الأبصار، ولا ينقص الضوء. هذا ما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه، وجرى عليه الأئمة ولم يفرقوا بين حصول ذلك بأفة سماوية أو جناية، فإن نقص فبقسطه، إن أمكن ضبط ذلك النقصان بالصحيحة التي لا بياض بها، وإن لم يمكن ضبط النقص الحاصل بالجناية فالواجب فيه الحكومة وفارق الأعمش ونحوه فإن البياض نقص الضوء الخلقي وعين الأعمش لا ينقص ضوؤها عما كان في الأصل. وهذا الفرق يفهمك أن العمش لو تولد من آفة أو جناية لا يجب في العين كمال الدية فإن سلم قيد به ذلك الاطلاق السابق. فرع: ليس في عين الأعور السليمة! إلا نصف الدية عندنا. قال ابن المنذر: وروي

стр. 413

عن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما أن فيها الدية، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه انتهى. قال البطليوسي: الخفاش له أربعة أسماء: خفاش وخشاف وخطاف ووطواط، وتسميته خفاشا يحتمل أن تكون مأخوذة من الخفش والأخفش في اللغة نوعان: ضعيف البصر خلقه، والثاني لعلة حدثت وهو الذي يبصر بالليل دون النهار وفي يوم الغيم دون يوم الصحو انتهى. وذكر الجاحظ أن إسم الخفاش يقع على سائر طير الليل، فكأنه راعي العموم، وكون الوطواط هو الخفاش هو الذي ذكره ابن قتيبة وأبو حاتم في كتاب الطير الكبير. وما ذكره البطليوسي من أن الخفاش هو الخطاف فيه نظر، والحق أنهما صنفان وهو الوطواط. وقال قوم: الخفاش الصغير والوطواط الكبير وهو لا يبصر في ضوء القمر ولا في ضوء النهار غير قوي البصر قليل شعاع العين كما قال الشاعر: مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويعمي أعين الخفاش ولما كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الذي لا يكون فيه ظلمة ولا ضوء وهو قريب غروب الشمس لأنه وقت هيجان البعوض، فإن البعوض يخرج ذلك الوقت يطلب قوته، وهو دماء الحيوان، والخفاش يخرج طالبا للطعم فيقع طالب رزق على طالب رزق فسبحان الحكيم. والخفاش ليس هو من الطير في شيء فإنه ذو أذنين وأسنان وخصيتين ومنقار ويحيض ويطهر، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويبول كما تبول ذوات الأربع ويرضع ولده ولا ريش له. قال: بعض المفسرين: لما كان الخفاش هو الذي خلقه عيسى بن مريم ﵊ بإذن الله تعالى كان مباينا لصنعة الخالق. ولهذا سائر الطيور تقهره وتبغضه فما كان منها يأكل اللحم أكله وما لا يأكل اللحم قتله، فلذلك لا يطير إلا ليلا. وقيل لم يخلق عيسى غيره لأنه أكمل الطير خلقا. وهو أبلغ في القدوة لأن له ثديا وآذانا وأسنانا ويحيض كما تحيض المرأة. قال وهب بن منبه: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، وليعلم أن الكمال لله تعالى. وقيل: إنما طلبوا خلق الخفاش لأنه من أعجب الطير خلقية، إذ هو لحم ودم يطير بغير ريش وهو شديد الطيران سريع التقلب، يقتات البعوض والذباب، وبعض الفواكه وهو مع ذلك موصوف بطول العمر فيقال: إنه أطول عمرا من النسر ومن حمار الوحش، وتلد انثاه ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة، وكثيرا ما يسفد وهو طائر في الهواء وليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره والقرد والإنسان، ويحمله تحت جناحه وربما قبض عليه بفيه وذلك من حنوه وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة وفي طبعه إنه متى أصابه ورق الدلب خدر ولم يطر، ويوصف بالحمق، ومن ذلك أنه إذا قيل له: اطرق كرى، الصق بالأرض. الحكم: يحرم أكله لما رواه أبو الحويرث مرسلا أن النبي ﷺ نهى عن قتله، وقيل: إنه لما خرب بيت المقدس، قال: رب سلطني على البحر حتى أغرقهم، وسئل عنه الإمام أحمد فقال: ومن يأكله؟ قال النخعي: كل الطير حلال إلا الخفاش. قال الروياني: وقد حكينا في الحج خلاف هذا فيحتمل قولين، وعبارة الشرح والروضة يحرم الخفاش قطعا. وقد يجري فيه الخلاف مع

