← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يقال له لا توبة لك، وإن قتل يقال له توبة. وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وليس في الآية مستند لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر لأن الآية نزلت في قاتل كافر هو مقيس بن صبابة. كما تقدم. وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه. ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار. وروي أن عمرو بن عبيد قال لأبي عمرو بن العلاء، هل يخلف الله وعده؟ فقال أبو عمرو: لا. فقال: أليس قال «١» الله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فقال له أبو عمرو: أمن العجم أنت يا أبا عثمان؟ ألم تعلم أن العرب لا تعد الاخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما تعد اخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد قائلا: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وكان قد شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، أن رسول الله ﷺ قال «٢» ، وحوله أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستر الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه قال فبايعناه على ذلك» . وما روي أيضا في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة والله الموفق. الخمل: بالتحريك ضرب من السمك قاله ابن سيده. الخنتعة: كقنفذة الأنثى من الثعالب قاله الأزهري. الخندع: كجندب زنة ومعنى صغار الجنادب وقال في المحكم: إنه الخفاش في بعض اللغات. الخنزير البري: بكسر الخاء المعجمة جمعه خنازير وهو عند أكثر اللغوين رباعي وحكى ابن سيده عن بعضهم إنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر. فهو على هذا ثلاثي يقال تخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر، كقولك: تعامى وتجاهل، قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه في يوم صفين: إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت الطرف من غير حور ألفيتي ألوي بعيد المستمر ... كالحية الصماء في أصل الشجر أحمل ما حملت من خير وشر.

стр. 422

وكنية الخنزير أبو جهم وأبو زرعة وأبو دلف وأبو عتبة وأبو علية وأبو قادم، وهو يشترك بين البهيمية والسبعية، فالذي فيه من السبع الناب وأكل الجيف، والذي فيه من البهيمية الظلف وأكل العشب والعلف، وهذا النوع يوصف بالشبق، حتى إن الأنثى منه يركبها الذكر وهي ترتع، فربما قطعت أميالا وهو على ظهرها، ويرى أثر ستة أرجل، فمن لا يعرف ذلك يظن أن في الدواب ماله ستة أرجل. والذكر من هذا النوع يطرد الذكور عن الإناث، وربما قتل أحدهما صاحبه، وربما هلكا جميعا. وإذا كان زمن هيجان الخنازير، طأطأت رؤوسها، وحركت أذنابها، وتغيرت أصواتها. وتضع الخنزيرة عشرين خنوصا، وتحمل من نزوة واحدة، والذكر ينزو إذا تمت له ثمانية أشهر، والأنثى تضع إذا مضى لها ستة أشهر. وفي بعض البلاد ينزو الخنزير إذا تمت له أربعة أشهر، والأنثى تحمل جراءها وتربيها، إذا تمت لها ستة أشهر أو سبعة. وإذا بلغت الأنثى خمس عشرة سنة لا تلد. وهذا الجنس أنسل الحيوان، والذكر أقوى الفحول على السفاد وأطولها مكثا فيه، يقال: إنه ليس لشيء من ذوات الأنياب والأذناب، ما للخنزير من القوة في نابه، حتى إنه يضرب بنابه صاحب السيف والرمح، فيقطع كل ما لاقى من جسده من عظم وعصب، وربما طال ناباه فيلتقيان فيموت عند ذلك جوعا لأنهما يمنعانه من الأكل. وهو متى عض كلبا سقط شعر الكلب. وهو إذا كان وحشيا ثم تأهل، لا يقبل التأديب. ويأكل الحيات أكلا ذريعا، ولا يؤثر فيه سمومها، وهو أروغ من الثعلب، وإذا جاع ثلاثة أيام ثم أكل سمن في يومين، وهكذا تفعل النصارى بالخنازير في الروم يجيعونها ثلاثة أيام، ثم يطعمونها يومين لتسمن. وإذا مرض أكل السرطان فيزول مرضه. وإذا ربط على حمار ربطا محكما، ثم بال الحمار مات الخنزير. ومن عجيب أمره: أنه إذا قلعت إحدى عينيه مات سريعا، وفيه من الشبه بالإنسان أنه ليس له جلد يسلخ إلا أن يقطع بما تحته من اللحم وروى الخباري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «١» : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇ حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . وفي رواية «يهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الدجال، ويمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفاه الله فيصلي عليه المسلمون» . وهذا الحديث رواه أبو داود في آخر سننه في كتاب الملاحم مطوّلا قال الخطابي: وفي قوله: «ويقتل الخنزير» دليل على وجوب قتل الخنازير، وبيان أن أعيانها نجسة، وذلك أن عيسى ﵇ إنما ينزل في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية وقوله: «ويضع الجزية» معناه أنه يضعها عن النصارى واليهود وأهل الكتاب، ويحملهم على الإسلام فلا يقبل منهم غير دين الحق. فذلك معنى وضعها. وفي أواخر الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عيسى ابن مريم ﵊ لقي خنزيرا على الطريق، فقال له: إذهب بسلام، فقيل له: أتقول هذا الخنزير؟ فقال عيسى ﵊: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء.

стр. 423

فائدة: ذكر أهل التفسير وأصحاب السير، أن عيسى عليه الصلا والسلام استقبل رهطا من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، وقذفوه وأمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله تعالى خنازير، فلما رأى ذلك يهوذا، وهو رأس اليهود وأميرهم، فزع من ذلك وخاف دعوته، فجمع اليهود واستشارهم في أمر عيسى ﵊، فاجتمعت كلمة اليهود على قتله، فطرقوا عيسى ﵊ في بعض الليل ونصبوا خشبة ليصلبوه عليها، فأظلمت الأرض، وأرسل الله تعالى ملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى ﵊ الحواريين تلك الليلة، وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، ثم إن الحواريين خرجوا من عنده وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه فأتى إليهم أحد الحواريين، وقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلو له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه فلما دخل البيت، ألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، ورفع الله عيسى إليه. فدخلوا فرأوه، فأخذوه. فقال لهم: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقيل: إن الذي ألقي عليه شبهه كان من اليهود، وإسمه تطبانوس. وقيل: إن عيسى ﵊ قال للحواريين؟ أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل منهم. أنا يا نبي الله. فقتل ذلك الرجل وصلب ورفع الله تعالى عيسى ﵊ إليه، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فهو ﵊ طائر مع الملائكة المقربين حول العرش. وقال أهل التاريخ: حملت مريم بعيسى ﵉ ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم، من أرض أروى شلم، لمضي خمس وستين سنة، من غلبة الاسكندر على أرض بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة من عمره، ورفع من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وماتت أمه مريم بعد رفعه ﵇ بست سنين. وذكر ابن أبي الدنيا، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش فحمد الله تعالى وكبره وقال: يرزق الله الكلب والخنزير ولا يرزق أبا أسيد!؟ وروى ابن ماجه، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، إن النبي ﷺ قال «١» : «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والدر والذهب» . وفي اسناده كثير بن شنظير، وهو مختلف في توثيقه وتضعيفه. وقال في الإحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت أن أقلد الدر أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها. وفيه أيضا في الباب السادس من أبواب العلم، روي أن رجلا كان يخدم موسى ﵊ فجعل يقول: حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى ﵇ وجعل يسأل عنه فلم يجد له أثر. حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال: يا موسى أتعرف فلانا؟ قال: نعم. قال: هو هذا الخنزير. فقال موسى ﵇: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله الأول حتى أسأله بم أصابه ذلك؟ فأوحى الله تعالى إليه لو دعوتني بالذي دعا به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه، ولكن أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين. وكذلك رواه الإمام أبو طالب

стр. 424

المكي في قوت القلوب. وفي المستدرك عن أبي إمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو فيصبحون وقد مسخوا خنازير، وليخسفن الله بقبائل منها ودور منها حتى يصبحوا، فيقولوا قد خسف لليلة بدار بني فلان، وليرسلن عليهم حجارة كما أرسلت على قوم لوط، وليرسلن عليهم الريح العقيم بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات وقطعهم الرحم» . ثم قال: صحيح الاسناد. الحكم: لا يجوز بيع الخنزير لما روى أبو داود من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه» «١» . واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ورخص فيه الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي. وهو نجس العين كالكلب يغسل ما نجس بملاقاة شيء من أجزائه سبعا إحداهن بالتراب. ويحرم اكله لقوله «٢» تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ والرجس النجس. قال الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي: الضمير في قوله تعالى فَإِنَّهُ رِجْسٌ عائد على الخنزير لكونه أقرب مذكور ونظيره قوله «٣» تعالى: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ونازعه الشيخ أبو حبان وقال: إنه عائد على اللحم لأنه إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه، عاد الضمير على المضاف دون المضاف إليه، لأن المضاف هو المحدث عنه، والمضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف وتخصيصه. وقال شيخنا الأسنوي رحمه الله تعالى: وما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى، وذلك أن تحريم اللحم قد استفيد من قوله تعالى، أو لحم خنزير فلو عاد الضمير لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى الخنزير ليفيد تحريم اللحم والكبد والطحال وسائر أجزائه، وقال القرطبي، في تفسير سورة البقرة، لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة، إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به. ونقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته. وفي دعواه الإجماع نظر، لأن مالكا يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالا من الكلب فإنه يستحب قتله ولا يجوز الانتفاع به في حالة، بخلاف الكلب. وقال شيخ الإسلام النووي ﵀: ليس لنا دليل على نجاسته بل مقتضى المذهب طهارته كالأسد والذئب والفأرة. وقد روي أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الخرازة بشعره فقال: «لا بأس بذلك» «٤» رواه ابن خويز منداد. قال: ولأن الخزازة به كانت على عهد النبي ﷺ وبعده، موجودة ظاهرة ولم يعلم أنه ﷺ أنكرها، ولا أحد من الأئمة بعده. وقال الشيخ نصر المقدسي: لا يجوز المسح على خف خرز بشعره ولا الصلاة فيه وإن غسله سبعا إحداهن بالتراب، لأن التراب والماء لا يصلان إلى مواضيع الخرز المتنجسة قال الإمام النووي: وهذا الذي ذكره الشيخ أبو الفتح نصر هو المشهور. وقال القفال، في شرح التلخيص: سألت الشيخ أبا زيد عنه، فقال: الأمر إذا ضاق اتسع. ومراده أن بالناس ضرورة إليه، فتصح الصلاة فيه لذلك. وفي الشرح والروضة في أواخر كتاب الأطعمة قريب من ذلك. ولا يجوز اقتناء الخنزير سواء كان يعدو على الناس أو لم

стр. 425

يكن يعدو، فإذا كان يعدو وجب قتله قطعا وإلا فوجهان: أحدهما يجب قتله، والثاني يجوز قتله، ويجوز إرساله وهو ظاهر نص الشافعي. فالوجهان في وجوب قتله، وأما اقتناؤه فلا يجوز بحال كما صرح به في شرح المهذب وغيره. وفي سنن أبي داود من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة الحائض، ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه قذفه بحجر» . وفيه «١» أيضا من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال «٢» : «من باع الخمر فليشقص الخنازير» . قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها. وقال في النهاية: معناه فليقطعها ويفصلها أعضاء كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها. والمعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره من باع الخمر فليكن للخنازير قصابا. وجعله الزمخشري من كلام الشعبي. الأمثال: قالوا: «أطيش من عفر» . والعفر ولد الخنزير، والعفر أيضا الشيطان، والعفر أيضا العقرب، وقالوا: «أقبح من خنزير» . وقالوا: «أكرهه كراهة الخنازير الماء الموغر» . وأصله أن النصارى تغلي الماء للخنازير فتلقيها فيه لتنضج، فذلك هو الإيغار. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر: ولقد رأيت مكانهم فكرهتهم ... ككراهة الخنزير للإيغار وقال ابن دريد: ألايغار أن يغلى الماء للخنازير فتسمط وهي حية. إشارة: ابن دريد هو محمد بن الحسن بن دريد أبو بكر الأزدي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، ومن جيد شعره المقصورة التي مدح بها الشاه بن ميكال وولده إسماعيل وعارضه فيها جماعة كثيرة من الشعراء، واعتنى بمقصورته جماعة من العلماء، فشرحوها. ومن تصانيفه الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة، قال بعض العلماء: ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء، وعرض له في أواخر عمره فالج، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه وسقي الترياق فبرىء منه ورجع إلى أسماع تلامذته ثم عاوده الفالج بعد حول، لغذاء ضار تناوله فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدميه. قال تلميذه أبو علي: كنت أقول في نفسي إن الله تعالى عاقبه بقوله في المقصورة حين ذكر الدهر بقوله «٣» : مارست من لوهوت الأفلاك ... من جوانب الجوّ عليه ما شكا وعاش بهذه الحالة عامين وكان آخر كلامه «٤» : فوا حزني إن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضي به الله صالح ثم قبض. قال ابن دريد: سهرت ليلة فلما كان آخر الليل رأيت رجلا دخل علي في المنام فأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد

