← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هو الطالب له، فقال للخادم إذهب فأنت حر لله تعالى. ولذلك قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا، الا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولم يمت إلى أن أعتق ألف نسمة أو أكثر من ذلك. ومناقبه وفضائله رضي الله تعالى عنه لا تحصى قال حجة الإسلام الغزالي: وكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكرة، وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره. ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره. وحكمه: الحل بالاتفاق. وفي سنن البيهقي عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال في الخضري: والدبسي والقمري والقطا والحجل إذا قتله المحرم شاة شاة. الخواص: قال صاحب المنهاج في الطب: إنه أفضل الطير البري، وبعده الشحرور والسماني، ثم الحجل والدراج، وفراخ الحمام والورشان وهو حار يابس. والدباساء ممدودا الأنثى من الجراد. وهو في المنام كالسماني وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليهما في باب السين المهملة فلينظر هناك. الدجاج: مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة، وقال ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجا إذا مشوا مشيا رويدا في تقارب خطو. وقيل هو أن يقبلوا ويدبروا. وقال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، وبالكسر الكبة من الغزل. وقال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضا. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح. وكنية الدجاجة أم الوليد وأم حفصة وأم جعفر وأم عقبة وأم إحدى وعشرين وأم قوب وأم نافع. وإذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مح، وإذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، ومن عجيب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه. وتوصف الدجاجة بقلة النوم، وسرعة الانتباه. يقال إن نومها واستيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال إنها تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو جدار أو ما قارب ذلك، وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها. والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسيا، ظريفا مقبولا، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق ونقص حسنه وكيسه وزاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلا للذبح أو الصياح أو البيض. والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلتقط الحب، وذلك من طباع البهائم والطير. ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك أن البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، وإذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن

стр. 457

وتارة بأن يدفن في الزبل ونحوه. ومن الدجاج ما يبيض مرتين في اليوم، والدجاجة تبيض في جميع السنة، إلا في شهرين منها شتويين، ويتم خلق البيض في عشرة أيام، وتكون البيضة عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست، وهي تشتمل على بياض وصفرة، بينهما قشر رقيق، يسمى قميصا، ويعلوه قشر صلب. فالبياض رطوبة مختلطة لزجة متشابهة الأجزاء، وهي بمنزلة المني. والصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شيء بدم قد جمد، وهي للفرخ مادة يغتذي بها من سرته. والذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم دماغه ثم رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة هي جلدة الفرخ، وتنحاز الصفرة في غشاء واحد هي سرته، فيتغذى منها كتغذي الجنين من سرته من دم الحيض، وربما وجد في البيضة الواحدة محان أصفران، فإذا حضنت هذه البيضة خرج منها فرخان، وقد شوهد ذلك. وأغذى البيض وألطفه ذوات الصفرة، وأقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، وهذا النوع من البيض، لا يتولد منه حيوان، ولا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الابدار يمتلىء ويرطب، فيصلح للكون وبالضد من الابدار إلى المحاق. ويعرف الفرخ الذكر من الأنثى، بعد عشرة أيام، بأن يعلق بمنقاره، فإن تحرك فذكر، وإن سكن فأنثى. وقد وصف الشعراء البيضة بأوصاف مختلفة منها قول أبي الفرج الأصبهاني من أبيات: فيها بدائع صنعة ولطائف ... ألفن بالتقدير والتعليق خلطان مائيان ما اختلطا على ... شكل ومختلف المزاج رقيق روى ابن ماجه «١» من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج» . وقال: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى» . وفي اسناده علي بن عروة الدمشقي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال عبد اللطيف البغدادي: إنما أمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج لأنه أمر كل قوم بحسب مقدرتهم وما تصل إليه قوتهم والقصد من ذلك كله أن لا يقعد الناس عن الكسب، وإنماء المال وعمارة الدنيا، وأن لا يدعوا التسبب فإن ذلك يوجب التعفف والقناعة، وربما أدّى إلى الغنى والثروة. وترك الكسب والاعراض عنه يوجب الحاجة والمسألة للناس والتكفف منهم، وذلك مذموم شرعا وأما قوله: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى» . يعني أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم، وخالطوهم في معايشهم تعطل سببهم وهلكوا، وفي هلاك الفقراء بوار، وفي ذلك هلاك القرى وبوارها. وفي آخر البخاري «٢» وغيره أن النبي ﷺ قال: «تلك الكلمة من الحق يختطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة» . وذكر الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء «٣» ، عن أحمد بن طولون، صاحب مصر، أنه جلس

стр. 458

يوما في منتزه له يأكل مع ندمائه فرأى سائلا وعليه ثوب خلق، فوضع يده في رغيف ودجاجة وقطعة لحم وفالوذج وأمر بعض الغلمان بمناولته فأخذ ذلك الغلام وذهب به إلى السائل ورجع، فذكر أنه ما هش له ولا بش، فقال ابن طولون للغلام: ائتني به فأحضره بين يديه فاستنطقه فأحسن الجواب، ولم يضطرب من هيبته، فقال له أحضر لي الكتب التي معك، وأصدقني عمن بعث بك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر، وأحضر السياط فاعترف له بذلك. فقال بعض من حضر هذا: والله السحر. فقال أحمد: ما هو بسحر ولكنه قياس صحيح وفراسة، وذلك أني لما رأيت سوء حاله وجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان، فما هش ولا بش ولا مد يده إليه، فأحضرته وخاطبته فتلقاني بقوة جأش وجواب حاضر. فلما رأيت رثاثة حاله، وقوة جأشه، وسرعة جوابه، علمت أنه صاحب خبر انتهى. وقال ابن خلكان في ترجمته «١» : كان أبو العباس أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية والشامية والثغور، ملكا عادلا شجاعا متواضعا، حسن السيرة، يحب أهل العلم، كريما له مائدة يحضرها الخاص والعام، كثير الصدقة. نقل أنه قال له وكيله يوما إن امرأة تأتيني وعليها الازار الرفيع، وفي يدها الخاتم الذهب، فتطلب مني أفأعطيها؟ فقال: من مد يده إليك فأعطه. وكان يحفظ القرآن، ورزق حسن الصوت فيه، وكان مع ذلك طائش السيف سفاك الدماء. قيل إنه أحصى من قتله صبرا ومن مات في حبسه فكان ثمانية عشر ألفا توفي سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء. ويقال إن طولون تبناه ولم يكن ابنه. وروي أن رجلا كان يواظب القراءة على قبره، فرآه ذات ليلة في المنام، فقال: أحب منك أن لا تقرأ علي! قال: ولم؟ قال: لأنه لا تمر بي آية إلا قرعت بها، ويقال لي أما سمعت هذه أما مرت بك هذه؟ اهـ وروى الإمام الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن سليمان بن عبد الملك رحمه الله تعالى، كان نهما في الأكل، وقد نقل عنه فيه أشياء غريبة، فمنها أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، وأربعين بيضة، وأربع وثمانين كلوة بشحمها، وثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على السماط العام. ومنها أنه دخل ذات يوم بستانا له، وكان قد أمر قيمه أن يجني ثماره ويستطيب له، وكان معه أصحابه، فأكل القوم حتى أكتفوا واستمر هو يأكل فأكل أكلا ذريعا، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها، ثم أقبل على الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بدجاحتين مشويتين فأكلهما، ثم مال إلى الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بقعب يقعد فيه الرجل مملوء سمنا وسويقا وسكرا فأكله أجمع، ثم سار إلى دار الخلافة، وأتى بالسماط فما نقص من أكله شيء. ومنها أنه حج فأتى الطائف فأكل سبعمائة رمانة وخروفا وست دجاجات، وأتى بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع. وقيل إنه كان له بستان فجاء رجل ليضمنه ودفع له قدرا من المال، فاستؤذن في ذلك فدخل البستان لينظره وجعل يأكل من ثماره، ثم أذن في ضمانه فلما قيل للضامن أحمل المال، قال: كان ذلك قبل ان يدخله أمير المؤمنين. قيل كان سبب مرضه أنه أكل أربعمائة بيضة، وثمانمائة حبة تين، وأربعمائة كلوة بشحمها، وعشرين دجاجة فحم، وفشت الحمى في عسكره، وكان موته بالتخمة رحمة الله تعالى عليه في مرج دابق. فائدة: ذكر بعض العلماء أن من أكل كثيرا وخاف على نفسه من التخمة، فليمسح على

стр. 459

بطنه بيده، وليقل: الليلة ليلة عيدي يا كرشي ورضي الله عن سيدي أبي عبد الله القرشي. يفعل ذلك ثلاثا، فإنه لا يضره الأكل وهو عجيب مجرب. وقد روينا بأسانيد شتى من طرق مختلفة، أن امرأة جاءت بولدها إلى سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله روحه، وقالت: إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله ولك، فاقبله فقبله الشيخ، وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت عليه أمه يوما، فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصا من الشعير، فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة، قد أكلها فقالت: يا سيدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير، فوضع الشيخ يده على تلك العظام، وقال: قومي بإذن الله تعالى الذي يحيى العظام وهي رميم، فقامت دجاجة سوية وصاحت، فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. وذكر ابن خلكان أيضا في ترجمة «١» الهيثم بن عدي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية، فجاءه سائل فرده خائبا، وكان الرجل مترفا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية إذ جاءه سائل، فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول. فأخبرت زوجها الثاني بالقصة فقال الزوج الثاني: وأنا والله ذلك المسكين الأول، خولني الله نعمته وأهله لقلة شكره. وقال الهيثم: خرجت في سفر على ناقة، فأمسيت عند خيمة اعرابي، فنزلت. فقالت ربة الخباء: من أنت؟ فقلت: ضيف. قالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء لواسعة؟ ثم قامت إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته، ثم قعدت تأكل، فلم ألبث أن جاء زوجها ومعه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف. قال: أهلا وسهلا حياك الله، وملأ قعبا من لبن وسقاني. ثم قال: ما أراك أكلت شيئا! وما أراها أطعمتك! فقلت: لا والله. فدخل عليها مغضبا، وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف؟ قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي؟ وزاد بينهما الكلام، فضربها حتى شجها، ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها، فقلت: ما صنعت عافاك الله؟ فقال: والله لا يبيت ضيفي جائعا، ثم جمع حطبا، وأجج نارا وأقبل يشوي ويطعمني، ويأكل ويلقي إليها، ويقول: كلي لا أطعمك الله! حتى إذا أصبح تركني ومضى، فقعدت مغموما، فلما تعالى النهار، أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر من النظر إليه، وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره. وخرجت من عنده فضمني الليل إلى خيمة أعرابي، فسلمت فردت صاحبة الخباء علي السلام، وقالت: من الرجل؟ قلت: ضيف. فقالت: مرحبا بك حياك الله وعافاك، فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته، ثم روت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي، ومعه دجاجة مشوية، وقالت: كل واعذر، فلم البث إذ أقبل أعرابي كريه المنظر، فسلم فرددت ﵇، فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف. قال: وما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي؟ قالت: أطعمته للضيف. فقال: أتطعمين طعامي للأضياف؟ ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ وقال: ما يضحكك؟ فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله، فاقبل علي وقال: إن هذه

стр. 460

المرأة التي عندي أخت ذلك الرجل، وتلك المرأة التي عنده أختي. قال: فنمت ليلتي متعجبا فلما أن أصبحت انصرفت. الحكم: يحل أكل الدجاج لأنه من الطيبات، لما روى الشيخان والترمذي والنسائي عن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري ﵁، فدعا بمائدة عليها لحم دجاج فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلم فتلكأ، فقال: هلم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه وفي لفظ «رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجة «١» » . وهذا الرجل إنما تلكأ لأنه رآه يأكل العذرة فقذره ويحتمل أن يكون تردد لالتباس الحكم عليه، أو لم يكن عنده دليل فتوقف حتى يعلم حكم الله تعالى وقد جاء النهي عن لبن الجلالة ولحمها وبيضها. وفي الكامل والميزان في ترجمة غالب بن عبيد الله الجذري وهو متروك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك. وفي فتاوى القاضي حسين لو قال رجل لامرأته إن لم تبيعي هذه الدجاجات فأنت طالق فقتلت واحدة منهن طلقت لتعذر البيع، وإن جرحتها ثم باعتها فإن كانت بخبث لو ذبحت لم تحل لم يصح البيع ووقع الطلاق وإلا فتحل اليمين. فرع لا يجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض كما لا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن، ويحرم بيع الحنطة بدقيقها والسمسم بكسبه، وما أشبهه لأنه يحرم بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه. فرع: البيضة التي في جوف الطائر الميت فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي والروياني والشاشي أصحها، وهو قول ابن القطان وأبي الفياض، وبه قطع الجمهور إن تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة. والثاني طاهرة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة لتميزها عنه فصارت بالولد أشبه. والثالث نجسة مطلقا، وبه قال مالك لأنها قبل الإنفصال جزء من الطائر وحكاه المتولي عن نص الشافعي رضي الله تعالى عنه. وهو نقل غريب شاذ ضعيف، وقال صاحب الحاوي والبحر: فلو وضعت هذه البيضة تحت طائر فصارت فرخا، كان الفرخ طاهرا على الأوجه كلها كسائر الحيوان، ولا خلاف أن ظاهر البيضة نجس، وأما البيضة الخارجة في حال حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها؟ فيه وجهان: حكاهما الماوردي والروياني والبغوي وغيرهم، بناء على الوجهين في نجاسة رطوبة فرج المرأة قال في المهذب: إن المنصوص نجاسة رطوبة فرج المرأة. وقال الماوردي: إن الشافعي رضي الله تعالى عنه قد نص في بعض كتبه على طهارتها. ثم حكى التنجيس عن ابن سريج. فملخص الخلاف فيها قولان لا وجهان. وقال الإمام النووي: رطوبة الفرج طاهرة مطلقا، سواء كان الفرج من بهيمة أو امرأة، وهو الأصح. وإذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في شرح المهذب عن فتاوى ابن الصباغ، ولم يخالفه أن المولود لا يجب غسله إجماعا. وقال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور: إن فيه وجهين حكاهما الماوردي والروياني، وقد حكاهما الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. ورأيت في الكافي للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعا على القول القديم بعدم وجوب الغسل، لكونه نجسا