стр. 414

أنهما قد جزما في كتاب الحج بوجوب الجزاء فيه، إذا قتله المحرم، وإن الواجب فيه القيمة مع تصريحهما بأن ما لا يؤكل لا يفدى على أن الرافعي مسبوق بذلك، فأول من ذكره صاحب التقريب وأشعر كلامه بأن الشافعي رضي الله تعالى عنه ذكره. وذكر المحاملي أن اليربوع لا يحل أكله، ويجب فيه الجزاء في أصح القولين وهو غريب، ولم يزل الناس يستشكلون ما وقع في الرافعي من ذلك. وليس بمشكل فهو يتبين بمراجعة كلام الروياني فإنه قال: فرع: قال في الأم: الوطواط فوق العصفور ودون الهدهد، وفيه إن كان مأكولا قيمته. وذكر عن عطاء أنه قال: فيه ثلاثة دراهم انتهى. فاتضح إن المسألة منصوصة للشافعي رضي الله تعالى عنه، وأنه علق وجوب الجزاء على القول بحل أكله، تم تتبعت كلام عطاء المذكور فوجدت الأزهري قد نقل عنه أنه يجب فيه إذا قتله المحرم ثلثا درهم. قال أبو عبيد قال الأصمعي: الوطواط هو الخفاش. وقال أبو عبيدة: الأشبه عندي أنه الخطاف. قلت: وأيا كان فهو غير مأكول. الخواص: إذا وضع رأسه في حشو مخدة، فمن وضع رأسه عليها لم ينم، وإن طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق، ويغمز فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه، ويدهن به صاحب النقرس، والفالج القديم والارتعاش، والتورم في الجسد والربو، فإنه ينفعه ذلك ويبرئه وهو عجيب مجرب. وإن ذبح الخفاش في بيت وأخذ قلبه، وأحرق فيه لم يدخله حيات ولا عقارب، وإن علق قلبه وقت هيجانه على إنسان هيج الباه. وعنقه إذا علق على إنسان أمن من العقارب، ومن مسح بمرارته فرج امرأة قد عسرت ولادتها، ولدت لوقتها، ومن أخذت من النساء من شحمه لرفع الدم ارتفع عنها. وإن طبخ الخفاش ناعما حتى يتهرى، ومسح به الإحليل أمن من تقطير البول، وإن صب من مرق الخفاش وقعد فيه صاحب الفالج انحل ما به. وزبله إذا طلي به على القوابي قلعها، ومن نتف ابطه وطلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر وإذا طلي به عانات الصبيان قبل البلوغ منع من نبات الشعر فيها. التعبير: الخفاش في المنام رجل ناسك، وقال ارطيا ميدروس: إن رؤيته تدل على البطالة وذهاب الخوف لأنه من طيور الليل ولا يؤكل لحمه وهو دليل خير للحبلى بأنها تلد ولادة سهلة ولا تحمد رؤيته للمسافر برا وبحرا، وتدل رؤيته على خراب منزل من يدخل إليه وقيل: الخفاشة في المنام امرأة ساحرة والخفاش تدل رؤيته على رجل حيران ذي حرمان والله أعلم. الخنان: كرمان الوزغة، وفي حديث علي كرم الله وجهه أنه قضى قضاء، فاعترف «١» عليه بعض الحرورية فقال له: اسكت يا خنان ذكره الهروي وغيره. الخلنبوص: بفتح الخاء المعجمة واللام وإسكان النون وضم الباء الموحدة طائر أصغر من العصفور على لونه وشكله. الخلد: بضم الخاء ونقل في الكفاية عن الخليل بن أحمد فتح الخاء وكسرها قال الجاحظ:

стр. 415

هو دويبة عمياء صماء لا تعرف ما بين يديها إلا بالشم، فتخرج من جحرها، وهي تعلم أن لا سمع لها ولا بصر، فتنفخ فاها وتقف عند جحرها، فيأتي الذباب فيقع على شدقها، ويمر بين لحييها فتدخله جوفها بنفسها، فهي تتعرض لذلك في الساعات التي يكون فيها الذباب أكثر. وقال غيره: الخلد فأر أعمى لا يدرك إلا بالشم. قال ارسطو في كتاب النعوت: كل حيوان له عينان إلا الخلد، وإنما خلق كذلك لأنه ترابي جعل الله له الأرض كالماء للسمك، وغذاؤه من بطنها وليس له في ظهرها قوة ولا نشاط، ولما لم يكن له بصر، عوضه الله حدة حاسة السمع فيدرك الوطء الخفي من مسافة بعيدة، فإذا أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، قال: والحيلة في صيده أن يجعل له في جحره قملة، فإذا أحس بها وشم رائحتها، خرج إليها ليأخذها وقيل: إن سمعه بمقدار بصر غيره. وفي طبعه الهرب من الرائحة الطيبة، ويهوى رائحة الكراث والبصل، وربما صيد بهما فإنه إذا شمهما خرج إليهما، وهو إذا جاع فتح فاه فيرسل الله تعالى له الذباب فيسقط عليه فيأكله، وذكر بعض المفسرين، أن الخلد هو الذي خرب سد مأرب، وذلك أن قوم سبأ كانت لهم جنتان، أي بستانان عن يمين من يأتيها وشماله. قال «١» الله تعالى لهم: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ أي على ما أنعم به عليكم. وكانت بلدتهم طيبة لا يرى فيها بعوض ولا برغوث، ولا عقرب ولا حية، ولا ذباب، وكان الركب يأتون وفي ثيابهم القمل وغيره، فإذا وصلوا إلى بلادهم ماتت. وكان الإنسان يدخل البستان والمكتل على رأسه، فيخرج وقد امتلأ من أنواع الفواكه من غير أن يتناول منها شيئا بيده. فبعث الله لهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم. وأنذروهم عقابه فأعرضوا وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة وكان لهم سدّ بنته بلقيس، لما ملكتهم، وبنت دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجا على عدد أنهارهم، فكان الماء يقسم بينهم على ذلك. فلما كان من شأنها مع سليمان ﵊ ما كان، مكثوا مدّة بعدها ثم طغوا وبغوا وكفروا فسلط الله عليهم جرذا أعمى، يقال له الخلد، فنقب السد من أسفله فهلكت أشجارهم وخربت أرضهم. وكانوا يزعمون في علمهم وكهانتهم أن سدهم ذلك تخربه فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء الوقت الذي أراد الله تعالى، أقبلت فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرار، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت وحفرت، فلما جاء السيل وجد خللا، فدخل فيه حتى قلع السد، وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم بالرمل. وروي: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ووهب غيرهما انهم قالوا: كان ذلك السد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء أوديتهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم، وهو بلغة حمير، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ثلاثة: بعضها فوق بعض وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها إثني عشر مخرجا على عدد أنهارهم، يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا عنه سدوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب

стр. 416

الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك والله أعلم. ونقل: الإمام أبو الفرج بن الجوزي عن الضحاك، أن الجرذ الذي خرب سد مأرب كان له مخاليب وأنياب من حديد، وأن أول من علم بذلك عمرو بن عامر الأزدي وكان سيدّهم وكان قد رأى في المنام، كأنه انبثق عليه الردم، فسال الوادي، فأصبح مكروبا فانطلق نحو الردم، فرأى الجرذ يحفر بمخاليب من حديد، ويقرض بأنياب من حديد، فانصرف إلى أهله فأخبر امرأته وأراها ذلك وأرسل بنيه فنظروا، فلما رجعوا قال: هل رأيتم ما رأيت قالوا نعم قال: فإن هذا الأمر ليس لنا إلى إذهابه من سبيل. وقد اضمحلت الحيلة فيه لأن الأمر من الله، وقد آذن الله بالهلاك ثم إنه عمد إلى هرة فأخذها، وأتى إلى الجرذ فصار الجرذ يحفر ولا يكترث بالهرة، فولت الهرة هاربة فقال عمر ولأولاده: احتالوا لأنفسكم فقالوا: يا أبت كيف نحتال؟ فقال: إني محتال لكم بحيلة قالوا: افعل فدعا أصغر بنيه وقال له: إذا جلست في المجلس، واجتمع الناس على العادة، وكان الناس يجتمعون إليه وينتهون برأيه، فإني آمرك بأمر فتغافل عنه، فإذا شتمتك فقم إلي والطمني. ثم قال لأولاده: فإذا فعل ذلك فلا تنكروا عليه، ولا يتكلم أحد منكم، فإذا رأى الجلساء فعلكم لم يجسر أحد منهم أن ينكر عليه، ولا يتكلم فأحلف أنا عند ذلك يمينا لا كفارة لها، أن لا أقيم بين أظهر قوم قام إليّ أصغر بني فلطمني فلم يغيروا. فقالوا: نفعل ذلك فلما جلس واجتمع الناس إليه أمر ابنه الصغير ببعض أمره، فلها عنه فشتمه، فقام إليه ولطم وجهه فعجب الجماعة من جراءة ابنه عليه، وظنوا أن أولاده يغيرون عليه فنكسوا رؤسهم! فلما لم يغر أحد منهم، قام الشيخ وقال: أيلطمني ولدي وأنتم سكوت! ثم حلف يمينا لا كفارة لها أن يتحول عنهم، ولا يقيم بين أظهر قوم لم يغيروا عليه، فقام القوم يعتذرون إليه وقالوا له: ما كنا نظن أن أولادك لا يغيرون، فذاك الذي منعنا. فقال: قد سبق مني ما ترون وليس إلي غير التحول من سبيل. ثم أنه عرض ضياعه للبيع، وكان الناس يتنافسون فيها، واحتمل بثقله وعياله وتحول عنهم، فلم يلبث القوم إلا يسيرا حتى أتى الجرذ على الردم، فاستأصله فبينما القوم ذات ليلة بعد ما هدأت العيون، إذا هم بالسيل فاحتمل أنعامهم وأموالهم وخرب ديارهم، فذلك قوله «١» تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وفي العرم أقوال: قيل: هو المسناة أي السد. قاله قتادة. وقيل: هو إسم الوادي، قال السهيلي. وقيل: إسم الخلد الذي خرق السد. وقيل هو السيل الذي لا يطاق. وأما مأرب فبسكون الهمزة إسم لقصر كان لهم. وقيل: هو إسم لكل ملك كان على سبأ، كما أن تبعا إسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضر موت، قاله المسعودي. وقال السهيلي: وكان السد من بناء سبأ بن يشجب، وكان قد ساق إليه سبعين واديا ومات من قبل أن يتمه فاتمته ملوك حمير. وإسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قيل: إنه أول من سبي فسمي سبأ. وقيل: إنه أول من تتوج من ملوك اليمن، وقال المسعودي: بناه لقمان بن عاد وجعله فرسخا في فرسخ، وجعل له ثلاثين شعبا فأرسل الله عليه سيل العرم، وفرقوا ومزقوا حتى صاروا مثلا. فقالوا: «تفرقوا أيدي سبأ وأيادي