стр. 426

شيئا فقال: أنا أشعر منه، قلت: من أنت؟ قال: أنا أبو ناجية من أهل الشام ثم أنشدني «١» : وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له: أسأت فقال: ولم؟ قلت لأنك قلت: وحمراء، فقدمت الحمرة ثم قلت: بين ثوبي نرجس وشقائق، فقدمت الصفرة فقال: ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض؟ ويقال: إن ابن دريد أنشدهما لنفسه، وكان ابن دريد يشرب الخمر إلى أن جاوز تسعين سنة، وكان، حين أصابه الفالج، صحيح الذهن والعقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا. وتوفي في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد، ودريد تصغير أدرد وهو الذي ليس في فيه سن قاله ابن خلكان وغيره. الخواص: كبده إذا أكلت أو سقيت لإنسان نفعت من نهش الهوام خصوصا الحيات، وإن جفت وسقيت لمن به ريح الفالج والقولنج، برىء من وقته، وإذا قطرت مرارته في أنف رجل مربوط في كل جانب من أنفه ثلاث قطرات انطلق وبرىء، وإذا أحرق عظمه وسحق وشربه من به البواسير، فإنها تهدأ وتبرأ، بإذن الله تعالى، وقيل: إن حشي به موضع الناسور، أبرأه وعظمه يعلق على من به حمى الربع تذهب عنه، وقال يوحنا إن مما جربته الحكماء القدماء، أن عظم الخنزير يعلق على من به حمى الربع في خرقة تعقد فيه يبرأ منها، وإن جففت مرارته ووضعت على البواسير قلعتها من ساعتها، وزبله إذا أمسكه من به فواق دائم أبرأه، وإن شرب فتت الحصا. وأجوده زبل البري، وإن عجن بخل وطلي به الرأس نفع من سائر الجراحات، والجروح التي تظهر به، وإذا لطخ به، أصل شجرة الرمان الحامض أبدله حلوا وعرقوبه إذا أحرق وسحق وعجن بعسل وسقي لمن به مغص ونفخ في معدته وأمعائه وزن مثقال، فإنه ينفع نفعا عظيما. التعبير: الخنزير تدل رؤيته على الشر والنكد والإفلاس، وعلى المال الحرام، وتدل رؤية إناثه على كثرة النسل، فإن حصل له منه ضرر في المنام ربما تنكد من نصراني، وقيل: الخنزير في المنام عدو قوي ملعون خدوع عند النوائب، غدّار فمن رأى أنه ركب خنزيرا نال مالا وقهر عدوا كما وصفت ومن أكل لحم الخنزير مطبوخا نال مالا وتجارة من غير حل. ومن رأى أنه تحول خنزيرا نال مالا مع ذلة ووهن في الدين ومن رأى أنه يمشي، كما يمشي الخنزير، نال سرورا وقرة عين. وأولاد الخنازير هموم لمن ملكها والخنزير الأهلي خصب لمن رأه بداره، وكل حيوان يتربى عاجلا ويألف فهو تمام قصد من رآه وقضاء حاجته. والبري يدل للمسافر على مطر أو برد. ومن رعى الخنازير في المنام فإنه يلي على قوم من اليهود والنصارى. ومن رأى كأن زوجته صارت خنزيرة، فإنه يطلقها لأنه حرمت عليه. ولحمه خير لجميع الناس لأن الخنزير لا ينفع إلا بعد موته وهو مال حرام لقوله «٢» تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ* ففيه إشارة لذلك والله أعلم

стр. 427

الخنزير البحري: سئل مالك عنه فقال: أنتم تسمونه خنزيرا يعني أن العرب لا تسميه بذلك لأنها لا تعرف في البحر خنزيرا والمشهور أنه الدلفين. وسيأتي إن شاء الله في باب الدال المهملة قال الربيع: سئل الشافعي رضي الله تعالى عنه عن خنزير الماء فقال: يؤكل. وروي أنه لما دخل العراق قال فيه: حرمه أبو حنيفة وأحله ابن أبي ليلى. وروي هذا القول عن عمرو عثمان وابن عباس وأبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، والحسن البصري والأوزاعي والليث وأبى مالك أن يقول فيه شيئا وأبقاه مرة أخرى على جهة الورع. وحكى ابن أبي هريرة عن ابن خيران أن اكارا صاد له خنزير ماء، وحمله إليه فأكله وقال: كان طعمه موافقا لطعم الحوت سواء. وقال ابن وهب: سألت الليث بن سعد عنه، فقال: إن سماه الناس خنزيرا لم يؤكل لأن الله حرم الخنزير. الخنفساء: معروفة، وكان من حقها أن تكتب قبل هذا لأن نونها زائدة وهي بفتح الفاء ممدودة الأنثى خنفساءة وقال ابن سيده: الخنفساء دويبة سوداء أصغر من الجعل منتنة الريح. والأنثى خنفسة وخنفساءة وضم الفاء في كل ذلك لغة. والخنفس إسم للكثير من الخنافس. وقال الأصمعي: لا يقال خنفساءة بالهاء وكنيتها أم القسور وأم الأسود، وأم مخرج وأم اللجاج، وأم التن، تتولد من عفونة الأرض وهي طويلة الظمأ وبينها وبين العقرب صداقة، ولهذا يسميها أهل المدينة الشريفة جارية العقرب. وهي أنواع منها الجعل وحمار قبان، وبنات وردان، والحنطب وهو ذكر الخنافس، والخنفساء مخصوصة بكثرة الفسو كالظربان ولذلك تقول العرب في أمثالها «١» : «إذا تحركت الخنفساء فست» . قال حنين بن إسحاق: طريق طرد الخنافس أن يطرح في أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان. وروى ابن عدي في كامله في ترجمة أبي معشر وإسمه نجيح عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٢» : «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية، أو ليكونن أبغض إلى الله تعالى من الخنافس» . غريبة: حكى القزويني أن رجلا رأى خنفساء فقال: ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه؟ ألحسن شكلها أو لطيب ريحها! فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب، فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري، فقالوا: وما تصنع بطرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء! فقالى: لا بد لي منه، فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء، فضحك الحاضرون منه، فتذكر العليل القول الذي سبق منه، فقال: احضروا له ما طلب فإن الرجل على بصيرة من أمره، فأحضروها له، فأحرقها وذر رمادها على قرحته فبرىء بإذن الله تعالى. فقال للحاضرين: إن الله ﵎ أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية. وحكى: «٣» ابن خلكان في ترجمة جعفر بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي أنه

стр. 428

كان عنده أبو عبيدة الثقفي فقصدته خنفساء فأمر جعفر بإزالتها، فقال أبو عبيدة: دعوها عسى أن يأتين بقصدها إليّ خير، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار، فقال: تحقق زعمهم. فأمر بتنحيتها فقصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى. الحكم يحرم أكلها لاستخباثها. وقال الأصحاب: ما لا يظهر فيه ضر ولا نفع، كالخنافس والدود والجعلان والسرطان والبغاث والرخمة والعظاءة والسلحفاة والذباب وأشباهها، يكره قتلها للمحرم وغيره، هكذا قطع به الجمهور. وحكى إمام الحرمين وجها شاذا إنه لا يحرم قتل الطيور والحشرات. ودليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ ، قال «١» : إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . وليس من الإحسان قتلها عبثا. وروى البيهقي عن قطبة الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره. الأمثال: يقال: «أفسى من الخنفساء «٢» وقالوا: «الخنفساء إذا مست نتنت «٣» » . أي جاءت بالنتن الكثير. يضرب لمن ينطوي على خبث معناه لا تفتشوا على ما عنده، فإنه يؤذيكم بنتن معايبه. وقال خلف الأحمر «٤» النحوي يهجو العتبي «٥» : لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب ألج لجاجا من الخنفساء ... وأدهى إذا ما مشى من غراب «٦» الخواص: إذا أخذت رؤوس الخنافس وجعلت في برج حمام اجتمع الحمام إليه، والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر، ويجلو غشاوة العين، ويزيل البياض، وينفع السبل نفعا عظيما بليغا. وإذا بخر المكان بورق الدلب، هرب منه الخنافس وإن أخذت خنفساء وطبخت بعصير السمسم وقطر في الأذن منه، فإنه نافع من جميع أوجاع الأذن وإن شدخت خنفساء وربطت على لسعة العقرب أبرأتها، وإن أحرقت وذر رمادها على القرحة أبرأتها، ومن أكل الخنفساء ولم يشعر بها حتى دخلت إلى جوفه، وهي حية قتلته من وقته. التعبير: الخنفساء في المنام تدل رؤيتها على موت النفساء، ورؤية الذكر تدل على رجل يخدم الأشرار. وربما دلت رؤيته على عدوّ قذر بغيض والله أعلم. الخنّوص: بكسر الخاء وتشديد النون ولد الخنزير، والجمع الخنانيص. قال الأخطل يخاطب بشر بن مروان:

стр. 429

أكلت الدجاج فأفنيتها ... فهل في الخنانيص من مغمرّ ويروي أكلت القطاة قاله ابن سيده. وحكمه وتعبيره: كالخنزير. الخواص: مرارته تحلل الأورام اليابسة، وإذا خلطت بعسل وطلي بها احليل الرجل هيج الباه بشهوة عظيمة. وشحمه المذاب إذا مسح به أصل شجر الرمان الحامض أبدله حلوا. الخيتعور: الذئب لأنه لا عهد له. وقيل: الخيتعور الغول، والياء فيه زائدة، وفي الحديث: «ذاك أزب العقبة يقال له الخيتعور» . يريد به شيطان العقبة فجعل الخيتعور إسما له. وقيل: الخيتعور كل شيء يضمحل ولا يدوم على حالة واحدة ولا يكون له حقيقة كالسراب قال الشاعر «١» : كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب حبها خيتعور وقيل: الخيتعور دويبة تكون في وجه الماء لا تثبت في موضع إلا دبت. وقيل: الخيتعور الذي ينزل في الهواء، أبيض كالخيط أو كنسج العنكبوت. وقيل الخيتعور الدنيا الذاهبة والله أعلم. الخيدع: والخيطل السنور وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين. الأخيل: طائر أخضر على جناحيه لمع تخالف لونه سمي بذلك للخيلان. وقيل للأخيل الشقراق وهو مشؤوم. ولفظه ينصرف في النكرة إذا سميت به، ومنهم من لا يصرفه في معرفة ولا نكرة ويجعله في الأصل صفة من التخيل. ويحتج بقوله حسان رضي الله تعالى عنه: ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي ... فما طائري فيها عليك بأخيلا «٢» الخيل: جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر. وقيل: مفرده خائل، قاله أبو عبيدة وهي مؤنثة والجمع خيول وقال السجستاني: تصغيرها خييل. وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية، فهو على هذا اسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن. ويكفي في شرف الخيل أن الله تعالى أقسم بها في كتابه فقال: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً » وهي خيل الغزو التي تعدو فتضج أي تصوّت بأجوافها. وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرسه بأصبعيه وهو يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة «٤» » . الأجر

стр. 430

والغنيمة. ومعنى عقد الخير بنواصيها أنه ملازم لها، كأنه معقود فيها والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة. قاله الخطابي وغيره قالوا: وكنى بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلان مبارك الناصية، وميمون الغرة أي الذات. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا «١» » . قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال ﷺ : «بل أنتم أصحاب إخواننا الذي لم يأتوا بعد» . فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال ﷺ : «أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال ﷺ : «فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» «٢» . وفي رواية البيهقي، «إن أمتي يأتون يوم القيامة، غرا من السجود، محجلين من الوضوء، ولا يكون ذلك لأحد من الأمم غيرهم» . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ «كان يكره الشكال من الخيل» «٣» والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى بياض، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى، كذا وقع تفسيره في صحيح مسلم وهذا أحد الأقوال في الشكال. وقال أبو عبيدة وجمهور أهل اللغة: والغريب هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجلة، وواحدة مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبا. وقال أبو عبيدة: وقد يكون الشكال ثلاث قوائم مطلقة وواحدة محجلة، قال: ولا تكون المطلقة أو المحجلة إلا في الرجل. وقال ابن دريد: هو أن يكون محجلا في شق واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفا، قيل: شكال مخالف، وقيل: الشكال بياض اليدين، وقيل: بياض الرجلين. قال العلماء: إنما كرهه ﷺ ، لأنه على صورة المشكول وقيل: يحتمل أن يكون جرب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابة. وقال بعض العلماء: فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبهه بالشكال. وقال ابن رشيق، في عمدته في باب منافع الشعر ومضاره: إن أبا الطيب المتنبي لما ذهب إلى بلاد فارس ومدح عضد «٤» الدولة بن بويه الديلمي، وأجزل جائزته، رجع من عنده قاصدا بغداد، وكان معه جماعة، فخرج عليهم

стр. 431

قطاع الطريق، بالقرب من بغداد، فلما رأى الغلبة فر هاربا، فقال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل «١» : الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم فكر راجعا، وقاتل حتى قتل. فكان سبب قتله هذا البيت، وذلك في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وما أحسن قول أبي سليمان الخطابي في مدح العزلة والانفراد وإن لم يكن له تعلق بهذا المعنى: أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونما السرور وأدّبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيا ... أسار الخيل أم ركب الأمير فائدة : ذكر ابن خلكان في تاريخه أن شخصا سأل المتنبي عن قوله. بادر هواك صبرت أم لم تصبرا. كيف يثبت الألف في تصبرا مع وجود لم الجازمة! ومن حقه أن يقول لم تصبر؟ فقال أبو الطيب المتنبي: لو كان أبو الفتح بن جني ههنا لأجابك: هذه الألف هي بدل النون الساكنة لأنه كان في الأصل لم تصبرن، ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفا قال الأعشى «٢» : وذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا كان الأصل فاعبدن، فلما وقف عليها أتي بألف بدلا من النون ومراده بأبي الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور، وكان ابن جني قد قرأ على أبي علي الفارسي وفارقه وقعد للإقراء بالموصل، فمر به شيخه أبو علي يوما فرآه في حلقته، فقال له: زّببت وأنت حصرم، فترك حلقته وتبعه، ولم يزل ملازما له حتى مهر. وأبوه جني مملوك رومي، وله أشعار حسنة وكان أعوّر بعين واحدة وفي ذلك يقول «٣» : صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسده فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائدة وله تصانيف مفيدة وشرح ديوان المتنبي ولذلك أشار إليه المتنبي كما تقدم وكانت وفاة