стр. 461

معفوا عنه، وأما إذا انفصل الولد حيا، بعد موتها، فعينه طاهرة بلا خلاف. ويجب غسل ظاهره بلا خلاف. وأما البلل الخارج مع الولد أو غيره فنجس، كما جزم به الرافعي في الشرح الصغير والنووي في شرح المهذب. وقال الإمام لا شك فيه. وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فإنها نجسة كما تقدم، وإنما قلنا بطهارة ذكر المجامع ونحوه، على ذلك القول لأنا لا نقطع بخروجها. قال في الكفاية: والفرق بين رطوبة فرج المرأة، ورطوبة باطن الذكر لأنها لزجة لا تنفصل بنفسها، ولا تمازج سائر رطوبات البدن، فلا حكم لها قلت: والرطوبة هي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق. كما قاله في شرح المهذب وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الجلالة من الدجاج وغيره في باب السين المهملة في حكم السخلة والله الموفق. الأمثال «١» : قالوا: «أعطف من أم إحدى وعشرين» . وهي الدجاجة كما تقدم. الخواص: لحم الدجاج معتدل الحرارة جيد. وأكل لحم الفتي من الدجاج يزيد في العقل والمني ويصفي الصوت، لكنه يضر بالمعدة والمرتاضين. ودفع مضرته أن يتناول بعده شراب العسل. وهو يولد غذاء معتدلا يوافق من الأمزجة المعتدلة ومن الإنسان الفتيان، ومن الأزمان الربيع. وأعلم أن الدجاج المعتدلة الغذاء ليست حارة مستحيلة: إلى الصفراء، ولا باردة مولدة للبلغم، ولا أعلم من أين أجمعت العامة والأطباء الأغمار على مضرتها بالنقرس وتوليد هاله، والقائلون بذلك لعلهم معتقدون بالخاصية وحسب لا غير. وهي محسنة للون وأدمغتها تزيد في الأدمغة والعقل. وهي من أغذية المترفهين، لا سيما من قبل أن تبيض. وإما بيضها فحار مائل إلى الرطوبة واليبس وقال بياروق: بياضه بارد رطب، وصفرته حارة جيدة للكاد. والطري منفعته تزيد في الباه لكنه إذا أدمن أكله يولد كلفا. وهو بطيء الهضم ودفع ضرره بالاقتصار على صفرته هو يولد خلطا محمودا. وأعلم أن أجود البيض للإنسان بيض الدجاج، والدراج إذا كانا طريين معتدلي النضج، فإن الصلب إما أن يتخم، أو يورث حمى، وهو يلبث طويلا ويغذو إذا انهضم كثيرا، والنيمرشت يغذو غذاء كثيرا والمسلوق بخل يعقل البطن، والساذج ينفع من حرارة المعدة والمثانة ونفث الدم، ويصفي الصوت. وأنفع السليق ما ألقي على الماء وهو يغلي عد مائة ورفع. ومما ينفع لحل المعقود أن تكتب على جوانب السيف هذه الأحرف بكصم لا لا وم ما ما لا لا لا هـ ه هـ وتقطع به بيضة دجاجة سوداء نظيفة مناصفة، فتأكل المرأة النصف والرجل النصف، فإنه مجرب وهو يحل إثنين وسبعين بابا بإذن الله تعالى. ومما ينفع لحل المعقود أيضا أن يكتب ويعلق في عنق الرجل، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواج ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. ومما جرب أيضا لحل المعقود أن تكتب وتعلق عليه الفاتحة والإخلاص والمعوّذتين، ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً «٢» أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ «٣» وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ

стр. 462

شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «١» فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً «٢» مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ «٣» فقلنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ «٤» وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً «٥» وعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٦» وقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً «٧» ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٨» إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً «٩» وتكتب إسم الرجل والمرأة في آخر الكتاب وتقول: أللهم إني أسألك أن تجمع بين فلان بن فلانة وبين فلانة بنت فلانة بحق هذه الأسماء والآيات إنك على كل شيء قدير. باهيا شراهيا أصبأوت آل شداي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم في في في في تم وكمل. وقال ابن وحشية: دماغ الدجاجة إذا وضع على لسعة الحية خاصة أبرأتها. وقال القزويني: إذا طبخت الدجاجة مع عشر بصلات بيض وكف سمسم مقشور حتى تتهرى ويؤكل لحمها ويشرب مرقتها فإنه يزيد في الباه ويقوّي الشهوة. وقال غيره: المداومة على أكل لحم الدجاج تورث البواسير والنقرس. وهذا قول جاهل بالطب وهو قول أغمار الأطباء كما تقدم. قال القزويني: وفي قانصة الدجاجة حجر إذا شد على المصروع أبرأه، وإذا علق على إنسان زاد في قوّة الباه، ويدفع عنه عين السوء، وإذا ترك تحت رأس الصبي فإنه لا يفزع في نومه. وذرق الدجاجة السوداء إذا ألصق على باب قوم، وقع بينهم الخصومة والشر، وإذا طلي الذكر بمرارة الدجاجة السوداء وجامع من شاء لم ينله أحد بعده. وإذا دفنت رأس دجاجة سوداء في كوز جديد، تحت فراش رجل قد خاصم زوجته، صالحها من وقته. وإذا احتمل رجل من دهن الدجاجة السوداء قدر أربعة دارهم هيج الباه. وإذا أخذ عينا دجاجة سوداء شديدة السواد، وعينا سنبور أسود، وجففن وسحقن واكتحل بهن، رأى من يفعل ذلك الروحانيين، فإن سألهم أخبروه بما يريد والله أعلم. التعبير: الدجاج في المنام نساء ذليلات مهينات، فالرقادة ذات نشاط وأصالة وبدالة. والدبيبة امرأة دنيئة الأصل أو خائنة وفروخها أولاد زنا، وربما دلت الدجاجة على المرأة ذات الأولاد، ودخولها على المريض عافيته وآذان الدجاجة شر ونكد أو موت. وكذلك الفروخ ربما دل دخولها على السليم، على انذار بمرض يحتاج فيه إليها وربما دل دخولها على زوال الهموم والانكاد، وعلى الأفراح والتظاهر بالرفاهية والنعم، والفروج ولد أو ملبوس مفرح أو فرج لمن هو في شدة، وربما كانت الدجاجة في المنام تدل رؤيتها على امرأة رعناء حمقاء ذات جمال، أو سرية أو خادم. فمن رأى كأنه ذبح دجاجة افتض جارية. ومن صادها نال ولاية ومالا هنيأ من العجم. ومن رأى الدجاج أو الفراريج تساق من مكان إلى مكان فإنه سبي. ومن رأى الدجاج أو الطواويس تهدر في منزله، فإنه صاحب فجور. وريش الدجاج مال، والبيض في المنام يعبر بالنساء لقوله تعالى:

стр. 463

كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ «١» والبيضة الواحدة لمن رآها بيده، فإن كانت زوجته حاملا فإنها تضع له بنتا وإن كان أعزب تزوّج ومن رأى البيض يجرف من مكان إلى مكان، كما تجرف الزبالة، فإنه سبي نساء ذلك المكان. ومن رأى بيضا نيئا وهو يأكله، فإنه يأكل مالا حراما وللطبوخ رزق حلال بتعب. وإذا رأت الحامل كأنها أعطيت بيضة مقشرة فإنها تلد بنتا وفراريج الدج اج أولاد زنا. ومن قشر بيضة فأكل بياضها، ورمى صفارها، فإنه نباش للقبور، ويأخذ أكفان الموتى. لما روى عن ابن سيرين أنه أتاه رجل، فقال: إني رأيت كأني أقشر بيضة وأرمي صفارها وآكل بياضها. فقال ابن سيرين: هذا رجل نباش للقبور. فقيل له: من أين أخذت هذا؟ فقال: البيضة القبر، والصفار الجسد، والبياض الكفن. فيلقى الميت ويأكل ثمن الكفن، وهو البياض. وحكي أن امرأة أتت إلى ابن سيرين فقالت: رأيت كأني أضع البيض تحت الخشب، فتخرج فراريج. فقال ابن سيرين: ويلك اتقي الله، فإنك امرأة توفقين بين الرجال والنساء فيما لا يحبه الله فقال له جلساؤه: قذفت المرأة يا محمد، من أين أخذت ذلك؟ فقال: من قوله تعالى في النساء يشبهن بالبيض كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ وقال جل وعلا، يشبه المنافقين بالخشب: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ «٢» فالبيض هو النساء، والخشب هم المفسدون والفراريج هم أولاد الزنا والله أعلم. الدجاجة الحبشية: هي نوع مما تقدم. قال الشافعي: يحرم على المحرم الدجاجة الحبشية لأنها وحشية تمتنع بالطيران، وإن كانت ربما ألفت البيوت. قال القاضي حسين: الدجاجة الحبشية شبيهة بالدراج. قال: وتسمى بالعراق الدجاجة السندية، فإن أتلفها لزمه الجزاء. وقال مالك: لا جزاء في دجاج الحبش على المحرم لاستئناسه، وكذلك كل ما تأنس من الوحشي عند الشافعي فيه الجزاء، خلافا لمالك. والدجاج الحبشي هو الدجاج البري، وهو في الشكل واللون قريب من الدجاج يسكن في الغالب سواحل البحر، وهو كثير ببلاد المغرب، يأوي مواضع الطرفاء ويبيض فيها. قال الجاحظ: ويخرج فراخه وكذلك فراخ الطاووس والبط السندي كيسة كاسية تلتقط الحب من ساعتها كفراخ الدجاج الأهلي ويقال له الغرغر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة. الدج: طائر صغير في حد اليمام من طير الماء سمين طيب اللحم وهو كثير بالاسكندرية وما يشابهها من بلاد السواحل قاله ابن سيده. الدحرج: بضم الدال المهملة دويبة قاله ابن سيده. الدخاس: كنحاس دويبة تغيب في التراب والجمع الدخاخيس. الدخس: بضم الدال المهملة وتشديد الخاء المعجمة ضرب من السمك وهو الدلفين. قاله ابن سيده أيضا وقال الجوهري: الدخس مثال الصرد دويبة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها ليستعين على السباحة وتسمى الدلفين وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى في هذا الباب.

стр. 464

الدخل: بتشديد الخاء المعجمة أيضا طائر صغير والجمع الدخاخيل وهو أغبر يسقط على رؤوس الشجر والنخل. واحدته دخلة وفي أدب الكاتب لابن قتيبة الدخل ابن تمرة. بضم الدال وفتح الراء المهملتين كنيته أبو الحجاج وأبو خطار وأبو ضبة، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الضاد المعجمة الساقطة واحدته دراجة، هو طائر مبارك، كثير النتاج، مبشر بالربيع، وهو القائل: «بالشكر تدوم النعم» وصوته مقطع على هذه الكلمات، وتطيب نفسه على الهواء الصافي، وهبوب الشمال، ويسوء حاله بهبوب الجنوب، حتى إنه لا يقدر على الطيران، وهو طائر أسود باطن الجناحين، وظاهرهما أغبر على خلقة القطا إلا أنه الطف. و الدراج إسم يطلق على الذكر والأنثى، حتى تقول الحيقطان: فيختص بالذكر، وأرض مدرجة أي ذات دراج. كذا قاله الجوهري. وقال سيبويه: واحدة الدراج درجوج، والديلم ذكر الدراج وقال ابن سيده: الدراج طائر شبيه بالحيقطان، وهو من طير العراق قال ابن دريد أحسبه مولدا وهو الدرجة مثل الرطبة. وأما الجاحظ فجعله من أقسام الحمام لأنه يجمع فراخه تحت جناحيه، كما يجمع الحمام من شأنه أنه لا يجعل بيضه في موضع واحد، بل ينقله لئلا يعرف أحد مكانه ولا يتسافد في البيوت وإنما يفعل ذلك في البساتين قال أبو الطيب المأموني يصف دراجة: قد بعثنا بذات حسن بديع ... كنبات الربيع بل هي أحسن في رداء من جلنار وآس ... وقيص من ياسمين وسوسن وسيأتي إن شاء الله تعالى في القبج زيادة في نعتها في باب القاف، قال الجاحظ: وهو من الخلق الذي لا يسمن بل يعظم وإذا عظم لم يحمل اللحم. وحكمه: الحل لأنه إما من الحمام أو من القطا وهما حلالان. الأمثال: قالوا «١» : «فلان يطلب الدراج من خيس الأسد» . يضرب لمن يطلب ما يتعذر وجوده. الخواص: يؤخذ شحمه فيذوب بدهن كادي ويقطر في الأذن الوجعة ثلاث قطرات، يسكن وجعها بإذن الله تعالى. قال ابن سينا: لحمه أفضل من لحم الفواخت، واعدل والطف. وأكله يزيد في الدماغ والفهم والمني. التعبير: الدراج في المنام مال، وقيل امرأة أو مملوك. فمن ملكه أو رآه عنده فإنه يملك مالا أو سرية أو مملوكا أو يتزوج والله أعلم. الدراج: بفتح الدال والراء المهملتين القنفذ، صفة غالبة عليه لأنه يدرج ليله كله. قاله ابن سيده.