стр. 417

سبأ» . قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، فأما غسان. فلحقوا بالشأم، والأزد إلى عمان، ومر خزاعة إلى تمامة وجذيمة إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج. روى: أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك القطيفي قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أكان رجلا أو امرأة أو أرضا؟ فقال ﷺ : «كان رجلا من العرب، وله عشرة أولاد تيامن منهم ستة وتشاءم. أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار وحمير. فقال الرجل: وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة. وأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان. ومن الفوائد المجربة: أن يكتب للخلد الذي يطلع في الدواب، ويعلق في أذن الدابة اليسرى: يا خلد سليمان بن داود ذكر عزرائيل على وسطك، وذكر جبرائيل على رأسك، وذكر اسرافيل على ظهرك، وذكر ميكائيل على بطنك لا تدب ولا تسعى ألا أيبس كما يبس لبن الدجاج وقرن الحمار بقدرة العزيز القهار. وهذا قول عزرائيل وجبرائيل واسرافيل وميكائيل، وملائكة الله المقربين، الذين لا يأكلون ولا يشربون، إلا بذكر الله هم يعيشون اصبا وتآال شداي ايبس أيها الخلد من دابة فلان ابن فلانة أو من هذه الدابة بقدرة من يرى ولا يرى. ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا فماتوا. كذلك يموت الخلد من دابة فلان ابن فلانة أو من هذه الدابة. ١ ١ ١ ١٨ ١ ١ ١٧ ١ ل ط ط ١ ٧ ١ ١ ٣ ٥ ١ ٣ اب ر ك امن الفوائد المجرية للخلد أيضا، أن يكتب في ورقة ويعلق في عنق الفرس المخلود: طلعوا ستة وستين ملكا إلى جبال القدس لقوا ثلاث شجرات الواحدة قطعت والثانية يبست والثالثة احترقت انقطع أيها الخلد ببركة سيهوم ديهوم دهوم بألف لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ج وج وج وارتفع ارتفع ارتفع اهـ اهـ اهـ ل ط اس ل ط اس ل ط اس ل ط اس ل ط اس الله الله الله الله الله الله الله الله الله الله الله حم حم حم حم حم حم حم حم حم حم حم توكلت ل اد هي ع ل اا على الله اللهم احفظ حامله ودابته بحرمة الرب العظيم والقرآن العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انتهى.

стр. 418

الحكم: يحرم أكله لأنه نوع من الفأر وقال مالك: لا بأس بأكل الخلد والحيات إذا ذكى ذلك. وهذا أول مسألة في كتاب الذبائح من المدوّنة. الأمثال: قالوا: «اسمع من خلد وأفسد من خلد» . الخواص: دمه إذا اكتحل به أبرأ العين، والدم الذي في ذنبه إذا طلى به الخنازير أذهبها، وشفته العليا إذا علقت على من به حمى الربيع أذهبتها، وإن أكل لحمه قبل طلوع الشمس مشويا تعلم آكله كل شيء، ودماغه إن جعل في قارورة مع دهن ورد ودهن به الجرب، والقوابي «١» والكالف، والحزاز وكل شيء يظهر في الجسد أبرأه، قال الجاحظ: التراب الذي يخرجه الخلد من جحره يزعمون أنه يصلح لصاحب النقرس، إذا بل بالماء وطلي به ذلك المكان. وقال ارسطو: إذا غرق الخلد في ثلاثة أرطال ماء، ثم سقي منه إنسان تكلم بكل علم يسأل عنه، على سبيل الهذيان اثنين وأربعين يوما. وقال يحيى بن زكريا: إذا غرق الخلد في ثلاثة أرطال ماء، وترك فيه حتى ينتفخ ثم يصفى من ذلك الماء، ويرمى عظمه، ويطبخ في قدر نحاس ويلقى عليه أربعة دراهم لبان ذكر، ومثله أفيون، ومثله كبريت، ومثله نشادر، بعد أن تدق هذه الحوائج مع أربعة أرطال عسل ويطبخ حتى يصير مثل الطلاء، ويجعل في اناء زجاج ثم يلعق على الريق، والشمس في الحمل إلى أن تدخل الأسد، ولا يأكل مستعمله شيئا فيه زهومة، ويكون طاهرا صائما، فمن فعل ذلك علمه الله تعالى كل شيء بقدرته. التعبير: الخلد تدل رؤيته على العمى والنية والتبدد والحيرة والاختفاء وضيق الملك. وربما دلت رؤيته على حدة السمع لمن يشكو ضررا من سمعه. إن رؤي مع ميت فهو في النار لقوله «٢» : وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وربما كان في الجنة وسكن جنة الخلد والله تعالى أعلم. الخلفة: الناقة الحامل وجمعها خلفات. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان قلنا نعم قال فثلاث آيات يقرؤهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان «٣» » . وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن، ولا أحد قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها، ولا أحد قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. قال: فغزا فدنا من القرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، واللهم احبسها علي فحبست عليه حتى فتح الله عليه» . الحديث «٤» . وهذا النبي هو يوشع بن نون ﵇.