стр. 432

ابن جني في صفر ببغداد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وفي سنن النسائي، من حديث سلمة بن نفيل الكوني أن النبي ﷺ «نهى عن إذالة الخيل» ، وهو امتهانها في الحمل عليها واستعمالها. وأنشد أبو عمر بن عبد البر، في التمهيد لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن العز فيها والجمالا إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فأشركنا العيالا نقاسمها المعيشة كل يوم ... ونكسوها البراقع والجلالا فائدة: رأيت في تاريخ نيسابور، للحاكم أبي عبد الله في ترجمة أبي جعفر الحسن بن محمد بن جعفر الزاهد العابد أنه روى بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال قال رسول الله ﷺ : «لما أراد الله أن يخلق الخيل، قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقا، أجعله عزا لأوليائي ومذلة لأعدائي وجمالا لأهل طاعتي فقالت الريح: اخلق يا رب، فقبض منها قبضة فخلق منها فرسا، وقال جل وعلا: خلقتك عربيا وجعلت الخير معقودا بنواصيك، والغنائم محتازة على ظهرك، وبّوأتك سعة من الرزق وأيدتك على غيرك من الدواب، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطيرين بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب وإني سأجعل على ظهرك رجالا يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني» . ثم قال ﷺ : «ما من تسبيحة وتهليلة وتكبيرة، يكبرها صاحبها قد فتسمعه الملائكة إلا تجيبه بمثلها. قال: فلما سمعت الملائكة بخلق الفرس، قالت: يا رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك ونهلك ونكبرك، فماذا لنا؟ فخلق الله تعالى لها خيلا لها أعناق كأعناق البخت، يمد بها من شاء من أنبيائه ورسله، قال: فلما استوت قوائم الفرس في الأرض. قال الله تعالى له: إني أذل بصهيلك المشركين، وأملأ منه آذانهم، وأذل به أعناقهم، وأرعب به قلوبهم. قال: فلما أن عرض الله تعالى على آدم كل شيء مما خلق، قال له: اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس. فقيل له: اخترت عزك وعز ولدك خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا أبد الآبدين، ودهر الداهرين» . وهو في شفاء الصدور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بغير هذا اللفظ. ولفظه إن النبي ﷺ قال: «لما أراد الله أن يخلق الخيل أوحى إلى ريح الجنوب: إني خالق منك خلقا فاجتمعي فاجتمعت، فأتى جبريل ﵇ فقبض منها قبضة، ثم قال الله له: هذه قبضتي ثم خلق منها فرسا كميتا. وقال الله : خلقتك فرسا وجعلتك عربيا، وفضلتك على سائر ما خلقت من البهائم، بسعة الرزق والغنائم، تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك. ثم أرسله فصهل، فقال جل وعلا: «يا كميت بصهيلك أرهب المشركين وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم، ثم وسمه بغرة وتحجيل فلما خلق الله تعالى آدم، قال: يا آدم اختر أي الدابتين أحببت: يعني الفرس أو البراق، وهو على صورة البغل لا ذكرو لا أنثى، فقال: يا جبريل اخترت أحسنهما وجها وهو الفرس، فقال الله تعالى: يا آدم اخترت عزك وعز أولادك باقيا ما بقوا، وخالدا ما خلدوا» . وفيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكرم وجهه أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة، يخرج من أعلاها حلل، ومن أسفلها خيل بلق

стр. 433

من ذهب مسرجة ملجمة، بلجم من در وياقوت، لا تروث ولا تبول، لها أجنحة خطوتها مد بصرها، يركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاؤوا، فيقول الذين أسفل منهم درجة: «يا ربنا بم بلغ عبادك هذه الكرامة كلها؟ فيقول بأنهم كانوا يقومون الليل، وكنتم تنامون، وكانوا يصومون النهار وكنتم تأكلون، وكانوا ينفقون وكنتم تبخلون، وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون. ثم يجعل الله في قلوبهم الرضا فيرضون وتقرّ أعينهم» . فائدة أخرى: أول من ركب الخيل إسماعيل ﵇، ولذلك سميت بالعراب، وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش، فلما أذن الله تعالى لأبراهيم وإسماعيل ﵉ برفع القواعد من البيت قال الله : إني معطيكما كنزا دخرته لكما، ثم أوحى الله إلى إسماعيل: أن اخرج فإدع بذلك الكنز، فخرج إلى أجياد، وكان لا يدري ما الدعاء والكنز! فألهمه الله تعالى الدعاء، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا اجابته، فأمكنته من نواصيها وتذللت له، ولذلك قال نبينا ﷺ : «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل» . وروى النسائي عن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهارة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ «لم يكن شيء أحب إليه، بعد النساء، من الخيل» . إسناده «١» جيد. وروى الثعلبي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال «٢» : «ما من فرس إلا ويؤذن له عند كل فجر بدعوة يدعو بها: اللهم من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحب أهله وماله إليه» . وقال «٣» ﷺ : «الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن فما اتخذني في سبيل الله تعالى وقوتل عليه أعدؤه، وفرس الإنسان ما استطرق عليه، وفرس الشيطان ما روهن عليه» . وفي طبقات ابن سعد بسنده، عن عريب المليكي أن النبي ﷺ سئل عن قوله «٤» تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من هم؟ فقال النبي ﷺ : هم أصحاب الخيل. ثم قال «٥» ﷺ : «إن المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها أرواثها يوم القيامة كذكي المسك» . وعريب بضم العين المهملة. وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ سابق بين الخيل التي ضمرت وكان أمدها من الحفياء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فيمن أجرى. وروى شيخ الإسلام الحافظ الذهبي في آخر طبقات الحفاظ، عن شيخه الحافظ شرف الدين الدمياطي، بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تحضر الملائكة من اللهو شيئا إلا ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته وإجراء الخيل، والنضال» . وروى الترمذي في صفة أهل الجنة بإسناد ضعيف عن واصل بن السائب عن أبي

стр. 434

سودة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أحب الخيل فهل في الجنة خيل؟ فقال «١» ﷺ : «إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة لها جناحان، فتحمل عليها فتطير بك في الجنة حيث شئت» . وفي معجم ابن قانع، إن هذا الإعرابي إسمه عبد الرحمن بن ساعدة الأنصاري. وكذلك ذكره الدينوري في أوائل المجالسة، وذكر ابن عدي بهذا الإسناد الضعيف، أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يتزاورون على نجائب بيض كأنهن الياقوت وليس في الجنة من البهائم إلا الإبل والطير. فائدة أخرى : خيل السباق عشرة: ذكرها الرافعي وغيره وحذفها من الروضة وهي مجل ومصل وتال وبارع ومرتاح وحظي وعاطف ومؤمل والسكيت والفسكل وإلى ذلك أشرت في المنظومة بقولي: مهمة خيل السباق عشرة ... في الشرح دون الروضة المعتبرة وهي مجل ومصل تالي ... والبارع المرتاح بالتوالي ثم حظي عاطف مؤمل ... ثم السكيت والأخير الفسكل فائدة أخرى: قال السهيلي في التعريف والإعلام: وأما خيل رسول الله ﷺ فأسماؤها: السكب، وهو من سكب الماء كأنه سيل، والسكب أيضا شقائق النعمان، والمرتجز سمي بذلك لحسن صهيله واللحيف كأنه يلحف الأرض لجريه، ويقال فيه اللخيف بالخاء المعجمة. وذكر البخاري في جامعه واللزاز ومعناه أنه ما سابق شيئا إلا لزه أي أثبته، وملاوح والضرس والورد وهبه لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فحمل عليه عمر في سبيل الله تعالى، وهو الذي وجده يبتاع برخص انتهى. فائدة أخرى: روى ابن السني وأبو القاسم الطبراني عن أبان بن أبي عياش والمستغفري أيضا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف أن أنظر أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، فأدن مجلسه، وأحسن جائزته وأكرمه. قال: فأتيته فقال لي: يا أبا حمزة إني أريد أن أعرض عليك خيلي فتعلمني أين هي من الخيل التي كانت مع رسول الله ﷺ ؟ فعرضها فقلت: شتان ما بينهما! تلك كانت أروائها وأبوالها وأعلافها أجرا، وهذه هيئت للرياء والسمعة. فقال الحجاج: لولا كتاب أمير المؤمنين فيك لضربت الذي فيه عيناك! فقلت: ما تقدر على ذلك، قال: ولم؟ قلت: لأن رسول الله ﷺ علمني دعاء أقوله لا أخاف معه من شيطان ولا سلطان ولا سبع. فقال: يا أبا حمزة علمه ابن أخيك يعني ابنه محمد بن الحجاج، فأبيت عليه. فقال لابنه: أئت عمك أنسا فتسأله أن يعلمك ذلك. قال أبان: فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا أبا أحمد إن لك إلي انقطاعا، وقد وجبت حرمتك، وإني معلمك الدعاء الذي علمني رسول الله ﷺ ، فلا تعلمه من لا يخاف الله أو نحو ذلك، وهو ذلك الدعاء المبارك: الله أكبر الله أكبر بسم الله على نفسي وديني، بسم الله على أهلي ومالي، بسم الله على كل شيء أعطانيه ربي، بسم الله خير الأسماء، بسم الله الذي لا يضر مع إسمه داء، بسم الله الذي لا يضر إسمه

стр. 435

شيء، في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، بسم الله افتتحت، وعلى الله توكلت، الله الله ربي لا أشرك به شيئا أسألك اللهم بخيرك من خيرك، الذي لا يعطيه أحد غيرك، عز جارك وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، اجعلني في عبادك واحفظني من شر كل ذي شر خلقته، وأحترز بك من الشيطان الرجيم، اللهم إني احترس بك من شر كل ذي شر خلقته وأحترز بك منهم، وأقدم بين يدي بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «١» ومن خلفي مثل ذلك وعن يميني مثل ذلك وعن يساري مثل ذلك ومن فوقي مثل ذلك ومن تحتي مثل ذلك. مسألة: قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى: ورد مثال كريم ممن هو حقيق بالتبجيل والتعظيم، يتضمن السؤال عن الخيل: هل كانت قبل آدم ﵇ أو خلقت بعده؟ وهل خلق الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور؟ وهل العربيات قبل البراذين أو البراذين قبل العربيات؟ وهل ورد في الحديث أو الأثر أو السير أو الأخبار ما يدل على ذلك؟ والجواب: أن نختار أن خلق الخيل كان قبل خلق آدم ﵇ بيومين أو نحوهما، وأن خلق الذكور قبل الأناث وأن العربيات قبل البراذين، أما قولنا إن خلقها كان قبل خلق آدم فلآيات في القرآن سنذكرها آية آية وتذكر وجه الاستدلال والمعنى فيه، وهو أن الرجل الكبير يهيء له ما يحتاج إليه قبل قدومه وقال «٢» تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فالأرض وكل ما فيها مخلوق لآدم وذريته إكراما لهم، ومن كمال إكرامهم وجودها قبلهم، فجميع ذلك مقدم على خلقه ثم كان خلق آدم بعد ذلك آخر الخلق، لأنه وذريته أشرف الخلق، ألا يرى أن النبي ﷺ أشرف من الجميع، ولذلك كان آخرا لأن به ﷺ تم كمال الوجود، وما سوى آدم مما هيىء له حيوان وجماد. والحيوان أشرف من الجماد، والخيل من أشرف الحيوان، غير الآدمي فكيف يؤخر خلقها عنه فهذه الحكمة تقتضي تقديم خلقها مع غيرها من المنافع. وإنما قلنا بيومين أو نحوهما، لحديث ورد فيه، يتضمن أن بث الدواب يوم الخميس، والحديث في الصحيح، لكن فيه كلام. ولا شك أن خلق آدم ﵇ كان يوم الجمعة، والحديث المذكور يتضمن أنه بعد العصر، فلذلك قلنا إنه بيومين أو نحوهما على التقريب. وأما التقدم فلا يتردد فيه، والمعنى فيه قد ذكرناه. وأما الآيات التي تدل له، فمنها قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ووجه الاستدلال أن الآية الكريمة اقتضت خلق ما في الأرض جميعا قبل تسوية الرحمن السماء، ومن جملة ما في الأرض الخيل، فالخيل مخلوفة قبل تسوية السماء عملا بالآية ودلالة ثم على الترتيب، وتسوية السماء قبل خلق آدم ﵇، لأن تسوية السماء كانت في جملة الأيام الستة لقوله تعالى: رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها «٣» إلى قوله جل وعلا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «٤» ودلالة الحديث الصحيح المجمع عليه على أن خلق آدم ﵇ يوم الجمعة بعد كمال المخلوقات أما آخر الأيام الستة إن قلنا إن