стр. 465

فائدة أجنبية: استدراج الله تعالى العبد، أنه كلما جدد خطيئة. جدد الله له نعمة وأنساه الاستغفار وأن يأخذه قليلا قليلا ولا يباغته. روى: أحمد في الزهد عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال «١» : «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد، من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» . ثم تلا قوله «٢» تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال ابن عطية: روي عن بعض العلماء أنه قال: رحم الله امرءا تدبر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ وقال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة وقال الحسن. والله ما أحد من الناس بسط الله تعالى له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص في عمله وعجز في رأيه ما أمسكها الله تعالى عن عبد، فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص في عمله، وعجز في رأيه. وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇، إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل: مرحبا بشعار الصالحين. وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته. الدرباب: طائر مركب من الشقراق والغراب، وذلك بين في لونه، وهو كما قال أرسطاطاليس في النعوت: إنه طائر يحب الأنس، ويقبل التأديب والتربية، وفي صفيره وقرقرته أعاجيب، وذلك أنه ربما أفصح بالأصوات وقرقر كالقمري وربما حمحم كالفرس وربما صفر كالبلبل وغذاؤه من النبت والفاكهة واللحم وغير ذلك، ومألفه الغياض والأشجار الملتفة. انتهى قلت: وهذه صفة الطائر المسمى عند الناس بأبي زريق فإنه على هذا النعت الذي ذكره. ويقال له القيق أيضا وسيأتي إن شاء الله تعالى له مزيد بيان في باب القاف. الدرحرج: قال القزويني: إنها دويبة مبرقشة بحمرة وسواد يقال إنها سم، من أكلها تقرحت مثانته، وسد بوله وأظلم بصره، وتورم قضيبه وعانته، ويعرض له اختلاط في عقله. وحكمها: التحريم لضررها بالبدن والعقل. الدرص: بكسر الدال ولد القنفذ والأرنب واليربوع والفأرة والهرة والذئبة ونحوها والجمع ادراص ودرصة. قال السهيلي في التعريف والإعلام: العرب تقول للأحمق أبو دراص للعبه بالأدراص، وهو جمع درص، وهو ولد الكلبة وولد الهرة ونحو ذلك. وكنية اليربوع أم أدراص قاله الأصمعي. الأمثال: قالت العرب: «ضل دريص نفقه» «٣» أي جحره يضرب لمن لا يعبأ بأمره قال طفيل «٤» : فما أم أدراص بأرض مضلة ... بأغدر من قيس إذا الليل أظلما

стр. 466

الدرة: بضم الدال المهملة الببغاء المتقدمة في باب الموحدة. حكى الشيخ كمال الدين جعفر الأدفوي في كتابه الطالع السعيد في ترجمة محمد بن محمد النصيبي القوصي الفاضل المحدث الأديب، أنه أخبره أنه حضر مرة عند عز الدين بن البصراوي الحاجب بقوص، وكان له مجلس يجتمع فيه الرؤساء والفضلاء والأدباء، فحضر الشيخ علي الحريري، وحكى أنه رأى ذرة تقرأ سورة يس، فقال النصيبي: وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء إلى السجدة سجد ويقول سجد لك سوادي واطمأن بك فؤادي. الدساسة: بفتح الدال حية صماء تندس تحت التراب اندساسا أي تندفن وقيل: هي شحمة الأرض. وستأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة. الدعسوقة: بفتح الدال دويبة كالخنفساء وربما قيل ذلك للصبية والمرأة القصيرة تشبيها بها قاله في المحكم وفي مختصر العين للزبيدي أيضا إلا أنه ضبطه بالقلم بفتح الدال في نسخة صحيحة. الدعموص: بضم الدال دويبة تغوص في الماء، والجمع الدعاميص، كبرغوث وبراغيث، وقال السهيلي: الدعموص سمكة صغيرة كحية الماء، ودعيميص إسم رجل كان داهيا سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الأمثال، ويقال: «هذا دعيميص هذا الأمر» «١» . أي عالم به انتهى. روى مسلم عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قد مات لي اثنان من الولد، فهل أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم. «صغاركم دعاميص الجنة» «٢» . أي لا يمنعون من بيت، فيلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بيده أو بثوبه كما آخذ أنا ببعض ثوبك هذا فيقول: هذا فلان فلا يتناهى حتى يدخل هو وأبوه الجنة. وفي الحديث أن رجلا زنى فمسخه الله تعالى دعموصا. وبعضهم يقول الدعموص هو الآذن على الملك المتصرف بين يديه قال أمية بن أبي الصلت: دعموص أبواب الملو ... ك وحاجب للخلق فاتح قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، في الكلام على هذا الحديث: الدعاميص بفتح الدال جمع دعموص بضمها، وهي دويبة صغيرة يضرب لونها إلى سواد تكون في الغدران، شبه الطفل بها في الجنة لصغره وسرعة حركته. وقيل: هو إسم للرجل الزوار للملوك، الكثير الدخول عليهم. والخروج، لا يتوقف على أذن منهم، ولا يخاف أين يذهب من ديارهم، شبه طفل الجنة به لكثرة ذهابه في الجنة حيث شاء، لا يمتنع من بيت فيها ولا موضع، وهذا قول ظاهر انتهى. قال الجاحظ: إذا كبر الناموس صار دعاميص وهو يتولد من الماء الراكد، وإذا كبر صار فراشا، ولعل هذا هو عمدة من جعل الجراد بحريا. والدعموص من الخلق الذي لا يعيش في ابتداء أمره إلا في الماء، ثم بعد ذلك يستحيل بعوضا وناموسا. فائدة: في فتاوى القاضي حسين، أن دود الماء لو انشق أو ذاب، فخرج منه ماء، كان ذلك

стр. 467

الماء طهورا يجوز منه التوضؤ، وعلله بأن هذا الدود ليس بحيوان، بل هو منعقد من بخار يصعد من الماء، فيشبه الدود، وهذا منه صريح في جواز شرب الدعاميص مع الماء، لأنها ماء منعقد. ويحتمل أن يكون منه اختيار الأن دود الخل والفاكهة يعطى حكم ما يتولد منه حتى يجوز أكله منفردا. كما هو وجه في المذهب موجها بأنه يشبهه طعما وطبعا. والظاهر أن هذا لا يوافق عليه. والمشهور خلاف ما قاله تفسيرا وحكما. وإن الدعموص محرم الأكل لاستقذاره لأنه من الحشرات. الأمثال: قالوا «١» : «أهدى من دعيميص الرمل» . وهو عبد أسود كان داهية خريتا لم يكن يدخل في بلاد وبار غيره فقام في الموسم وقال: فمن يعطني تسعا وتسعين بكرة ... هجانا راد ما أهدها لوبار فقام رجل من مهرة وأعطاه ما سأل وتحمل معه بأهله وولده، فلما توسطوا الرمل طمست الجن عين دعيميص، فتحير وهلك هو ومن معه في تلك الرمال، وفي ذلك يقول الفرزدق. كهلاك ملتمس طريق وبار. الدغفل: كجعفر ولد الفيل، وذكر الثعالب أيضا. وكان دغفل بن حنظلة النسابة، أحد بني شيبان يسمى بذلك. روى عنه الحسن البصري شيئا من سنن رسول الله ﷺ ، وخولف فيه، ويقال: إن له صحبة ولم يصح، ولم يعرفه أحمد بن حنبل، وروى عنه الحسن أنه قال: «كان على النصارى صوم شهر رمضان فولي عليهم ملك، فمرض فنذر، إن شفاه الله أن يزيد الصوم عشرا، ثم كان عليهم ملك بعده، يأكل اللحم، فمرض فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل اللحم ويزيد الصوم ثمانية أيام، ثم كان ملك بعده فقال: ما ندع هذه الأيام إلا أن نتمها خمسين ونجعلها في الربيع فصارت خمسين يوما» . قال البخاري: لا يتابع دغفل على ذلك ولا يعرف للحسن سماع منه. وقال ابن سيرين: كان دغفل رجلا عالما، لكن اغتلمته النساء. أرسل إليه معاوية رضي الله تعالى عنه، يسأله عن أنساب العرب وعن النجوم وعن العربية وعن أنساب قريش فأخبره، فإذا هو رجل عالم فقال له من أين حفظت هذا يا دغفل؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول، فأمره أن يعلم ولده يزيد. الدغناش: طائر صغير من أنواع العصافير أصغر من الصرد مخطط الظهر بحمرة مطوق بالسواد والبياض، وهو شرير الطبع شديد المنقار. يوجد كثيرا بسواحل البحر الملح وغيره. وحكمه: الحل لأنه من أنواع العصافير. الدقيش: بضم الدال وفتح القاف، طائر صغير أصغر من الصرد وتسميه العامة الدقناس. وحكمه : كالذي قبله ولعله هو، ولكن تلاعبوا به فسموه تارة كذا وتارة كذا. وفي

стр. 468

الصحاح قيل لأبي الدقيش الشاعر ما الدقيش؟ فقال: لا أدري إنما هي أسماء نسمعها فنتسمى بها! الدلدل: عظيم القنافذ. والدلدال الاضطراب، وقد تدلدل السحاب أي تحرك متدليا، وبه سميت بغلة النبي ﷺ التي أهداها له المقوقس. وفي حديث أبي مرثد الآتي إن شاء الله تعالى في باب العين، قالت «عناق البغي: يا أهل الخيام هذا الدلدل الذي يحمل أسراكم» «١» . وإنما شبهته بالقنفذ لأنه أكثر ما يظهر في الليل ولأنه يخفي رأسه في جسده ما استطاع. وقال الجاحظ: الفرق بين الدلدل والقنفذ، كالفرق بين البقر والجواميس والبخاتي والعراب والجرذ والفأر وهو كثير ببلاد الشام والعراق وبلاد المغرب في قدر الثعلب القلطي. وقال الإمام الرافعي: الدلدل على حد السخلة، ومن شأنه أن يسفد قائما وظهر الأنثى لاصق بظهر الرجل. والأنثى تبيض خمس بيضات وليس هو بيضا في الحقيقة، إنما هو على صورة البيض يشبه اللحم. ومن شأنه أن يجعل لجحره بابين: أحدهما في جهة الجنوب، والآخر في جهة الشمال. فإذا هبت ريح سد باب جهتها، وإذا رأى ما يكرهه القبض، فيخرج منه شوك كالمسال يجرح من أصابه، والشوك الذي على ظهره نحو الذراع، وزعم بعض المتكلمين على طبائع الحيوان، أن الشوك الذي على ظهره نحو الذراع شعر، وأنه لما غلظ البخار، واشتد غلظه، وغلب عليه اليبس، عند صعوده من المسام، صار شوكا الحكم: نص الشافعي على حله، رواه عنه ابن ماجة وغيره. وقال الرافعي: قطع الشيخ أبو محمد بتحريمه في الوسيط أنه كان يعده من الخبائث. وقال ابن الصلاح: هذا غير مرضي وكأنه لم يعرف ما الدلدل، واعتقد ما بلغنا عن الشيخ أبي أحمد الأشنهي أنه قال: الدلدل كبار السلاحف. وهذا غير مرضي، والمحفوظ أنه ذكر القنافذ وقطع بحله الماوردي والروياني وغيرهما وهو الصواب. الأمثال: «٢» قالوا «أسمع من دلدل» . وخواصه وتعبيره: كالقنافذ وستأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف. الدلفين: الدخس وضبطه الجوهري في باب السين المهملة بضم الدال فقال: الدخس مثال الصرد دابة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها ليستعين به على السباحة. ويسمى الدلفين وقال غيره: إنه خنزير البحر. وهو دابة تنجي الغريق وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الملح، لأنه يقذف به البحر إلى النيل وصفته كصفة الزق المنفوخ، وله رأس صغير جدا وليس في دواب البحر ماله رئة سواه فلذلك يسمع منه النفخ والنفس، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، ولا يؤذي أحدا ولا يأكل إلا السمك. وربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت وهو يلد ويرضع، وأولاده تتبعه حيث ذهب، ولا يلد إلا في الصيف، من طبعه الأنس بالناس وخاصة بالصبيان وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال

стр. 469

صائده، وإذا لبث في العمق حينا حبس نفسه، وصعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم لطلب النفس، فإن كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها عن السفينة، ولا يرى منها ذكر إلا مع أنثى. الحكم: يحل أكله لعموم حل السمك إلا ما استثني منه، وليس هذا من المستثنيات كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الخواص: إذا غلي شحمه في حنظلة فارغة وقطر في الأذن نفع من الصمم، ولحمه بارد بطيء الهضم. وإذا علقت أسنانه على الصبيان يفزعوا. وأكل شحمه ينفع من أوجاع المفاصل. وشحم كلاه إذا أذيب بالنار، ودهن به مع دهن الزنبق وجه امرأة أحبها زوجها وطلب مرضاتها. وكفاه يعلقان على من يفزع فيذهب فزعه. وإذا وضع نابه الأيمن في دهن ورد سبعة أيام ومسح به وجه إنسان كان محبوبا عند عامة الناس ونابه الأيسر بالضد من ذلك. التعبير: الدلفين تدل رؤيته على ما دلت عليه رؤية التمساح، وربما دلت رؤيته على المكايد، والاختفاء بالأعمال، وعلى التلصص واستراق السمع، وربما دلت رؤيته على كثرة الدعاء والمطر، قاله ابن الدقاق. وقال المقدسي: من رآه في المنام، وكان خائفا، أمن ونجا لأنه ينجي الغرقى. وكل حيوان يرى مما يخشى منه في اليقظة كالتمساح ونحوه، إذا كان خارج الماء فهو عدو عاجز لا يقدر على مضرة من رآه في المنام، لأن قوته وبطشه في الماء فإذا خرج منه زالت قوّته والله اعلم. الدلق: بالتحريك فارسي معرب، وهو دويبة تقرب من السمور. قال عبد اللطيف البغدادي: إنه يفترس في بعض الأحايين ويكرع الدم. وذكر ابن فارس، في المجمل، إنه النمس، وفيه نظر. قال الرافعي: والدلق يسمى ابن مقرس وقال القزويني: إنه حيوان وحشي عدو الحمام إذا دخل البرج لا يترك فيه واحدا أو تنقطع الثعابين عند صوته، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في باب الميم على ابن مقرص وما وقع فيه للرافعي والنووي. وفي رحلة ابن الصلاح، عن كتاب لوامع الدلائل، في زوايا المسائل للكيا الهراسي أنه قال: يجوز أكل الفنك والسنجاب والدلق والقاقم، والحوصل والزرافة كالثعلب. ثم إن ابن الصلاح كتب بخطه: الدلق النمس. فاستفدنا من هذا حل النمس والزرافة. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانهما في بابيهما. الخواص: عينه اليمنى تعلق على من به حمى الربع تزول عنه بالتدريج، وإذا علق اليسرى عليه عادت. وشحمه إذا بخر به برج الحمام هربت كلها. وهو يزيل الكلال الحاصل للإنسان من أكل الحامض. ودمه يقطر في أنف المصروع منه نصف دانق ينفعه، وجلده يجلس عليه صاحب القولنج والبواسير ينفعه. الدلم: نوع من القراد، قالت العرب في أمثالها: «فلان أشد من الدلم» «١» .