стр. 419

فائدة: حبست الشمس مرتين لنبينا ﷺ : إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها الله تعالى عليه. كما رواه الطحاوي وغيره. والثانية صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس وفي أواخر المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لو أخذ سبع خلفات بشحومهن، فألقين في شفير جهنم ما انتهين إلى قعرها سبعين عاما» . قال شيخ الإسلام الإمام الذهبي: إسناده صالح. والحكمة في التمثيل بالسبع إن ذلك عدد أبواب جهنم. وروى الشافعي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال «١» : «الا إن في قتيل الخطأ وقتيل السوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» . وإسناده ضعيف ومنقطع. وقال أبو حاتم: رواية ارساله أشبه. قال شيخ الإسلام النووي في تهذيبه: وهذا مما يستشكل لأن الخلفة هي التي في بطنها ولدها فإن قيل: فما الحكمة في قوله ﷺ : «في بطونها أولادها» ؟ فجوابه من أربعة أوجه: أحدها أنه توكيد وإيضاح، والثاني أنه تفسير لها لا قيد، والثالث أنه نفي لوهم من يتوهم أن يكفي في الخلفة أن تكون حملت في وقت ما ولا يشترط حملها حالة دفعها في الدية، والرابع أنه إيضاح لحكمها وأنه يشترط في نفس الأمر أن تكون حاملا ولا يكفي قول أهل الخبرة أنها خلفة إذا تبين إنه لم يكن في بطنها ولد. وذكر الرافعي أنه قيل: إن الخلفة تطلق أيضا على التي ولدت وولدها يتبعها. فائدة أخرى: الخطأ المحض هو أن لا يقصد ضربه، بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه، فلا قصاص عليه، بل تجب دية مخففة على عاقلته، مؤجلة إلى ثلاث سنين. وتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها. وشبه العمد أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا بأن ضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير ضربة أو ضربتين فمات، فلا قصاص فيه، بل تجب دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. والعمد المحض هو أن يقصد قتل إنسان، بما يقصد به القتل غالبا، كالسيف والسكين، وما أشبه ذلك ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة. وعند أبي حنيفة، قتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه كبيرة كسائر الكبائر ودية الحر المسلم مائة من الإبل، فإذا كانت الدية في العمد المحض، أو شبه العمد، فهي مغلظة بالسن، فيجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وهو قول عمرو بن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما. وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي للحديث المتقدم عن ابن عمر ﵄. وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وهو قول الزهري وربيعة، وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة. وأما دية الخطأ فمخففة وهي أخماس بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها فذهب مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وبه قال عمر بن عبد العزيز