стр. 436

ابتداء الخلق يوم الأحد، كما يقوله المؤرخون وأهل الكتاب، وهو المشهور عند أكثر الناس، وأما في اليوم السابع فهو خارج عن الأيام الستة كما يقتضيه الحديث، الذي أشرنا إليه فيما سبق الذي في صحيح مسلم، الذي صدره إن الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وإن كان فيه كلام. وأما تأخر خلق آدم ﵇، فلا كلام فيه فثبت بهذا أن خلق الخيل قبل خلق آدم ﵇، وهي من جملة المخلوقات في الأيام الستة لا كما يقوله بعض الجهلة الكفرة. ويروي فيه أحاديث موضوعة لا تصدر إلا عن اسخف المجانين لا حاجة بنا إلى ذكرها. ومن الآيات قوله «١» تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وجه الاستدلال بهذه الآية أن الأسماء كلها إما أن يراد بها نفس الأسماء أو صفات المسميات، ومنافعها وعلى كلا التقديرين المسميات موجودة في ذلك الوقت للإشارة إليها بقوله: هؤلاء. ومن جملة المسميات الخيل، فلتكن موجودة حينئذ. والأسماء عام بالألف واللام مؤكدة بقوله تعالى: كُلَّها* فتقوى العموم فيه. والمسميات لا بد من إرادتها بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقوله تعالى: بِأَسْمائِهِمْ* فهذا دليل قاطع في ذلك. والعموم شامل للخيل فمن رأى دلالة العموم قطيعة، يقطع بدخولها ومن لا يرى ذلك يستدل به فيه كما يستدل بسائر الأدلة الشرعية. ومن الآيات قوله تعالى في سورة الم تَنْزِيلُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ* «٢» وجه الاستدلال اقتضاؤها خلق ما بينهما في الستة، وقد قلنا إن خلق آدم ﵇ خارج عن الأيام الستة بعدها أو حاصل في آخرها بعد خلق غيره كما سبق وفي الآيات قوله «٣» تعالى في سورة ق وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ وجه الاستدلال بها ما قد مناه فيما قبلها، فهذه أربع آيات تدل على ذلك فيها كفاية. وقد جاء عن وهب بن منبه في الاسرائيليات، أن الخيل خلقت من ريح الجنوب وذلك لا ينافي ما قلناه، ولا تلتزم صحته، لأنا لا نصحح إلا ما صح لنا، عن الله تعالى ورسوله ﷺ . وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أن الخيل، كانت وحوشا وأن الله تعالى ذللها لإسماعيل ﵊. وذلك لا ينافي ما قلناه، فقد تكون مخلوقة من قبل آدم ﵇، واستمرت على وحشيتها إلى عهد إسماعيل ﵇. أو كانت تركب في وقت، ثم توحشت ثم ذللت لإسماعيل ﵇. وليس في ذلك عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة دليل، فالمعتمد ما قلناه من دلالة القرآن والذي قيل من أن إسماعيل ﵇ أول من ركبها أمر مشهور ولكن اسناده ليس صحيحا حتى نلتزمه. وقد قلنا إنا لا نلتزم إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله ﷺ . وفي تفسير القرطبي من رواية الترمذي الحكيم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أذن الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام برفع القواعد، قال الله ﵎ إني معطيكما كنزا ادخرته لكما. ثم أوحى الله إلى إسماعيل ﵇، أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز

стр. 437

فألهمه الله تعالى الدعاء، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته وأمكنته من ناصيتها وذللها الله تعالى له. ولو ذكرنا ما قال الناس في ذلك، وشرحناه بطوله لطال. فقد تكلم الناس في ذلك كثيرا وذكروا من خواص الخيل ومنافعها شيئا كثيرا، ليس ذلك كله مما نلتزم صحته، ومطالبة القاصد بسرعة الجواب، في أسرع وقت، تقتضي الاقتصار على ما قلناه، وفيه كفاية. وأما قولنا إن خلق الذكور قبل الإناث، فلأمرين: أحدهما شرف الذكر على الأنثى، والثاني حرارته وإن كان الإثنان من جنس واحد، من مزاج واحد، فأحدهما أكثر حرارة من الآخر، فقد جرت عادة القدرة الإلهية بتكوين أقواهما حرارة قبل الآخر، والذكر أقوى حرارة من الأنثى، فناسب أن يكون وجوده أسبق ولتحصل المنة به أكثر، ولذلك كان خلق آدم ﵇ قبل خلق حوّاء، ولأن أعظم ما يقصد له الخيل الجهاد، والذكر في الجهاد خير من الأنثى، لأن الذكر أجرى وأجرأ، أعني أشد جريا وأقوى جراءة، ويقاتل مع راكبه والأنثى بخلاف ذلك، وقد تقطع بصاحبها أحوج ما يكون إليها، إذا كانت وديقا، ورأت فحلا، ولا يرد على ذلك ركوب جبريل ﵇ أنثى، لما جاز البحر بموسى ﵇، لأن ذلك لركوب فرعون فحلا فقصد طلبه للأنثى وعجز فرعون عن إمساك رأسه. وأما قولنا إن العربيات قبل البراذين، فلما ذكر من حديث إسماعيل ﵇، ولأن العربيات أشرف وآصل. والبرذون إنما يكون بعارض أو علة إما فيه وإما في أبيه أو أمه، ولم تكن البراذين تذكر فيما خلا من الزمان ألا ترى إلى قصة إسماعيل ﵇، وقصة سليمان ﵇، وإنما البراذين ما انتحس من الخيل، حتى اختلف العلماء هل يسهم كما يسهم للفرس العربي أو لا؟ وفي حديث من مراسيل مكحول، في بعض ألفاظه «للفرس سهمان وللهجين سهم» . فهذه الرواية تقتضي أن الهجين لا يسمى فرسا، والهجين هو البرذون أو قريب منه. وبالجملة البراذين حثالة الخيل وما كان الله تعالى ليخلق من الجنس حثالة في الأول. وأما الأحاديث النبوية والآثار الصحيحة، فإن ما جاء منها في فضيلة الخيل وسباقها، وشياتها وفضيلة اتخاذها، وبركتها والنفقة عليها وخدمتها، ومسح نواصيها والتماس نسلها، وثمنها ونمائها، والنهي عن خصائها، وجز نواصيها وأذنابها وإزالتها، وفيما يقسم لصاحبها من الغنيمة واختلاف العلماء فيه، وهل يجب فيها زكاة أو لا؟ وغير ذلك أضرّ بنا للعجلة. وهذه نبذة يسيرة كتبتها على سبيل العجلة في ساعة من النهار، ولعجلة المطالب بها، وإن اخترتم كتبت فيها كتابا مستقلا إن شاء الله تعالى. الحكم: أكل لحوم الخيل يأتي إن شاء الله تعالى، في باب الفاء في لفظ الفرس. وذكر الصميري، في شرح الكفاية، أنه لا يجوز بيعها لأهل الحرب كالسلاح، ويكره أن تقلد الأوتار لما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نهى عن ذلك قال الخطابي: «وأمره ﷺ بقطع قلائد الخيل» . قال مالك: أراه من أجل العين. وقال غيره: إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، وقال آخرون: لئلا تختنق بها عند شدة الركض، ويحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط. وقيل: معناه لا تطلبوا عليها الأوتار والدخول ولا تركضوها في درك الثار، على ما كان من عادتهم في الجاهلية والسبق فيها معتبر بالأعناق، وفي الإبل بالأكتاف، لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو،

стр. 438

فلا يمكن اعتبار مدها، والخيل تمدها. والمراد: إذا استوت أعناقها في الطول والقصر والإرتفاع لقوله «١» ﷺ : «بعثت أنا والساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر بإذنه» . وفي المستدرك وسنن أبي داود وابن ماجة ومسند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «٢» قال: «من أدخل فرسا بين فرسين، ولا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» . والصحيح أن الذمي يمنع من ركوبها، لقوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ فأمر أولياءه بإعدادها لأعدائه، ولأن ظهورها عز، وهم ضربت عليهم الذلة. وفي وجه أنهم لا يمنعون وينسب لأبي حنيفة مثله. وقال الشيخ أبو محمد الجويني: يمنعون من الشريفة دون البراذين الخسيسة. وألحق الإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، وجزم به الفوراني ولم يقيده بالنفيسة. ولا زكاة في الخيل عند الجمهور، لقوله «٣» ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» . متفق عليه. وأوجبها أبو حنيفة في إناثها المنفردة أو المجتمعة مع الذكور فعند ذلك صاحبها بالخيار، وإن شاء أعطى عن كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت ذكورا منفردة فلا شيء فيها. الأمثال: قالوا «٤» : «الخيل ميامين» . أي مباركات. قالوا: «الخيل أعلم بفرسانها» «٥» . يضرب للرجل يظن أن عنده غناء ولا غناء عنده. ومن كلمات النبي ﷺ التي لم يسبق إليها قوله: «يا خيل الله اركبي» . قالها يوم حنين في حديث أخرجه مسلم وهو على حذف مضاف، أراد ﷺ : «يا فرسان خيل الله اركبي» . وهو من أحسن المجازات، كقوله «٦» تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قال الجاحظ، في كتاب البيان والتبيين: عن يونس بن حبيب إنه قال: لم يبلغنا من بدائع الكلام ما بلغنا عن النبي ﷺ ، وغلط في هذا الحديث ونسب إلى التصحيف، وإنما قال القائل: ما بلغنا عن البتي، يريد عثمان البتي، فصحف الجاحظ. قالوا: والنبي ﷺ أجل من أن يخلط مع غيره من الفصحاء حتى يقال: ما بلغنا عنه من الفصاحة أكثر من الذي بلغنا عن غيره، كلامه أجل من ذلك وأعلى ﷺ . الخواص: الخيل إذا سقيت الزرنيخ الأحمر قتلها. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك في باب الفاء في لفظ الفرس ويأتي طرف من خواصه. التعبير: الخيل في المنام قوّة وزينة وعز وهي أشرف ما ركب من الدواب، فمن رأى عنده منها شئيا نال قوّة وعزا. وربما دل ذلك على اتساع حاله، وادرار رزقه، وانتصاره على

стр. 439

أعدائه، لقوله «١» تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ وربما ظفر بعدوّه لقوله «٢» : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ومن رأى خيلا تتطاير في الهواء فإنها فتنة. ولا خير في ركوب الخيل في غير محل الركوب كالسطح والحائط ونحوهما، وخيل البريد في الرؤيا قرب أجل من ركبها وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في باب الفاء في لفظ الفرس كما وعدنا والله أعلم. ومما جرب: لمغل الخيل والدواب أن يكتب على الحوافر الأربع: بسم الله الرحمن الرحيم فأصابها إعصار فيه نار، فاخترقت عجفون عجفون عجفون شاشيك شاشيك شاشيك وأيضا يكتب لحمر الخيل والدواب ويعلق عليها وقد جرب ولا طلهه هو هو هو رهت هر هر هر هر هر هر وهو هو هو هو هو هو هـ ه هـ ه هـ أمها هيالولوس درروبر حفرب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أم خنور: على وزن التنور والسفود الضبع وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة الكلام عليه والله الموفق للصواب. باب الدال المهملة الدابة: ما دب من الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس منها الطير لقوله» تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ورد بقوله «٤» تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ قال الشيخ تاج الدين بن عطاء رحمه الله تعالى: وهذه الآية مصرحة بضمان الحق الرزق، وقطعت ورود الهواجس والخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم كرت عليها جيوش الإيمان بالله تعالى، والثقة به فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق ولأن الطير يدب على الأرض برجليه في بعض حالاته قال الأعشى «٥» : بنات كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل وقال «٦» تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال «٧» : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ قال ابن عطية: مقصود الآية أن يبيّن أن هذه الطائفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله تعالى، وأنها في أخس

стр. 440

المنازل لديه وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وليفضل الكلب والخنزير والفواسق الخمس، وغيرها عليهم. والدواب كل ما دب يجمع الحيوان بجملته. وفي الصحيحين: عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ مر عليه بجنازة، فقال «١» : «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ فقال ﷺ : «العبد المؤمن مستريح من وصب الدنيا ونصبها إلى رحمة الله تعالى والعبد الفاجر تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» . وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة عن إبراهيم بن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «٢» قال: «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة خشية أن تقوم الساعة» . يروي مصيخة ومسيخة بالصاد والسين والأصل الصاد ومعانهما منصتة مستمعة. وفي الحلية: في ترجمة أبي لبابة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو من أهل الصفة، أن النبي ﷺ قال «٣» : «إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض، ولا جبال ولا رياح، ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم الساعة» . وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: أخذ النبي ﷺ بيدي وقال «٤» : «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى المغرب» . وإعلم: أنه يخلق ما يشاء بلا كلفة ونصب، ويختار ما يشاء بلا زلفة وسبب، يخلق ما يشاء بلا علاج، ويختار ما يشاء بلا احتياج، يخلق ما يشاء علما بربوبيته، ويختار ما يشاء دلالة على وحدانيته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا. وفي كامل ابن الأثير إن كسرى كان له خمسون ألف دابة وثلاثة آلاف امرأة. غريبة: في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة ركن الدولة بن بويه، أنه حارب عدوا له وضاقت الميرة على الطائفتين، حتى ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، فاستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى، فانو للمسلمين خيرا، وصمم العزم على حسن السيرة والإحسان، فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا، وإن انهزمنا تبعونا وقتلونا، وهم أكثر منا، فقال قد سبقتك إلى هذا يا أبا الفضل، قال أبو الفضل: ثم إن ركن الدولة استدعاني في تلك الليلة في الثلث الأخير، وقال: رأيت الساعة في منامي كأني على