стр. 470

الدلهاما: قال القزويني: هو شيء يوجد في جزائر البحار، على هيئة إنسان راكب على نعامة، يأكل لحوم الناس الذين يقذفهم البحر، وذكر بعضهم أنه عرض لمركب في البحر فحاربهم وحاربوه، فصاح بهم صيحة خروا على وجوههم فأخذهم. الدم: بكسر الدال السنور، حكاه في المحكم عن النضر في كتاب الوحوش. الدنة: بتشديد النون دويبة كالنملة قاله ابن سيده. الدنيلس: معروف وهو نوع من الصدف والحلزون، قال جبريل بن بختيشوع: إنه ينفع من رطوبة المعدة والاستسقاء. وحكمه: حل الأكل لأنه من طعام البحر، ولا يعيش إلا فيه. ولم يأت على تحريمه دليل. كذا أفتى به الشيخ شمس الدين بن عدلان وعلماء عصره وغيرهم. وما نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الافتاء بتحريم أكله لم يصح. فقد نص الشافعي على أن حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه يؤكل لعموم الآية، ولقوله ﷺ «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» «١» . ووراء ذلك وجهان، وقيل قولان أحدهما يحرم لأنه ﷺ خص السمك بالحل، والثاني ما أكل شبهه في البر، كالبقر والشاء حلال. وما لا كخنزير الماء وكلبه حرام وعلى هذا لا يؤكل ما أشبه الحمار وإن كان في البر الحمار الوحشي حلالا. قال في كتاب التبيان: فيما يحل ويحرم من الحيوان للشيخ عمار الدين الاقفهسي، وقد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه كان يفتي بتحريم الدنيلس، قال: وهذا مما لا يرتاب فيه سليم الطبع. قلت: وقد ذكر ارسطاطاليس، في كتابه نعوت الحيوان، أن السرطان لا يخلق بتولد ونتاج، وإنما يستحيل في الصدف أي يتخلق فيه ثم يخرج، ومنه ما يتولد ثم ينشق عنه الصدف ويخرج، كما أن البعوض يتولد من أوساخ المياه ونتنها. فقد استفدنا من كلام ارسطاطاليس أن ما في داخل الدنيلس وغيره، من الأصداف يستحيل سرطانات، وإذا كان الحيوان غير مأكول، فأصله كذلك إلا على القول الضعيف. وسمعت عن بعض الفقهاء أنه كان يفتي بحل الدنيلس، ويأخذه من كلام الأصحاب ما أكل مثله في البر، أكل مثله في البحر. وقال إن الدنيلس له نظير في البر، وهو الفستق، وهذه غباوة منه لأن مراد الأصحاب ما أكل في البر من حيوان أكل مثله في البحر. ثم هل يجب مع ذلك ذبحه أم لا؟ فيه وجهان: وليس مرادهم تشبيه حيوان بحري بحمار بري حتى يصح القياس. وبالجملة فهذا القائل، قد قاس الخبيث بالطيب، ويلزمه أن يقول بحل سائر المحار والأصداف لأن الدنيلس محار صغير، ثم يأخذ بعد ذلك في الكبر، والدليل على ذلك أنه يوجد منه صغير وكبير فإذا تكامل بقي محارا، فينبغي القطع بتحريم الدنيلس لأنه من أنواع الصدف، والصدف مستخبث كالسلحفاة والحلزون. قال الجاحظ: والملاحون يأكلون البلبل، وهو ما في جوف الصدفة، وهذا يدل على أنه غير مستطاب وإلا لما عده من خواص الملاحين. وأهل مصر يعيبون أهل الشام

стр. 471

بأكلهم السرطان، وأهل الشام يعيبون أهل مصر بأكلهم الدنيلس ولم أجد لهم مثلا إلا قول الشاعر: ومن العجائب والعجائب جمة ... أن يلهج الأعمى بعيب الأعمش انتهى كلام الأقفهسي، وهو مخالف لما ذكره المؤلف والله أعلم. الدهانج: بضم الدال الجمل الضخم ذو السنامين. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في الفالج. الدوبل: الحمار الصغير الذي لا يكبر وكان الأخطل يلقب به ومنه قول جرير «١» : بكى دوبل لا يرقىء الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل «٢» الدود: جمع دودة وجمع الدود ديدان، والتصغير دويد، وقياسه دويدة وداد الطعام يداد وأداد ودوّد. إذا وقع فيه السوس قال الراجز: قد أطعمتني دفلا حوليا ... مسوسا مدوّدا حجريا والدود أيضا صغار الدود. ودويد بن زيد عاش أربعمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام وهو لا يعقل، وارتجز وهو محتضر: اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدهر بلى ابليته أو كان قرني واحدا كفيته ... يا رب نهب صالح حويته ورب غيل حسن لويته ... ومعصم مخضب ثنيته وفي تاريخ «٣» ابن خلكان، إنه سعى بأبي الحسن الهادي، بن محمد الجواد، بن علي الرضا إلى المتوكل بأن في منزله سلاحا وكتبا من شيعته، وأنه يطلب الأمر لنفسه، فبعث المتوكل إليه جماعة فهجموا عليه في منزله فوجدوه على الأرض مستقبل القبلة يقرأ القرآن، فحملوه على حاله إلى المتوكل والمتوكل يشرب، فاعظمه وأجله وقال له: أنشدني فقال: إني قليل الرواية للشعر. فقال له المتوكل: لا بد فأنشده: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... وأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا

стр. 472

فبكى المتوكل والحاضرون. ثم قال له المتوكل: يا أبا الحسن هل عليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف درهم، فأمر له بها وصرفه مكرما. فلما كثرت السعاية به عند المتوكل أحضره المدينة، وأقره بسر من رأى، وتدعى العسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها: العسكر، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، ولهذا قيل له العسكري. وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، وهو أحد الأئمة الأثني عشر على مذهب الإمامية رضي الله تعالى عنه وعن آبائه الكرام. والدود أنواع كثيرة يدخل فيها الأساريع والحلم والأرضة ودود الخل والزبل، ودود الفاكهة ودود القز والدود الأخضر الذي يوجد في شجر الصنوبر، وهو في القوة والفعل كالذراريح، وكله معروف ومنه ما يتولد في جوف الإنسان. وروى ابن عدي بسند فيه عصمة بن محمد بن فضالة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود «١» » . وقالت الحكماء: شرب الوخشيرق يرمي الدود من البطن، وورق الخوخ إذا ضمدت السرة به قتل ديدان البطن. روى البيهقي في الشعب، عن صدقة بن يسار أنه قال: دخل داود ﵊ في محرابه، فأبصر دودة صغيرة فتفكر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذا الدودة، فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك؟ لأنا على قدر ما أتاني الله، أذكر لله وأشكر له منك، على ما آتاك الله. قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ «٢» وأما دود الفاكهة فذكر الزمخشري في تفسير قوله «٣» تعالى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ الآية أنها بعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحليهن، وخمسمائة جارية على زي الغلمان، كلهم على سروج الذهب والخيل المسومة، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت والمسك والعنبر، وحقا فيه درة يتيمة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وبعثت برجلين من أشراف قومها المنذر بن عمرو وآخر ذي رأي وعقل. وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان، فهو ملك فلا يهولنك أمره، وإن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم الله نبيه سليمان بذلك، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفة من ذهب وشرفة من فضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها، عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن، وهم خلق كثير، فاقيموا على اليمين واليسار، ثم قعد على كرسيه، والكراسي عن يمينه ويساره، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والجن صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم، نظروا فرأوا الدواب تروث على لبنات الذهب والفضة، فرموا بما معهم منها، فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا وكذا؟ فقدموه بين يديه فأمر الأرضة، فأخذت شعرة ونفدت فيها، فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء بفيها الخيط، ونفذت فيها فجعل رزقها في الفواكه، ودعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم ردا الهدية، وقال للمنذر: ارجع إليهم. فلما رجع وأخبرها الخبر قالت: هو نبي وما

стр. 473

لنا به طاقة فشخصت إليه في أثنى عشر ألف قيل تحت يد كل قبل ألوف. وأما دود القز فيقال لها الدودة الهندية، وهي من أعجب المخلوقات، وذلك إنه يكون أولا بزرا من قدر حب التين، ثم يخرج من الدود عند فصل الربيع، ويكون عند الخروج أصغر من الذر، وفي لونه ويخرج من الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، وربما تأخر خروجه فتصره النساء وتجعله تحت ثديهن، وإذا خرج أطعم ورق التوت الأبيض، ولا يزال يكبر ويعظم إلى أن يصير في قدر الإصبع، وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا، وذلك في مدة ستين يوما على الأكثر، ثم يأخذ في النسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه. ويكمل عليه ما يبنيه إلى أن يصير كهيئة الجوزة، ويبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام، ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، فيخرج منها فراش أبيض له جناحان، لا يسكنان من الاضطراب، وعند خروجه يهيج إلى السفاد، فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان مدة، ثم يفترقان، وتبزر الأنثى البزر الذي تقدم ذكره على خرق بيض، تفرش له قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه، ثم يموتان هذا إن أريد منهما البزر وإن أريد الحرير ترك في الشمس بعد فراغه من النسج، بعشرة أيام يوما بعض يوم فيموت. وفيه من أسرار الطبيعة أنه يهلك من صوت الرعد، وضرب الطست والهاون ومن شم الخل والدخان ومس الحائض والجنب. ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنمل والوزغ وكثرة الحر والبرد وقد ألغز فيه بعض الشعراء فقال: وبيضة تحضن في يومين ... حتى إذا دبت على رجلين واستبدلت بلونها لونين ... حاكت لها خيسا بلا نيرين بلا سماء وبلا بابين ... ونقبته بعد ليلتين فخرجت مكحولة العينين ... قد صبغت بالنقش حاجبين قصيرة ضئيلة الجنبين ... كأنها قد قطعت نصفين لها جناح سابع النبردين ... ما نبتا إلا لقرب الحين إن الردى كحل لكل عين قال الإمام أبو طالب المكي «١» ، في كتابه قوت القلوب: وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه، من جهله حتى لا يكون له مخلص، فيقتل نفسه ويصير القز لغيره، وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه، لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج عنه فيشمس، وربما غمز بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز ليخرج القز صحيحا. فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله وتتنعم ورثته بما شقي هو به فإن أطاعوا به، كان أجره لهم، وحسابه عليه، وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره؟ انتهى. وقد أشار إلى ذلك أبو الفتح البستي «٢» بقوله:

стр. 474

ألم تر أن المرء طول حياته ... معنى بأمر لا يزال يعالجه كدود كدود القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه وله أيضا وأجاد: لا يغرنك أنني لين اللم ... س فعزمي إذا انتضيت حسام أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام وقال آخر «١» في المعنى: يفنى الحريص بجمع المال مدته ... وللحوادث ما يبقى وما يدع «٢» كدودة القز ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع «٣» لما أخذت دودة القز تنسج، أقبل العنكبوت يتشبه بها، وقال: لي نسج ولك نسج. فقالت دودة القز: إن نسجي ملابس الملوك ونسجك ملابس الذباب، وعند مس الحاجة يتبين الفرق ولذلك قيل: إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى تتمة: شجرة الصنوبر تثمر في كل ثلاثين سنة مرة، وشجرة الدبا تصعد في كل أسبوعين، فتقول لشجرة الصنوبر: إن الطريق التي قد قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين. ويقال: لك شجرة ولي شجرة، فتقول شجرة الصنوبر لها: مهلا إلى أن تهب رياح الخريف، فحينئذ يتبين لك اغترارك بالإسم. وقال المسعودي في ترجمة الراضي إن دودة بطبرستان، تكون من المثقال إلى ثلاثة مثاقيل، تضيء في الليل كما يضيء الشمع، وتطير بالنهار فترى لها أجنحة، وهي خضراء ملساء لا جناحين لها في الحقيقة، غذاؤها التراب، لم تشبع قط منه خوفا أن تفنى تراب الأرض فتهلك جوعا. قال: وفيها منافع كثيرة وخواص واسعة انتهى. وسيأتي عن الجاحظ قريب من هذا. الحكم: يحرم أكله بجميع أنواعه، لأنه مستخبث إلا ما تولد من مأكول فعندنا فيه ثلاثة أوجه: أصحها جواز أكله معه لا منفردا، والثاني يجب تمييزه ولا يؤكل أصلا، والثالث يؤكل معه ومنفردا. وعلى الأصح ظاهر اطلاقهم أنه لا فرق بين أن يسهل تمييزه أو يشق. ولا يجوز بيع الدود إلا القرمز الذي يصبغ به وهو دود أحمر يوجد في شجر البلوط في بعض البلاد صدفي يشبه الحلزون. تجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن. وأما دود القز فيجوز بيعه، ويجب إطعامه ورق الفرصاد، وهو التوت الأبيض، ويجوز تشميسه، وإن هلك لتحصيل فائدته. ويجوز بيع الفيلج وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه فيه من مصلحته، فيجوز بيعه وزنا وجزفا، كما صرح به القاضي

стр. 475

حسين. وقال الإمام: إن باعه جزافا كما صرح به القاضي حسين وقال الإمام إن باعه جزافا جاز، وإن باعه وزنا لم يجز. قلت: وهذا هو الصحيح المعتمد، لأن الدود الذي فيه، يمنع معرفة مقدار ما فيه من المقصود. وهو القز وقد جزم به الشيخان، في آخر كتاب السلم. وجزم به ابن الرفعة وغيره. وفي روثه الخلاف في روث ما لا نفس له سائلة. وفي بزره الوجهان في بيض ما لا يؤكل والأصح الطهارة. وقال الفوراني والمتولي: إن قلنا دود القز طاهر، بعد الموت فبزره طاهر، وإن قلنا إنه نجس فالبزر كالبيض لأن له نماء مثله. وفي فتاوى القفال: إن بزر القز لا مثل له، ولا يجوز السلم فيه، لأن أهل الصنعة لا يعرفون أن هذا البزر يكون نسجه أحمر أو أبيض، فهو كالسلم في الجواهر. الأمثال: قالوا «١» : «أصنع من دود القز» . وربما قالوا: «أكثر من الدود وأضعف من الدود» . قال ابن رشد، في جامع البيان والتحصيل: سأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، عن البحر، فقال: خلق قوي يركبه خلق ضعيف، دود على عودان ضاعوا هلكوا، وإن بقوا فرقوا. فقال عمر: لا أحمل فيه أحدا أبدا. الخواص: إذا أخذ دود القز، وخلط بالزيت ولطخ به بدن إنسان نفع من نهش الهوام، وذوات السموم ودودة القز إن أخرجت منه وأكلها الدجاج حصل له سمن كثير، ودود الزبل الأصفر الذي يخلق منه، إذا طبخ في زيت عتيق حتى ينضج ويدهن بذلك الزيت داء الثعلب، فإنه يبرئه، وهو في ذلك عجيب مجرب إذا داوم عليه. التعبير: الدود في المنام عدو من الأهل، ودود القز زبون للتاجر، ورعية للسلطان، فمن أخذ منه شيئا نال منفعة منهم، وربما دلت رؤية الدود على مال حرام. ويعبر أيضا بالضر فمن زال عنه زال ذلك عنه، وربما عبر الدود بالأولاد القصيري الأعمار، وأصحاب التركات السنية، وربما دلت رؤيته على قرب الأجل ونهاية العمر، وربما دلت على الحاكة من الرجال والنساء، والمحاكين للصور والله أعلم. دؤالة: كنخالة من أسماء الثعلب، سمي بذلك لنشاطه وخفة مشيه والدألان مشية النشيط. الدودمس: ضرب من الحيات محرنفش الغلاصيم، ينفخ فيحرق ما أصاب والجمع دودمسات ودواميس قاله ابن سيده. الدوسر: الجمل الضخم والأنثى دوسرة. وجمل دوسري كأنه منسوب إليه. الديسم: بالفتح ولد الدب قال الجوهري: قلت لأبي الغوث: يقال إنه ولد الذئب من الكلبة! فقال: ما هو إلا ولد الدب. وقال في المحكم: إنه ولد الثعلب. وقال الجاحظ: إنه ولد الذئب من الكلبة. وهو أغبر اللون وغبرته ممتزجة بسواد. وحكمه: تحريم الأكل على كل تقدير. الديك: ذكر الدجاج وجمعه ديوك وديكة، وتصغيره دويك، وكنيته أبو حسان،