стр. 420

وسليمان بن يسار وربيعة. وجعل أبو حنيفة وأحمد عوض بني اللبون بني المخاض. ويروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والدية في الخطأ وشبه العمد على العاقلة كما تقدم، وهو عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء، لأن النبي ﷺ أوجبها على العاقلة. فإن عدمت الإبل فتجب قيمتها من الدراهم والدنانير في قول. وفي قول يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. لما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه فرض الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وبه قال مالك وعروة بن الزبير والحسن البصري. وقال أبو حنيفة: إنها مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. وبه قال سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه. فرع: ودية المرأة نصف دية الرجل. ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم إن كان كتابيا، وإن كان مجوسيا فخمس الثلث. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. وبه قال ابن المسيب والحسن البصري رضي الله تعالى عنهما. وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم، وهو قول ابن مسعود وسفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال عمر بن عبد العزيز: دية الذمي نصف دية المسلم، وهو قول مالك وأحمد. وأما دية الأطراف فمبسوطة في كتب الفقه. تذنيب: قوله «١» تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها الآية. قال أهل التفسير: إنها نزلت في مقيس بن سبابة، وذلك أنه لما قتل أخوه هشام بن صبابة في بني النجار، ولم يعلموا له قاتلا، وأعطوه ديته مائة من الإبل ثم انصرف هو والفهري إلى رسول الله ﷺ راجعين نحو المدينة، فأتي الشيطان مقيسا ووسوس إليه فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك وصمة ومسبة، فاقتل الرجل الذي معك، فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية، فغفل الفهري عن نفسه، فرماه مقيس بصخرة فشدخه. ثم ركب بعيرا من إبل الدية وساق باقيها ورجع إلى مكة كافرا فأنزل الله فيه هذه الآية. ومقيس هذا هو الذي استثناه النبي ﷺ يوم فتح مكة ممن أمنه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة. وقد اختلف في حكم هذه الآية فروى البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قاتل المؤمن عمدا لا توبة له. وقال زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية التي في الفرقان وهي قوله «٢» تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت الغليظة فنسخت الغليظة اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية وباللينة آية الفرقان. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية، لم ينسخها شيء والذي عليه جمهور المفسرين، وهو مذهب أهل السنة قاطبة، أن توبة قاتل المسلم عمدا مقبولة لقوله «٣» تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل. كما روي عن سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن المؤمن إذا لم يقتل

стр. 421

يقال له لا توبة لك، وإن قتل يقال له توبة. وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وليس في الآية مستند لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر لأن الآية نزلت في قاتل كافر هو مقيس بن صبابة. كما تقدم. وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه. ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار. وروي أن عمرو بن عبيد قال لأبي عمرو بن العلاء، هل يخلف الله وعده؟ فقال أبو عمرو: لا. فقال: أليس قال «١» الله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فقال له أبو عمرو: أمن العجم أنت يا أبا عثمان؟ ألم تعلم أن العرب لا تعد الاخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما تعد اخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد قائلا: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وكان قد شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، أن رسول الله ﷺ قال «٢» ، وحوله أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستر الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه قال فبايعناه على ذلك» . وما روي أيضا في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة والله الموفق. الخمل: بالتحريك ضرب من السمك قاله ابن سيده. الخنتعة: كقنفذة الأنثى من الثعالب قاله الأزهري. الخندع: كجندب زنة ومعنى صغار الجنادب وقال في المحكم: إنه الخفاش في بعض اللغات. الخنزير البري: بكسر الخاء المعجمة جمعه خنازير وهو عند أكثر اللغوين رباعي وحكى ابن سيده عن بعضهم إنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر. فهو على هذا ثلاثي يقال تخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر، كقولك: تعامى وتجاهل، قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه في يوم صفين: إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت الطرف من غير حور ألفيتي ألوي بعيد المستمر ... كالحية الصماء في أصل الشجر أحمل ما حملت من خير وشر.

стр. 422

وكنية الخنزير أبو جهم وأبو زرعة وأبو دلف وأبو عتبة وأبو علية وأبو قادم، وهو يشترك بين البهيمية والسبعية، فالذي فيه من السبع الناب وأكل الجيف، والذي فيه من البهيمية الظلف وأكل العشب والعلف، وهذا النوع يوصف بالشبق، حتى إن الأنثى منه يركبها الذكر وهي ترتع، فربما قطعت أميالا وهو على ظهرها، ويرى أثر ستة أرجل، فمن لا يعرف ذلك يظن أن في الدواب ماله ستة أرجل. والذكر من هذا النوع يطرد الذكور عن الإناث، وربما قتل أحدهما صاحبه، وربما هلكا جميعا. وإذا كان زمن هيجان الخنازير، طأطأت رؤوسها، وحركت أذنابها، وتغيرت أصواتها. وتضع الخنزيرة عشرين خنوصا، وتحمل من نزوة واحدة، والذكر ينزو إذا تمت له ثمانية أشهر، والأنثى تضع إذا مضى لها ستة أشهر. وفي بعض البلاد ينزو الخنزير إذا تمت له أربعة أشهر، والأنثى تحمل جراءها وتربيها، إذا تمت لها ستة أشهر أو سبعة. وإذا بلغت الأنثى خمس عشرة سنة لا تلد. وهذا الجنس أنسل الحيوان، والذكر أقوى الفحول على السفاد وأطولها مكثا فيه، يقال: إنه ليس لشيء من ذوات الأنياب والأذناب، ما للخنزير من القوة في نابه، حتى إنه يضرب بنابه صاحب السيف والرمح، فيقطع كل ما لاقى من جسده من عظم وعصب، وربما طال ناباه فيلتقيان فيموت عند ذلك جوعا لأنهما يمنعانه من الأكل. وهو متى عض كلبا سقط شعر الكلب. وهو إذا كان وحشيا ثم تأهل، لا يقبل التأديب. ويأكل الحيات أكلا ذريعا، ولا يؤثر فيه سمومها، وهو أروغ من الثعلب، وإذا جاع ثلاثة أيام ثم أكل سمن في يومين، وهكذا تفعل النصارى بالخنازير في الروم يجيعونها ثلاثة أيام، ثم يطعمونها يومين لتسمن. وإذا مرض أكل السرطان فيزول مرضه. وإذا ربط على حمار ربطا محكما، ثم بال الحمار مات الخنزير. ومن عجيب أمره: أنه إذا قلعت إحدى عينيه مات سريعا، وفيه من الشبه بالإنسان أنه ليس له جلد يسلخ إلا أن يقطع بما تحته من اللحم وروى الخباري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «١» : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇ حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . وفي رواية «يهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الدجال، ويمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفاه الله فيصلي عليه المسلمون» . وهذا الحديث رواه أبو داود في آخر سننه في كتاب الملاحم مطوّلا قال الخطابي: وفي قوله: «ويقتل الخنزير» دليل على وجوب قتل الخنازير، وبيان أن أعيانها نجسة، وذلك أن عيسى ﵇ إنما ينزل في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية وقوله: «ويضع الجزية» معناه أنه يضعها عن النصارى واليهود وأهل الكتاب، ويحملهم على الإسلام فلا يقبل منهم غير دين الحق. فذلك معنى وضعها. وفي أواخر الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عيسى ابن مريم ﵊ لقي خنزيرا على الطريق، فقال له: إذهب بسلام، فقيل له: أتقول هذا الخنزير؟ فقال عيسى ﵊: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء.