стр. 441

دابتي فيروز. وقد انهزم عدونا، وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب، فمددت عيني فرأيت على الأرض خاتما فأخذته فإذا فصه فيروزج، فجعلته في إصبعي وتبركت به فانتهيت، وقد أيقنت بالظفر فإن الفيروزج الفرج جاء ومعناه الظفر، ولذلك لقب الدابة فيروز. قال ابن العميد: فلم أبرح إذ أتانا الخبر والبشارة بأن العدو قد رحل وتركوا خيامهم، فما صدقنا حتى تواترت الأخبار فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم وسرنا حذرين من كيدهم ومكرهم، وسرت إلى جانبه وهو على دابته فيروز، فصاح ركن الدولة بغلام بين يديه ناولني ذلك الخاتم فأخذ خاتما من الأرض فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في اصبعه، وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا هو الخاتم الذي رأيته في منامي بعينه. قال: وهذا عن أعجب ما يحكى وإسم ركن الدولة الحسن أبو علي، وكان ملكا جليلا مهابا وكان قد ملك أصبهان والري وهمذان، وجميع عراق العجم وقد فتح أكثر البلاد وملكها وقرر قواعدها وضبطها. توفي في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة وكان عمره تسعا وتسعين سنة وكانت مدة ملكه أربعا وأربعين سنة. وفي شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «١» قال: «لا تضربوا وجوه الدواب فإن كل شيء يسبح بحمده» وقد تقدم عنه حديث في البهيمة قريب من هذا وفي كتاب الاحياء في باب كسر الشهوتين، حديث «لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا أو لهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تزجي سحابا، ثم الشمس والقمر والأفلاك، وملوك الهواء ودواب الأرض، وآخر ذلك الخباز وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «٢» وروى الإمام أحمد والبيهقي في الشعب، عن محمد بن سيرين، قال: خرجت دابة تقتل الناس، فمن دنا منها قتلته فجاء رجل أعور فقال: دعوني وإياها فدنا منها فوضعت رأسها له حتى قتلها. فقالوا: حدثنا بأمرك، فقال: ما أصبت ذنبا قط إلا ذنبا واحدا بعيني هذه، فأخذت سهما وفقأتها به. قال الإمام أحمد: ولعل هذا كان جائزا في شريعة بني إسرائيل، أو في شريعة من كان قبلنا أما في شريعتنا فلا يجوز فقء العين، التي ينظر بها إلى ما لا يحل له. لكن يستغفر الله تعالى من ذلك ولا يعود إليه. وذكر «٣» ابن خلكان في ترجمة الربيع الجيزي أنه مر يوما بسكة من سكك مصر، فطرحت عليه إجانة من رماد، فنزل عن دابته، ونفض ثيابه فقيل له ألا تزجرهم! فقال: من استحق النار فصولح على الرماد، لم يجز له أن يغضب. والربيع بن سلمان هذا صاحب الشافعي، وهو أحد رواة القول الجديد عن الشافعي. وتوفي سنة خمس ومائتين. والجيزي نسبة إلى الجيزة قبالة مصر، والأهرام في عملها بالقرب منها، وهي من عجائب أبنية الدنيا، والأهرام قبور لملوك عظام، أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عليهم في حياتهم. قيل: إن المأمون لما وصل مصر أمر بنقب أحد الهرمين فنقب بعد جهد شديد، وغرامة نفقة عظيمة، فوجد داخله مراق ومها، ويعسر سلوكها، ووجد في أعلاها بيتا، مكعبا، طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض من صوّان مطبق فيه رمة بالية، قد أتت عليها العصور فكف عن نقب ما

стр. 442

سواه. ونقل أن هرمس الأول، وهو أخنوخ وهو ادريس استدل من أحوال الكواكب، على كون الطوفان فأمر ببنيان الأهرام، ويقال: إنه ابتناها في مدة ستة أشهر وكتب فيها: قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة عام، والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج فليكسها الحصر والحصر أيسر من الديباج. وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سلوة الاحزان: ومن عجائب الهرمين، أن سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع من رخام ومرمر، وفيها مكتوب أنا بنيتها بملكي، فمن ادعى قوة فليهدمها فإن الهدم أيسر من البناء، قال ابن المنادي: بلغنا أنهم قدروا خراج الدنيا مرارا، فإذا هو لا يقوم بهدمها والله أعلم. وفي صحيح «١» مسلم وغيره عن صهيب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: «كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له وفي رواية ساحر فقال الساحر: إني قد كبرت وأخاف أن أموت فينقطع عنكم علمي ولا يكون فيكم من يعلمه فانظروا إلي غلاما فهيما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا، فنظروا له غلاما على ما وصف، وأمروه أن يحضر ذلك الساحر، وأن يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع يومئذ كانوا مسلمين فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره فقال: إنما أنا عبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب. ويبطىء على الساحر، فأرسل إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما الغلام على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة وقد حبست الناس، فقال: اليوم يبين أمر الراهب من أمر الساحر، فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم رمى بالحجر فقتلها. فقال الناس من قتلها؟ فقالوا: الغلام. ففزع الناس، وقالوا: لقد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد. قال: فسمع به أعمى، كان جليسا للملك، فقال له: إن رددت بصري فلك كذا وكذا! فقال له: لا أريد منك شيئا ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك، أتؤمن بالذي رده لك؟ قال: نعم فدعا الله تعالى فرد عليه بصره، فأمن الأعمى، وإنه جاء إلى الملك بعد ما شفي، فجلس معه كما كان يجلس، فقال له: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: وهل لك رب غيري؟ قال: الله ربي وربك. فأمر بالمنشار فوضع على رأسه حتى وقع شقاه» . وفي رواية الترمذي أن تلك الدابة كانت أسدا وأن الغلام لما قتلها أخبر الراهب فقال له إن لك شأنا وإنك تبتلى فلا تدل علي. وإن الملك بلغه أمرهم فبعث إليهم فأتي بهم إليه فقال: لاقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، ثم أمر بالراهب وبالرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق كل واحد منهما فقتله، ثم قتل المقعد بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فجعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون منه حتى لم يبق منهم إلا الغلام. قال: فرجع الغلام يمشي حتى أتى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم ربي بما شاء، فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت

стр. 443

فأغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه. فأقبل الغلام يمشي على وجه الماء حتى أتى الملك فتحير الملك في نفسه، فقال له الغلام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم. قال: إنك لا تقدر على ذلك حتى تصلبني وترميني بسهم من كنانتي وتقول إذا رميتني: بسم الله رب هذا الغلام بعد أن تجمع الناس في صعيد واحد. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد وأمر بالغلام أن يصلب فصلب، وأخذ الملك سهما من كناية الغلام وقال: بسم الله رب هذا الغلام ورماه فوقع السهم في صدغه فقتله ووضع الغلام يده على صدغه فقال الناس: آمنا برب هذا الغلام. فقيل للملك: إنك جزعت حين خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك فأمر بالأخدود، فخد أخدودا ثم ألقي فيه الحطب والنار ثم جمع الناس وقال لهم: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في ذلك الأخدود. فذلك قوله «١» تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ زاد مسلم فأتى بامرأة لتلقى في النار ومعها صبي رضيع، فجزعت فقال لها: الغلام يا أماه لا تجزعي فإنك على الحق. وذكر ابن قتيبة أن الغلام الرضيع، كان عمره سبعة أشهر. قال الترمذي وإن الغلام أخرج في زمان عمر رضي الله تعالى عنه ويده على صدغه كما وضعها حين قتل. وذكر صاحب السيرة محمد بن إسحاق فيها أن إسمه عبد الله بن التامر. وأن رجلا من أهل نجران حفر خربة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه في بعض حاجته، فوجده تحت الردم قاعدا واضعا يده على ضربة في صدغه، وفي يده خاتم مكتوب عليه «ربي الله» فكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه فكتب إليهم أن أقروه على حاله ففعلوا. قال السهيلي. ويصدقه قوله «٢» وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الآية وقوله ﷺ : «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» . خرجه «٣» أبو داود وذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء والعلماء والمؤذنين، قال: وهي زيادة غريبة، لكن الداودي من أهل الثقة والعلم. انتهى قال ابن بشكوال وكان إسم ذلك الملك يوسف ذا نواس، وكان بنجران وكان ملك حمير وما حوله، وقيل إسمه زرعة ذو نواس، وكان على دين اليهودية قاله السمرقندي. والوقعة كانت قبل مبعث النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان إسم ذلك الراهب قيتمون، قاله ابن بشكوال. وفي المثل السائر: «فلان أكذب من دبّ ودرج» «٤» . قال الجوهري: معناه أكذب الأحياء والأموات، لأنهم يدرجون في الأكفان وروى الترمذي الحكيم، عن زيد بن أسلم أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر رضي الله تعالى عنهم في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله ﷺ ، وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا قاصدهم إلى النبي ﷺ يسأله، فلما انتهى إليه سمعه يقرأ «٥» وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فقال الرجل: ما الأشعريون بأهون

стр. 444

على الله من الدواب، فرجع ولم يدخل على النبي ﷺ فأتى أصحابه وقال لهم: أبشروا فقد جاءكم الغوث فظنوا أنه قد أعلم النبي ﷺ بحالهم، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان معهما قصعة مملوأة خبزا ولحما فأكلوا ما شاء الله، ثم قال بعضهم لبعض: ردوا بقية هذا الطعام على رسول الله ﷺ فردوه، ثم إنهم أتوه فقالوا: يا رسول الله لم نر طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلته إلينا! فقال ﷺ : «ما أرسلنا إليكم شيئا فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم إليه، فسأله ﷺ فأخبره بما صنع، فقال «١» ﷺ : «ذلكم شيء رزقكموه الله » . قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري: هذه آية مصرحة بضمان الحق الرزق، وقطعت ورود الهواجس والخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم، كرت عليها جيوش الإيمان بالله والثقة به وبضمانه فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وذكر: ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال «٢» : إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن الله في الأرض حابسا يحبسها» . قال: الإمام النووي رحمه الله تعالى حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم، أنه انفلتت له دابة، أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقاله فحبسها الله تعالى عليه في الحال. قال: وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منهم بهيمة، فعجزوا عنها فقلت هذا الحديث فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. وروى ابن السني أيضا، عن الإمام السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه، وديانته وورعه ونزاهته، أبي عبد الله يونس بن عبيد بن دينار المصري التابعي، المشهور، رحمه الله تعالى، أنه قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «٣» إلا وقفت بإذن الله تعالى. وروى الطبراني، في معجمه الأوسط، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرؤوا في أذنه أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . وقد تقدم في باب الباء الموحدة في لفظ البلغة أن النبي ﷺ ركب بغلة فحادت به فحبسها، وأمر رجلا أن يقرأ عليها قل أعوذ برب الفلق فسكنت. فرع: في كتب الحنابلة يجوز الانتفاع بالدابة في غير ما خلقت له كالبقر للحمل واللركوب، والإبل والحمير للحرث وقوله ﷺ : «بينما رجل يسوق بقرة إذ أراد أن يركبها فقالت: إنا لم نخلق لذلك» . متفق «٤» عليه. المراد أنه معظم منافعها ولا يلزم منه منع غير ذلك. وقال الإمام أحمد من شتم دابة، قال الصالحون: لا تقبل شهادته لحديث المرأة التي لعنت الناقة. وفي صحيح «٥» مسلم عن أبي الدرداء ﵁: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» . فرع: يجب على مالك الدابة علفها ورعيها وسقيها لحرمة الروح كما في الصحيح عذبت

стр. 445

امرأة في هرة لأنها ذات روح فأشبهت العبد. فإن لم تكن ترعى لزمه أن يعلفها ويسقيها إلى أول شبعها وريها دون غايتهما، وإن كانت ترعى لزمه إرسالها لذلك حتى تشبع وتروى بشرط فقد السباع العادية ووجود الماء، فإن اكتفت بكل من الرعي أو العلف خير بينهما فإن لم تكتف إلا بهما الزماه، وإن احتاجت البهيمة إلى السقي ومعه ماء يحتاج إليه لطهارته سقاها وتيمم، فإن امتنع من العلف أجبر في مأكولة على بيع أو علف أو ذبح، وفي غيرها على بيع أو علف صيانة لها عن الهلاك فإن لم يفعل فعل الحاكم ما تقتضيه المصلحة، فإن كان له مال ظاهر بيع في النفقة، فإن تعذر جميع ذلك فمن بيت المال. فائدة: يستحب أن يقول عند ركوب الدابة ما رواه الحاكم والترمذي وصححاه عن علي بن ربيعة، قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد أتى بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك. فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: «إن ربك تعالى يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» «١» . وروى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ركب العبد الدابة ولم يذكر إسم الله تعالى، ردفه الشيطان، فقال: تغن فإن كان لا يحسن الغناء، قال له: تمن فلا يزال في أمنيته حتى ينزل» . وفيه عن أبي الدرداء رضي الله أن النبي ﷺ «٢» قال: «من قال إذا ركب دابة: بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء سبحانه ليس له سمي، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعليه السلام. قالت: الدابة: «بارك الله عليك من مؤمن خففت، عن ظهري وأطعت ربك، وأحسنت إلى نفسك بارك الله لك في سفرك وأنجح حاجتك» . وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن ادريس عن أبي النضر الدمشقي عن إسماعيل ابن عياش، عن عمرو بن قيس الملائي، أنه قال: إذا ركب الرجل الدابة، قالت: اللهم اجعله بي رفيقا رحيما، فإذا لعنها، قالت: على أعصانا لله لعنة الله. وفي كامل ابن عدي في ترجمة عباد، ابن كثير الثقفي، وكان شعبة، لا يستغفر له، أنه روى عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «اضربوا الدواب على النفار ولا تضربوها على العثار» . فرع: يجوز الارداف على الدابة إذا كانت مطيقة، ولا يجوز إذا لم تطقه. ففي الصحيحين «٣» عن اسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «أردفه حين دفع من عرفات