стр. 476

وأبو حماد وأبو سليمان، وأبو عقبة، وأبو مدلج، وأبو المنذر، وأبو نبهان وأبو يقظان، وأبو برائل والبرائل الذي يرتفع من ريش الطائر في عنقه، وينفشه الديك للقتال، وقيل: إن للديك خاصة. ويسمى الأنيس والمؤانس، ومن شأنه أنه لا يحنو على ولده، ولا يألف زوجة واحدة، وهو أبله الطبيعة، وذلك أنه إذا سقط من حائط لم يكن له هداية ترشده إلى دار أهله. وفيه من الخصال الحميدة أنه يسوي بين دجاجه، ولا يؤثر واحدة على واحدة إلا نادرا، وأعظم ما فيه من العجائب، معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطا، لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال أو قصر. ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده، فسبحان من هداه لذلك. ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات. ومن غريب أمره، إذا كانت الديكة بمكان، ودخل عليها ديك غريب سفدته كلها، وقد أجاد أبو بكر الصنوبري في مدحه حيث قال «١» : مغرد الليل ما يألوك تغريدا ... مل الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا لما تطرب هز العطف من طرب ... ومد للصوت لما مده الجيدا كلابس مطرفا مرخ ذوائبه ... تضاحك البيض من اطرافه السودا حالى المقلد لو قيست قلائده ... بالورد قصر عنها الورد توريدا وفي تاريخ «٢» ابن خلكان في ترجمة محمد بن معن بن محمد بن صمادح، المنعوت بالمعتصم، من قصيدة مدحه بها أبو القاسم الأسعد بن بليطة في صفة الديك: كأن أنو شروان أعطاه تاجه ... وناط عليه كفّ مارية القرطا «٣» سبى حلة الطاووس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبى المشية البطا قال «٤» الجاحظ: ويدخل في الديك الهندي والجلاسي والنبطي والسندي والزنجي، وزعم أهل التجربة أن الديك الأبيض الأفرق من خواصه أن يحفظ الدار التي هو فيها، وزعموا أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق، لم يزل ينكب في أهله وماله. وروى عبد الحق بن قانع بإسناده إلى جابر بن أثوب، بسكون الثاء المثلثة وفتح الواو، وهو أثوب بن عتبة، أن النبي ﷺ قال: «الديك الأبيض خليلي» . وإسناده لا يثبت. ورواه غيره بلفظ: «الديك الأبيض صديقي وعدو الشيطان، يحرس صاحبه وسبع دور خلفه» . قال: وكان النبي ﷺ يقتنيه في البيت والمسجد. وفي التهذيب في ترجمة البزي الراوي عن ابن كثير، وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة المكي، وهو ضعيف الحديث، عن الحسن عن أنس أن النبي ﷺ قال: «الديك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي جبريل يحرس بيته وستة عشر بيتا من جيرانه» . وروى الشيخ محب الدين الطبري «أن النبي ﷺ كان له ديك أبيض وكان الصحابة ﵃ يسافرون بالديكة لتعرفهم أوقات الصلوات» .

стр. 477

وفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «١» قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا» . قال القاضي عياض: سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء، واستغفارهم وشهادتهم له بالإخلاص والتضرع والابتهال. وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم وإنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطان يخاف من شره عند حضوره فينبغي أن يتعوذ منه انتهى. وفي معجم الطبراني وتاريخ أصبهان، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله سبحانه ديكا أبيض جناحاه موشيان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، ورأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء، يؤذن في كل سحر فيسمع تلك الصيحة أهل السموات وأهل الأرض، إلا الثقلين، الإنس والجن، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض فإذا دنا يوم القيامة يقول الله تعالى: ضم جناحيك، وغض صوتك. فيعلم أهل السموات وأهل الأرض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت» . وروى الطبراني والبيهقي في الشعب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن لله ديكا رجلاه في التخوم، وعنقه تحت العرش منطوية، فإذا كان هنة من الليل، صاح: سبوح قدوس، فتصيح الديكة» . وهو في كامل ابن عدي في ترجمة علي بن أبي علي اللهبي. قال: وهو يروي أحاديث منكرة عن جابر ﵁. وفي كتاب فضل الذكر، للحافظ العلامة جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «إن لله ديكا رجلاه في الأرض السفلى، وعنقه مثنية تحت العرش، وجناحاه في الهواء يخفق بهما في السحر كل ليلة، يقول: سبحان الملك القدوس ربنا الملك الرحمن لا إله غيره» . وروى الثعلبي أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى. صوت الديك، وصوت قارىء القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار» . وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» . إسناده «٢» جيد وفي لفظ «فإنه يدعو إلى الصلاة» قال الإمام الحلمي في قوله ﷺ «فإنه يدعو إلى الصلاة» . دليل على أن كل من استفيد منه خير، لا ينبغي أن يسب ويستهان به، بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان، وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه حقيقة: الصلاة أو قد حانت الصلاة، بل معناه أن العادة قد جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة، عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها فيتذكر الناس بصراخه الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه، من غير دلالة سواه إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة والله أعلم انتهى. وروى الحاكم في المستدرك في أوائل كتاب الإيمان والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض وعنقه مثنية تحت العرش، وهو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك، قال: فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا» . وروى الإمامان أبو طالب المكي وحجة الإسلام الغزالي، عن

стр. 478

ميمون بن مهران، أنه قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك، براثنه من لؤلؤة وصيصته من زبرجد أخضر، فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم المصلون، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم ومعنى زقا صاح. نكتة: كان سهل بن هارون بن راهويه، في خدمة المأمون، وكان حكيما فصيحا شاعرا فارسي الأصل شيعي المذهب، شديد التعصب على العرب، وله مصنفات عديدة في الأدب وغيره، وكان الجاحظ يصف براعته وحكمته وشجاعته في كتبه، وكان إليه النهاية في البخل وله فيه حكايات عجيبة: فمن ذلك قال دعبل: كنا عنده يوما فأطلنا القعود، حتى كاد يموت جوعا، ثم قال: ويحك يا غلام غدنا! فأتاه بقصعة فيها ديك مطبوخ، فتأمله ثم قال أين الرأس يا غلام؟ قال: رميت به. فقال: إني والله لأمقت من يرمي برجله، فكيف برأسه؟ ولو لم يكن فيما فعلت إلا الطيرة والفأل لكراهته، أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصرخ الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب بها المثل في الصفاء، فيقال: «شراب كعين الديك» . ودماغه عجب لوجع الكليتين، ولم ير عظم أهش تحت الأسنان منه، وهب أنك ظننت أني لا آكله أو ليس العيال كانوا يأكلونه؟ فإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فعندنا من يأكله، أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن رأس العنق؟ انظر لي أين هو؟ فقال: والله ما أدري أين هو، ولا أين رميت به. فقال: رميته في بطنك قاتلك الله. الحكم : يحل أكله لما تقدم في الدجاج، ويكره سبه لما تقدم في حديث زيد بن خالد الجهني، ويجوز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات كما تقدم قريبا. قال أصبغ بن زيد الواسطي: كان لسعيد بن جبير ديك يقوم في الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق ذلك عليه، فقال: ماله قطع الله صوته؟ فلم يسمع له صوت بعد ذلك. وفي مناقب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، أن رجلا سأله عن رجل خصى ديكا له، فقال: عليه أرشه. وفي الكامل. في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ : «نهى عن خصاء الديك والغنم والخيل. وقال «١» : «إنما النماء في الخيل» . وتحرم المنافرة بالديكة. وسيأتي ما ورد في ذلك من النهي في باب الكاف، في المناطحة بالكباش، في لفظ الكبش إن شاء الله تعالى. الأمثال: قالوا «٢» : «أشجع من ديك» «وأسفد من ديك «٣» » . فائدة: روى «٤» مسلم وغيره أن عمر ﵁ خطب الناس يوما فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراه إلا لحضور أجلي وهي أن ديكا نقرني ثلاث نقرات، وفي لفظ رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين. فحدثتها أسماء بنث عميس ﵂ فحدثتني بأن يقتلني رجل من الأعاجم. وكان هذا القول منه يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء

стр. 479

رضي الله عنه. وروى الحاكم عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات فقلت: أعجمي يقتلني، وإني جعلت أمري إلى هؤلاء الستة، الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. فمن استخلف فهو الخليفة. وذكر ابن خلكان وغيره، أن عمر ﵁، لما طعن، اختار من الصحابة ستة نفر، وهم المتقدم ذكرهم. وكان سعد بن أبي وقاص غائبا، وجعل عبد الله ابنه مشيرا، وليس له من الأمر شيء وأقام المسور بن مخرمة، وثلاثين نفسا من الأنصار، وقال: إن اتفقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، وإلا فاضربوا رقاب الكل فلا خير للمسلمين فيهم، وإن افترقوا فرقتين، فالفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. وأوصي أن يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الشورى، واختار عثمان فبايعه الناس. ونقل أن العباس بن عبد المطلب قال لعلي: يا ابن أخي لا تدخل نفسك في الشورى مع القوم، فإني أخاف أن يخرجوك منها فتبقى وصمة فيك فلم يقبل منه. وكان عمر قد بويع له بالخلافة يوم مات الصديق بعهد منه له في ذلك كما سبق في باب الهمزة في لفظ الأوز. وضربه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيا، وقيل: كان نصرانيا، ثلاث ضربات أحداهن تحت سرته، فقال: قتلني الكلب. وخرج من المحراب ودخل عبد الرحمن بن عوف، فأتم الصلاة بالناس. ومر أبو لؤلؤة هاربا في يده خنجر يضرب به يمينا وشمالا فطرح عليه رجل من الأنصار رداءه، فلما علم أنه مأخوذ، نحر نفسه. وكان بعض الذين في المسجد لم يشعروا بذلك لشغلهم بالصلاة إلا أنهم فقدوا صوت عمر ولم يعلموا ما سببه. وإنه لما طعن، قيل له: ما أحب الأشربة إليك يا أمير المؤمنين؟ قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من جرحه، فقال قوم: نبيذ وقال قوم: دم فسقوه لبنا فخرج من جرحه. فقيل له: أوص يا أمير المؤمنين، فأوصى بالشورى كما تقدم. وكان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وبقي ثلاثة أيام، وتوفي لأربع بقين من ذي الحجة. وقيل لليلتين وقد تقدم بعض ذلك في الأوز. ويقال إن عبيد الله بن عمر وثب على الهرمزان فقتله، وقتل معه رجلا نصرانيا، يعرف بحفنة من أهل نجران، كانا قد اتهما بإغراء أبي لؤلؤة بعمر ﵁. وقتل بنتا لأبي لؤلؤة طفلة. ووداهم عثمان ﵁. ولحق عبيد الله بمعاوية في خلافة علي ﵁. وكان في أيام عمر الفتوحات العظام، وهو الذي سمى الغزوات الشواتي والصوائف، وهو أول من أرخ التاريخ بعام الهجرة، وأول من دعي بأمير المؤمنين وأول من ختم الكتب، وكان في يده خاتم رسول الله ﷺ ، وفيه نظر. وأول من ضرب بالدرة وحملها. وأول من قال: أطال الله بقاءك، قالها لعلي ﵄، وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت، وهو أول من جمع الناس على إمام واحد في التراويح. وحج بالناس عشر سنين متوالية آخرها سنة ثلاث وعشرين، ومعه نساء رسول الله ﷺ في الهوادج ورجع إلى المدينة فرأى الرؤيا المتقدم

стр. 480

ذكرها، وتزوّج عمر أم كلثوم بنت علي ﵁، وأصدقها أربعين ألف درهم، وكان أي عمر ﵁ قد حد ابنه عبيد الله على الشراب، فقال له وهو يحده: قتلتني يا أبتاه. فقال له: يا بني إذا لقيت ربك فأخبره أن أباك يقيم الحدود. والذي في السير أن المحدود في الشراب ابنه الأوسط أبو شحمة، وإسمه عبد الرحمن، وأمه أم ولد يقال لها الهيبة. وقتل عبيد الله الرجلين مشكل وقتله الطفلة أشكل والله أعلم. وذكر غير واحد من الثقات، أنه كان لرقية بنت رسول الله ﷺ ، من عثمان، ولد يقال له عبد الله، وبه كان يكنى، بلغ سبع سنين نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادى سنة أربع. ولم يولد له غيره من بنات النبي ﷺ . ولما هاجرت رقية إلى الحبشة كان فتيان الحبشة يتعرضون لرؤيتها ويتعجبون من جمالها، فآذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا. وقالوا: «ما كلمته إلا كحسو الديك» «١» يريدون السرعة قال الشاعر: ويوما كحسو الديك قد بات صحبتي ... ينالونه فوق القلاص العياهل «٢» يريد قتله وسرعته وضربوا المثل بصفاء عينه فقالوا: «أصفى من عين الديك» «٣» . ومن المشهور في ذلك قصيدة عدي بن زيد العبادي التي يقول «٤» فيها: بكر العاذلون في وضح الصب ... بح يقولون لي أما تستفيق ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موهوق «٥» لست أدري إذا أكثروا العذل فيها ... أعدّو يلومني أم صديق ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق قدمته على عقار كعين ال ... ديك صفيّ سلافها الراووق «٦» ولهذه الأبيات حكاية حسنة مشهورة مذكورة في درة الغواص. وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة حماد الراوية قال: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام يجفوني لذلك في أيامه، فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام، خفتة فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به، من إخواني سرا، فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة، أمنت فخرجت يوما، وصليت الجمعة بالرصافة، وإذا شرطيان قد وقفا عليّ وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر، وكان واليا على العراق، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف. ثم قلت للشرطين: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي، فاودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا، ثم أسير معكما إليه؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل. فاستسلمت في أيديهما، ثم صرت إلى يوسف بن عمر، وهو في الايوان الأحمر، فسلمت

стр. 481

فرد علي السلام، ورم إلي كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر الثقفي، أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، من غير ترويع، وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا، يسير عليه لإثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. قال: فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فجعلت رحلي في الغرز وسرت إثنتي عشرة ليلة حتى وافيت دمشق، فنزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب من ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، واستدناني فدنوت إليه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل واحدة منهما حلقتان، فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا. قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر قائله! قلت: وما هو؟ قال: ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها ابريق «١» فقلت: يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له فقال: أنشدنيها فانشدته: بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موهوق لست أدري إذا أكثروا العذل فيها ... أعدوّ يلومني أم صديق قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله: ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها ابريق «٢» قدمته على عقار كعين ال ... ديك صفيّ سلافها الراووق مرة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق وطفا فوقها فقاقيع كاليا ... قوت حمر يزينها التصفيق ثم كان المزاج ماء سحاب ... لاصرى آجن ولا مطروق «٣» قال: فطرب هشام، ثم قال لي: أحسنت يا حماد والله، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فاعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني، شربة ذهبت بثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك يا حماد. فقلت: كائنة ما كانت؟ قال: نعم. قلت: إحدى هاتين الجاريتين، فقال: هما لك بما عليهما، ثم قال للجارية الأولى: اسقيه فسقتني شربة، فسقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت، والجاريتان عند رأسي، فإذا عشرة من الخدم، ومع كل واحد منهم بدرة فيها عشرة آلاف درهم. فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه وانتفع بها في سفرك فأخذتها والجاريتين وعدت إلى أهلي انتهى. هكذا ساقها الحريري في كتابه درة الغواص، وفيه