стр. 423

فائدة: ذكر أهل التفسير وأصحاب السير، أن عيسى عليه الصلا والسلام استقبل رهطا من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، وقذفوه وأمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله تعالى خنازير، فلما رأى ذلك يهوذا، وهو رأس اليهود وأميرهم، فزع من ذلك وخاف دعوته، فجمع اليهود واستشارهم في أمر عيسى ﵊، فاجتمعت كلمة اليهود على قتله، فطرقوا عيسى ﵊ في بعض الليل ونصبوا خشبة ليصلبوه عليها، فأظلمت الأرض، وأرسل الله تعالى ملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى ﵊ الحواريين تلك الليلة، وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، ثم إن الحواريين خرجوا من عنده وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه فأتى إليهم أحد الحواريين، وقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلو له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه فلما دخل البيت، ألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، ورفع الله عيسى إليه. فدخلوا فرأوه، فأخذوه. فقال لهم: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقيل: إن الذي ألقي عليه شبهه كان من اليهود، وإسمه تطبانوس. وقيل: إن عيسى ﵊ قال للحواريين؟ أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل منهم. أنا يا نبي الله. فقتل ذلك الرجل وصلب ورفع الله تعالى عيسى ﵊ إليه، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فهو ﵊ طائر مع الملائكة المقربين حول العرش. وقال أهل التاريخ: حملت مريم بعيسى ﵉ ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم، من أرض أروى شلم، لمضي خمس وستين سنة، من غلبة الاسكندر على أرض بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة من عمره، ورفع من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وماتت أمه مريم بعد رفعه ﵇ بست سنين. وذكر ابن أبي الدنيا، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش فحمد الله تعالى وكبره وقال: يرزق الله الكلب والخنزير ولا يرزق أبا أسيد!؟ وروى ابن ماجه، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، إن النبي ﷺ قال «١» : «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والدر والذهب» . وفي اسناده كثير بن شنظير، وهو مختلف في توثيقه وتضعيفه. وقال في الإحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت أن أقلد الدر أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها. وفيه أيضا في الباب السادس من أبواب العلم، روي أن رجلا كان يخدم موسى ﵊ فجعل يقول: حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى ﵇ وجعل يسأل عنه فلم يجد له أثر. حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال: يا موسى أتعرف فلانا؟ قال: نعم. قال: هو هذا الخنزير. فقال موسى ﵇: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله الأول حتى أسأله بم أصابه ذلك؟ فأوحى الله تعالى إليه لو دعوتني بالذي دعا به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه، ولكن أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين. وكذلك رواه الإمام أبو طالب