стр. 446

إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما، من مزدلفة إلى منى، وأنه ﷺ أردف معاذا رضي الله تعالى عنه على الرحل، وأردفه على حمار يقال له عفير وأمر ﷺ عبد الرحمن ابن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، أن يعتمر بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها من التنعيم، فأدرفها وراءه على راحلته، وأردف ﷺ صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وراءه، حين تزوجها بخيبر» وإذا أردف صاحب الدابة، فهو أحق بصدرها ويكون الرديف وراءه إلا أن يرضى صاحبها بتقديمه لجلالته أو غير ذلك. وأفاد الحافظ ابن منده أن الذين أردفهم النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون نفسا، ولم يذكر فيهم عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسير أن النبي ﷺ أردفه. وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «نهى أن يركب ثلاثة على دابة «١» » . فرع: قال أصحابنا ما ليس مأكولا من الدواب والطيور، إن كان فيه مضرة متمحضة، استحب قتله للمحرم وغيره كالفواسق الخمس والذئب والأسد والنمر والنسر والحدأة والبرغوث والقمل والزنبور والبق والقراد وأشباهها. فإن كان فيه منفعة ومضرة كالفهد والكلب المعلم والعقاب والبازي والصقر ونحوها فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة، ولا يكره لما فيه من الضرر، وهو الصيال على حمام الناس. والعقر وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر كالخنافسس والدود والجعلان والسرطان والبغاث والرخمة والعظاءة واللجا والذباب وأشباهها، فيكره قتله ولا يحرم، على ما قطع به الجمهور وحكى الإمام وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات لأنه عبث بلا حاجة. وأما دابة الأرض التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ. فهي الأرضة، وقيل سوسة الخشب قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ «٢» السبب في ذلك أن سليمان ﵇، كان قد أمر الجن ببناء صرح، فبنوه له، ودخله مختفيا ليصفو له يوم واحد من الدهر عن الكدر، فدخل عليه شاب فقال له: كيف دخلت من غير استئذان؟ فقال له إنما دخلت بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح! فعلم سليمان أنه ملك الموت، أتى ليقبض روحه. فقال: سبحان الله، هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفاء. فقال له: طلبت ما لم يخلق. فاستوثق من الاتكاء على العصا. وقد كانت بيت المقدس بقي من تمام بنائه سنة، فسأل الله تعالى تمامها على يد الإنس والجن. وكان يخلو بنفسه الشهرين والثلاثة فكانوا يقولون إنه يتحنث أي يعبد ربه، فقبض روحه، وكانت الجن تدعي علم الغيب، فلما قبض، بقيت الجن تعمل على عادتها، وقيل: إن ملك الموت أعلمه أنه بقي من عمره ساعة فدعا الجن فبنوا له الصرح، وقام يصلي متكئا على عصاه، فمات وهو متكىء عليها وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق، فمر واحد منهم فلم يسمع صوته، ثم رجع فسلم فلم يسمع له كلاما، فنظر فإذا هو قد خر ميتا، فعلمت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة. وكان عمره ﵇ ثلاثا وخمسين سنة. والمنسأة العصا،

стр. 447

وكانت من خروب، وذلك أنه كان يتعبد في بيت المقدس فينبت له في محرابه كل سنة شجرة، فيسألها ما إسمك؟ فتقول الشجرة: إسمي كذا، فيقول لها: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمر بها فتقلع، فإن كانت تنبت بغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما إسمك؟ قالت: أنا الخروبة خرجت لخراب ملكك. فعرف أنه قد حضر أجله، فاستعد واتخذ منها عصا، واستدعى بزاد سنة، والجن تتوهم أنه يأكل بالليل. وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان الذي ابتدأ في بناء بيت المقدس داود ﵇، فرفعه قامة رجل ثم مات، فلما استخلف ابنه سليمان ﵇، أحب اتمامه فجمع الجن والشياطين، وقسم عليهم الأعمال، فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل في كل ربض منها سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في عمارة المسجد، فوجه الشياطين فرقا فرقا، يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها، والدر الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والرخام من أماكنها، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر أنواع الطيب. فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة، وتصييرها ألواحا، وثقب اليواقيت واللآلىء، واصلاح الجواهر، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي، وسقفه بالواح الجواهر الثمينة، ونضد سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت، وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلماء كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، فأعلم أنه قد بناه لله خالصا واتخذ ذلك اليوم عيدا. فائدة: قال بعض العلماء: سخر الله الجن لسليمان ﵇، وأمرهم بطاعته، ووكل بهم ملكا بيده صوت من نار، فمن زاغ منهم عن أمره، ضربه الملك ضربة أحرقته. قال أهل التفسير: أجرى الله تعالى لسليمان عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان ذلك بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان من النحاس. وروى الحاكم عن إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «كان سليمان نبي الله، إذا قام في مصلاه، رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول: ما إسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فإذا كانت لدواء كتبت، وإن كانت لغرس غرست، فبينما هو يصلي يوما إذ رأى شجرة، فقال: ما إسمك؟ قالت: الخروب. فقال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان عند ذلك: اللهم عم على الجن موتي، حتى يعلم الإنس إن الجن لا تعلم الغيب، قال: فاتخذ منها عصا، وتوكأ عليها، فأكلتها الأرضة، فسقط، فوجدوه ميتا حولا، فتبينت الإنس أن الجن، لو كانوا يعلمون الغيب، ما لبثوا حولا في العذاب المهين «١» » . وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرؤها هكذا ما لبثوا حولا في العذاب المهين، فشكرت الجن الأرضة. وكانت تأتيها بالماء والتراب حيث كانت ثم قال: صحيح الإسناد.

стр. 448

وأما الدابة التي هي أحد اشراط الساعة، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «١» قال: إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر. قيل: إنها دابة طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر، وقيل: هي مختلفة تشبه عدة من الحيوانات، يتصدع لها جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع، والناس سائرون إلى متى. وقيل: تخرج من الحجر وقيل: من أرض الطائف، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵉، لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب تضرب المؤمن بالعصا، وتكتب في وجهه مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه كافر. كذا رواه الحاكم في أواخر المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ ، وفيه عن أبي الطفيل عن أبي شريحة عن النبي ﷺ ، أنه قال: «يكون للدابة ثلاث خرجات في الدهر: تخرج أول خرجة بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة. ثم يكون زمان طويل ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم يكون زمان فبينما الناس يوما في أعظم المساجد عند الله حرمة، وأحبها إلى الله تعالى، وأكرمها على الله ، يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد بين الركن الأسود وباب بني مخزوم، فترفض الناس عنها شتى، وتثبت لها عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن يعجزوا الله هربا فتنفض عن رؤوسهم التراب، فتجلو عن وجوههم حتى تظل كأنها الكواكب الدرية، ثم تذهب في الأرض فلا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: أي فلان الآن تصلي؟ فيلتفت إليها فتسمه في وجهه، ثم تذهب فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في أموالهم، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقضني، ويقول المؤمن: يا كافر اقضني. وروى السهيلي أن موسى ﵇ سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس، فأخرجها الله له من الأرض، فرأى منظرا أفزعه وهاله، قال: أي رب ردها، فردها. قال: والدابة اسمها أقصد. كذا ذكره محمد بن الحسن المقري في تفسيره انتهى. روى أنها تخرج حين ينقطع الخير، ولا يؤمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يبقى منيب ولا تائب. وفي الحديث «٢» : «أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب، من أول اشراط الساعة» . ولم يعين الأول منهما، وكذلك الدجال وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر إن الدابة التي تخرج واحدة، وروي أنه يخرج من كل بلد دابة، مما هو مبثوث نوعها في الأرض، وليست بواحدة، فعلى هذا يكون قوله تعالى دابة إسم جنس.

стр. 449

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنها الثعبان الذي كان في جوف الكعبة، واختطفه العقاب، حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها، ألقاها بالحجون، فالتقمتها الأرض، فهي الدابة التي تخرج تكلم الناس، وتخرج عند الصفا. قاله محمد بن الحسن المقري، وهو غريب غير أن الرجل من أهل العلم، ولذلك حكينا قوله، وقال القرطبي: أنها فصيل ناقة صالح، لقوله في الحديث: «تخرج ولها رغاء» . والرغاء لا يكون إلا للإبل وهو غريب أيضا. وفي الميزان للذهبي، عن جابر الجعفي أنه كان يقول: دابة الأرض علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: وكان جابرا الجعفي شيعيا يرى الرجعة أي أن عليا رضي الله تعالى عنه يرجع إلى الدنيا، وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: ما لقيت أحدا أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: أخبرني سفيان بن عيينة قال: كنا في منزل جابر الجعفي فتكلم بشيء، فخرجنا مخافة أن يقع علينا السقف، قلت: ومع ذلك روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، ووفاته سنة ست وستين ومائة. واختلف العلماء في كيفية خلق الدابة اختلافا كثيرا فقيل إنها على خلقة الآدميين وقيل: جمعت خلق كل حيوان. وهنا فائدة : وهي أن المفسرين اختلفوا في تفسير قوله «١» تعالى: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قيل: تكلمهم ببطلان الأديان، سوى دين الإسلام، قاله السدي. وقيل: كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقيل: كلامها ما قاله «٢» الله أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ويكون كلامها بالعربية. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، إنه قال: ليست بدابة لها ذنب ولكن كالحية. كأنه يشير إلى أنها رجل والاكثرون على إنها دابة. وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن ايل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. وروى الثعلبي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا تجري كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. وروي أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الدابة تخرج من أعظم المساجد حرمة عند الله تعالى، بينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت، ومعه المسلمون، فتضطرب الأرض من تحتهم، وينشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها رأسها، ملمعة ذات وبر وريش، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا وكافرا أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينه: مؤمن، وأما الكافر فتترك في وجهه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه: كافر. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرع الصفا بعصاه، وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من شعب أبي قبيس رأسها في السحاب ورجلاها في الأرض. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 450

قال: «بئس الشعب شعب أجياد» مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : «لأنه تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات، يسمعها من بين الخافقين» . وقيل إن وجهها وجه رجل، وسائر خلقتها كخلقة الطير، فتكلم من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد ﷺ والقرآن لا يوقنون. فرع: أوصى لرجل بدابة حمل على فرس وبغل وحمار، لأنها في اللغة إسم لما دب على وجه الأرض، ثم قصرها العرف على ذوات الأربع والوصية تنزل على العرف، وإذا ثبت عرف في بلد عم جميع البلاد، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث، وإن كان الله تعالى قد سماه دابة وكما لو احلف لا يأكل خبزا حنث بأكل خبز الأرز في طبرستان على الأصح هذا هو المنصوص. وقال ابن سريج: إنما ذكر الشافعي هذا، على عرف أهل مصر، في ركوبها جميعا، واستعمال لفظ الدابة فيها. أما حيث لا يستعمل إلا في الفرس كالعراق، فإنه لا يعطي سواها، وقيل: إن قاله بمصر لم يعط إلا حمارا قاله في البحر ويدخل في لفظ الدابة الكبير والصغير، والذكر والأنثى والسليم والمعيب، وقال المتولي: إلا ما يمكن ركوبه. فرع: يكره دوام الوقوف على الدابة لغير حاجة، وترك النزول عنها للحاجة، لما في سنن أبي داود والبيهقي، من حديث أبي مريم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ «١» قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم في الأرض مستقرا فاقضوا عليها حاجاتكم» . ويجوز الوقوف على ظهرها للحاجة، ريثما تقضى لما روى «٢» مسلم وأبو داود والنسائي، عن أم الحصين الأحمسية رضي الله تعالى عنها، قالت: «حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا رضي الله تعالى عنهما، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» . وهكذا رواه أحمد والحاكم وابن حبان وصححاه. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام، في الفتاوى الموصلية: النهي عن ركوب الدواب، وهي واقفة محمول على ما إذا كان لغير غرض صحيح، وأما الركوب الطويل في الأغراض الصحيحة، فتارة يكون مندوبا، كالوقوف بعرفة، وتارة يكون واجبا، كوقوف الصفوف في قتال المشركين، وقتال كل من يجب قتاله، وكذلك الحراسة في الجهاد، إذا خيف هجمة العدو، وهذا لا خلاف فيه. وفي حديث أم الحصين رضي الله تعالى عنها دليل على أن للمحرم أن يستظل بالمظال، نازلا بالأرض وراكبا على ظهر الدابة، ورخص فيه أكثر أهل العلم إلا أن مالك بن أنس وأحمد رضي الله تعالى عنهما، كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبا، لما روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه رأى رجلا قد جعل على رحله عودا له شعبتان، وجعل عليه ثوبا يستظل به وهو محرم، فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: اضح للذي حرمت له أي ابرز للشمس، وأما قوله ﷺ «لا تتخذوا ظهور الدواب منابر» فإنما أراد أن يستوطن ظهورها لغير أرب في ذلك، ولا حاجة. وقال

стр. 451

الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر، وقد ضحى للشمس، فقلت له: يا أبا الفضل إن هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي استظل بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك باطلا ... ويا حسرتا إن كان حجك ناقصا وأحمد بن المعذل هذا بصري مالكي المذهب، يعد من زهاد البصرة وعلمائها وأخوه عبد الصمد بن المعذل شاعر ماهر. الداجن: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وكذلك الناقة والحمام البيوتي. والأنثى داجنة، والجمع دواجن. وقال أهل اللغة: دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة وغيرهما. وقد دجن في بيته إذا لزمه قال ابن السكيت: شاة داجن وراجن، إذا ألفت البيوت واستأنست. قال: ومن العرب من يقولها بالهاء. وكذلك غير الشاة ككلاب الصيد، وقد أنشد عليه الجوهري بيتا للبيد رضي الله تعالى عنه. قال: وأبو دجانة كنية سماك بن خرشة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في القنفذ. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن ميمونة اخبرته أن داجنة كانت لبعض نساء النبي ﷺ فماتت، فقال «١» رسول الله ﷺ : «ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به» . وفيه وفي السنن الأربعة، عن عائشة ﵂ قالت: «لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها» . وفي «٢» حديثها أيضا: «كانت عندنا داجن فإذا كان رسول الله ﷺ ، عندنا قم وثبت وإذا خرج ﷺ جاء وذهب» . وفي الحديث «لعن الله من مثل بدواجنه «٣» » . وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: كانت العضباء داجنا لا تمنع من حوض ولا بيت، وهي ناقة رسول الله ﷺ . وفي حديث الإفك فتدخل الداجن فتأكل من عجينها. تتمة: دجين بن ثابت أبو اليربوعي البصري، روى عن أسلم مولى عمرو بن هشام بن عروة بن الزبير، قال ابن معين: حديثه ليس بشيء. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: روي لنا عن ابن معين إنه قال: دجين هو جحا. وقال البخاري: دجين بن ثابت هو أبو الغصن سمع مسلمة وابن مبارك، وروى عنه وكيع. قال عبد الرحمن بن مهدي قال لنا مرة دجين: وهو جحا، حدثني مولى لعمر بن عبد العزيز فقلنا له إن مولى لعمر بن عبد العزيز لم يدرك النبي ﷺ ، فقال: إنما هو أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. قال: قلنا لعمر ما بالك لا تحدثنا عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنما أخشى أن أزيد أو أنقص، وإني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول «٤» : «من