стр. 482

اعترضان: أحدهما قوله: يا جارية اسقيه، فإن هشام لم يكن يشرب الخمر، اللهم إلا أن كان يشرب بحضرته. والثاني قوله: إن هشاما بعث إلى يوسف بن عمر الثقفي، فإنه في هذا التاريخ، لم يكن متوليا على العراق، وإنما كان واليا عليه في التاريخ المذكور خالد بن عبد الله القسري حسبما ذكره أهل التاريخ. الخواص: لحم الديوك حار يابس، باعتدال أجوده عند اعتدال أصواتها، وهو ينفع أصحاب القولنج، ويستحب كدها قبل ذبحها، وأكل لحمها يولد غذاء محمودا ويوافق من الأمزجة الباردة ومن الأسنان الشيوخ، ومن الزمان الشتاء. والديوك العتيقة تنحل منها قوة في الطبخ، ولحمها يطلق البطن، وينفع المفاصل، والرعشة والحمى العتيقة، ذات الأدوار، ولا سيما إذا عمل بملح كثير وماء كرنب، ولبان القرطم والإسفاناخ. وأما الفراخ فغذاؤها موافق لجميع الناس حين تبتدىء بالصياح. والدجاج قبل أن يبيض. وينبغي أن يواصل أكلها دائما. وأما خواص أجزائه فدم الديك أو دماغه إذا طلي به على لسع الهوام أبرأه، والاكتحال بدمه ينفع البياض في العين، وعرف الديك إذا أحرق وسقي منه من يبول في فراشه أزال عنه ذلك وأبرأه. وإذا طليت جبهة الديك وعرفه بدهن لم يصح. وإذا نتف الريش الطويل الذي في ذنبه، عند ركوبه على الدجاجة وهو يسفدها، وجعل في مجرى الحمام، فمن اغتسل من ذلك الماء أنعظ. وفي طرف جناحيه عظمتان، إذا علقت اليمنى على من به الحمى الدائمة أبرأته، وإذا علقت اليسرى على من به حمى الربع أبرأته. وهاتان العظمتان يمنعان الإعياء والنعاس إذا علقتا على بهيمة. وخصيته إذا شويت وأكلتها المرأة التي لا تحبل، في حيضها قبل الطهر بثلاثة أيام، وجامعها زوجها حبلت. وإذا أخذ هذا العضو من يريد الجماع الكثير، وصره في قرطاس وعلقه على عضده الأيسر، أنعظ انعاظا شديدا عجيبا، فإذا حله سكن ذلك عنه. وعرف الديك الأبيض أو الأحمر إذا بخر به المجنون نفعه نفعا عجيبا. ومرارة تخلط بمرق ضأن وتؤكل على الريق تذهب النسيان، وتذكر ما نسي. ودمه يخلط بعسل ويعرض على النار، ويطلى به الذكر يقوي الذكر والباه. وخصية الديك تعلق على الديك المهارش لا يغلبه ديك. التعبير: الديك تدل رؤيته على الخطيب والمؤذن، والقارىء المطرب، وربما دلت رؤيته على الرجل الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه، لأنه يذكر بالصلاة ولا يصلي، وربما دلت رؤيته على الرجل الكثير النكاح، أو السمار الكثير العياط، أو الزمار الذي يأوي إلى النساء، أو الحارس، وربما دلت رؤيته على الرجل الكريم المؤثر على نفسه بما يحتاج إليه، أو القانع بما يجد أو الناقص الحظ، والعائل أو الكثير الوقوع في الشدائد، وربما تدل رؤيته على رب الدار كما أن الدجاجة ربة البيت، ويعبر أيضا بمملوك، لأنه ضمن المدرج لنوح ﵊ لما أنفذه، يكشف خبر الماء إن كان نقص فغدر ولم يأت، فبقي الديك رهينا كالمملوك من ذلك الزمان وامتنع من الطيران. وقيل: الديك في المنام رجل محارب من قبل المماليك. وقيل: الديك إذا كان أبيض أفرق فأنه مؤذن، فمن ذبحه في المنام، فإنه لا يجيب المؤذن، وقيل: رؤية الديك تدل على مصاحبة العلماء وأولي الحكمة. روي أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال له: رأيت كأن ديكا دخل منزلي فلقط حبات شعير كانت فيه، فقال له ابن سيرين: إن سرق لك شيء فأعلمني. فما كان إلا أيام إذ أتى الرجل

стр. 483

إليه فقال: سرق لي بساط من سطح منزلي، فقال ابن سيرين: المؤذن أخذه، فكان كذلك. وقال آخر لابن سيرين: رأيت كأني أخنق ديكا، فقال ابن سيرين؟ هذا رجل ينكح يده. وقال له آخر: رأيت كأن ديكا يصيح بباب بيت إنسان وينشد: قد كان من رب هذا البيت ما كانا ... هيوا لصاحبه يا قوم أكفانا فقال يموت صاحب الدار بعد أربعة وثلاثين يوما، فكان كذلك. وهي عدد حروف الديك بالجمل، وجاءه آخر فقال: رأيت كأن ديكا يقول: الله الله الله فقال له: بقي من أجلك ثلاثة أيام فكان كذلك. ديك الجن: دويبة توجد في البساتين، إذا ألقيت في خمر عتيق حتى تموت، وتترك في محارة، وتسد رأسها وتدفن في وسط الدار، فإنه لا يرى فيها شيء من الأرضة أصلا قاله القزويني. وديك الجن لقب لأبي محمد بن عبد السلام الحمصي الشاعر المشهور من شعراء الدولة العباسية، كان يتشيع تشيعا حسنا وله مراث في الحسين ﵁، وكان ماجنا خليعا عاكفا على القصف واللهو متلافا لما ورثه. مولده سنة إحدى وستين ومائة وعاش بضعا وسبعين سنة، وتوفي في أيام المتوكل سنة خمس أو ست وثلاثين ومائتين. ولما اجتاز أبو نواس بحمص، قاصدا مصر لامتداح الخصيب، جاءه إلى بيته فاختفى منه، فقال لامته: قولي له: اخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك «١» : موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها فلما سمع ذلك ديك الجن خرج إليه واجتمع به وأضافه. وفي تاريخ «٢» ابن خلكان أن دعبلا الخزاعي «٣» ، لما اجتاز يحمص سمع ديك الجن بوصوله فاختفى منه، خوفا أن يظهر لدعبل، لأنه كان قاصرا بالنسبة إليه، فقصده في داره، فطرق الباب واستأذن عليه، فقالت الجارية: ليس هو هنا، فعرف قصده، فقال لها: قولي له: اخرج فأنت أشعر الإنس والجن بقولك: فقام تكاد الكأس تحرق كفه ... من الشمس أو من وجنتيه استعارها موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها فلما بلغ ذلك ديك الجن خرج إليه وأضافه. الديلم: ذكر الدراج وحكمه وخواصه وأمثاله وتعبيره كالدراج. ابن دأية: الغراب الأبقع سمي بذلك لأنه إذا رأى دبرة في ظهر بعير، أو قرحة في عنقه نزل عليه ونقرها إلى الديات. فائدة: الدّيات بتشديد الدال وبالياء المثناة تحت والتاء المثناة فوق في آخره هي عظام الرقبة،

стр. 484

وفقار الظهر. قال ابن الأعرابي في نوادره: فقار البعير ثمان عشرة فقرة، وأكثرها إحدى وعشرون فقرة، وفقار الإنسان سبع عشرة فقرة. وقال جالينوس: خرز الظهر من لدن منبت النخاع من الدماغ، إلى عظم العجز أربع وعشرون خرزة، سبع منها في العنق، وسبع عشرة في الظهر، ثنتا عشرة في الصلب، وخمس في البطن، وهو العجز. قال: والاضلاع أربع وعشرون: اثنتا عشرة في كل جانب، وجملة العظام التي في جسم الإنسان مائتان وثمانية وأربعون عظما، حاشا العظم الذي في القلب والعظام التي حشي بها خلل المفاصل، وتسمى السمسمية، وإنما سميت بالسمسمية لصغرها قال: وجميع الثقب التي في بدن الإنسان اثنتا عشرة: العينان والأذنان، والمنخران، والفم، والثديان، والفرجان، والسرة، حاشا الثقب الصغار التي تسمي المسام، وهي التي يخرج منها العرق فإنها لا تكاد تنحصر. روي: أن عتبة بن أبي سفيان، ولى رجلا من أهله على الطائف، فظلم رجلا من الأزد، فأتى الأزدي عتبة، فمثل بين يديه، فقال: أصلح الله الأمير إنك قد أمرت من كان مظلوما أن يأتيك، فقد أتاك مظلوم غريب الديار، ثم ذكر ظلامته بضجة وجفاء فقال له عتبة: أني أراك أعرابيا جافيا، والله ما أحسبك تدري كم فرض الله عليك من ركعة بين يوم وليلة! فقال الأزدي: أرأيتك إن أنبأتك بها أتجعل لي عليك مسألة؟ قال عتبة: نعم. قال «١» : إن الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهن أربع ثم صلاة الفجر لا تضيّع. فقال عتبة: صدقت ما مسألتك؟ قال: كم فقار ظهرك؟ قال عتبة: لا أدري. فقال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة: أخرجوه عني، وردوا عليه غنيمته. والإبل تعرف من الغراب ذلك فهي تخافه وتحذره وهو الذي تسميه العرب الأعور وتتشاءم به. وسيأتي الكلام عليه، في باب الغين المعجمة إن شاء الله تعالى. الدئل: بضم الدال وكسر الهمزة دابة شبيهة بابن عرس، وكان من حقه أن يكتب في أول الباب، وإنما أخرناه لأنه يكتب في الرسم بالياء قال كعب «٢» بن مالك الأنصاري ﵁: جاؤوا بجيش لوقيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدئل أراد موضع نزولهم ليلا كبيت ابن عرس. قال أحمد بن يحيى: ما نعلم إسما جاء على فعل غير هذا. قال الأخفش: وإليه ينسب أبو الأسود الدئلي، قاضي البصرة، إلا أنهم فتحوا الهمزة، على مذهبهم في النسبة، استثقالا لتوالي الكسرتين مع ياء النسب، كما نسبوا إلى نمرة نمري وإلى ملك ملكي. وإسم أبي الأسود ظالم بن عمرو بن سليمان بن عمرو وفي إسمه ونسبه اختلاف كثير، وكان من سادات التابعين وأعيانهم. يروي عن علي وأبي موسى وأبي ذر وعمران بن حصين

стр. 485

رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وصحب عليا ﵁، وشهد معه وقعة صفين، وهو بصري، وكان من أكمل الرجال رأيا، وأسدهم عقلا، ويعد من الشعراء والمحدثين والبخلاء والفرسان والبخر والعرج والمفاليج والنحويين. وهو أول من وضع النحو، فقيل: إن عليا رضي الله تعالى عنه، وضع له: الكلام كله ثلاثة أضرب: إسم وفعل وحرف، ثم دفعه إليه، وقال له: تمم على هذا وسمي النحو نحوا، لأن أبا الأسود قال: استأذنت على علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، في أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك نحوا. وهو القائل لبنيه: لا تجاودوا الله ، فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسعة على الناس فتهلكوا هزالا. وهو صاحب نوادر، فمنها: أنه سمع رجلا يقول: من يعشي الجائع؟ فدعاه وعشاه، فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على أن لا تؤذي المسلمين الليلة. ثم وضع رجله في الأدهم حتى أصبح. والأدهم القيد. ومنها أنه قال له رجل: إنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير أنك بخيل. فقال: لا خير في ظرف لا يمسك ما فيه. ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور، فقال: بكم اشتريته؟ فقال: قومه. فقال: قيمته أربعة دنانير ونصف. فقال: معذور أنت لأنك نظرته بعين واحدة فقومته بنصف قيمته، ولو نظرته بالعين الأخرى، لو كانت صحيحة، لقومته ببقية القيمة. ومضى إلى داره ونام، فلما استيقظ سمعه يقضم، فقال: ما هذا؟ قالوا: الفرس يأكل شعيره، فقال: لا أترك في مالي من أنام وهو يمحقه ويتلفه، ولا أترك إلا ما يزيده وينميه فباعه واشترى بثمنه أرضا للزراعة. ومنها أن جيرانه بالبصرة، كانوا يخالفونه في الاعتقاد ويؤذونه ويرجمونه في الليل بالحجارة، ويقولون له: إنما يرجمك الله تعالى فيقول لهم: كذبتم لو رجمني الله لأصابني وأنتم ترجموني فلا يصيبني. ثم باع الدار. فقيل له: بعت دارك؟ فقال: بل بعت جاري فأرسلها مثلا. وهذا عكس ما جرى لأبي الجهم العدوي، فإنه باع داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوار سعيد «١» بن العاص؟ فقالوا: وهل يشترى جوار قط؟ قال: ردوا علي داري، وخذوا دراهمكم، والله لا أدع جوار رجل إن فقدت سأل عني، وإن رآني رحّب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته أعطاني، وإن لم أسأله ابتدأني، وإن نابتني جائحة فرج عني. فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بمائة ألف درهم. ومنها أنه دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه يوما فبينما هو يخاطبه إذا ضرط أبو الأسود، فضحك معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين لا تخبر بها أحدا، فلما خرج من عنده، دخل عمرو بن العاص، فأخبره معاوية بما كان من أبي الأسود، فلما رآه عمرو قال له: يا أبا الأسود ضرطت بين يدي أمير المؤمنين؟ فلما دخل على معاوية قال له: ألم أسألك أن لا تخبر بها أحدا؟ فقال له معاوية: ما علم بها إلا عمرو، فقال: اياه كنت أحذر، ولكن فأنت لا تصلح للخلافة! قال: كيف؟ قال: إذا لم تكن لك أمانة على ضرطة فكيف تؤمن على أموال المسلمين ودمائهم؟ فضحك معاوية ووصله. ومنها أنه قيل له: هل شهد معاوية بدرا؟ قال: نعم. لكن من ذلك الجانب. وكان أبو الأسود يعلم أولاد زياد ابن أبيه، والي العراقين فخاصمته امرأته إلى زياد في ولدها، وقالت: إنه يريد أن يغلبني على ولدي، وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء،