стр. 424

المكي في قوت القلوب. وفي المستدرك عن أبي إمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو فيصبحون وقد مسخوا خنازير، وليخسفن الله بقبائل منها ودور منها حتى يصبحوا، فيقولوا قد خسف لليلة بدار بني فلان، وليرسلن عليهم حجارة كما أرسلت على قوم لوط، وليرسلن عليهم الريح العقيم بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات وقطعهم الرحم» . ثم قال: صحيح الاسناد. الحكم: لا يجوز بيع الخنزير لما روى أبو داود من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه» «١» . واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ورخص فيه الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي. وهو نجس العين كالكلب يغسل ما نجس بملاقاة شيء من أجزائه سبعا إحداهن بالتراب. ويحرم اكله لقوله «٢» تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ والرجس النجس. قال الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي: الضمير في قوله تعالى فَإِنَّهُ رِجْسٌ عائد على الخنزير لكونه أقرب مذكور ونظيره قوله «٣» تعالى: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ونازعه الشيخ أبو حبان وقال: إنه عائد على اللحم لأنه إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه، عاد الضمير على المضاف دون المضاف إليه، لأن المضاف هو المحدث عنه، والمضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف وتخصيصه. وقال شيخنا الأسنوي رحمه الله تعالى: وما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى، وذلك أن تحريم اللحم قد استفيد من قوله تعالى، أو لحم خنزير فلو عاد الضمير لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى الخنزير ليفيد تحريم اللحم والكبد والطحال وسائر أجزائه، وقال القرطبي، في تفسير سورة البقرة، لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة، إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به. ونقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته. وفي دعواه الإجماع نظر، لأن مالكا يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالا من الكلب فإنه يستحب قتله ولا يجوز الانتفاع به في حالة، بخلاف الكلب. وقال شيخ الإسلام النووي ﵀: ليس لنا دليل على نجاسته بل مقتضى المذهب طهارته كالأسد والذئب والفأرة. وقد روي أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الخرازة بشعره فقال: «لا بأس بذلك» «٤» رواه ابن خويز منداد. قال: ولأن الخزازة به كانت على عهد النبي ﷺ وبعده، موجودة ظاهرة ولم يعلم أنه ﷺ أنكرها، ولا أحد من الأئمة بعده. وقال الشيخ نصر المقدسي: لا يجوز المسح على خف خرز بشعره ولا الصلاة فيه وإن غسله سبعا إحداهن بالتراب، لأن التراب والماء لا يصلان إلى مواضيع الخرز المتنجسة قال الإمام النووي: وهذا الذي ذكره الشيخ أبو الفتح نصر هو المشهور. وقال القفال، في شرح التلخيص: سألت الشيخ أبا زيد عنه، فقال: الأمر إذا ضاق اتسع. ومراده أن بالناس ضرورة إليه، فتصح الصلاة فيه لذلك. وفي الشرح والروضة في أواخر كتاب الأطعمة قريب من ذلك. ولا يجوز اقتناء الخنزير سواء كان يعدو على الناس أو لم

стр. 425

يكن يعدو، فإذا كان يعدو وجب قتله قطعا وإلا فوجهان: أحدهما يجب قتله، والثاني يجوز قتله، ويجوز إرساله وهو ظاهر نص الشافعي. فالوجهان في وجوب قتله، وأما اقتناؤه فلا يجوز بحال كما صرح به في شرح المهذب وغيره. وفي سنن أبي داود من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة الحائض، ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه قذفه بحجر» . وفيه «١» أيضا من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال «٢» : «من باع الخمر فليشقص الخنازير» . قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها. وقال في النهاية: معناه فليقطعها ويفصلها أعضاء كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها. والمعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره من باع الخمر فليكن للخنازير قصابا. وجعله الزمخشري من كلام الشعبي. الأمثال: قالوا: «أطيش من عفر» . والعفر ولد الخنزير، والعفر أيضا الشيطان، والعفر أيضا العقرب، وقالوا: «أقبح من خنزير» . وقالوا: «أكرهه كراهة الخنازير الماء الموغر» . وأصله أن النصارى تغلي الماء للخنازير فتلقيها فيه لتنضج، فذلك هو الإيغار. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر: ولقد رأيت مكانهم فكرهتهم ... ككراهة الخنزير للإيغار وقال ابن دريد: ألايغار أن يغلى الماء للخنازير فتسمط وهي حية. إشارة: ابن دريد هو محمد بن الحسن بن دريد أبو بكر الأزدي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، ومن جيد شعره المقصورة التي مدح بها الشاه بن ميكال وولده إسماعيل وعارضه فيها جماعة كثيرة من الشعراء، واعتنى بمقصورته جماعة من العلماء، فشرحوها. ومن تصانيفه الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة، قال بعض العلماء: ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء، وعرض له في أواخر عمره فالج، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه وسقي الترياق فبرىء منه ورجع إلى أسماع تلامذته ثم عاوده الفالج بعد حول، لغذاء ضار تناوله فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدميه. قال تلميذه أبو علي: كنت أقول في نفسي إن الله تعالى عاقبه بقوله في المقصورة حين ذكر الدهر بقوله «٣» : مارست من لوهوت الأفلاك ... من جوانب الجوّ عليه ما شكا وعاش بهذه الحالة عامين وكان آخر كلامه «٤» : فوا حزني إن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضي به الله صالح ثم قبض. قال ابن دريد: سهرت ليلة فلما كان آخر الليل رأيت رجلا دخل علي في المنام فأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد
следующие страницы →