стр. 452

كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» . وقال حمزة والميداني في الأمثال: جحا رجل من فزارة، كنيته أبو الغصن وهو من أحمق الناس. فمن حمقه، أن موسى بن عيسى الهاشمي مر به يوما وهو يحفر بظهر الكوفة موضعا، فقال له: ما بالك يا أبا الغصن لأي شيء تحفر؟ فقال: إني دفنت في هذه الصحراء دراهم ولست أهتدي إلى مكانها. فقال له موسى: كان ينبغي أن تجعل عليها علامة، قال: لقد فعلت، قال: ماذا؟ قال: سحابة في السماء كانت تظلها، ولست أدري موضع العلامة الآن. ومن حمقه أيضا أنه خرج يوما بغلس، فعثر في دهليز منزله بقتيل، فالقاه في بئر هناك، فعلم به أبوه فأخرجه ودفنه، ثم خنق كبشا والقاه في البئر، ثم إن أهل القتيل طافوا في سكك الكوفة يبحثون عنه، فتلقاهم جحا وقال: في دارنا رجل مقتول فانظروا لعله صاحبكم، فغدوا إلى منزله، فأنزلوه في البئر، فلما رأى الكبش، ناداهم هل كان لصاحبكم قرون؟ فضحكوا منه وانصرفوا. ومن حمقه أيضا أن أبا مسلم الخراساني، صاحب الدعوة، لما ورد الكوفة، قال لمن حوله: أيكم يعرف جحا فيدعوه إلي؟ فقال يقطين: أنا. فخرج ودعاه، فلما دخل لم يجد في المجلس غير أبي مسلم ويقطين، فقال جحا: يا يقطين أيكما أبو مسلم؟! وجحا إسم لا ينصرف لأنه معدول من جاح مثل عمر من عامر يقال جحا يجحو جحوا إذا رمى. الدارم: القنفذ. قاله ابن سيده وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف. الدب ى: بفتح الدال المهملة وتخفيف الباء الموحدة الجراد قبل أن يطير. الواحدة دباة قال الراجز: كأن خوف قرطها المعقوب ... على دباة أو على يعسوبّ وأرض مدبية أي كثيرة الدبى، وقالوا في أمثالهم «١» : «أكثر من الدبى» . وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله كيف الناس بعد ذلك؟ قال «٢» ﷺ : «دبى يأكل شداده ضعفاءه حتى تقوم الساعة» . وقد تقدم الكلام على عموم الجراد. الدب: من السباع معروف، والأنثى دبة وكنيته أبو جهينة وأبو الجلاح وأبو سلمة وأبو حميد وأبو قتادة وأبو اللماس: وأرض مدبة أي ذات أدباب. والدب يحب العزلة فإذا جاء الشتاء دخل وجاره الذي اتخذه في الغيران، ولا يخرج حتى يطيب الهواء، وإذا جاع يمتص يده ورجليه فيندفع عنه بذلك الجوع. ويخرج في الربيع كاسمن ما يكون. وهو مختلف الطباع، لأنه يأكل ما تأكله السباع، وما ترعاه البهائم، وما يأكله الناس ومن طبعه أنه إذا كان أوان السفاد، خلا كل ذكر بأنثاه، والذكر يسافد أنثاه مضطجعة على الأرض، وتضع الأنثى جروها قطعة لحم غير مميز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى موضع، خوفا عليه من النمل، كما تقدم في جهير، وهي مع ذلك تلحسه حتى تتميز أعضاؤه ويتنفس. وفي ولادتها صعوبة وربما أشرفت على التلف حالة الوضع، وزعم بعضهم أنها تلد من فيها، وإنما تلده ناقص الخلق تشوقا للذكر وحرصا على السفاد، ولشدة شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها. ومن شأن هذا الجنس أن يسمن في الشتاء وتقل

стр. 453

فيه حركته وتضع الإناث حينئذ. وإذا جثم في مكان لا يتحرك منه إلى أن يمضي عليه أربعة عشر يوما، وبعد ذلك يتدرج في الحركة. والأنثى إذا انهزمت دفعت جراءها بين يديها، فإذا اشتد خوفها عليها صعدت بها الأشجار. وفي طبعه فطنة عجيبة لقبول التأديب، لكنه لا يطيع معلمه إلا بعنف وضرب شديد. وحكمه: تحريم الأكل لأنه سبع يتقوى بنابه. وقال الإمام أحمد: إن لم يكن له ناب فلا بأس به، لأن الأصل الإباحة، ولم يتحقق وجود المحرم. فائدة: قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في آخر الأذكياء «١» : هرب رجل من أسد، فوقع في بئر، فوقع الأسد خلفه، فإذا في البئر دب، فقال له الأسد: منذ كم لك ههنا؟ قال: منذ أيام، وقد قتلني الجوع. فقال: له الأسد: أنا وأنت نأكل هذا الإنسان وقد شبعنا، فقال له الدب فإذا عاودنا الجوع ما نصنع؟ وإنما الرأي أن نحلف له، أنا لا نؤذيه ليحتال في خلاصنا وخلاصه، فإنه على الحيلة أقدر منا فحلفا له فتشبث حتى وجد نقبا فوصل إليه، ثم إلى الفضاء فتخلص وخلصهما. ومعنى هذا أن العاقل لا يترك الحزم في كل أموره، ولا يتبع شهوته لا سيما إذا علم أن فيها هلاكه بل ينظر في عاقبة أمره ويأخذ بالحزم في ذلك. وحكى القزويني في عجائب المخلوقات أن أسدا قصد إنسانا فهرب والتجأ إلى شجرة، فإذا على بعض أغصانها دب يقطف ثمرتها، فلما رأى الأسد أنه فوق الشجرة، جاء وافترش تحتها ينتظر نزول الإنسان. قال: فنظرت إلى الدب، فإذا هو يشير بإصبعه إلى فيه، أن اسكت لئلا يعرف الأسد أني هنا. قال: فبقيت متحيرا بين الأسد والدب، وكان معي سكين صغير فأخرجته وقطعت بعض الغصن الذي عليه الدب حتى إذا لم يبق منه إلا اليسير سقط الدب بسبب ثقله فوثب الأسد عليه وتصارعا زمانا ثم غلبه الأسد فافترسه ورجع عني. الأمثال: تقدم أنهم قالوا: «أحمق من جهبر» . وهي أنثى الدب. وأما قولهم «٢» : «ألوط من دب» . فهو رجل من العرب كان يتجاهر بعمل ذلك. وأما قولهم «٣» : «ألوط من ثفر» ، فإنما قالوه لأن الثفر لا يفارق دبر الدابة، وقولهم «٤» : «ألوط من راهب» . هذا من قول الشاعر: وألوط من راهب يدّعي ... بأن النساء عليه حرام الخواص: نابه يلقى في لبن المرضعة ويسقاه الصبي تنبت أسنانه بسهولة. وشحمه يزيل البرص طلاء، وإذا شدت عينه اليمنى في خرقة، وعلقت على عضد إنسان لم يخف السباع، وإن علقت على من به الحمى الدائمة ابرأته، ومرارته إذا اكتحل بها مع العسل وماء الرازيانج اذهبت ظلمة البصر، وإذا طلي بذلك موضع داء الثعلب، أنبت الشعر فيه، وإذا شرب من مرارته وزن دانقين بعسل وماء حار، نفع الرئة والبواسير وطرد الرياح. وإذا ربطت مرارته على فخذ الرجل اليمنى جامع ما شاء ولا يضره، ودمه إذا

стр. 454

اكتحل به منع طلوع الشعر في اجفان العين. وإن اكتحل به بعد نتفه لم ينبت، وإذا دلك الولد بشحمه، كان له حرزا من كل سوء، وإذا جشي بشحمه موضع الناسور نفعه، وإذا طلي بشحمه كلب جن. وقطعة من جلده إذا علقت على الصبي الذي ساء خلقه يزول عنه ذلك، وعينه اليمنى إذا جففت وعلقت على الطفل لم يفزع في نومه. التعبير: الدب في المنام يدل على الشر والنكد والفتنة، وربما دلت رؤيته على المكر والخديعة، وعلى المرأة الثقيلة البدن الموحشة المنظر، ذات اللهو واللعب والطرب، وربما دلت رؤيته على الأسر والسجن وربما دلت رؤيته على عدو أحمق، لص محتال مخنث، فمن رأى أنه ركب دبا نال ولاية دنيئة، إن كان لها أهلا، وإلا ناله هم وخوف ثم ينجو وربما دل على سفر ثم يرجع إلى مكانه والله تعالى أعلم. الدبدب: حمار الوحش قاله في العباب. وقد تقدم الكلام عليه في باب الحاء المهملة. الدبر: بفتح الدال جماعة النحل. وقال السهيلي الدبر الزنابير، وأما الدبر بكسر الدال فصغار الجراد. قال الأصمعي لا واحد له من لفظه، ويقال إن واحده خشرمة، ويجمع الدبر على دبور قال الهذلي في وصف عسال: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها. أي لم يخف لسعها به فسر قوله «١» تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ وقوله «٢» تعالى: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ أي من كان يخاف لقاءه. قال النحاس: أجمع أهل التفسير على أن الرجاء في الآيتين بمعنى الخوف. ويقال أيضا للزنابير دبر، كما قاله السهيلي. ومنه قيل لعاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه: حمى الدبر، وذلك أن المشركين لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به، فحماه الله تعالى بالدبر فارتدعوا عنه، حتى أخذه المسلمون فدفنوه. وكان رضي الله تعالى عنه، قد عاهد الله تعالى أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، فحماه الله تعالى منهم بعد وفاته. وفي أوائل تاريخ نيسابور للحاكم عن ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك ﵁، وهو ممن روى له الجماعة أنه قال: خرجنا مرة من خراسان ومعنا رجل يشتم أو ينال من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فنهيناه فأبى، فحضر غداؤنا ذات يوم ثم مضى إلى حاجته فأبطأ علينا فبعثنا في طلبه فرجع إلينا الرسول وقال: أدركوا صاحبكم، فذهبنا إليه فإذا هو قد قعد على حجر يقضي حاجته فخرج عليه عنق من الدبر، فنثرت مفاصله مفصلا مفصلا. قال: فجمعنا عظامه، وإنها لتقع علينا فما تؤذينا، وهي تبري مفاصله. وجاء في الحديث: «لتسلكن سنن من قبلكم ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا

стр. 455

خشرم دبر لسلكتموه» «١» والخشرم مأوى النحل. وفي الفائق أن سكينة بنت الحسين رضي الله تعالى عنهما، جاءت إلى أمها الرباب وهي صغيرة تبكي، فقالت: ما بك؟ قالت: مرت بي دبيرة، فلسعتني بأبيرة أرادت تصغير دبرة وهي النحلة سميت بذلك لتدبيرها في عمل العسل. الدبسي: بفتح الدال المهملة وكسر السين المهملة، ويقال له أيضا الدبسي، بضم الدال طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري والسهلي والفامي بائع الفوم، والقياس فومي. والأدبس من الطير والخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد والحمرة. وهذا النوع قسم من الحمام البري وهو أصناف مصري وحجازي وعراقي، وهي متقاربة لكن أفخرها المصري. ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام. قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: يقال في الحمام الوحشي من القماري والفواخت، وما أشبه ذلك: دباسي ويقال: هدل يهدل هديلا، إذا صاح فإذا طرب قيل: غرد يغرد تغريدا والتغريد يكون أيضا للإنسان، وأصله من الطير، وبعضهم يزعم أن الهديل من أسماء الحمامة الذكر قال الراجز «٢» : كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هديلا وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الهديل في باب الهاء. روى الإمام أحمد والطبراني ورجال المسند رجال الصحيح عن يحيى بن عمارة عن جده حنش، قال: دخلت الأسواق، فأخذت دبسيتين وأمهما ترفرف عليهما، وأنا أريد أن أذبحهما قال: فدخل علي أبو حنش فأخذ متيخة فضربني بها وقال: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتي المدينة. المتيخة أصل جريد النخل وأصل العرجون والأسواف، سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في النهاس أيضا في باب النون. وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان يصلي في حائط له، فطار دبسي فأعجبه، وهو طائر في الشجر يلتمس مخرجا، فأتبعه بصره ساعة وهو في صلاته، فلم يدركم صلى فذكر للنبي ﷺ ما أصابه من الفتنة. ثم قال: يا رسول الله هو صدقة فضعه حيث شئت، قال مالك: وعن عبد الله بن أبي بكر أن رجلا من الأنصار، كان يصلي في حائط له بالقف في زمن التمر والنخل، قد ذللت فهي مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى. فقال لقد أصابتني في مالي هذا فتنة. فجاء عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهو يومئذ خليفة فذكر له ذلك وقال: هو صدقة فاجعله في سبيل الخير فباعه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بخمسين ألفا فسمى ذلك الحائط الخمسون والقف واد من أودية المدينة. وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج عنه لله تعالى، وكان رقيقه يعرفون منه ذلك فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، على تلك الحالة الحسنة عتقه، فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك فيقول: من خدعنا بالله تعالى، انخدعنا له. وطلب منه خادم بثلاثين ألفا، فقال: أخاف أن تفتني دراهم ابن عامر، وكان