стр. 486

وحجري له وطاء. فقال: أبو الأسود: بهذا تريدين أن تغلبيني على ولدي وقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولا سواء إنك حملته خفا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال له زياد: إني أرى امرأة عاقلة فادفع ابنها إليها فأخلق أن تحسن أدبه. توفي أبو الأسود بالبصرة في طاعون الجارف سنة تسع وستين، وعمره خمس وثمانون سنة، وهذا الطاعون كان بالبصرة مات فيه سراة الناس. قيل إنه مات فيه لانس بن مالك رضي الله تعالى عنه ثلاثون ولدا والله تعالى أعلم. باب الذال المعجمة ذؤالة : إسم للذئب كأسامة للأسد، وهو معرفة سمي بذلك لأنه يذأل في مشيته من الذألان، وهو المشي الخفيف، وفي الحديث أن النبي ﷺ مر بجارية سوداء ترقص صبيا لها وتقول: ذؤال يا ابن القرم يا ذؤال. فقال ﷺ : «لا تقولي ذؤالة فإنه شر السباع» . وذؤال ترخيم ذؤالة والقرم السيد. الذباب: معروف واحدته ذبابة ولا تقل ذبانة. جمعه في القلة أذبة وفي الكثرة ذبان بكسر الذال وتشديد الباء الموحدة وبالنون في آخره كغراب وأغربة وغربان وقراد وأقردة وقردان قال النابغة: يا واهب الناس بعيرا صلبه ... ضرّابة بالمشفر الأذبّه ولا يقال ذبابات إلا في الديون قال الراجز: أو يقضى الله ذبابات الديون. وأرض مذبة بفتح الميم والذال أي ذات ذباب. وقال الفراء: أرض مذبوبة، كما يقال أرض موحوشة، أي ذات وحوش. وسمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه، وقيل لأنه كلم ذب آب، وكنيته أبو حفص وأبو حكيم وأبو الحدرس والذباب أجهل الخلق لأنه يلقي نفسه في الهلكة. قال الجوهري: يقال ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت قول افلاطون: إن الذباب أحرص الأشياء ولم يخلق للذباب أجفان لصغر أحداقها، ومن شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار، فجعل الله لها عوضا من الأجفان يدين تصقل بهما مرآة حدقتها، فلهذا ترى الذباب أبدا يمسح بيديه عينيه، وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة. قال «١» الجاحظ: الذباب عند العرب يقع على الزنابير والنحل والبعوض بأنواعه، كالبق والبراغيث والقمل والصؤاب والناموس والفراش والنمل. والذباب المعروف عند الاطلاق العرفي وهو أصناف النعر والقمع والخازباز والشعراء وذباب الكلاب وذباب الرياض وذباب الكلا والذباب الذي يخالط الناس يخلق من الفساد، وقد يخلق من الأجساد، ويقال: إن

стр. 487

الباقلا إذا عتق في موضع استحال كله ذبابا، وطار من الكوى التي في ذلك الموضع ولا يبقى فيه غير القشر انتهى. روى الحاكم عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أنه قال، وهو على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها، فالله الله في اخوانكم من أهل القبور، فإن أعمالكم تعرض عليهم» . ومعنى تمور تذهب وتجيء، والجوّ ما بين السماء والأرض. وفي مسند أبي يعلى الموصلي، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ ، قال: «عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار، إلا النحل «١» . وهو في الكامل في ترجمة عمرو بن شقيق عن مجاهد عن ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الذباب كله في النار إلا النحل. قيل كونه في النار ليس بعذاب له، وإنما ليعذب به أهل النار بوقوعه عليهم» «٢» . وروى النسائي والحاكم عن أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير بن عامر الأقيش الهذلي البصري قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فعثر بعيرنا فقلت: تعس الشيطان. فقال ﷺ : «لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يصير مثل الذبابة» «٣» . ورواه أبو داود عن أبي المليح عن رجل قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فعثرت دابته فقلت: الخ ورواه ابن السني كما رواه النسائي والحاكم، وصرح فيه بأن أبا المليح رواه عن أبيه أسامة بن مالك. وكلتا الروايتين صحيحة فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي والصحابة كلهم عدول، لا تضر الجهالة بأعيانهم. وقال الإمام العلامة الذهبي: الرجل المجهول المبهم أبو عزة. ورواه خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي عن أبيه خالد قال: كنت رديفا للنبي ﷺ ، فعثرت الناقة، فقال إلى آخره. كذا هو في أسد الغاية، في ذكر المنسوبين إلى القبائل. وأما قوله: تعس، فقيل: معناه هلك، وقيل: سقط وقيل: عثر، وقيل لزمه الشر. وتعس بفتح العين وكسرها والفتح أشهر، ولم يذكر الجوهري غير الفتح. وروى الطبراني وابن أبي الدنيا، من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه، فمن ذلك سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، في اليوم الصائف ولو بدوا لكم لرأيتموهم على كل سهل وجبل كل باسط يديه فاغرفاه، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين» . والعرب تجعل الذباب والفراش والنحل والدبر ونحوها كلها واحدا كما تقدم. وجالينوس يقول: إنه ألوان فللإبل ذباب، وللبقر ذباب. وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذبابا وزنابير. وذباب الناس يتولد من الزبل ويكثر الذباب إذا هاجت ريح الجنوب ويخلق في تلك الساعة، وإذا هبت ريح الشمال خف وتلاشى. وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض. انتهى. ومن عجيب أمره أنه يلقي رجيعه على الأبيض أسود، وعلى الأسود أبيض، ولا يقع على شجرة اليقطين. ولذلك أنبتها الله على نبيه يونس ﵊، لأنه حين اخرج من بطن الحوت لو وقعت عليه ذبابة لآلمته فمنع الله عنه الذباب بذلك، فلم يزل كذلك حتى تصلب جسمه. ولا يظهر كثيرا إلا في الأماكن العفنة، ومبدأ خلقه

стр. 488

منها ثم من السفاد، وربما بقي الذكر على الأنثى عامة اليوم. وهو من الحيوانات الشمسية، لأنه يخفي شتاء ويظهر صيفا، وبقية أنواعه كالناموس والفراش والنعر والقمع وغيرها، ستذكر في أبوابها إن شاء الله تعالى وما أحسن قول أبي العلاء المعري، ووفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة: يا طالب الرزق الهنيّ بقوّة ... هيهات أنت بباطل مشغوف رعت الأسود بقوة جيف الفلا ... ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف ولمحمد الأندلسي في المعنى: مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعا ... وإذا وليت عنه تبعك وفي المعنى «١» أيضا لأبي الخير الكاتب الواسطي: جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين وقد أجاد الأمير سيف الدين علي بن فليح الظاهري في التحذير من احتقار العدوّ بقوله: لا تحقرن عدوّا لأن جانبه ... وإن تراه ضعيف البطش والجلد فللذبابة في الجرح المديد يد ... تنال ما قصّرت عنه يد الأسد وفي تاريخ «٢» ابن خلكان، في ترجمة الإمام يوسف بن زهرة الهمذاني الزاهد، صاحب المقامات والكرامات والأحوال الظاهرات، أنه جلس يوما للوعظ فاجتمع إليه العالم، فقام من بينهم فقيه يعرف بابن السقاء وآذاه، وسأله عن مسألة، فقال له الإمام يوسف: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإسلام! فقدم رسول ملك الروم إلى الخليفة فخرج ابن السقاء مع الرسول إلى القسطنطينية فتنصر ومات نصرانيا. وكان ابن السقاء قارئا للقرآن، محمودا في تلاوته. وحكى من رآه بالقسطنطينية قال: رأيته مريضا ملقى على دكة، وبيده مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه، فقلت له: هل القرآن باق على حفظك؟ فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة وهي رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ «٣» والباقي أنسته. اهـ نعوذ بالله من سخطه وخذلانه، ونسأله حسن الخاتمة. فانظر يا أخي كيف هلك هذا الرجل، وخذل بالانتقاد، وترك الاعتقاد. نسأل الله السلامة، فعليك يا أخي بالاعتقاد، وترك الانتقاد على المشايخ العارفين، والعلماء العاملين، والمؤمنين الصالحين، فإن حرابهم مسمومة. فقل من تعرض لهم وسلم، فسلم تسلم ولا تنتقد تندم، واقتد بإمام العارفين، ورأس الصديقين، وعلامة العلماء العاملين في وقته الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى، لما عزم على زيارة قطب

стр. 489

الغوث بمكة، وقال رفيقاه ما قالا فقال: أما أنا فذاهب على قدم الزيارة والتبرك، لا على قدم الإنكار والامتحان، فآل أمره إلى أن قال: قدمي هذا على رقبة كل ولي، وآل أمر أحد رفيقيه إلى الكفر، وترك الإيمان بالانتقاد، وترك الاعتقاد. كما اتفق في هذه الحكاية. وآل أمره الآخر إلى اشتغاله بالدنيا، وتركه خدمة المولى لقلة التوفيق. فنسأل الله التوفيق والهداية والأمانة على الإيمان به وبرسوله، والاعتقاد الحسن في أوليائه وأصفيائه، بمحمد وآله. حدث يحيى بن معاذ أن أبا جعفر المنصور كان جالسا، فألح على وجهه ذباب حتى أضجره، فقال: انظروا من بالباب، فقالوا: مقاتل بن سليمان فقال: علي به، فلما دخل عليه، قال له: هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال: نعم. ليذل به الجبابرة، فسكت المنصور. ومقاتل بن سليمان مشهور بتفسير كتاب الله العزيز، وأخذ الحديث عن جماعة، قال الإمام الشافعي ﵁: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الفقه. قعد مقاتل بن سليمان يوما فقال: سلوني عما دون العرش. فقال له رجل: آدم ﵊ لما حج أول حجة حجها من حلق رأسه، فقال ليس هذا من علمكم ولكني ابتليت لما اعجبتني نفسي. وقيل إنه قيل له الذرة أو النملة أمعاؤها في مقدمها أو مؤخرها؟ فلم يدر ما يقول فكانت عقوبة عوقب بها وأنشد أبو عمرو بن العلاء في هذا المعنى «١» : من تحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان والعلماء مختلفون فيه، فمنهم من وثقه ومنهم من كذبه، وترك حديثه. قيل: إنه كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وقيل: إنه كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها. قال ابن خلكان وغيره: وهذا لا أعتقد صحته. وتوفي مقاتل بن سليمان في سنة خمس وخمسين ومائة وفي مناقب الإمام الشافعي أن المأمون سأله فقال: لاي شيء خلق الله الذباب؟ فقال: مذلة للملوك. فضحك المأمون وقال: رأيته وقد وقع على جسدي فقال: نعم. ولقد سألتني عنه وما عندي جواب. فلما رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد فتح الله لي فيه بالجواب. فقال لله درك. وفي شفاء الصدور وتاريخ ابن النجار مسندا أن النبي ﷺ كان لا يقع على جسده ولا ثيابه ذباب أصلا. الحكم: كل أنواعه يحرم أكلها، وفيه وجه أنه يحل حكاه الرافعي. وقال الماوردي: ومن الفقهاء من أباح الذباب المتولد من مأكول كالفول ونحوه، ولعل قائل هذا القول هو الذي يقول بإباحة المتولد من الفواكه. فرع: قال في الأحياء في أول كتاب الحلال والحرام: لو وقعت ذبابة أو نملة في قدر طبيخ وتهرت أجزاؤها لم يحرم أكل ذلك الطبيخ، لأن تحريم أكل الذباب والنمل ونحوهما إنما كان للاستقذار ولا يعد هذا مستقذرا. قال: ولو وقع فيه جزء من لحم آدمي ميت، لم يحل أكل ذلك الطبيخ، حتى لو كان لحم الآدمي وزن دانق، حرم الطبيخ لا لنجاسته فإن الآدمي الميت

стр. 490

طاهر على الصحيح، خلافا لأبي حنيفة، ولكن لأن أكل لحم الآدمي حرام لحرمته لا لاستقذاره، بخلاف الذباب. هذا كلام الغزالي رحمه الله تعالى. قال في شرح المهذب المختار أنه لا يحرم أكل الطبيخ في مسألة لحم الآدمي لأنه صار مستهلكا، فهو كالبول وغيره إذا وقع في قلتين من الماء فإنه يجوز استعمال جميعه لأن البول صار باستهلاكه كالعدم. وروى البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان أن النبي ﷺ قال «١» : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء» . وفي رواية النسائي وابن ماجه «أن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» . قال الخطابي: وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له، وقال: كيف يكون هذا وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي ذبابة؟ وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء، وما أداها إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل فإن الذي يجد نفسه، ونفس سائر الحيوانات، قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ثم يرى أن الله قد ألف بينها وقهرها على الإجتماع وجعل منها قوى الحيوان التي منها بقاؤه وصلاحه لجدير أن لا ينكر إجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان واحد. وإن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وتعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر جناحا لما أراده من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان، الذي هو مضمار التكليف، وله في كل شيء حكمة وعنوان، وما يذكر إلا أولو الألباب. انتهى. وقد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الأيسر وهو مناسب للداء، كما أن الأيمن مناسب للدواء. وقد استفيد من الحديث أنه إذا وقع في المائع لا ينجسه لأنه ليس له نفس سائلة، هذا هو المشهور وفي قول ينجسه، كسائر الميتات النجسة، وفي ثالث مخرج أن ما يعم وقوعه كالذباب والبعوض لا ينجس، وما لا يعم كالخنافس والعقارب ينجس. وهو متجه لا محيد عنه ومحمل الخلاف في ميتة أجنبية أما الناشىء منه كدود الفواكه والجبن والخل، فلا ينجس ما مات فيه بلا خلاف. كذا قاله الشيخان وابن الرفعة وحكى الدارمي في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها الفرق بين الكثير والقليل ومحل ذلك ما لم يتغير به لكثرته فإن كثر وتغير به فالأصح أنه ينجسه، ومحله أيضا إذا وقع فيه بنفسه فإذا طرح فيه ضر. فرع: لو وقع الزنبور أو الفراش أو النحل وأشباه ذلك في الطعام، هل يؤمر بغمسه لعموم قوله ﷺ «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم» . الحديث «٢» ؟ وهذه الأنواع كلها يقع عليها إسم الذباب في اللغة كما تقدم نقله عن الجاحظ وغيره. وقد قال علي رضي الله تعالى عنه في العسل إنه مذقة ذبابة. وروي الذباب كله في النار إلا النحل كما سبق. فسمي الكل ذبابا وإذا كان كذلك فالظاهر وجوب حمل الأمر بالغمس على الجميع إلا النحل فإن الغمس قد يؤدي إلى قتله وهو حرام.

стр. 491

الأمثال: قال «١» الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الآية. معنى ضرب أثبت وألزم، نحو ضربت عليه الذلة، وضربت عليهم الجزية، ويحتمل أن يكون من الضريب الذي هو المثل، وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان خدعهم، حيث وصفوا بالآلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والاحاطة بالمعلومات عن آخرها، صورا وتماثيل وأدل من ذلك على عجزهم، وانتفاء قدرتهم، أن هذا الخلق الأذل الأقل، لو اختطف منهم شيئا، فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا. وعن ابن عباس ﵄ أن الأصنام كانت ثلاثمائة وستين صنما حول الكعبة، وكانوا يضمخونها بأنواع الطيب ويطلون رؤوسها بالعسل، وكان الذباب يذهب بذلك، وكانوا يتألمون من هذه الجهة. فجعلت مثلا. وقالوا: «أجرأ من ذبابة وأهون من ذبابة «٢» » . «واطيش وأخطأ من الذباب» «٣» لأنه يلقي نفسه في الشيء الحار، والشيء الذي يلتصق به ولا يمكنه التخلص وقالوا «٤» : «أوغل من ذباب: قال الشاعر: أوغل في التطفيل من ذباب ... على طعام وعلى شراب لو أبصر الرغفان في السحاب ... لطار في الجو بلا حجاب قال أبو عبيد كان رجل من أهل الكوفة يقال له طفيل بن دلال من بني عبد الله بن غطفان، وكان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها، وكان يقال له طفيل الأعراس، وكان أول رجل لابس هذا العمل في الأمصار فصار مثلا ينسب إليه كل من يقتدي به. وقالوا «٥» : «أزهى من ذبابة» . وقالوا: «أصابه ذباب لادغ» يضرب لمن نزل به شر عظيم يرق له من سمعه، وقالوا ما يساوي متك ذباب يضرب للشيء الحقير، والمتك العرق الذي في باطن الذكر، وهو كالخيط في باطنه على خلقة العجان. وفي كتاب النصائح لابن ظفر قال: رأيت في أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال وادخارها وقال: إن الرجال، وإن تفرقوا عنك اليوم، متى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك، فقال: هل لهذا من شاهد؟ قال: نعم. هل بحضرتنا الساعة ذباب؟ قال: لا. فأمر الوزير بجفنة فيها عسل، فأحضرت فتساقط عليهم الذباب، فاستشار الملك بعض خواص أصحابه، فنهاه عن ذلك، وقال: لا تغير قلوب الرجال، فليس كل وقت أردتهم يحضرون، فقال: فهل لذلك من دليل؟ قال: نعم. إذا أمسينا أخبرتك فلما أظلم الليل. قال للملك: أحضر جفنة العسل، فأحضرت فلم تحضر ذبابة، فرجع الملك عن رأيه الأول. الخواص: قال الجاحظ: إذا ضرب اللبن بالكندس ونضح به البيت لم يدخله ذباب، وإذا أخذت ذبابة وفصلت رأسها ودلكت بها قرصة الزنبور سكنت، وإذا أحرق الذباب وسحق وخلط بعسل وطلي به داء الثعلب فإنه ينبت فيه الشعر، وإذا ماتت الذبابة، فنثر عليها خبث الحديد

стр. 492

عاشت من وقتها، وإذا بخر البيت بورق القرع أو كندس أو سليخة ذهب منه الذباب، وإذا طبخ ورق القرع ورش به البيت أو الحيطان لم يقع فيه ذباب انتهى. صفة طلسم لمنع الذباب: يؤخذ كندس جديد وزرنيخ أصفر أجزاء متساوية، يسحقان ويعجنان بماء بصل الفار، ويدهن ويعمل منه تمثال ويوضع على المائدة، فلا يقربها ذباب ما دام عليها وإذا وضع على باب البيت باقة من الحشيشة التي يقال لها سادريون، فلا يدخل البيت ذباب ما دامت الباقة معلقة على الباب، وإذا أخذت الذباب الكبير فقطعت رؤوسهن، وحككت بجسدهن موضع الشعرة التي تنبت في الجفن، حكا شديدا فإنه يذهبها أصلا، وهو عجيب مجرب، وإذا أخذت ذبابة وجعلت في خرقة كتان وربطت بخيط ووسع الربط عليها وعلقت على من يشتكي عينه سكن ألمه، وتعلق في عنقه أو عضده. وإن شدخ الذباب وضمد به العين الوارمة أبرأها. وقال محمد بن زكريا القزويني: رأيت في كتب الطبيعيات الرومية إذا علقت ذبابة حية على من يشتكي ضرسه برىء. ومن عضه كلب فليستر وجهه عن الذباب، فإن ذلك مما يؤذيه والله أعلم. التعبير: الذباب في المنام خصم ألد وجيش ضعيف، وربما دل اجتماعه على الرزق الطيب، وربما دل على الداء والدواء للحديث المتقدم. وربما دلت رؤيته على الأعمال السيئة والوقوع فيما يوجب التقريع لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ إلى قوله: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ «١» . الذر: النمل الأحمر الصغير واحدته ذرة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ «٢» أي لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، أي وزن ذرة. سئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة. والذرة واحدة منها وقيل: إن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر وستره ثم وزنه فلم يزد شيئا. وقيل: الدر اجزاء الهباء في الكوة، وكل جزء منه ذرة ولا يكون لها وزن. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، في شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة: «ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» . صحفها «٣» شعبة بن بسطام، وقال: مثقال ذرة بضم الذال وتخفيف الراء وقال العبدري: إنما قال درة بالدال المهملة وتشديد الراء واحدة الدر وهو تصحيف التصحيف. قال ابن بطة من الحنابلة في تفسير الآية: مثقال مفعال من الثقل، والذرة النملة الصغيرة الحمراء، وهي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر وتحرى كما تفعل الأفعى. تقول العرب أفعى حارية وهي أشدها سما قال امرؤ القيس: من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّر فوق الأتب منها الأثّرا «٤» المحول الذي أتى عليه حول والأتب ثوب تلقيه المرأة في عنقها بلا كم ولا جيب وقال حسان:

стр. 493

لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم «١» أي لو دبت الحولية من الذر عليها لأثرت بها الكلوم. وقال السهيلي وغيره: أهلك الله تعالى جرهم بالذر والرف، حتى كان آخرهم موتا امرأة رؤيت تطوف بالبيت بعدهم بزمان، فتعجبوا من طولها وعظم خلقها، حتى قال لها قائل: أجنية أنت أم إنسية؟ فقالت: بل انسيه من جرهم، ثم اكترت من رجلين من جهينة بعيرا إلى أرض خيبر، فلما أنزلاها استخبراها عن الماء فأخبرتهما، فوليا فأتاها الذر فتعلق بها إلى أن انتهى إلى خياشيمها، ثم نزل إلى حلقها فهلكت. وعبر عن الذرة يزيد بن هارون بأنها دودة حمراء وهي عبارة فاسدة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الذرة رأس النملة. وقال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيآتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها قال «٢» الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ انتهى. وهذه الآية كان رسول الله ﷺ يسميها الجامعة الفاذة، أي المنفردة في معناها. وروى البيهقي في الشعب، من حديث صالح المري عن الحسن عن أنس أن سائلا أتى النبي ﷺ فاعطاه تمرة فقال السائل: سبحان الله نبي من أنبياء الله يتصدق بتمرة: فقال النبي ﷺ : «أو ما عملت أن فيها مثاقيل ذر كثير» . «ثم أتاه آخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبدا فأمر له بمعروف. وفي رواية قال للجارية: إذهبي إلى أم سلمة فمريها فلتعطه الأربعين درهما التي عندها قال أنس: فما لبث الرجل أن استغنى» . وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة» «٣» . وأعطى سعد بن أبي وقاص ﵁ سائلا تمرتين، فقبض السائل يده فقال له سعد: يا هذا إن الله قد قبل منا مثاقيل الذرة. وفعلت عائشة رضي الله تعالى عنها هذا في حبة عنب. وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التميمي عند النبي ﷺ فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. وسمعها رجل عند الحسن البصري فقال: انتهت الموعظة. فقال الحسن: فقه الرجل. وروى الحاكم في المستدرك عن أبي أسماء الرحبي، أن هذه السورة نزلت وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، يأكل مع النبي ﷺ ، فترك أبو بكر الأكل وبكى، فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك» . فقال: يا رسول الله أو نسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة» . قال: والذرة نملة صغيرة حمراء لا يرجح بها ميزان. وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي هريرة رضي الله تعالى أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالجبارين والمتكبرين يوم القيامة رجال على صور الذر يطؤهم الناس، من هوانهم على الله، حتى يقضي بين الناس، قال: ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار. قيل: يا رسول الله وما نار الأنيار؟ قال عصارة أهل النار» . ورواه «٤» صاحب الترغيب والترهيب. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ «٥» قال: «يحشر المتكبرون يوم

стр. 494

القيامة أمثال الذر في صور الناس، يغشاهم الصغار من كل مكان، ويساقون إلى سجن من النار يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وفي شعب الإيمان للبيهقي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابية في البادية في كوخ فقلت لها يا اعرابية من يؤنسك ههنا؟ قالت: يؤنسني مؤنس الموتى في قبورهم. قلت: ومن أين تأكلين؟ قالت: يطعمني مطعم الذرة وهي أصغر مني. وفي المدهش للإمام العلامة أبي الفرج بن الجوزي أن رجلا من العجم طلب الأدب حينا فبينما هو في بعض الطريق سائر إذ مرّ بصخرة ملساء فتأملها فإذا ذر يدب عليها، وقد أثر عليها من كثرة دبيبه ففكر وقال: مع صلابة هذا الحجر، وخفة هذا الذر قد أثر فيه هذا الأثر، فأنا أحرى على أن أدوم على الطلب فلعلي أظفر ببغيتي. فراجع الإثبات على الأدب، فلم يلبث أن خرج مبرزا. وهكذا يجب أن يكون طالب فائدة دينية أو دنيوية، لا سيما طالب التوحيد والمعرفة، أن يكون كرارا غير فرار، فإما الظفر والغنيمة وإما القتل والشهادة. وسئل أبو زيد البسطامي رحمه الله تعالى، عن العارف؟ فقال: هو أن يكون وحداني التدبير، فرداني المعنى، صمداني الرؤية، رباني القوة، وحداني العيش، نوراني العلم خلداني العجائب، سماوي الحديث، وحشي الطلب ملكوتي السر، عنده مفاتح الغيب، وخزائن الحكم وجواهر القدس، وسرادقات الأبرار، فإذا جاوز الحد وارتفع إلى أعلى فهو غير مدرك وحاله غير موصوف. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال «١» : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» . فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس» . ورواه «٢» الترمذي، وقال: حسن غريب. وقيل: المراد بالكبر ههنا الكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. وقيل لا يكون في قلبه كبر حين دخول الجنة. كما قال «٣» الله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ* الآية وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم، والظاهر فيه ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنه لا يدخلها دون مجازاة، أو لا يدخلها مع أول الداخلين، وأما قوله، «فقال رجل» . فذلك الرجل هو مالك بن مرارة الرهاوي، قاله القاضي عياض، وأشار إليه ابن عبد البر. وحكى أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في إسمه أقوالا: أحدها أنه أبو ريحانة، وإسمه شمعون، وقيل: ربيعة بن عامر، وقيل: سواد بالتخفيف بن عمرو، وقيل: معاذ بن جبل. ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع. وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاص. ومعنى قوله إن الله جميل: أي إن كل أمره سبحانه حسن وجميل، فله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال، وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم وسميع بمعنى مكرم ومسمع. وقال أبو القاسم القشيري: معناه جليل: وقيل معناه ذو النور والبهجة أي مالكهما وقيل: معناه جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه، ويثيب عليه

стр. 495

الجزيل سبحانه ما أكرمه! قال شيخ الإسلام يحيى النووي رحمه الله تعالى: هذا الإسم ورد في الحديث الصحيح وورد في الأسماء الحسنى. وفي إسناده مقال والمختار جواز اطلاقه على الله تعالى، ومن العلماء ومن معه. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: ما ورد به الشرع جوزنا إطلاقه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتجويز ولا منع، فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحريم أو تحليل لكنا مثبتين حكما بغير الشرع، ثم لا يشترط في جواز الاطلاق ورود ما نقطع به في الشرع، ولكن ما يقتضي العمل، وإن لم يوجب العمل فإنه كاف إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، ولا يجوز التمسك بها في تسمية الله تعالى وصفته. قال النووي: وقد اختلف أهل السنة في تسميته تعالى ووصفه، من أوصاف الكمال والجلال والمدح، بما لم يرد به الشرع ولا منعه، فأجازه طائفة ومنعه آخرون، إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع على اطلاقه، فإن ورد به خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل. وذلك جائر بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاده ما يجوز أن يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع، قال القاضي: والصواب جوازه لاشتماله على العمل، ولقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها «١» وهو كما قال. وأما قوله وغمط الناس كذا في نسخ صحيح مسلم، وكذلك ذكره أبو داود في مصنفه، وذكره الترمذي وغيره غمص بالصاد المهملة وهما بمعنى واحد وهو احتقارهم. وأما رؤيته في المنام، فإنها تعبر بالنسل لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «٢» والذر أيضا يعبر بالضعفاء من الناس. وقيل: الذر جند لأنه من النمل والله تعالى أعلم. الذراح: قال الجوهري: الذراح والذروح بالضم دويبة حمراء منقطة بسواد تطير وهي من السموم والجمع الذراريح. وقال سيبويه: واحد الذراريح ذرحرح، وليس عنده في الكلام فعول بواحدة. وكان يقول: سبوح قدوس بفتح أوائلهما. والذراح أنواع فمنه ما يتولد من الحنطة ومنه دود الصنوبر ومنه ما في أجنحته خطوط صفر ولونه مختلف وأجسامها كبار طوال ممتلئة قريبة الشبه من بنات وردان. الحكم: يحرم أكلها لاستخبائها. الخواص: الذراريح تنفع الجرب، والعلة التي ينقشر معها الجلد. ويخلط في الأدوية الموافقة للأورام، كالسرطان والقوابي الرديئة، قال الرازي: الاكتحال منها ينفع الطرفة في العين، وإذا طلي بها مسحوقة قتلت القمل، وإذا طبخت في زيت أبرأ ذلك الزيت داء الثعلب وزعم القدماء من الأطباء: أنه إذا جعل شيء منها من خرقة حمراء وعلقت على من به حمى أبرأته بخاصية عجيبة. الذرع: بالتحريك ولد البقرة الوحشية تقول منه أذرعت البقرة فهي مذرع.
следующие страницы →