стр. 456

هو الطالب له، فقال للخادم إذهب فأنت حر لله تعالى. ولذلك قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا، الا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولم يمت إلى أن أعتق ألف نسمة أو أكثر من ذلك. ومناقبه وفضائله رضي الله تعالى عنه لا تحصى قال حجة الإسلام الغزالي: وكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكرة، وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره. ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره. وحكمه: الحل بالاتفاق. وفي سنن البيهقي عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال في الخضري: والدبسي والقمري والقطا والحجل إذا قتله المحرم شاة شاة. الخواص: قال صاحب المنهاج في الطب: إنه أفضل الطير البري، وبعده الشحرور والسماني، ثم الحجل والدراج، وفراخ الحمام والورشان وهو حار يابس. والدباساء ممدودا الأنثى من الجراد. وهو في المنام كالسماني وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليهما في باب السين المهملة فلينظر هناك. الدجاج: مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة، وقال ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجا إذا مشوا مشيا رويدا في تقارب خطو. وقيل هو أن يقبلوا ويدبروا. وقال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، وبالكسر الكبة من الغزل. وقال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضا. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح. وكنية الدجاجة أم الوليد وأم حفصة وأم جعفر وأم عقبة وأم إحدى وعشرين وأم قوب وأم نافع. وإذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مح، وإذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، ومن عجيب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه. وتوصف الدجاجة بقلة النوم، وسرعة الانتباه. يقال إن نومها واستيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال إنها تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو جدار أو ما قارب ذلك، وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها. والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسيا، ظريفا مقبولا، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق ونقص حسنه وكيسه وزاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلا للذبح أو الصياح أو البيض. والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلتقط الحب، وذلك من طباع البهائم والطير. ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك أن البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، وإذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن

стр. 457

وتارة بأن يدفن في الزبل ونحوه. ومن الدجاج ما يبيض مرتين في اليوم، والدجاجة تبيض في جميع السنة، إلا في شهرين منها شتويين، ويتم خلق البيض في عشرة أيام، وتكون البيضة عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست، وهي تشتمل على بياض وصفرة، بينهما قشر رقيق، يسمى قميصا، ويعلوه قشر صلب. فالبياض رطوبة مختلطة لزجة متشابهة الأجزاء، وهي بمنزلة المني. والصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شيء بدم قد جمد، وهي للفرخ مادة يغتذي بها من سرته. والذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم دماغه ثم رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة هي جلدة الفرخ، وتنحاز الصفرة في غشاء واحد هي سرته، فيتغذى منها كتغذي الجنين من سرته من دم الحيض، وربما وجد في البيضة الواحدة محان أصفران، فإذا حضنت هذه البيضة خرج منها فرخان، وقد شوهد ذلك. وأغذى البيض وألطفه ذوات الصفرة، وأقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، وهذا النوع من البيض، لا يتولد منه حيوان، ولا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الابدار يمتلىء ويرطب، فيصلح للكون وبالضد من الابدار إلى المحاق. ويعرف الفرخ الذكر من الأنثى، بعد عشرة أيام، بأن يعلق بمنقاره، فإن تحرك فذكر، وإن سكن فأنثى. وقد وصف الشعراء البيضة بأوصاف مختلفة منها قول أبي الفرج الأصبهاني من أبيات: فيها بدائع صنعة ولطائف ... ألفن بالتقدير والتعليق خلطان مائيان ما اختلطا على ... شكل ومختلف المزاج رقيق روى ابن ماجه «١» من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج» . وقال: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى» . وفي اسناده علي بن عروة الدمشقي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال عبد اللطيف البغدادي: إنما أمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج لأنه أمر كل قوم بحسب مقدرتهم وما تصل إليه قوتهم والقصد من ذلك كله أن لا يقعد الناس عن الكسب، وإنماء المال وعمارة الدنيا، وأن لا يدعوا التسبب فإن ذلك يوجب التعفف والقناعة، وربما أدّى إلى الغنى والثروة. وترك الكسب والاعراض عنه يوجب الحاجة والمسألة للناس والتكفف منهم، وذلك مذموم شرعا وأما قوله: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى» . يعني أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم، وخالطوهم في معايشهم تعطل سببهم وهلكوا، وفي هلاك الفقراء بوار، وفي ذلك هلاك القرى وبوارها. وفي آخر البخاري «٢» وغيره أن النبي ﷺ قال: «تلك الكلمة من الحق يختطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة» . وذكر الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء «٣» ، عن أحمد بن طولون، صاحب مصر، أنه جلس

стр. 458

يوما في منتزه له يأكل مع ندمائه فرأى سائلا وعليه ثوب خلق، فوضع يده في رغيف ودجاجة وقطعة لحم وفالوذج وأمر بعض الغلمان بمناولته فأخذ ذلك الغلام وذهب به إلى السائل ورجع، فذكر أنه ما هش له ولا بش، فقال ابن طولون للغلام: ائتني به فأحضره بين يديه فاستنطقه فأحسن الجواب، ولم يضطرب من هيبته، فقال له أحضر لي الكتب التي معك، وأصدقني عمن بعث بك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر، وأحضر السياط فاعترف له بذلك. فقال بعض من حضر هذا: والله السحر. فقال أحمد: ما هو بسحر ولكنه قياس صحيح وفراسة، وذلك أني لما رأيت سوء حاله وجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان، فما هش ولا بش ولا مد يده إليه، فأحضرته وخاطبته فتلقاني بقوة جأش وجواب حاضر. فلما رأيت رثاثة حاله، وقوة جأشه، وسرعة جوابه، علمت أنه صاحب خبر انتهى. وقال ابن خلكان في ترجمته «١» : كان أبو العباس أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية والشامية والثغور، ملكا عادلا شجاعا متواضعا، حسن السيرة، يحب أهل العلم، كريما له مائدة يحضرها الخاص والعام، كثير الصدقة. نقل أنه قال له وكيله يوما إن امرأة تأتيني وعليها الازار الرفيع، وفي يدها الخاتم الذهب، فتطلب مني أفأعطيها؟ فقال: من مد يده إليك فأعطه. وكان يحفظ القرآن، ورزق حسن الصوت فيه، وكان مع ذلك طائش السيف سفاك الدماء. قيل إنه أحصى من قتله صبرا ومن مات في حبسه فكان ثمانية عشر ألفا توفي سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء. ويقال إن طولون تبناه ولم يكن ابنه. وروي أن رجلا كان يواظب القراءة على قبره، فرآه ذات ليلة في المنام، فقال: أحب منك أن لا تقرأ علي! قال: ولم؟ قال: لأنه لا تمر بي آية إلا قرعت بها، ويقال لي أما سمعت هذه أما مرت بك هذه؟ اهـ وروى الإمام الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن سليمان بن عبد الملك رحمه الله تعالى، كان نهما في الأكل، وقد نقل عنه فيه أشياء غريبة، فمنها أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، وأربعين بيضة، وأربع وثمانين كلوة بشحمها، وثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على السماط العام. ومنها أنه دخل ذات يوم بستانا له، وكان قد أمر قيمه أن يجني ثماره ويستطيب له، وكان معه أصحابه، فأكل القوم حتى أكتفوا واستمر هو يأكل فأكل أكلا ذريعا، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها، ثم أقبل على الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بدجاحتين مشويتين فأكلهما، ثم مال إلى الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بقعب يقعد فيه الرجل مملوء سمنا وسويقا وسكرا فأكله أجمع، ثم سار إلى دار الخلافة، وأتى بالسماط فما نقص من أكله شيء. ومنها أنه حج فأتى الطائف فأكل سبعمائة رمانة وخروفا وست دجاجات، وأتى بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع. وقيل إنه كان له بستان فجاء رجل ليضمنه ودفع له قدرا من المال، فاستؤذن في ذلك فدخل البستان لينظره وجعل يأكل من ثماره، ثم أذن في ضمانه فلما قيل للضامن أحمل المال، قال: كان ذلك قبل ان يدخله أمير المؤمنين. قيل كان سبب مرضه أنه أكل أربعمائة بيضة، وثمانمائة حبة تين، وأربعمائة كلوة بشحمها، وعشرين دجاجة فحم، وفشت الحمى في عسكره، وكان موته بالتخمة رحمة الله تعالى عليه في مرج دابق. فائدة: ذكر بعض العلماء أن من أكل كثيرا وخاف على نفسه من التخمة، فليمسح على

стр. 459

بطنه بيده، وليقل: الليلة ليلة عيدي يا كرشي ورضي الله عن سيدي أبي عبد الله القرشي. يفعل ذلك ثلاثا، فإنه لا يضره الأكل وهو عجيب مجرب. وقد روينا بأسانيد شتى من طرق مختلفة، أن امرأة جاءت بولدها إلى سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله روحه، وقالت: إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله ولك، فاقبله فقبله الشيخ، وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت عليه أمه يوما، فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصا من الشعير، فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة، قد أكلها فقالت: يا سيدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير، فوضع الشيخ يده على تلك العظام، وقال: قومي بإذن الله تعالى الذي يحيى العظام وهي رميم، فقامت دجاجة سوية وصاحت، فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. وذكر ابن خلكان أيضا في ترجمة «١» الهيثم بن عدي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية، فجاءه سائل فرده خائبا، وكان الرجل مترفا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية إذ جاءه سائل، فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول. فأخبرت زوجها الثاني بالقصة فقال الزوج الثاني: وأنا والله ذلك المسكين الأول، خولني الله نعمته وأهله لقلة شكره. وقال الهيثم: خرجت في سفر على ناقة، فأمسيت عند خيمة اعرابي، فنزلت. فقالت ربة الخباء: من أنت؟ فقلت: ضيف. قالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء لواسعة؟ ثم قامت إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته، ثم قعدت تأكل، فلم ألبث أن جاء زوجها ومعه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف. قال: أهلا وسهلا حياك الله، وملأ قعبا من لبن وسقاني. ثم قال: ما أراك أكلت شيئا! وما أراها أطعمتك! فقلت: لا والله. فدخل عليها مغضبا، وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف؟ قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي؟ وزاد بينهما الكلام، فضربها حتى شجها، ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها، فقلت: ما صنعت عافاك الله؟ فقال: والله لا يبيت ضيفي جائعا، ثم جمع حطبا، وأجج نارا وأقبل يشوي ويطعمني، ويأكل ويلقي إليها، ويقول: كلي لا أطعمك الله! حتى إذا أصبح تركني ومضى، فقعدت مغموما، فلما تعالى النهار، أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر من النظر إليه، وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره. وخرجت من عنده فضمني الليل إلى خيمة أعرابي، فسلمت فردت صاحبة الخباء علي السلام، وقالت: من الرجل؟ قلت: ضيف. فقالت: مرحبا بك حياك الله وعافاك، فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته، ثم روت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي، ومعه دجاجة مشوية، وقالت: كل واعذر، فلم البث إذ أقبل أعرابي كريه المنظر، فسلم فرددت ﵇، فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف. قال: وما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي؟ قالت: أطعمته للضيف. فقال: أتطعمين طعامي للأضياف؟ ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ وقال: ما يضحكك؟ فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله، فاقبل علي وقال: إن هذه

стр. 460

المرأة التي عندي أخت ذلك الرجل، وتلك المرأة التي عنده أختي. قال: فنمت ليلتي متعجبا فلما أن أصبحت انصرفت. الحكم: يحل أكل الدجاج لأنه من الطيبات، لما روى الشيخان والترمذي والنسائي عن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري ﵁، فدعا بمائدة عليها لحم دجاج فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلم فتلكأ، فقال: هلم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه وفي لفظ «رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجة «١» » . وهذا الرجل إنما تلكأ لأنه رآه يأكل العذرة فقذره ويحتمل أن يكون تردد لالتباس الحكم عليه، أو لم يكن عنده دليل فتوقف حتى يعلم حكم الله تعالى وقد جاء النهي عن لبن الجلالة ولحمها وبيضها. وفي الكامل والميزان في ترجمة غالب بن عبيد الله الجذري وهو متروك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك. وفي فتاوى القاضي حسين لو قال رجل لامرأته إن لم تبيعي هذه الدجاجات فأنت طالق فقتلت واحدة منهن طلقت لتعذر البيع، وإن جرحتها ثم باعتها فإن كانت بخبث لو ذبحت لم تحل لم يصح البيع ووقع الطلاق وإلا فتحل اليمين. فرع لا يجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض كما لا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن، ويحرم بيع الحنطة بدقيقها والسمسم بكسبه، وما أشبهه لأنه يحرم بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه. فرع: البيضة التي في جوف الطائر الميت فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي والروياني والشاشي أصحها، وهو قول ابن القطان وأبي الفياض، وبه قطع الجمهور إن تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة. والثاني طاهرة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة لتميزها عنه فصارت بالولد أشبه. والثالث نجسة مطلقا، وبه قال مالك لأنها قبل الإنفصال جزء من الطائر وحكاه المتولي عن نص الشافعي رضي الله تعالى عنه. وهو نقل غريب شاذ ضعيف، وقال صاحب الحاوي والبحر: فلو وضعت هذه البيضة تحت طائر فصارت فرخا، كان الفرخ طاهرا على الأوجه كلها كسائر الحيوان، ولا خلاف أن ظاهر البيضة نجس، وأما البيضة الخارجة في حال حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها؟ فيه وجهان: حكاهما الماوردي والروياني والبغوي وغيرهم، بناء على الوجهين في نجاسة رطوبة فرج المرأة قال في المهذب: إن المنصوص نجاسة رطوبة فرج المرأة. وقال الماوردي: إن الشافعي رضي الله تعالى عنه قد نص في بعض كتبه على طهارتها. ثم حكى التنجيس عن ابن سريج. فملخص الخلاف فيها قولان لا وجهان. وقال الإمام النووي: رطوبة الفرج طاهرة مطلقا، سواء كان الفرج من بهيمة أو امرأة، وهو الأصح. وإذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في شرح المهذب عن فتاوى ابن الصباغ، ولم يخالفه أن المولود لا يجب غسله إجماعا. وقال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور: إن فيه وجهين حكاهما الماوردي والروياني، وقد حكاهما الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. ورأيت في الكافي للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعا على القول القديم بعدم وجوب الغسل، لكونه نجسا
следующие страницы →